وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شره مستطيراً﴾ (١) ، وقال: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نذر فإن الله يعلمه..﴾ (٢) .
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ) رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا مسلماً.
وروى البخاري عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يلونهم) قال عمران: لا أدري ذكر أو اثنين أو ثلاثاً بعد قرنه (ثم يجئ قَوْمٌ يَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السمن) .
شروط النذر لله تعالى:
١-أن يكون طاعة، للحديث السابق.
٢-أن يكون مما يطيقه العبد، لما في الصحيحين عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فاستفتيه فقال: (لتمشي ولتركب) ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِذْ هُوَ بَرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فَلَا يَقْعُدُ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ) (٣) فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِتَرْكِ مَا لَمْ يكن مطيقه وَلَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا وَأَمَرَهُ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ لِكَوْنِهِ يطيقه ولكنه مشروعاً.
٣-أن يكون فيما يملك، لقوله ﷺ : (لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابن آدم) (٤) .
٤-أن لَا يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ يُعْبَدُ فِيهِ غير الله تعالى، لئلا يكون ذريعة لعبادة غير الله تعالى لحديث ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أن أنحر إبلاً ببوانة، فقال: (أكان فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟) فَقَالُوا: لَا، قَالَ: (فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟) قَالُوا لَا، قَالَ: (أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فيما
стр. 109
لا يملك ابن آدم) (١) .
٥-عدم اعتقاد الناذر تأثير النذر في حصوله -لمن كان معلقاً نذره بحصول شيء معين -لما في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النبي ﷺ قال: (إن النذر لا يقدم شيئاً ولا يؤخر، وإنما يستخرج بالنذر من البخيل) .
كانت تلك بعض أنواع العبادة، وهناك كثير غيرها من العبادات الظاهرة والباطنة كالتسبيح والتحميد وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَتَدَبُّرِهِ وَتَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ، وَمَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْحُبِّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضِ فِيهِ وَالْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ لأجله، وغير ذلك من العبادات (٢) .
د-حكم صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى:
صرف شيء من العبادة قَلَّ أَوْ كَثُرَ لِغَيْرِ اللَّهِ كَائِنًا مَنْ كان من ملك أو نبي أو
стр. 110
وَلِيٍّ أَوْ قَبْرٍ أَوْ جِنِّيٍّ أَوْ شَجَرٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ كُلُّ ذَلِكَ شِرْكٌ أكبر وسيأتي بيانه إنشاء الله تعالى، وبيان الشرك الأصغر كذلك فيما تبقى من هذا الجزء من الكتاب.
والشرك هو أعظم ظلم وأعظم ذنب، قال تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (١) ، وذلك لِأَنَّ الظُّلْمَ هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ موضعه، لا أَعْظَمَ ظُلْمًا مِنْ شِكَايَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ الَّذِي هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فِيمَا أَصَابَهُ مِنْ ضُرٍّ أو فاته من خير إلا مَنْ لَا يَرْحَمُهُ وَلَا يَسْمَعُهُ وَلَا يُبْصِرُهُ وَلَا يَعْلَمُهُ وَلَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِدَاعِيهِ مِنْ ضُرٍّ وَلَا نَفْعٍ وَلَا مَوْتٍ وَلَا حَيَاةٍ وَلَا نُشُورٍ، وَلَا يُغْنِي عَنْهُ مِثْقَالَ ذرة، عدوله عَمَّنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ، وَيَفْزَعُ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ إِلَى مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ ألبته، وَصَرْفُهُ عِبَادَةَ خَالِقِهِ -الَّذِي خَلَقَهُ لِعِبَادَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَرَبَّاهُ بِنِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَحَفِظَهُ وَكَلَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَحَمَاهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَخَاوِفِ وَالْأَخْطَارِ -لِمَخْلُوقٍ مثله خلقه اللَّهُ تَعَالَى بِمَا شَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفِ، لَا يُبْدِي حَرَاكًا وَلَا يَنْفَكُّ مِنْ قَبْضَةِ الله بل هو خلقه معبوداً، وهذا رسول الله ﷺ يأمره ربه جلا وعلا فيقول له: ﴿قل لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا *قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أجد من دونه ملتحداً﴾ (٢) .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ: قَالَ: (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ) .
وَالِاسْتِعَاذَةُ وَالَاسْتِعَانَهْ ... كَذَا اسْتِغَاثَةٌ بِهِ سُبْحَانَهْ
وَالذَّبْحُ وَالنَّذْرُ وَغَيْرُ ذَلِكْ ... فَافْهَمْ هُدِيتَ أَوْضَحَ الْمَسَالِكْ
وَصَرْفُ بَعْضِهَا لِغَيْرِ اللَّهِ ... شِرْكٌ وَذَاكَ أَقْبَحُ الْمَنَاهِي
•
أسئلة:
١- بين أن توحيد الإثبات أعظم حجة على توحيد الطلب والقصد مع ذكر بعض الأدلة؟
٢- هل كان المشركون يقرون لله بالربوبية؟ وما الدليل؟
٣- هل يمكن أن يوجد التوحيد الحق للربوبية دون توحيد الألوهية؟ وضح ما تقول بمثال.
٤- بين معنى توحيد الألوهية ومكانته وعلاقته بمعنى كلمة لا إله إلا الله؟
٥- بين ما يصح تقديره وما لا يصح بعد كلمة (إله) في قولنا "لا إله إلا الله"؟ واذكر معنى هذه الكلمة العظيمة، وفضلها، وشروطها!
٦- اذكر علامات محبة العبد لربه، مع الأدلة!
٧- لماذا كانت شهادة أن لا إله إلا الله تتضمن أو لا تتم إِلَّا بِشَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟
٨- بين أنه لا تناقض بين أحاديث أن الشهادتين سبب لدخول الجنة وأحاديث الوعيد بالنار أو تحريم الجنة على من فعل بعض الذنوب ونحو ذلك من أحاديث الوعد والوعيد!
٩- اذكر معنى العبادة، وشروطها (أو أركانها) ، وبعض أنواعها، وحكم من صرف شيئًا منها لغير الله !
١٠- اذكر الأدلة من الكتاب والسنة على أن الدعاء عبادة!
стр. 113
الباب الثاني
الشرك وأنواعه
الباب الثاني: ضِدِّ التَّوْحِيدِ وَهُوَ الشِّرْكُ
وَكَوْنِهِ يَنْقَسِمُ إِلَى أكبر وأصغر وبيان كل منهما
١-تعريف (ضد التوحيد وهو الشرك) :
أ-ضد توحيد الربوبية: هُوَ اعْتِقَادُ الْعَبْدِ وُجُودَ مُتَصَرِّفٍ مَعَ اللَّهِ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ .
ب-ضد توحيد الأسماء والصفات (الإلحاد) : وسبق أنه ثلاث أنواع (١) :
١- نفي الأسماء والصفات عن الله تعالى وتعطيله عن صفات كماله ونعوت جلاله، وهو إلحاد النفاة.
٢-تشبيه صفات الله تعالى بصفات خلقه، وهو إلحاد المشبه.
٣-تنزيل المخلوق بمنزلة الخالق وهو إلحاد المشركين الذين سموا أصنامهم آلهة واشتقوا أسماء لها من أسماء الله .
جـ-ضد توحيد الألوهية:
وهو صَرْفُ شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ (٢) وهو الْغَالِبُ عَلَى عَامَّةِ الْمُشْرِكِينَ وَفِيهِ الْخُصُومَةُ بَيْنَ جميع الرسل وأقوامهم.
٢-بدء ظهور الشرك في بني آدم:
كان ذلك في قوم نوح وذلك أن الشيطان منذ أن خلق الله آدم وأمر إبليس بالسجود له فأبى وأهبطه الله إلى الأرض وهو قد أضمر العداوة لآدم وذريته
стр. 114
بدءاً بتحريضهم على الأكل من الشجرة ومخالفة أمر الله ثم في تحريشه بين أبناء آدم الذين كانوا أمة واحدة حتى ألقى بينهم الخلاف، كل ذلك تنفيذاً لمقالته إذ ذاك ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين *إلا عبادك منهم المخلصين﴾ (١) ، ثم كان شر عمل عمله إيقاعه لهم في الشرك، وبيان ذلك ما رواه الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنه قَالَ فِي وَدٍّ وَسُوَاعٍ وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرٍ: هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ (٢) فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْ أَنْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا وَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتُنُوسِيَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ. اهـ (٣) فَلَوْ جَاءَهُمُ اللَّعِينُ وَأَمَرَهُمْ مِنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ بِعِبَادَتِهِمْ لم يقبلوا ولم يطيعوا، بَلْ أَمَرَ الْأَوَّلِينَ بِنَصْبِ الصُّوَرِ لِتَكُونَ ذَرِيعَةً لِلصَّلَاةِ عِنْدَهَا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، ثُمَّ تَكُونَ عِبَادَةُ الله عندها ذريعة لعبادتها ممن يخالفهم.
٣-أول من دعا العرب إلى عبادة الأصنام في الجزيرة العربية:
هو عمرو بن لحي، وبيان ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْكَلْبِيُّ حَيْثُ قَالَ: وَكَانَ عمر ابن لُحَيّ كَاهِنًا وَلَهُ رَئِيٌّ مِنَ الْجِنِّ فَقَالَ له: عجل السير والظغن مِنْ تِهَامَةَ، بِالسَّعْدِ وَالسَّلَامَةِ، إِئْتِ جُدَّةَ، تَجِدْ فِيهَا أَصْنَامًا مُعَدَّةً، فَأَوْرِدْهَا تِهَامَةَ وَلَا تَهَبْ، ثُمَّ ادْعُ الْعَرَبَ إِلَى عِبَادَتِهَا تُجَب. فَأَتَى نهر جدة فاستشارها ثُمَّ حَمَلَهَا حَتَّى وَرَدَ تِهَامَةَ وَحَضَرَ الْحَجَّ فَدَعَا الْعَرَبَ إِلَى عِبَادَتِهَا قَاطِبَةً فَأَجَابَهُ عَوْفُ بْنُ عَدْنِ بْنِ زَيْدِ اللَّاتِ فَدَفَعَ إِلَيْهِ وداً فحمله. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أيت عمرو بن لحي الخزاعي يجر
٢-وطائفة أخرى اتخذت القمر صَنَمًا وَزَعَمُوا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ وَالْعِبَادَةَ، وَإِلَيْهِ تدبير هذا العلم السفلي.
٣-الْغُلُوُّ فِي الْمَخْلُوقِ وَإِعْطَاؤُهُ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ حَتَّى جَعَلُوا فِيهِ حَظًّا مِنَ الْإِلَهِيَّةِ وَشَبَّهُوهُ بِاللَّهِ تعالى.
٥- بيان قبح الشرك ووعيد فاعله وأنه أعظم ذنب عصي الله به:
قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (١) ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النار) (٢) .. وقد سبق الكلام في ذلك في نهاية الباب السابق في الحديث عن حكم صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى فراجعه.
٦
-انقسام الشرك إلى أكبر وأصغر (٣) وبيان كل منهما:
أ-الشرك الأكبر:
- معنى الشرك الأكبر وبيان شرك المشركين الذين أرسل إليهم محمد ﷺ -:
هو اتِّخَاذُ الْعَبْدِ غَيْرَ اللَّهِ مِنْ نَبِيٍّ أَوْ ولي أو جماد أو حيوان نداً مساوياً لله يحبه كحبه ويخافه ويخشاه كخشيته ... إلخ.
وفي آيات الكتاب العزيز - كقوله تعالى على سبيل المثال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنداداً يحبونهم كحب الله ... ﴾ (٤) - ما يدل أن المشركين لم يسووا أندادهم بالله في الخلق والتدبير والإحياء والإماتة، ولكن
стр. 117
سووهم به في الحب والخشية، وَلَمْ يُفْرِدُوا اللَّهَ بِالْعِبَادَةِ دُونَ مَنْ سِوَاهُ مع إنهم لم يعبدوا الأصنام استقلالاً بل زعموا أنها تقربهم إلى الله فجمعوا بين شركين:
عبادتهم إياهم من دون الله، وجعلهم شفعاء بدون إذنه تعالى.
كذلك كان شركهم في الرخاء دون الشدة كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إلى البر إذا هم يشركون﴾ (١) .
- بيان ما زاده مشركوا زماننا على شرك الأولين:
١-الشرك في الشدة والرخاء، بل في الشدة أضعاف الرخاء بما يزيدونه من عدد الذبائح للوليّ في الشدة ونحو ذلك.
٢-اعتقادهم متصرفين مع الله فيما لا يقدر عليه إلا هو وإعطاؤهم وإعطاؤهم لمعبوداتهم كثيراً من صفات الربوبية حتى يزعم بعضهم أن الكون لا تتحرك فيه ذرة إلا بإذن فلان. تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
- أقسام المعبودين من دون الله وعاقبتهم:
المعبود من دون الله إما أن يكون عاقلاً أو غير عاقل، والأول إما أن يكون راضياً بأن يعبد وإما أن لا يكون راضياً، فأما غير العاقل والعاقل الراضي بالعبادة فهؤلاء حصب جهنم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ (٢) ، وأما العاقل الذي لم يرض بالعبادة فهو بريء ممن عبده يوم القيامة، قال تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أكثرهم بهم مؤمنون﴾ (٣) وغير ذلك من الآيات في عيسى ﵇ وغيره.
стр. 118
ب-الشرك الأصغر:
وهذا النوع لا يخرج من الملة (١) . ومن أمثلته:
١-الرياء: وهذا الرياء هو شرك أصغر يختلف عن الرياء المذكور عن المنافقين في القرآن الذي هو شرك أكبر، والفارق في ذلك النية، فإذا كَانَ الْبَاعِثُ عَلَى الْعَمَلِ هُوَ إِرَادَةُ غَيْرِ الله فذلك النفاق الأكبر (٢) ، وَإِنْ كَانَ الْبَاعِثُ عَلَى الْعَمَلِ هُوَ إِرَادَةُ اللَّهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَلَكِنْ دَخَلَ الرياء في تزيينه وتحسينه فذلك هو الشرك الأصغر المفسر بالرياء العملي (٣) (يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ إِلَيْهِ) (٤) ، وَهَذَا لَا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ وَلَكِنَّهُ يُنْقِصُ مِنَ الْعَمَلِ بِقَدْرِهِ، وَقَدْ يَغْلِبُ عَلَى الْعَمَلِ فَيُحْبِطُهُ كُلَّهُ وَالْعِيَاذُ بالله.
والمراد أن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له
стр. 119
خالصاً وابتغى به وجهه كما ثبت ذلك عنه ﷺ في الصحيح. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ نَادَى منادٍ: مَنْ كَانَ أَشْرَكَ في عمل عمله لله فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك) (١) .
٢-الحلف بغير الله: ففي الصحيح أنه ﷺ قال: (مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ) ، وفي الحديث: (من حلف بغير الله فقد أشرك) (٢) .
وكفارة الحلف بغير الله كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ، والحديث واضح في أن الحلف بغيره تعالى من الشرك، لذا فكفارته قول لا إله إلا الله.
ومثل الحلف بغير الله قول: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وفلان. لكن الصواب أن يقال: ما شاء الله ثم شئت، فالفرق بَيْنَ الْوَاوِ وَثُمَّ أَنَّهُ إِذَا عَطَفَ بِالْوَاوِ كَانَ مُضَاهِيًا مَشِيئَةَ اللَّهِ بِمَشِيئَةِ الْعَبْدِ إِذْ قَرَنَ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا عَطَفَ بِثُمَّ فَقَدْ جَعَلَ مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يشاء الله﴾ (٣) .
٧-أمثلة لبعض أمور شركية يفعلها العامة، وفيه حكم الرقى والتمائم:
هذه الأمور غَالِبُهَا مِنَ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ لَكِنْ إِذَا اعْتَمَدَ العبد عليها بحيث يثق بها ويضيف إليها النفع والضر كَانَ ذَلِكَ شِرْكًا أَكْبَرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، لِأَنَّهُ حينئذ يصير متوكلاً على سوى الله ملتجئاً إلى غيره. وفيما يلي ذكر أمثلة لهذه الأمور:
стр. 120
أ-التعاليق: قال ﷺ : (من علق تميمة فقد أشرك) (١) ، وفي الصحيح أن الرسول ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ أرسل رَسُولًا أَنْ لَا يُبْقِيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةً مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلَادَةً إِلَّا قُطِعَتْ.
ومن التعاليق:
١-الودعة: وهي شَيْءٌ أَبْيَضُ يُجْلَبُ مِنَ الْبَحْرِ يُعَلَّقُ فِي حلوق الصبيان وغيرهم لرد العين.
٢-الناب: وهو ناب الضبع يؤخذ ويعلق من العين.
٣-الحلقة: يلبسونها من العين والواهنة (مرض العضد) .
٤-أعين الذئاب: يعلقونها إذا مات الذئب على الصبيان ونحوهم زعماً أن الجن تفر منها.
٥-الخيط: كثيراً ما يعلقونه على المحموم ويعقدون فيه عقداً بحسب اصطلاحاتهم ويربطونه بيد المحموم أو عنقه طلباً للشفاء.
٦-العضو من النسور: كالعظم ونحوه ويجعلونه خَرَزًا وَيُعَلِّقُونَهَا عَلَى الصِّبْيَانِ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَدْفَعُ العين.
٧-الوتر: كانوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا عَتَقَ وَتَرُ الْقَوْسِ أَخَذُوهُ وعلقوه على الصبيان والدواب لدفع العين.
٨-التمائم: وهي شيء يعلقونه على الأولاد لدفع العين وحكمها كحكم التعاليق سواء كانت كتابة أو غير كتابة إلا إذا كانت كتابة من خالص الوحيين فبعض السلف أجازها والبعض كرهها ومنعها والأحوط البعد عن ذلك.
стр. 121
ب-الرقى:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) (١) وَالتِّوَلَةُ شَيْءٌ يَصْنَعُونَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُحَبِّبُ الْمَرْأَةَ إلى زوجها والرجل إلى امرأته وحملت الرقى المذكورة في الحديث على الرقى الممنوعة.
وفي السنة ما يدل على جواز بعض الرقى بشروط ثلاثة:
١-أن تكون من الكتاب والسنة، لقوله ﷺ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ لما قال له آل عمرو بن حزم: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ، وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرقى فَقَالَ: (مَا أَرَى بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أن ينفع أخاه فليفعل) وفيه: (لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شرك) ، وكان ﷺ إذا زار مريضاً رقاه، وفي ذلك أذكار كثيرة في صحيح البخاري وغيره مثل: (اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ مُذْهِبَ الْبَاسِ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ، شِفَاءً لَا يغادر سقماً) ، وفي صحيح مسلم: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الرقية من العين والحمة والنملة.
والجمة تُطْلَقُ عَلَى لَدْغِ ذَوَاتِ السُّمُومِ كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ ونحوها، والنملة قروح تخرج في الجنب.
٢-أَنْ تَكُونَ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، مَحْفُوظَةً أَلْفَاظُهَا، مَفْهُومَةً مَعَانِيهَا، فَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهَا إِلَى لِسَانٍ آخَرَ فإن في ذلك فرصة للشياطين في إيقاع الناس في الشرك والكفر وهم يقولون ما لا يدرون معناه.
٣-أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهَا سَبَبٌ مِنَ الْأَسْبَابِ لَا تأثير لها إلا بإذن الله، فلا يعتقد فيها نفعاً بذاتها.
стр. 122
جـ-التبرك بالأشجار والأحجار والبقاع والقبور وما يحصل عندها من الشركيات والبدع، وفيه أقسام الزيارة:
ويدخل في ذلك عدة أمور منها:
١-الاستشفاء بتربة القبور: ويقع ذلك من الجاهلين على أنواع مثل أخذها ومسح الجلد بها، أو التمرغ على القبور أو الاغتسال بها مع الماء أو شرها.. الخ، وهذا كله ناشيء من اعتقادهم في صاحب الْقَبْرِ أَنَّهُ يَنْفَعُ وَيَضُرُّ حَتَّى عَدُّوا ذَلِكَ إلى تربته التي دفن فيها وبعضهم يعديه إلى التربة التي وضعت عليه جنازته.
٢-التبرك بالأشجار والأحجار والبقاع والقبور واتخاذها أعياداً: وقد نهى رسول الله ﷺ عن كل هذه الأعمال الشركية وما يوصل إليها فمن ذلك قوله ﷺ : (لا تجعلوا قبري عيداً) (١) ، وقوله ﷺ : (اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائهم مساجد) (٢) ، رواه مالك في الموطأ. وقال ﷺ : (لَا تُصَلُّوا إِلَى القبور ولا تجلسوا عليها) (٣) ، ولما قال له الصحابة رضوان الله عليهم: اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أنواط - أي كما للمشركين ذات أنواط أي شجرة يعكفون عندها ويضعون عليها أسلحتهم - قال: (اللَّهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السَّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، قَالَ: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم) (٤) .
أما استلام الحجر الأسود ونحوه فذلك تعظيم لأمر الله لا للحجر، وأما
стр. 123
تعظيم الرسول ﷺ وما أمر بتعظيمه فذلك من التعظيم المشروع إذا تم وفق الشرع، وهو راجع إلى تعظيم الله تعالى وأمره.
٣-تعلية القبور والبناء عليها وإيقادها: وهذا مع ما فيه من الذريعة للشرك ففيه تشبه باليهود والنصارى الذين شيدوا المساجد على القبور، وقد حذر المصطفى ﷺ من ذلك، فقال ﵊: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وذراعاً بذراع حتى لو سلكوا حجر ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: (فمن) ؟ أخرجاه، وفي الصحيح أيضاً قال ﷺ : (قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مساجد) (١) . ولمسلم عن جابر ﵁: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَأَنْ يبني عليه (٢)
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عيداً، وصلوا عليّ فإن صلاتي تبلغني حيث كنتم) (٣) رواه أبو داود، ولمسلم عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسْدِي قَالَ: قَالَ لِي علي بن أبي طالب ﵁: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَلَّا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرَفًا إِلَّا سويته) .
стр. 124
* زيارة المقابر وأقسامها: وتنقسم الزيارة إلى ثلاثة أقسام:
١-زيارة شرعية: وهي زيارة القبور لتذكر الآخرة والدعاء لأموات المسلمين ولنفسه كما علمنا الرسول ﷺ أن نقول، دون شدٍ للرحال أو فعل أو قول من أفعال وأقوال الشرك، وألاّ تقع من النساء (١) .
وأدلة هذه الزيارة ما يلي:
-قوله ﷺ : (كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تُرِقُّ القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجراً) (٢) أي: محظوراً شرعاً.
-كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُمْ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ) ، رَوَاهُ أَحْمَدُ ومسلم وابن ماجه (٣) ، وزاد مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ: (يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَّا ومنكم والمتأخرين) (٤) .
-وقال ﵊: (لا يشد الرحال إلاّ إلى ثلاث مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى) والحديث في الصحيحين.
-وثبت عنه ﷺ أنه لعن زوارات القبور (٥) .
стр. 125
٢-زيارة بدعية: وهي ما صاحبها الاعتكاف عند القبر أو شد الرحال أو الصلاة أو التوسل بأهلها.
قال ﷺ : (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ) (١) ، وقال: (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) (٢) .
وأما حديث الأعمى الذي فيه أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي. قَالَ: (إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ) قَالَ: فَادْعُهُ. قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، إني توجهت بك على رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِي، اللَّهُمَّ فشفعه فيّ) ، وفي رواية: (وشفعني فيه) فهذا الحديث ضعفه كثير من العلماء، وإن جزمنا بصحته (٣) فليس فيه أن توسل بغائب أو ميت وإنما توسل بدعاء النبي ﷺ وهو حاضر حيث طلب منه الدعاء وأجابه رسول الله ﷺ إلى ذلك، وتوسل هو بدعاء النبي ﷺ ودعا هو بنفسه، فاجتمع الدعاء من الجهتين، وهذا مشروع كان يفعله الصحابة مع الرسول ﷺ وفعلوه من بعده حين توسلوا بدعاء العباس ﵁ في الاستسقاء، ولو كان معلوماً لديهم جواز التوسل بالأشخاص أنفسهم لما عدلوا عن التوسل به ﷺ إلى العباس ﵁، وإنما توسلهم كان بالدعاء كما في قولهم: (اللهم إنا كنا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بعم نبينا فاسقنا) ، كما هو مذكور في صحيح البخاري.
стр. 126
٣-زيارة شركية: وهي دعاء المقبور نفسه والعياذ بالله وسؤاله ما لا يقدر عليه. قال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ ربه إنه لا يفلح الكافرون﴾ (١) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم﴾ (٢) .
د-التمادي في إطرائه ﷺ والغلو في الصالحين:
وقد صح النهي عن ذلك فِي قَوْلِهِ ﷺ : (لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) والحديث في الصحيحين عن عمر ﵁ (٣) .
وقد قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا * قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلَاغًا من الله ورسالاته..﴾ (٤) فإذا كان هذا شأنه ﷺ فكيف بمن هو دونه؟! .
٨-بيان حقيقة السحر وحكم الساحر (٥) :
أ-مذهب أهل السنة وأنهم يثبتون حقيقة السحر:
السحر مُتَحَقِّقٌ وُقُوعُهُ وَوُجُودُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حقيقة لم ترد النواهي
стр. 127
عنه في الشرع، والوعيد على فعله، وَالْعُقُوبَاتُ الدِّينِيَّةُ وَالْأُخْرَوِيَّةُ عَلَى مُتَعَاطِيهِ، وَالِاسْتِعَاذَةُ مِنْهُ أمراً وخبراً، قال تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يعلون النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ منهما ما يفرقون بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ الله خير لو كانوا يعلمون﴾ (١) ، وقال : ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ (٢) ، والنفاثات هي السَّوَاحِرُ يَعْقِدْنَ وَيَنْفُثْنَ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بهذه النصوص وغيرها أَنَّ السِّحْرَ حَقِيقَةٌ وُجُودُهُ وَلَهُ تَأْثِيرٌ فَمِنْهُ مَا يُمْرِضُ وَمِنْهُ مَا يَقْتُلُ وَمِنْهُ مَا يَأْخُذُ بِالْأَبْصَارِ، وَمِنْهُ مَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وزوجه كما في الآية، لَكِنَّ تَأْثِيرَهُ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بِمَا قَدَّرَهُ الله وقضاه وخلقه عندما يلقي الساحر وما يلقي.
وقد ثبت في الصحيحين أنه ﷺ قد سحر حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وما فعله، وقد نقل النووي عن المازري رحمهما الله أن مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَجُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى إثبات السحر، وأنه لَهُ حَقِيقَةً كَحَقِيقَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الثَّابِتَةِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَنَفَى حَقِيقَتَهُ، وَأَضَافَ مَا يَقَعُ مِنْهُ إِلَى خَيَالَاتٍ بَاطِلَةٍ لَا حَقَائِقَ لَهَا، وَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي
стр. 128
كِتَابِهِ وَذَكَرَ أَنَّهُ مِمَّا يُتَعَلَّمُ وَذَكَرَ مَا فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ مِمَّا يَكْفُرُ بِهِ وَأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَهَذَا كُلُّهُ لا يمكن فيما لا حقيقة له. أهـ. وقال النووي أيضاً: قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السِّحْرَ لَهُ حَقِيقَةٌ إِلَّا أَبَا حنيفة فإنه: قال لا حقيقة عنده. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَعِنْدَنَا أَنَّ السِّحْرَ حَقٌّ وَلَهُ حَقِيقَةٌ يَخْلُقُ اللَّهُ عِنْدَهُ ما يشاء خلافاً للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفرائيني حيث قالوا: إنه تمويه وتخييل. أهـ.
فثبت وتقرر من هذا وغيره تحقق السحر وتأثره بإذن الله، فَأَمَّا الْقَتْلُ بِهِ وَالْأَمْرَاضُ وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْمَرْءِ وزوجه وأخذه بِالْأَبْصَارِ فَحَقِيقَةٌ لَا مُكَابَرَةَ فِيهَا، وَأَمَّا قَلْبُ الْأَعْيَانِ كَقَلْبِ الْجَمَادِ حَيَوَانًا وَقَلْبِ الْحَيَوَانِ مَنْ شَكْلٍ إِلَى آخَرَ فَلَيْسَ بِمُحَالٍ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ وَلَا غَيْرَ مُمْكِنٍ فَإِنَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ ذَلِكَ عِنْدَمَا يُلْقِي السَّاحِرُ مَا أَلْقَى امْتِحَانًا وَابْتِلَاءً وَفِتْنَةً لِعِبَادِهِ وَلَكِنَّ الَّذِي أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي الْوَاقِعِ مِنْ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ في قصتهم مع موسى ﵇ إنما هو التخيل وَالْأَخْذُ بِالْأَبْصَارِ حَتَّى رَأَوُا الْحِبَالَ وَالْعِصِيَّ حَيَّاتٍ، فنؤمن بالخير وَنُصَدِّقُهُ وَلَا نَتَعَدَّاهُ وَلَا نُبَدِّلُ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَنَا وَلَا نَقُولُ عَلَى اللَّهِ ما لا نعلم وبالله التوفيق.
ب-بيان أن ما ثبت من أنه ﷺ سُحِرَ لا يتنافى مع عصمته:
ونقل النووي عن المازري أيضاً أن بعض المبتدعة أنكر حديث الصحيحين في أنه ﷺ سحر بزعم أَنَّهُ يَحُطُّ مِنْ مَنْصِبِ النُّبُوَّةِ وَيُشَكِّكُ فِيهَا وَأَنَّ تَجْوِيزَهُ يَمْنَعُ الثِّقَةَ بِالشَّرْعِ.
وَهَذَا الَّذِي قالوه بَاطِلٌ لِأَنَّ الدَّلَائِلَ الْقَطْعِيَّةَ قَدْ قَامَتْ عَلَى صِدْقِهِ وَصِحَّتِهِ وَعِصْمَتِهِ ﷺ فيما يتعلق بالتبليغ (١) والمعجزة شاهدة بذلك بخلاف ما يتعلق
стр. 129
بِبَعْضِ أُمُورِ الدُّنْيَا الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ بِسَبَبِهَا وَلَا كَانَ مُفَضَّلًا مِنْ أَجْلِهَا وَهُوَ مِمَّا يعرض للبشر، وإذا كان الأمر كذلك فغير بعيد أن يخيل إليه ﷺ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنه وطيء زوجاته وليس بواطيء، وَقَدْ يَتَخَيَّلُ الْإِنْسَانُ مِثْلَ هَذَا فِي الْمَنَامِ فَلَا يَبْعُدُ تَخَيُّلُهُ فِي الْيَقَظَةِ وَلَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَقِيلَ إِنَّهُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَهُ وما فعله ولكن لا يعتقد صحة ما يتخيله. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ جَاءَتْ رِوَايَاتُ هَذَا الْحَدِيثِ مُبَيِّنَةً أَنَّ السِّحْرَ إِنَّمَا تَسَلَّطَ عَلَى جَسَدِهِ وَظَوَاهِرِ جَوَارِحِهِ لَا عَلَى عَقْلِهِ وَقَلْبِهِ وَاعْتِقَادِهِ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّهُ يَأْتِي أَهْلَهُ وَلَا يَأْتِيهِنَّ، وَيُرْوَى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ، أَيْ يَظْهَرُ له من شدة نَشَاطِهِ وَمُتَقَدِّمُ عَادَتِهِ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِنَّ فَإِذَا دَنَا مِنْهُنَّ أَخَذَتْهُ أَخْذَةُ السِّحْرِ فَلَمْ يَأْتِهِنَّ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يَعْتَرِي الْمَسْحُورَ، وَكُلُّ مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَاتِ مِنْ أَنَّهُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ لَمْ يَفْعَلْهُ وَنَحْوُهُ فَمَحْمُولٌ على التخيل بالبصر لا الخلل المتطرق للعقل (١) اهـ.
جـ- حكم الساحر:
الساحر الذي يمارس السحر المتعلم من الشياطين أو الذي تدخل فيه الشياطين كافر، تعلم هذا السحر أَوْ عَلَّمَهُ، عَمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْمَلْ، وقد علم أن هذا السِّحْرَ لَا يَعْمَلُ إِلَّا مَعَ مَنْ كَفَرَ بالله، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اسْتِبْدَالَ مَا تَتْلُوهُ الشَّيَاطِينُ وَتَتَقَوَّلُهُ وَالِانْقِيَادَ لَهُ وَالْعَمَلَ بِهِ عِوَضًا عَمَّا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى رَسُولِهِ ﷺ مِنْ أَعْظَمَ الْكُفْرِ وَهُوَ مِنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ الَّتِي هِيَ أَصِلُ الْكُفْرِ وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى طَاعَةَ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ فِي تَحْلِيلِ مَا حرم الله أو تحريم ما أحله عِبَادَةً وَأَنَّهُ اتِّخَاذٌ لَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله فَكَيْفَ فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ فِيمَا يُنَافِي الْوَحْيَ فهل فوق هذا الشرك من كفر، والآيات صريحة في كفر الساحر كقوله تعالى: ﴿وما
стр. 130
كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السحر﴾ فالكفر وقع بتعليم الناس السحر، وهذا في المعلم أما المتعلم فقال في شأنه: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خلاق﴾ يَعْنِي مِنْ حَظٍّ وَلَا نَصِيبٍ، وَهَذَا الْوَعِيدُ لَمْ يُطْلَقْ إِلَّا فِيمَا هُوَ كُفْرٌ لَا بَقَاءَ لِلْإِيمَانِ مَعَهُ فَإِنَّهُ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلا ويدخل الجنة وكفى بدخول الجنة خلاقاً. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ الله خير لو كانوا يعلمون﴾ وَهَذَا مِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ عَلَى كُفْرِ السَّاحِرِ وَنَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ للمؤمن المتقي: ولو آمن واتقى.
وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ كَافِرًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّ السِّحْرَ الْمُتَعَلَّمَ مِنَ الشَّيَاطِينِ كُلُّهُ كُفْرٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ كَمَا هُوَ ظاهر القرآن (١) .
د-حد الساحر:
١-إن كان سحره مما يكفر به -كما سبق- فحده القتل ضربة بالسيف كما هُوَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ مِنْ عُمُومِ النُّصُوصِ فِي الكفار المرتدين، وكما روي
стр. 131
عن جندب مرفوعا (١) - قال الترمذي: والصحيح عن جندب موقوفاً - (حد الساحر ضربة السيف) وبعض أهل العلم على ذلك أي على قتل الساحر بمجرد السحر، وقول مالك وكذا أخذ بهذا أبو حنيفة وأحمد ﵏ جميعاً (٢) ، وصح عن عمر ﵁ أنه كتب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة (٣) . وصح عند مالك في الموطأ عن حفصة ﵂ أنها قتلت جارية لها سحرتها (٤) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا يُقْتَلُ السَّاحِرُ إِذَا كَانَ يَعْمَلُ مِنْ سِحْرِهِ مَا يَبْلُغُ الْكُفْرَ فَإِذَا عَمِلَ عَمَلًا دُونَ الْكُفْرِ فَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قتلاً.
٢-إذا كان سحره لا يبلغ الكفر لكن اعتقد جوازه كفر كذلك وقتل حد المرتد.
٤-إذا كان سحره يبلغ الكفر أو لا يبلغه لكن قتل به إنساناً فإنه يقتل عند مالك وأحمد والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يقتل حتى يقرر منه ذلك أو يُقِّر به في حق شخص معين وهنا يقتل حداً إذا كان كفراً ويقتل قصاصاً إن لم يبلغ الكفر. وقال الشَّافِعِيُّ: فَإِنْ قَالَ: لَمْ أَتَعَمَّدِ الْقَتْلَ فَهُوَ مخطئ عليه الدية.
стр. 132
عقوبة الساحرة:
قال مالك وأحمد والشافعي في الساحرة إذا كانت من المسلمين أنها تقتل وحكمها حكم الرجل.
وعند أبي حنيفة لا تقتل ولكن تحبس.
ساحر أهل الكتاب:
عند أبي حنيفة يقتل فيما يقتل فيه الساحر من المسلمين.
وعند مالك والشافعي وأحمد أنه لا يقتل لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لم يقتل لبيد ابن الأعصم اليهودي عندما سحره.
وروى البعض عن مالك في الذمي روايتين إحداهما أَنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَالثَّانِيَةُ أنه يقتل وإن أسلم.
هل تقبل توبة الساحر إذا تاب ؟
عند أبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور: لا تقبل.
وعند الشافعي وأحمد في رواية: تقبل.
لكن قال مالك: إذا ظُهِر عليه تَوْبَتُهُ لِأَنَّهُ كَالزِّنْدِيقِ، فَإِنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ يظهر عليه وجاءنا تائباً قبلناه.
هـ-تعريف النشرة وحكمها:
النشرة في حل السحر عن المسحور، فإذا كان بسحر مثله محرم، وإن كان بالرقي والتعاويذ والأدعية المشروعة فمشروع ندب إليه الشرع، ومن أعظم ذلك فاتحة الكتاب وآية الكرسي والمعوذتان. أما قول الحسن: لا يحل السحر إلا ساحر وما روى إنه ﷺ لما سئل عن النشرة قال: هي من عمل الشيطان (١) ، فمحمول على حل السحر بالسحر.
стр. 133
وذم التنجيم وأنه من أنواع السحر:
-علم النجوم أنواع عديدة، منها:
١-وهو أَعْظَمُهَا، مَا يَفْعَلُهُ عَبْدَةُ النُّجُومِ وَيَعْتَقِدُونَهُ فِي السَّبْعَةِ السَّيَّارَةِ وَغَيْرِهَا فَقَدْ بَنَوْا بُيُوتًا لِأَجْلِهَا وَصَوَّرُوا فِيهَا تَمَاثِيلَ سَمَّوْهَا بِأَسْمَاءِ النُّجُومِ وَجَعَلُوا لها مناسك مخصوصة لعبادتها.
٢-ومنهم من يقوم بكتابة حروف أبا جَادَ وَيَجْعَلُ لِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا قَدْرًا مِنَ الْعَدَدِ مَعْلُومًا وَيُجْرِي عَلَى ذَلِكَ أَسْمَاءَ الْآدَمِيِّينَ والأزمنة والأمكنة ... إلخ، ويجمع ويطرح بطرق عنده وينسب ذلك إلى الأبراج الاثني عشر ثم يحكي على ذلك بالسعود والنحوس.
٣-ومنها النظر في حركات الأفلاك ودوراتها وَطُلُوعِهَا وَغُرُوبِهَا وَاقْتِرَانِهَا وَافْتِرَاقِهَا مُعْتَقِدِينَ أَنَّ لِكُلِّ نجم منها تأثيرات في كل حركة من حركاته منفرداً وأخرى عند اقترانه بغيره من هبوب الرياح وغلاء الأسعار وغير ذلك.
٤-ومنها النظر إلى مَنَازِلِ الْقَمَرِ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مَعَ اعْتِقَادِ التَّأْثِيرَاتِ فِي اقْتِرَانِ الْقَمَرِ بِكُلٍّ مِنْهَا وَمُفَارَقَتِهِ وَأَنَّ في ذلك سعوداً أو نحوساً وتأليفاً أو تفريقاً.
-وأما عن
حكم الاشتغال به
فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ فَقَدِ اقْتَبَسَ شعبة من السحر زاد ما زاد) (١) .
وقال ﵊: (أخاف على أمتي من ثلاث: حيف الأئمة، وإيماناً بالنجوم، وتكذيباً بالقدر) (٢) .
стр. 134
وقال قتادة ﵀: إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثِ خِصَالٍ، جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَجَعَلَهَا يُهْتَدَى بِهَا، وَجَعَلَهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، فَمَنْ تَعَاطَى فِيهَا غَيْرَ ذلك فقد قال برأيه وأخطأ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ به.
٩-الكهانة، تعريفها وحكمها:
أ-الْكَاهِنُ: فِي الْأَصْلِ هُوَ مَنْ يَأْتِيهِ الرِّئِيُّ من الشياطين المسترقة للسمع، تتنزل عليهم كما قال تَعَالَى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تنزل على كل أفاك أثيم ... ﴾ (١) فهذا أصل الكاهن، ويستوي معه في الحكم كل من يدعي علم المغيبات، كَالرَّمَّالِ الَّذِي يَخُطُّ بِالْأَرْضِ أَوْ غَيْرِهَا، وَالْمُنَجِّمِ الذي ذكرناه، والطارق بالحصى، وغير ذلك.
ب-الفرق بين قدرة الشياطين على استراق السمع قبل البعثة وبعدها:
كانت الشياطين قبل بعثته ﷺ لا تحجب عن التسمُّع لما يدور في الملأ الأعلى، أما بعد بعثته ﷺ فكانوا يرجمون بالشهب إذا حاولوا الاستماع، كما ذكره الله عنهم في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشهباً*وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً﴾ (٢) .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: سَأَلَ نَاسٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْكُهَّانِ فَقَالَ: (إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ) . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ حَقًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (تلك الكلمة من الحق يخطفها الْجِنِّيُّ فَيُقَرْقِرُهَا فِي أُذُنِ وَلَيِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجِ، فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة) .
стр. 135
وَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا فُزِّع عَنْ قُلُوبِهِمْ -أي زال عنهم الفزع - ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١) فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ - وَصَفَهُ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَّفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ - فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ معها - أي الكاهن - مائة كذبة، فيقول: أوليس قد قال لنا يوم كذا كذا وكذا وَكَذَا؟ فيُصدق بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السماء) .
جـ-حكم الكاهن:
الكاهن كافر فهو لي الشيطان، فلا يوحى إليه إلا بعدما يتولاه، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ (٢) ، والشيطان لا يتولى إلا الكفار ويتولونه، ومن هداه الله من الكهان إلى الإيمان كَسَوَادِ بْنِ قَارِبٍ ﵁ لَمْ يَأْتِهِ رِئِيُّهُ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ، فدل على أَنَّهُ لَمْ يَتَنَزَّلْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَّا لكفره وتوليه إياه، ثم الكاهن يتشبه برب العزة في صفاته وينازعه في ربوبيته إذ عِلْمَ الْغَيْبِ مِنْ صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ الله بها دون سواه.
وقد وردت النُّصُوصُ فِي كُفْرِ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فصدقه - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - فكيف بالكاهن نفسه فيما دعاه!!
حكم من أتى كاهناً فسأله عن شيء:
مجرد إتيان الكهان وسؤالهم كبيرة عظيمة، ومن فعل ذلك لا تقبل له صلاة
•
أسئلة:
١- ما ضد التوحيد وما أقسام ذلك؟
٢- كيف كان بدء ظهور الشرك في بني آدم؟ ومن أول من دعا العرب في الجزيرة إلى عبادة الأصنام؟
٣- ما هي الأبواب التي تلاعب الشيطان من خلالها بالمشركين في عبادة الأصنام؟
٤- اذكر آية وحديثًا في الدلالةِ على قبحِ الشرك وأنه أعظم ذنب عصي الله به، ووعيدِ فاعله.
٥- اذكر معنى الشرك الأكبر وبين شرك المشركين الذين أرسل إليهم محمد ﷺ وما زاده مشركو زماننا على شركهم.
٦- اذكر أقسام المعبودين من دون الله وعاقبتهم.
٧- ما المراد بالشرك الأصغر وما حكم الواقع فيه؟
٨- ما معنى الرياء وما الحكم في عمل المرائي، مع الدليل؟
٩- ما حكم الحلف بغير الله، وما كفارته مع الأدلة؟
١٠- ما حكم قول (ما شاء الله وشئت) و (لولا الله وفلان) ؟ مع ييان الفرق بين الواو وثم في ذلك؟
١١- اذكر بعض الأمثلة من الأمور الشركية التي يفعلها العامة مما ذكره المؤلف مبينًا حكم الشرع في هذه الأمور وأمثالها ومتى تصير شركًا أكبر؟
١٢- اذكر ما تعرفه عن كل من التعاليق وأمور الجاهلية التالية، مبينًا حكم التعاليق والتمائم: الودعة-الناب-الحلقة-أعين الذئاب-الخيط-العضو من النسور-الوتر-الاستشفاء بتربة القبور؟
стр. 140
الجزء الثاني
стр. 141
الباب الأول: وفيه ثلاث فصول:
١-الإسلام.
٢-الإيمان.
٣-الإحسان.
الباب الثاني: وفيه ثلاث فصول:
١-فصل في ست مسائل تتعلق بمباحث الدين.
٢-فَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وتبلغه الرسالة.
٣-فَصْلٌ فِي مَنْ هُوَ أَفْضَلُ الْأُمَّةِ بَعْدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَذَكَرَ الصَّحَابَةِ بِمَحَاسِنِهِمْ وَالْكَفِّ عَنْ مَسَاوِئِهِمْ وَمَا شَجَرَ بينهم
خاتمة في وجوب التمسك بالكتاب والسنة.
стр. 142
الباب الأول: الإسلام والإيمان والإحسان
وهو يجمع بين حديث جبريل ﵇ فِي تَعْلِيمِنَا الدِّينَ وَأَنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ وَالْإِحْسَانُ، وَبَيَانُ كُلٍّ مِنْهَا.
- حديث جبريل ﵇:
عن يحي بْنِ يَعْمُرَ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِىُّ فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ، حَاجَّيْنَ -أَوْ مُعْتَمِرَيْنَ- فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عبد الله بن عمر ﵄ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي، أَحَدُنَا عَنْ يمينه والآخر عن شماله فظننت [أن] صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم (١) وذكر من شأنهم، أنهم يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ، قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ:: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذات يوم إذ طل عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه (٢)