Полный текст (434 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
كَذَلِكَ، حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ ثُمَّ يَعْلُو رَبُّنَا، ﵎، عَلَى كُرْسِيِّهِ "
٢٥٥ - وروى أَبُو بكر أَحْمَد بن إسحاق الصبغي، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله، ﷺ ، قَالَ: " ما من أيام أفضل عند الله من يوم عرفة ينزل الله إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض "
стр. 212
٢٥٦ - وروي عن ابن عباس أنه قرأ هَذِهِ الآية: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ قَالَ: ينزل أهل السماء الدنيا وهم أكثر من أهل الأرض من الجن والإنس فيقول أهل الأرض: أفيكم ربنا؟ فيقولون لا - وذكر الحديث - ثم يأتي الرب فِي الكروبيين وهم أكثر أهل السموات السبع والأرضين ".
أعلم أن هَذَا حديث صحيح يجب الأخذ بظاهره من غير تأويل، ولا يجب أن يستوحش من إطلاق مثل ذَلِكَ
стр. 213
٢٥٧ - وقد نص أَحْمَد عليه فِي رواية ابن منصور وقد سأله: " ينزل ربنا، ﵎، كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا " أليس تقول بهذا الحديث؟ قَالَ أَحْمَد: صحيح
٢٥٨ - وَقَالَ أَحْمَد بن الحسين بن حسان: قيل لأبي عبد الله: " إن الله، ﵎، ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة "، قَالَ: نعم، قيل له: وفي شعبان كما جاء الأثر؟ قَالَ: نعم.
٢٥٩ - وَقَالَ يُوسُف بن موسى: قيل لأبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قَالَ: نعم.
٢٦٠ - وَقَالَ حنبل: قلت لأبي عبد الله: ينزل الله، ، إلى السماء الدنيا؟ قَالَ: نعم، قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟ فقال: اسكت عن هَذَا وغضب، وَقَالَ: مالك ولهذا امض الحديث عَلَى ما روي.
والوجه فِي ذَلِكَ أنه ليس فِي الأخذ بظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه، لأنا لا نحمله عَلَى نزول انتقال كما قَالَ: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ ولا عَلَى أن يخلوا منه مكان ويشغل مكان، لأن هَذَا من صفات الأجسام، بل نطلق القول فيه كما أطلقناه فِي قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا﴾ وليس يمتنع إطلاق ذَلِكَ، وإن لم يكن معقولا فِي الشاهد، كما
стр. 214
وصفناه بالحياة وأنه حي بحياة، ولم نصفه بالحركة والانتقال والتحول، وإن كنا نعلم فِي الشاهد أن الحي لا ينفك عن الحركة والانتقال والتحول، وكذلك قد وصف أمره بالمجيء فقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ ولم يوجب ذَلِكَ انتقال فِي الموضعين، وكذلك جاء الليل وجاء النهار وجاءت الحمى، وإن لم يوجب ذَلِكَ انتقال، وكما أطلقنا القول بالاستواء وحمله بعضهم عَلَى العلو، ولم يوجب ذَلِكَ حدوثه فِي جهة العلو بعد أن لم يكن، وإن كان حقيقة، ثم فِي اللغة للتراخي، ولا أوجب له الجهة، وإن كان العلو غير السفل كذلك هاهنا.
٢٦١ - وقد قَالَ أَحْمَد فِي رسالته إلى مسدد: إن الله، ، ينزل فِي كل ليلة إلى السماء الدنيا ولا يخلوا من العرش.
فقد صرح أَحْمَد بالقول إن العرش. لا يخلوا منه، وهكذا القول عندنا فِي قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ والمراد به مجيء ذاته لا عَلَى وجه الانتقال.
وكذلك قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ المراد به مجيء ذاته لا عَلَى وجه الانتقال.
وقد حكينا كلام أَحْمَد فِي ذَلِكَ فِي رواية أَبِي طالب وحنبل وكلام أَبِي إسحاق فِي الكلام عَلَى قول النبي، ﷺ : " أتاني ربي فِي أحسن صورة "، وليس يمتنع أن نثبت له نزول ذات لا عَلَى وجه الانتقال لا يعقل معناه، وإن لم يعقل هَذَا فِي الشاهد، كما أثبتنا ذاتا ويدين ووجها وعينا لا يعقل معناه.
وقد عضد هَذَا الخبر القرآن، فذكر مقاتل فِي تفسيره فِي قوله تَعَالَى:
стр. 215
﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ بمعنى انفرجت، وهو البياض الذي فِي وسط السماء لنزول من فيها، يعني الرب والملائكة.
فإن قيل: المراد بقوله: " ينزل الله، ﵎، " معناه ينزل من أفعاله التي هي ترغيب لأهل الخير وإقبال عَلَى أهل الأرض والاستعطاف، بالتذكير والتنبيه الذي يلقى فِي قلوب أهل الخير حتى يستغفروه.
قيل: هَذَا غلط لوجوه أحدها: أنه لم يكن غير مقبل فأقبل عليهم، بل
стр. 216
كان مقبلا قبل ذَلِكَ، يبين صحة هَذَا قول النبي، ﷺ : "لا يزال الله مقبلا عَلَى عبده فِي الصلاة".
الثاني: أنه إن جاز تأويله عَلَى هَذَا، جاز تأويل قوله: " ترون ربكم " عَلَى الرؤية إلى رحمته.
الثالث: أن فِي الخبر ما يسقط هَذَا وهو قوله: " هل من سائل فيعطى سؤله؟
стр. 217
هل من مستغفر فيغفر له؟ " وهذه صفة تختص الذات، لا يصح وجودها من الرحمة والأفعال التي هي صفات قائمة بالذات.
فإن قيل: قوله " ينزل " معناه تنزل ملائكته بهذا النداء وبهذا الدعاء فيضاف ذَلِكَ إليه كما يقال: ضرب الأمير اللص، ونادى فِي البلد، ومعناه: أمر بذلك، وكذلك قوله: " ينزل عشية عرفة " يحمل عَلَى ملائكته وعلى نزول رحمته.
قيل: هَذَا غلط لوجوه أحدها: أن فِي الخبر: " ينزل ربنا، ، " وهذا لا يصح حمله عَلَى ملائكته، كما إذا قيل: نزل الملك ببلد كذا لا يعقل منه نزول أصحابه.
الثاني: قد روي فِي بعض الألفاظ ما يسقط هَذَا
٢٦٢ - وهو ما حَدَّثَنَاهُ أَبُو القسم بإسناده، عن أَبِي الدرداء،
عن النبي، ﷺ ، أنه قَالَ: " إن الله، ، ينزل فِي ثلاث ساعات يبقين من الليل فيفتح الذكر فِي الساعة الأولى، الذي لم تره عين فيمحوا الله ما يشاء ويثبت، ثم ينزل فِي الساعة الثانية إلى جنة عدن، وهي داره وهي مسكنه التي لم ترها عين ولم يخطر عَلَى قلب بشر، وهي مسكنه لا يسكنها معه من بني آدم إلا ثلاث: النبيون والصديقون والشهداء، ثم ينزل فِي الساعة الثالثة إلى السماء الدنيا وملائكته، فتنتفض فيقول: قومي بعزتي، ثم يطلع إلى عباده فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ ألا من يسألني فأعطيه؟ ألا من داع فأجيبه؟ حتى تكون صلاة الفجر، ولذلك يَقُول الله: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾
стр. 218
وهذا يسقط التأويل، لأنه قَالَ: " ينزل فِي الساعة الثالثة إلى سماء الدنيا وملائكته "، فأثبت نزول ذاته ونزول ملائكته.
فإن قيل: يحتمل قوله: " ينزل وملائكته " معناه ينزل بملائكته قيل: هَذَا غلط لأن حقيقة الواو للعطف والجمع، ولأنه قَالَ فِي الخبر: " ألا من يسألني فأعطيه؟ ألا من داع فأجيبه؟ " وهذا القول لا يكون لملك الثالث: أنه إن جاز تأويل هَذَا عَلَى نزول ملائكته، جاز تأويل قوله: " ترون ربكم عَلَى رؤية ملائكته "
٢٦٣ - وجواب آخر جيد وهو ما رواه إبراهيم بن الجنيد الختلي فِي كتاب العظمة بإسناده، عن أنس، أن النبي، ﷺ ، قَالَ: " إن الله جل اسمه إذا أراد أن ينزل نزل بذاته "
فإن قيل: فقد روي بضم الياء " ينزل الله " وإذا كان كذلك، صح التأويل بأنه ينزل من أفعاله التي هي ترغيب لأهل الخير واستعطاف لأهل العطف
قيل: هَذَا غلط لأنه لا يحفظ هَذَا عن أحد من أصحاب الحديث أنه روى ذَلِكَ بالضم فلا يجوز دعوى ذَلِكَ، والذي يبين بطلان ذَلِكَ قوله: " ألا من يسألني فأعطيه؟ ألا من داع فأجيبه؟ " وهذه صفة تختص بها الذات دون الأفعال، وما هَذِهِ الزيادة ألا تحريف المبطلين لأخبار الصفات
فإن قيل: يحمل قوله: " ثم يعلوا " المراد به ملائكته
قيل: هَذَا غلط لأنه قَالَ فِي الخبر: " ثم يعلوا عَلَى كرسيه " وليس هَذِهِ صفة للملائكة لأن الكرسي مضاف إليه، وكذلك قوله: " ثم يرتفع " لا يصح حمله عَلَى الملائكة لأن هاء الكناية ترجع إلى المذكور
فإن قيل: أليس قد قَالَ تَعَالَى: ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ وكان طمس الأعين من الملائكة بأمر الله، فلا يمتنع أن يكون تنزل الملائكة بأمر الله،
стр. 219
وكذلك قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ وَقَالَ: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ وقوله تَعَالَى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ كل ذَلِكَ المراد به فعل يظهر منه كذلك هاهنا
قيل: هَذَا غلط لأن تِلْكَ الآيات لم يقترن بها ما دل عَلَى أن المراد به نفس الذات فالأمر فيها محتمل، فحمل عَلَى أفعاله، وأما هاهنا ففي سياق الخبر ما دل عَلَى أن المراد به الذات من الوجه الذي ذكرناه
فأما قوله فِي حديث أَبِي سعيد وأبي هُرَيْرَةَ: " إذا ذهب ثلث الليل هبط " فالقول فيه كالقول فِي الرواية المشهورة " ينزل " وأن ذَلِكَ إخبار عن هبوط الذات ونزولها، وأما قوله فِي حديث أَبِي الدرداء: " ينزل فِي الساعة الثانية جنة عدن وهي داره ومسكنه لا يسكنها معه إلا النبيون والصديقون والشهداء " فإنه غير ممتنع حمله عَلَى ظاهره، وأنه يجوز إطلاق القول بأن جنة عدن داره ومسكنه، لا عَلَى وجه الحد والجهة، كما أطلقنا القول بالاستواء عَلَى العرش، لا عَلَى وجه الجهة، وقد دل عَلَى صحته هَذَا الإطلاق قوله تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ فأخبر أنه فِي السماء، ولا يمتنع أيضا جواز إطلاق القول بأن الأنبياء والشهداء والصديقين سكان معه
٢٦٤ - ويشهد لذلك قوله تَعَالَى: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا سورة الإسراء
آية حَدَّثَنَا أَبُو القسم بإسناده، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ ، فِي قول: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا سورة الإسراء آية، قَالَ: يجلسه معه عَلَى السرير
وأما قوله فِي حديث أَبِي الدرداء: " يمحو الله ما يشاء ويثبت " فليس ذَلِكَ عَلَى معنى تغيير حكم قد استقر، لكن عَلَى معنى تجديد كراماته ونعمه، ويأتي الكلام عَلَى هَذَا مستوفى فِي قوله تَعَالَى: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ سورة الرعد آية وهو مذكور فِي حديث النبي، ﷺ : " من سره أن يمد الله فِي عمره، ويوسع عليه فِي
стр. 220
رزقه، فليتق الله وليصل رحمه "
وأما قوله فِي حديث أَبِي الدرداء: " وينزل فِي الساعة الثالث وملائكته " فغير ممتنع حمله عَلَى ظاهره، ويشهد له قوله تَعَالَى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا سورة الفجر آية وقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ سورة البقرة آية وقد امتنع قوم من إطلاق ذَلِكَ وقالوا قوله: " جنة عدن داره ومسكنه " معناه: دار كرامته ومثوبته، وهذا غلط لوجهين أحدهما: أن جنة عدن لا تختص بكرامته ومثوبته لأن سائر الجنان كذلك
والثاني: أنه إن جاز تأويله عَلَى هَذَا جاز تأويل الاستواء عَلَى العرش، عَلَى كرامته ومثوبته وتأولوا قوله:
" لا يسكنها معه إلا الأنبياء والشهداء " عَلَى أنه معهم بالنصرة والكرامة، وهذا غلط، لأن ذَلِكَ يسقط فائدة التخصيص بجنة عدن، لأنه ناصرهم فِي غيرها، ولأن لفظة السكنى لا تستعمل فِي النصرة
٢٦٥ - وقد ذكر أَبُو بكر النقاش فِي كتاب الرسالة فِي قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ لو كان الجائي غيره لكان الجائي غير الملك، وحكي عن إسحاق بن راهويه أنه قَالَ: سألني رجل من الجهمية أنه قَالَ: إذا نزل إلى السماء الدنيا يخلوا منه العرش؟ قَالَ: فقلت: يقدر أن ينزل ولا يخلوا منه العرش؟ قَالَ: فسكت، قَالَ: فقلت: إن قلت يقدر خصمت، وإن قلت لا يقدر كفرت، ولأن تكون مخصوما خير من أن يكون كافرا
قال إسحاق: وسألني رجل عن نزول الرب وما توهم الرجل عند ذَلِكَ، فقلت: ما توهم عند قوله: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ فيكون توهمك عند النزول مثل توهمك ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾
٢٦٦ - وقد ذكر أَبُو بكر عبد العزيز من أصحابنا فِي كتاب التفسير فِي قوله تَعَالَى:
стр. 221
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ فقال: اختلف فِي صفة إتيان الرب فِي قوله إلا أن يأتيهم الله فقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصف به نفسه من المجيء والإتيان والنزول، وغير جائز تكلف القول فِي ذَلِكَ لأحد، إلا بخبر من الله أو من رسوله، فأما القول فِي صفات الله وأسمائه، فغير جائز لأحد من جهة الاستخراج إلا بما ذكرنا
وقال آخرون: إتيان جل ذكره نظير ما يعرف من مجيء الجائي من موضع إلى موضع، انتقاله من مكان إلى مكان
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ معناه: أمر الله، كما يقال: قد خشينا أن يأتينا بنو أمية، يراد به حكمهم
وقال آخرون: معنى ذَلِكَ هل ينظرون إلا أن يأتيهم ثوابه وحسابه وعقابه كما قَالَ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ وكما يقال: قطع الوالي اللص أو ضربه، وإنما قطعه أعوانه، وغلب أَبُو بكر الوجه الأول، وروى فِي ذَلِكَ بإسناده عن ابن عباس، أن النبي، ﷺ ، قَالَ: " إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفا " وذلك قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ سورة
البقرة آية
٢٦٧ - وروي بإسناده حديثا طويلا ذكرت بعضه عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
стр. 222
رسول الله، ﷺ : " توقفون موقفا واحدا يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم، ولا يقضي بينكم قد حصر عليكم فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى بلغ ذَلِكَ منكم الأذقان، ويلجمكم فتضجون، ثم تقولون: من يشفع لنا إلى ربنا حتى يأتوني فإذا جاءوني خرجت حتى آتي الفحص "، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يا رسول الله ما الفحص؟ قَالَ: " قدام العرش فأخر ساجدا " وذكر الخبر إلى أن قَالَ: " فيقول: قد شفعتك، فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينا نحن وقوف سمعنا حسا من السماء شديدا فهالنا، فنزل أهل السماء الدنيا بمثلي من فِي الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض لنورهم، فقلنا: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا وهو آت " وذكر الخبر إلى أن قَالَ: " ثم ينزل أهل السموات عَلَى قدر ذَلِكَ من التضعيف حتى نزل الجبار تَعَالَى ذكره فِي ظلل من الغمام والملائكة ولهم زجل من تسبيحهم، فينزل ربنا، ﵎، يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم عَلَى تخوم الأرض السفلى والسموات إلى حجزهم، والعرش عَلَى مناكبهم، فوضع الله، ،
عرشه حيث شاء من الأرض ثم ينادي نداءا يسمع الخلاق " وذكر الخبر
قال أَبُو بكر: وبمثل ذَلِكَ روي الخبر عن جماعة من الصحابة والتابعين، ويؤكد صحة هَذَا وأن المراد بالإتيان والمجيء الذات قوله تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ فلما قصد إتيان الآيات صرح بذكرها.
стр. 223
بَيَانٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حِجَابُهُ النُّورُ أَوِ النَّارُ
حَدِيثٌ آخَرُ
٢٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ لا يَنَامُ وَلا يَنْبَغِي أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَعَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ، حِجَابُهُ النَّارُ، لَوْ كَشَفَهَا أَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ "
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهَا لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ "
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ أَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ "
стр. 224
٢٦٩ - وَحَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " دُونَ اللَّهِ سَبْعُونَ أَلْفِ حِجَابٍ مِنْ نُورٍ وَظُلْمَةٍ، وَمَا تَسْمَعُ نَفْسٌ شَيْئًا مِنْ حِسِّ تِلْكَ الْحُجُبِ إِلا زَهَقَتْ نَفْسُهَا
٢٧٠ - " وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصِّبْغِيُّ أَخْبَارًا أُخَرَ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي
стр. 225
كِتَابِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، فَرَوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ عَجَبًا، رَأَيْتُ مِنْ أُمَّتِي رَجُلا جَاثِيًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّبِّ حِجَابٌ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَدْخَلَهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ "
٢٧١ - وَذَكَرَ حَدِيثَ صُهَيْبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ: " فَيُكْشَفُ لَهُمْ عَنِ الْحِجَابِ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ "
٢٧٢ - وَذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ مُوسَى قَالَ: يَا رَبِّ أَرِنِي أَبَانَا آدَمَ " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَقَالَ فِيهِ: " فَقَالَ آدَمُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مُوسَى، فَقَالَ: أَنْتَ الَّذِي كَلَّمَكَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَسُولا مِنْ خَلْقِهِ "
стр. 226
٢٧٣ - وَذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ وَصِيَّتَهُ نُوحٌ ابْنُهُ فَقَالَ: " أَنْهَاكَ عَنِ الْكِبْرِ وَالشِّرْكِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَحْتَجِبُ عَنْهُمَا "
стр. 227
٢٧٤ - وَذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ للَّهِ دِيكًا يُجَاوِزُ رَأْسُهُ كَذَا، وَالْحِجَابَ السَّبْعِينَ، وَرِجْلاهُ قَدْ جَاوَزَتَا السَّبْعَ الأَرْضِينَ "
стр. 228
اعْلَمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ إِطْلاقُ حِجَابٍ هُوَ نُورٌ مِنْ دُونِ اللَّهِ، لا عَلَى وَجْهِ الإِحَاطَةِ وَالْحَدِّ وَالْمُحَاذَاةِ، كَمَا أَجَزْنَا رُؤْيَتَهُ سُبْحَانَهُ لا عَلَى وَجْهِ الإِحَاطَةِ بِهِ وَالْجِهَةِ وَالْمُقَابَلَةِ، وَإِنْ كُنَّا لا نَجِدُ فِي الشَّاهِدِ مَرْئِيًّا إِلا فِي جِهَةِ الْمُقَابَلَةِ، وَكَمَا جَازَ إِطْلاقُ وَصْفِهِ بِالاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ لا عَلَى وَجْهِ الْجِهَةِ وَالْحَدِّ وَالانْتِقَالِ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ فَأَثْبَتَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ لا فِي جِهَةٍ وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالْحِجَابِ كَذَلِكَ هَهُنَا
فَأَمَّا قَوْلُهُ: " كُلُّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ " مَعْنَاهُ: أَنَّ نُورَ وَجْهِهِ يَحْرِقُ مَا يُدْرِكُهُ مِنْ خَلْقِهِ
٢٧٥ - وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بُطَّةَ فِي كِتَابِ الإِبَانَةِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: سَأَلْتُ ثَعْلَبًا عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " لأَحَرْقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ " فَقَالَ: السُّبُحَاتُ - يَعْنِي مِنَ ابْنِ آدَمَ - الْمَوْضِعَ الَّذِي يَسْجُدُ عَلَيْهِ
فَإِنْ قِيلَ: الْحِجَابُ رَاجِعٌ إِلَى الْخَلْقِ لأَنَّهُمْ هُمُ الْمَحْجُوبُونَ عَنْهُ بِحِجَابٍ يَخْلُقُهُ
стр. 229
فِيهِمْ، وَهُوَ عَدَمُ الإِدْرَاكِ فِي أَبْصَارِهِمْ، وَلا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحْتَجِبًا وَلا مَحْجُوبًا بِحِجَابٍ لأَنَّ مَا سُتِرَ بِالْحِجَابِ، فَالْحِجَابُ أَكْبَرُ مِنْهُ وَيَكُونُ مُتَنَاهِيًا مُحَاذِيًا جَائِزًا عَلَيْهِ الْمَمَاسَّةُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَجَعَلَ الْكُفَّارَ مَحْجُوبِينَ عَنْ رُؤْيَتِهِ لِمَا خُلِقَ فِيهِ مِنَ الْحِجَابِ، وَيُبَيِّنُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يُضِفِ الْحِجَابَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بَلْ أَطْلَقَ ذِكْرَ الْحِجَابِ.
وَيُبَيِّنُ صِحَّةُ هَذَا مَا رَوَى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، رَوَاهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ مَرَّ بِقَصَّابٍ وَهُوَ يَقُولُ: لا وَالَّذِي احْتَجَبَ بِسَبْعَةِ أَطْبَاقٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: " وَيْحَكَ يَا قَصَّابُ إِنَّ اللَّهَ لا يَحْتَجِبُ عَنْ خَلْقِهِ " وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " إِنَّ اللَّهَ لا يَحْتَجِبُ عَنْ خَلْقِهِ بِشَيْءٍ وَلَكِنْ حَجَبَ خَلْقَهُ عَنْهُ "
قِيلَ: هَذَا غَلَطٌ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّنَا نُثْبِتُ حِجَابًا لا يُفْضِي إِلَى التَّنَاهِي وَالْمُحَاذَاةِ وَالْمَمَاسَّةِ، كَمَا أَثْبَتْنَا رُؤْيَتَهُ لا عَلَى وَجْهِ التَّنَاهِي وَالْمُحَاذَاةِ.
وَقَوْلُهُ: " لَمْ يُضِفِ الْحِجَابَ إِلَيْهِ " غَلَطٌ لأَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: " حِجَابُهُ النُّورُ " وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الإِضَافَةِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَلَسْنَا نَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ فِي حِجَابٍ عَنْ رَبِّهِمْ، وَلا نَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ دُونَهُ حِجَابٌ مِنْ نُورٍ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِذَلِكَ، فَلَيْسَ فِي الآيَةِ مَا يَنْفِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَى الْقَصَّابِ حِجَابًا مَعْقُولا، لأَنَّ الْقَصَّابَ قَالَ: احْتَجَبَ بِالسَّمَوَاتِ، فَرَجَعَ الإِنْكَارُ إِلَى ذَلِكَ، وَنَحْنُ لا نَصِفُ الْحِجَابَ بِذَلِكَ
وَعَلَى أَنَّهُ يُعَارِضُ قَوْلَ عَلِيٍّ مَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ دُونَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُونَ
стр. 230
أَلْفَ حِجَابٍ إِنَّ مِنْهَا حِجَابًا مِنْ ظُلْمَةٍ مَا يَنْفُذُهَا شَيْءٌ، وَإِنَّ مِنْهَا لَحِجَابًا مِنْ نُورٍ مَا يَسْتَطِيعُهُ شَيْءٌ، وَإِنَّ مِنْهَا حِجَابًا لا يَسْمَعُهَا أَحَدٌ لا يَرْبِطُ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ إِلا انْخَلَعَ فُؤَادُهُ ".
فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ سَمُرَةَ: " بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّبِّ حِجَابٌ " الْمُرَادُ بِهِ حِجَابُ الْعَبْدِ مِنْ رَحْمَةِ الرَّبِّ، يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ مَمْنُوعًا مِنَ الرَّحْمَةِ، وَقَوْلُهُ: " أَدْخَلَهُ عَلَى رَبِّي " مَعْنَاهُ: فِي رَحْمَةِ رَبِّي.
قِيلَ: مَنْ سَبَقَ فِي عَمِلِه أَنَّهُ يَرْحَمُهُ لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَحْمَتِهِ حِجَابٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ سَبَقَ فِي عَمَلِهِ عَذَابُهُ لا يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَذَابِ حِجَابٌ
وَأَمَّا تَأْوِيلُهُمُ الدُّخُولِ، عَلَى الدُّخُولِ فِي الرَّحْمَةِ فَلا يَصِحُّ كَمَا لَمْ يَصِحَّ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: " تَرَوْنَ رَبَّكُمْ " عَلَى رُؤْيَةِ رَحْمَتِهِ
فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: " لَوْ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ " مَعْنَاهُ: لَوْ كَشَفَ رَحْمَتَهُ عَنِ النَّارِ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ أَيْ أَحْرَقَتْ مَحَاسِنُ وَجْهِ الْمَحْجُوبِ عَنْهُ بِالنَّارِ، فَالْهَاءُ عَائِدَةٌ عَلَى الْمَحْجُوبِ لا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
قِيلَ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ السُّبُحَاتِ صِفَةٌ لِوَجْهِهِ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّ الإِحْرَاقَ يَكُونُ لِجَمِيعِ مَا يُدْرِكُهُ نُورُهُ
стр. 231
فَإِنْ قِيلَ: لا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُحْدِثُ وَلا الْقَدِيمُ مَحْجُوبًا بِشَيْءٍ مِنْ سَوَاتِرِ الأَجْسَامِ الْمُغَطِّيَةِ الْمُكْتَنِفَةِ الْمُحِيطَةِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لِهَذِهِ الأَجْسَامِ السَّاتِرَةِ أَنَّهَا حِجَابٌ عَنْ رُؤْيَةِ الْمُحْدِثِ لِمَا رَآهُ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ الرُّؤْيَةِ يَحْدُثُ عِنْدَهُ فَيُسَمَّى بِاسْمِ مَا يَحْدُثُ عِنْدَهُ، وَعَلَى هَذَا مَا نَقُولُهُ إِنَّ الْبَارِئَ سُبْحَانَهُ لا نَرَاهُ فِي الدُّنْيَا لأَنَّهُ فِي حِجَابٍ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ، وَإِنَّمَا الْمَانِعُ مِنْ رُؤْيَتِهِ مَا يُحْدِثُهُ مِنَ الْمَنْعِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ وَرُؤْيَتِهِ وَمُعَايَنَتِهِ مَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُودِ مَعْرِفَتِهِ وَمُعَايَنَتِهِ، وَمَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ الَّذِي يُضَادُّ وُجُودُهُ، وَذَلِكَ لا يَصِحُّ إِلا فِي الْعَرْضَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ الْمُتَعَاقِبَيْنِ، وَلا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْجِسْمُ مِنْهَا وَلا مَانِعًا مِنْ عَرَضٍ أَصْلا لأَنَّهُ لا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْعَرْضَيْنِ وَالْجِسْمِ تَنَافٍ وَتَضَادٌّ
قِيلَ: هَذَا لا يَمْنَعُ مِنْ إِطْلاقِ اسْمِ الْحِجَابِ عَلَى الْقَدِيمِ سُبْحَانَهُ كَمَا لا يَمْنَعُ مِنْ إِطْلاقِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ مَوْجُودًا فِيهِ
٢٧٦ - وَقَدْ رَوَى فِي مَعْنَى هَذَا الْحِديثِ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ بُشْرَانَ بِإِسْنَادِهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ وَلاهُ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَاقَتِهِمْ احْتَجَبَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَاقَتِهِ "
стр. 232
إِثْبَاتُ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ جَلَّ وَعَزَّ فِي الآخِرَةِ
حَدِيثٌ آخَرُ
٢٧٧ - رَوَى مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، أَبُو الْقَاسِمِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ، فَقَالَ: " تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الْقَمَرِ لا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ "
٢٧٨ - وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ: فَقَالَ: " هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ نِصْفَ النَّهَارِ؟ " قَالُوا: لا، قَالَ: " فَتُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ " قَالُوا: لا، قَالَ " فَإِنَّكُمْ لا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ إِلا كَمَا تُضَارُّونَ فِي ذَلِكَ "
стр. 233
٢٧٩ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ " هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابَةٌ؟ " قَالَ: قُلْنَا: لا، قَالَ: " فَهَلْ تُضَارُّونَ بِرُؤْيَةِ الشَّمْسِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ؟ " قَالَ: قُلْنَا: لا، قَالَ: " كَذَلِكَ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ "
٢٨٠ - وَرَوَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بُطَّةَ فِي كِتَابِهِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ سورة يونس آية قَالَ: " الزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ "
٢٨١ - وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَرَجُلٌ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَيْ سَنَةٍ يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ، يَنْظُرُ فِي أَزْوَاجِهِ وَسُرُرِهِ وَخَدَمِهِ، وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ اللَّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ "
стр. 234
٢٨٢ - وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " بَيْنَا هُوَ يُعَلِّمُهُمْ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ إِذْ شَخَصَتْ أَبْصَارُهُمْ عِنْدَهُ، فَقَالَ: " مَا أَشْخَصَ
стр. 235
أَبْصَارَكُمْ عَنِّي؟ " قَالُوا: نَظَرْنَا إِلَى الْقَمَرِ، قَالَ: " فَكَيْفَ بِكُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّهَ جَهْرَةً "
٢٨٣ - وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ تَعَالَى فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ فِي رِمَالِ الْكَافُورِ، وَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا أَسْرَعُهُمْ إِلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَبْكَرُهُمْ غُدُوًّا "
اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ أَخْبَارٌ صِحَاحٌ يَجِبُ الأَخْذُ بِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ، فَقَالَ: أَحَادِيثُ الرُّؤْيَةِ صِحَاحٌ جِيَادٌ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ: صِحَاحٌ جِيَادٌ
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ: تَقُولُ بِهَذِهِ الأَحَادِيثِ الَّتِي تُرْوَى
стр. 236
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرُّؤْيَةِ وَتَذْهَبُ إِلَيْهَا؟ وَجَمَعَهَا فِي كِتَابٍ وَحَدَّثَنَا بِهَا
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَحَنْبَلٍ وَأَبِي دَاوُدَ: مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لا يُرَى فِي الآخِرَةِ فَقَدْ كَفَرَ.
فَقَدْ نَصَّ عَلَى صِحَّتِهَا وَالأَخْذِ بِهَا وَتَكْفِيرِ مَنْ رَدَّهَا
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
فَأَمَّا قَوْلُهُ: " كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ " فَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ إِلا تَحْقِيقَ رُؤْيَةِ الْعَيَانِ، لا تَشْبِيهَ الْمَرْئِيِّ بِالْقَمَرِ فِي أَنَّهُ مَحْدُودٌ فِي جِهَةٍ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ رُؤْيَتُكُمْ للَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَرُؤْيَتِكُمُ الْقَمَرِ لَيْلَةِ الْبَدْرِ، أَيْ كَمَا لا تَشُكُّونَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ أَنَّهُ الْبَدْرُ، وَلا يَتَخَالَجُكُمْ فِيهِ رَيْبٌ وَظَنٌّ، كَذَلِكَ تَرَوْنَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُعَايَنَةً يَحْصُلُ مَعَهَا الْيَقِينُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " لا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ " بِالتَّشْدِيدِ فَقِيلَ مَعْنَاهُ: لا يَنْضَمُّ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ كَمَا تَنْضَمُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْهِلالِ رَأْسَ الشَّهْرِ، بَلْ تَرَوْنَهُ جَهْرَةً مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ لِطَلَبِ رُؤْيَتِهِ كَمَا تَرَوْنَ الْبَدْرَ - وَهُوَ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشَرَ إِذَا عَايَنَهُ الْمُعَايِنُ جَهْرَةً لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَكَلُّفٍ فِي طَلَبِ رُؤْيَتِهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: " لا تُضَامُونَ " مُخَفَّفٌ فَالْمُرَادُ بِهِ الضَّيْمُ أَيْ: لا يَلْحَقُكُمْ فِيهِ ضَيْمٌ، وَالضَّيْمُ وَالضَّرَرُ وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى وَأَمَّا قَوْلُهُ: " لا تُضَارُّونَ " أَيْ: لا يَلْحَقُكُمْ ضَرَرٌ فِي رُؤْيَتِهِ بِتَكَلُّفِ طَلَبِهَا كَمَا يَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ وَالتَّعَبُ فِي طَلَبِ مَا يَخْفَى وَيَدِقُّ وَيَغْمُضُ
стр. 237
وَكُلُّ ذَلِكَ تَحْقِيقٌ لِرُؤْيَةِ الْمُعَايَنَةِ، وَأَنَّهَا صِفَةٌ تَزِيدُ عَلَى الْعِلْمِ
فَإِنْ قِيلَ: مَعْنَاهُ رُؤْيَةُ الْعِلْمِ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَعْرِفُونَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ضَرُورَةً
قِيلَ: هَذَا غَلَطٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الرُّؤْيَةَ إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى: الْعِلْمِ، تَعَدَّتْ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَذَلِكَ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: رَأَيْتُ زَيْدًا فَقِيهًا، أَيْ عَلِمْتُهُ كَذَلِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: رَأَيْتُ زَيْدًا مُطْلَقًا، فَلا يُفْهَمُ مِنْهُ إِلا رُؤْيَةُ الْبَصَرِ، وَقَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ بِمَا أَكَّدَهُ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِرُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَذَلِكَ رُؤْيَةُ الْبَصَرِ لا رُؤْيَةَ عِلْمٍ
وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَشَّرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ، وَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى يَخْتَصُّونَ بِهِ، فَأَمَّا الْعِلْمُ بِاللَّهِ فَمُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي الْقِيَامَةِ، فَيَبْطُلُ مَعْنَى بِشَارَتِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالرُّؤْيَةِ
وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى: " تَرَوْنَ اللَّهَ جَهْرَةً " وَهَذَا يَرْفَعُ الإِشْكالَ، لأَنَّ الرُّؤْيَةَ وَإِنْ كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَى الْعِلْمِ، فَإِنَّهَا إِذَا قُرِنَتْ بِلَفْظِ الْجَهْرِ لَمْ تَحْتَمِلِ الْعِلْمَ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ يَعْنِي عَيَانًا، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: " وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَبِّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ " وَهَذَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْعِلْمَ
стр. 238
٢٨٤ - فَأَمَّا مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ تَعَالَى فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ فِي رِمَالِ الْكَافُورِ، فَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا أَسْرَعُهُمْ إِلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَبْكَرُهُمْ غُدُوًّا " فَإِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ بُطَّةَ رَوَاهُ، عَن أَبِي عُمَر عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مسح الْعَطَّارِ، وَأَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالُوا: نا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: نا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ الأَشْعَثِ قَالَ: نا ابْنُ حَسَنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي حَسَنٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
٢٨٥ - ونا أَبُو الْقَاسِمِ بِلَفْظٍ آخَرَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: نا أَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الُمْقِري، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَغَوِيُّ، نا وَكِيعٌ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يَبْدُو لأَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى كَثِيبٍ مِنْ كَافُورٍ فَيَكُونُونَ مِنْهُ فِي الْقُرْبِ عَلَى قَدْرِ تَسَرُّعِهِمْ إِلَى الْجُمَعِ "
стр. 239
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَفَرَّدَ بِهِ الْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو وَهُوَ ضَعِيفٌ
قِيلَ: هَذَا لا يَصِحُّ لأَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ بُطَّةَ قَدْ رَوَى أَصْلَ الْحَدِيثِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَلَى أَنَّ الْمِنْهَالَ بْنَ عُمَرَ الأَسَدِيَّ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ، وَلَهُ تَفْسِيرٌ أَكْثَرَ فِيهِ الرِّوَايَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَحْمَدُ أَحَادِيثَ فِي الْمُسْنَدِ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَيْنِ مُسْنَدَيْنِ
وَقَدْ قِيلَ: فِي قَوْلِهِ: " فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ " مَعْنَاهُ يَرَوْنَهُ عَلَى مَقَادِيرِ أَوْقَاتِ الدُّنْيَا وَأَيَّامِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ وَذَلِكَ عَلَى التَّقْدِيرِ بِأَيَّامِ الدُّنْيَا وَأَوْقَاتِهَا، لأَنَّ لَيْسَ هُنَاكَ غَدْوَةٌ وَعَشِيَّةٌ وَجُمُعَةٌ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " فِي رِمَالِ الْكَافُورِ " فَلا يَمْتَنِعُ إِطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ، لا عَلَى وَجْهِ
стр. 240
الانْتِقَالِ وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿هل يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ وَقَدْ سَبَقَ الْكَلامُ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " أَقْرَبُهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا " فَلا يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْقُرْبِ مِنَ الذَّاتِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : " يُؤْتَى بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُدْنِيهِ اللَّهُ فَيَضَعُ كَنَفَهُ عَلَيْهِ " وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الدُّنُوِّ مِنَ الذَّاتِ، وَهَذَا الْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: يَحْمِلُ الْقُرْبُ عَلَى الْقُرْبِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْكَرَامَةِ وَالرَّحْمَةِ.
قِيلَ: هَذَا لا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَحْمَتَهُ وَكَرَامَتَهُ وَثَوَابَهُ سَابِقٌ لِرُؤْيَتِهِمْ لَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ جَازَ تَأْوِيلُهُ عَلَى هَذَا جَازَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: " تَرَوْنَ رَبَّكُمْ " عَلَى التَّعَطُّفِ وَالرَّحْمَةِ وَالْكَرَامَةِ، وَقَدِ اتَّفَقْنَا وَمُثْبِتُو الصِّفَاتِ عَلَى فَسَادِ هَذَا التَّأْوِيلِ، كَذَلِكَ هَهُنَا.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ فَالُمْرَادُ بِهِ عِلْمُهُ لأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْعِلْمِ فِي أَوَّلِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ فَوَجَب حَمْلُهُ عَلَى الْعِلْمِ.
٢٨٦ - وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ عَلِمَهُ لأَنَّهُ افْتَتَحَ الآيَةَ بِالْعِلْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ﴾ وَخَتَمَ بِالْعِلْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " مَنْ قَرَّب شِبْرًا قَرُبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا " فَإِنْ تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيْهِ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَأَمَّا تَقَرُّبُهُ إِلَى عَبْدِهِ فَبِالثَّوَابِ وَالرَّحْمَةِ وَالْكَرَامَةِ، لأَنَّهُ رُوِيَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي
стр. 241
بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْكَلامِ عَلَى قَوْلِهِ: " يُدْنِي عَبْدَهُ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ "، وَذَكَرْنَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " وَمَنْ جَاءَ يَمْشِي أَقْبَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ بِالْخَيْرِ يُهَرْوِلُ " فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ إِقْبَالَهُ عَلَيْهِ بِالْخَيْرِ فَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ.
وَفِي هَذَا الْفَصْلِ حِكَايَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلالُ فِي سُنَنِهِ:
٢٨٧ - أَحَدُهُمَا: قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْفَقِيهَ الْمِصِّيصِيَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ أَبُو صَفْوَانَ: رَأَيْتُ الْمُتَوَكِّلَ فِي النَّوْمِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ مُؤَجَّجَةٌ عَظِيمَةٌ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِمَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: لابْنِي الْمُنْتَصِرِ لأَنَّهُ قَتَلَنِي، وَتَدْرِي لِمَ قَتَلَنِي؟ لأَنِّي حَدَّثْتُهُ أَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الآخِرَةِ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: هَذِهِ رُؤْيَا حَقٍّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ كَتَبَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ فِي الرُّؤْيَةِ بِيَدِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الأَعْلَى وَقَالَ: لا أَكْتُبُهُ إِلا بِيَدِي
٢٨٨ - وَالْحِكَايَةُ الأُخْرَى: قَالَ: أنا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَوَارِيرِيَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي النَّوْمِ، فَقَالَ: الْمُؤْمِنُونَ يَنْتَظِرُونَ أَنْ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ، فَأَمَّا الْكُفَّارُ فَلا يَجُوزُ أَنْ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى
٢٨٩ - وَحَكَى ابْنُ فُورَكٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ خُزَيْمَةَ، أَنْ ذُكِرَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ مِنَ الْكُفَّارِ مَنْ يَرَى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رُؤْيَةَ امْتِحَانٍ قَبْلَ أَنْ يُوضَعَ الْجِسْرُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ
стр. 242
وَأَنْكَرَ ابْنُ فُورَكٍ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَقَالَ: هِيَ مُحْدَثَةٌ لأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ مَنَعَ الرُّؤْيَةَ، وَقَالَ: لا يَرَاهُ مُؤْمِنٌ وَلا كَافِرٌ، وَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ دُونَ الْكَافِريَن، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ - وَهُوَ ابْنُ سَالِمٍ -: يَرَاهُ جَمِيعُ الْكُفَّارِ وَكَانَ مَذْهَبًا مَرْغُوبًا عَنْهُ مُبْدَعًا فِيهِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ.
وَقَدِ احْتَجَّ ابْنُ خُزَيْمَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ، فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَ رَبُّنَا، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ ".
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى الرُّؤْيَةِ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ يُخَاطِبُهُمْ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُخَاطِبَ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَوْهُ
стр. 243
حَدِيثٌ آخَرُ
٢٩٠ - رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بُطَّةَ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا سَيَخْلُو اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ أَوْ تَرْجُمَانٌ "
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ فِي مَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ مِنَ الْقُرْبِ مِنْهُ، لأَنَّ الْخُلُوَّ عِبَارَةٌ عَنِ
стр. 244
الْقُرْبِ، وَلِهَذَا إِذَا قِيلَ: خَلا الْوَزِيرُ بِالْخَلِيفَة، الْمُرَادُ بِهِ الْقُرْبُ، وَقَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ إِطْلاقِ الدُّنُوِّ وَالْقُرْبِ مِنَ الذَّاتِ، كَذَلِكَ لا يَمْتَنِعُ جَوَازُ الْخَلْوَةِ لأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ
٢٩١ - وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى الأَخْذِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فَقَالَ: لا نُزِيلُ عَنْهُ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ بِشَنَاعَةٍ شُنِّعَتْ، وَوَصْفٍ وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، مِنْ كَلامٍ وَنُزُولٍ وَخَلْوَةٍ بِعَبْدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَوَضْعِهِ كَنَفِهِ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يُفْرِدُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِكَلامٍ لا يَسْمَعُهُ غَيْرُهُ بَلْ يَخْتَصُّ بِسَمَاعِهِ الْمُكَلَّمُ، لأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ فِي كَلامِ الْعَرَبِ الانْفِرَادُ، وَمِنْ قَوْلِهِمْ: خَلا فُلانٌ بِعَمَلِهِ وَخَلا فُلانٌ بِنَفْسِهِ، مَعْنَاهُ: الانْفِرَادُ، وَكَذَلِكَ هَهُنَا.
قِيلَ: هَذَا غَلَطٌ، لأَنَّهُ إِذَا جَازَ حَمْلُهُ عَلَى الانْفِرَادِ بِالْكَلامِ جَازَ حَمْلُهُ عَلَى الانْفِرَادِ بِالْقُرْبِ، إِذْ مَعْنَاهُمَا يَرْجِعُ إِلَى الْكَرَامَةِ وَالْمَنْزِلَةِ
стр. 245
حَدِيثٌ آخَرُ
٢٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ
نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: يَرْحَمُكَ رَبُّكَ يَا آدَمُ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ الْمَلائِكَةِ إِلَى مَلأٍ مِنْهُمْ جُلُوسًا فَقُلِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَالَ لَهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: يَا آدَمُ اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ قَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ ".
أَمَّا قَوْلُهُ: " نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ " فَقَدْ أَطْلَقَ ذِكْرَ الرُّوحِ هَهُنَا وَقَدْ أَضَافَهَا إِلَى نَفْسِهِ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَمَعْنَى إِضَافَتِهِ إِلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْمَلْكِ وَالْفِعْلِ، وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ لِتَشْرِيفِ شَأْنِهِ وَالرِّفْعَةِ مِنْ حَالِهِ، كَمَا خَصَّ بَعْضَ الْبُيُوتِ بِالإِضَافَةِ إِلَى نَفْسِهِ
٢٩٣ - وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مَعْنَى هَذَا فِيمَا خَرَّجَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ فَقَال: وَأَمَّا قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَرُوحٌ مِنْهُ سورة النساء آية يَقُولُ: مِنْ أَمْرِهِ، كَمَا
стр. 246
قَالَ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ سورة الجاثية آية أَيْ: مِنْ أَمْرِهِ، وَتَفْسِيرُ رُوحِ اللَّهِ إِنَّمَا مَعْنَاهَا إِنَّهَا رُوحٌ خَلَقَهَا اللَّهُ، كَمَا يُقَالُ عَبْدُ اللَّهِ وَسَمَاءُ اللَّهِ وَأَرْضُ اللَّهِ
стр. 247
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " رَحِمَكَ رَبُّكَ " حِينَ عَطَسَ آدَمُ ﵇، فَإِنَّهُ يُفِيدُ مُخَاطَبَتَهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ وَلا تَرْجُمَانٍ، تَشْرِيفًا لَهُ وَتَعْظِيمًا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُكَلَّمِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: هَذِهِ تَحِيَّتُكَ " ظَاهِرَةٌ يَقْتِضي رُجُوعًا إِلَى الْمَكَانِ، وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْخِطَابِ وَالْمُسَائَلَةِ، وَلَيْسَ فِي حَمْلِهِ عَلَى الْمَكَانِ مَا يُحَيِّرُ الصِّفَاتِ.
وأما قوله: " اخترت يمين ربي " فقد تقدم الكلام فِيهِ، وقلنا: لا يمتنع إطلاق صفة اليمين عَلَيْهِ كَمَا جاز إطلاق اليدين
стр. 248
حديث آخر
٢٩٤ - ذكره ابن فورك ولم يقع لي طريقه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إن اللَّه يطوي المظالم يوم القيامة فيجعلها تحت قدميه إِلا مَا كان من أجر الأجير، وعقر البهيمة، وفض الخاتم".
اعلم أنا قد بينا جواز إطلاق اسم القدم فِي صفته، لا عَلَى وجه الجارحة والبعض والعضو، كَمَا جاز إطلاق اليدين والوجه، وبينا ذلك فيما تقدم، وتكلمنا عَلَى تأويل من تأول القدم عَلَى وجوه، والمراد بهذا الخبر تعريفنا مراتب الأعمال، وأن منها إِلَى العفو عَنْهُ أقرب من غيره، وَهَذَا المتعارف فِي استعمال اللغة فِي الشيء الَّذِي لا تنافس وَلا يطالب به قد جعلته تحت قدمي، إِذَا أراد الإعراض عَنْهُ
٢٩٥ - ومثل هَذَا مَا روي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لما فتح مكة قام عَلَى باب الكعبة فَقَالَ: " كل دم
كان فِي الجاهلية قد جعلته تحت قدمي " عَلَى مَعْنَى: قد أعرضت عَن
стр. 249
المنافسة فِيهِ، والمطالبة به.
فإن قِيلَ: هَذَا تمثيل بالأمر الَّذِي يوطأ بالقدم إِذَا أراد ستره والإعراض عَنْهُ،
стр. 250
قيل: اجعله تحت قدمك تمثيلا.
قيل: لا يجب حمله عَلَى ذلك إذ ليس فِي حمله عَلَى ظاهره مَا يحيل صفاته من الوجه الَّذِي بينا
следующие страницы →