Полный текст (434 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع إطلاق وصفه تَعَالَى بالملل لا عَلَى مَعْنَى السآمة والاستثقال ونفور النفس عَنْهُ، كَمَا جاز وصفه بالغضب لا عَلَى وجه النفور، وكذلك الكراهة والسخط والعداوة، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ وقال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ وَقَالَ: ﴿سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وَقَالَ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾
فإن قِيلَ: مَعْنَى الملل ها هنا الغضب، فيكون معناه لا يغضب عليهم وَلا يقطع عنهم ثوابه حتى يتركوا العمل.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّ الملل قد يحصل من العبد، فيما لا يقتضي الغضب عَلَيْهِ، وَهُوَ ترك النوافل، والخبر عَلَى هَذَا الوجه خرج، ولأنه إن جاز تأويل الملل عَلَى الغضب، جاز تأويل الغضب عَلَى الملل إذ ليس أحدهما بالتأويل أولى من الآخر، وكلاهما مما قد ورد الشرع بإطلاقه عَلَيْهِ.
стр. 317
ولأن الملل والغضب فِي اللغة عبارة عَن معنيين مختلفين، فلا يجوز حمل أحدهما عَلَى الآخر، ولأنه إن جاز امتناع إطلاق الملل لأَنَّ لَهُ حكم فِي الشاهد جاز امتناع إطلاق الغضب والرضا والإرادة لأَنَّ لَهَا حدا فِي الشاهد.
فإن قِيلَ: معناه: إن اللَّه لا يمل إِذَا مللتم، ومثل هَذَا قولهم: إن هَذَا الفرس لا يفتر حتى تفتر الخيل، وليس المراد بذلك أَنَّهُ يفتر إِذَا فترت الخيل، إذ لو كان المراد به هَذَا مَا كان لَهُ فضل عليها، لأَنَّهُ يفتر معها، وإنما المراد به لا يفتر وإن فترت الخيل، وكذلك قولهم فِي الرجل البليغ: لا ينقطع حتى ينقطع خصومه، يريد بذلك أَنَّهُ لا ينقطع إِذَا انقطعوا، إذ لو كان المراد به ينقطع إِذَا انقطعوا لَمْ يكن لَهُ فضل عليهم.
فعلى هَذَا يكون مَعْنَى الخبر أن اللَّه لا يترك الإحسان إِلَى عبيده، وإن تركوا هم طاعته.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّ الخبر قصد به بيان التحريض عَلَى العمل والحث عَلَيْهِ وإن قل، فإذا حمل الخبر عَلَى استدامة الثواب مع انقطاع العمل من العامل لَمْ يوجد المقصود بالخبر، لأَنَّهُ يعول عَلَى التفضل ويطرح العمل.
وجواب آخر: وَهُوَ أن حتى لَهَا ثلاثة أقسام: أحدها: أنها تكون غاية، وتكون بمعنى كي، وتكون بمعنى إِلا أن وليست بمعنى إِذَا
стр. 318
حديث آخر
٣٤٩ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة، عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لا تسبوا الدهر فإن اللَّه هُوَ الدهر " وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " لا يقولن أحدكم: يَا خيبة الدهر فإن اللَّه هُوَ الدهر".
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " قَالَ اللَّه : يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار "
стр. 319
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " لا تسبوا الدهر فإن اللَّه يقول: أنا الدهر، لي الليل والنهار أجدده وأبليه، وأذهب بملوك وآتي بملوك ".
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ قَالَ: " كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، هُوَ الَّذِي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فَقَالَ اللَّه فِي كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ فَقَالَ اللَّه : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ".
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " يقول اللَّه: استقرضتك عبدي فلم تقرضني، ويشتمني عبدي وَهُوَ لا يدري، يقول: وادهراه وادهراه، وأنا الدهر "
стр. 320
٣٥٠ - اعلم أن أَبَا بكر الخلال قَالَ: حَدَّثَنِي بشر بْن مُوسَى الأسدي قَالَ: سألت أَبَا عبد اللَّه أحمد بْن حنبل عَن الدهر، فلم يجبني فِيهِ بشيء.
وظاهر هَذَا أن أحمد توقف عَن الأخذ بظاهر الحديث، وامتنع من إطلاق تسمية الدهر عَلَى اللَّه سُبْحَانَهُ
٣٥١ - وَقَالَ حنبل: سمعت هارون الحمال يقول لأبي عبد اللَّه: كنا عند سفيان بْن عيينة بمكة، فحدثنا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " لا تسبوا الدهر "، فقام فتح بْن سهل فَقَالَ: يَا أَبَا محمد تقول يَا دهر ارزقنا؟ فسمعت سفيان يقول: خذوه فهو جهمي، وهرب، فَقَالَ أَبُو عبد اللَّه: القوم يردون الآثار عَن رَسُول اللَّهِ ونحن نؤمن بها، وَلا نرد عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ قوله.
وظاهر هَذَا أَنَّهُ أخذ بظاهر الحديث ويحتمل أَنْ يَكُونَ قوله: " نحن نؤمن بها " راجع إِلَى أخبار الصفات فِي الجملة، ولم يرجع إِلَى هَذَا الحديث خاصة.
стр. 321
٣٥٢ - وَقَدْ ذَكَرَ شيخنا أَبُو عبد اللَّه ﵀ هَذَا الحديث فِي كتابه وَقَالَ: لا يجوز أن يسمى اللَّه دهرا.
والأمر عَلَى مَا قاله لأَنَّهُ قد روي فِي بعض ألفاظ هَذَا الحديث مَا منع من حمله عَلَى ظاهره، ولم يرد فِي غيره من أخبار الصفات مَا دل عَلَى صرفه عَن ظاهره فلهذا وجب حملها عَلَى ظاهرها، وذلك أَنَّهُ رَوَى فِيهِ: " يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار " وَفِي لفظ آخر: " لي الليل والنهار أجدده وأبليه، وأذهب بملوك وآتي بملوك " فبين أن الدهر الَّذِي هُوَ الليل والنهار خلق لَهُ وبيده، وأنه يجدده ويبليه فامتنع أَنْ يَكُونَ اسما لَهُ.
وأصل هَذَا الخبر أَنَّهُ ورد عَلَى سبب، وَهُوَ أن الجاهلية كان تقول: أصابني الدهر فِي مالي بكذا، ونالتني قوارع الدهر ومصائبه، فيضيفون كل حادث يحدث مما هُوَ جار بقضاء اللَّه وقدره وخلقه وتقديره من مرض أو صحة أو غنى أو فقر أو حياة أو موت إِلَى الدهر، ويقولون: لعن اللَّه هَذَا الدهر والزمان، ولذلك قَالَ قائلهم:
أمن المنون وريبها يتوجع … والدهر ليس بمعتب من يجزع
وقال سُبْحَانَهُ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ أي: ريب الدهر وحوادثه وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ فأخبر عنهم بما كانوا عَلَيْهِ من نسبة أقدار اللَّه وأفعاله إِلَى الدهر فَقَالَ ﷺ : " لا تسبوا الدهر " أي: إِذَا أصابتكم المصائب لا تنسبوها إِلَيْهِ، فإن اللَّه تَعَالَى هُوَ الَّذِي أصابكم بها، لا الدهر، وإنكم إِذَا سببتم الدهر وفاعل ذلك ليس هُوَ الدهر
٣٥٣ - وَقَالَ أَبُو بكر الخلال: سألت إبراهيم الحربي عَن قول النبي ﷺ : " لا يقولن أحدكم يَا خيبة الدهر فإن اللَّه هُوَ الدهر " وقوله: " لا تسبوا الدهر، فإن اللَّه
стр. 322
هُوَ الدهر " قَالَ: كانت الجاهلية تقول: الدهر هُوَ الليل والنهار، يقولون الليل والنهار يفعل بنا كذا، فَقَالَ اللَّه : أنا أفعل ليس الدهر.
فقد بين إبراهيم الحربي أن الخبر ليس عَلَى ظاهره، وأنه ورد عَلَى سبب
٣٥٤ - وَذَكَرَ أَبُو عبيد نحو مَا ذكرنا، فَقَالَ: لا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يجهل وجهه، وذلك أن أهل التعطيل يحتجون به عَلَى المسلمين، واحتج به بعضهم فَقَالَ: أَلا تراه يقول: فإن اللَّه هُوَ الدهر " قَالَ: وتأويله أن العرب كان شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب الَّتِي تنزل بهم من موت أو هرم أو تلف، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر وأتى عليهم الدهر، فيجعلونه الَّذِي يفعل ذلك فيذمونه عَلَيْهِ، فَقَالَ النبي ﷺ : " لا تسبوا الَّذِي يفعل بكم هَذِهِ الأشياء وتصيبكم هَذِهِ المصائب، فإنكم إِذَا سببتم فاعلها فإنما يقع السب عَلَى اللَّه إذ هُوَ الفاعل لَهَا لا الدهر "
стр. 323
حديث آخر
٣٥٥ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن خولة بنت حكيم، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خرج وَهُوَ محتضن أحد ابني بنته ويقول: " إنكم لتجبنون وتبخلون وتجهلون، وإنكم لمن ريحان اللَّه، وإن آخر وطأة الرَّحْمَنِ بوج "
٣٥٦ - وناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن يعلى العامري: أَنَّهُ جاء حسن وحسين يستبقان إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فضمهما إِلَيْهِ وَقَالَ: " إن الولد مجبنة مبخلة، وإن آخر وطئة وطئها رب العالمين بوج " وَفِي رواية أَبِي الحسن، وأبي الْقَاسِم ابني بشران بِإِسْنَادِهِ، عَن يعلى بْن مرة: " وإن آخر وطئة وطئها رب العالمين بوج "
стр. 324
٣٥٧ - وَذَكَرَ الحميدي فِي مسنده بِإِسْنَادِهِ، عَن كعب أَنَّهُ قَالَ: وج مقدس، مِنْهُ عرج الرب إِلَى السماء يوم قضى خلق الأرض.
قال الحميدي: موضع بالطائف يقال لَهُ وج.
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع عَلَى أصولنا حمل هَذَا الخبر عَلَى ظاهره، وأن ذلك معى يتعلق بالذات دون الفعل، لأنا حملنا الخبر عَلَى ظاهره فِي قوله: " ينزل اللَّه إِلَى سماء الدنيا "
стр. 325
وقوله: " يضع قدمه فِي النار " وقوله: " يتجلى لهم فِي رمال الكافور " وقوله تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ كذلك ها هنا، إذ لسنا نحمل الوطئة عَلَى مماسته جارحة لبعض الأجسام، بل نطلق هَذِهِ الصفة كَمَا أطلقنا استواءه عَلَى العرش لا عَلَى وجه المماسة والانتقال من حال إِلَى حال، وَكَمَا أطلقنا قوله تَعَالَى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ لا عَلَى وجه المماسة، كذلك ها هنا.
فإن قِيلَ: مَعْنَى ذلك يرجع إِلَى الفعل، وَهُوَ أن آخر مَا أوقع اللَّه سُبْحَانَهُ بالمشركين من الشدة بوج وَهُوَ اسم موضع بالطائف، لأَنَّهُ كان آخر غزوة غزاها رَسُول اللَّهِ ﷺ وحنين أدنى الطائف، وَهَذَا مثل قوله ﷺ : " اللهم اشدد وطأتك عَلَى مضر، وابعث عليهم سنين كسني يوسف " فتتابع القحط عليهم سبع سنين حتى أكلوا القد والعظام، والعرب تقول فِي كلامها: اشتدت وطأة السلطان عَلَى رعيته، وليس يريدون بذلك وطء القدم، كذلك ها هنا
стр. 326
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّهُ لَمْ يكن ذلك آخر مَا أوقع اللَّه بالمشركين، لأَنَّ الفتوح حصلت بعد النبي ﷺ والنكاية فِي المشركين ظاهر عَلَى يدي خليفة بعد خليفة، ثُمَّ النكاية فِي الفرس والروم، وغير ذلك من أهل الكفر.
وجواب آخر: وَهُوَ أن فِي الخبر مَا يسقط هَذَا، وَهُوَ قوله: آخر وطئة " وذلك لا يستعمل فِي الشدة، وإنما يستعمل فِي الشدة مَا كان بالهمزة والألف، نحو قوله: " اشدد وطأتك عَلَى مضر " فإن هناك قرينة دلت عَلَى أن المراد به العذاب، وَهُوَ أَنَّهُ دعا عَلَى الكفار، ولأنه ذكر الوطأة هناك بالهمزة والألف.
٣٥٨ - وقد حكى ابن قتيبة هَذَا التأويل فِي مختلف الحديث، وَقَالَ فِي جوابه: لا أقضي به عَلَى مراد رَسُول اللَّهِ ﷺ لأنني قرأت فِي الإنجيل: أن المسيح صلوات اللَّه عَلَيْهِ قَالَ للحواريين: ألم تسمعوا أَنَّهُ قِيلَ للأولين: لا تكذبوا إِذَا حلفتم بالله، ولكن أصدقوا، وأنا أقول لكم لا تحلفوا بالسماء فإنها كرسي اللَّه، وَلا بالأرض فإنها موطئ قدميه، وَلا بأورشليم فإنها مدينة الملك الأكبر، وَلا تحلف برأسك فإنك لا تستطيع أن تزيد فِي شعرة سوداء وَلا بيضاء، ولكن ليكن قولكم: نعم نعم، وَلا لا، وما كان سوى ذلك فإنه من الشيطان.
هذا مع حديث حدثنيه يزيد بْن عمرو قَالَ: نا عبد اللَّه بْن الزبير، قَالَ: نا عبد اللَّه بْن الحرث، عَن أَبِي بكر بْن عبد الرَّحْمَنِ، عَن كعب قَالَ: " إن وج مقدس، مِنْهُ عرج الرب إِلَى السماء يوم قضى خلق الأرض ".
وهذا الكلام من ابن قتيبة إقرار مِنْهُ بفساد هَذَا التأويل، وحمل الخبر عَلَى ظاهره كَمَا ذهبنا إِلَيْهِ
стр. 327
حديث آخر
٣٥٩ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن جابر، وابن عمر، وأنس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " اهتز عرش الرَّحْمَنِ جل اسمه لموت سعد بْن معاذ "
٣٦٠ - وَفِي حديث آخر: رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَن أَبِي سلمة بْن عبد الرَّحْمَنِ، عَن معيقيب قَالَ: نظر رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى سعد بْن معاذ عَلَى السرير فَقَالَ: " لقد اهتز العرش
стр. 328
لموته، عرش الرَّحْمَنِ "
٣٦١ - وَفِي حديث آخر: رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَن ابن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " لهذا العبد الصالح الَّذِي تحرك لَهُ العرش، وفتحت لَهُ أبواب السموات، وشهده سبعون ألف من الملائكة لَمْ يهبطوا إِلَى الأرض قبل ذلك، ولقد ضم فِي قبره ثُمَّ أفرج لَهُ " يَعْنِي سعدا ﵀.
اعلم أن هَذَا الخبر ليس مما يرجع إِلَى شيء من الصفات لأَنَّ العرش محدث مخلوق، وغير ممتنع أن يهتز العرش عَلَى الحقيقة، ويتحرك لموت سعد، لأَنَّ العرش تجوز عَلَيْهِ الحركة، ويكون لذكره فائدة وَهُوَ: فضيلة سعد، أن العرش مع عظم قدره اهتز لَهُ
стр. 329
وقد تأول قوم عَلَى أن العرش ها هنا السرير الَّذِي كان عَلَيْهِ سعد وَهَذَا غلط لوجهين أحدهما: أن فِي الخبر " اهتز عرش الرَّحْمَنِ جل اسمه " وإضافة العرش إِلَى اللَّه سُبْحَانَهُ إنما ينصرف إِلَى العرش الَّذِي هُوَ فِي السماء.
والثاني: أَنَّهُ قصد بهذا الخبر فضيلة سعد، وَلا فضيلة فِي تحرك سريره واهتزازه، لأَنَّ سرير غيره قد يتحرك ويهتز من تحته.
وتأوله آخرون: عَلَى أن الاهتزاز ها هنا راجع إِلَى حملة العرش، الذين يحملونه ويطوفون حوله، وأقام العرش مقام من يحمله ويطوف به من الملائكة، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ وإنما يريد أهل السماء وأهل الأرض، وَكَمَا قَالَ النبي ﷺ فِي أحد: " هَذَا جبل يحبنا ونحبه " يريد: يحبنا أهله يَعْنِي الأنصار
стр. 330
ويكون مَعْنَى اهتزاز حملته الاستبشار والسرور به، يقال: فلان يستبشر للمعروف ويهتز لَهُ، وَمِنْهُ قِيلَ فِي المثل: إن فلانا إِذَا دعي اهتز، وإذا سئل ارتز، والكلام لأبي الأسود الدئلي، والمعنى فِيهِ: إِذَا دعي إِلَى طعام يأكله ارتاح لَهُ واستبشر، وإذا دعي لحاجة ارتز، أي تقبض ولم ينطلق، قَالَ الشاعر:
وتأخذه عند المكارم هزة … كَمَا اهتز عند البارح الغصن الرطب
وهذا غلط لما بينا أَنَّهُ غير ممتنع من إضافة الاهتزاز إِلَى العرش لكونه محدثا، وقد قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ وهذه إضافة صحيحة إِلَى السماء والأرض، وكذلك إضافة ذلك إِلَى العرش، وحمل ذلك عَلَى حملة العرش عدول عَن الحقيقة إِلَى المجاز من غير حاجة إِلَى ذلك، ولئن جاز هَذَا، جاز العدول فِي قوله: ﴿تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ معناه أهل السماء وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا معناه أهل الجبال، ولأن مَا يمنع من حمل الخبر عَلَى العرش يمنع من حمله عَلَى حملته، وما يجوز فِي أحدهما نجوزه فِي الآخر، ولأنه لا يجب أن يمتنع المخالف من هَذَا، لأَنَّهُ لا يثبت كونه عَلَى العرش، وإذا لَمْ يثبت ذلك لَمْ يمتنع إضافة ذلك إِلَى العرش.
وأما قوله: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ سورة الدخان آية فمعناه: فما
стр. 331
بكت عليهم السماء بأهلها، وكذلك قوله: " هَذَا جبل يحبنا " معناه يحبنا بأهله
стр. 332
حديث أخر
٣٦٢ - رَوَاهُ أَبُو بكر أحمد بْن سلمان النجاد فِي السنة، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْن أحمد قَالَ: نا معمر، قَالَ: نا وكيع، عَن
مُوسَى بْن عبيد، عَن محمد بْن كعب، قَالَ: كأن الناس إِذَا سمعوا القرآن من فِي الرَّحْمَنِ يوم القيامة، فكأنهم لَمْ يسمعوه قبل ذلك
٣٦٣ - وناه أَبُو محمد الحسن بْن محمد، قَالَ: نا عمر بْن أحمد بْن عثمان، قَالَ: نا محمد بْن هارون بْن حميد، قَالَ: نا عثمان بْن أَبِي شيبة، قَالَ: نا وكيع، قَالَ: نا مُوسَى بْن عبيدة، قَالَ: سمعت محمد بْن كعب القرظي يقول: إِذَا سمع القرآن من فِي الرَّحْمَنِ فِي القيامة فكأنهم لَمْ يسمعوه قبل ذلك
٣٦٤ - ونا أَبُو القسم عبد العزيز بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة، قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " كأن الخلق لَمْ يسمعوا القرآن حين سمعوه من فِيهِ يوم القيامة ".
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع إطلاق الفي عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ، كَمَا لَمْ يمتنع إطلاق اليد والوجه والعين
٣٦٥ - وقد نص أحمد عَلَى ذلك فِي رسالة أَبِي العباس أحمد بْن جعفر الفارسي
стр. 333
فَقَالَ: كلم اللَّه مُوسَى تكليما من فِيهِ
فإن قِيلَ: هَذَا الحديث ضعيف يرويه مُوسَى بْن عبيدة، وَقَالَ يَحْيَى بْن سعيد القطان: مُوسَى بْن عبيدة ضعيف.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّ مُوسَى بْن عبيدة رجل من أهل الربذة لا بأس به، وقد روي عَنْهُ وكيع وَهُوَ من أئمة أصحاب الحديث.
وأما محمد بْن كعب: فهو من علماء التابعين بالتفسير والفتيا، وأبوه كعب بْن
стр. 334
سليمان من الصحابة
فإن قِيلَ: فنتأول قوله: " من فِي الرَّحْمَنِ " معناه من الرَّحْمَنِ.
قيل: هَذَا غلط، لأَنَّهُ يتضمن حذف صفة قد ورد الخبر بها، وعلى أَنَّهُ إن جاز هَذَا التأويل وجب مثله فِي قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ معناه بذاتي ويكون ذكر اليد زائد، وكذلك قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ المراد به: ذاته، وليس المراد به الوجه الَّذِي هُوَ صفة، ولما لَمْ يجز هَذَا هناك كذلك ها هنا، ولأن هَذَا يؤدي إِلَى جواز القول بأن لله فِي، وأنه يجوز أن يدعى فيقال: يَا فِي اغفر لنا، وَهَذَا لا يجوز، فامتنع أَنْ يَكُونَ المراد بالفي الذات، لأَنَّهُ لا يجوز وصفه ودعاءه بذلك
стр. 335
حديث آخر
٣٦٦ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن عقبة بْن عامر الجهني، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " لو كان القرآن فِي إهاب مَا مسته النار "
٣٦٧ - وَفِي حديث آخر عَن عبيد اللَّه بْن موهب، عَن عصمة بْن مالك الخطمي، قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " لو جمع القرآن فِي إهاب مَا أحرقته النار "
стр. 336
اعلم أَنَّهُ قد قِيلَ فِي ذلك وجوه: أحدها:
أن من حفظ القرآن وقاه اللَّه عذاب النار، واحتج فِي ذلك بحديث أَبِي أمامة: " إن اللَّه سُبْحَانَهُ لا يعذب قلبا وعى للقرآن".
وإلى هَذَا أومئ أحمد فِي رواية إسحاق بْن إبراهيم، وقد سأله مَا مَعْنَى: " لو كان القرآن فِي إهاب مَا مسته النار " قَالَ أَبُو عبد اللَّه: هَذَا يرجى لمن القرآن فِي قلبه أن لا تمسه النار فِي إهاب، يَعْنِي فِي قلب رجل.
وفي هَذَا ضعف، لأَنَّهُ قد روي فِي الخبر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " يكون فيكم قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية "
٣٦٨ - وروي " النار إِلَى فسقة القرآن أقرب منها إِلَى عبدة الأوثان " وعلم أن مَعْنَى قول النبي ﷺ : " إن اللَّه لا يعذب قلبا وعى القرآن " إِذَا حفظ حدوده وعمل بموجبه وقال قوم: معناه أَنَّهُ لو كتب القرآن فِي جلد ثُمَّ طرح فِي النار مَا أحرقته النار،
стр. 337
وذلك فِي عهد رَسُول اللَّهِ ﷺ علامة لنبوته.
وقال قوم: تأويله أن القرآن لو كتب فِي جلد ثُمَّ طرح الجلد فِي النار مَا احترق، أي: مَا احترق القرآن، وما بطل وَلا اندرس، وإنما يندرس ويبطل المداد والحبر والجلد
٣٦٩ - وَهَذَا مثل قوله حاكيا عَن اللَّه سُبْحَانَهُ: " إني منزل عليك كتابا لا يغسله الماء " ومعناه لا يبطله وَلا يفنيه الماء، كذلك قوله: " مَا احترق " وَهَذَا وجه صحيح، لأنا وإن قلنا إن القرآن مكتوب فِي الحقيقة، وأن الكتابة هِيَ المكتوب، فلسنا نقول إنه حال فِي الجلد، وَلا فِي الورق وَلا فِي اللوح، فاحتراق المحل لا يوجب احتراقه، لأَنَّهُ ليس بحال فِي محل كتابته
стр. 338
حديث آخر
٣٧٠ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي أمامة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَا أذن اللَّه لعبد فِي شيء أفضل من ركعتين يصليهما، وإن اللَّه ليذر البر فوق رأس العبد مَا دام فِي صلاته، وما تقرب العبد إِلَى اللَّه بمثل مَا خرج مِنْهُ " يَعْنِي القرآن
стр. 339
٣٧١ - ورواه أَبُو عبد اللَّه بْن بطة فِي كتاب الإبانة بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي أمامة قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " مَا تقرب العباد إِلَى اللَّه بشيء أفضل من شيء خرج مِنْهُ " وَهُوَ
стр. 340
القرآن.
اعلم أن المراد بالخروج ها هنا ظهور المنافع، كَمَا يقال: خرج لنا من كلامك خير كثير، وأتنا مِنْهُ نفع بين، وليس المراد به الخروج الَّذِي هُوَ بمعنى الانتقال والمفارقة، لأَنَّهُ ليس بجسم وَلا جوهر، وإنما يجوز الانتقال عَلَى الجواهر والأجسام
стр. 341
٣٧٢ - وقد قَالَ أحمد فِي رواية عبدوس بْن مالك العطار: كلام اللَّه ليس ببائن مِنْهُ
٣٧٣ - وَقَالَ فيما خرجه فِي الرد عَلَى الجهمية فِي الأحاديث الَّتِي رويت: " يجيء القرآن فِي صورة الشاب " فَقَالَ: كلام اللَّه لا يجيء وَلا يتغير من حال إِلَى حال
٣٧٤ - وَقَالَ فِي رواية حنبل: احتجوا علي يومئذ " تجئ البقرة يوم القيامة "، "
стр. 342
وتجيء تبارك "
стр. 343
فقلت لهم: هَذَا الثواب.
فقد نص أحمد عَلَى المعنى الَّذِي ذكرنا.
وقد قَالَ قوم: إن الهاء فِي قوله: " خرج مِنْهُ " يعود عَلَى العبد، وخروجه مِنْهُ وجودة متلوا عَلَى لسانه، محفوظا فِي صدره، مكتوبا بيده.
وهذا غلط لوجهين:
أحدهما: أَنَّهُ وصف الخارج بأنه كلام اللَّه، وهذه الصفة لا يصح خروجها من غير اللَّه تَعَالَى، والذي يظهر من التالي هُوَ التلاوات، والتلاوات عَلَى قولهم ليست بقرآن، وإنما هِيَ تلاوة للقرآن، والتلاوة عندهم غير القرآن، فلا يصح هَذَا التأويل.
والثاني: أن قائلا لو قَالَ: مَا تقرب إلي زيد بشيء أفضل من شيء خرج مِنْهُ، وَهُوَ عمله، فإن ذلك يرجع إِلَى أَنْ يَكُونَ العلم الخارج من زيد، كذلك ها هنا
стр. 344
حديث آخر
٣٧٥ - رَوَاهُ أَبُو عبد اللَّه بْن بطة بِإِسْنَادِهِ، عَن عثمان بْن عفان، قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " إن فضل القرآن عَلَى سائر الكلام، كفضل اللَّه عَلَى خلقه، وذلك أن القرآن مِنْهُ خرج وإليه يعود "
стр. 345
وأما قوله: " مِنْهُ خرج " فمعناه مِنْهُ خرج تنزيله وظهوره والابتداء، وإليه يعود حكمه لأَنَّ مَا تضمنه القرآن من الأحكام الَّتِي هِيَ العبادات واجتناب المحرمات إنما يفعل لله فيكون الحكم عائد إِلَيْهِ بمعنى مفعول لَهُ ولأجله
٣٧٦ - وقد قَالَ أَبُو بكر الخلال: سمعت عبد اللَّه بْن أحمد قَالَ: ذكر أَبُو بكر الأعين قَالَ: سئل أَبُو عبد اللَّه أحمد بْن حنبل عَن تفسير قوله: " القرآن كلام اللَّه مِنْهُ خرج وإليه يعود "، فَقَالَ أحمد: مِنْهُ خرج هُوَ المتكلم به، وإليه يعود.
فقد فسر قوله: " مِنْهُ خرج " عَلَى أَنَّهُ صفة من صفات ذاته، مبتدي به، ولم يفسر قوله: " وإليه يعود " وتفسيره مَا ذكرنا من أن أحكامه عائدة إِلَيْهِ
стр. 346
٣٧٧ - وهكذا فسره أَبُو بكر بْن إبرة من أصحابنا فيما وجدته معلقا بخطه فِي حاشية كتاب السنة لأبي بكر الخلال.
وقد قِيلَ: مَعْنَى قوله: " مِنْهُ خرج " أي مِنْهُ يسمع وبتعليمه يعلم وبتفهيمه يفهم.
وهذا لا يخرج عَلَى أصولنا، لأَنَّ عَلَى قولنا يسمع مِنْهُ فِي حق من تولى خطابه، ويسمع من غيره فِي حق من لَمْ يتول خطابه.
وقيل: مَعْنَى قوله: " مِنْهُ خرج " أَنَّهُ لَهُ، والعرب تقول: إن هَذَا منك، تعني أَنَّهُ لك كَمَا قَالَ القائل:
ومنك العطاء ومنك الثناء.
أي لك العطاء ولي الثناء عليك.
ولا يجوز أن يحمل قوله " مِنْهُ " عَلَى مَعْنَى الجزء مِنْهُ، لأَنَّهُ سُبْحَانَهُ ليس بذي أبعاض وأجزاء.
ولا يجوز أَيْضًا حمله عَلَى أن مِنْهُ بمعنى فعله كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ يَعْنِي: خلقا وملكا، لأَنَّهُ قد ثبت بالدليل أن كلامه صفة قديمة لذاته غير محدثة وَلا مخلوقة
стр. 347
حديث آخر
٣٧٨ - ناه أَبُو القسم بِإِسْنَادِهِ، عَن أَبِي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إن اللَّه ﵎ قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألف عام، فلما سمعت الملائكة القرآن، طوبى لأمة ينزل هَذَا عليها، وطوبى لأجواف تحمل هَذَا، وطوبى لألسن تكلم بهذا ".
وقد ذكر أَبُو عبد اللَّه بْن بطة فِي كتابة بِإِسْنَادِهِ.
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع إطلاق صفة القراءة عَلَى اللَّه سُبْحَانَهُ، كَمَا أَنَّهُ غير ممتنع إطلاق صفة الكلام عَلَيْهِ، فنقول: قرأ ويقرأ، كَمَا نقول: تكلم ويتكلم، وقد قَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ﴾ فوصف نفسه بذلك،
стр. 348
ولأنه ليس فِي ذلك مَا يوجب خلق القرآن وَلا حدوثه، كَمَا لَمْ يكن فِي قولنا تكلم مَا يوجب حدوثه
فإن قِيلَ: بل فِيهِ مَا يوجب حدوثه وخلقه، وذلك أن القراءة عبارة عَن جمع الشيء، وَمِنْهُ قولهم: مَا قرأت هَذِهِ الناقة سلا قط، أي: مَا جمعت فِي رحمها ولدا، وكذلك قولهم: قرأت الماء فِي الحوض وقرأت اللقمة فِي في، ومتى وصفنا القرآن بالجمع، وصفناه بصفة توجب حدوثه.
قيل: يحتمل أَنْ يَكُونَ الجمع راجعا إِلَى أحد وجهين:
أحدهما: إِلَى أحكامه وشرائعه، لا إِلَى نفس الكلام الَّذِي هُوَ الصفة لقيام الدليل عَلَى قدمه والقديم لا يصح جمعه، وأحكامه مجموعة فِي الجملة ومفصلة فِي الآيات والسور، ويكون ذكر السور والآيات علامات لتفصيل الأحكام
стр. 349
الوجه الثاني: أَنْ يَكُونَ الجمع راجعا إِلَى جمع فهمه وعلمه ومعرفته، وذلك لا يفضي إِلَى الحدث فِي القرآن، لأَنَّ الجمع يحصل فِي صفات القارئ لا فِي القرآن، ولأن المقرؤ عبارة عَن المجموع، ثُمَّ لَمْ يوجب ذلك منع وصفه بذلك، كذلك فِي القراءة
٣٧٩ - وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بكر بْن الأنباري فِي كتاب الزاهر فَقَالَ: إنما سمي القرآن قرآنا فِيهِ قولان:
أحدهما: قاله أَبُو عبيدة: لأَنَّهُ يجمع السور ويضمها.
وقال قطرب: إنما سمي القرآن قرآنا لأَنَّ القارئ يظهره ويلقيه من فِيهِ، أخذ من قول العرب: مَا قرأت الناقة سلا قط، أي: مَا رمت بولد
стр. 350
إثبات صفة الحياء لربنا جل شأنه
حديث آخر
٣٨٠ - ناه أَبُو الْقَاسِم بِإِسْنَادِهِ، عَن سلمان الفارسي قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " إن ربكم كريم يستحي من عبده إِذَا رفع إِلَيْهِ يده يدعوه أن يردهما إِلَيْهِ صفرا " يَعْنِي ليس فيها شيء
стр. 351
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " إن اللَّه حيي كريم، يستحي إِذَا رفع العبد يديه يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا "
٣٨١ - وَفِي حديث آخر: رَوَاهُ أنس بْن مالك قَالَ: سمعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يقول: " إن اللَّه ليستحي إِذَا رفع العبد إِلَيْهِ يديه أن يردهما صفرا، ليس فيهما شيء "
стр. 352
٣٨٢ - وَفِي حديث آخر: رَوَاهُ علي بْن أَبِي طالب قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " إن ربكم كريم يستحي إِذَا رفع العبد يديه أن يردهما صفرا لا خير فيهما، فلعيط اللَّه العبد من نفسه الجهد، وإذا حزبه أمر فليقل: حسبي اللَّه ونعم الوكيل "
٣٨٣ - وفي حديث آخر: رَوَاهُ أنس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يأثره عَن ربه : " إني لأستحي من عبدي أن يشيب فِي الإسلام أن أعذبه "
стр. 353
٣٨٤ - وَفِي حديث آخر: رَوَاهُ عطاء، عَن يعلى، أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللَّه رأى رجلا يغتسل بالبراز فصعد المنبر فحمد اللَّه وأثنى عَلَيْهِ، فَقَالَ: "إن اللَّه حيي حليم ستير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر "
٣٨٥ - وَرَوَى أَبُو بكر أحمد بْن إسحاق الصبغي، عَن أَبِي واقد الليثي، أن رَسُول اللَّهِ ﷺ بينما هُوَ جالس فِي المسجد والناس معه أقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وذهب واحد، قَالَ: فوقفا عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فأما أحدهما فرأى فرجة فِي الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا، فلما فرغ
стр. 354
رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَلا أخبرك عَن ثلاثة نفر، أما أحدهم فأوى إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فآواه اللَّه، وأما الآخر فاستحيا اللَّه فاستحيا اللَّه مِنْهُ، وأما الآخر فأعرض فأعرض اللَّه عَنْهُ".
اعلم أَنَّهُ غير ممتنع وصف اللَّه تَعَالَى بالحياء، لا عَلَى مَعْنَى مَا يوصف به المخلوقين من الحياء الَّذِي هُوَ انقباض وتغير وتجمع وخجل، لاستحالة كونه جسما متغيرا تحله الحوادث لكن نطلق هَذِهِ الصفة كَمَا أطلقنا وصفه سُبْحَانَهُ بالإرادة وإن خالفت إرادة المخلوقين لأَنَّ إرادته تقتضي وجوب المراد، وإرادتنا لا تقتضي وجوبه، وكذلك علمه يقتضي العلم بالمعدوم والموجود خلاف علمنا، وكذلك رؤيته لا تقتضي وجوده فِي جهة، خلاف رؤية بعضنا، لأَنَّهُ لو لَمْ يوصف بالحياء جاز أن يوصف بضده وَهُوَ القحة، ولما
لَمْ يوصف بضده جاز أن يوصف به، أَلا ترى أنا وصفناه بالعلم والقدرة والكلام، لأَنَّ فِي نفيها إثبات أضدادها، وذلك مستحيل عَلَيْهِ
стр. 355
فإن قِيلَ: يحمل قوله: " يستحي " عَلَى الترك فيكون قوله: " يستحي " بمعنى لا يترك يدي العبد خالية من خير إِذَا رفعها إِلَيْهِ فِي الدعاء، قالوا: وعلى هَذَا يتأول قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا﴾ أي لا يترك، لأَنَّ المستحي يترك للحياء أشياء، كَمَا يترك للإيمان وينقطع بالحياء عَن المعاصي، كَمَا ينقطع بالإيمان عنها، ولهذا قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " الحياء شعبة من الإيمان " وكذلك قوله: " وأما الآخر فاستحيا فاستحيا اللَّه مِنْهُ " فيحتمل أَنْ يَكُونَ معناه: أَنَّهُ يترك أذى القوم بمزاحمتهم فِي مجلسه، فترك اللَّه عقوبته وعفا عَنْهُ، وكذلك قوله: " إن ربكم حيي كريم " أَنَّهُ يترك عقوبة العبد عَلَى خطيئته ".
قيل: هَذَا غلط لأَنَّهُ يسقط فائدة التخصيص بهذه الصفة، لأَنَّهُ قد يعطى مع وجود هَذِهِ الصفة الَّتِي هِيَ رفع اليدين ومع عدمهما، فوجب حمله عَلَى فائدة، وَلا فائدة إِلا إثبات هَذِهِ الصفة.
وجواب آخر: وَهُوَ أَنَّهُ لو كان الحياء عبارة عَن الترك لحصل تقدير الخبر: إن اللَّه يترك يده صفرا، وقد قالوا إن معناه أَنَّهُ لا يترك يده صفرا من العطاء، فعلى هَذَا تحصيل عبارة عَن ضد الترك، فلا تستقيم العبارة والتأويل
следующие страницы →