وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " إن اللَّه حيي كريم، يستحي إِذَا رفع العبد يديه يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا "
٣٨١ - وَفِي حديث آخر: رَوَاهُ أنس بْن مالك قَالَ: سمعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يقول: " إن اللَّه ليستحي إِذَا رفع العبد إِلَيْهِ يديه أن يردهما صفرا، ليس فيهما شيء "
стр. 352
٣٨٢ - وَفِي حديث آخر: رَوَاهُ علي بْن أَبِي طالب قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " إن ربكم كريم يستحي إِذَا رفع العبد يديه أن يردهما صفرا لا خير فيهما، فلعيط اللَّه العبد من نفسه الجهد، وإذا حزبه أمر فليقل: حسبي اللَّه ونعم الوكيل "
٣٨٣ - وفي حديث آخر: رَوَاهُ أنس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يأثره عَن ربه : " إني لأستحي من عبدي أن يشيب فِي الإسلام أن أعذبه "
стр. 353
٣٨٤ - وَفِي حديث آخر: رَوَاهُ عطاء، عَن يعلى، أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللَّه رأى رجلا يغتسل بالبراز فصعد المنبر فحمد اللَّه وأثنى عَلَيْهِ، فَقَالَ: "إن اللَّه حيي حليم ستير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر "
٣٨٥ - وَرَوَى أَبُو بكر أحمد بْن إسحاق الصبغي، عَن أَبِي واقد الليثي، أن رَسُول اللَّهِ ﷺ بينما هُوَ جالس فِي المسجد والناس معه أقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وذهب واحد، قَالَ: فوقفا عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فأما أحدهما فرأى فرجة فِي الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا، فلما فرغ
стр. 354
رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَلا أخبرك عَن ثلاثة نفر، أما أحدهم فأوى إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فآواه اللَّه، وأما الآخر فاستحيا اللَّه فاستحيا اللَّه مِنْهُ، وأما الآخر فأعرض فأعرض اللَّه عَنْهُ".
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع وصف اللَّه تَعَالَى بالحياء، لا عَلَى مَعْنَى مَا يوصف به المخلوقين من الحياء الَّذِي هُوَ انقباض وتغير وتجمع وخجل، لاستحالة كونه جسما متغيرا تحله الحوادث لكن نطلق هَذِهِ الصفة كَمَا أطلقنا وصفه سُبْحَانَهُ بالإرادة وإن خالفت إرادة المخلوقين لأَنَّ إرادته تقتضي وجوب المراد، وإرادتنا لا تقتضي وجوبه، وكذلك علمه يقتضي العلم بالمعدوم والموجود خلاف علمنا، وكذلك رؤيته لا تقتضي وجوده فِي جهة، خلاف رؤية بعضنا، لأَنَّهُ لو لَمْ يوصف بالحياء جاز أن يوصف بضده وَهُوَ القحة، ولما
لَمْ يوصف بضده جاز أن يوصف به، أَلا ترى أنا وصفناه بالعلم والقدرة والكلام، لأَنَّ فِي نفيها إثبات أضدادها، وذلك مستحيل عَلَيْهِ
стр. 355
فإن قِيلَ: يحمل قوله: " يستحي " عَلَى الترك فيكون قوله: " يستحي " بمعنى لا يترك يدي العبد خالية من خير إِذَا رفعها إِلَيْهِ فِي الدعاء، قالوا: وعلى هَذَا يتأول قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا﴾ أي لا يترك، لأَنَّ المستحي يترك للحياء أشياء، كَمَا يترك للإيمان وينقطع بالحياء عَن المعاصي، كَمَا ينقطع بالإيمان عنها، ولهذا قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " الحياء شعبة من الإيمان " وكذلك قوله: " وأما الآخر فاستحيا فاستحيا اللَّه مِنْهُ " فيحتمل أَنْ يَكُونَ معناه: أَنَّهُ يترك أذى القوم بمزاحمتهم فِي مجلسه، فترك اللَّه عقوبته وعفا عَنْهُ، وكذلك قوله: " إن ربكم حيي كريم " أَنَّهُ يترك عقوبة العبد عَلَى خطيئته ".
قيل: هَذَا غلط لأَنَّهُ يسقط فائدة التخصيص بهذه الصفة، لأَنَّهُ قد يعطى مع وجود هَذِهِ الصفة الَّتِي هِيَ رفع اليدين ومع عدمهما، فوجب حمله عَلَى فائدة، وَلا فائدة إِلا إثبات هَذِهِ الصفة.
وجواب آخر: وَهُوَ أَنَّهُ لو كان الحياء عبارة عَن الترك لحصل تقدير الخبر: إن اللَّه يترك يده صفرا، وقد قالوا إن معناه أَنَّهُ لا يترك يده صفرا من العطاء، فعلى هَذَا تحصيل عبارة عَن ضد الترك، فلا تستقيم العبارة والتأويل
стр. 356
فأما قوله: " ستير " أي ساتر يستر عَلَى عباده كثيرا من عيوبهم، وَلا يظهرها عليهم، وستير بمعنى ساتر كَمَا جاء قدير بمعنى قادر، وعليم بمعنى عالم
стр. 357
حديث آخر
٣٨٦ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن بهز بْن حكيم، عَن أبيه، عَن جده قَالَ: حَدَّثَنَا نبي اللَّه ﷺ : " أن رجلا آتاه اللَّه مالا وولدا، وكان لا يدين دينا فمكث حتى إِذَا ذهب عمر وبقي عمر تفكر فعلم أَنَّهُ لَمْ يبتئر عند اللَّه خيرا دعا بينه، فَقَالَ: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب يَا أبانا، قَالَ: فواللَّه لا يبقى عند رجل منكم مال هُوَ مني إِلا وأنا آخذه، أو تفعلوا مَا آمركم به؟ قَالَ: فأخذ منهم ميثاقا، قَالَ: فإذا أنا مت فاحرقوني، ثُمَّ دقوني ثُمَّ ذروني فِي يوم ريح عاصف لعلي أضل اللَّه، قَالَ: ففعلوا ذلك ورب محمد حين مات، فجيء به أحسن مَا كان فعرض عَلَى اللَّه تَعَالَى، قَالَ: مَا حملك عَلَى النار؟ قَالَ: خشيتك يَا رباه، قَالَ اللَّه: أجدك راهبا، فتاب اللَّه عَلَيْهِ، أو قَالَ: غفر لَهُ "
стр. 358
٣٨٧ - وَفِي حديث آخر: رَوَاهُ
أَبُو هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " أسرف رجل عَلَى نفسه حتى إِذَا حضرته الوفاة قَالَ لأهله: إِذَا أنا مت فاحرقوني، ثُمَّ اسحقوني، ثُمَّ ذروني فِي الرياح، فواللَّه لئن قدر اللَّه علي ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا، قَالَ: ففعل ذلك به، فَقَالَ اللَّه جل اسمه لكل شيء أخذ مِنْهُ شيئا: رد مَا أخذت مِنْهُ، فإذا هُوَ قائم بين يدي اللَّه تَعَالَى، فَقَالَ لَهُ: مَا حملك عَلَى مَا صنعت؟ قَالَ: خشيتك، فغفر اللَّه لَهُ ".
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " أن رجلا ممن كان قبلكم لَمْ يعمل خيرا قط إِلا التوحيد " وَذَكَرَ الخبر
стр. 359
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: قَالَ: " إِذَا أنا مت فحرقوني، ثُمَّ اطحنوني، ثُمَّ ذروني فِي البحر " وَذَكَرَ الخبر.
اعلم أن هَذَا الخبر وإن لَمْ يرجع شيء من لفظه إِلَى مَا هُوَ صفة من صفات اللَّه فإن لفظه مشكل، وكان القائل لَهُ رجلا موحدا مغفورا لَهُ، فوجب أن يوقف عَلَى معناه ليزول الإشكال.
أما قوله: " أضل اللَّه " أي أنساه، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ وقول: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ أي: تنساه، وقيل فِي بعض الوجوه فِي تأويل قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ أي ناسيا فذكرك، والعرب تقول: ضللت كذا وأضللته، أي نسيته.
وإذا كان ذلك مَعْنَى الضلال ها هنا فمراده أن اللَّه سُبْحَانَهُ يميتني وَلا يبعثني فاستريح من عذابه، والعرب تقول: ضل الماء فِي البئر، إِذَا غاب فِيهِ ولم يبن، ويكون تحقيق مَعْنَى قوله: " أضل اللَّه " أي: لعل اللَّه لا ينشرني وَلا يبعثني فاستريح من عذابه، وَهَذَا إظهار الجزع والخوف والخشية بأبلغ مَا يكون فِي بابه، لا أَنَّهُ كان يعتقد قائله أَنَّهُ يجوز أن ينسى اللَّه أحدا، أو يمكن أن يفوته شيء
٣٨٨ - ومثل ذلك مَا روي عَن عمر ﵁ أَنَّهُ كان يقول فِي دعائه: اللهم
стр. 360
وإن كنت كتبتني شقيا فامحني واكتبني سعيدا.
فذكر أهل العلم أن ذلك إظهار غاية الخوف والخشية حتى يسأل مَا لا يكون، أن لو كان مما يكون، حتى لا يفوته التضرع بكل وجه فِي طلب مَا يكون.
وأما قوله: " لئن قدر علي ربي ليعذبني " فلا يمكن حمله عَلَى مَعْنَى القدرة، لأَنَّ من توهم ذلك لَمْ يكن مؤمنا بالله وَلا عارفا به، وإنما ذلك عَلَى مَعْنَى قوله تَعَالَى فِي قصة يونس: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ وذلك يرجع إِلَى مَعْنَى التقدير لا إِلَى مَعْنَى القدرة لأَنَّهُ لا يصح أن يخفى عَلَى نبي معصوم ذلك
٣٨٩ - وَقَالَ الفراء فِي تأويل قوله: ﴿أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي أن لَنْ يقدر عَلَيْهِ مَا قدرنا.
فعلى هَذَا يحمل قوله: " لئن قدر علي ربي ليعذبني " أي إن كان قدر: أي حكم علي بالعقوبة فإنه يعاقبني دائما، وَهَذَا كلام خائف جزع، فوجب حمل كلامه عَلَى وجه صحيح لا ينافي المغفرة وَلا يؤدي إِلَى الكفر
أَقْفَالُهَا﴾
٣٩٢ - وَناهُ أَبُو الْقَاسِمِ قَالَ: نا الْقَاضِي ابن عُمَرُ بْنُ سُنْبُكٍ قَالَ: أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، نا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ، نا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زِيَادٌ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْءَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " الرَّحِمُ شُجْنَةٌ آخِذَةٌ بِحُجْزَةِ الرَّحْمَنِ ".
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع حمل هَذَا الخبر عَلَى ظاهره، وأن الحقو والحجزة صفة ذات لا عَلَى وجه الجارحة والبعض، وأن الرحم آخذة بها عَلَى وجه الاتصال
стр. 363
والمماسة بل نطلق ذلك تسمية كَمَا أطلقها الشرع.
ونظير هَذَا مَا حملناه عَلَى ظاهره فِي وضع القدم فِي النار، وَفِي أخذ داود بقدمه لا عَلَى وجه الجارحة وَلا عَلَى وجه المماسة، كَمَا أثبتنا خلق آدم بيديه، فاليدان صفة ذات، والخلق بها لا عَلَى وجه المماسة والملاقاة، كذلك ها هنا، وَكَمَا أثبتنا الاستواء لا عَلَى وجه الجهة والمماسة
٣٩٣ - وَذَكَرَ شيخنا أَبُو عبد اللَّه ﵀ فِي كتابه هَذَا الحديث وأخذ بظاهره وهو ظاهر كلام أحمد
٣٩٤ - قَالَ المروذي: جاءني كتاب من دمشق فعرضته عَلَى أَبِي عبد اللَّه فنظر فِيهِ، وكان فِيهِ: أن رجلا ذكر حديث أَبِي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " إن اللَّه خلق الخلق حتى إِذَا فرغ منها قامت الرحم فأخذت بحقو الرَّحْمَنِ " وكان الرجل تلقيه يَعْنِي حديث أَبِي هريرة فرفع المحدث رأسه وَقَالَ: أخاف أن تكون كفرت، فَقَالَ أَبُو عبد اللَّه: هَذَا جهمي
٣٩٥ - وَقَالَ أَبُو طالب: سمعت أَبَا عبد اللَّه سئل عَن حديث هشام بْن عمار أَنَّهُ قرئ عَلَيْهِ حديث: " تجئ الرحم يوم القيامة، فتتعلق بالرحمن " فَقَالَ: أخاف أن تكون قد كفرت، قَالَ: هَذَا شامي ماله ولهذا قلت مَا تقول؟ قَالَ: يمضا الحديث عَلَى مَا جاء
стр. 364
فإن قِيلَ: الرحم لا يصح عليها التعلق لأَنَّ ذلك حق القرابة من طريق النسب، فعلم أن ذلك مثل المراد به تأكيد أمر الرحم، والحث عَلَى وصله، والزجر عَن قطعه، فأخبر عَن ذلك بأبلغ مَا يكون من التأكيد، ويكون معناه: أنها مستجيرة معتصمة بالله.
قالوا: وبين هَذَا أَنَّهُ قد روي فِي حديث أَبِي هريرة: " الرحم معلقة بالعرش لَهَا لسان طلق ذلق تقول: من وصلني وصله اللَّه، ومن قطعني قطعه اللَّه "
стр. 365
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّ قوله: " إن الرحم حق القرابة " وَلا يصح التعلق عَلَيْهِ فليس كذلك، لأَنَّ معناه: ذي الرحم يأخذ بحقو الرَّحْمَنِ، فحذف المضاف وأقام المضاف إِلَيْهِ مقامه كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ ومعناه: صاحب قول الحق، وإذا ثبت أن المراد بها ذي الرحم فذلك مما يصح عَلَيْهِ التعلق، والذي يدل عَلَى أن المراد به ذي الرحم أن الوصل والقطع نفع وضر، وذلك إنما يختص بذي الرحم، فأما نفس الرحم فلا يتوجه إِلَيْهِ
٣٩٦ - ويبين ذلك قول النبي ﷺ : " شرك بالله تبرئ من نسب ".
ومعناه: تبرئ من ذي النسب
стр. 366
٣٩٧ - وقوله ﷺ : " بلوا أرحامكم ولو بالسلام " ومعناه: بلوا ذي الأرحام بالسلام
стр. 367
وقولهم: إن ذلك مثل، فلا يصح، لأَنَّهُ إِذَا أمكن حمل الكلام عَلَى مَا يفيد كان أولى من حمله عَلَى مَا لا يفيد.
وقولهم: إن معناه أنها مستجيرة معتصمة بالله، فلا يمنع من هَذَا، لكن صفة الاستجارة والاعتصام عَلَى مَا ورد به الخبر من الأخذ بحقو الرَّحْمَنِ جل اسمه.
وقولهم: إن المراد بذلك تأكيد أمر الرحم والحث عَلَى صلته، فلا يمنع من هَذَا، وليس فِي ذلك مَا ينافي الصفة المذكورة فِي الخبر، بل يجوز أَنْ يَكُونَ قصد الحث عَلَى صلته لأجل مَا يوجب منهم من الاعتصام عَلَى الصفة المذكورة.
وقولهم: إن فِي حديث أَبِي هريرة: " إن الرحم معلقة بالعرش " فلا يمنع أن تعلق
стр. 368
بالعرش فِي حال، وتعلق بحقو الرَّحْمَنِ فِي حال، فيجمع بين الخبرين جميعا
٣٩٨ - فأما مَعْنَى " الشجنة " فَقَالَ أَبُو عبيد: فِيهِ لغتان شجنة وشجنة، وإنما سمي الرجل شجنة بهذا.
وقال أَبُو عبيدة: يَعْنِي قرابة مشتبكة كاشتباك العروق.
قال أَبُو عبيد: وكأن قولهم: الحديث ذو شجون مِنْهُ إنما يمسك بعضه ببعض.
وقال غيره من أهل العلم: يقال هَذَا شجر متشجن، إِذَا التف بعضه ببعض وَهُوَ من هَذَا
٣٩٩ - قَالَ: وأخبرني يزيد بْن هارون، عَن الحجاج بْن أرطأة قَالَ: الشجنة كالغصن تكون من الشجر أو كلمه نحوها.
وأما قوله تَعَالَى: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ فحكى شيخنا أَبُو عبد اللَّه رحمه فِي كتابه عَن جماعة من أصحابنا الأخذ بظاهر الآية فِي إثبات الجنب صفة لَهُ سُبْحَانَهُ
٤٠٠ - ونقلت من خط أَبِي حفص البرمكي: قَالَ ابن بطة قوله: " بذات اللَّه " أمر اللَّه كَمَا تقول: فِي جنب اللَّه، يَعْنِي فِي أمر اللَّه.
وهذا مِنْهُ يمنع أَنْ يَكُونَ الجنب صفة ذات، وَهُوَ الصحيح عندي، وأن المراد بذلك التقصير فِي طاعة اللَّه، والتفريط فِي عبادته، لأَنَّ التفريط لا يقع فِي جنب الصفة وإنما يقع فِي الطاعة والعبادة، وَهَذَا مستعمل فِي كلامهم: فلان فِي جنب فلان، يريدون بذلك فِي طاعته وخدمته والتقرب مِنْهُ
стр. 369
ويبين صحة هَذَا التأويل مَا فِي سياق الآية من قوله: ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ وَهَذَا كله راجع إِلَى الطاعات
٤٠١ - وقد اعتبر أحمد القرائن فِي مثل هَذَا، فَقَالَ فِي قوله تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ قَالَ: المراد به علمه، لأَنَّ اللَّه افتتح الخبر بالعلم وختمه بالعلم
стр. 370
حديث آخر
٤٠٢ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن علي، أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: " من سره أن يمد اللَّه فِي عمره، ويوسع عَلَيْهِ فِي رزقه، ويدفع عَنْهُ ميتة السوء فليتق اللَّه وليصل رحمه "
стр. 371
إن سأل سائل عَن هَذَا الخبر فَقَالَ: كيف تجمع بينه وبين قوله تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وَقَالَ فِي موضع آخر: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ فأخبر أن الأجل لا يتقدم وَلا يتأخر، فكيف يجوز مع هَذَا أن يقول النبي ﷺ : " صلة الرحم تمد فِي العمر " وروي: " تزيد فِي العمر "
٤٠٣ - قالوا: ويؤيد مَا فِي الكتاب مَا رَوَى من أن أم حبيبة قالت: اللهم متعني بأبي سفيان وبأخي معوية، فَقَالَ النبي ﷺ : " لقد سألت اللَّه فِي آجال مضروبة، وأرزاق مقسومة لا يؤخر منها شيئا "
٤٠٤ - وَقَالَ ابن مسعود فِي حديثه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الصادق المصدوق: " إن اللَّه يبعث ملك الأرحام، فيكتب أجل المولود فِي بطن أمه ورزقه وشقاوته وسعادته "
стр. 372
فيقال لَهُ: قد قَالَ بعض أهل العلم: إن مَعْنَى الزيادة فِي العمر نفي الآفات عنهم، والزيادة فِي أفهامهم وعقولهم وبصائرهم، وليس ذلك فِي زيادة فِي أرزاقهم وَلا فِي آجالهم، لأَنَّهُ قد أخبر سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يزيد من يشاء من فضله، ولم يخبر أَنَّهُ يزيد من يشاء فِي رزقه وَفِي أجله، بل أخبر بضد ذلك فَقَالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وَقَالَ: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
وقال بعضهم: إن اللَّه سُبْحَانَهُ يكتب أجل عبده مائة سنة عنده، ويجعل تركيبه وهيئاته وبنيته ثمانين، فإذا وصل رحمه زاد اللَّه فِي ذلك التركيب، وَفِي تلك البنية، ووصل ذلك النقص فعاش عشرين أخرى حتى يبلغ المائة، وَهُوَ الأجل الَّذِي لا يستأخر عنده وَلا يستقدم فِيهِ.
وقال بعضهم: مَعْنَى ذلك أَنْ يَكُونَ السابق فِي المعلوم أَنَّهُ إِذَا وصل رحمه كان عمره أكثر مِنْهُ إِذَا لَمْ يصل، فيكون كله مما سبق فِي العلم، عَلَى الحد الَّذِي يحدث ويوجد فِي المستأنف
٤٠٥ - وقد رَوَى أَبُو الحفص العكبري بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي الدرداء، قَالَ: تذاكرنا
стр. 373
عند رَسُول اللَّهِ ﷺ الزيادة فِي العمر، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " إن أحد لا يزاد فِي عمره الَّذِي أجله اللَّه لَهُ، ولكن الزيادة فِي العمر: الرجل يموت ويدع ذرية صالحة فيدعون لَهُ من بعده، ويتبعونه بالعمل الصالح ".
فإن قِيلَ: فما مَعْنَى قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾.
قيل: مَعْنَى ذلك: أي من قل عمره أو كثر فهو يمضي إِلَى أجله الَّذِي كتب لَهُ، وقوله: ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ كل يوم حتى ينتهي إِلَى أجله ﴿إِلا فِي كِتَابٍ﴾، يَعْنِي فِي اللوح المحفوظ مكتوب قبل أن يخلقه، قد بين قدره، لا أَنَّهُ يكون زائدا ثُمَّ ينقص، أو ناقصا ثُمَّ يزيد، لأَنَّ ذلك يؤدي إِلَى أن لا يكون اللَّه تَعَالَى عالما بالأشياء قبل كونها عَلَى حسب مَا يكون، وَلا يجوز ذلك فِي وصفه، فعلم أن المراد به تعريفنا أن التفاوت الواقع بين الأعمال فِي اختلاف مددها فِي الطول والقصر والزيادة والنقصان، كل ذلك فِي كتاب مبين عَلَى حكم واحد، صدر عَن علم سابق محيط
стр. 374
والمخالف فِي هَذَا الأصل " القدرية " لأنهم يقولون بقطع الأجل، ومعنى ذلك أَنْ يَكُونَ اللَّه تَعَالَى قد جعل لبعض الأحياء مدة حياته خمسين سنة، ثُمَّ يقتله القاتل فيجعل ذلك سنة، ويقطع عَلَيْهِ بلوغه المدة الَّتِي قدر اللَّه لَهُ ذلك.
وهذا قول يخالف مَا تقدم من الكتاب والسنة، ويؤدي إِلَى وصف اللَّه بالقهر والغلبة، لأَنَّهُ إِذَا أراد أَنْ يَكُونَ أجل زيد خمسين سنة، وأراد غيره أَنْ يَكُونَ سنة، فلم يمكن من بلوغه الأجل الَّذِي أجله اللَّه لَهُ، وأراد أن يبلغه (١) عَلَيْهِ أجله، فقد قهره فِي مراده وغلبه فِي حكمه وذلك لا يليق بوصفه
стр. 375
ولأن من قَالَ منهم بقطع الأجل يلزمه أن يقول بزيادة الأجل إِذَا وصل رحمه وتجنب الآفات، وَهَذَا لازم لمن فرق بين الأمرين ومن جمع بين الزيادة والنقصان فقد خالف ظاهر الكتاب والسنة.
فإن قِيلَ: فما مَعْنَى قوله تَعَالَى: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [سورة الرعد آية ٣٩].
قيل: قد قِيلَ فِي وجوه: أحدهما: أن معناه أن اللَّه ينسخ من الأحكام مَا يشاء وذلك محوه، ويثبت فيها مَا يشاء وَهُوَ إثباته وتقديره، وقد يوصف تَعَالَى بالنسخ والإثبات، وَلا يدعوا ذلك إِلَى البداء وَلا إِلَى الزيادة فِي العمر.
وقيل فِيهِ: معناه يمحو مَا سبق من الذنوب بالتوبة المتعقبة لَهَا، ويثبت التوبة وحكمها.
وقيل فِيهِ: أَنَّهُ يمحو بياض النهار ويثبت سواد الليل، ويثبت بياض النهار ويمحو سواد الليل.
وقيل: معناه تعريفنا أن الإيجاد والإعدام والإثبات والنفي متعلق بمشيئته عَلَى حسب مَا سبق به علمه، وجرى به قلمه، لا يكون ذلك إِلَى غيره أو من غيره
стр. 376
فإن قِيلَ: فما مَعْنَى قوله تَعَالَى مخبرا عَن نوح ﵇ أَنَّهُ قَالَ لقومه: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [سورة نوح آية ٣ - ٤] وَقَالَ فِي آية أخرى: ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ [سورة الأنعام آية ٢].
قيل: أما قول نوح إنه يؤخرهم إِلَى أجل مسمى إن آمنوا وبلغوه يكون أجلا لهم، ولم يثبت اللَّه تَعَالَى لهم أجلا لَمْ يبلغوه، وَلا قَالَ إِلَى أجل مسمى، بل لَمْ يضف إليهم الأجل ونكره فبان أن المراد أجلا من الآجال، لو آمنوا وبلغوه كان لهم أجلا، يبين صحة هَذَا قوله فِي سياقها: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يريد بذلك مَا هُوَ لهم أجل فدل عَلَى مَا قلناه.
وأما قوله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ فهو أجل الدنيا والآخرة، ولذلك قَالَ: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ أي: تشكون فِي البعث، وَهُوَ الأجل المسمى للثواب والعقاب، وأجل الدنيا هُوَ المسمى للفناء والتكليف فِيهِ
стр. 377
٤٠٦ - ومما يجري هَذَا المجرى والسؤال عَنْهُ كالسؤال فيما ذكرنا مَا روي أَنَّهُ قَالَ ﵇: " الدعاء يرد البلاء، والصدقة تدفع البلاء "
٤٠٧ - وما رَوَى أَنَّهُ قَالَ: " إن الدعاء والقضاء يتعالجان "
стр. 378
٤٠٨ - وما روي أَنَّهُ قَالَ: " الصدقة تدفع القضاء المبرم ".
ومعنى هَذِهِ الأخبار كلها عَلَى نحو مَا ذكرنا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ السابق فِي العلم مَا يحدث فِي المستأنف أَنَّهُ إِذَا دعا صرف عَنْهُ البلاء، وكذلك إِذَا تصدق لا أَنَّهُ يكون المعلوم فِي الأزل وصول البلاء القديم إِذَا حصل الدعاء تغير المعلوم، لأَنَّ ذلك يؤدي إِلَى أن لا يكون ذلك فِي الأزل معلوما وذلك محال.
وقيل فِيهِ أَيْضًا: أن المراد به أتى بهما - أعني الدعاء والصدقة دفع بذلك عَن الفاعل لهما وزر الترك، وعقوبة العصيان فِيهِ، ويكون مَعْنَى التخصيص لذلك بالذكر التحريض عَلَى فعله والحث عَلَيْه
стр. 379
حديث آخر
٤٠٩ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة قَالَ: قَالَ
رَسُول اللَّهِ ﷺ : " كان ملك الموت ﵇ يأتي الناس عيانا، فأتى مُوسَى فلطمه فذهب بعينه، فعرج إِلَى ربه فَقَالَ: بعثتني إِلَى مُوسَى فلطمني فذهب بعيني، ولولا كرامته عليك لشققت عَلَيْهِ، قَالَ: ارجع إِلَى عبدي فقل لَهُ فليضع يده عَلَى ثور فله بكل شعرة وارت كفه سنه يعيشها، قَالَ: فأتاه فبلغ مَا أمره به، فَقَالَ: مَا بعده ذلك؟ قَالَ: الموت، قَالَ: الآن فشمة شمة قبض روحه فيها، ورد اللَّه عَلَى ملك الموت بصره، فكان بعد لا يأتي الناس إِلا خفية "
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ قَالَ: " فسأل ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر " قَالَ: فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " فلو كنت ثُمَّ لأريتكم قبره إِلَى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر "
стр. 380
اعلم أن هَذَا حديث صحيح، يحمل عَلَى ظاهره، وأن ذلك الفعل كان من مُوسَى عَلَى الحقيقة، وأنه إدخال نقص عَلَى جارحة الملك ليكون محنة للملطوم إباحة للاطم، بأَنْ يَكُونَ اللَّه أباحه ذلك، لأَنَّ اللَّه تَعَالَى أن يأمر بما يشاء من ذلك، ويأذن فيما شاء مِنْهُ
٤١٠ - وقد قَالَ أحمد فِي رواية ابن منصور ومنها: الحديث صحيح
٤١١ - وَقَالَ فِي رواية ابن القسم: نحن نقربه ونصدقه عَلَى مَا جاء فِي الأحاديث، وإنما يتكلم فِي هَذَا ويدفعه أهل الزيغ.
فقد نص أحمد عَلَى صحته والأخذ بظاهره، والوجه فِيهِ مَا ذكرناه.
وقد أنكر قوم من أهل الإلحاد هَذَا، وقالوا: إن جاز عَلَى ملك الموت العور جاز عَلَيْهِ العمى، وقالوا: لعل عِيسَى قد لطم عينه الأخرى فأعماه، لأَنَّهُ كان أشد كراهية للموت من مُوسَى، وذلك أَنَّهُ قَالَ: اللهم إن كنت صارفا هَذِهِ الكأس عَن أحد فاصرفها عني.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّهُ مَا كان يمتنع مثل ذلك فِي حق عِيسَى لو وجد وقد أثبته قوم من المسلمين وتأولوه عَلَى وجهين: أحدهما: أن اللَّه جعل للملائكة أن تتصور بما شاءت من الصور المختلفة، أَلا ترى أن جبريل ﵇ أتى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي صورة دحية الكلبي، ومرة فِي صورة أعرابي، ومرة أخرى وقد سد بجناحيه مَا بين الأفق، وَمِنْهُ قوله تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ قِيلَ: إن جبريل تصور بصورة رجل، وهذه الصورة الَّتِي يتنقل إِلَيْهَا تخيلات ليست حقيقة، فاللطمة أذهبت بالعين الَّتِي هِيَ تخيل وليست حقيقة
стр. 381
والثاني: أن مَعْنَى اللطمة: إلزام مُوسَى لملك الموت الحجة حين راده فِي قبض روحه، عَلَى حسب مَا رَوَى فِي الخبر، وَهَذَا مستعمل فِي كلام العرب
٤١٢ - وَمِنْهُ مَا يحكى عَن علي كرم اللَّه وجهه، أَنَّهُ قَالَ: أنا فقأت عين الفتنة يريد بذلك إلزام الحجة.
ومنه قولهم: عورت عين الأمر بضرب من التوسع.
قيل: هَذَا غلط، أما الأول: فلأن فِي الخبر: " أَنَّهُ عرج إِلَى ربه فرد عَلَيْهِ عينه " وَلا يكون هَذَا إِلا فِي عين هِيَ حقيقة، لأَنَّ التخيل لا يحتاج إِلَى رده.
وأما الثاني: فإن مَعْنَى اللطمة إلزام الحجة فلا يصح لوجهين: أحدهما: أَنَّهُ لو كان المراد به الحجة لَمْ يخص العين، لأَنَّ الحجة لا تختص العين وإنما تلزم الجملة.
والثاني: أَنَّهُ لو كان قد ألزمه الحجة، لَمْ يعد إِلَى قبض روحه، لأَنَّ الحجة قد لزمته فِي ترك قبض روحه، فلما عاد لقبض روحه، امتنع أن تكون اللطمة بمعنى إلزام الحجة
стр. 382
حديث آخر
٤١٣ - ناه أَبُو الْقَاسِم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة، وأبي سعيد قالا: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " يقول اللَّه : العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته فِي جهنم "
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " الكبرياء ردائي، والعزة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته فِي النار ".
اعلم أن قوله: " الكبرياء ردائي والعظمة أزاري " المراد به أن ذلك صفة من صفاتي، فأنا المختص به دون غيري، فمن نازعني فِي ذلك بأن تكبر وتعظم عَلَى الناس أدخلته النار، وَهَذَا كَمَا تقول: إن فلانا شعاره ودثاره الزهد والورع، أي صفته ونعته
стр. 383
إثبات صفة النفس لربنا جل شأنه
حديث آخر
٤١٤ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أنس بْن مالك، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " قَالَ اللَّه : يَا ابن آدم إن ذكرتني فِي نفسك ذكرتك فِي نفسي، وإن ذكرتني فِي ملإ ذكرتك فِي ملإ من الملائكة، أو قَالَ: فِي ملإهم خير منهم، وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا، وإن دنوت مني ذراعا دنوت منك باعا، وإن أتيتني تمشي أتيتك هرولة "
٤١٥ - وناه أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " يقول اللَّه : أنا عند ظن عبدي وأنا معه حيث يذكرني، فإن ذكرني فِي نفسه ذكرته فِي نفسي، وإن ذكرني فِي ملإ ذكرته فِي ملإ خير منهم، وإن اقترب إلي شبرا اقتربت إِلَيْهِ ذراعا، وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت إِلَيْهِ باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة "
اعلم أن الكلام فِي هَذَا الخبر فِي فصول:
أحدها: أن اللَّه تَعَالَى يوصف بأن لَهُ نفسا
٤١٧ - وقد أومأ إِلَيْهِ أحمد فيما خرجه فِي الرد عَلَى الجهمية، فَقَالَ: إِذَا أردت أن تعرف أن الجهمي كاذب عَلَى اللَّه حين زعم أَنَّهُ فِي كل مكان وَلا يكون فِي مكان دون مكان، فقل لَهُ: أليس كان اللَّه وَلا شيء فحين خلق الشيء خلقه فِي نفسه أو خارجا من نفسه؟ فإن قَالَ: خلقه فِي نفسه كفرا؟ وإن قَالَ: خلقه خارجا من نفسه ثُمَّ دخل فيهم كان أَيْضًا كفر، حين دخل فِي مكان وحيز بل وحش، وإن قَالَ: خلقهم خارجا من نفسه ولم يدخل فيهم رجع عَن قوله وَهُوَ قول أهل السنة.
وهذا من كلام أحمد يدل عَلَى إثبات النفس، لأَنَّهُ جعل ذلك حجة عليهم، ولو لَمْ يعتقد ذلك لَمْ يحتج به، وقد أخبر بذلك فِي آي من كتابه منها قوله تَعَالَى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وقوله تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ وقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وقوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ولأنه ليس فِي إثبات النفس مَا يحيل صفاته وَلا يخرجها عما تستحقه، لأنا لا نثبت نفسا منفوسة مجسمة مركبة ذات روح، وَلا نثبت نفسا بمعنى الدم عَلَى مَا تقوله العرب: لَهُ نفس سائلة وليست لَهُ نفس ويريدون بذلك الدم، لأَنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ يتعالى عَن ذلك، بل نثبت نفسا هِيَ صفة زائدة عَلَى الذات، كَمَا أثبت لَهُ حياة ونفسا فقلنا حي بحياة، وباقي ببقاء،
стр. 386
وإن لَمْ يكن حياته وبقاءه عرضين كحياتنا وبقائنا، كذلك فِي النفس
فإن قِيلَ: فأثبتوا لَهُ روحا لأَنَّهُ قد وصف نفسه بذلك، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾.
قيل: لا نثبت ذلك، لأَنَّ السمع لَمْ يرد بذلك عَلَى وجه الصفة للذات، وقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ المراد به أمره، لقيام الدليل عَلَى أن صفات ذاته لا تحل المحدثات، ويفارق هَذَا إثبات النفس، لأَنَّهُ ليس فِي إثباتها مَا يحيل صفاته وَلا يخرجها عما تستحقه لما ذكرنا.
فإن قِيلَ: ليس المراد بالنفس ها هنا إثبات صفة، وإنما المراد بذلك الذات، كَمَا تقول العرب: هَذَا نفس الأمر، ويريدون به إثبات الأمر لا أن لَهُ نفسا، وقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ معناه: عقوبته، وقيل: إياه، وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ أي فِي غيبي ﴿وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي غيبك، وقيل فِي قوله: ﴿وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ يرجع إِلَى نفس عِيسَى، وأضاف نفسه إِلَى اللَّه من طريق الملك والخلق، فيكون معناه: لا أعلم مَا فِي ملكك مما خلقته إِلا مَا أعلمتني، وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ﴾ معناه: كتب عَلَيْهِ، وقوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ معناه: اصطنعتك لذاتي أو لرسالتي، وقول النبي ﷺ : " ذكرته فِي نفسي " معناه: أخفيت ثوابه كَمَا أخفى ذكري فِي نفسه، وَمِنْهُ قوله تَعَالَى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وقول النبي ﷺ إخبارا عَن اللَّه : " أعددت لعبادي الصالحين مالا عين
стр. 387
رأت، وَلا أذن سمعت وَلا خطر عَلَى قلب بشر ".
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّهُ إن جاز حمل النفس عَلَى الذات جاز حمل الحياة والبقاء عَلَى الذات فيقال: ذات حية ذات باقية، وقد أجمعنا ومثبتوا الصفات عَلَى أَنَّهُ حي بحياة وباقي ببقاء، كذلك جاز أَنْ يَكُونَ ذاتا بنفس، ولأن هَذَا يؤدي إِلَى جواز القول بأن اللَّه نفس، وأنه يجوز أن يدعا فيقال: يَا نفس اغفر لنا، وقد أجمعت الأمة عَلَى منع ذلك.
وأما تأويل قوله تَعَالَى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ معناه: لذاتي ورسالتي، فلا يصح لأَنَّهُ يسقط فائدة التخصيص بموسى، لأَنَّ غيره من الأنبياء اصطنعه لذاته ورسالته، فوجب أَنْ يَكُونَ لتخصيص النفس ها هنا فائدة.
وجواب آخر: وَهُوَ أن قوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ المراد به اللَّه الَّذِي لَهُ النفس، وكذلك قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ المراد به اللَّه الَّذِي لَهُ النفس، وكذلك قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ المراد به اللَّه الَّذِي لَهُ النفس.
وجواب آخر: وَهُوَ أَنَّهُ لا يصح حمل قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ عَلَى عقوبته لأَنَّهُ قد قَالَ فِي سياقها: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ولو كان عَلَى مَا
стр. 388
قالوه لكان تقديره: وإلى عقوبة اللَّه المصير، وَلا يصح أَيْضًا حمل قوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ سورة الأنعام آية بمعنى عَلَيْهِ، لأَنَّ ذلك لا ينفي إثبات النفس صفة لَهُ، فيحصل تقديره، كتب ربكم عَلَيْهِ ذي النفس لأَنَّ النفس صفة لَهُ، ومثل هَذَا قوله تَعَالَى: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ سورة النساء آية والمراد به بعلمه وذاته، لأَنَّ علمه لا يختص بذلك، وَلا يصح أَيْضًا حمل قوله: وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ سورة المائدة آية عَلَى غيبك لأَنَّ ذلك يسقط فائدة التخصيص، لأَنَّهُ غير عالم بغيب غير اللَّه تَعَالَى، فعلم أن المراد به النفس الَّتِي هِيَ صفة، وكذلك لا يصح حمله لا أعلم مَا فِي ملكك، لأَنَّهُ غير عالم بما فِي ملك غير اللَّه من المخلوقين، فلا فائدة من تخصيصه بالله تَعَالَى، فعلم أن المراد به مَا ذكرنا.
وأما حملهم النفس عَلَى إخفاء الثواب فلا يصح، لأَنَّهُ لا فائدة فِي إخفاء الثواب، بل الفائدة فِي إظهاره لأَنَّهُ يحصل به الترغيب فِي الطاعات، والحث عليها، ولهذا عدد الجنة وأنهارها وثمارها، كل ذلك حثا عَلَى الترغيب فِي الطاعات، وقوله تَعَالَى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ سورة السجدة آية فإنه لَمْ يخف ذكر الثواب، أَلا ترى أَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ سورة السجدة آية فأثبت أن هناك مَا تقر به العين، وإنما أخفى تفصيل الثواب، وهكذا الجواب عَن قول النبي ﷺ : " مَا لا عين رأت وَلا أذن سمعت " معناه: لَمْ تر وتسمع بتفصيله، فأما جملته فقد أعلمنا به، وَلا يجوز إثبات روح
٤١٨ - وقد قَالَ أحمد فيما خرجه فِي الرد عَلَى الزنادقة فِي قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فَقَالَ: تفسير " روح اللَّه " إنما معناها أنها روح بكلمة اللَّه خلقها كَمَا يقال: عبد اللَّه،
стр. 389
وسماء اللَّه، وأرض اللَّه.
الفصل الثاني:
ذكر العبد لله تَعَالَى فِي نفسه، معناه بحيث لا يعلمه أحد غيره، وَلا يطلع عَلَيْهِ سواه، قَالَ تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي: تعلم مَا أجنه وما أسره وأضمره، وَلا أعلم لي بما فِي نفسك مما أخفيته عني.
الفصل الثالث: قوله: " وإن ذكرني فِي ملإ ذكرته فِي ملإ خير مِنْهُ " فالمراد بالملإ: الملائكة، وقد صرح بذلك فِي لفظ آخر، وأنه تَعَالَى يشهدهم عَلَى مَا يفعل بهم من الكرامات، ويمدحهم ويثني عليهم عندهم.
وقد جعل قوم هَذَا حجة فِي تفضيل الملائكة عَلَى المؤمنين من بني آدم، ومن ذهب إِلَى تفصيل الأنبياء والأولياء من الآدميين عَلَى الملائكة يجيب عَن ذلك بأن مَعْنَى قوله " خير مِنْهُ " يرجع إِلَى الذكر، أي أَنَّهُ قَالَ بذكر خير من ذكره وأطيب مِنْهُ، لأَنَّ ذكر العبد لله دعاء وتضرع، وَذَكَرَ اللَّه إظهار رحمته وكرامته، وذلك خير للعبد وأنفع
стр. 390
٤١٩ - وأخرج إلي أَبُو محمد الحسن بْن محمد الخلال، عَن أَبِي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " المؤمن أفضل من الملائكة الذين عند اللَّه ".
الفصل الرابع
قوله: " دنوت مِنْهُ ذراعا وباعا وأتيته هرولة " فليس المراد به دنو الذات وقربها فِي المسافة وإتيانها، وإنما المراد بذلك قرب المنزلة والحظ لديه، وكذلك قوله: " أتيته هرولة بالثواب " وأراد بذلك إسراع الثواب، ويحتمل أَنْ يَكُونَ المراد بالهرولة والسرعة والتضعيف فِي الثواب والزيادة فِيهِ، عَلَى مَعْنَى قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾
٤٢٠ - وقد روي هَذَا فِي حديث أَبِي ذر، قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " يقول اللَّه : من عمل حسنة فله عشر أمثالها، ومن عمل سيئة فجزاؤه مثلها، ومن اقترب إلي شبرا اقتربت إِلَيْهِ ذراعا "