Полный текст (434 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
قيل: هَذَا غلط لأنه ذكر الذراعين والصدر بالألف واللام، والألف واللام يدخلان للعهد أو للجنس وليس يمكن حمله عَلَى الجنس لأنه يقتضي كل ذراع وكل صدر، وليس هاهنا معهود من الخلق يشار إليه فلم يبق إلا أن يحمل عليه سُبْحَانَهُ، لأنه أعرف المعارف، يبين صحة هَذَا أنه لما أراد تخصيص بعض الملائكة بفضيلة أو حكم عرفه باسمه نحو قوله تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ وقوله تَعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ ونحو ذَلِكَ، ولأن حمله عَلَى بعض خلقه يسقط فائدة التخصيص بالملائكة فلما خص الملائكة بالذكر، علم أنه قصد تشريفهم وإذا حمل عَلَى بعض خلقه لم يكن لهم مزية.
وأما الفصل الثاني: وهو خلق الملائكة من نوره فليس عَلَى ظاهره، ومعناه خلقها بنوره تشريفا لهم كما خلق آدم بيده تشريفا له عَلَى غيره من خلقه، وإنما لم يجز حمله عَلَى ظاهره، لأن ذَلِكَ يحيل صفاته ويخرجها عما تستحقه، لأن نور ذاته قديم والقديم لا يتبعض فيكون بعضه مخلوقا كسائر صفاته، وهذا ظاهر كلام أَحْمَد، وذلك أنه قَالَ فِي قوله تَعَالَى: وَرُوحٌ مِنْهُ سورة النساء آية يَقُول: من أمره، وتفسيره " روح الله " أنها روح الله خلقها كما يقال: سماء الله وأرض الله، فلم يحمل الكلام عَلَى ظاهره فِي الروح بل تأوله لأن فِي حمله عَلَى ظاهره ما يحيل صفاته كذلك هاهنا
стр. 177
حديث آخر
٢١٥ - ناه أَبُو القسم بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي، ﷺ ، أنه قَالَ: " إن الله، ، يَقُول: ابن آدم مرضت فلم تعدني، قَالَ: يا رب كيف وأنت رب العالمين قَالَ: مرض عبدي فلو عدته لوجدتني عنده " وفي لفظ آخر: " يَقُول الله، : استطعمتك فلم تطعمني، قَالَ: فيقول: يا رب كيف استطعمتني فلم أطعمك وأنت رب العالمين؟ قَالَ: فيقوله: أما علمت أن عبدي فلانا أستطعمك فلم تطعمه، أما علمت لو كنت أطعمته لوجدت ذَلِكَ عندي، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قَالَ: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أنك لو كنت أسقيته لوجدت ذَلِكَ عندي "
٢١٦ - وفي لفظ آخر: " استقرضت عبدي فلم يقرضني، وشتمني ولم ينبغي أن يشتمني، قَالَ يَقُول: وادهراه وأنا الدهر ".
أعلم أن هَذَا الخبر قد اقترن به تفسير من النبي، ﷺ ، فِي بعضه، فوجب الرجوع إلى تفسيره، وذلك أن فسر قوله: مرضت واستطعمت واستسقيت، عَلَى أنه إشارة إلى مرض وليه واستسقائه واستطعامه، وأضاف ذَلِكَ إلى نفسه إكراما لوليه ورفعة لقدره، وهذه طريقة معتادة فِي الخطاب يخبر السيد عن نفسه ويريد عبده إكراما له وتعظيما، وعلى هَذَا يحمل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، معناه: أولياء الله ورسله، وكذلك قوله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي آسفوا أولياءنا والناصرين لديننا، لاستحالة أن يؤذي الله ويحارب
стр. 178
وأما قوله: " لو عدته لوجدتني عنده " معناه وجدت رحمتي وفضلي وثوابي وكرامتي فِي عيادتك له
٢١٧ - يبين صحة هَذَا ما حَدَّثَنَاهُ أَبُو القسم بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي، ﷺ : " أنا عند ظن عبدي، وأنا معه، إن تقرب إلي ذراعا تقرب الله إليه باعا، ومن جاء يمشي أقبل الله إليه بالخير يهرول " فبين فِي هَذَا الحديث أن قربه من عبده بالثواب، كذلك هاهنا، وعلى هَذَا يتأول قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ معناه وجد عقابه وحسابه.
٢١٨ - وقد فسر أَحْمَد قوله لموسى، ﵇: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ يَقُول:
стр. 179
فِي الدفع عنكما، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فِي الدفع، وقوله: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ سورة البقرة آية فِي النصر لهم عَلَى عدوهم، وقوله تَعَالَى: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ سورة الشعراء آية يَقُول: فِي العون عَلَى فرعون.
стр. 180
حديث آخر
٢١٩ - ناه أَبُو القسم بإسناده، عن عبد الله بن عمر، أن أتاه رجل فقال: كيف سمعت رسول الله، ﷺ ، يَقُول فِي النجوى؟ قَالَ: سمعت رسول الله، ﷺ ، يَقُول: " يؤتى بالمؤمن يوم القيامة فيدنيه الله تَعَالَى منه فيضع كنفه عليه حتى يستره من الناس فيقول: عبدي أتعرف ذنب كذا وكذا أتعرف كذا وكذا مرتين، فيقول: نعم حتى إذا قرره بذنوبه كلها، ورأى نفسه أنه قد هلك، قَالَ: فإني قد سترتها عليك فِي الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم " وقد ذكره البخاري ومسلم فِي الصحيحين.
أعلم أن الكلام فِي هَذَا الخبر فِي فصلين: أحدهما فِي الدنو، والثاني فِي وضع كنفه عليه.
فأما قوله: " يدني عبده " فغير ممتنع حمله عَلَى ظاهره، وأنه دنو من ذاته
٢٢٠ - وقد أخذ أَحْمَد بظاهره فِي رواية أَبِي الحرث، وقد سأله ما معنى قول النبي، ﷺ : " إن الله يدني العبد يوم القيامة فيضع عليه كنفه " كما قَالَ ونقول به.
فقد نص أَحْمَد عَلَى الأخذ بظاهره من غير تأويل، وإنما قَالَ ذَلِكَ لأنه ليس فِي حمله عَلَى ذَلِكَ ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه، لأنا لا نصفه بالإنتقال من مكان إلى مكان، وعلى هَذَا يحمل قوله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ وأن المراد بالدنو دنوه من الذات.
فإن قيل: فِي حمله عَلَى ذَلِكَ ما يفضي إلى إحالة صفاته وإخراجها عما تستحقه، لأنه تستحيل المساحة والمسافة وبعد المكان والنهاية عليه سُبْحَانَهُ
стр. 181
قيل: هَذَا غلط لما بينا، وهو أنا لا نصفه بالإنتقال من مكان إلى مكان، حتى يجيء منه ما ذكرت، وإنما تِلْكَ صفة راجعة إلى العبد، ولأن هَذَا لا يقتضي كونه فِي مكان، كما أن إثباته مستويا عَلَى العرش لم يوجب كونه فِي مكان، وكذلك رؤيته سُبْحَانَهُ لا توجب كونه فِي مكان، كذلك الدنو منه لا يوجب كونه عَلَى مسافة.
فإن قيل: فيجب حمله عَلَى أنه يقربه من رحمته وأمانه وتعطفه ولطفه، وهذا شائع فِي اللغة، لأنه يقال: فلان قريب من فلان، والمراد به المنزلة وعلو الدرجة.
قيل: هَذَا غلط لوجهين: أحدهما: أنه راحم له ومتعطف عليه وآمن له، مع عدم الدنو كما هو بعد الدنو، فلا يصح حمله عَلَى ما لا يفيد.
والثاني: إن جاز هَذَا، جاز لقائل أن يَقُول فِي قوله: " ترون ربكم " معناه تعطفه ورحمته وثوابه.
الفصل الثاني: قوله: " يضع عليه كنفه حتى يستره من الناس " فلا نعلم معنى الكنف ما هو فنمر الخبر عَلَى ظاهره.
فإن قيل: يحمل ذَلِكَ عَلَى القرب من المنزلة والدرجة، لأنه يقال: أنا فِي كنف فلان، وفلان فِي كنفي يريد به تعطفه وتوفره
стр. 182
قيل: هَذَا غلط لما تقدم، وهو أنه متعطف متوفر عليه قبل ذَلِكَ، ولأن هَذَا يوجب تأويل حديث الرؤية عَلَى ذَلِكَ.
فأما قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ فالمراد به علمه، لأنه قد تقدم ذكر العلم فِي أول الآية بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ فوجب حمل ذَلِكَ عَلَى العلم
стр. 183
٢٢١ - وقد قَالَ أَحْمَد فِي قوله تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ هي علمه لأنه افتتح الآية بالعلم فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ وختمه بالعلم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وأما قوله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ فظاهره يقتضي دنوا من الذات لأن القصد بذلك كرامته
٢٢٢ - وقد روى ابن بطة بإسناده، عن ابن عباس فِي قوله: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾، قَالَ: مقدار قوسين
٢٢٣ - وحكى أَبُو بكر الخلال، عن عبد الله، حَدَّثَنِي هناد بن السري، قَالَ: نا أَبُو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن ميسرة فِي قوله تَعَالَى لموسى، ﵇: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، قَالَ: أدني حتى سمع صريف القلم فِي الألواح
стр. 184
٢٢٤ - قَالَ أَبُو بكر عبد العزيز فِي تعاليق أَبِي إسحاق عنه قوله: حتى سمع صرير القلم عَلَى النون والراء وما أشبهه، قَالَ: ومن روى صريف القلم يَقُول عَلَى الكاف وما أشبه ذَلِكَ، لأن صريفه فِي رجوعه إلى وراء وصريره فِي مجيئه إلى بين يديه.
وأما قوله: " من قرب شبرا قربت منه ذراعا " فالمراد به التقريب من رحمته وكرامته، لأنه روى ذَلِكَ مفسرا فِي بعض ألفاظ الحديث، رواه أَبُو هُرَيْرَةَ عن النبي، ﷺ ، قَالَ: " من جاء يمشي أقبل الله إليه بالخير يهرول " فقد ورد التفسير من النبي، ﷺ ، فِي ذَلِكَ، فلهذا قضينا بالمطلق منه عَلَى القيد، والكلام عَلَى هَذَا الخبر يأتي مستوفى.
стр. 185
صفة العلو لربنا، ﵎
حديث آخر
٢٢٥ - ناه أَبُو القسم عبد العزيز بإسناده، عن معاوية بن الحكم، قَالَ: كانت لي جارية ترعى غنما فِي قبل أحد والجوانية، فاطلعتها ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها، وإني رجل من بني آدم آسف كما يأسفون لكني غضبت فصككتها صكة، فأتيت النبي، ﷺ ، فذكرت ذَلِكَ له، فعظم ذَلِكَ علي، فقلت: يا رسول الله: ألا أعتقها، قَالَ: " ائتني بها "، فأتيته بها، فقال لها: " أين الله؟ " قالت: فِي السماء، قَالَ: " فمن أنا؟ " قالت: أنت رسول الله، قَالَ: " أعتقها فإنها مؤمنة ".
أعلم أن الكلام فِي هَذَا الخبر فِي فصلين: أحدهما: فِي جواز السؤال عنه سُبْحَانَهُ بأين هو، وجواز الإخبار عنه بأنه فِي السماء.
والثاني قوله: " اعتقها فإنها مؤمنة " أما الفصل الأول فظاهر الخبر يقتضي جواز السؤال عنه، وجواز الإخبار عنه بأنه فِي السماء، لأن النبي، ﷺ ، قَالَ لها: " أين الله " فلولا أن السؤال عنه جائز لم يسأل وأجابته بأنه فِي السماء وأقرها عَلَى ذَلِكَ، فلولا أنه يجوز الإخبار عنه سُبْحَانَهُ بذلك لم يقرها عليه.
٢٢٦ - ونظير هَذَا الحديث ما رواه أَبُو رزين، قَالَ: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قَالَ: " فِي عماء "
стр. 186
فأجاز السؤال وأجاب عنه
٢٢٧ - وقد أطلق أَحْمَد القول بذلك فيما خرجه فِي الرد عَلَى الجهمية فقال: قد أَخْبَرَنَا أنه فِي السماء فقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ وَقَالَ، : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وَقَالَ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وَقَالَ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ وَقَالَ: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ وَقَالَ: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ وَقَالَ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ فقد أخبر الله سُبْحَانَهُ أنه فِي السماء، وهو الله عَلَى العرش.
فقد أطلق أَحْمَد القول بذلك، واحتج بهذه الآيات عَلَى جواز القول به وسنعيد الكلام فِي موضع آخر إن شاء الله، ولأنه ليس فِي ذَلِكَ ما يحيل صفاته، ولا يخرجه عما تستحقه، وذلك أنا لا نقول هو فِي السماء عَلَى وجه الإحاطة، بل نطلق ذَلِكَ كما أطلقنا جواز رؤيته، لا عَلَى وجه الإحاطة وإن لم يكن ذَلِكَ معقولا فِي الشاهد، وكما قَالُوا فِي قوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ معناه: عال عليه، ولم يوجب ذَلِكَ كونه فِي جهة، وإن كنا نعلم أن العلو غير السفل.
فإن قيل: لا يجوز السؤال عنه بأين هو لأنه ليس فِي جهة، وإنما يصح السؤال عمن هو فِي جهة، ولا يصح الجواب عنه بأنه فِي السماء، لأن فِي حقيقته للظرف والوعاء ولا يجوز وصفه بذلك.
قيل: هَذَا غلط لأنه لا يمتنع جواز السؤال عنه، ولا يفضي إلى الجهة، وجواز الجواب عنه بأنه فِي السماء لا يفضي إلى الوعاء، كما جاز إطلاق القول بأنه عال عَلَى العرش ولم يفض إلى الجهة، وإن كنا نعلم أن العلو غير السفل، وكذلك جاز القول برؤيته لا فِي جهة وإن لم يكن مرئيا فِي الشاهد إلا فِي جهة،
стр. 187
كذلك هاهنا، وكذلك الحركة فِي الجسم، وإن لم تكن حالة فيه.
فإن قيل: هَذِهِ اللفظة قد تستعمل فِي السؤال عن المكان فيقال: هو فِي البيت أم فِي المسجد؟ وتستعمل فِي الإستعلام عن المنزلة فيقال: أين فلان منك ومن الأمير؟ وقد تستعمل فِي الإستعلام للفرق بين الرتبتين فيقولون: أين فلان من فلان، يعني بذلك، فِي الرتبة والمنزلة فيحتمل أن يكون قوله: أين الله استعلاما لمنزلته وقدره عندها، وفي قبلها، وأشارت أنه فِي السماء، أي رفيع الشأن عظيم المقدار، عَلَى معنى قوله القائل إذا أراد أن يخبر عن منزلة رجل: منزلة فلان فِي السماء، أي هو رفيع الشأن.
قيل: هَذَا غلط، لأن الحقيقة فِي هَذِهِ اللفظة أنها استفهام عن المكان دون المنزلة والرتبة، وإنما تستعمل فِي ذَلِكَ عَلَى طريق المجاز فكان حملها عَلَى الحقيقة أولى.
وجواب آخر: وهو أنه لو كان استفهاما عن المنزلة لأنكر عليها جوابها بما يرجع إلى غير ما سألها، فلما لم ينكر ذَلِكَ امتنع صحة هَذَا التأويل.
وجواب آخر: وهو أن الأمة كانت من الطغام، ولا يضاف إليها المعرفة بحمل المكان عَلَى الرفعة وعلو المنزلة.
فإن قيل: فإذا لم يكن سؤالا عن المنزلة لم يبق إلا سؤال عن المكان، وأنتم لا تثبتون ذَلِكَ.
قيل: بل هو سؤال عن كونه فِي السماء لا عَلَى وجه الحلول فإن قيل: يحتمل أن يكون قولها فِي السماء معناه: فوقها، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ معناه عليها، وكذلك قوله تَعَالَى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ معناه عليها، يبين صحة هَذَا قوله تَعَالَى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ فوصف نفسه بذلك وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ
стр. 188
عِبَادِهِ﴾ فدل عَلَى أنه فوق السماء وفوق ما خلق.
قيل: هَذَا غلط لوجوه أحدها: أن هَذَا يسقط فائدة التخصيص بالسماء، لأنه فوق الأشياء كلها فلا معنى لتخصيصه بالسماء، إذا
كان المراد به الفوق.
الثاني: أنه إن جاز أن يطلق القول بأنه فوق السماء فوق العرش، ولا يفضي إلى الجهة وإن كنا نعلم أن الفوق ضد السفل جاز إطلاق القول بأنه فِي السماء ولا يفضي إلى الجهة.
الثالث: إنما يجب الامتناع من ذَلِكَ لو كنا نقول ذَلِكَ عَلَى وجه الحد والظرف، فإما ونحن نمتنع من ذَلِكَ لم يمتنع إطلاق ذَلِكَ عليه.
فإن قيل: إن جاز أن تطلقوا هَذَا القول، وأنه فِي السماء لا عَلَى وجه الإحاطة والجهة، فأطلقوا القول فِي الأرض وفي كل مكان، لا عَلَى وجه الإحاطة والجهة، كما أطلقه النجار وجماعة من المعتزلة، بمعنى أنه مدبر فيها وعالم بها، كقولهم: فلان فِي نبا داره، معناه: مدبر لها
стр. 189
قيل: هَذَا غلط لأننا لا نطلق من ذَلِكَ إلا ورد به السمع، والسمع ورد بإطلاق ذَلِكَ فِي السماء وعلى العرش، ولم يرد فِي غير ذَلِكَ.
فإن قيل: قد ورد القرآن بذلك قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾.
قيل: فِي هَذِهِ الآيات ما دل عَلَى أنه ليس المراد به الذات، لأنه قَالَ: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سورة الأنعام آية فأخبر أنه يعلم سرنا وجهرنا الواقعين فِي السموات والأرض، إذ هي محال السر والجهر، ولهذا لا يجوز الوقف عَلَى قوله: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ سورة الأنعام آية وإنما الوقف عَلَى قوله: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ سورة الأنعام آية وكذلك قوله: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ سورة المجادلة آية معناه علمه بسرنا وجهرنا.
فإن قيل: فيجب أن تحمل قوله: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ سورة الأنعام آية عَلَى العلم، كما حملت قوله: وَفِي الأَرْضِ سورة الأنعام آية عَلَى العلم.
قيل: الآية هكذا تقتضي أن المراد بها علمه ما فِي السموات وفي الأرض، ونحن لسنا نمنع أن يكون علمه ما فِي السموات وفي الأرض، لأن فِي الآية قرينة
стр. 190
دلت عَلَى العلم، وغيرها من الآيات والأخبار مطلقة ليس فيها ما دل عَلَى العلم، فحملناها عَلَى ظاهرها، عَلَى وجه لا يفضي إلى الحد والجهة
٢٢٨ - وقد روى أَبُو طالب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن غيلان فِي جملة حديثه عن الشافعي بإسناده، عن عبد الله بن الحسين المصيصي، قَالَ: دخلت طرسوس، فقيل لي: هاهنا امرأة قد رأت الجن الذين وفدوا إلى النبي، ﷺ ، فأتيتها فإذا هي امرأة مستلقية عَلَى قفاها، فقلت: رأيت أحدا من الجن الذين وفدوا إلى رسول الله، ﷺ ؟ قالت: نعم: حَدَّثَنِي عبد الله سمحج، قَالَ: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قَالَ: " عَلَى حوت من نور يتلجلج فِي النور " وذكر بقية الخبر وهو وإن كان غريبا، فإنه يعضده ما تقدم من الأخبار.
ورأيت فِي كتاب أَبِي موسى النحوي المعروف بالحامض، عن ثعلب
стр. 191
أنه قَالَ قولهم: فِي السماء بيته، كقولك مقصده ورجاء ثوابه وإجابته، وهذا يسقط فائدة التخصيص بالسماء، لأن رجاء ثوابه وإجابته يرجى فِي كل حال
حديث آخر
٢٢٩ - ناه أَبُو القسم بإسناده، عن أَبِي رزين، قَالَ: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قَالَ: " كان فِي عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق العرش عَلَى الماء "
٢٣٠ - وروى أَبُو بكر النجاد بإسناده، عن أَبِي رزين، قَالَ: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل يخلق خلقه؟ قَالَ: " كان فِي عماء ما تحته هواء ثم خلق عرشه عَلَى الماء " ورواه أَبُو عبد الله بن بطة بإسناده، عن أَبِي رزين، قَالَ: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قَالَ: " عَلَى عماء، تحته هواء ثم خلق عرشه عَلَى الماء ".
قال أَبُو عبيد: قوله: " فِي عماء " العماء فِي كلام العرب السحاب قَالَ الأصمعي وغيره: وهو ممدود، قَالَ: وإنما تأولنا هَذَا الحديث عَلَى كلام العرب المعقول عنهم، ولا ندري كيف كان ذَلِكَ العماء وما مبلغه.
стр. 192
قَالَ: وأما العمى فِي البصر فإنه مقصور، وليس هو من معنى الحديث فِي شيء.
أعلم أن هَذَا الحديث يدل عَلَى جواز إطلاق السؤال عنه سُبْحَانَهُ بأين هو، ويدل عَلَى جواز الإخبار عنه كان فِي عماء، لا عَلَى وجه الإحاطة والجهة كما أجزنا رؤيته لا عَلَى وجه الجهة.
فإن قيل: قوله: " فِي عماء " يحتمل أن يكون فوق عماء.
قيل: هَذَا غلط، لما بينا من فساد هَذَا السؤال فِي الخبر الذي قبله.
ورأيت فِي كتاب أَبِي موسى النحوي المعروف بالحامض، رواية السوسنجردي، قلت لأبي العباس فِي مسألة النبي، ﷺ : أين كان ربنا، أليس فِي المكان، قَالَ: فيما يستفهم الجاهل وبأي شيء يسأل إذا أراد علم شيء جهله لا بد من هَذَا، ويكون الجواب عَلَى حسب ذَلِكَ، ألا ترى قوله: " كان فِي عماء " وفي عما، فالممدود وهو الغيم الرقيق، والمقصود أي كان فِي عماء علينا لا ندري.
وهذا من ثعلب دلالة عَلَى جواز السؤال عنه بالأينية وإن كانت للمكان
стр. 193
حديث آخر
٢٣١ - ذكره ابن فورك ولم يقع لي طريقه، عن أنس بن مالك، قَالَ: كان جبريل عند النبي، ﷺ ، فأتاه ملك، فقال: أين تركت ربنا؟ قَالَ: فِي سبع أرضين، فجاءه آخر فقال: أين تركت ربنا؟ قَالَ: فِي سبع سموات، فجاءه آخر فسأله مثل ذَلِكَ، فقال: فِي المشرق، وآخر فسأله: أين تركت ربنا؟ قَالَ: فِي المغرب.
فإن صح هَذَا الخبر حمل عَلَى أن علمه بسرنا وجهرنا الواقعين فِي السموات والأرض والمشرق والمغرب، وإنما وجب حمل هَذَا الخبر عَلَى هَذَا لما تقدم من نص القرآن والأخبار الصحاح أنه فِي السماء مستوي عَلَى عرشه بائن من خلقه
стр. 194
إثبات صفة الفرح لربنا جل شأنه
حديث آخر
٢٣٢ - ناه أَبُو القسم بإسناده، عن أنس بن مالك، أن رسول الله، ﷺ ، قَالَ: " لله، ، أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم يسقط عَلَى بعيره وقد أضله بأرض فلاة
٢٣٣ - " أَخْبَرَنَاهُ أيضا بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي، ﷺ ، قَالَ: " الله جل اسمه أشد استبشارا بتوبة أحدكم، من أحدكم بضالته بفلاة من الأرض، عليها سقاؤه ومتاعه وما يصلحه "
٢٣٤ - وناه بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي، ﷺ ، قَالَ: " لا يوطن رجل مسلم المساجد للصلاة وللذكر، إلا تبشبش الله به حين يخرج من بيته، كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم " أعلم أن الكلام فِي الفرح والاستبشار قريب من
стр. 195
الكلام فِي الحديث الذي تقدم فِي الضحك، والقول فيه كالقول فِي ذَلِكَ.
وقد حكينا كلام أَحْمَد فِي ذَلِكَ، والأخذ بظاهر الحديث من غير تفسير كذلك هاهنا، إذ ليس فِي حمله عَلَى ظاهره ما يحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأنا لا نثبت فرحا هو السرور لأنه يقتضي جواز الشهوة والحاجة عليه، ومن قوله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ أي سروا بها، ولا نثبت أيضا فرحا هو البطر والأشر لأنهما لا يليقان بالله، ، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ يعني بذلك فرح البطر والأشر، بل نثبت ذَلِكَ صفة، كما أثبتنا صفة الوجه واليدين والسمع والبصر، وإن لم نعقل معناه، ولا يوجب أن يستوحش من إطلاق مثل هَذَا اللفظ إذا ورد به سمع، كما لم يستوحش من إطلاق ذَلِكَ فِي غيره من الصفات.
فإن قيل: معنى الفرح هاهنا معنى الرضا، ومن قوله تَعَالَى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي: راضون لأن من سر بالشيء فقد رضيه، ويقول: هو فرح به بمعنى هو راض به، فيكون معناه: أن من وفقه الله للتوبة من معاصيه، فقد رضي أن يكون مثابا عَلَى الخير مقبولا منه الطاعة والعبادة
стр. 196
قيل: هَذَا غلط لأن هَذَا القائل عنده أن الرضا بمعنى الإرادة، وإرادة الله سُبْحَانَهُ لا تختص ما ذكر فِي الخبر من التوبة، لأن ضد التوبة مما كان عليه قبل ذَلِكَ، كان الله مريدا له، عَلَى أنه لا يمتنع أن يكون معنى ذَلِكَ ما قالوه وكذلك القول فِي البشبشة، لأن معناه يقارب معنى الفرح، والعرب تقول: رأيت لفلان بشاشة، وهشاشة وفرحا، ويقولون: فلان هش بش فرح، إذا كان منطلقا، فيجوز إطلاق ذَلِكَ كما جاز إطلاق الفرح.
وقد ذكر ابن قتيبة هَذَا الحديث فِي كتاب الغريب، وَقَالَ قوله: يبشبش من البشاشة وهو يتفعل.
فحمل الخبر عَلَى ظاهره ولم يتأوله.
стр. 197
إثبات صفة العجب لربنا، ﵎
حديث آخر
٢٣٥ - رواه أَبُو عبد الله بن بطة بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي، ﷺ ، قَالَ: " عجب الله، ، من قوم جيء بهم فِي السلاسل حتى يدخلهم الجنة "
٢٣٦ - ورواه بإسناده، عن ابن مسعود، قَالَ: قَالَ رسول الله، ﷺ : " عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته، طلب ما عندي، ورجل غزا فِي سبيل الله فانهزم أصحابه، فعلم ما عليه فِي الانهزام، وماله فِي الرجوع، فرجع حتى هريق دمه، فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي، وشفقة من عذابي، حتى هريق دمه "
стр. 198
٢٣٧ - ومن ذَلِكَ قول النبي، ﷺ : " عجب ربك من شاب ليست له صبوة ".
أعلم أن الكلام فِي هَذَا الحديث، كالكلام فِي الذي قبله، وأنه لا يمتنع إطلاق ذَلِكَ عليه، وحمله عَلَى ظاهره إذ ليس فِي ذَلِكَ ما يحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأنا لا نثبت عجبا هو تعظيم لأمر دهمة استعظمه لم يكن عالما به، لأنه مما لا يليق بصفاته، بل نثبت ذَلِكَ صفة كما أثبتنا غيرها من صفاته
стр. 199
فإن قيل: المراد به تعظيم ذَلِكَ وتكثيره عند أهله حثا عَلَى فعلها، وترغيبا فِي المبادرة إليها، ويحتمل أن يكون المراد به الرضا له والقبول، لأن من أعجبه الشيء فقد رضيه، ولا يصح أن يعجب مما يسخطه ويكرهه.
٢٣٨ - وقد أومئ أَبُو عبد الله بن بطة إلى هَذَا فِي كتاب الإبانة، فقال: التعجب عَلَى ضربين: أحدهما المحبة بتعظيم قدر الطاعة، والسخط بتعظيم قدر الذنب، ومن ذَلِكَ قول النبي، ﷺ : " عجب ربك من شاب ليست له صبوة " أي: أن الله محب له راض عنه، والتعجب عَلَى معنى الاستنكار للشيء ويتعالى عن ذَلِكَ، لأن الإستنكار هو الجاهل الذي لا يعرف فلما عرفه استنكره وعجب منه.
قيل: الطريق الصحيح ما ذكرناه من حمله عَلَى ظاهره، وهو الأشبه بأصول أَحْمَد فِي نظائره من الأخبار لما بينا، وهو أنه ليس فِي ذَلِكَ ما يحيل صفاته، وما ذكروه من التأويل لا يصح، لأن الله تَعَالَى راض بذلك قبل وجود هَذِهِ الأفعال منهم، ومعظم لها قبل وجودها، فرضاه وتعظيمه لا يختص ما ذكر فِي الأخبار، فلم يصح حملها عليه، لأنه حمل عَلَى ما لا يفيد.
فأما قوله: " يقادون إلى الجنة بالسلاسل " فقيل فيه: أنه يكرهون الطاعة التي يصلون بها إلى الجنة، من حيث تخالف أهوائهم وشهواتهم، وتكرهها نفوسهم من حيث تشقق عليهم، وتصدهم عن الراحات واللذات فِي الحال، لكنها سائقة لهم إلى الجنة، وهي دار الراحات.
٢٣٩ - وقد قَالَ أَحْمَد فِي رواية الفضل بن زياد: وقد سأله عن قول النبي، ﷺ : " عجب ربكم من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل "، قَالَ: هو هَذَا السبي الذين
стр. 200
يسبون فيدخلون فِي الإسلام، ونحو ذَلِكَ نقل أَبُو الحرث
٢٤٠ - فأما قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ فقد روي عن ابن مسعود كان يقرأ بضم التاء، وروي عن شريح إنكار هَذِهِ القراءة، فإن
стр. 201
كانت صحيحة لم يمتنع حملها عَلَى ظاهرها، وأن ذَلِكَ صفة لله تَعَالَى، عَلَى ما ذكرنا فِي ظاهر الخبر.
فإن قيل: هَذَا خرج عَلَى طريق المجازاة عَلَى عجبهم، لما أخبر عنهم أنهم عجبوا من الحق لما جاءهم وقالوا: هَذَا شيء عجاب، وهذا شيء عجيب كما قاله القائل:
فنجهل فوق جهل الجاهلينا.
وكما قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ فسمى الثاني باسمها.
قيل: إنما يكون هَذَا عَلَى طريق المجازاة إذا تقدم العجب منهم ولم يجر له ذكره فِي هَذِهِ السورة، وإنما جرى ذكره فِي سورة ص، فلا يخرج هَذَا مخرج المجازاة، ألا ترى أن المواضع التي استشهدوا بها تقدم ذكر ذَلِكَ، من جهتهم فخرج الإنكار من الله تَعَالَى عَلَى طريق المجازاة.
فإن قيل: المراد به النبي، ﷺ ، فأخبر عن نفسه، والمراد به النبي، ﷺ ، كما قَالَ: " مرضت فلم تعدني "، وكما قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ معناه: أولياءه.
قيل: هناك قد دل الدليل عَلَى أن هناك مضمر محذوف، وليس هاهنا ما دل عَلَى ذَلِكَ، فوجب التمسك بحقيقة اللفظ وهو الإضافة إلى نفسه، وعلى أن فِي الآية ما يدل عَلَى أن ذَلِكَ راجع إليه سُبْحَانَهُ لأنه عطفه عَلَى نفسه بقوله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾
стр. 202
وهذا كله راجع إليه سُبْحَانَهُ، ثم عطفه، فقال: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ فكان ذَلِكَ راجعا إليه.
حديث آخر
٢٤١ - ناه أَبُو القسم بإسناده، عن أَبِي بن كعب، قَالَ: " لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن جل اسمه " وفي لفظ آخر: " فإنها من نفس الله جل اسمه، فإذا رأيتموها فقولوا: اللهم إنا نسألك من خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، ونعوذ بالله من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به "
٢٤٢ - وروى ابن بطة فِي بعض مكاتباته إلى بعض أصدقائه جواب مسائل سأله عنها بإسناده، عن جابر، قَالَ: قَالَ رسول الله، ﷺ : " إذا رأيتم الريح فلا تسبوها، فإنها من نفس الرحمن، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فسلوا الله من خيرها
стр. 203
واستعيذوا بالله من شرها ".
أعلم أن شيخنا أَبَا عبد الله ذكر هَذَا الحديث فِي كتابه، وامتنع أن يكون عَلَى ظاهره فِي أن الريح صفة ترجع إلى الذات، والأمر عَلَى ما قاله، ويكون معناه أن الرحي مما يفرج الله، ، بها عن المكروب والمغموم، فيكون معنى النفس معنى التنفيس، وذلك معروف فِي قولهم: نفست عن فلان، أي فرجت عنه، وكلمت زيدا فِي التنفيس عن غريمة، ويقال: نفس الله عن فلان كربة أي: فرج عنه، وروي فِي الخبر: " من نفس عن مكروب كربة نفس الله عنه كربة يوم القيامة " وروى فِي الخبر أن الله فرج عن نبيه بالريح يوم الأحزاب فقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾.
وإنما وجب حمل هَذَا الخبر عَلَى هَذَا، ولم يوجب تأويل غيره من الأخبار لأنه قد روي فِي الخبر ما يدل عَلَى ذَلِكَ، وذلك أنه قَالَ: " فإذا رأيتموها فقولوا: اللهم إنا نسألك من خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به " وهذا يقتضي أن فيها شر وأنها مرسلة، وهذه صفات المحدثات.
٢٤٣ - ونا أَبُو القسم بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رسول الله، ﷺ : " إن الريح من روح الله يبعثها بالرحمة ويبعثها بالعذاب فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، وعوذوا بالله من شرها "
стр. 204
وقوله: " فإنها من روح الله " يدل عَلَى صحة التأويل، وأنه يروح بها عن المكروب.
وقوله: " يبعثها بالرحمة وبالعذاب " صريح فِي أنها مخلوقة مأمورة بالرحمة تارة وبالعذاب أخرى، وهذا دليل عَلَى صحة التأويل
стр. 205
حديث آخر فِي هَذَا المعنى
٢٤٤ - من حديث أَبِي الحسين وأبي القسم بن بشران، عن دعلج، عن ابن خزيمة بإسناده، عن النبي، ﷺ ، قَالَ وهو مول ظهره إلى اليمن: " إني أجد نفس الرحمن فِي هاهنا "
٢٤٥ - وروى ابن بطة فِي مكاتبته إلى بعض أصدقائه بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي، ﷺ ، أنه قَالَ: " الإيمان يمان والحكمة يمانية، وأجد نفس ربكم من قبل اليمن " ومعناه ما تقدم فِي الحديث الذي قبله، وهو أني أجد تفريج الله عني
стр. 206
وتنفيسه عن كربي بنصرته إياي من قبل أهل اليمن، وذلك لما نصره المهاجرون والأنصار نفس الله عن نبيه ما كان فيه من أذى المشركين، وقتلهم الله عَلَى أيدي المهاجرين من أهل اليمن والأنصار، وكان، ﷺ ، كثيرا ما كان يمدح أهل اليمن، فروي عنه أنه قَالَ: " الإيمان يمان والحكمة يمانية " وإنما وجب حمله عَلَى ذَلِكَ لما تقدم فِي الحديث الذي قبله، وأن فيه ما دل عَلَى أن النفس مخلوقة، لأنه أضافه إلى الريح، والريح مخلوقة من جهة أنها مأمورة بالرحمة والعذاب، فوجب حمل هَذَا المطلق عَلَى ذَلِكَ.
٢٤٦ - ورأيت فِي بعض مكاتبات ابن بطة إلى بعض أصدقائه، وقد ذكر هذين الخبرين حديث جابر: " إذا رأيتم الريح فلا تسبوها "، وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ: " أجد نفس ربكم " وحكى كلام ابن قتيبة فِي ذَلِكَ فقال: أنت فِي نفس من أمرك أي فِي سعة، وقوله: " من نفس الرحمن " معناه أنها يفرج بها الكرب ويذهب بها الجدب، يقال: اللهم نفس عني أي: فرج عني، وذكر كلاما طويلا.
стр. 207
ثم قَالَ ابن بطة بعده: ومما يشهد لصحة هَذَا التأويل، وأن الريح من نفس ربكم إنما أراد بالنفس: الفرج والروح، ما سمعت أَبَا بكر بن الأنباري يَقُول: إنما سميت الريح ريحا لأن الغالب عليها فِي هبوبها المجيء بالروح والراحة، وانقطاع هبوبها يكسب الكرب والغم والأذى، فهي مأخوذة من الروح وأصلها روح فصارت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
ثم قَالَ: فهذا ما قاله أهل العلم بتأويل الكتاب والسنة وكلام العرب فِي تأويل الريح، ومعنى النفس بها، وفي كتاب الله تَعَالَى ما دل علي أنها بمعنى الفرج من الغم، والنفس من الكرب، أن الغم والضيق يكونان بركودها، قوله جل وعز: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ وقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾
٢٤٧ - وفي معنى ذَلِكَ حديث آخر رواه ابن فورك، ولم يقع لي طريقه أنه قَالَ: " هَذَا نفس ربي أجده بين كتفي أتتكم الساعة " معناه: هَذَا فرج الله عني صرف به غمومي وهمومي وكشف عن قلبي وسري عن فؤادي ما كان يجده، ﷺ ، فِي مستقبل أوقاته، من زوائد روح اليقين والألطاف، فسمى ذَلِكَ نفس الرب، لأنه هو الذي نفس به عنه، والإضافة عَلَى طريق الملك، والموجب لحمله عَلَى ذَلِكَ ما تقدم فِي الخبر الأول، وقد بينا أن فيه ما دل عليه.
стр. 208
إثبات صفة النزول لربنا، ﵎
حديث آخر
٢٤٨ - رواه الثقات من طرق مختلفة، وألفاظ مختلفة، حَدَّثَنَاهُ أَبُو القسم بإسناده، عن أَبِي بكر الصديق، عن النبي، ﷺ ، قَالَ: " ينزل الله، ، ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لكل نفس إلا إنسان فِي قلبه شحناء أو مشرك بالله جل اسمه "
٢٤٩ - وروى معاذ بن جبل، قَالَ: قَالَ رسول الله، ﷺ : " يطلع الله إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لهم إلا المشرك أو مشاحن "
٢٥٠ - وروت عائشة قالت: قَالَ رسول الله، ﷺ : " إن الله جل اسمه يطلع ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب "
стр. 209
٢٥١ - وروى أَبُو سعيد وأبو هُرَيْرَةَ، عن النبي، ﷺ ، قَالَ: " إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل هبط، ، فقال: هل من داع يستجاب له؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ هل من مستغفر من ذنب؟ "
٢٥٢ - وروى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: سمعت رسول الله، ﷺ : " إذا ذهب شطر الليل الأول ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى ينشق الفجر "
٢٥٣ - وحدثنا أَبُو القسم بإسناده، عن أَبِي هُرَيْرَةَ وأبي سعيد قالا: قَالَ رسول الله، ﷺ : " إن الله يمهل حتى إذا شطر الليل نزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر يغفر له؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى
стр. 210
ينشق الفجر ثم يرتفع "
٢٥٤ - وَقُرِئَ عَلَى أَبِي الْفَرَجِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْمُسْلِمَةِ الْمُعَدَّلُ، فِي دَارِهِ وَأَنَا حَاضِرٌ أَسْمَعُ، قَالَ: أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجَوَالِيقِيُّ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ الزَّارِعُ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: نا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيُّ، قَالَ: نا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : " يَنْزِلُ اللَّهُ، ﵎، كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَيُعْطَى سُؤْلَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَيُغْفَرُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ عَانٍ فَيُفَكُّ عَانِيهِ؟ قَالَ: فَيَكُونُ
стр. 211
كَذَلِكَ، حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ ثُمَّ يَعْلُو رَبُّنَا، ﵎، عَلَى كُرْسِيِّهِ "
٢٥٥ - وروى أَبُو بكر أَحْمَد بن إسحاق الصبغي، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله، ﷺ ، قَالَ: " ما من أيام أفضل عند الله من يوم عرفة ينزل الله إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض "
стр. 212
٢٥٦ - وروي عن ابن عباس أنه قرأ هَذِهِ الآية: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ قَالَ: ينزل أهل السماء الدنيا وهم أكثر من أهل الأرض من الجن والإنس فيقول أهل الأرض: أفيكم ربنا؟ فيقولون لا - وذكر الحديث - ثم يأتي الرب فِي الكروبيين وهم أكثر أهل السموات السبع والأرضين ".
أعلم أن هَذَا حديث صحيح يجب الأخذ بظاهره من غير تأويل، ولا يجب أن يستوحش من إطلاق مثل ذَلِكَ
стр. 213
٢٥٧ - وقد نص أَحْمَد عليه فِي رواية ابن منصور وقد سأله: " ينزل ربنا، ﵎، كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا " أليس تقول بهذا الحديث؟ قَالَ أَحْمَد: صحيح
٢٥٨ - وَقَالَ أَحْمَد بن الحسين بن حسان: قيل لأبي عبد الله: " إن الله، ﵎، ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة "، قَالَ: نعم، قيل له: وفي شعبان كما جاء الأثر؟ قَالَ: نعم.
٢٥٩ - وَقَالَ يُوسُف بن موسى: قيل لأبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قَالَ: نعم.
٢٦٠ - وَقَالَ حنبل: قلت لأبي عبد الله: ينزل الله، ، إلى السماء الدنيا؟ قَالَ: نعم، قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟ فقال: اسكت عن هَذَا وغضب، وَقَالَ: مالك ولهذا امض الحديث عَلَى ما روي.
والوجه فِي ذَلِكَ أنه ليس فِي الأخذ بظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه، لأنا لا نحمله عَلَى نزول انتقال كما قَالَ: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ ولا عَلَى أن يخلوا منه مكان ويشغل مكان، لأن هَذَا من صفات الأجسام، بل نطلق القول فيه كما أطلقناه فِي قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا﴾ وليس يمتنع إطلاق ذَلِكَ، وإن لم يكن معقولا فِي الشاهد، كما
стр. 214
وصفناه بالحياة وأنه حي بحياة، ولم نصفه بالحركة والانتقال والتحول، وإن كنا نعلم فِي الشاهد أن الحي لا ينفك عن الحركة والانتقال والتحول، وكذلك قد وصف أمره بالمجيء فقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ ولم يوجب ذَلِكَ انتقال فِي الموضعين، وكذلك جاء الليل وجاء النهار وجاءت الحمى، وإن لم يوجب ذَلِكَ انتقال، وكما أطلقنا القول بالاستواء وحمله بعضهم عَلَى العلو، ولم يوجب ذَلِكَ حدوثه فِي جهة العلو بعد أن لم يكن، وإن كان حقيقة، ثم فِي اللغة للتراخي، ولا أوجب له الجهة، وإن كان العلو غير السفل كذلك هاهنا.
٢٦١ - وقد قَالَ أَحْمَد فِي رسالته إلى مسدد: إن الله، ، ينزل فِي كل ليلة إلى السماء الدنيا ولا يخلوا من العرش.
فقد صرح أَحْمَد بالقول إن العرش. لا يخلوا منه، وهكذا القول عندنا فِي قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ والمراد به مجيء ذاته لا عَلَى وجه الانتقال.
وكذلك قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ المراد به مجيء ذاته لا عَلَى وجه الانتقال.
وقد حكينا كلام أَحْمَد فِي ذَلِكَ فِي رواية أَبِي طالب وحنبل وكلام أَبِي إسحاق فِي الكلام عَلَى قول النبي، ﷺ : " أتاني ربي فِي أحسن صورة "، وليس يمتنع أن نثبت له نزول ذات لا عَلَى وجه الانتقال لا يعقل معناه، وإن لم يعقل هَذَا فِي الشاهد، كما أثبتنا ذاتا ويدين ووجها وعينا لا يعقل معناه.
وقد عضد هَذَا الخبر القرآن، فذكر مقاتل فِي تفسيره فِي قوله تَعَالَى:
стр. 215
﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ بمعنى انفرجت، وهو البياض الذي فِي وسط السماء لنزول من فيها، يعني الرب والملائكة.
فإن قيل: المراد بقوله: " ينزل الله، ﵎، " معناه ينزل من أفعاله التي هي ترغيب لأهل الخير وإقبال عَلَى أهل الأرض والاستعطاف، بالتذكير والتنبيه الذي يلقى فِي قلوب أهل الخير حتى يستغفروه.
قيل: هَذَا غلط لوجوه أحدها: أنه لم يكن غير مقبل فأقبل عليهم، بل
следующие страницы →