Полный текст (4 343 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
الثَّالِثَةِ قَدْ يَكُونُ أَخْبَرَهُ ; لِأَنَّهُ قَالَ: لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، فَهُوَ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ: هَلْ هُوَ تَزَكَّى أَمْ لَا؟ إِلَّا أَنَّ لَعَلَّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلتَّحْقِيقِ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.
تَنْبِيهٌ آخَرُ.
قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَقْسَمَ اللَّهُ بِالسَّمَاءِ، وَبِالنَّجْمِ الطَّارِقِ ; لِعَظَمِ أَمَرِهِمَا، وَكِبَرِ خَلْقِهِمَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ: فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [٥ ٦ \ ٧٥ - ٧٦] ; وَلِأَنَّهُ أَقْسَمَ بِالنَّجْمِ إِذَا هَوَى. وَفِيمَا تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - تَرْجِيحُ كَوْنِ مَوَاقِعِ النُّجُومِ: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [٥٣ \ ١] : إِنَّمَا هُوَ نُجُومُ الْقُرْآنِ، وَتَنْزِيلُهُ مُنَجَّمًا وَهُوَ بِهِ نُزُولُ الْمَلِكِ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ
قِيلَ: «حَافِظٌ» لِأَعْمَالِهِ يُحْصِيهَا عَلَيْهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [٥٠ \ ١٨] .
وَقِيلَ: «حَافِظٌ» أَيْ: حَارِسٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [١٣ \ ١١] ، وَالسِّيَاقُ يَشْهَدُ لِلْمَعْنَيَيْنِ مَعًا ; لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى بَعْدَهُ: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [٨٦ \ ٥ - ٧] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي تِلْكَ الْمَرَاحِلِ فِي حِفْظٍ، فَهُوَ أَوَّلًا: «فِي قَرَارٍ مَكِينٍ» [٢٣ \ ١٣] .
وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا» . الْحَدِيثَ.
وَبَعْدَ بُلُوغِهِ سِنَّ التَّكْلِيفِ يَجْرِي عَلَيْهِ الْقَلَمُ، فَيَحْفَظُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ، فَلَا مَانِعَ مِنْ إِرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ مَعًا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ حَمْلِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ لَهُ مُتَعَلِّقٌ يَخْتَصُّ بِزَمَنٍ خِلَافِ الْآخَرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ
«الْإِنْسَانُ» هُنَا خَاصٌّ بِبَنِي آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ عَامَّةً، وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ آدَمُ وَلَا حَوَّاءُ وَلَا عِيسَى ﵇ لِأَنَّهُ بَيَّنَ مَا خُلِقَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ.
стр. 4027
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بَيَانُ هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ [١٦ \ ٤] ، فِي سُورَةِ «النَّحْلِ» ، وَفِي سُورَةِ «الْوَاقِعَةِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ [٥٦ \ ٥ ٨ - ٥٩] ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ [٧٦ \ ٢] ، فِي سُورَةِ «الدَّهْرِ» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ، «إِنَّهُ» هُنَا أَيْ: إِنَّ اللَّهَ «عَلَى رَجْعِهِ» ، الضَّمِيرُ فِيهِ قِيلَ: رَاجِعٌ لِلْمَاءِ الدَّافِقِ، أَيْ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى رَجْعِ هَذَا الْمَاءِ مِنْ حَيْثُ خَرَجَ، كَرَدِّ اللَّبَنِ إِلَى الضَّرْعِ مَثَلًا، وَرَدِّ الطِّفْلِ إِلَى الرَّحِمِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ.
وَقِيلَ: عَلَى رَجْعِ الْإِنْسَانِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي الْأَوَّلِ دَلَالَةٌ عَلَى الْقُدْرَةِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ، إِلَّا أَنَّ فِي السِّيَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الثَّانِي ; لِعِدَّةِ أُمُورٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ رَدَ الْمَاءِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ وَلَا أَمْرٌ آخَرُ سِوَى إِثْبَاتِ الْقُدْرَةِ، بِخِلَافِ رَجْعِ الْإِنْسَانِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَهُوَ قَضِيَّةُ الْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ. وَيَتَعَلَّقُ بِهِ كُلُّ أَحْكَامِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
الثَّانِي: مَجِيءُ الْقُرْآنِ بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ دَلِيلٌ عَلَى الْإِعَادَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي «يس» : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ أَيْ: مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ: قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [٣٦ \ ٧٨ - ٧٩] ، أَيْ: «مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ» .
الثَّالِثُ: أَنِ الْأَوَّلَ يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى تَقْدِيرِ عَامِلٍ لِـ «يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ» ، نَحْوُ اذْكُرْ مَثَلًا، بِخِلَافِ الثَّانِي، فَإِنَّ الْعَامِلَ فِيهِ: هُوَ «لَقَادِرٌ» ، أَيْ: لَقَادِرٌ عَلَى رَجْعِهِ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ.
وَنَقَلَ أَبُو حَيَّانَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ قَوْلَهُ: وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِنَّمَا فَرَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ: «لَقَادِرٌ» هُوَ الْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ ; لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ قُدْرَتَهُ عَلَى رَجْعِهِ مُقَيَّدَةٌ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ بِتَأَمُّلِ أُسْلُوبِ الْعَرَبِ يُعْلَمُ جَوَازُهُ ; لِأَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَفِي كُلِّ وَقْتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى وَخَصَّصَ مِنَ الْأَوْقَاتِ الْوَقْتَ الْأَهَمَّ
стр. 4028
عَلَى الْكُفَّارِ ; لِأَنَّهُ وَقْتُ الْجَزَاءِ وَالْوُصُولِ إِلَى الْعَذَابِ لِلتَّحْذِيرِ مِنْهُ. اهـ.
فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي «رَجْعِهِ» عَائِدٌ لِلْإِنْسَانِ، أَيْ: بَعْدَ مَوْتِهِ بِالْبَعْثِ، وَأَنَّ الْعَامِلَ هُوَ: «لَقَادِرٌ» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهُ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بَيَانُهُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ [١٠ \ ٣٠] ، وَسَاقَ عِنْدَهَا هَذِهِ الْآيَةَ، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي سُورَةِ «الْعَادِيَاتِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ [١٠٠ \ ٩ - ١٠] . وَقَدْ أَجْمَلَ ابْتِلَاءَ السَّرَائِرِ.
وَكَذَلِكَ أَجْمَلَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بِإِيرَادِ الْآيَاتِ.
وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا أَمَانَةُ التَّكْلِيفِ فِيمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَمَثَّلُوا لِذَلِكَ: بِالْحِفَاظِ عَلَى الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَحِفْظِ الصَّوْمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَمِنْهُ الْعَقَائِدُ وَصِدْقُ الْإِيمَانِ أَوِ النِّفَاقُ، عِيَاذًا بِاللَّهِ.
وَالسَّرَائِرُ: هِيَ كُلُّ مَا يُخْفِيهِ الْإِنْسَانُ حَتَّى فِي الْمُعَامَلَاتِ مَعَ النَّاسِ، كَمَا فِي الْأَثَرِ: «الْكَيِّسُ مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَبِيئَةُ سِرٍّ» ، وَقَوْلِهِ: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ [٦٧ \ ١٣] ، فَالسِّرُّ ضِدُّ الْجَهْرِ، وَقَالَ الْأَحْوَصُ:
سَيَبْقَى لَهَا فِي مُضْمَرِ الْقَلْبِ وَالْحَشَا ... سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ
قَالَ أَبُو حَيَّانَ: سَمِعَهُ الْحَسَنُ، فَقَالَ: مَا أَغْفَلَهُ عَمَّا فِي السَّمَاءِ وَالطَّارِقِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ
قَالُوا: لَيْسَ مِنْ قُوَّةٍ فِي نَفْسِهِ لِضَعْفِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [١٨ \ ٤٨] .
وَقَوْلُهُ: خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [٦٨ \ ٤٣] ، أَيْ: مِنَ الضَّعْفِ وَشِدَّةِ الْخَوْفِ، وَلَا نَاصِرَ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا [١٨ \ ٤٣] .
стр. 4029
وَقَوْلُهُ: يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [٨٢ \ ١٩] . .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ قِيلَ: رَجْعُ السَّمَاءِ: إِعَادَةُ ضَوْءِ النُّجُومِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ.
وَقِيلَ: " الرَّجْعُ ": الْمَلَائِكَةُ تَرْجِعُ بِأَعْمَالِ الْعِبَادِ.
وَقِيلَ: " الرَّجْعُ ": الْمَطَرُ وَأَرْزَاقُ الْعِبَادِ. " وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ " قِيلَ: تَنْشَقُّ عَنِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْبَعْثِ. وَقِيلَ: تَنْشَقُّ بِالنَّبَاتِ.
وَالَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الْقُرْآنُ: أَنَّ الرَّجْعَ وَالصَّدْعَ مُتَقَابِلَانِ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ: بِالْمَطَرِ وَالنَّبَاتِ. كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا " [٨٠ \ ٢٤ - ٢٨] . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ: قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَقٌّ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَقَالَ آخَرُونَ: حُكْمٌ عَدْلٌ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّهُ أَيِ الْقُرْآنُ، يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.
وَقِيلَ: هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْوَعِيدِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [٨٦ \ ٨ - ٩] .
وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ بِمَا قَالَ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ أَوَّلًا، ثُمَّ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ الثَّانِي، أَيْ: أَنَّ الْإِخْبَارَ عَنْ رَجْعِ الْإِنْسَانِ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ، قَوْلٌ فَصْلٌ، وَهَذَا مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَعَزَاهُ النَّيْسَابُورِيُّ إِلَى الْقَفَّالِ.
وَسِيَاقُ السُّورَةِ يَشْهَدُ لِهَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي ; لِأَنَّ السُّورَةَ كُلَّهَا فِي مَعْرِضِ إِثْبَاتِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَعْثِ، وَإِعَادَةِ الْإِنْسَانِ بَعْدَ الْفَنَاءِ، حَيْثُ تَضَمَّنَتْ ثَلَاثَةَ أَدِلَّةٍ مِنْ أَدِلَّةِ الْبَعْثِ:
الْأَوَّلُ: السَّمَاءُ ذَاتُ الطَّارِقِ ; لِعِظَمِ خِلْقَتِهَا، وَعِظَمِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْقُدْرَةِ.
стр. 4030
الثَّانِي: خَلْقُ الْإِنْسَانِ أَوَّلًا مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [٣٦ \ ٧٩] .
الثَّالِثُ: مَجْمُوعُ قَوْلِهِ: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ، أَيْ: إِنْزَالُ الْمَطَرِ، وَإِنْبَاتُ النَّبَاتِ وَهُوَ إِحْيَاءُ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا. فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ الْإِقْسَامُ عَلَى تَحَقُّقِ الْبَعْثِ.
وَأَكَّدَ هَذَا مَا جَاءَ بَعْدَهُ مِنَ الْوَعِيدِ بِالْإِمْهَالِ رُوَيْدًا، وَقَدْ سُمِّيَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بِيَوْمِ الْفَصْلِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [٧٧ \ ١٢ - ١٥] .
وَذِكْرُ الْوَيْلِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلْمُكَذِّبِينَ، يُعَادِلُ الْإِمْهَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ لِلْكَافِرِينَ، وَإِذَا رَبَطْنَا بَيْنَ الْقَسَمِ وَالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ، لَكَانَ أَظْهَرَ وَأَوْضَحَ ; لِأَنَّ رَجْعَ الْمَاءِ بَعْدَ فَنَائِهِ بِتَلْقِيحِ السَّحَابِ مِنْ جَدِيدٍ، يُعَادِلُ رَجْعَ الْإِنْسَانِ بَعْدَ فَنَائِهِ فِي الْأَرْضِ، وَتَشَقُّقُ الْأَرْضِ عَنِ النَّبَاتِ يُنَاسِبُ تَشَقُّقَهَا يَوْمَ الْبَعْثِ عَنِ الْخَلَائِقِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا نِسْبَةُ هَذَا الْفِعْلِ لَهُ تَعَالَى، قَالُوا إِنَّهُ: مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ كَقَوْلِهِ: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [٣ \ ٥٤] ، وَقَوْلِهِ: إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [٢ \ ١٤ - ١٥] ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَيِّ الطَّعَامِ يُرِيدُ، وَهُوَ عَارٍ يُرِيدُ كُسْوَةً:
قَالُوا اخْتَرْ طَعَامًا نَجِدْ لَكَ طَبْخَةً ... قُلْتُ اطْبُخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصَا
وَقَدِ اتَّفَقَ السَّلَفُ، أَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْإِطْلَاقِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَقَّ لَهُ مِنْهُ اسْمٌ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ فِي مُقَابِلِ فِعْلِ الْعِبَادِ ; لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ الْمُقَابَلَةِ لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَفِي مَعْرِضِ الْمُقَابَلَةِ فَهُوَ فِي غَايَةِ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَالْقُدْرَةِ، وَالْكَيْدُ أَصْلُهُ الْمُعَاجَلَةُ لِلشَّيْءِ بِقُوَّةٍ.
وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي مُعْجَمِ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ: وَالْعَرَبُ قَدْ تُطْلِقُ الْكَيْدَ عَلَى الْمَكْرِ، وَالْعَرَبُ قَدْ يُسَمُّونَ الْمَكْرَ كَيْدًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا [٥٢ \ ٤٢] ، وَعَلَيْهِ فَالْكَيْدُ هُنَا لَمْ يُبَيَّنْ، فَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْمَكْرِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ -
стр. 4031
بَيَانُ شَيْءٍ مِنْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [٣ \ ٥٤] ; بِأَنَّ مَكْرَهُمْ مُحَاوَلَتُهُمْ قَتْلَ عِيسَى، وَمَكْرُ اللَّهِ إِلْقَاءُ الشَّبَهِ، أَيْ: شَبَّهَ عِيسَى عَلَى غَيْرِ عِيسَى.
وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ [١٦ \ ٢٦] ، وَهَذَا فِي قِصَّةِ النُّمْرُودِ، فَكَانَ مَكْرُهُمْ بُنْيَانَ الصَّرْحِ لِيَصْعَدَ إِلَى السَّمَاءِ، فَكَانَ مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ أَنْ تَرَكَهُمْ حَتَّى تَصَاعَدُوا بِالْبِنَاءِ، فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ، فَهَدَمَهُ عَلَيْهِمْ.
وَهَكَذَا الْكَيْدُ هُنَا، إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ، وَاللَّهِ يَكِيدُ لَهُمْ بِالِاسْتِدْرَاجِ حَتَّى يَأْتِيَ مَوْعِدُ إِهْلَاكِهِمْ، وَقَدْ وَقَعَ تَحْقِيقُهُ فِي بَدْرٍ ; إِذْ خَرَجُوا مُحَادَّةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَفِي خُيَلَائِهِمْ وَمُفَاخَرَتِهِمْ، وَكَيْدُ اللَّهِ لَهُمْ: أَنْ قَلَّلَ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ، حَتَّى طَمِعُوا فِي الْقِتَالِ، وَأَمْطَرَ أَرْضَ الْمَعْرَكَةِ، وَهُمْ فِي أَرْضٍ سَبْخَةٍ، وَالْمُسْلِمُونَ فِي أَرْضٍ رَمْلِيَّةٍ فَكَانَ زَلَقًا عَلَيْهِمْ وَثَبَاتًا لِلْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ أَنْزَلَ مَلَائِكَتَهُ لِقِتَالِهِمْ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا قَالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ مَا نَصُّهُ: هَذَا الْإِمْهَالُ الْمَذْكُورُ هُنَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ الْآيَةَ [٩ \ ٥] .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْإِمْهَالَ مَنْسُوخٌ بِآيَاتِ السَّيْفِ. اهـ.
وَهَذَا مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الطَّبَرِيِّ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ وَهُوَ مَنْصُوصُ الْقُرْطُبِيِّ. وَلَعَلَّ فِي نَفْسِ الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ; لِأَنَّ «رُوَيْدًا» : بِمَعْنَى قَلِيلًا، فَقَدْ قَيَّدَ الْإِمْهَالَ بِالْقِلَّةِ، مِمَّا يُشْعِرُ بِمَجِيءِ النَّسْخِ وَأَنَّهُ لَيْسَ نِهَائِيًّا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 4032
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ الْأَعْلَى .
قَوْلُهُ تَعَالَى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
تَقَدَّمَ مَعْنَى التَّسْبِيحِ، وَهُوَ التَّنْزِيهُ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ، وَالْأَمْرُ بِالتَّسْبِيحِ هُنَا مُنْصَبٌّ عَلَى اسْمِ رَبِّكَ، وَفِي آيَاتٍ أُخَرَ جَاءَ الْأَمْرُ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ: وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا [٧٦ \ ٢٦] . وَمِثْلِ: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [٣٠ \ ١ ٧] .
وَتَسْبِيحُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ كَقَوْلِهِ: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ [٣٧ \ ١٨٠] ، فَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، هَلِ الْمُرَادُ تَسْبِيحُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، أَوِ الْمُرَادُ تَسْبِيحُ اسْمِهِ تَعَالَى، كَمَا هُوَ هُنَا؟ ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِتَسْبِيحِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَجَاءَتْ مَسْأَلَةُ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي سُورَةِ «الْوَاقِعَةِ» ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [٥٦ \ ٩٦] ، قَوْلُهُ: إِنَّ الْبَاءَ هُنَاكَ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَفْعُولِ كَدُخُولِهَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا [١٩ \ ٢٥] ، وَأَحَالَ عَلَى مُتَقَدِّمٍ فِي ذَلِكَ، وَحَكَى كَلَامَ الْقُرْطُبِيِّ أَنَّ الِاسْمَ بِمَعْنَى الْمُسَمَّى، وَاسْتَشْهَدَ لَهُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ بِقَوْلِ لَبِيدٍ:
إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا ... وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
وَقَالَ: لَا يَلْزَمُ فِي نَظَرِي أَنَّ الِاسْمَ بِمَعْنَى الْمُسَمَّى هُنَا ; لِإِمْكَانِ كَوْنِ الْمُرَادِ نَفْسُ الِاسْمِ ; لِأَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ أَلْحَدَ فِيهَا قَوْمٌ وَنَزَّهَهَا آخَرُونَ، وَوَصَفَهَا اللَّهُ بِأَنَّهَا بَالِغَةُ غَايَةِ الْحُسْنِ ; لِاشْتِمَالِهَا عَلَى صِفَاتِهِ الْكَرِيمَةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [٧ \ ١٨٠] .
стр. 4033
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [١٧ \ ١١٠] . ثُمَّ قَالَ: وَلَسْنَا نُرِيدُ أَنْ نَذْكُرَ كَلَامَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى: هَلِ الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى أَوْ لَا؟ لِأَنَّ مُرَادَنَا هُنَا بَيَانُ مَعْنَى الْآيَةِ. اهـ.
فَتَضَمَّنَ كَلَامُهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - احْتِمَالَ كَوْنِ الْمُرَادِ: تَنْزِيهُ اسْمِ اللَّهِ عَمَّا أَلْحَدَ فِيهِ الْمُلْحِدُونَ، كَاحْتِمَالِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، كَمَا تَضَمَّنَ عَدَمَ لُزُومِ كَوْنِ الِاسْمِ هُنَا بِمَعْنَى الْمُسَمَّى، وَلَعَلَّنَا نُورِدُ مُجْمَلَ بَيَانِ تِلْكَ النِّقَاطِ. إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
أَمَّا تَنْزِيهُ أَسْمَاءِ اللَّهِ فَهُوَ عَلَى عِدَّةِ مَعَانٍ، مِنْهَا: تَنْزِيهُهَا عَنْ إِطْلَاقِهَا عَلَى الْأَصْنَامِ: كَاللَّاتَ، وَالْعُزَّى، وَاسْمِ الْآلِهَةِ.
وَمِنْهَا: تَنْزِيهُهَا عَنِ اللَّهْوِ بِهَا وَاللَّعِبِ، كَالتَّلَفُّظِ بِهَا فِي حَالَةٍ تُنَافِي الْخُشُوعَ وَالْإِجْلَالَ: كَمَنْ يَعْبَثُ بِهَا وَيَلْهُو، وَنَظِيرُهُ مَنْ يَلْهُو وَيَسْهُو عَنْ صَلَاتِهِ: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [١٠٧ \ ٤ - ٥] ، أَوْ وَضْعِهَا فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا: كَنَقْشِ الثَّوْبِ، أَوِ الْفِرَاشِ الْمُمْتَهَنِ.
وَمِنْهَا: تَنْزِيهُهَا عَنِ الْمَوَاطِنِ غَيْرِ الطَّاهِرَةِ، وَقَدْ كَانَ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ ; لِمَا فِيهِ مِنْ نَقْشِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَمِنْهُ: صِيَانَةُ الْأَوْرَاقِ الْمَكْتُوبَةِ مِنَ الِابْتِذَالِ صَوْنًا لِاسْمِ اللَّهِ.
وَعَلَى هَذَا تَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ مُوَضِّحَةً لِآيَةِ «الْوَاقِعَةِ» ، وَأَنَّ اسْمَ رَبِّكَ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الْمَفْعُولِ بِهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالتَّسْبِيحِ، وَعَلَى أَنَّ الْمُرَادَ تَسْبِيحُ اللَّهِ تَعَالَى،، فَقَالُوا: إِنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى، كَمَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالُوا: الِاسْمُ صِلَةٌ، كَمَا فِي بَيْتِ لَبِيدٍ الْمُتَقَدِّمِ.
أَمَّا مَسْأَلَةُ الِاسْمِ: هَلْ هُوَ عَيْنُ الْمُسَمَّى أَمْ لَا؟ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا الْفَخْرُ الرَّازِيُّ، وَقَالَ: إِنَّهُ وَصْفٌ رَكِيكٌ.
أَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ -: وَلَا يَلْزَمُ فِي نَظَرِي كَوْنُ الِاسْمِ بِمَعْنَى الْمُسَمَّى هُنَا، فَإِنَّهُ بِلَازِمٍ إِلَى بَسْطٍ قَلِيلٍ ; لِيُظْهِرَ صِحَّةَ مَا قَالَهُ.
стр. 4034
وَقَدْ نَاقَشَهَا الرَّازِيُّ بَعْدَ مُقَدِّمَةٍ، قَالَ فِيهَا: مِنَ النَّاسِ مَنْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فِي أَنَّ الِاسْمَ نَفْسُ الْمُسَمَّى.
فَأَقُولُ: إِنَّ الْخَوْضَ فِي الِاسْتِدْلَالِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بَعْدَ تَلْخِيصِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَلَا بُدَّ هَا هُنَا مِنْ بَيَانِ أَنَّ الِاسْمَ مَا هُوَ؟ وَالْمُسَمَّى مَا هُوَ؟
فَنَقُولُ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الِاسْمِ هُوَ هَذَا اللَّفْظُ، وَبِالْمُسَمَّى تِلْكَ الذَّاتُ، فَالْعَاقِلُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ: الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الِاسْمِ هُوَ تِلْكَ الذَّاتُ، وَبِالْمُسَمَّى أَيْضًا تِلْكَ الذَّاتُ. كَانَ قَوْلُنَا: الِاسْمُ نَفْسُ الْمُسَمَّى ; هُوَ أَنَّ تِلْكَ الذَّاتَ هِيَ تِلْكَ الذَّاتُ. وَهَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنَازِعَ فِيهِ عَاقِلٌ، فَعَلِمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي وَصْفِهَا رَكِيكَةٌ، وَذَكَرَ الِاشْتِبَاهَ عَلَى الْمُتَأَخِّرِينَ ; بِسَبَبِ لَفْظِ الِاسْمِ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ الْفِعْلِ وَالْحَرْفِ، إِذْ هُوَ مُرَادُ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي إِطْلَاقِهِ وَإِرَادَةِ مُسَمَّاهُ.
وَمِنْ هُنَا تَعْلَمُ لِمَاذَا أَعْرَضَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - عَنْ بَيَانِهَا؟ وَقَدْ أَوْرَدْنَا هَذَا الْبَيَانَ الْمُجْمَلَ ; لِنُطْلِعَ الْقَارِئَ إِلَيْهِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ أَوِ الْمُتَأَخِّرِينَ ; فَإِنَّهُ إِنْ وَقَعَ الِاحْتِمَالُ فِي الذَّوَاتِ الْأُخْرَى، فَلَا يَقَعُ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ ; لِأَنَّ لِأَسْمَاءِ اللَّهِ أَحْكَامًا لَا لِأَسْمَاءِ الْآخَرِينَ، وَلِأَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ حَقُّ التَّسْبِيحِ وَالتَّنْزِيهِ، وَالدُّعَاءِ بِهَا. كَمَا تَقَدَّمَ.
وَهُنَا وُجْهَةُ نَظَرٍ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهَا، وَلَكِنْ قَدْ تُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ، وَتُشِيرُ إِلَيْهَا السُّنَّةُ. وَهِيَ: أَنْ يَكُونَ التَّسْبِيحُ هُنَا بِمَعْنَى الذِّكْرِ وَالتَّعَبُّدِ: كَالتَّحْمِيدِ، وَالتَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي كَلَامِ الرَّازِيِّ قَوْلُهُ: وَيَكُونُ الْمَعْنَى سَبِّحْ رَبَّكَ بِذِكْرِ أَسْمَائِهِ، وَنَحْوُهُ فِي بَعْضِ نُقُولِ الطَّبَرِيِّ.
أَمَّا إِشَارَةُ السُّنَّةِ إِلَى ذَلِكَ، فَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ ﷺ : أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ، قَالَ ﷺ بَعْدَ أَنْ قَرَأَهَا: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» .
وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ: أَنَّهُ ﷺ لَمَّا نَزَلَتْ: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [٥٦ \ ٧٤] ، قَالَ: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ» وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ، قَالَ: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» .
стр. 4035
وَسَاقَ الْقُرْطُبِيُّ أَثَرًا طَوِيلًا فِي فَضْلِهَا فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِ الصَّلَاةِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وَجَاءَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُونَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَخْتِمُونَ الْمِائَةَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» .
وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: «مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةً، بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [١١٠ \ ١] ، إِلَّا يَقُولُ:» سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي «، وَقَالَتْ: يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ.
وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ:» إِنَّهُ كَانَ يَقُولُهَا فِي قِيَامِهِ وَقُعُودِهِ، وَمَجِيئِهِ وَذَهَابِهِ ﷺ فَيَكُونُ: «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ» : أَيِ: اذْكُرْ رَبَّكَ.
وَهَذَا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ الْأُخْرَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ نَفْسِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى
[٨٧ \ ١٤ - ١٥] ، فَصَرَّحَ بِذِكْرِ اسْمِ رَبِّكَ، كَمَا جَاءَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، فَوَضَعَ الذِّكْرَ مَوْضِعَ التَّسْبِيحِ، وَهُوَ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ. وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى
أَطْلَقَ الْخَلْقَ ; لِيَعُمَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي «السَّجْدَةِ» ، «الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ» [٣ ٢ \ ٧] ، وَالتَّسْوِيَةُ: التَّقْوِيمُ وَالتَّعْدِيلُ، وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ مَخْلُوقٍ مُسْتَوٍ عَلَى أَحْسَنِ مَا يَتَنَاسَبُ لِخِلْقَتِهِ وَمَا خُلِقَ لَهُ، فَخَلَقَ السَّمَوَاتِ فَسَوَّاهَا فِي أَقْوَى بِنَاءٍ، وَأَعْلَى سُمْكٍ، وَأَشَدِّ تَمَاسُكٍ، لَا تَرَى فِيهَا مِنْ تَشَقُّقٍ وَلَا فُطُورٍ، وَزَيَّنَهَا بِالنُّجُومِ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ وَدَحَاهَا، وَأَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا، وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا وَجَعَلَهَا فِرَاشًا وَمِهَادًا، وَخَلَقَ الْأَشْجَارَ فَسَوَّاهَا عَلَى مَا تَصْلُحُ لَهُ مِنْ ذَوَاتِ الثِّمَارِ، وَوَقُودِ النَّارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ الْحَيَوَانَاتُ فِي خِلْقَتِهَا وَتَسْوِيَتِهَا آيَةٌ: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [٨٨ \ ١٧ - ٢٠] .
أَمَّا الْإِنْسَانُ فَهُوَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، كُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَوْجِبُ حَقًّا لَهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُسَبَّحَ
стр. 4036
اسْمُهُ فِي ذَاتِهِ، وَجَمِيعِ صِفَاتِهِ، حَيْثُ جَمَعَ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالتَّسْوِيَةِ، فَلِكَمَالِ الْقُدْرَةِ وَالتَّنْزِيهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى
أَطْلَقَ هُنَا التَّقْدِيرَ ; لِيَعُمَّ كُلَّ مَقْدُورٍ، وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ ; لِأَنَّ مِنْ لَوَازِمِ الْخَلْقَ التَّقْدِيرَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [٥٤ \ ٤٩] ، وَقَوْلُهُ: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [٦ ٥ \ ٣] ، وَهَذِهِ الْآيَةُ وَمَثِيلَاتُهَا مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِ الْقُدْرَةِ، وَقَدْ جَمَعَهَا تَعَالَى عِنْدَ التَّعْرِيفِ التَّامِّ لِلَّهِ تَعَالَى، لَمَّا سَأَلَ فِرْعَوْنُ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسَى عَنْ رَبِّهِ، قَالَ: فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [٢٠ \ ٤٩ - ٥٠] .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [٨٧ \ ٢] ، وَهُنَا قَدَّرَ كُلَّ مَا خَلَقَ، وَهَدَى كُلَّ مَخْلُوقٍ إِلَى مَا قَدَّرَهُ لَهُ، فَفِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْأُمُورِ، وَهَدَى الْمَلَائِكَةَ لِتَنْفِيذِهَا، وَقَدَّرَ مَسِيرَ الْأَفْلَاكِ، وَهَدَاهَا إِلَى مَا قُدِّرَ لَهَا: «كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» [٢١ \ ٣٣] .
وَفِي الْأَشْجَارِ وَالنَّبَاتَاتِ ; قَدَّرَ لَهَا أَزْمِنَةً مُعَيَّنَةً فِي إِيتَائِهَا وَهِدَايَتِهَا إِلَى مَا قُدِّرَ لَهَا، فَالْجِذْرُ يَنْزِلُ إِلَى أَسْفَلَ وَالنَّبْتَةُ تَنْمُو إِلَى أَعْلَى، وَهَكَذَا الْحَيَوَانَاتُ فِي تَلْقِيحِهَا، وَنِتَاجِهَا، وَإِرْضَاعِهَا. كُلٌّ قَدْ هَدَاهُ إِلَى مَا قُدِّرَ لَهُ، وَهَكَذَا الْإِنْسَانُ.
وَقَدْ قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: إِنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ مَنْطُوقِ هَذِهِ الْآيَةِ.
أَمَّا مَعْنَاهَا بِالتَّفْصِيلِ، فَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي سُورَةِ «طه» عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [٢٠ \ ٥٠] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - مَعْنَى: نُقْرِئُكَ فِي سُورَةِ «طه» ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [٢٠ \ ١١٤] ، وَبَيَّنَهُ بِآيَةِ «الْقِيَامَةِ» : لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [٧٥ \ ١٦] .
стр. 4037
وَقَوْلُهُ: «فَلَا تَنْسَى» : بَحَثَهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ مَعَ مَا يُنْسَخُ مِنَ الْآيَاتِ فَيَنْسَاهُ.
وَسَيُطْبَعُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - مَعَ هَذِهِ التَّتِمَّةِ، تَتِمَّةً لِلْفَائِدَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى
هَلْ: إِنْ هُنَا بِمَعْنَى إِذْ أَوْ أَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ؟ وَهَلْ لِلشَّرْطِ مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ أَمْ لَا؟ كُلُّ ذَلِكَ بَحَثَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بِتَوَسُّعٍ فِي دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ، وَرَجَّحَ أَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ، وَقَسَّمَ الْمَدْعُوَّ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَقْطُوعٌ بِنَفْعِهِ، وَمَقْطُوعٌ بِعَدَمِ نَفْعِهِ، وَمُحْتَمَلٌ، وَقَالَ: مَحَلُّ التَّذْكِيرِ مَا لَمْ يَكُنْ مَقْطُوعًا بِعَدَمِ نَفْعِهِ، كَمَنْ بَيَّنَ لَهُ مِرَارًا فَأَعْرَضَ، كَأَبِي لَهَبٍ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَآلِهِ فَلَا نَفْعَ فِي تَذْكِيرِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بَيَانُ الْحِكْمَةِ مِنَ الذِّكْرَى.
وَمِنْهَا تَذْكِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [٥١ \ ٥٥] ، فِي سُورَةِ «الذَّارِيَاتِ» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى
أَيْ: بِسَبَبِ شَقَائِهِمُ السَّابِقِ أَزَلًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [١١ \ ١٠٦] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا
نَفَى عَنْهُ الضِّدَّيْنِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ بِالذَّاتِ إِمَّا حَيٌّ وَإِمَّا مَيِّتٌ، وَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنْ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَتَغَيَّرُ الْمَوَازِينُ وَالْمَعَايِيرُ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي التَّعْذِيبِ، إِذْ لَوْ مَاتَ لَاسْتَرَاحَ، وَمَعَ أَنَّهُ يَتَلَقَّى مِنَ الْعَذَابِ مَا لَا حَيَاةَ مَعَهُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا وَقَوْلُهُ (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ) [٣٥ \ ٣٦] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ بَيَانُ مَعْنَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ «طَهَ» عِنْدَ الْكَلَامِ
стр. 4038
عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا [٢٠ \ ٧٤] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى أَسْنَدَ الْفَلَاحَ هُنَا إِلَى: «مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى» وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَسْنَدَ التَّزْكِيَةَ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا
[٢٤ \ ٢١] ، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى، نَهَى عَنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ «النُّورِ» عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَلَى أَنْ «زَكَا» بِمَعْنَى تَطَهَّرَ مِنَ الشُّكْرِ وَالْمَعَاصِي، لَا عَلَى أَنَّهُ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ آيَةَ «النَّجْمِ» إِنَّمَا نَهَى فِيهَا عَنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ ; لِمَا فِيهِ مِنِ امْتِدَاحِهَا، وَقَدْ لَا يَكُونُ صَحِيحًا كَمَا فِي سُورَةِ «الْحُجُرَاتِ» : قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [٤٩ \ ١٤] وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى قُرِئَ: «تُؤْثِرُونَ» بِالتَّاءِ وَبِالْيَاءِ رَاجِعًا إِلَى الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى [٨٧ \ ١١ - ١٢] ، وَعَلَى أَنَّهَا بِالتَّاءِ لِلْخِطَابِ أَعَمُّ، وَحَيْثُ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ عَامٌّ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَيُذْكَرُ فِي الصُّحُفِ الْأُولَى كُلِّهَا عَامَّةً، وَفِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى خُطُورَتِهِ، وَأَنَّهُ أَمْرٌ غَالِبٌ عَلَى النَّاسِ.
وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ دَالَّةٌ عَلَى أَسْبَابِ ذَلِكَ مِنْهَا: الْجَهْلُ، وَعَدَمُ الْعِلْمِ بِالْحَقَائِقِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [٢٩ \ ٦٤] ، أَيِ: الْحَيَاةُ الدَّائِمَةُ.
وَقَدْ رَوَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَوْلَهُ: لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا مِنْ ذَهَبٍ يَفْنَى، وَالْآخِرَةُ مِنْ خَزَفٍ يَبْقَى، لَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُؤْثَرَ خَزَفٌ يَبْقَى عَلَى ذَهَبٍ يَفْنَى، فَكَيْفَ وَالْآخِرَةُ مَنْ ذَهَبٍ يَبْقَى وَالدُّنْيَا مِنْ خَزَفٍ يَفْنَى؟
وَمِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ أَنَّ الدُّنْيَا زُيِّنَتْ لِلنَّاسِ، وَعُجِّلَتْ لَهُمْ كَمَا فِي قَوْلِهِ:
стр. 4039
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ [٣ \ ١٤] .
ثُمَّ قَالَ: ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [٣ \ ١٤] .
وَبَيِّنَ تَعَالَى هَذَا الْمَآبَ الْحَسَنَ وَهُوَ فِي وَصْفِهِ يُقَابِلُ: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، فَقَالَ: قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [٣ \ ١٥] .
تَأَمَّلْ هَذَا الْبَدِيلَ، فَفِي الدُّنْيَا: ذَهَبٌ، وَخَيْلٌ، وَنِسَاءٌ، وَالْأَنْعَامُ، وَالْحَرْثُ، وَقَدْ قَابَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالْجَنَّةِ ; فَعَمَّتْ وَشَمِلَتْ. وَلَكِنْ نَصَّ عَلَى أَزْوَاجٍ مُطَهَّرَةٍ ; لِيَعْرِفَ الْفَرْقَ بَيْنَ نِسَاءِ الدُّنْيَا وَنِسَاءِ الْآخِرَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي: وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى، وَلَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَمَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَخَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ [٥٦ \ ١٩] ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَنُصُّ عَلَى الْخَيْرِيَّةِ فِي الْآخِرَةِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ آثَرَ الْآخِرَةَ غَالِبٌ عَلَى مَنْ آثَرَ الدُّنْيَا، وَظَاهَرٌ عَلَيْهِ، كَمَا صَرَّحَ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [٢ \ ٢١٢] .
فَمِنْ هَذَا ; يَظْهَرُ أَنَّ أَسْبَابَ إِيثَارِ النَّاسِ لِلْحَيَاةِ الدُّنْيَا، هُوَ تَزْيِينُهَا وَزَخْرَفَتُهَا فِي أَعْيُنِهِمْ: بِالْمَالِ، وَالْبَنِينَ، وَالْخَيْلِ، وَالْأَنْعَامِ: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [١٨ \ ٤٦] .
وَقَدْ سِيقَ هَذَا، لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِخْبَارِ بِالْوَاقِعِ فَحَسْبُ، بَلْ إِنَّ مِنْ وَرَائِهِ مَا يُسَمَّى لَازِمَ الْفَائِدَةَ، وَهُوَ ذَمُّ مَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ، فَوَجَبَ الْبَحْثُ عَنِ الْعِلَاجِ لِهَذِهِ الْحَالَةِ.
وَإِذَا ذَهَبْنَا نَتَطَلَّبُ الْعِلَاجَ، فَإِنَّنَا فِي الْوَاقِعِ نُوَاجِهُ أَخْطَرَ مَوْضُوعٍ عَلَى الْإِنْسَانِ ; لِأَنَّهُ يَشْمَلُ حَيَاتَهُ الدُّنْيَا وَمَآلَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَيَتَحَكَّمُ فِي سَعَادَتِهِ وَفَوْزِهِ، أَوْ شَقَاوَتِهِ وَحِرْمَانِهِ، وَإِنَّ أَقْرَبَ مَأْخَذٍ لَنَا لَهُوَ هَذَا الْمَوْطِنُ بِالذَّاتِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ، وَهُوَ بِضَمِيمَةِ مَا قَبْلَهَا إِلَيْهَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى [٨٧ \ ١٠ - ١٢] ، وَبَعْدَهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [٨٧ \ ١٤ ١٤ - ٦]
стр. 4040
فَقَدْ قَسَّمَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْأُمَّةَ كُلَّهَا أُمَّةَ الدَّعْوَةِ إِلَى قِسْمَيْنِ.
أَمَّا التَّذْكِيرُ وَالْإِنْذَارُ، إِذْ قَالَ تَعَالَى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [٨٧ \ ٩] ، فَهَذَا مَوْقِفُ النَّبِيِّ ﷺ وَجَاءَ تَقْسِيمُ الْأُمَّةِ إِلَى الْقِسْمَيْنِ فِي الْآيَتَيْنِ: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى: فَيَنْتَفِعُ بِالذِّكْرَى وَتَنْفَعُهُ: وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى، فَلَا تَنْفَعُهُ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا، ثُمَّ جَاءَ الْحُكْمُ بِالْفَلَاحِ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، أَيْ: مَنْ يَخْشَى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى، وَلَمْ يَغْفُلْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا الْمَوْقِفُ بِنَفْسِهِ هُوَ الْمُفَصَّلُ فِي سُورَةِ «الْحَدِيدِ» ، وَفِي مَعْرِضِ التَّوْجِيهِ لَنَا وَالتَّوْبِيخِ لِلْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ أَيْضًا: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [٥٧ \ ١٦] .
فَقَسْوَةُ الْقَلْبِ، وَطُولُ الْأَمَدِ وَالتَّسْوِيفُ: هِيَ الْعَوَامِلُ الْأَسَاسِيَّةُ لِلْغَفْلَةِ وَإِيثَارِ الدُّنْيَا. وَالْخَشْيَةُ وَالذِّكْرُ: هِيَ الْعَوَامِلُ الْأَسَاسِيَّةُ لِإِيثَارِ الْآخِرَةِ، ثُمَّ عَرَضَ الدُّنْيَا فِي حَقِيقَتِهَا بِقَوْلِهِ: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ إِلَى قَوْلِهِ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [٥٧ \ ٢٠ - ٢١] .
فَوَصَفَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ مَعًا فِي هَذَا السِّيَاقِ. فَالدَّاءُ: هُوَ الْغُرُورُ، وَالدَّوَاءُ: هُوَ الْمُسَابَقَةُ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، قِيلَ: اسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ إِلَى السُّورَةِ كُلِّهَا ; لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى التَّوْحِيدِ وَالْمَعَادِ، وَالذِّكْرِ، وَالْعِبَادَاتِ. وَالصُّحُفُ الْأُولَى: هِيَ «صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى» ، عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ مِنَ الْأُولَى.
وَجَاءَ عِنْدَ الْقُرْطُبِيِّ: أَنَّ صُحُفَ إِبْرَاهِيمَ كَانَتْ أَمْثَالًا، وَصُحُفَ مُوسَى كَانَتْ مَوَاعِظَ، وَذَكَرَ نَمَاذِجَ لَهَا.
وَعِنْدَ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ﵁: أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «كَمْ أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ؟ فَقَالَ: مِائَةً وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ: عَلَى آدَمَ عَشْرَ صُحُفٍ، وَعَلَى شِيثَ خَمْسِينَ صَحِيفَةً، وَعَلَى إِدْرِيسَ ثَلَاثِينَ صَحِيفَةً، وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرَ صَحَائِفَ، وَالتَّوْرَاةَ، وَالْإِنْجِيلَ، وَالزَّبُورَ، وَالْفُرْقَانَ» .
стр. 4041
وَفِي هَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مِمَّا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى، وَقَدْ جَاءَ مَا يَدُلُّ أَنْ مَعَانٍ أُخْرَى كَذَلِكَ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى كَمَا فِي سُورَةِ «النَّجْمِ» فِي قَوْلِهِ: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى [٥٣ \ ٣٦ - ٤٠] .
وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّهَا أَكْثَرُهَا أَمْثَالًا وَمَوَاعِظَ، كَمَا يُؤَكِّدُ تَرَابُطَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ.
стр. 4042
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ الْغَاشِيَةِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ
الْكَلَامُ فِي هَلْ هُنَا، كَالْكَلَامِ فِي هَلْ الَّتِي فِي أَوَّلِ سُورَةِ «الْإِنْسَانِ» ، أَنَّهَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَوْ أَنَّهَا بِمَعْنَى قَدْ؟
وَرَجَّحَ أَبُو السُّعُودِ وَغَيْرُهُ: أَنَّهَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ ; لِلَفْتِ النَّظَرِ، وَشِدَّةِ التَّعَجُّبِ، وَالتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ ﵁: «لَمْ يَكُنْ أَتَاهُ فَأَخْبَرَهُ بِهِ» وَحَدِيثُ الْغَاشِيَةِ هُوَ خَبَرُهَا الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنْهَا.
وَالْغَاشِيَةُ قَالَ أَبُو حَيَّانَ: أَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ: الدَّاهِيَةُ تَغْشَى النَّاسَ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهَا هُنَا، فَقِيلَ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
وَقِيلَ: النَّارُ. وَاسْتَدَلَّ كُلُّ قَائِلٍ بِنُصُوصٍ. فَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ: يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ [٢٩ \ ٥٥] .
قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْقِيَامَةُ بِهَذَا الِاسْمِ ; لِأَنَّ مَا أَحَاطَ بِالشَّيْءِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ فَهُوَ غَاشٌّ لَهُ، وَالْقِيَامَةُ كَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهَا تَرِدُ عَلَى الْخَلْقِ بَغْتَةً، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً [١ ٢ \ ١٠٧] .
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَغْشَى النَّاسَ جَمِيعًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا تَغْشَى النَّاسَ بِالْأَهْوَالِ وَالشَّدَائِدَ.
стр. 4043
وَمِنِ اسْتِدْلَالِهِمْ عَلَى أَنَّهَا النَّارُ، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [١٤ \ ٥٠] .
وَقِيلَ: الْغَاشِيَةُ أَهْلُ النَّارِ يَغْشَوْنَهَا، أَيْ: يَدْخُلُونَهَا، فَالْغَاشِيَةُ كَالدَّافَّةِ فِي حَدِيثِ الْأَضَاحِيِّ.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: وَالرَّاجِحُ عِنْدِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ لِيَعُمَّ، فَيَجِبُ أَنْ تُطْلَقَ ; لِيَعُمَّ أَيْضًا.
وَالَّذِي يَظْهَرُ رُجْحَانُهُ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -: أَنَّهَا فِي عُمُومِ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ فِي خُصُوصِ النَّارِ ; فَالنَّارُ مِنْ أَهْوَالِ وَدَوَاهِي الْقِيَامَةِ، وَهُوَ مَا يَشْهَدُ لَهُ الْقُرْآنُ فِي هَذَا السِّيَاقِ مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ، وَمِنْهَا:
أَنَّهُ جَاءَ بَعْدَهَا قَوْلُهُ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ [٨٨ \ ٢] ، وَيَوْمَ أَنْسَبُ لِلْقِيَامَةِ مِنْهُ لِلنَّارِ.
وَمِنْهَا: التَّصْرِيحُ بَعْدَ ذَلِكَ ; بِأَنَّ مَنْ كَانَتْ تِلْكَ صِفَاتُهُمْ: «تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً» ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغَاشِيَةَ شَيْءٌ آخَرَ سِوَى النَّارِ الْحَامِيَةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ التَّعْمِيمَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ يَشْمَلُ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِالْمَوْقِفِ، ثُمَّ يُنْجِي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى قَسِيمَ هَذَا الصِّنْفِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْمُرَادَ إِلْغَاؤُهُ، إِنَّمَا هُوَ عَنْ حَالَةِ عُمُومِ الْمَوْقِفِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً الْآيَاتِ. اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ «يَوْمَئِذٍ» يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: وَالتَّنْوِينُ فِيهِ تَنْوِينُ عِوَضٍ. وَهُوَ تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنْ جُمْلَةٍ، وَلَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ تَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ عِوَضًا عَنْهَا، وَلَكِنْ لَمَّا تَقَدَّمَ لَفْظُ الْغَاشِيَةِ. وَأَلْ مَوْصُولَةٌ بِاسْمِ الْفَاعِلِ، فَتَنْحَلُّ لِلَّتِي غَشِيَتْ، أَيْ: لِلدَّاهِيَةِ الَّتِي غَشِيَتْ، فَالتَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الَّتِي انْحَلَّ لَفْظُ الْغَاشِيَةِ إِلَيْهَا، وَإِلَى الْمَوْصُولِ الَّذِي هُوَ الَّتِي، وَهَذَا مِمَّا يُرَجِّحُ وَيُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْنَاهُ، مِنْ أَنَّ الْغَاشِيَةَ هِيَ الْقِيَامَةُ
стр. 4044
«وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ» ، بِمَعْنَى: ذَلِيلَةٌ. قَالَ أَبُو السُّعُودِ: هَذَا وَمَا بَعْدَهُ وَقَعَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ، نَشَأَ مِنَ الِاسْتِفْهَامِ التَّشْوِيقِيِّ الْمُتَقَدِّمِ، كَأَنَّهُ قِيلَ مِنْ جَانِبِهِ ﷺ : «مَا أَتَانِي حَدِيثُهَا» ، فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى. فَقَالَ: «وُجُوهٌ» إِلَخْ.
قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِتَنْكِيرِهَا ; لِأَنَّهَا فِي مَوْقِعِ التَّنْوِيعِ، أَيْ: سَوَّغَ الِابْتِدَاءَ بِالنَّكِرَةِ كَوْنُهَا فِي مَوْقِعِ التَّنْوِيعِ: وُجُوهٌ كَذَا، وَوُجُوهٌ كَذَا.
وَخَاشِعَةٌ: خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، أَيْ: وَمَا بَعْدَهُ مِنْ صِفَاتِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ الْعَمَلُ مَعْرُوفٌ، وَالنَّصَبُ: التَّعَبُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي زَمَنِ الْعَمَلِ وَالنَّصَبِ هَذَيْنِ: هَلْ هُوَ كَانَ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا أَمْ هُوَ وَاقِعٌ مِنْهُمْ فِعْلًا فِي الْآخِرَةِ؟ وَمَا هُوَ عَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ: فَالَّذِينَ قَالُوا: هُوَ كَانَ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عَمَلٌ وَنَصَبٌ فِي الْعِبَادَاتِ الْفَاسِدَةِ: كَعَمَلِ الرُّهْبَانِ وَالْقِسِّيسِينَ وَالْمُبْتَدَعَةِ الضَّالِّينَ، فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَيْ: كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [٢٥ \ ٢٣] .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عَمِلَ وَنَصَبَ وَالْتَذَّ، فِيمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ، فَعَامَلَهُ اللَّهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا الْوَجْهَ ضَعْفُهُ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ مَنْ هَذِهِ حَالُهُمْ لَا يُعَدُّونَ فِي عَمَلٍ وَنَصَبٍ، بَلْ فِي مُتْعَةٍ وَلَذَّةٍ.
وَالَّذِينَ قَالُوا: سَيَقَعُ مِنْهُمْ بِالْفِعْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ عَمَلٌ وَنَصَبٌ فِي النَّارِ مِنْ جَرِّ السَّلَاسِلِ، عِيَاذًا بِاللَّهِ، وَصُعُودِهِمْ وَهُبُوطِهِمُ الْوِهَادَ وَالْوِدْيَانَ، أَيْ: كَمَا فِي قَوْلِهِ: سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا [٧٤ \ ١٧] ، وَقَوْلِهِ: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا [٧٢ \ ١٧] .
وَقَدْ ذَكَرَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ تَقْسِيمًا ثُلَاثِيًّا، فَقَالَ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الدُّنْيَا أَوْ كُلُّهُ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ بَعْضُهُ فِي الدُّنْيَا وَبَعْضُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَمْ يُرَجِّحْ قِسْمًا مِنْهَا إِلَّا أَنَّ وَجْهَ الْقَوْلِ: بِأَنَّهَا فِي الدُّنْيَا وَهِيَ فِي الْقِسِّيسِينَ وَنَحْوِهِمْ. فَقَالَ: لَمَّا نَصَبُوا فِي عِبَادَةِ إِلَهٍ وَصَفُوهُ بِمَا لَيْسَ مُتَّصِفًا بِهِ، وَإِنَّمَا تَخَيَّلُوهُ تَخَيُّلًا، أَيْ بِقَوْلِهِمْ: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [٥ \ ٧٣] ، وَقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [٩ \ ٣٠] ، فَكَانَتْ عِبَادَتُهُمْ لِتِلْكَ الذَّاتِ الْمُتَخَيَّلَةِ لَا لِحَقِيقَةِ الْإِلَهِ سُبْحَانَهُ.
стр. 4045
وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: إِنَّ مَنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَنْطِقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَيَعْمَلُ عَلَى جَهَالَةٍ فِيمَا لَا يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ أَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، كَمَا يُخْشَى عَلَى مَنْ يَعْمَلُ عَلَى عِلْمٍ، وَلَكِنْ فِي بِدْعَةٍ وَضَلَالَةٍ.
وَمِمَّا يَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ حَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ. وَلِأَثَرِ حُذَيْفَةَ: «رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي فَطَفِقَ، فَقَالَ لَهُ: مُنْذُ كَمْ تُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. قَالَ لَهُ: مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَوْ مُتَّ عَلَى ذَلِكَ، مُتَّ عَلَى غَيْرِ فِطْرَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ » .
وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومَاتِ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرِي فَهُوَ رَدٌّ» أَيْ: مَرْدُودٌ.
وَحَدِيثُ الْحَوْضِ: «فَيُذَادُ أَقْوَامٌ عَنْ حَوْضِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَاذَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ; إِنَّهُمْ غَيَّرُوا وَبَدَّلُوا» .
وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ الِانْتِبَاهَ إِلَى صِحَّةِ الْعَمَلِ، وَمُوَافَقَتِهِ لِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ .
وَكَذَلِكَ الْقِسْمُ الثَّانِي، كَمَا فِي قَوْلِهِ: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ الْآيَةَ [١٨ \ ١٠٣ - ١٠٤] .
أَمَّا الرَّاجِحُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي زَمَنِ: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ فِي صَبَّةٍ أَهُوَ فِي الدُّنْيَا أَمْ فِي الْآخِرَةِ؟ فَإِنَّهُ الْقَوْلُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ نَفْسِ السِّيَاقِ.
وَلِابْنِ تَيْمِيَّةَ كَلَامٌ جَيِّدٌ جِدًّا فِي هَذَا التَّرْجِيحِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى قَوْلٍ لِغَيْرِهِ أَقْوَى مِنْهُ، نَسُوقُ مُجْمَلَهُ لِلْفَائِدَةِ:
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ حِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ: الْحَقُّ هُوَ الثَّانِي لِوُجُوهٍ، وَسَاقَ سَبْعَةَ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي يَتَعَلَّقُ الظَّرْفُ بِمَا يَلِيهِ، أَيْ: وُجُوهٌ يَوْمَ الْغَاشِيَةِ، خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ صَالِيَةٌ. أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَلَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِقَوْلِهِ: «تَصْلَى» . وَيَكُونُ قَوْلُهُ: «خَاشِعَةٌ» صِفَةً لِلْوُجُوهِ، قَدْ فَصَلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَوْصُوفِ بِأَجْنَبِيٍّ مُتَعَلِّقٍ بِصِفَةٍ أُخْرَى. وَالتَّقْدِيرُ: وُجُوهٌ
стр. 4046
خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ يَوْمَئِذٍ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً، وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَالْأَصْلُ إِقْرَارُ الْكَلَامِ عَلَى نَظْمِهِ وَتَرْتِيبِهِ، لَا تَغْيِيرُ تَرْتِيبِهِ، وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ قَرِينَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ وُجُوهَ الْأَشْقِيَاءِ وَوُجُوهَ السُّعَدَاءِ فِي السُّورَةِ بَعْدَ ذَلِكَ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ [٨٨ \ ٨ - ١٠] ، أَيْ: فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ يَوْمُ الْآخِرَةِ: فَالْوَاجِبُ تَنَاظُرُ الْقِسْمَيْنِ، أَيْ: فِي الظَّرْفِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ نَظِيرَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مَا ذُكِرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي قَوْلِهِ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ [٧٥ \ ٢٢ - ٢٥] ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي قَوْلِهِ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [٨٠ \ ٣٨ - ٤٢] ، وَهَذَا كُلُّهُ وَصْفٌ لِلْوُجُوهِ فِي الْآخِرَةِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُوهِ أَصْحَابُهَا ; لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْقُرْآنِ وَصْفُ الْوُجُوهِ بِالْعَلَامَةِ كَقَوْلِهِ: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ [٤٨ \ ٢٩] ، وَقَوْلِهِ: فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ [٤٧ \ ٣٠] ، وَهَذَا الْوَجْهُ لَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَقْصُودِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ قَوْلَهُ: «خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ» ، لَوْ جُعِلَ صِفَةً لَهُمْ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا اللَّفْظِ ذَمٌّ ; فَإِنَّ هَذَا إِلَى الْمَدْحِ أَقْرَبُ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ وَصْفٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَعِبَادِهِ الْكَافِرِينَ، وَالذَّمُّ لَا يَكُونُ بِالْوَصْفِ الْمُشْتَرَكِ، وَلَوْ أُرِيدَ الْمُخْتَصُّ لَقِيلَ: خَاشِعَةٌ لِلْأَوْثَانِ مَثَلًا، عَامِلَةٌ لِغَيْرِ اللَّهِ، نَاصِبَةٌ فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ ذَمٌّ لِهَذَا الْوَصْفِ مُطْلَقًا وَلَا وَعِيدٌ عَلَيْهِ، فَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى خُرُوجٌ عَنِ الْخِطَابِ الْمَعْرُوفِ فِي الْقُرْآنِ، وَهَذَا الْوَجْهُ مِنْ أَقْوَاهَا فِي الْمَعْنَى، وَأَوْضَحِهَا دَلَالَةً.
وَقَدْ يَشْهَدُ لَهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ يَكُونُ مِنْهُمُ الْعَوَامُّ الْمَغْرُورُونَ بِغَيْرِهِمْ، وَيَنْدَمُونَ غَايَةَ النَّدَمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى اتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُمْ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ [٤١ \ ٢٩] .
السَّادِسُ: - وَهُوَ مُهِمٌّ أَيْضًا - أَنَّهُ لَوْ جُعِلَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا ; لَكَانَ خَاصًّا بِبَعْضِ الْكُفَّارِ دُونَ
стр. 4047
بَعْضٍ، وَكَانَ مُخْتَصًّا بِالْعِبَادِ مِنْهُمْ، مَعَ أَنَّ غَيْرَ الْعِبَادِ مِنْهُمْ يَكُونُونَ أَسْوَأَ عَمَلًا، وَيَسْتَوْجِبُونَ أَشَدَّ عُقُوبَةٍ.
السَّابِعُ: أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ لَوْ جُعِلَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا ; لَكَانَ مِثْلُهُ يَنْفِرُ مِنْ أَصْلِ الْعِبَادَةِ وَالتَّنَسُّكِ ابْتِدَاءً، أَيْ: وَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ بِتَرْكِ أَصْحَابِ الصَّوَامِعِ وَالْمُتَنَسِّكِينَ، دُونَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ بِقَتْلٍ وَلَا قِتَالٍ، كَمَا أَنَّهَا أَقَرَّتْ أَصْحَابَ الدِّيَانَاتِ عَلَى دِيَانَاتِهِمْ، مِمَّا يُشْعِرُ بِاحْتِرَامِ أَصْلِ التَّعَبُّدِ لِعُمُومِ الْجِنْسِ، كَمَا أَشَارَ.
وَقَدْ أَوْرَدْنَا مُجْمَلَ كَلَامِهِ ﵀ ; لِئَلَّا تُتَّخَذَ الْآيَةُ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ الرَّاجِحُ فِيهَا، أَوْ يُحْمَلُ السِّيَاقُ عَلَى غَيْرِ مَا سِيقَ لَهُ، وَقَدْ خَتَمَ كَلَامَهُ بِتَوْجِيهٍ لَطِيفٍ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ إِذَا قُيِّدَ ذَلِكَ بِعِبَادَةِ الْكُفَّارِ وَالْمُبْتَدَعَةِ، وَلَيْسَ فِي الْخِطَابِ تَقْيِيدٌ، كَانَ هَذَا سَعْيًا فِي إِصْلَاحِ الْخَطَّابِ بِمَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ. اهـ.
وَمَنِ الَّذِي يُعْطِي نَفْسَهُ حَقَّ إِصْلَاحِ الْخِطَابِ فِي كَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إِنَّهَا لَفْتَةٌ إِلَى ضَرُورَةِ وَمَدَى أَهَمِّيَّةِ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ، الَّذِي نَهَجَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي أَضْوَاءِ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ.
وَقَدْ بَدَا لِي وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ لَوْ جَعَلَ هَذَا الْعَمَلَ الْكُفَّارَ وَالْمُبْتَدِعَةَ ; لَكَانَ مَنْطُوقُهُ: أَنَّ الْعَذَابَ وَقَعَ عَلَيْهِمْ مُجَازَاةً عَلَى عَمَلِهِمْ وَنَصَبِهِمْ فِي عِبَادَتِهِمْ تِلْكَ، وَالْحَالُ أَنَّ عَذَابَ الْكُفَّارِ عُمُومًا إِنَّمَا هُوَ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَعِقَابُ الْمُبْتَدِعَةِ فِيمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ ضَلَالٍ، فَإِذَا كَانَ مَا ابْتَدَعُوهُ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَلَا بِالْعَقِيدَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي فُرُوعٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ ابْتَدَعُوهَا لَمْ تَكُنْ فِي السُّنَّةِ، فَإِنَّهُمْ وَإِنْ عَمِلُوا وَنَصَبُوا فَلَا أَجْرَ لَهُمْ فِيهَا، وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَلَيْهَا بَطَلَ ذَلِكَ الْمَذْكُورُ مَعَ سَلَامَةِ الْعَقِيدَةِ فِي التَّوْحِيدِ، وَالْقِيَامِ بِالْوَاجِبِ فِي أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، إِذِ الْعَذَابُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ مُقَابَلًا بِالْعَمَلِ وَالنَّصَبِ الْمَذْكُورِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ
قِيلَ: حَاضِرَةٌ، وَقِيلَ: شَدِيدَةُ الْحَرَارَةِ، وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ مَا يَشْهَدُ لَهُ الْقُرْآنُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَمِيمَ شَدِيدُ الْحَرَارَةِ، كَمَا أَنَّ حَمْلَهَا عَلَى مَعْنَى حَاضِرَةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَيَانُ مَعْنَى مَا فِي تِلْكَ الْعَيْنِ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّرَابِ
стр. 4048
الْمُعَدِّ وَالْمُحَضَّرِ لَهُمْ، وَفِي الْمُعْجَمِ: «حَمِيمٌ آنٍ» : قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ، وَالْفِعْلُ: أَنَى الْمَاءُ الْمُسَخَّنُ يَأْنِي بِكَسْرِ النُّونِ. قَالَ عَبَّاسٌ:
عَلَانِيَةٌ وَالْخَيْلُ يَغْشَى مُتُونَهَا ... حَمِيمٌ وَآنٌ مِنْ دَمِ الْجَوْفِ نَاقِعُ
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ
تَكَلَّمَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [٦٩ \ ٣٥ - ٣٦] ، وَبَيَّنَ الصَّحِيحَ مِنْ مَعْنَى الضَّرِيعِ مَا هُوَ، وَأَنَّهُ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ لِلْعَرَبِ، وَهُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا الْمَجَازِ.
وَقَدْ أَوْرَدَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ سُؤَالًا وَالْجَوَابَ عَلَيْهِ، وَهُوَ: كَيْفَ يَنْبُتُ الضَّرِيعُ فِي النَّارِ؟ فَأَجَابَ بِالْإِحَالَةِ عَلَى تَصَوُّرِ: كَيْفَ يَبْقَى جِسْمُ الْكُفَّارِ حَيَّا فِي النَّارِ؟ وَكَذَلِكَ الْحَيَّاتُ وَالْعَقَارِبُ فِي النَّارِ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَجِيهًا مِنْ حَيْثُ مَنْطِقِ الْقُدْرَةِ، وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ النَّارَ فِيهَا شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، وَأَنَّهَا فِتْنَةٌ لِلظَّالِمِينَ فِي قَوْلِهِ: أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ [٣٧ \ ٦٢ - ٦٦] ، فَأَثْبَتَ شَجَرَةً تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، وَأَثْبَتَ لَهَا لَازِمَهَا وَهُوَ: طَلْعُهَا فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الْبَشِعَةِ، وَأَثْبَتَ لَازِمَ اللَّازِمِ وَهُوَ: أَكْلُهُمْ مِنْهَا حَتَّى مِلْءِ الْبُطُونِ.
وَالْحُقُّ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ وَجَوَابَهُ قَدْ أَثَارَهُ الْمُبْطِلُونَ، وَلَكِنْ غَايَةُ مَا فِي الْأَمْرِ سَلْبُ خَاصِّيَّةِ الْإِحْرَاقِ فِي النَّارِ عَنِ النَّبَاتِ، وَلَيْسَ هَذَا بِبَعِيدٍ عَلَى قُدْرَةِ مَنْ خَلَقَ النَّارَ وَجَعَلَ لَهَا الْخَاصِّيَّةَ.
وَقَدْ وُجِدَ نَظِيرُهُ فِي الدُّنْيَا فَتِلْكَ نَارُ النُّمْرُوذِ، كَانَتْ تُحْرِقُ الطَّيْرَ فِي الْجَوِّ إِذَا اقْتَرَبَ مِنْهَا، وَعَجَزُوا عَنِ الدُّنُوِّ إِلَيْهَا ; لِيُلْقُوا فِيهَا إِبْرَاهِيمَ وَوَضَعُوهُ فِي الْمَنْجَنِيقِ وَرَمَوْهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَمَعَ ذَلِكَ حَفِظَهُ اللَّهُ مِنْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى لَهَا: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [٢١ \ ٦٩] ، فَسُبْحَانَ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ
стр. 4049
وَهَذَا هُوَ قَسِيمُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فِي بَيَانِ حَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَلَمْ يَعْطِفْ بِالْوَاوِ ; إِيذَانًا بِكَمَالِ تَبَايُنِ مَضْمُونَيْهِمَا. وَ «يَوْمَئِذٍ» : هُوَ يَوْمُ الْغَاشِيَةِ الْمُتَقَدِّمُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْغَاشِيَةَ عَامَّةٌ فِي الْفَرِيقَيْنِ. وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَحْوَالُهَا مَعَ مُخْتَلَفِ النَّاسِ، وَعَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ تَغْشَاهُ بِهَوْلِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ تَغْشَاهُ بِنَعِيمِهَا. وَهِيَ بِالنِّسْبَةِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مُتَنَاهِيَةٌ فِيمَا تَغْشَاهُمْ بِهِ، وَهِيَ صَادِقَةٌ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْغَاشِيَةَ تُطْلَقُ عَلَى الْخَيْرِ كَمَا تُطْلَقُ عَلَى الشَّرِّ، بِمَعْنَى الشُّمُولِ وَالْإِحَاطَةِ التَّامَّةِ. وَمِنْ إِطْلَاقِهَا عَلَى الْخَيْرِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ وَتَحْقِيقُهُ فِي حَقِّ كِلَا الْقِسْمَيْنِ كَالْآتِي:
أَمَّا الْأَوَّلُ مِنْهُمَا: - وَهُوَ الْغَاشِيَةُ فِي حَقِّ أَهْلِ النَّارِ - فَقَدْ غَشِيَهُمُ الْعَذَابُ حِسًّا وَمَعْنًى، ظَاهِرًا وَبَاطِنًا أَوْ لَا خُشُوعَ فِي ذِلَّةٍ، وَهِيَ نَاحِيَةٌ نَفْسِيَّةٌ، وَهِيَ أَثْقَلُ أَحْيَانًا مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَادِّيَّةِ، فَقَدْ يَخْتَارُ بَعْضُ النَّاسِ الْمَوْتَ عَنْهَا، ثُمَّ مَعَ الذِّلَّةِ الْعَمَلُ وَالنَّصَبُ حِسًّا وَبَدَنًا، وَمَعَ النَّصَبِ الشَّدِيدِ «تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً» وَكَانَ يَكْفِي تَصْلَى نَارًا. وَلَكِنْ إِتْبَاعُهَا بِوَصْفِهَا حَامِيَةً ; فَهُوَ زِيَادَةٌ فِي إِبْرَازِ عَذَابِهِمْ، وَزِيَادَةٌ فِي غَشَيَانِ الْعَذَابِ لَهُمْ، ثُمَّ يُسْقَوْنَ «مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ» : مُتَنَاهِيَةٍ فِي الْحَرَارَةِ ; فَيَكُونُونَ بَيْنَ نَارٍ حَامِيَةٍ مِنَ الْخَارِجِ وَحَمِيمٍ مِنَ الدَّاخِلِ تَصْهَرُ مِنْهُ الْبُطُونُ، فَهُوَ أَتَمُّ فِي الشُّمُولِ لِلْغَاشِيَةِ لَهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَفِي حَقِّ الْقِسْمِ الْمُقَابِلِ تَعْمِيمٌ كَامِلٌ وَسُرُورٌ شَامِلٌ كَالْآتِي، وُجُوهٌ نَاعِمَةٌ مُكْتَمِلَةُ النِّعْمَةِ، تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ.
وَهَذَا فِي شُمُولِهِ مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ، كَمُقَابِلَةٍ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بَدَلًا مِنْ خَاشِعَةٍ فِي ذِلَّةٍ نَاعِمَةٍ فِي نَضْرَةٍ «لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ» الَّذِي سِعَتُهُ فِي الدُّنْيَا، وَالَّذِي تَسْعَى لِتَحْصِيلِهِ أَوْ ثَوَابِهِ «فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ» بَدَلًا مِنْ عَمَلٍ وَنَصَبٍ. «لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً» : مَنْزِلَةٌ أَدَبِيَّةٌ رَفِيعَةٌ ; حَيْثُ لَا تَسْمَعُ فِيهَا كَلِمَةَ لَغْوٍ وَلَا يَلِيقُ بِهَا، فَهُوَ إِكْرَامٌ لَهُمْ حَتَّى فِي الْكَلِمَةِ الَّتِي يَسْمَعُونَهَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ:
стр. 4050
لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا [٥٦ \ ٢٥ - ٢٦] .
فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ
وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا عُيُونٌ وَأَنْهَارٌ تَجْرِي، كَقَوْلِهِ: فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [١٥ \ ٤٥] ، وَمِنْ لَوَازِمَ الْعُيُونِ وَالْأَنْهَارِ، هُوَ كَمَالُ النَّعِيمِ، فَأَشْجَارٌ وَرَيَاحِينُ، فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ. وَهَذَا فِي التَّعْمِيمِ يُقَابِلُ الْعَيْنَ الْآنِيَةَ فِي الْحَمِيمِ لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
«فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ» وَهُمْ عَلَيْهَا مُتَّكِئُونَ، بَدَلٌ مِنْ عَمَلِ الْآخَرِينَ فِي نَصَبٍ وَشَقَاءٍ.
«وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ» لِإِتْمَامِ التَّمَتُّعِ وَكَمَالِ الْخِدْمَةِ وَالرَّفَاهِيَةِ. «وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ» مُتَّكَأً «وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ» مَفْرُوشَةٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَاكْتَمَلَ النَّعِيمُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، حَيْثُ اشْتَمَلَ مَا تَرَاهُ الْعَيْنُ وَمَا تَسْمَعُهُ الْأُذُنُ، وَمَا يَتَذَوَّقُونَ طَعْمَهُ مِنْ شَرَابٍ وَغَيْرِهِ.
فَيَكُونُ بِذَلِكَ قَدْ غَشِيَتْهُمُ النِّعْمَةُ، كَمَا غَشِيَتْ أُولَئِكَ النِّقْمَةُ، وَتَكُونُ الْغَاشِيَةُ بِمَعْنَى الشَّامِلَةُ، وَعَلَى عُمُومِهَا لِلْفَرِيقَيْنِ، وَهِيَ صَالِحَةٌ لُغَةً وَشَرْعًا لِلْمُعَذَّبِينَ بِالْعَذَابِ، وَلِلْمُنَعَّمِينَ بِالنَّعِيمِ. وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
تَنْبِيهٌ.
مَجِيءُ فِيهَا مَرَّتَيْنِ: فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ، فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ; لِلدَّلَالَةِ عَلَى قِسْمَيْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ. الْأَوَّلُ: عُيُونٌ وَنُزْهَةٌ. وَالثَّانِي: سُرُرٌ وَسَكَنٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ
تَوْجِيهُ الْأَنْظَارِ إِلَى تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ الْأَرْبَعَةِ ; لِمَا فِيهَا مِنْ عَظِيمِ الدَّلَائِلِ عَلَى الْقُدْرَةِ، وَعَلَى الْبَعْثِ، وَثُمَّ الْإِقْرَارُ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ، نَتِيجَةً لِإِثْبَاتِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعَالَى لِجَمِيعِ خَلْقِهِ.
أَمَّا الْإِبِلُ: فَلَعَلَّهَا أَقْرَبُ الْمَعْلُومَاتِ لِلْعَرَبِ، وَأَلْصَقُهَا بِحَيَاتِهِمْ فِي مَطْعَمِهِمْ مِنْ لَحْمِهَا وَمَشْرَبِهِمْ مِنْ أَلْبَانِهَا، وَمَلْبَسِهِمْ مِنْ أَوْبَارِهَا وَجُلُودِهَا، وَفِي حِلِّهِمْ وَتِرْحَالِهِمْ بِالْحَمْلِ عَلَيْهَا، مِمَّا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ لَا فِي الْخَيْلِ وَلَا فِي الْفِيَلَةِ، وَلَا فِي أَيِّ حَيَوَانٍ آخَرَ، وَقَدْ وَجَّهَ الْأَنْظَارَ إِلَيْهَا مَعَ غَيْرِهَا فِي مَعْرِضِ امْتِنَانِهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ:
стр. 4051
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ [٣٦ \ ٧١ - ٧٣] .
وَكَذَلِكَ فِي خُصُوصِهَا فِي قَوْلِهِ: وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [١٦ \ ٥ - ٧] .
إِنَّهَا نِعَمٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَمَنَافِعٌ بَالِغَةٌ لَمْ تُوجَدْ فِي سِوَاهَا الْبَتَّةَ، وَكُلٌّ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى الْقُدْرَةِ بِذَاتِهِ. أَمَّا الْجِبَالُ: فَهِيَ مِمَّا يَمْلَأُ عُيُونَهُمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَيَشْغَلُ تَفْكِيرَهُمْ فِي كُلِّ حِينٍ ; لِقُرْبِهَا مِنْ حَيَاتِهِمْ فِي الْأَمْطَارِ وَالْمَرْعَى فِي سُهُولِهَا، وَالْمَقِيلِ فِي كُهُوفِهَا وَظِلِّهَا، وَالرَّهْبَةِ وَالْعَظَمَةِ فِي تَطَاوُلِهَا وَثَبَاتِهَا فِي مَكَانِهَا. وَقَدْ وَجَّهَ الْأَنْظَارَ إِلَيْهَا أَيْضًا فِي مَوْطِنٍ آخَرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا [٧٨ \ ٦ - ٧] ، ثَوَابِتٌ كَمَا بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهَا رَوَاسِي لِلْأَرْضِ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِحَيَاتِهِمْ وَحَيَاةِ أَنْعَامِهِمْ كَمَا أَسْلَفْنَا.
أَمَّا السَّمَاءُ وَرَفْعُهَا: أَيْ: وَرَفْعَتُهَا فِي خَلْقِهَا، وَبِدُونِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا، وَبِدُونِ فُطُورٍ أَوْ تَشَقُّقٍ عَلَى تَطَاوُلِ زَمَنِهَا، فَهِيَ أَيْضًا مَحَطُّ أَنْظَارِهِمْ، وَمُلْتَقَى طَلَبَاتِهِمْ فِي سُقْيَا أَنْعَامِهِمْ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ خَلْقَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الدَّالَّةِ عَلَى الْبَعْثِ، كَمَا تَقَدَّمَ مِرَارًا.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْآيَةَ [٢ \ ١٦٤] . بَيَانُ كَوْنِهَا آيَةً. أَمَّا الْأَرْضُ وَكَيْفَ سُطِحَتْ، فَإِنَّ الْآيَةَ فِيهَا مَعَ عُمُومِهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [٤٠ \ ٥٧] .
وَقَوْلُهُ: كَيْفَ سُطِحَتْ [٨٨ \ ٢٠] آيَةٌ ثَابِتَةٌ ; لِأَنَّ جِرْمَهَا مَعَ إِجْمَاعِ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى تَكْوِيرِهَا، فَإِنَّهَا تُرَى مُسَطَّحَةً، أَيْ: مِنَ النُّقْطَةِ الَّتِي هِيَ فِي امْتِدَادِ الْبَصَرِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى سِعَتِهَا وَكِبَرِ حَجْمِهَا ; لِأَنَّ الْجِرْمَ الْمُتَكَوِّرَ إِذَا بَلَغَ مِنَ الْكِبَرِ وَالضَّخَامَةِ حَدًّا بَعِيدًا يَكَادُ سَطْحُهُ يُرَى مُسَطَّحًا مِنْ نُقْطَةِ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ آيَاتٌ مُتَعَدِّدَاتٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى بَعْثِ الْخَلَائِقِ، وَعَلَى إِيقَاعِ مَا يَغْشَاهُمْ عَلَى مُخْتَلَفِ أَحْوَالِهِمْ.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى
стр. 4052
قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [١٠ \ ١٠١] . الْآيَةَ مِنْ سُورَةِ «يُونُسَ» .
تَنْبِيهٌ.
التَّوْجِيهُ هُنَا بِالنَّظَرِ إِلَى الْكَيْفِيَّةِ فِي خَلْقِ الْإِبِلِ، وَنَصْبِ الْجِبَالِ، وَرَفْعِ السَّمَاءِ، وَتَسْطِيحِ الْأَرْضِ، مَعَ أَنَّ الْكَيْفَ لِلْحَالَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يُشْهِدْ أَحَدًا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [١٨ \ ٥١] . فَكَيْفَ يُوَجِّهُ السُّؤَالَ إِلَيْهِمْ لِلنَّظَرِ إِلَى الْكَيْفِيَّةِ وَهِيَ شَيْءٌ لَمْ يَشْهَدُوهُ؟ ! ! .
وَالْجَوَابُ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -: هُوَ أَنَّهُ بِالتَّأَمُّلِ فِي نَتَائِجَ خَلْقِ الْإِبِلِ، وَنَصْبِ الْجِبَالِ إِلَخْ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا الْكَيْفَ، بَلْ وَيَعْجِزُونَ عَنْ كُنْهِهِ وَتَحْقِيقِهِ، فَهُوَ أَبْلَغُ فِي إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِمْ، كَمَنْ يَقِفُ أَمَامَ صَنْعَةٍ بَدِيعَةٍ يَجْهَلُ سِرَّ صَنْعَتِهَا، فَيَتَسَاءَلُ كَيْفَ تَمَّ صُنْعُهَا؟ وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ: وَهُوَ الْإِحَالَةُ عَلَى الْأَثَرِ بَدَلًا مِنْ كَشْفِ الْكُنْهِ وَالْكَيْفِ، وَذَلِكَ فِي سُؤَالِ الْخَلِيلِ - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - رَبَّهُ: أَنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي الْمَوْتَى. فَكَانَ الْجَوَابُ: أَنْ أَرَاهُ الطُّيُورَ تَطِيرُ، بَعْدَ أَنْ ذَبَحَهَا بِيَدِهِ وَقَطَّعَهَا، وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهَا جُزْءًا. فَلَمْ يُشَاهِدْ كَيْفِيَّةَ وَكُنْهَ، وَحَقِيقَةَ الْإِحْيَاءِ، وَهُوَ دَبِيبُ الرُّوحِ فِيهَا وَعَوْدَةُ الْحَيَاةِ إِلَيْهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِهِ، وَلَكِنْ شَاهَدَ الْآثَارَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَهِيَ تُحَرِّكُهَا وَطَيَرَانِهَا، وَعَوْدَتِهَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَبْحِهَا. مَعَ أَنَّهُ كَانَ لِلْعُزَيْرِ مَوْقِفٌ مُمَاثِلٌ وَإِنْ كَانَ أَوْضَحَ فِي الْبَيَانِ ; حَيْثُ شَاهَدَ الْعِظَامَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَنْشُرُهَا، ثُمَّ يَكْسُوهَا لَحْمًا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، فَإِنَّ مَجِيءَ هَذَا الْأَمْرِ بِالْفَاءِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ، فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ النَّظَرَ الدَّقِيقَ وَالْفِكْرَ الدَّارِسَ، مِمَّا قَدْ يُؤَدِّي بِصَاحِبِهِ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى وُجُودِ اللَّهِ وَعَلَى قُدْرَتِهِ، كَمَا نَطَقَ مُؤْمِنُ الْجَاهِلِيَّةِ: قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ، فِي خُطْبَتِهِ الْمَشْهُورَةِ: لَيْلٌ دَاجٍ، وَنَهَارٌ سَاجٍ، وَسَمَاءُ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، وَنُجُومٌ تُزْهِرُ، وَبِحَارٍ تَزْخَرُ، وَجِبَالٌ مُرْسَاةٌ، وَأَرْضٌ مُدْحَاةٌ، وَأَنْهَارٌ مُجْرَاةٌ. فَقَدْ ذَكَرَ السَّمَاءَ، وَالْجِبَالَ، وَالْأَرْضَ.
وَكَقَوْلِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، مُؤْمِنُ الْجَاهِلِيَّةِ الْمَعْرُوفُ:
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الْأَرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالًا
стр. 4053
دَحَاهَا فَلَمَّا اسْتَوَتْ شَدَّهَا ... سَوَاءً وَأَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَا
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالَا
إِذَا هِيَ سِيقَتْ إِلَى بَلْدَةٍ ... أَطَاعَتْ فَصَبَّتْ عَلَيْهَا سِجَالَا
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الرِّيحُ تُصْرَفُ حَالًا فَحَالَا
فَكَانَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْعُقَلَاءِ أَنْ يَنْظُرُوا بِدِقَّةٍ وَتَأَمُلٍ، فِيمَا يُحِيطُ بِهِمْ عَامَّةً. وَفِي تِلْكَ الْآيَاتِ الْكِبَارِ خَاصَّةً، فَيَجِدُونَ فِيهَا مَا يَكْفِيهِمْ.
كَمَا قِيلَ:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ
فَإِذَا لَمْ يَهْدِهِمْ تَفْكِيرُهُمْ، وَلَمْ تَتَّجِهْ أَنْظَارُهُمْ. فَذَكِّرْهُمْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. وَهَذَا عَامٌّ، أَيْ: سَوَاءٌ بِالدَّلَالَةِ عَلَى الْقُدْرَةِ مِنْ تِلْكَ الْمَصْنُوعَاتِ، أَوْ بِالتِّلَاوَةِ مِنْ آيَاتِ الْوَحْيِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ
فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْإِيَابَ هُوَ الْمَرْجِعُ.
قَالَ عُبَيْدٌ:
وَكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ ... وَغَائِبُ الْمَوْتِ لَا يَئُوبُ
كَمَا فِي قَوْلِهِ: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [٥ \ ٤٨] ، وَهُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَمَا فِي صَرِيحِ مَنْطُوقِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ الْآيَةَ [٣ \ ٥٥] . وَقَوْلِهِ: ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [٦ \ ١٦٤] .
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [٨٨ \ ٢٦] ، الْإِتْيَانُ بِثُمَّ ; لِلْإِشْعَارِ مَا بَيْنَ إِيَابِهِمْ وَبَدْءِ حِسَابِهِمْ: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [٢٢ \ ٤٧] .
وَقَوْلُهُ: إِنَّ عَلَيْنَا، بِتَقَدُّمِ حَرْفِ التَّأْكِيدِ، وَإِسْنَادِ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَبِحَرْفِ «عَلَى» مِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، وَأَنَّهُ بِأَدَقِّ مَا يَكُونُ، وَعَلَى الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [٢ \ ٢٨٤] .
стр. 4054
وَمِنَ الْوَاضِحِ مَجِيءُ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ، بَعْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ; تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وَتَخْوِيفًا لِأُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا وَأَعْرَضُوا، ثُمَّ إِنَّ الْحِسَابَ فِي الْيَوْمِ الْآخِرِ لَيْسَ خَاصًّا بِهَؤُلَاءِ، بَلْ هُوَ عَامٌّ بِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ. وَلَكِنَّ إِسْنَادَهُ لِلَّهِ تَعَالَى مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْمَعَانِي الْمُتَقَدِّمَةِ.
نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالسَّلَامَةَ.
стр. 4055
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ الْفَجْرِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِي
اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْفَجْرِ، فَقِيلَ: انْفِجَارُ النَّهَارِ مِنْ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ.
وَقِيلَ: صَلَاةُ الْفَجْرِ.
وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ لَهُ شَاهَدٌ مِنَ الْقُرْآنِ. أَمَّا انْفِجَارُ النَّهَارِ، فَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ [٨ ١ \ ١٨] .
وَأَمَّا صَلَاةُ الْفَجْرِ فَكَمَا فِي قَوْلِهِ: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [١٧ \ ٧٨] ، وَلَكِنْ فِي السِّيَاقِ مَا يُقَرِّبُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، إِذْ هُوَ فِي الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي: " الْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ "، " اللَّيْلِ إِذَا يَسْرِي "، وَكُلُّهَا آيَاتٌ زَمَنِيَّةٌ أُنْسِبَ لَهَا انْفِجَارُ النَّهَارِ.
بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي أَيِّ الْفَجْرِ عَنَى هُنَا؟ فَقِيلَ بِالْعُمُومِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَقِيلَ: بِالْخُصُوصِ. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَلِيٍّ ﵃.
وَعَلَى الثَّانِي، فَقِيلَ: خُصُوصُ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ. وَقِيلَ: أَوَّلُ يَوْمِ الْمُحَرَّمِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ نَصٌّ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. إِلَّا أَنَّ فَجْرَ يَوْمِ النَّحْرِ أَقْرَبُ إِلَى اللَّيَالِي الْعَشْرِ، إِنْ قُلْنَا: هِيَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى مَا يَأْتِي. إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
أَمَّا اللَّيَالِي الْعَشْرُ: فَأَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ مَحْصُورَةٌ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَعَشْرِ الْمُحَرَّمِ، وَالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ. وَالْأَوَّلُ: جَاءَ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهَا الْعَشْرُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي قِصَّةِ مُوسَى ﵇: وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ " [٧ \ ١٤٢] ، وَكُلُّهَا الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ نَصٌّ بِعَيْنِهَا.
وَفِي السُّنَّةِ بَيَانُ فَضِيلَةِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَعَشْرِ رَمَضَانَ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، فَإِنَّ جَعْلَ الْفَجْرِ خَاصًّا بِيَوْمِ النَّحْرِ، كَانَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ أَقْرَبَ لِلسِّيَاقِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 4056
" وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ": ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ قَوْلًا، وَمَجْمُوعُهَا يَشْمَلُ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا.
أَمَّا جُمْلَةً، فَقَالُوا: إِنَّمَا الْوَتْرُ هُوَ اللَّهُ ; لِلْحَدِيثِ: " إِنَّ اللَّهَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ "، وَمَا سِوَاهُ شَفْعٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [٥١ \ ٤٩] ، فَهَذَا شَمِلَ كُلَّ الْوُجُودِ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، كَمَا فِي عُمُومِ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ [٦٩ \ ٣٨ - ٣٩] .
أَمَّا التَّفْصِيلُ، فَقَالُوا: الْمَخْلُوقَاتُ إِمَّا شَفْعٌ كَالْحَيَوَانَاتِ أَزْوَاجًا، وَالسَّمَاءِ، وَالْأَرْضِ، وَالْجَبَلِ، وَالْبَحْرِ، وَالنَّارِ، وَالْمَاءِ. وَهَكَذَا ذَكَرُوا لِكُلِّ شَيْءٍ مُقَابِلَهُ، وَمِنَ الْأَشْيَاءِ الْفَرْدُ كَالْهَوَاءِ. وَكُلُّهَا مِنْ بَابِ الْأَمْثِلَةِ.
وَالْوَاقِعُ أَنَّ أَقْرَبَ الْأَقْوَالِ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -: أَنَّهُ هُوَ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ عِلْمِيًّا أَنَّهُ لَا يُوجَدُ كَائِنٌ مَوْجُودٌ بِمَعْنَى الْوَتْرِ قَطُّ حَتَّى الْحَصَاةُ الصَّغِيرَةُ.
فَإِنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ كَائِنٍ جَمَادٍ أَوْ غَيْرِهِ مُكَوَّنٌ مِنْ ذَرَّاتٍ، وَالذَّرَّةُ لَهَا نَوَاةٌ وَمُحِيطٌ، وَبَيْنَهُمَا ارْتِبَاطٌ وَعَنْ طَرِيقِهِمَا التَّفْجِيرُ الَّذِي اكْتُشِفَ فِي هَذَا الْعَصْرِ، حَتَّى فِي أَدَقِّ عَالَمِ الصِّنَاعَةِ: كَالْكَهْرُبَاءِ ; فَإِنَّهَا مِنْ سَالِبٍ وَمُوجَبٍ، وَهَكَذَا لَا بُدَّ مِنْ دَوْرَةٍ كَهْرُبَائِيَّةٍ لِلْحُصُولِ عَلَى النَّتِيجَةِ مِنْ أَيِّ جِهَازٍ كَانَ، حَتَّى الْمَاءُ الَّذِي كَانَ يُظَنُّ بِهِ الْبَسَاطَةُ ; فَهُوَ زَوْجٌ وَشَفْعٌ مِنْ عُنْصُرَيْنِ: أُوكْسِجِينْ وَهِدْرُوجِينْ، يَنْفَصِلَانِ إِذَا وَصَلَتْ دَرَجَةُ حَرَارَةِ الْمَاءِ إِلَى مِائَةٍ - أَيْ: الْغَلَيَانُ - وَيَتَآلَفَانِ إِذَا نَزَلَتِ الدَّرَجَةُ إِلَى حَدٍّ مُعَيَّنٍ فَيَتَاقَطَرَانِ مَاءً. وَهَكَذَا.
وَنَفْسُ الْهَوَاءِ عِدَّةُ غَازَاتٍ وَتَرَاكِيبَ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْكَوْنِ شَيْءٌ قَطُّ فَرْدًا وَتْرًا بِذَاتِهِ، إِلَّا مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ: " إِنَّ اللَّهَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرُ "، وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَعْنَى الْوَتْرِ فِيهِ مُسْتَغْنٍ بِذَاتِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَالْوَاحِدُ فِي ذَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ. فَصِفَاتُهُ كُلُّهَا وَتْرٌ: كَالْعِلْمِ بِلَا جَهْلٍ وَالْحَيَاةِ بِلَا مَوْتٍ. إِلَخْ. بِخِلَافِ الْمَخْلُوقِ، وَقُلْنَا: الْمُسْتَغْنِي بِذَاتِهِ عَنْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ شَفْعًا، فَإِنَّ كُلَّ عُنْصُرٍ مِنْهُ فِي حَاجَةٍ إِلَى الْعُنْصُرِ الثَّانِي ; لِيَكُونَ مَعَهُ ذَاكَ الشَّيْءُ وَاللَّهِ سُبْحَانَهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَلِهَذَا كَانَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّ الْوَتْرَ هُوَ اللَّهُ، وَالشَّفْعَ هُوَ الْمَخْلُوقَاتُ جَمِيعُهَا، هُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ، وَهُوَ الْأَعَمُّ فِي الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِي، اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى الْمَعْنَى وَهُوَ سَرَيَانُ اللَّيْلِ، وَلَكِنَّ
стр. 4057
الْخِلَافَ فِي التَّعْيِينِ: هَلِ الْمُرَادُ بِهِ عُمُومُ اللَّيَالِي فِي كُلِّ لَيْلَةٍ أَمْ لَيْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ؟ وَمَا هِيَ؟
فَقِيلَ: بِالْعُمُومِ كَقَوْلِهِ: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ [٨١ \ ١٧] .
وَقِيلَ: بِالْخُصُوصِ فِي لَيْلَةِ مُزْدَلِفَةَ أَوْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
وَأَيْضًا يُقَالُ: إِذَا كَانَ الْفَجْرُ فَجْرُ النَّحْرِ، وَالْعَشْرُ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ فَيَكُونُ: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِي، لَيْلَةَ الْجَمْعِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَجَّحَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ عُمُومَ اللَّيْلِ، وَقَدْ جَمَعَ فِي هَذَا الْقِسْمِ جَمِيعَ الْمَوْجُودَاتِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، فَشَمَلَتِ الْخَالِقَ وَالْمَخْلُوقَ وَالشَّفْعَ وَالْوَتْرَ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا، فِي انْفِجَارِ الْفَجْرِ، وَانْتِشَارِ الْخَلْقِ، وَسَرَيَانِ اللَّيْلِ، وَسُكُونِ الْكَوْنِ، وَالْعِبَادَاتِ فِي اللَّيَالِي الْعَشْرِ.
فَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [٨٩ \ ٥] ، أَيْ: عَقْلٌ، وَالْحِجْرُ كُلُّ مَادَّتِهِ تَدُورُ عَلَى الْإِحْكَامِ وَالْقُوَّةِ، فَالْحَجَرُ ; لِقُوَّتِهِ. وَالْحُجْرَةُ ; لِإِحْكَامٍ مَا فِيهَا. وَالْعَقْلُ سُمِّيَ حِجْرًا - بِكَسْرِ الْحَاءِ - ; لِأَنَّهُ يَحْجُرُ صَاحِبَهُ عَمًّا لَا يَلِيقُ. وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ ; لِمَنْعِهِ مِنْ تَصَرُّفِهِ وَإِحْكَامِ أَمْرِهِ، وَحَجْرُ الْمَرْأَةِ لِطِفْلِهَا، فَهَذِهِ الْمُقْسَمُ بِهَا الْخَمْسَةُ هَلْ فِيهَا قَسَمٌ كَافٍ لِذِي عَقْلٍ؟ وَالْجَوَابُ: بَلَى، وَهَذَا مَا يُقَوِّي هَذَا الْقَسَمَ بِلَا شَكٍّ.
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي جَوَابِ هَذَا الْقَسَمِ: حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ تَعَالَى بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي نَظِيرِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [٥٦ \ ٧٥ - ٧٦] . ثُمَّ صَرَّحَ بِالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ الْآيَةَ [٥٦ \ ٧٧] . وَهُنَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ مَعَ عِظَمِ الْقَسَمِ ; فَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي تَعْيِينِهِ.
فَقِيلَ: هُوَ مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ لَيُعَذِّبَنَّ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِلَى قَوْلِهِ: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [٨٩ \ ٦ - ١٤] .
وَقِيلَ: مَوْجُودٌ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [٨٩ \ ١٤] ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ.
وَهَذَا مِنْ حَيْثُ الصِّنَاعَةِ فِي اللُّغَةِ وَأَسَالِيبِ التَّفْسِيرِ وَجِيهٌ، وَلَكِنْ يُوجَدُ فِي نَظَرِي - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -: ارْتِبَاطٌ بَيْنَ الْقَسَمِ وَجَوَابُهُ، وَبَيْنَ مَا يَجِيءُ فِي آخِرِ السُّورَةِ مِنْ قَوْلِهِ
стр. 4058
كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [٨٩ \ ٢١] ، إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
كَمًّا أَنَّهُ يَظْهَرُ ارْتِبَاطٌ كَبِيرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، إِذْ جَاءَ فِيهَا: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ [٨٨ \ ٢١ - ٢٤] ، وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ إِلَى قَوْلِهِ: هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [٨٩ \ ١ - ٥] ; لِأَنَّ مَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ بِالْعَذَابِ الْأَكْبَرِ وَالْقَصْرِ فِي إِيَابِهِمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ وَحِسَابِهِمْ عَلَيْهِ فَحَسْبُ يَتَنَاسَبُ مَعَهُ هَذَا الْقَسَمُ الْعَظِيمُ.
أَمَّا ارْتِبَاطُهُ بِمَا فِي آخِرِ السُّورَةِ، فَهُوَ أَنَّ الْمُقْسَمَ بِهِ هُنَا خَمْسُ مُسَمَّيَاتٌ: وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [٨٩ \ ١ - ٤] ، وَالَّذِي فِي آخِرِ السُّورَةِ أَيْضًا خَمْسُ مُسَمَّيَاتٍ: دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [٨٩ \ ٢١ - ٢٣] .
صُوَرٌ اشْتَمَلَتْ عَلَى الْيَوْمِ الْآخِرِ كُلِّهِ مِنْ أَوَّلِ النَّفْخِ فِي الصُّوَرِ، وَدَكِّ الْأَرْضِ إِلَى نِهَايَةِ الْحِسَابِ، وَتَذَكُّرِ كُلِّ إِنْسَانٍ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ، تُقَابِلُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْقَسَمُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ
لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا مَاذَا وَلَا كَيْفَ فَعَلَ، بِمَنْ ذَكَرُوا، وَهُمْ: عَادٌ، وَثَمُودُ، وَفِرْعَوْنُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ثَلَاثَتِهِمْ فِي سُورَةِ " الْحَاقَّةِ " عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ إِلَى قَوْلِهِ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً [٦ ٩ \ ١٠٥ - ١٠] .
وَالْجَدِيدُ هُنَا: هُوَ وَصْفُ كُلٍّ مِنْ عَادٍ مِنْ أَنَّهَا ذَاتُ الْعِمَادِ، وَلَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ، وَثَمُودَ أَنَّهُمْ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ، وَفِرْعَوْنَ أَنَّهُ ذُو أَوْتَادٍ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمَعْنَى بِهَذِهِ الصِّفَاتِ كُلِّهَا:
أَمَّا عَادٌ، فَقِيلَ: الْعِمَادُ عِمَادُ بُيُوتِ الشَّعَرِ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْقَبِيلَةُ. وَطُولُ عِمَادِ
стр. 4059
بُيُوتِهَا: كِنَايَةٌ عَنْ طُولِ أَجْسَامِهِمْ، كَمَا قِيلَ فِي صَخْرٍ:
رَفِيعُ الْعِمَادِ طَوِيلُ النِّجَادِ
وَطُولُ الْأَجْسَامِ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ أَصْحَابِهَا.
وَقِيلَ: إِرَمُ كَانَتْ مَدِينَةً رَفِيعَةَ الْبُنْيَانِ، وَذَكَرُوا فِي أَخْبَارِهَا قِصَصًا تَفُوقُ الْخَيَالَ، وَأَنَّهَا فِي الرَّبْعِ الْخَالِي، وَلَكِنْ حَيْثُ لَمْ تَثْبُتْ أَخْبَارُهَا بِسَنَدٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْوَاقِعُ، فَقَالَ قَوْمٌ: قَدْ خُسِفَ بِهَا وَلَمْ تَعُدْ مَوْجُودَةً.
أَمَّا ثَمُودُ: فَقَدْ جَابُوا، أَيْ: نَحَتُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ، بِوَادِ الْقُرَى فِي مَدَائِنِ صَالِحٍ، وَهِيَ بُيُوتُهُمْ مَوْجُودَةٌ حَتَّى الْآنَ.
وَأَمَّا فِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ، فَقِيلَ: هِيَ أَوْتَادُ الْخِيَامِ، كَانَ يَتِدُهَا لِمَنْ يُعَذِّبُهُمْ.
وَقِيلَ: هِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْجُنُودِ يُثَبِّتُ بِهَا مُلْكَهُ.
وَقِيلَ: هِيَ أَكَمَاتٌ وَأَسْوَارٌ مُرْتَفِعَاتٌ، يُلْعَبُ لَهُ فِي مَرَابِعِهَا.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ مَا نَصُّهُ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ "، ذَكَرَ لَنَا أَنَّهَا كَانَتْ مَطَالٌّ، وَمَلَاعِبُ يُلْعَبُ لَهُ تَحْتَهَا مِنْ أَوْتَادٍ وَجِبَالٍ ".
وَالَّذِي يَظْهَرُ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -: أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الصَّحِيحُ، وَأَنَّهَا مُرْتَفِعَةٌ، وَأَنَّهَا هِيَ الْمَعْرُوفَةُ الْآنَ بِالْأَهْرَامِ بِمِصْرَ، وَيُرَجِّحُ ذَلِكَ عِدَّةُ أُمُورٍ:
مِنْهَا: أَنَّهَا تُشْبِهُ الْأَوْتَادَ فِي مَنْظَرِهَا طَرَفُهُ إِلَى أَعْلَى، إِذِ الْقِمَّةُ شِبْهُ الْوَتَدِ، مُدَبَّبَةٌ بِالنِّسْبَةِ لَضَخَامَتِهَا، فَهِيَ بِشَكْلٍ مُثَلَّثٍ، قَاعِدَتُهُ إِلَى أَسْفَلَ وَطَرَفُهُ إِلَى أَعْلَى.
وَمِنْهَا: ذِكْرُهُ مَعَ ثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ، بِجَامِعِ مَظَاهِرِ الْقُوَّةِ، فَأُولَئِكَ نَحَتُوا الصَّخْرَ بُيُوتًا فَارِهِينَ، وَهَؤُلَاءِ قَطَعُوا الصَّخْرَ الْكَبِيرَ مِنْ مَوْطِنٍ لَا جِبَالَ حَوْلَهُ، مِمَّا يَدُلُّ أَنَّهَا نُقِلَتْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ. وَالْحَالُ أَنَّهَا قِطَعٌ كِبَارٌ صَخِرَاتٌ عِظَامٌ فَفِي اقْتِطَاعِهَا وَفِي نَقْلِهَا إِلَى مَحَلِّ بِنَائِهَا، وَفِي نَفْسِ الْبِنَاءِ كُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْقُوَّةِ وَالْجَبَرُوتِ، وَتَسْخِيرِ الْعِبَادِ فِي ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: أَنَّ حَمْلَهَا عَلَى الْأَهْرَامِ الْقَائِمَةِ بِالذَّاتِ وَالْمُشَاهَدَةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَلِكُلِّ جِيلٍ،
стр. 4060
أَوْقَعَ فِي الْعِظَةِ وَالِاعْتِبَارِ ; بِأَنَّ مَنْ أَهْلَكَ تِلْكَ الْأُمَمَ، قَادِرٌ عَلَى إِهْلَاكِ الْمُكَذِّبِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ.
صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [٨٩ \ ١٤] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا
بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ يُعْطِي وَيُمْسِكُ ابْتِلَاءً لِلْعَبْدِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: كَلَّا، وَهِيَ كَلِمَةُ زَجْرٍ وَرَدْعٍ، وَبَيَانٌ أَنَّ الْمَعْنَى لَا كَمَا قُلْتُمْ، فِيهِ تَعْدِيلٌ لِمَفَاهِيمِ الْكُفَّارِ ; بِأَنَّ الْعَطَاءَ وَالْمَنْعَ لَا عَنْ إِكْرَامٍ وَلَا لِإِهَانَةٍ، وَلَكِنَّهُ ابْتِلَاءٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [٢١ \ ٣٥] .
وَقَوْلِهِ: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ [٨ \ ٢٨] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا بَعْدَ مَا بَيَّنَ سُبْحَانَهُ صِحَّةَ الْمَفَاهِيمِ فِي الْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ، جَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَبَيَّنَ حَقِيقَةَ فِتْنَةِ الْمَالِ إِيجَابًا وَسَلْبًا جَمْعًا وَبَذْلًا، فَبَدَأَ بِأَقْبَحِ الْوُجُوهِ مِنَ: الْإِمْسَاكِ مِنْ عَدَمِ إِكْرَامِ الْيَتِيمِ، مَهِيضِ الْجَنَاحِ، مَكْسُورِ الْخَاطِرِ، وَالتَّقَاعُسِ عَنْ إِطْعَامِ الْمِسْكِينِ، خَالِي الْيَدِ، جَائِعِ الْبَطْنِ، سَاكِنِ الْحَرَكَةِ، وَهَذَانِ الْجَانِبَانِ أَهَمُّ مُهِمَّاتِ بَذْلِ الْمَالِ وَهُمْ يُمْسِكُونَ عَنْهَا، وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الْجَانِبَ هُوَ اقْتِحَامُ الْعَقَبَةِ عِنْدَ الشِّدَّةِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ «الْبَلَدِ» : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ [٩٠ \ ١١ - ١٦] .
وَمِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ: وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا أَيِ: الْمِيرَاثَ، فَلَا يُعْطُونَ النِّسْوَةَ وَهُنَّ ضَعِيفَاتُ الشَّخْصِيَّةِ، أَحْوَجُ إِلَى مَالِ مُوَرِّثِهِنَّ، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا حَتَّى اسْتَعْبَدَكُمْ وَأَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ فِيهِ.
وَهُنَا لَفْتُ نَظَرٍ لِلْفَرِيقَيْنِ، فَمَنْ أُعْطِيَ مِنْهُمْ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُغْفِلَ طُرُقَ الْبَذْلِ الْهَامَّةَ، وَمَنْ مُنِعَ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَشْرِفَ إِلَى مَا لَا يَنْبَغِي لَهُ. وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا.
стр. 4061
تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ «الْحَاقَّةِ» أَيْضًا هَذَا السِّيَاقُ نَفْسُهُ، بَعْدَ ذِكْرِ ثَمُودَ، وَعَادٍ، وَفِرْعَوْنَ، فِي قَوْلِهِ: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً إِلَى قَوْلِهِ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا [٦٩ \ ١٣ - ١٧] . مِمَّا يُبَيِّنُ مَعْنَى «صَفًّا صَفًّا» ، أَيْ: عَلَى أَرْجَائِهَا صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - الْإِحَالَةُ عَلَى مَا يُفَسِّرُهَا فِي سُورَةِ «الرَّحْمَنِ» عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [٥٥ \ ٣٣] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [٨٩ \ ٢٢] ، «وَجَاءَ رَبُّكَ» : مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ.
مَوَاضِعُ الْبَحْثِ وَالنَّظَرِ.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - مِرَارًا فِي الْأَضْوَاءِ فِي عِدَّةِ مَحَلَّاتٍ ; وَلْيُعْلَمْ أَنَّهَا وَالِاسْتِوَاءُ وَحَدِيثُ النُّزُولِ وَالْإِتْيَانُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [٢ \ ٢١٠] .
وَقَدْ أَوْرَدَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - مَبْحَثَ آيَاتِ الصِّفَاتِ كَامِلَةً فِي مُحَاضَرَةٍ أَسْمَاهَا: «آيَاتُ الصِّفَاتِ» ، وَطُبِعَتْ مُسْتَقِلَّةً.
كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي سُورَةِ «الْأَعْرَافِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ [٧ \ ٥٤] ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِصِفَةِ الْمَجِيءِ بِذَاتِهَا، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ جَمِيعَ الصِّفَاتِ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ، أَيْ: أَنَّهَا ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَبْدَأِ: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» [٤٢ \ ١١] ، عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ لِلْمَخْلُوقِ، فَثَبَتَ اسْتِوَاءٌ يَلِيقُ بِجَلَالِهِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ لِلْمَخْلُوقِ.
وَكَذَلِكَ هُنَا كَمَا ثَبَتَ اسْتِوَاءٌ ثَبَتَ مَجِيءٌ، وَكَمَا ثَبَتَ مَجِيءٌ ثَبَتَ نُزُولٌ.
وَالْكُلُّ مِنْ بَابِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، أَيْ: عَلَى مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: نَحْنُ كُلِّفْنَا بِالْإِيمَانِ، فَعَلَيْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِصِفَاتِ اللَّهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ، وَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نُكَيِّفَ، إِذِ الْكَيْفُ مَمْنُوعٌ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ.
стр. 4062
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى
قَدْ بَيَّنَ تَعَالَى مَوْضُوعَ تَذَكُّرِ الْإِنْسَانِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [٨٩ \ ٢٤] .
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ «الْفُرْقَانِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [٢٥ \ ٢٧] الْآيَاتِ.
стр. 4063
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ الْبَلَدِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ
تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ اللَّامِ، وَهَلْ هِيَ لِنَفْيِ الْقَسَمِ أَوْ لِتَأْكِيدِهِ، وَذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [٧٥ \ ١] ، إِلَّا أَنَّهَا هُنَا لَيْسَتْ لِلنَّفْيِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَقْسَمَ بِهَذَا الْبَلَدِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَهُوَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [٩٥ \ ١ - ٣] ; لِأَنَّ هَذَا الْبَلَدَ مُرَادٌ بِهِ مَكَّةُ إِجْمَاعًا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَهُ: وَأَنْتَ أَيِ: الرَّسُولُ ﷺ حِلٌّ، أَيْ: حَالٌّ أَوْ حَلَالٌ بِهَذَا الْبَلَدِ [٩٠ \ ٢] ، أَيْ مَكَّةَ، عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ نَظَائِرُهَا مِنَ الْقُرْآنِ، وَالشِّعْرِ الْعَرَبِيِّ، مِمَّا لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [٧ \ ١٢] ، مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ مَا مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ، وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
تَذَكَّرْتُ لَيْلَى فَاعْتَرَتْنِي صَبَابَةٌ ... وَكَادَ صَمِيمُ الْقَلْبِ لَا يَتَقَطَّعُ
أَيْ: وَكَادَ صَمِيمُ الْقَلْبِ يَتَقَطَّعُ.
وَقَدْ بَحَثَهَا الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بَحْثًا مُطَوَّلًا فِي دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ، «حِلٌّ» : بِمَعْنَى حَالٌّ، وَالْفِعْلُ الْمُضَعَّفُ يَأْتِي مُضَارِعُهُ مِنْ بَابِ نَصَرَ وَضَرَبَ، فَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا كَانَ مِنْ بَابِ نَصَرَ.
تَقُولُ: حَلَّ الْعُقْدَةَ يَحُلُّهَا - بِالضَّمِّ -، وَتَقُولُ: حَلَّ بِالْمَكَانِ يَحِلُّ - بِالْكَسْرِ -: إِذَا أَقَامَ فِيهِ، وَالْإِحْلَالُ دُونَ الْإِحْرَامِ.
стр. 4064
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِحِلٌّ: هَلْ هُوَ مِنَ الْإِحْلَالِ بِالْمَكَانِ؟ أَوْ هُوَ مِنَ التَّحَلُّلِ ضِدَّ الْإِحْرَامِ؟
فَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّهُ مِنَ الْإِحْلَالِ ضِدَّ الْإِحْرَامِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالْإِحْلَالِ هَذَا.
فَقِيلَ: هُوَ إِحْلَالُ مَكَّةَ لَهُ فِي عَامِ الْفَتْحِ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ.
وَقِيلَ: «حِلٌّ» : أَيْ: حَلَالٌ لَهُ مَا يَفْعَلُ بِمَكَّةَ غَيْرُ آثِمٍ، بَيْنَمَا هُمْ آثِمُونَ بِفِعْلِهِمْ.
وَقِيلَ: «حِلٌّ» : أَيْ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ مُعَظِّمُونَ هَذَا الْبَلَدَ وَحُرْمَتَهُ فِي نُفُوسِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ مُسْتَحِلُّونَ إِيذَاءَكَ وَإِخْرَاجَكَ.
وَذَكَرَ أَبُو حَيَّانَ: أَنَّهُ مِنَ الْحُلُولِ وَالْبَقَاءِ وَالسَّكَنِ، أَيْ: وَأَنْتَ حَالٌّ بِهَا. اهـ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ إِخْبَارًا عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ وَوَعْدًا بِالْفَتْحِ، وَأَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ حَرَامًا، فَيُقَاتِلُ أَهْلَهَا وَيَنْتَصِرُ عَلَيْهِمْ، أَوْ أَنَّهُ تَسْلِيَةٌ لَهُ وَأَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ بِهِ، وَسَيَنْصُرُهُ عَلَيْهِمْ.
وَعَلَى الثَّانِي: يَكُونُ تَأْكِيدًا لِشَرَفِ مَكَّةَ ; إِذْ هِيَ أَوَّلَا فِيهَا بَيْتُ اللَّهِ وَهُوَ شَرَفٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَالٌّ فِيهَا بَيْنَ أَهْلِهَا.
وَالَّذِي يَظْهَرُ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -: أَنَّ هَذَا الثَّانِيَ هُوَ الرَّاجِحُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ قَائِلًا ; وَذَلِكَ لِقَرَائِنَ مِنْ نَفْسِ السُّورَةِ وَمِنْ غَيْرِهَا مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
مِنْهَا: أَنَّ حُلُولَهُ ﷺ بِهَذَا الْبَلَدِ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ فِعْلًا، وَأَهَمَّهُ أَنَّ اللَّهَ رَافِعٌ عَنْهُمُ الْعَذَابَ ; لِوُجُودِهِ فِيهِمْ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [٨ \ ٣٣] ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: وَهَذَا الْبَلَدُ الْأَمِينُ مِنَ الْعَذَابِ، وَهَؤُلَاءِ الْآمِنُونَ مِنَ الْعَذَابِ بِفَضْلِ وُجُودِكَ فِيهِمْ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ ﷺ بِحُلُولِهِ فِيهَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، يُلَاقِي مِنَ الْمَشَاقِّ، وَيَصْبِرُ عَلَيْهَا.
وَفِيهِ أَرْوَعُ الْمَثَلِ لِلصَّبْرِ عَلَى الْمَشَاقِّ فِي الدَّعْوَةِ، فَقَدْ آذَوْهُ كُلَّ الْإِيذَاءِ، حَتَّى وَضَعُوا سَلَا الْجَزُورِ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ يَصْبِرُ عَلَيْهِمْ، وَآذَوْهُ فِي عَوْدَتِهِ مِنَ الطَّائِفِ، وَجَاءَهُ مَلِكُ الْجِبَالِ نُصْرَةً لَهُ، فَأَبَى وَصَبَرَ وَدَعَا لَهُمْ، وَمَنَعُوهُ الدُّخُولَ إِلَى
стр. 4065
بَلَدِهِ مَسْقَطَ رَأْسِهِ فَصَبَرَ، وَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ، وَرَضِيَ الدُّخُولَ فِي جِوَارِ رَجُلٍ مُشْرِكٍ وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ ; لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [٩٠ \ ٤] ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِهِ.
فَإِذَا كَانَ كُلُّ إِنْسَانٍ يُكَابِدُ فِي حَيَاتِهِ، أَيًّا كَانَ هُوَ، وَلِأَيِّ غَرَضٍ كَانَ، فَمُكَابَدَتُكَ تِلْكَ جَدِيرَةٌ بِالتَّقْدِيرِ وَالْإِعْظَامِ، حَتَّى يُقْسَمَ بِهَا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ
قِيلَ: الْوَالِدُ: هُوَ آدَمُ، وَمَا وَلَدَ، قِيلَ: «مَا» نَافِيَةٌ. وَقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ.
فَعَلَى أَنَّهَا نَافِيَةٌ: أَيْ: وَكُلُّ عَظِيمٍ لَمْ يُولَدْ لَهُ.
وَعَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ: أَيْ: بِمَعْنَى الْوِلَادَةِ مِنْ تَخْلِيصِ نَفْسٍ مِنْ نَفْسٍ، وَمَا يَسْبِقُ ذَلِكَ مِنْ تَلْقِيحٍ وَحَمْلٍ، وَنُمُوِّ الْجَنِينِ، وَتَفْصِيلِهِ وَتَخْلِيقِهِ، وَتَسْهِيلِ وِلَادَتِهِ.
وَقِيلَ: «وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ» : كُلُّ وَالِدٍ مَوْلُودٌ مِنْ حَيَوَانٍ وَإِنْسَانٍ.
وَقَدْ رَجَّحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْوَالِدَ هُوَ آدَمُ، وَمَا وَلَدَ ذُرِّيَّتَهُ، بِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ مَعَ هَذَا الْبَلَدِ ; لِأَنَّهَا أُمُّ الْقُرَى، وَهُوَ أَبُو الْبَشَرِ، فَكَأَنَّهُ أَقْسَمَ بِأُصُولِ الْمَوْجُودَاتِ وَفُرُوعِهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ
تَقَدَّمُ بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [٨٤ \ ٦] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ لَمْ يُبَيِّنْ أَيَرَاهُ أَحَدٌ؟ وَمَنِ الَّذِي يَرَاهُ؟
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَرَاهُ، وَلَكِنْ جَاءَ الْجَوَابُ مَقْرُونًا بِالدَّلِيلِ وَالْإِحْصَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَهُ: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [٩٠ \ ٨ - ١٠] ; لِأَنَّ مَنْ جَعَلَ لِلْإِنْسَانِ عَيْنَيْنِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَيَعْلَمُ مِنْهُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ، وَلِسَانًا يَنْطِقُ بِهِ وَيُحْصِي عَلَيْهِ: «مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» [٥٠ \ ١٨] ، وَهَدَاهُ الطَّرِيقَ، طَرِيقَ الْبَذْلِ وَطَرِيقَ الْإِمْسَاكِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ; فَلَنْ يُنْفِقَ دِرْهَمًا إِلَّا وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُهُ وَيَرَاهُ.
следующие страницы →