ـ[مختصر معارج القبول]ـ
المؤلف: أبو عاصم هشام بن عبد القادر بن محمد آل عقدة
الناشر: مكتبة الكوثر - الرياض
الطبعة: الخامسة، ١٤١٨ هـ
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]
стр. 2
مقدمة مختصر معارج القبول
إن الْحَمْدُ للَّه نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّه فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هادي لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَحْدَهُ لا شريك له وأشهد أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ .
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الفَه حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (١)
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرا ونساء واتقوا اللَّه الذي تساءلون به والأرحام إن اللَّه كان عليكم رقيبًا) (٢) .
(يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (٣) .
أما بعد:
فإن كتاب مَعَارِجَ الْقَبُولِ بِشَرْحِ سُلَّمِ الْوُصُولِ إِلَى عِلْمِ الأصول في التوحيد من الكتب العظيمة النافعة في أمر العقيدة الصحيحة، عقيدة السلف الصالح رضوان اللَّه عليهم، وهو من الكتب المحببة إلى نفسي، وكذا مؤلفه الشيخ الفاضل حافظ بن أحمد حكمي ﵀ رحمة واسعة، فقد كنت أشعر أثناء قراءتي لهذا الكتاب القيم أنني أقرأ لعالم من علماء السلف الأولين، وطريقة
التصنيف وما فيها من الحشد الهائل للنصوص والآثار توحيِ بذلك، فجزى اللَّه الشيخ خير الجزاء وجعل عمله ذلك في ميزان حسناته.
стр. 3
وقد كنت أثناء دراستي لهذا الكتاب أقوم بتلخيصه، حتى اكتمل عندي ملخص له، ثم قدر اللَّه أن اطَّلع عليه بعض إخواني في اللَّه فأعجبهم وحثوني على طبعه ونشره ليكون فيه تقريب للأصل (معارج القبول) لعدد أكبر من المسلمين في هذا العصر، فعزمت على ذلك متوكلًا على اللَّه ، وقمت بإعادة كتابة ذلك التلخيص بصورة أفضل وراعيت فيه الأمور التالية
إتمامًا للفائدة:
- حرصت على أن يكون ما في هذا المختصر من أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّه ﷺ
من الأحاديث المقبولة، فما عزاه المؤلف للصحيحين- صحيحي البخاري ومسلم- أو أحدهما اكتفيت فيه بمراجعة مكتب التحقيق العلمي بدار الصفوة بالقاهرة للحديث فيهما فما كان من استدراك أُشِير إليه في الهامشة، وما عزاه لغيرهما أو لم يذكر تخريجه اكتفيت ببيان العلماء لدرجته من الصحة، وإن وجدته في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بنسبته إليهما مع بيان موضعه، وفي أغلب التحقيقات كنت أنقل كلام المحدث الفاضل الشيخ الألباني حفظه اللَّه لسهولة الأخذ من كتبه ولتوفر كثير منها بين يدي.
وكان هدفي في هذا المحتصر بالنسبة للأحاديث بيان درجتها من الصحة، ولم أقم بتخريجها خشية الإطالة التي قد لا تتناسب مع هذا المختصر.
- أضفت قليلاً من التعليقات لبعض العلماء في بعض المواضع لما فيها من الفائدة التي يحتاج إليها، وبينت معاني بعض الكلمات حيث دعت الحاجة إلى ذلك، وضبطت بعضها بالشكل.
- حرصت على الإبقاء على أسلوب المؤلف وعباراته- في الغالب- ليكون أبعد لي عن الخطأ والافتئات عليه ﵀، ولما كنت غير ملتزم بشرح أبيات المتن جعلت الأبيات في آخر كل موضوع أو عدد من الموضوعات كشواهد لما سبق. ولم أكن ملتزمًا في تقسيم الموضوعات بنفس طريقة الكتاب.
стр. 4
- ذيلت كل موضوع أو عدد من الموضوعات ببعض الأسئلة لإعانة القارئ أو الدارس على مراجعة استيعابه وتحصيله وتركيز معلوماته (١) .
هذا وأوصي من يقرأ هذا المختصر أن لا يهمل الأصل أعني كتاب معارج القبول فهو أشمل وأغزر في مادته العلمية ولتكن فائدة المختصر التمهيد لقراءة الأصل واستيعاب ما فيه، وإني لأعلم أنه ما من كتاب إلا وفيه نقص أو عليه استدراك ولذا فأنتظر من أساتذتنا وعلمائنا المحبين لعقيدة السلف أي تنبيه أو نصيحة أو تصحيح لخطأ، كما أنتظر ذلك أيضًا من إخواني طلبة العلم، ويرسل ذلك على عنوان الناشر ليمكن تداركه فيما يجدّ من طبعات إن شاء اللَّه .
وختامًا أسأل اللَّه أن يكون هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به كاتبه وقارئه يوم يقوم الناس لرب العالمين، وأن يُجري علي ثوابه بعد موتي، وأن يجزي كل من ساعدني من الإخوة الأحباب على إتمامه خير الجزاء، وأن يجزل الثواب لوالديّ اللذين حببا إليّ الدين في طفولتي، وللدعاة الذين حببوا إليّ العلم وعقيدة السلف الصالح وربّوني على منهج أهل السنة
والجماعة منذ الصبا.
(ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) (٢) .
وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أبو عاصم
دمنهور/ في:
مساء الجمعة ٢١ رجب ١٤١٠ هـ
١٦ فبراير ١٩٩٠ م
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(مقدمة)
مقدمة كتاب معارج القبول
هذه المقدمة تضمنت عدة مسائل وهي:
أ-أن الله تعالى خلق الخلق لعبادته: والأدلة على ذلك كثيرة، منها:
١-قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) .
٢-أن ذلك مقتضى حكمته ، فمحال أن يخلق هذا الخلق ويزوده بالروح والعقل عبثاً دون عمل ودون بعث وحساب على ذلك العمل، قال تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقنانكم عبثاً....﴾ (٢) .
ب-أنه سيبعث هؤلاء الخلق بعد الموت ليحاسبهم بمقتضى تلك العبادة:
فذلك بمقتضى عدله، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ساء ما يحكمون * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نفس بما كسبت وهم لا يظلمون﴾ (٣) ، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا من النار * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾ .
стр. 6
ج-تعريف الْعِبَادَةَ:
اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة (١) . وَجُمَّاعُ الْعِبَادَةِ كَمَالُ الْحُبِّ مَعَ كَمَالِ الذُّلِّ (٢) .
د-أخذ الله تعالى على بني آدم ثلاثة مواثيق:
١- الميثاق الأول: الذي أخذه الله عَلَيْهِمْ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ ظَهْرِ أَبِيهِمْ آدَمَ ثم من ظهور بعضهم بعضاً، وهو المذكور فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا﴾ (٣) . أو ﴿..قالوا بلى﴾ وتكون كلمة ﴿شهدنا﴾ من كلام الله تعالى، بمعنى أنه سبحانه شهد عليهم وملائكته ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عن هذا غافلين﴾ .
٢- ميثاق الفطرة: أَنَّهُ ﵎ فَطَرَهُمْ شَاهِدِينَ بِمَا أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ فِي الْمِيثَاقِ الْأَوَّلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا * فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٤) وهو الثابت في الصحيحين فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: (عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُولَدُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تحسون فيها من جدعاء) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ فَجَاءَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ) .
стр. 7
٣- الميثاق الثالث: وهو مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَأُنْزِلَتْ بِهِ الْكُتُبُ تَجْدِيدًا لِلْمِيثَاقِ الْأَوَّلِ، وَتَذْكِيرًا بِهِ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بعد الرسل﴾ (١) ، فالحجة قائمة على بني آدم بإرسال الرسل الذين ذكروا بذلك الميثاق لا بالميثاق نفسه إذ ذاك فهم لا يذكرونه، فكيف يحتج سبحانه على أحد بشيء لا يذكره. وقد أيد الله رسله بالمعجزات والبراهين على صدقهم فَمَنْ أَدْرَكَ هَذَا الْمِيثَاقَ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى فطرته قبله وقام به دون تردد، ومن كان قد انحرف عن فطرته فتلك المعجزات والبراهين مع الرسل، وما لديهم من إقناع فيها الحجة الكافية عليهم إن لم يؤمنوا، فمن وفى بالميثاق دخل الجنة وإلاّ فالنار أولى به. وأما من لم يدرك الْمِيثَاقَ بِأَنْ مَاتَ صَغِيرًا قَبْلَ التَّكْلِيفِ مَاتَ عَلَى الْمِيثَاقِ الْأَوَّلِ عَلَى الْفِطْرَةِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَهُمْ مَعَ آبَائِهِمْ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانَ عَامِلًا لَوْ أَدْرَكَهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ ﷺ : (اللَّهُ تَعَالَى إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كانوا عاملين) (٢) .
стр. 8
هذا وقد خص النبيون بميثاق رابع، وهو المذكور في قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم﴾ (١) . وهو ميثاق أخذ عليهم بعد إرسالهم، وهو يتضمن ثلاثة أشياء:
١-إقامة دينه تعالى وإبلاغ رسالته.
٢-أن يؤمن كل نبي بمن بعده ولا يمنعه مكانه وما معه من الكتاب والحكمة من الإيمان بمن بعده ونصرته.
٣-الإيمان بمحمد ﷺ إن أدركوه، ووصية أمتهم بالإيمان به إن أدركوه.
وهذا الميثاق هو نفسه المذكور في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ... ) (٢) .
***
وفيما يلي
الأبيات المتعلقة بما سبق من منظومة "سلم الوصول إلى مباحث علم الأصول" للشيخ حافظ بن أحمد حكمي ﵀:
أَبْدَأُ بِاسْمِ اللَّهِ مُسْتَعِينَا ... راض به مدبر مُعِينَا
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَمَا هَدَانَا ... إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ وَاجْتَبَانَا
أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهْ ... وَمِنْ مَسَاوِي عَمَلِي أَسْتَغْفِرُهْ
وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى نَيْلِ الرِّضَا ... وَأَسْتَمِدُّ لُطْفَهُ فِي مَا قَضَى
وَبَعْدُ: إِنِّي بِالْيَقِينِ أَشْهَدُ ... شَهَادَةَ الْإِخْلَاصِ أَنْ لَا يُعْبَدُ
(الباب الأول)
التوحيد وأقسامه
يقسم التوحيد تقسيمين (أي بطريقتين) :
الطريقة الأولى:
١-توحيد الربوبية. ٢-توحيد الألوهية. ٣-توحيد الأسماء والصفات.
الطريقة الثانية:
١- توحيد المعرفة والإثبات: ويتضمن: أ-توحيد الربوبية. ب-توحيد الأسماء والصفات.
وهو المسمى التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي.
٢-توحيد الطلب والقصد: وهو توحيد الألوهية (١) أو التوحيد الطلبي القصدي الإرادي (٢) .
وقد اعتمد الشيخ ﵀ التقسيم الثاني.
وقبل أن نأخذ في تفصيل القول في أقسام التوحيد لابد من التنويه بما للتوحيد من شأن عظيم ومكانة رفيعة في دين الله ونذكر في ذلك أمرين:
١-أن الرسل لم تدع إِلَى شَيْءٍ قَبْلَهُ وَلَمْ تَنْهَ عَنْ شَيْءٍ قبل ضده، وجعله الله شرط دخول الجنة (٣) . والعتق من النار.
стр. 11
٢-أن القرآن كله في تقرير التوحيد بأنواعه، لأنه:
أ-إِمَّا خَبَرٌ عَنِ اللَّهِ وَمَا يَجِبُ أَنْ يُوصَفَ بِهِ، وَمَا يَجِبُ أَنْ يُنَزَّهَ عَنْهُ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ الْعِلْمِيُّ الْخَبَرِيُّ الِاعْتِقَادِيُّ.
ب-وَإِمَّا دَعْوَةٌ إِلَى عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له وخلع ما يعبد من دونه، وهو التوحيد الطلبي الإرادي.
جـ-وَإِمَّا أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَإِلْزَامٌ بِطَاعَتِهِ فَذَلِكَ مِنْ حقوق التوحيد ومكملاته.
د-وَإِمَّا خَبَرٌ عَنْ إِكْرَامِهِ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ وَمَا فَعَلَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ النَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَمَا يُكْرِمُهُمْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ جَزَاءُ توحيده، أو خَبَرٌ عَنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَمَا فَعَلَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ النَّكَالِ، وَمَا يَفْعَلُ بِهِمْ فِي الْعُقْبَى مِنَ الْعَذَابِ فَهُوَ جَزَاءُ مَنْ خرج عن حكم توحيده.
стр. 12
(الفصل الأول)
القسم الأول من أقسام التوحيد: التوحيد الخبري الاعتقادي (توحيد المعرفة والإثبات)
وهو يتضمن أمرين:
الأول: إثبات ذاته تعالى (توحيد الربوبية) .
الثاني: إثبات أسمائه وصفاته (توحيد الأسماء والصفات) .
* أولاً: إثبات ذاته تعالى (البراهين على وجود الله :
والقرآن يعالج ذلك بالتوجيه لتدبر آيات الله في الكون والنفس، وفيما يلي بعض البراهين والشواهد على وجود الله (١) :
١-أقام الله تعالى الحجة وأفحم الخصم في آية واحدة فقال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخالقون﴾ (٢) ؟
في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ *أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ ربك أم هم المصيطرون﴾ (٣) كاد قلبي أن يطير.
٢-الأطوار العجيبة المختلفة التي مر بها الإنسان من تراب إلى نطفة فعلقة فمضغة ثم إنسان سوي ذي روح وعقل، ينشيء المدائن، ويركب متون البحار، ويجمع الأموال، ويحارب ويقاتل، وينشر مبادئ وأفكاراً،
стр. 13
وينظم شعراً ويصيغ أدباً ... الخ فسبحان من أقدره على ذلك!!
وهذا فضلاً عن العجائب في خلقه الكائنات الأخرى كالحشرات والحيوانات.
٣-خلق زوجين من كل شيء في الكون (١) .
٤-بسط الأرض للخلائق، وخلق السماوات والأجرام العلوية، وإمساك كل عن الزوال أو الارتطام بغيره.
٥-الليل والنهار وثبات طولها مجموعين معاً، فلم يحدث مرة واحدة أن كان هناك يوم من الأيام (نهاره مع ليله) أقل أو أكثر طولاً من الآخر ولو بجزء من الثانية، فسبحانه من نظم تلك الدورة الفلكية بهذه الدقة.
٦-إيداع الماء خاصية حمل الأخشاب والأجسام ذات الكثافة الخفيفة فبذلك سهلت حياة البشر باستخدام الفلك التي تجري في البحر (٢) .
٧-إقدار الإنسان على كثير من الأمور، وتسخير الكائنات له حتى أن البعير الضخم ليقوده الطفل الصغير.
٨-تسخير الرياح تارة للرحمة وتارة للعذاب.
٩-اختلاف ألسنة الناس وألوانهم وهيئاتهم حتى ولو وقع التشابه الشديد، فمع أن لكل إنسان عينين وحاجبين وأنفاً واحداً وخدين وغير ذلك فلابد من شيء يميز كل إنسان عن الآخر، فكل إنسان خلقة فريدة بذاته لا يمكن أن تتكرر تماماً، فسبحان من جعل لكل إنسان شخصيته المتميزة، بسمت أو هيئة أو كلام أو لهجة أو ...
стр. 14
١٠-خاصية النوم التي خلقها الله تعالى، فهي ضرورية لتجديد طاقة الإنسان ونشاطه وفيها راحة نفسه وأعصابه.
١١-إحياء الأرض بالماء فإذا هذه الأرض الهامدة الجامدة تخرج نباتاً مختلفاً ألوانه وطعومه مع أن الكل يسقى بماء واحد، ثم من الذي أودع في الأرض هذه الخاصية وهي الإنبات، ثم من جعل هذا التوافق بين وجود هذه الخاصية في الأرض وخلق البشر المحتاجين إلى ذلك النبات عليها، هذا فضلاً عن الخصائص الأخرى في الأرض والجو التي لا يعيش البشر بدونها.
١٢-وبعد ذلك وقبله فإن الفطرة نفسها شاهدة بوجود الله تعالى، والنفس لا تستطيع الفرار من تلك الحقيقة، وهي الشعور بوجود الخالق القدير (١) .
* بيان أن الاستدلال على وجوده تعالى وربوبيته بمخلوقاته وعظيم ملكه هو منهج الأنبياء والأئمة والعقلاء وأصحاب الفطرة الصافية .
ويتبين ذلك من الأمثلة التالية:
١-قول الرسل لأقوامهم: ﴿أفي الله شك فاطر السماوات والأرض﴾ (٢) ؟
٢-قول إبراهيم للنمرود: ﴿ربي الذي يحيي ويميت﴾ (٣) ، وقوله - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بها من المغرب﴾ (٤) .
٣-إجابة موسى ﵇ على أسئلة فرعون: قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ *قال
стр. 15
لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بينهما إن كنتم تعقلون﴾ (١) .
٤-دعوة محمد ﷺ ومخاطبته للناس بهذا القرآن الذي يتجلى فيه هذا المنهج من بدايته إلى ختامه، وهو مملوء بالتوجيه إلى النظر فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ من شيء، وقد مر شيء من ذلك فيما سبق ذكره من الآيات.
٥-استدلال الإمام أبي حنيفة بسير الموجودات وفق تدبير ونظام محكم وأن ذلك لا يمكن حدوثه بدون رب قادر مدبر، وضرب لذلك مثلاً بالسفينة التي تسير دون قائد، وتنقل البضائع، هل يعقل ذلك؟
٦-إجابة الإمام مالك لمّا سأله الرشيد مستدلاً باختلاف الأصوات والنغمات واللغات.
٧-استدلال الإمام الشافعي بورق التوت تأكله الدود فيخرج من الإبرِيسَم (٢) , وَتَأْكُلُهُ النَّحْلُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْعَسَلُ، وَتَأْكُلُهُ الشاء (٣) والبقر والأنعام فتلقيه بعرًا وروثاً.
٨-استلال الإمام أحمد بخروج الديك من البيضة، وذلك بمقام خروج حيوان ذي سمع وبصر وصوت وشكل حسن من حصن أملس ليس له منفذ، هل يحدث ذلك بلا خالق؟
٩-استدلال الأعرابي بالسماء ذات الأبراج والأرض ذات الفجاج والبحار ذات الأمواج وأن دلالة ذلك على الله من باب دلالة الأثر على المؤثر.
ومثل لذلك بدلالة الأثر على المسير والبعر على البعير.
стр. 16
١٠-خطبة قس بن ساعدة الإيادي (١) وفيها لفت الأنظار لمختلف العجائب في الكون والحياة ليكون ذلك دافعاً للرجوع إلى الله صاحب هذه التقديرات والعجائب.
ومن أمثلة الشعر الموافق لهذا المنهج - بغض النظر عن قائله -:
تأمل في نبات الْأَرْضِ وَانْظُرْ ... إِلَى آثَارِ مَا صَنَعَ الْمَلِيكُ
عيون من لجين شاخصات ... بأحداق هِيَ الذَّهَبُ السَّبِيكُ
عَلَى قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٌ ... بأن الله ليس له شريك (٢)
فَيَا عَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الْإِلَهُ ... أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ
وَلِلَّهِ فِي كُلِّ تَحْرِيكَةٍ ... وَفِي كُلِّ تَسْكِينَةٍ شَاهِدُ
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آية ... تدل على أنه واحد (٣)
* * *
وفيما يلي
الأبيات المتعلقة بما سبق من منظومة (سلم الوصول) :
أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْعَبِيدِ ... مَعْرِفَةُ الرَّحْمَنِ بِالتَّوْحِيدِ
إِذْ هُوَ مِنْ كُلِّ الْأَوَامِرِ أَعْظَمُ ... وَهْوَ نَوْعَانِ أَيَا مَنْ يَفْهَمُ
إِثْبَاتُ ذَاتِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا ... أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى صِفَاتِهِ الْعُلَى
•
أسئلة:
١- ما هي أقسام التوحيد؟
٢- بين مرتبة التوحيد في دعوة الرسل وفي القرآن الكريم؟
٣- بين منهج القرآن في إثبات ذاته تعالى، واذكر بعض الشواهد الدالة على
الله ؟
٤- بين بالأمثلة أن الاستدلال على وجوده تعالى وربوبيته بمخلوقاته وعظيم
ملكه وصنعه هو منهج الأنبياء والأئمة والعقلاء؟
стр. 17
ثانياً: أسماء الله الحسنى وصفاته العلى:
١-تعريف أسماء الله الحسنى:
هي الأسماء التي أثبتها الله تَعَالَى لِنَفْسِهِ وَأَثْبَتَهَا لَهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ وَآمَنَ بِهَا جَمِيعُ المؤمنين.
٢-عددها:
لا يعلمه إلاّ الله، ودليل ذلك حديث ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال: (ما أصاب أحداً هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، ماضٍ فيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوِ اسْتَأْثَرَتْ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجَلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلَّا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرجاً) (١) .
٣-فضل من تعلم تسعة وتسعين منها:
من أسماء الله الحسنى تسعة وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة، ففي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ) .
وقد وردت أحاديث ضعيفة في تحديدها (٢) ، وقد حررها الحافظ ابن حجر تسعة وتسعين اسماً من الكتاب العزيز هكذا:
стр. 18
اللَّهُ، الرَّبُّ، الْإِلَهُ، الْوَاحِدُ، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، الْمَلِكُ، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار المتكبر، الْخَالِقُ، الْبَارِئُ، الْمُصَوِّرُ، الْأَوَّلُ، الْآخِرُ، الظَّاهِرُ، الْبَاطِنُ، الْحَيُّ، الْقَيُّومُ، الْعَلِيُّ، الْعَظِيمُ، التَّوَّابُ، الْحَلِيمُ، الْوَاسِعُ، الْحَكِيمُ، الشَّاكِرُ، الْعَلِيمُ، الْغَنِيُّ، الْكَرِيمُ، الْعَفُوُّ، الْقَدِيرُ، اللَّطِيفُ، الْخَبِيرُ، السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ، الْمَوْلَى، النَّصِيرُ، الْقَرِيبُ، الْمُجِيبُ، الرَّقِيبُ، الْحَسِيبُ، الْقَوِيُّ، الشَّهِيدُ، الْحَمِيدُ، الْمَجِيدُ، الْحَفِيظُ، الْحَقُّ، الْمُبِينُ، الْغَفَّارُ، الْقَهَّارُ، الْخَلَّاقُ، الْفَتَّاحُ، الْوَدُودُ، الْغَفُورُ، الرَّءُوفُ، الشَّكُورُ، الْكَبِيرُ، الْمُتَعَالِ، المُقيت، الْمُسْتَعَانُ، الْوَهَّابُ، الْحَفِيُّ، الْوَارِثُ، الْوَلِيُّ، الْقَائِمُ، الْقَادِرُ، الْغَالِبُ، الْقَاهِرُ، الْبَرُّ، الْحَافِظُ، الْأَحَدُ، الصَّمَدُ، الْمَلِيكُ، الْمُقْتَدِرُ، الْوَكِيلُ، الْهَادِي، الْكَفِيلُ، الْكَافِي، الْأَكْرَمُ، الْأَعْلَى، الرزاق، ذو القوة، المتين، غافر الذنب، قابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول، رفيع الدرجات، سريع الحساب، فاطر السموات والأرض، بديع السموات والأرض، نور السموات والأرض، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام (١) .
وقد عدّها غير ابن حجر كسفيان بن عيينة وابن حزم القرطبي وغيرهم. وأسماء الله الحسنى غير منحصرة في التسعة والتسعين كما سبق.
٤-معنى الإيمان بما وصف الله تعالى بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ من الأسماء
стр. 19
الحسنى والصفات العلى وإمرارها كما جاءت (١) .
*تنبيهان:
أ-أسماء الله تعالى توقيفية، أي أنه ليس كل فعل يتعلق بالله يشتق له منه اسم إلا ما أثبته الله تعالى لِنَفْسِهِ وَأَثْبَتَهُ لَهُ رَسُولُهُ ﷺ .
مثال: قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم..﴾ (٢) فإنه لا يجوز اشتقاق اسم الذاهب على أنه اسم له تعالى ما دام أن الله لم يذكر ذلك اسماً له في كتابه، ولم يذكره رسوله ﷺ .
ب-ورد في القرآن أفعال أطلقها الله على نفسه على سبيل الجزاء والعدل والمقابلة، وهي فيما سيقت له مدح وكمال، ولكن لا تطلق عليه مجردة بدون ذكر ما تتعلق به..
مثال قوله تعالى: ﴿ويمكرون ويمكر الله..﴾ (٣) ، وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ..﴾ (٤) ، وقوله تعالى: ﴿الله يستهزئ بهم..﴾ (٥) فلا يقال أنه سبحانه يمكر ويستهزئ ويخادع، ومن باب أولى لا يقال أن من أسمائه الماكر والمخادع و.. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، لكن يصح أن يقال أنه تعالى يمكر بالكافرين، ويستهزئ بالمنافقين ... وهكذا في
стр. 20
كل ما ذكره الله تعالى عن نفسه من اسم أو فعل متعلقاً أو مقيداً بشيء، أو مقترناً بمقابله بحيث يوهم ذكره بدونه نقصاً لم يجز إطلاقه عليه تعالى مجرداً دون ذكر متعلقه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إنا من المجرمين منتقمون﴾ (١) ، وقوله تعالى: ﴿والله عزيز ذو انتقام﴾ (٢) ولم يرد إطلاق المنتقم.
ومن ذلك المعطي المانع، والضار النافع، فلا يطلق على الله المانع الضار على الانفراد، بل لابد من ازدواجها بمقابلاتها، فإنها لم تطلق على الله في الوحي منفردة.
٥-دلالة الأسماء الحسنى في حق الله تعالى:
١-تدل على الذات مطابقة.
٢-تدل على الصفات المشتقة تضمناً، وهذه أربعة أقسام:
*الأول: الاسم العلم (الله) المتضمن لجميع معاني الأسماء.
*الثاني: ما يتضمن صفة ذات كاسمه (السميع) .
*الثالث: ما يتضمن صفة فعل كاسمه (الخالق) .
*الرابع: ما يتضمن تنزهه تعالى وتقدسه عن النقائص والعيوب، مثل: (القدوس) و (السلام) .
٣-تدل على الصفات غير المشتقة التزاماً.
مثال: دلالة اسْمِهِ تَعَالَى (الرَّحْمَنِ) عَلَى ذَاتِهِ مطابقة، وعلى الرحمة تضمناً، وعلى صفة الحياة وغيرها التزاماً.
أما أسماء غيره تعالى فلا تدل على الذات، فقد يسمى الرجل حكيماً وهو جاهل، وعزيزاً وهو حقير، وشجاعاً وهو جبان، وأسداً وحماراً وكلباً وحنظلة
стр. 21
وعلقمة وليس كذلك. أما الله تعالى فلا يُخَالِفُ اسْمٌ لَهُ صِفَتَهُ وَلَا صِفَتُهُ اسْمًا.
*تنبيه:
أسماء الله تعالى غير مخلوقة، وليست أسماء الله غيره كما يقوله بشر المريسي وابن الثلجي وغيرهما من أهل الضلال حيث زعموا أن أسماء الله تعالى مستعارة مخلوقة ابتدعها البشر لله. وضلال هذا القول ظاهر جداً من وجوه:
*الأول: أن كل مخلوق كان معدوماً كما أنه معرض للفناء وهذا يقتضي أنه سبحانه لم يكن القوي ولا الكريم من أسمائه ثم أصبح كذلك، وقد تزول عنه تلك الأسماء مرة أخرى، تعالى الله عن إفكهم وأباطيلهم.
*الثاني: أن القول بأن أسماءه غيره يقتضي الشرك، فالله تعالى يقول: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن..﴾ (١) ، فيلزم هؤلاء أن يقولوا إن الله تعالى أجاز عبادته ودعاءه كما أجاز عبادة غيره، تعالى الله عن ذلك، بل الآية تدل على أن أسماءه تعالى ليست غيره.
*الثالث: أن الله تعالى ذكر في كتابه ما يفيد أن آدم والملائكة لم يعلموا أسماء المخلوقين حتى علمهم الله من عنده، فكذا أسماؤه تعالى، من أين علمها الخلق قبل تعليمه إياهم ما يفيد أن الله هو الذي علم البشر بأسمائه وأسماء غيره لا أنهم هم الذين ابتدعوا له تلك الأسماء، قال تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) ، كذلك ورد في حديث الرسول ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَى أن البشر إنما يعلمون أسماء الله من لدنه تعالى لا أنهم هم الذين يسمونه، وذلك في قوله ﷺ : (أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نفسك أو أنزلته في كتبك أو علمته أحداً من خلقك أو
стр. 22
استأثرت به في علم الغيب عندك) (١) . كذا قوله تعالى: ﴿إني أنا الله رب العالمين﴾ (٢) ، ﴿إنه أنا الله العزيز الحكيم﴾ (٣) فيه تسميته لنفسه بذلك.
الرابع: أن المعير أغنى من المستعير، فالذين جعلوا أسماء الله مستعارة جعلوا الله مفتقراً إلى البشر محتاجاً إليهم حيث جعلوه مستعيراً - تعالى الله عن ذلك - وجعلوا البشر معيرين.
الخامس: أن هذه الدعوى فيها استجهال الخالق سبحانه إذ كان بزعمهم هملاً لا يدري ما اسمه.
السادس: قوله تعالى في كتابه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يوم الدين﴾ (٤) فجعل رب العالمين هو الرحمن الرحيم وهو مالك يوم الدين، ولو كانت دعواهم صحيحة لقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْمُسَمَّى الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ.
فأسماؤه تعالى من حيث دلالتها على الذات بمعنى واحد وكلها هي الله، و (الله) هو أحد هذه الأسماء وبأي اسم دعوت فإنك قد دعوت الله نفسه ز
قال عثمان بن سعيد الدارمي: (وَلَنْ يَدْخُلَ الْإِيمَانُ قَلْبَ رَجُلٍ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ إِلَهًا وَاحِدًا بجميع أسمائه وصفاته لَمْ يَحْدُثْ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ كَمَا لَمْ ينزل وحدانيته) .
٦-معنى إحصاء أسماء الله تعالى التسعة والتسعين المؤدي إلى دخول الجنة:
معناه القيام بحقها والعمل بمقتضاها جميعها، وهذا المعنى يستلزم معرفتها كلها، والإحاطة بمعانيها.
стр. 23
مثال: من عرف عِلم الله الْمُحِيطِ الَّذِي لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ تعبّد بمقتضى ذلك بحراسة أقواله وأفعاله وإراداته عن كل ما يغضب الله إذ كل شيء خفي أم ظهر مكشوف له سبحانه.
٧-الإلحاد في الأسماء والصفات:
أ-معناه:
لغة: الْعُدُولُ عَنِ الْقَصْدِ، وَالْمَيْلُ وَالْجَوْرُ وَالِانْحِرَافُ، وَمِنْهُ اللَّحْدُ فِي الْقَبْرِ لِانْحِرَافِهِ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ عن سمة الحفر.
واصطلاحاً: العدول والميل بأسمائه تعالى وصفاته عن معانيها.
ب-وأقسامه:
١-إلحاد المشركين المتضمن تنزيل المخلوق منزلة الخالق كتسميتهم أصنامهم آلهة واشتقاقهم أسماء لها من أسماء الله ، كالعزى من العزيز، ومناة من المنان.
٢-إلحاد المشبهة تشبيه الخالق بالمخلوق، وذلك بتكييف صفاته تعالى وتشبيهها بصفات خلقه.
٣-إِلْحَادُ النُفَاةِ، وَهُمْ قِسْمَانِ: قِسْمٌ أَثْبَتُوا أَلْفَاظَ أسمائه دُونَ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَقَالُوا: رَحْمَنٌ رَحِيمٌ بِلَا رَحْمَةٍ، عَلِيمٌ بِلَا عِلْمٍ، سميع بلا سمع (١) وقسم صرحوا بنفي الأسماء والمعاني (٢) .
٨-صفات الله العلي:
وهي من ناحية تعلقها بأسماء الله تعالى (٣) تنقسم إلى نوعين:
стр. 24
أ-صفات تضمنتها أسماؤه تعالى بالاشتقاق كالعلم من العليم، والبصر من البصير، والسمع من السميع، فكل اسم من هذه الأسماء يجمع اسماً وصفة.
ب-صفات أخبر الله تعالى عن نفسه وأخبر بها رَسُولُهُ ﷺ ، وَلَمْ يَشْتَقَّ منها أسماء، كحبة تعالى للمؤمنين، وكراهته انبعاث المنافقين، ومن ذلك إثبات الوجه ذي الجلال والإكرام، ويديه المبسوطتين بالإنفاق، واليد والعين والقدم.... إلخ.
٩-معاني بعض الأسماء والصفات:
١-الرب: المالك الذي لا منازع له، والفعال لما يريد، ذو التصرف التام والتدبير المطلق لكل شيء.
٢-ذو الجلال: الْمُتَّصِفُ بِجَمِيعِ نُعُوتِ الْجَلَالِ وَصِفَاتِ الْكَمَالِ، الْمُنَزَّهُ عن النقائص.
٣-الكبير: أكبر [من] كل شيء، الذي السموات وَالْأَرْضُ وَمَا فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي كَفِّهِ كخردلة في كف أحد عباده، والذي له العظمة المطلقة والكبرياء.
٤-الخالق: المقدر لإيجاد الشيء.
٥-الباريء: المنشيء للشيء من العدم إلى الوجود، أي المنفذ لما قدره.
٦-المصور: الممثل للمخلوقات بالعلامات التي يتميز بها بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ، أَيِ الَّذِي يُنَفِّذُ مَا يريد إيجاده على الصفة التي يريدها، فأول الأمر الخلق ثم البرء ثم التصوير.
٧-الأول: الذي ليس قبله شيء.
٨-الآخر: الذي ليس بعده شيء.
٩-الظاهر: الذي فوقيته وعلوه فوق كل شيء.
١٠-الباطن: المحيط بِكُلِّ شَيْءٍ بِحَيْثُ يَكُونُ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ نفسه.
стр. 25
*تنبيه: مدار هذه الأسماء الأربعة (الأول والآخر والظاهر والباطن) على الإحاطة وهي إحاطتان: زمانية (الأول والآخر) ، ومكانية (الظاهر والباطن) ، كذا ذكره ابن القيم ﵀.
١١-الأحد: الَّذِي لَا ضِدَّ لَهُ وَلَا نِدَّ لَهُ وَلَا شَرِيكَ لَهُ فِي إِلَهِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَلَا مُتَصَرِّفَ مَعَهُ فِي ذَرَّةٍ مِنْ مَلَكُوتِهِ، وَلَا شبيه له ولا نظير في شيء من أسمائه وصفاته.
١٢-الصمد: (لهذا الاسم عدة معان كلها من صفاته تعالى) :
أ-الذي لا جوف له (١)
ب-السيد الذي يصمد إليه في الحوائج (٢) .
د-الذي انتهى سؤدده وكمل في أنواع الشرف والسؤدد.
هـ- الباقي بعد خلقه.
١٣-البر:
أ-قال ابن عباس: اللطيف.
-وفي لسان العرب: العطوف الرحيم اللطيف الكريم.
стр. 26
ب-وقال الضحاك: الصادق فيما وعد.
قال ابن الأثير: البر والبار بمعنى، وإنما جاء في القرآن البر دون البار.
١٤-الْمُهَيْمِنُ:
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَمُقَاتِلٌ: هُوَ الشَّهِيدُ عَلَى عِبَادِهِ بِأَعْمَالِهِمْ، يُقَالُ: هَيْمَنَ يُهَيْمِنُ فَهُوَ مُهَيْمِنٌ إِذَا كَانَ رَقِيبًا على الشيء.
١٥-العلي: فكل معاني العلو ثابتة له:
أ-علو القهر: فلا مغالب له ولا منازع.
ب-علو الشأن: فهو المتعالي عَنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ الْمُنَافِيَةِ لِإِلَهِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ وأسمائه وصفاته.
جـ- علو الذات: وهو فوقيته تعالى مستوياً على عرشه.
وهذا النوع الأخير من العلو هو الذي ضل فيه من ضل، أما الأولان فلم يُخَالِفْ فِيهِمَا أَحَدٌ مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ وَيَنْتَسِبُ إليه.
* الأدلة على فوقيته من الكتاب والسنة:
علو الذات ثابت عند أهل السنة والجماعة بأدلة كثيرة منها:
١-الأسماء الحسنى الدالة على العلو بكل معانية، كاسمه العلي واسمه الأعلى وغيرهما.
٢-التصريح باستوائه تعالى على عرشه في آيات كثيرة (١) وأحاديث متعددة.
٣-التصريح بفوقيته تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿يخافون ربهم من
стр. 27
فوقهم﴾ (١) ، وكما في صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ زَيْنَبُ ﵂ تَفْتَخِرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقُولُ: "زوَّجكن أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سبع سموات" (٢) .
٤-التصريح بأنه تعالى في السماء: قال تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ ربكم الأرض فإذا هي تمور﴾ (٣) ، وقوله تعالى: ﴿من في السماء﴾ أي: عليها أو فوقها، كما قال تعالى: ﴿فسيحوا في الأرض﴾ (٤) أي: عليها. وكما في قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ (٥) أي: عليها.
ومن ذلك حديث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ سأل الجارية: (أَيْنَ اللَّهُ) ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: (مَنْ أَنَا) ؟ قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ - اللَّهِ ﷺ فقال لسيدها معاوية بن الحكم: (أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ) . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ والنسائي وغير واحد من الأئمة.
٥-التصريح باختصاص بعض الأشياء بأنها عنده كقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عن عبادته﴾ (٦) ، وَقَوْلِهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ إن رحمتي سبقت غضبي) رواه البخاري ومسلم.
стр. 28
٦-الرفع والصعود والعروج إليه ﵎، فمن ذلك:
أ-رفع عيسى ﵇ كما في قوله تعالى: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ (١) .
ب-صعود الأعمال إليه، كما في قَوْلِهِ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يرفعه﴾ (٢) .
جـ- صعود الأرواح إليه، كما في حديث البراء الطويل الصحيح، وفيه أن الملائكة تصعد بروح المؤمن حتى السماء السابعة فيقول الله تعالى: (أعيدوه ... ) الحديث (٣) .
د-عروج الملائكة والروح إليه:
قال تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ (٤) ، وفي حديث الصحيحين (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بهم ... ) الحديث.
هـ-مِعْرَاجُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَإِلَى حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ كما ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة. وسيأتي بيان ذلك في الباب الأخير من الكتاب إن شاء الله تعالى.
٧-التَّصْرِيحُ بِنُزُولِهِ ﵎، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فاستجب لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ له) .
٨-تَنَزُّلُ الْمَلَائِكَةِ وَنُزُولُ الْأَمْرِ مِنْ عِنْدِهِ وَتَنْزِيلُ الكتاب من كما في كثير من الآيات.
стр. 29
٩-رفع الأيدي إليه تعالى في الدعاء: وقد ورد فيه أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ حَدِيثٍ فِي وَقَائِعَ مُتَفَرِّقَةٍ، وكذلك رفع البصر إليه كما في حديث ابن مسعود: (يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أَرْبَعِينَ سَنَةً شَاخِصَةً أَبْصَارُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ يَنْتَظِرُونَ فصل القضاء ... ) الحديث. قال الذهبي: إسناده حسن (١) .
وفي حديث ابن عباس عند البخاري فِي خُطْبَتِهِ ﷺ يَوْمَ النحر: ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ) الْحَدِيثَ.
١٠-النُّصُوصُ الْوَارِدَةُ فِي ذكر العرش وإضافته غالباً إلى خلقه ﵎، وأنه تعالى فوقه ﴿رفيع الدرجات ذو العرش﴾ (٢) ، ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٣) ، وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وأعلى الجنة وفوق عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة".
١١-مَا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ الله في تكذيبه موسى ﵇ أَنَّ إِلَهَهُ اللَّهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى، قال تعالى: ﴿وقال فرعون يا هامان ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السموات فأطلع إلى إله موسى﴾ (٤) . ففرعون كذب موسى في أن رب السموات وَالْأَرْضِ وَرَبَّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا هُوَ اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ مُبَايِنٌ لَهُمْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ.
١٢-ما قصه تعالى في قصة تكليمه لموسى حين تجلى للجبل فاندك الجبل.
стр. 30
قال ابن خزيمة: (أَنَّ اللَّهَ لَوْ كَانَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَمَعَ كُلِّ بَشَرٍ وَخَلْقٍ كَمَا زَعَمَتِ الْمُعَطِّلَةُ لَكَانَ مُتَجَلِّيًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا فِي الْأَرْضِ لَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَجَلِّيًا لِجَمِيعِ أَرْضِهِ سَهْلِهَا وَوَعْرِهَا وَجِبَالِهَا وبراريها ومفاوزها ومدنها وقراها وعمارتها وَخَرَابِهَا وَجَمِيعِ مَا فِيهَا مِنْ نَبَاتٍ وَبِنَاءٍ لَجَعَلَهَا دَكًّا كَمَا جَعَلَ اللَّهُ الْجَبَلَ الَّذِي تجلى له دكأً، قال تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (١)) .
*بيان أن الصحابة كانوا يعرفون أن الله في السماء:
١-قول عمر ﵁: إنما الأمر من ههنا - وأشار بيده إلى السماء - (٢) ، وقوله: ويل لديان الأرض من ديان السماء (٣) ..
٢-قول ابن مسعود ﵁: الْعَرْشُ فَوْقَ الْمَاءِ وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ لَا يخفى عليه شيء من أعمالكم (٤) .
٣-قول عائشة ﵂: وَلَكِنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ أَنِّي لم أحب قتله (٥) - تعني عثمان ﵁.
٤-قول ابن عباس ﵄: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره (٦) ، وقوله: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ عَلَى عَرْشِهِ قَبْلَ أن يخلق شيئاً (٧) ، وقوله لعائشة ﵂: وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات (٨) .
стр. 31
* بيان أن التابعين كانوا يعرفون أن الله في السماء فوق عرشه:
١-كان مسروق ﵁ إذا حدث عن عائشة ﵂ قال حدثتني الصديقة حَبِيبَةُ اللَّهِ الْمُبَرَّأَةُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ.
قال الذهبي: إسناده صحيح (١) .
٢-قول الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ (٢) : هُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَعِلْمُهُ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا.
أَخْرَجَهُ الْعَسَّالُ وَابْنُ بَطَّةَ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بإسناد جيد (٣) .
٣-قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن لما سئل عن الاستواء: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَمِنَ اللَّهِ الرِّسَالَةُ وَعَلَى الرَّسُولِ الْبَلَاغُ، وَعَلَيْنَا التَّصْدِيقُ (٤) .
* بيان أن من بعد التابعين كذلك من علماء السلف وفقهاء المذاهب من الأئمة الأربعة وغيرهم كانوا يقولون بأن الله في السماء:
١-قول مالك ﵀: اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ لا يخلو منه شيء (٥) .
وسأله رجل: كيف استوى؟ قَالَ: الْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالِاسْتِوَاءُ مِنْهُ غَيْرُ مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ ضَالًّا وَأَمَرَ بِهِ فأخرج (٦) .
стр. 32
٢-سئل أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ: اللَّهُ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَقُدْرَتُهُ وَعِلْمُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ عَلَى عَرْشِهِ وَلَا يخلو شيء من علمه (١) .
٣-وسئل إسحاق بن راهويه: ما هذه الأحاديث؟ تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا! قال: نَعَمْ، رَوَاهَا الثِّقَاتُ الَّذِينَ يَرْوُونَ الْأَحْكَامَ فَقَالَ: ينزل ويدع العرش؟ قال: يَقْدِرُ أَنْ يَنْزِلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ منه العرش؟ قال: نعم. قال: فلم تتكلم في هذا (٢) .
٤-وقال رجل لابن الأعرابي: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣) ؟ قَالَ. هُوَ عَلَى عرشه كما أخبر. فقال الرجل: ليس كذلك إِنَّمَا مَعْنَاهُ اسْتَوْلَى. فَقَالَ: اسْكُتْ مَا يُدْرِيكَ مَا هَذَا، الْعَرَبُ لَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ اسْتَوْلَى عَلَى الشَّيْءِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ فِيهِ مُضَادٌّ، فأيهما غلب قيل استولى،
стр. 33
وَاللَّهُ تَعَالَى لَا مُضَادَّ لَهُ وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا أَخْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: الِاسْتِيلَاءُ بَعْدَ الْمُغَالَبَةِ، قَالَ النَّابِغَةُ:
إِلَّا لِمِثْلِكَ أَوْ مَا أَنْتَ سَابِقُهُ ... سَبْقَ الْجَوَادِ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى الأمد
*تنبيه: أهل السنة الذين يثبتون الجهة لله تعالى يقصدون إثبات العلو، لكن لم يرد لفظ الجهة في الكتاب ولا في السُّنَّةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِ الْعُلُوِّ إِثْبَاتُهَا لأن العرش سقف لجميع الْمَخْلُوقَاتِ فَمَا فَوْقَهُ لَا يُسَمَّى جِهَةً، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِ الْعُلُوِّ إِثْبَاتُ الجهة فلازم الحق حق (١) .
* بيان أن الله تعالى مع استوائه فوق عرشه فإنه مطلع على أخفى خفايا عباده:
وقد جمع الله تعالى بين علوه وعلمه في عدة مواضع تأكيداً لما ذكرنا من عقيدة السلف، فمن ذلك:
١-قوله تَعَالَى فِي سُورَةِ طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ استوى﴾ (٢) إلى قوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (٣) .
٢-قوله تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السماوات والأرض في ستة
стр. 34
أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾ (١) .
فهو سبحانه مع علوه أقرب إلى العبد من عنق راحلته ومن حبل الوريد، ويعلم ما توسوس به نفسه، فهو سبحانه قريب في علوه، عليٌّ في دنوه.
وحتى عند دنوه تعالى من خلقه آخر الليل أو عشية عرفة يكون تعالى عالياً، فنزوله تعالى على ما يليق بجلاله لا نعلم كيفيته.
ومعيته تعالى نوعان:
عامة: معناها إحاطته بكل الخلق علماً وقدرة.
وخاصة: لأوليائه بِالْإِعَانَةِ وَالرِّعَايَةِ وَالْكِفَايَةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ والسداد ... إلخ. وكفاك ما في الحديث: (فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبصره الذي يبصر به ... ) الحديث (٢) . أي أن الله تعالى يقربه إليه ويرقيه إِلَى دَرَجَةِ الْإِحْسَانِ فَيَصِيرُ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى الحضور والمراقبة كأنه يراه، فيمتليء قَلْبُهُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَحَبَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَخَوْفِهِ وَمَهَابَتِهِ وَإِجْلَالِهِ وَالْأُنْسِ بِهِ وَالشَّوْقِ إِلَيْهِ حَتَّى يصير هذا الذي في قلبه المعرفة مشاهداً له بعين البصيرة، فمتى امتلأ القلب بعظمة الله لم يَبْقَ لِلْعَبْدِ شَيْءٌ مِنْ نَفْسِهِ وَهَوَاهُ وَلَا إِرَادَةٌ إِلَّا لِمَا يُرِيدُ مِنْهُ مَوْلَاهُ فَحِينَئِذٍ لا يتحرك العبد إِلَّا بِأَمْرِهِ، فَإِنْ نَطَقَ نَطَقَ بِاللَّهِ، وَإِنْ سمع سمع بالله، وَإِنْ نَظَرَ نَظَرَ بِهِ، وَإِنْ بَطَشَ بَطَشَ به، فلا إرادة للعبد فيما يسمعه غير ما أراده مولاه، ولا إرادة ولا هوى فيما يبصره غير إرادة الله فهو فيما شرعه الله ولا هوى له فيما خالف ذلك.
وفيما يلي
الأبيات المتعلقة بما سبق:
стр. 35
وَأَنَّهُ الرَّبُّ الْجَلِيلُ الْأَكْبَرُ ... الْخَالِقُ الْبَارِئُ وَالْمُصَوِّرُ
بَارِي الْبَرَايَا مُنْشِئُ الْخَلَائِقِ ... مُبْدِعُهُمْ بِلَا مِثَالٍ سَابِقِ
الْأَوَّلُ الْمُبْدِي بِلَا ابْتِدَاءِ ... وَالْآخِرُ الْبَاقِي بِلَا انْتِهَاءِ
الْأَحَدُ الْفَرْدُ الْقَدِيرُ الْأَزَلِيُّ ... الصَّمَدُ الْبَرُّ الْمُهَيْمِنُ الْعَلِيُّ
عُلُوَّ قَهْرٍ وَعُلُوَّ الشَّانِ ... جَلَّ عَنِ الْأَضْدَادِ وَالْأَعْوَانِ
كَذَا لَهُ الْعُلُوُّ وَالْفَوْقِيَّهْ ... عَلَى عِبَادِهِ بِلَا كَيْفِيَّهْ
وَمَعَ ذَا مُطَّلِعٌ إِلَيْهِمُ ... بِعِلْمِهِ مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِمُ
وَذِكْرُهُ لِلْقُرْبِ وَالْمَعِيَّهْ ... لَمْ يَنْفِ لِلْعُلُوِّ وَالْفَوْقِيَّهْ
فَإِنَّهُ الْعَلِيُّ فِي دُنُوِّهِ ... وَهْوَ الْقَرِيبُ جَلَّ فِي عُلُوِّهِ
•
أسئلة:
١- ما المراد بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى؟
٢- ما عدد الأسماء الحسنى؟ وما فضل من تعلم تسعة وتسعين منها؟ وما المراد بإحصائها المؤدي إلى دخول الجنة؟
٣- ما معنى الإيمان بالأسماء الحسنى، مبينًا المراد بإمرارها كما جاءت، ومعنى كونها توقيفية؟
٤- ما دلالة الأسماء الحسنى في حق الله تعالى؟
٥- ما الرد على المريسي وابن الثلجي وغيرهما ممن زعموا أن أسماء الله مخلوقة مستعارة ابتدعها البشر لله؟ -تعالى الله عن إفكهم-.
٦- ما معنى الإلحاد في الأسماء والصفات، وما أقسامه؟
٧- اذكر معاني الأسماء التالية: الرب-الكبير-الخالق-الباريء- المصور-الأول-الآخر-الظاهر-الباطن-الأحد-القدير- الصمد-البر-المهيمن.
٨- اذكر الأدلة على علو الذات، مبينًا أن ذلك لا يتعارض مع معيته تعالى لخلقه ونزوله آخر الليل إلى السماء الدنيا.
стр. 36
١٦-الحي (١) : الذي لا يموت ولم تسبق حياته بالعدم ولم تعقب بالفناء.
١٧-القيوم: القيوم بنفسه القيوم لِغَيْرِهِ، فَجَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ مُفْتَقِرَةٌ إِلَيْهِ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهَا وَلَا قِوَامَ لَهَا إِلَّا بِهِ وَلَا قوام لها بدون أمره.
وقد جمع الله تَعَالَى بَيْنَ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ (الْحَيِّ الْقَيُّومِ) فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ:
الْأَوَّلُ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ في سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحي القيوم﴾ (٢) .
الثَّانِي: أَوَّلُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ﴿الم *اللَّهُ لا إله إلا هو الحي القوم﴾ (٣) .
الثَّالِثُ: فِي سُورَةِ طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ القيوم﴾ (٤) .
وعن أبي أمامة مرفوعاً: (اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ فِي ثَلَاثِ سُوَرٍ: سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَآلِ عمران وطه) (٥) .
стр. 37
١٨-الإرادة: والحديث عن هذه الصفة يتضمن أمرين:
الأول: إثبات صفة الإرادة له تعالى.
والثاني: أنه لا يكون إلا ما يريد، فهو سبحانه منفرد بالإرادة، فلا مشيئة ولا إرادة بعد مشيئته، والمراد بالإرادة هنا الإرادة الكونية القدرية.
فمن أدلة الأول قوله تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً * يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً﴾ (١) ، وقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿نصيب برحمتنا من نشاء﴾ (٣) .... وغير ذلك من الآيات.
ومن أدلة الثاني قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٤) ، وقوله
стр. 38
﴿وما يذكرون إلا أن يشاء الله﴾ (١) فَلَا مُرَادَ لِأَحَدٍ مَعَهُ وَلَا إِرَادَةَ لِأَحَدٍ إلا بعد إرادته أي الكونية، فالإرادة المثبتة لله تعالى قسمان، كونية لا يمكن أن يحدث خلافها، وشرعية جعل للعبد فيها اختياراً، فهو سبحانه أراد الفسق كوناً وقدراً لم يرده شرعاً، أما الخير فأراده كوناً وشرعاً.
وهنا مسألتان تتعلقان بالكلام عن الإرادة:
١-من انفراده تعالى بالإرادة أن يهدي من يريد ويضل من يريد، ولكنه سبحانه لا يظلم أحداً، فهدايته للعبد وإسعاده فضل ورحمة وإضلاله وإبعاده عدل وحكمة، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ مَحَلُّ الْهِدَايَةِ فَيَهْدِيهِ وَمَنْ هُوَ مَحَلُّ الْإِضْلَالِ فَيُضِلُّهُ وَهُوَ أَحْكَمُ الحاكمين.
٢-قد يقول قائل: إذا كان الله يكره السيئات فلم قدر وجودها؟ وهل يأتي المكروه بمحبوب؟
والجواب:
أولاً: ينبغي للسائل البحث في غير هذا مما يهم فإن الاعتراض على أفعاله تعالى كالاعتراض على أسمائه وصفاته، فهو سبحانه له صفات الكمال وأفعال الكمال وأفعال الكمال لحكمة بالغة ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ (٢) .
ثانياً: لو لم يقدر الله السيئات لجبر عباده كلهم على الإيمان، ولما كان هناك فريقان أحدهما يستحق الجنة والآخر يستحق النار، ولانتفت حكمة الله من ابتلاء العباد في هذه الحياة، وهو سبحانه لم يرد هذه السيئات شرعاً بل نفر من عنها وإنما شاء وقوعها في الكون مشيئة قدرية يتحقق بها عدل الله تعالى ويكون من ورائها الخير.
стр. 39
وهنا تأتي الإجابة على السؤال الخير، فنقول نعم، قد تأتي السيئة المكروهة التي قدرها الله بالخير، فإنه سبحانه ليس فيما قدره شر أبداً، وإنما الشر الذي أوجده الله هو شر من ناحية إضافته للعبد لا من جهة إضافته لله، فعلى سبيل المثال، قد يترتب على وقوع السيئات من محاب الله ومرضاته ما هو أعلم به فِي حَقِّ فَاعِلِهَا مِنَ التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ وَالْإِذْعَانِ وَالِاعْتِرَافِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَالْخَوْفِ مِنْ عِقَابِهِ وَرَجَاءِ مَغْفِرَتِهِ وَنَفْيِ الْعَجَبِ الْمُحْبِطِ لِلْحَسَنَاتِ عَنْهُ وَدَوَامِ الذُّلِّ وَالِانْكِسَارِ وَتَمَحُّضِ الِافْتِقَارِ وَمُلَازَمَةِ الِاسْتِغْفَارِ وغير ذلك من الفرائض المحبوبة للرب ، ولذا جاء في الْحَدِيثِ: (لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَأَتَى اللَّهُ بِقَوْمٍ يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم) (١) ففي فعل هذه الأمور المحبوبة غَايَةُ مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ وَسَعَادَتِهِ وَفَلَاحِهِ، وَإِنْ لَمْ يقع من ذَلِكَ فَلِخُبْثِ نَفْسِهِ وَعَدَمِ صَلَاحِيَتِهَا لِلْمَلَأِ الْأَعْلَى ومجاورة المولى وحينئذ يأتي الخير الثاني، وهو ما يترتب من فَرَائِضُ اللَّهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ الَّتِي هِيَ مِنْ وَظَائِفِ الرُّسُلِ ﵈، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْظَمِ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ الَّذِي هُوَ ذِرْوَةُ سَنَامِ الْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ الخير الثالث، وهو ما يكره الله به أولياءه من الفتح أو الشهادة وغير ذلك كثير من الخير في كل ما قدره الله تعالى، ولكل ذلك لا ينسب الشر إلى الله تعالى وما كان من شر فَمِنْ جِهَةِ إِضَافَتِهِ إِلَى فِعْلِ الْعَبْدِ لِأَنَّهَا معصية مذمومة مكروهة للرب غير محبوبة، ونسبة الخير لله وعدم نسبة الشر إليه معروف في كثير من الآيات والأحاديث ومن ذلك على سبيل المثال ما ذكره الله من قول الْجِنِّ ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ في الأرض أم أراد بهم
стр. 40
ربهم رشدا﴾ (١)
فذكروا الرب عند الرشاد والخير فقالوا: ﴿أم أراد بهم ربهم﴾ أما حينما ذكروا الشر قالوا: ﴿أشر أريد بمن في الأرض﴾ ولم يقولوا: (أشر أراده الله بمن في الأرض) ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في دعائه في افتتاح صلاة الليل: (والخير كله في يديك والشر ليس إليك) (٢) أي لا يضاف إليه سبحانه لوجه مِنَ الْوُجُوهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ خَالِقَهُ (٣) ،
لِأَنَّهُ ليس شراً من جهة