← Акыда

Акыда · id 22922

مختصر معارج القبول

هشام آل عقدة

Полный текст (390 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الباب الأول: وفيه ثلاث فصول: ١-الإسلام. ٢-الإيمان. ٣-الإحسان. الباب الثاني: وفيه ثلاث فصول: ١-فصل في ست مسائل تتعلق بمباحث الدين. ٢-فَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وتبلغه الرسالة. ٣-فَصْلٌ فِي مَنْ هُوَ أَفْضَلُ الْأُمَّةِ بَعْدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَذَكَرَ الصَّحَابَةِ بِمَحَاسِنِهِمْ وَالْكَفِّ عَنْ مَسَاوِئِهِمْ وَمَا شَجَرَ بينهم خاتمة في وجوب التمسك بالكتاب والسنة.

стр. 142

الباب الأول: الإسلام والإيمان والإحسان وهو يجمع بين حديث جبريل ﵇ فِي تَعْلِيمِنَا الدِّينَ وَأَنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ وَالْإِحْسَانُ، وَبَيَانُ كُلٍّ مِنْهَا. - حديث جبريل ﵇: عن يحي بْنِ يَعْمُرَ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِىُّ فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ، حَاجَّيْنَ -أَوْ مُعْتَمِرَيْنَ- فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عبد الله بن عمر ﵄ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي، أَحَدُنَا عَنْ يمينه والآخر عن شماله فظننت [أن] صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم (١) وذكر من شأنهم، أنهم يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ، قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ:: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذات يوم إذ طل عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه (٢)

стр. 143

وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْإِسْلَامُ أن تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ محمد رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) قال: صدقت فعجبنا له أن يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) . قَالَ صَدَقْتَ. قال: فَأَخْبَرَنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ: (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) . قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ: (مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ) . قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا. قَالَ: (أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ) قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ ملياً، ثم قال لي: (ياعمر أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟) قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: (فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) والحديث رواه مسلم. * * *

стр. 144

الفصل الأول: الإسلام هَذِهِ هِيَ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ الذي ذكرناه. *أولاً - تعريف الإسلام: -الإسلام لغة: الانقياد والإذعان -أما في الشريعة فإطلاقه حالتان: الحالة الأولى: أن يطلق على الانفراد غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِذِكْرِ الْإِيمَانِ فَهُوَ حينئذٍ يُرَادُ به الدين كله، أصوله وفروعه، من اعتقاداته وأقواله وأفعاله لقوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ (٢) وقوله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ منه﴾ (٣) وقوله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السلم كافة﴾ (٤) أي في كافة شرائعه. ويقول ﷺ : (إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا وَمُحِيَتْ عَنْهُ كُلُّ سَيِّئَةٍ كَانَ أزلفها) (٥) فَإِنَّ الِانْقِيَادَ ظَاهِرًا بِدُونِ إِيمَانٍ لَا يَكُونُ حُسْنَ إِسْلَامٍ بَلْ هُوَ النِّفَاقُ فَكَيْفَ تُكْتَبُ له حسنات أو تمحى عنه سيئات؟ .

стр. 145

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُطْلَقَ مُقْتَرِنًا بِالِاعْتِقَادِ فَهُوَ حِينَئِذٍ يُرَادُ بِهِ الْأَعْمَالُ وَالْأَقْوَالُ الظَّاهِرَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قلوبكم﴾ (١) ، وكقوله ﷺ لَمَّا قَالَ لَهُ سعد ﵁: مالك عَنْ فُلَانٍ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ ﷺ : (أَوْ مُسْلِمٌ) (٢) يَعْنِي أَنَّكَ لَمْ تَطَّلِعْ عَلَى إِيمَانِهِ وَإِنَّمَا اطَّلَعْتَ عَلَى إِسْلَامِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ، وَفِي رِوَايَةِ النسائي: (لاتقل مُؤْمِنٌ وَقُلْ مُسْلِمٌ) وَكَحَدِيثٍ عُمَرَ هَذَا، وَغَيْرِ ذلك من الآيات والأحاديث. * ثانياً - أركان الإسلام: الركن لغة: هو الجانب الأقوى، وهو بحسب ما لا يقوم بالكلية إلا به. وركن القوم ونحو ذلك. ومن الْأَرْكَانِ مَا لَا يَتِمُّ الْبِنَاءُ إِلَّا بِهِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَقُومُ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَّا بِهِ. وإنما قيل لهذه الأمور الخمسة التالية أَرْكَانٌ وَدَعَائِمُ لِقَوْلِهِ ﷺ : (بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ..) (٣) فَشَبَّهَهُ بِالْبُنْيَانِ الْمُرَكَّبِ على خمس دعائم. وأركان هذه المرتبة - الإسلام - على قسمين: قولية وعملية، فالقولية الشهادتين، والعملية الباقي، والأخيرة ثلاثة أقسام: بدنية وهي الصلاة

стр. 146

والصوم، ومالية هي الزكاة، وبدنية مالية وهي الحج، وقول القلب وعمله - كما سيأتي إن شاء الله - شرط في ذلك كله. *الركن الأول : الشهادتان: هذا الركن هو أصل الأركان الباقية، وَلَا يَدْخُلُ الْعَبْدُ فِي شَيْءٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ إلا به، ولا يخرج من الدين إلا بمناقضتها، وَلِهَذَا لَمْ يدعُ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى شَيْءٍ قَبْلَهُمَا؟، وَلَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﷺ من أحد شيئاً دونهما، فبالشهادة الأولى - لا إله إلا الله - تَوْحِيدُ الْمَعْبُودِ الَّذِي مَا خَلَقَ الْخَلْقَ إِلَّا ليعبدوه وحده لا شريك له، وفي الثانية - مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَوْحِيدُ الطَّرِيقِ الَّذِي لَا يُوصَلُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا مِنْهُ، وَلَا يَقْبَلُ دِينًا مِمَّنِ ابتغى غيره ورغب عنه. *الركن الثاني: إقامة الصلاة: وقد تقرر اقتران الصلاة وتأدية الزكاة بِالتَّوْحِيدِ، وَتَقْدِيمُهُمَا بَعْدَهُ عَلَى غَيْرِهِمَا فِي غَيْرِ موضع من القرآن أمراً - كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ (١) - وخبراً - كقوله تعالى: ﴿الم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى للمتقين * الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ (٢) وقوله : ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) . أ-فرضيتها: فرضت في ليلة المعراج بعد عشر سنوات من بعثته ﷺ ، ولم يدعُ الرَّسُولُ ﷺ قَبْلَهَا إلى شيء غير التوحيد.

стр. 147

ب-حكم تاركها وعقوبته: في الآيات والأحاديث ما يدل على تَكْفِيرُ تَارِكِهَا وَنَفْيُ الْإِيمَانِ عَنْهُ وَإِلْحَاقُهُ بِإِبْلِيسَ لعنه الله، كقوله تَعَالَى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تاب وآمن وعمل صالحا﴾ (١) . فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُضَيِّعُ الصَّلَاةِ مُؤْمِنًا لَمْ يشترط في توبته الإيمان، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ في الدين﴾ (٢) فَعَلَّقَ أُخُوَّتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا لَمْ فعلوا لم يكونوا إخوة للمؤمنين في الدين، ويفهم منه أنهم ليسوا مؤمنين. وفي صحيح مسلم عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: (إن بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) ، وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فقد كفر) رواه الترمذي (٣) ، وَلَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال كفر غير الصلاة (٤) . وفي الشريعة المطهرة التصريح بوجوب قتل تارك الصلاة، كقوله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سبيلهم﴾ (٥) ، وَقَوْلِهِ ﷺ (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وأن محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ... ) (٦) ، وأما الآثار عن الصحابة فأكثر من أن

стр. 148

تُحْصَرَ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ كُفْرًا إِذَا كان تركه الصلاة عن جحود أو استكباراً وإن قال لا إله إلا الله، وأما إن كان تركه لا جحود لفريضتها ولا استكبار عنها بَلْ لِنَوْعِ تَكَاسُلٍ وَتَهَاوُنٍ كَمَا هُوَ حَالُ كثير من الناس فقد اختلف العلماء هل يقتل كفراً أم حداً (١) إلا ما كان من أبي حنيفة وجماعته أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ بَلْ يُعَزَّرُ ويحبس حتى يصلي. الركن الثالث: تأدية الزكاة أ-فرضيتها: فرضت في السنة الثانية من الهجرة قبل بدر. ب-حكم تاركها: إن كان منعها إِنْكَارًا لِوُجُوبِهَا فَكَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ - بَعْدَ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ - وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا بِوُجُوبِهَا وَكَانُوا جَمَاعَةً ولهم شوكة قاتلهم الإمام لحديث (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إله إلا الله وأن محمد رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بحقها وحسابهم على الله (٢) ، وإن كان الممتنع فَرْدًا مِنَ الْأَفْرَادِ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ قَهْرًا، وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ: هل يكفر أم لا؟ .. هل يقتل أم لا؟ .. والأول هو المشهور عن أحمد ويستدل له بحديث عبد الله بن عمر ﵄ السابق (أمرت أن أقاتل الناس حتى ... ) وَالثَّانِي لَا يُقْتَلُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ورواية عن أحمد. وإذا كان لا يقتل هَلْ يُنَكَّلُ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ مَعَ الزكاة؟

стр. 149

في هذه المسألة حديث لبهز بن حكيم عن أبيه عن جده قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( ... ومن منعها - أي الزكاة - فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ ربنا، لا منه لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (١) ، وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى ثُبُوتِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَلَوْ ثَبَتَ لَقُلْنَا بِهِ. الركن الرابع : الصيام: أ-تعريفه: فِي اللُّغَةِ: الْإِمْسَاكُ. وَفِي الشَّرْعِ: إِمْسَاكٌ مَخْصُوصٌ في زمن مخصوص بشرائط مخصوصة. ب-فرضيته: في السنة الثانية من الهجرة قبل بدر. جـ- حكم تاركه: لا خلاف في كفر من جحد فرضيته واختلف في كفر تاركه وقتله مع الإقرار والاعتراف بوجوبه. الركن الخامس : الحج: هذا الركن على من استطاع إليه سبيلاً (٢) . -حكم تاركه: لا خلاف في كفر من جحد فرضيته واختلف في كفر تاركه مع الإقرار بفرضيته.

стр. 150

وفيما يلي الأبيات المتعلقة بما سبق: اعْلَمْ بِأَنَّ الدِّينَ قَوْلٌ وَعَمَلْ (١) ... فَاحْفَظْهُ وَافْهَمْ مَا عَلَيْهِ ذَا اشْتَمَلْ كَفَاكَ مَا قَدْ قَالَهُ الرَّسُولُ ... إِذْ جَاءَهُ يَسْأَلُهُ جِبْرِيلُ عَلَى مَرَاتِبٍ ثَلَاثٍ فَصَّلَهْ ... جَاءَتْ عَلَى جَمِيعِهِ مُشْتَمِلَهْ الِاسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ ... وَالْكُلُّ مَبْنِيٌّ عَلَى أَرْكَانِ فَقَدْ أَتَى: الْإِسْلَامُ مَبْنِيٌّ عَلَى ... خَمْسٍ فَحَقِّقْ وَادْرِ مَا قَدْ نُقِلَا أَوَّلُهَا الرُّكْنُ الْأَسَاسُ الْأَعْظَمُ ... وَهْوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الْأَقْوَمُ رُكْنُ الشَّهَادَتَيْنِ فَاثْبُتْ وَاعْتَصِمْ ... بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى الَّتِي لَا تَنْفَصِمْ وَثَانِيًا إِقَامَةُ الصلَاةِ ... وَثَالِثًا تَأْدِيَةُ الزَّكَاةِ وَالرَّابِعُ الصِّيَامُ فَاسْمَعْ وَاتَّبِعْ ... وَالْخَامِسُ الْحَجُّ عَلَى مَنْ يَسْتَطِعْ • أسئلة: ١- اذكر حديث جبريل المبين للإسلام والإيمان والإحسان. ٢- بين معنى الإسلام في اللغة والشرع، مع الأدلة فيما يتعلق بمعناه في الشرع. ٣- ما معنى الركن في اللغة؟ ولماذا سميت أركان الإسلام بذلك؟ ٤- بين مكانة الشهادتين من الدين. ٥- متى فرض كل من الصلاة والزكاة والصوم؟ ٦- تحدث باختصار عن حكم من ترك الصلاة أو الزكاة أو الصيام أو الحج. ***

стр. 151

الفصل الثاني: الإيمان

стр. 152

الفصل الثاني: الإيمان هذه هي المرتبة الثانية في الحديث المذكور. * أولاً: تعريف الإيمان: أ-الإيمان لغة وشرعاً: الإيمان لُغَةً: التَّصْدِيقُ. قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ لِأَبِيهِمْ: ﴿وَمَا أنت بمؤمن لنا﴾ (١) أي بمصدق. وأما في الشريعة: فلإطلاقه حالتان: الْأُولَى: أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الْإِفْرَادِ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِذِكْرِ الْإِسْلَامِ فَحِينَئِذٍ يُرَادُ بِهِ الدِّينُ كُلُّهُ، القول والعمل. والثانية: أن يطلق مَقْرُونًا بِالْإِسْلَامِ وَحِينَئِذٍ يُفَسَّرُ بِالِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِنَةِ كَمَا في حديث جبريل وما في معناه وكقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ في كثير مِنَ الْآيَاتِ، وَكَقَوْلِهِ ﷺ : (اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفِّهِ عَلَى الْإِيمَانِ) (٢) وَذَلِكَ أن الأعمال بالجوارح إنما يتمكن منها في الحياة أما عِنْدُ الْمَوْتِ فَلَا يَبْقَى غَيْرُ قَوْلِ الْقَلْبِ وعمله. أما أمثلة الحالة الأولى (٣) فمنها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النور﴾ (٤) ، وقوله تعالى: ﴿والله ولي المؤمنين﴾ (٥) ، وقوله

стр. 153

تعالى * تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ*الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾ (١) ، وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سبيل الله أولئك هم الصادقون﴾ (٢) ، وَقَوْلِهِ ﷺ : (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلا نفس مؤمنة) (٣) ، وَفَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ كله - أمور الدين الظاهرة والباطنة- فِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فَقَالَ: (آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ) قَالَ: (أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ) ؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا الله وأن محمد رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رمضان، وأن تؤدوا من المغنم الخمس) ، وفي الصحيحين (٤) أيضاً: (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطريق) وسمى الله تعالى الصلاة في قوله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) (٥) -أي صلاتكم الأولى إلى بيت المقدس -. وهذا المعنى هو الذي قصده السلف كما نقله الشافعي ﵀ عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم إجماعاً، قالوا: إِنَّ الْإِيمَانَ اعْتِقَادٌ وَقَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَإِنَّ الْأَعْمَالَ كلها داخلة في مسمى الْإِيمَانَ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي أَرَادَ الْبُخَارِيُّ إِثْبَاتَهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَعَلَيْهِ بَوَّبَ أَبْوَابَهُ كُلَّهَا فَقَالَ: (بَابُ أُمُورِ الْإِيمَانِ) وَ (بَابُ الصَّلَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ) وَ (بَابُ الزَّكَاةِ مِنَ الإيمان) ...

стр. 154

إلخ وقال الثوري في التفرقة بين العمل والإيمان: هُوَ رَأْيٌ مُحْدَثٌ أَدْرَكْنَا النَّاسَ عَلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كَانَ مَنْ مَضَى مِنَ السَّلَفِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالْإِيمَانِ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْأَمْصَارِ: أَمَّا بَعْدُ فإن الإيمان فرائض وشرائع فمن استكملها فقد اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإيمان. وكلام أئمة الحديث في كتبهم يطول ذكره، وَمِمَّا قَصَدُوهُ بِذَلِكَ الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ الذين أخرجوا الأعمال من الإيمان أو قصروا الإيمان على بعض أجزائه كمن قال إن الإيمان هو مجرد التصديق أو غير ذلك من مقالات المبتدعة كما سنبينه بمشيئة الله تعالى في الكلام على أقوال المخالفين لأهل السنة من الإيمان، والمقصود هنا تقرير المذهب الصحيح، مذهب أهل السنة والجماعة الذي يقضي بأن الدين الذي لا ينجوا أحد إلا به قول أو عمل، هذا هو معنى الإيمان الذي قصده السلف كما ذكرنا فصار الإيمان يتضمن أموراً أربعة كما هو مفصل في الفقرة التالية. ب-الإيمان قول وعمل: أي قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان والجوارح، وفيما يلي بيان كل منها: ١-قول القلب: وهو تصديقه وإيقانه. قال تَعَالَى. ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلك جزاء المحسنين﴾ (١) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورسوله ثم لم يرتابوا﴾ (٢) أي: صدقوا ثم لم يشكّوا. ٢-قول اللسان: وهو النطق بالشهادتين والإقرار بلوازمهما. قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يحزنون﴾ (٣) ،

стр. 155

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ... ) (١) . ٣-عَمَلُ الْقَلْبِ: وَهُوَ النِّيَّةُ وَالْإِخْلَاصُ وَالْمَحَبَّةُ وَالِانْقِيَادُ وَالْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ ولوازم ذلك وتوابعه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يريدون وجهه﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تليت عليهم آياته زداتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون﴾ (٣) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤) ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دنيا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) (٥) ، وَقَالَ ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) (٦) . ٤-عَمَلُ اللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ: فَعَمَلُ اللِّسَانِ مَا لَا يُؤَدَّى إِلَّا بِهِ كَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ في التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَغَيْرِ ذلك. وعمل الجوارح ما لا يؤدي إلا به كالقيام والركوع والسجود والمشي في

стр. 156

مرضاة الله وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مما في شعب الإيمان قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تجار لن تبور﴾ (١) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين﴾ (٢) . جـ- أنواع الكفر: إذا حققت الأمور الأربعة السابقة تَحْقِيقًا بَالِغًا وَعَرَفْتَ مَا يُرَادُ بِهَا مَعْرِفَةً تامة وفهمت فهماً واضحاً ثم أمنعت النظر في أضدادها ونواقضها يتبين ذلك أَنْوَاعُ الْكُفْرِ لَا تَخْرُجُ عَنْ أَرْبَعَةٍ: كُفْرُ جهل وتكذيب، وكفر جحود وكتمان أو إنكار، وَكُفْرُ عِنَادٍ وَاسْتِكْبَارٍ، وَكُفْرُ نِفَاقٍ. فَأَحَدُهَا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ فِي شَخْصٍ فظلمات بعضها فوق بعض لأنها إما أن تنفي هَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا - قَوْلُ الْقَلْبِ وَعَمَلُهُ وَقَوْلُ اللسان وعمل الجوارح - أو ينتفي بعضها، على النحو التالي: ١-فإن انتفت كلها اجتمع أنواع الكفر على النفاق. ٢-وَإِنِ انْتَفَى تَصْدِيقُ الْقَلْبِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بالحق، فكفر الجهل والتكذيب، وذلك ككفر مشركي العرب. قال تَعَالَى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولما يأتهم تأويله﴾ (٣) .

стр. 157

٣-وَإِنْ كَتَمَ الْحَقَّ مَعَ الْعِلْمِ بِصِدْقِهِ، فَكُفْرُ الجحود والكتمان أو الإنكار وذلك ككفر فرعون وملئه. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وعلواً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين﴾ (١) . ٤-وَإِنِ انْتَفَى عَمَلُ الْقَلْبِ مِنَ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْإِذْعَانِ مَعَ انْقِيَادِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ، فَكُفْرُ نِفَاقٍ - سَوَاءٌ وُجِدَ التَّصْدِيقُ الْمُطْلَقُ أَوِ انْتَفَى وسواء انتفى بتكذيب أو شك - وذلك ككفر ابن سلول وشيعته. قال تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يشعرون - إلى قوله تعالى - وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) ٥- وَإِنِ انْتَفَى عَمَلُ الْقَلْبِ وَعَمَلُ الْجَوَارِحِ مَعَ الْمَعْرِفَةِ بِالْقَلْبِ وَالِاعْتِرَافِ بِاللِّسَانِ، فَكُفْرُ عِنَادٍ وَاسْتِكْبَارٍ، وذلك كَكُفْرِ إِبْلِيسَ وَكُفْرِ غَالِبِ الْيَهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا أن الرسول ﷺ حَقٌّ وَلَمْ يَتَّبِعُوهُ أَمْثَالِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَفْرِ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عِنَادًا وَاسْتِكْبَارًا. ٦-وَمُحَالٌ أَنْ يَنْتَفِيَ انْقِيَادُ الْجَوَارِحِ بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ مَعَ ثُبُوتِ عَمَلِ الْقَلْبِ. قال النبي ﷺ : (ألا وإن فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كله، وإن فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) (٣) .

стр. 158

ومما سبق يَتَبَيَّنُ لَكَ أَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْإِيمَانِ هُوَ التَّصْدِيقُ عَلَى ظَاهِرِ اللُّغَةِ أَنَّهُمْ إِنَّمَا عَنَوُا التَّصْدِيقَ الْإِذْعَانِيَّ الْمُسْتَلْزِمَ لِلِانْقِيَادِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِلَا شَكٍّ، لَمْ يَعْنُوا مُجَرَّدَ التَّصْدِيقِ، فَإِنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يُكَذِّبْ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِالسُّجُودِ وَإِنَّمَا أَبَى عَنْ الِانْقِيَادِ كُفْرًا وَاسْتِكْبَارًا، وَالْيَهُودُ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ صِدْقَ الرَّسُولِ ﷺ وَلَمْ يتبعوه، وفرعون كان يعتقد صدق موسى ﵇ ولم ينقد له بَلْ جَحَدَ بِآيَاتِ اللَّهِ ظُلْمًا وَعُلُوًّا، فَأَيْنَ هذا من تصديق من قال الله فِيهِ: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المتقون﴾ (١) وأين تصديق من قال الله فيه تعالى فيهم: ﴿قالوا سمعنا وعصينا﴾ (٢) ، و ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ به عند ربكم﴾ (٣) مِنْ تَصْدِيقِ مَنْ قَالُوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ ربنا وإليك المصير﴾ (٤) . د-أقوال المخالفين لأهل السنة في الإيمان: ١-قال ابن الراوندي ومن وافقه من المعتزلة وغيرهم: إن الإيمان هو مجرد التصديق فقط، وعلى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ الْيَهُودُ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِرِسَالَةِ محمد ﷺ واستقينوها وَلَمْ يَتَّبِعُوهُ مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وَقَدْ نَفَى اللَّهُ الْإِيمَانَ عَنْهُمْ. ٢-وَقَالَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَأَتْبَاعُهُ: هُوَ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ فَقَطْ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَافِرٌ بِالْكُلِّيَّةِ إِذْ لا يجهل الخالق سبحانه أحد. ٣-وَقَالَتِ الْمُرْجِئَةُ (٥) وَالْكَرَّامِيَّةُ: الْإِيمَانُ هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ دُونَ عَقْدِ الْقَلْبِ فَيَكُونُ الْمُنَافِقُونَ عَلَى هَذَا مؤمنين، وقد قال الله فِيهِمْ ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ ورسوله - إلى

стр. 159

قوله - وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾ (١) . ٤-وَقَالَ آخَرُونَ (٢) : التَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مُخْرِجٌ لِأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حديث جبريل ﵇ وَهُوَ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ. ٥-وَذَهَبَ الْخَوَارِجُ وَالْعَلَّافُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ إِلَى أَنَّهُ الطَّاعَةُ بِأَسْرِهَا فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا (٣) ، وَهَذَا الْقَوْلُ مُصَادِمٌ لِتَعْلِيمِ النَّبِيِّ ﷺ لِوُفُودِ الْعَرَبِ السَّائِلِينَ عن الإسلام والإيمان، كلما يَقُولُ لَهُ السَّائِلُ فِي فَرِيضَةٍ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا، قَالَ: (لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا) - (٤) . ٦-وَذَهَبَ الْجُبَّائِيُّ وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ الْبَصْرِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ الطَّاعَاتُ الْمَفْرُوضَةُ مِنَ الْأَفْعَالِ وَالتُّرُوكِ (٥) دُونَ النَّوَافِلِ (٦) ، وهذا أيضاً يُدخل المنافقين في الإيمان

стр. 160

وقد نفاه الله عنهم. ٧-وقال الباقون من المعتزلة: الْعَمَلُ وَالنُّطْقُ وَالِاعْتِقَادُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قول السلف أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَجْعَلُوا كُلَّ الْأَعْمَالِ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ بَلْ جَعَلُوا كَثِيرًا مِنْهَا شَرْطًا فِي الْكَمَالِ. كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العزيز فيها: من استكملها فقد اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ. وَالْمُعْتَزِلَةُ جَعَلُوهَا كُلَّهَا شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ. والله أعلم. ٥ - خلاصة القول في الفرق بين الإسلام والإيمان، والفرق بين المؤمن والمسلم: * الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إِذَا أُفْرِدَ كُلٌّ مِنَ الْإِسْلَامِ والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ، بك كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ يَشْمَلُ الدِّينَ كُلَّهُ، وإن فرق بين الاسمين كان الفرق بما في هذا الحديث الجليل - حديث جبريل ﵇ وَالْمَجْمُوعُ مَعَ الْإِحْسَانِ هُوَ الدِّينُ كَمَا سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا تَفْسِيرُ الْإِيمَانِ بِالْإِسْلَامِ والإسلام بالإيمان وبذلك جمع بينه وبينها أهل العلم، وهذا كاسم الفقير والمسكين إذا أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا دَخَلَ فِيهِ كُلُّ مَنْ هُوَ مُحْتَاجٌ، فَإِذَا قُرِنَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ دَلَّ أَحَدُ الِاسْمَيْنِ عَلَى بَعْضِ أَنْوَاعِ ذَوِي الْحَاجَاتِ وَالْآخَرُ عَلَى بَاقِيهَا، فَهَكَذَا اسْمُ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ إِذَا أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا دَخَلَ فِيهِ الْآخَرُ وَدَلَّ بِانْفِرَادِهِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْآخَرُ بِانْفِرَادِهِ، فَإِذَا قُرِنَ بَيْنَهُمَا دَلَّ أَحَدُهُمَا عَلَى بَعْضِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِانْفِرَادِهِ وَدَلَّ الْآخَرُ عَلَى الْبَاقِي. * كل مؤمن مسلم ولا عكس: أما عن إطلاق كلمة مسلم ومؤمن فإن الْمُسْلِمَ قَدْ يَكُونُ مُؤْمِنًا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا فِي بَعْضِهَا وَالْمُؤْمِنُ مُسْلِمٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ فَكُلُّ

стр. 161

مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً، فدائرة الإسلام تتسع لعدد من الناس أكثر مما تتسع له دائرة الإيمان فاسم المؤمن المطلق يقع على من قام بالدين كله ظاهراً وباطناً واسم المسلم يقع على كل من نطق بالشهادتين ولم يظهر منها ما ينقضهما. أما إطلاق التسوية بين الإسلام والإيمان والاتحاد بينهما في كل حال فهو رأي المعتزلة ويحتجون على ذلك بآيتي الذاريات ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ (١) يريد المعتزلة أن يقولوا: هنا اجتمع الإسلام والإيمان واقترنا فلم يدل كل منهما على معنى خاص؟ وَهُوَ احْتِجَاجٌ ضَعِيفٌ جِدًّا لِأَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا قَوْمًا مُؤْمِنِينَ وَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ كُلَّ مؤمن مسلم ولا ينعكس (٢) ، فاتفق الاسمان هنا لِخُصُوصِيَّةِ الْحَالِ وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي كُلِّ حال والله أعلم. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هذا - أي ما في حديث جبريل - بَيَانٌ لِأَصْلِ الْإِيمَانِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ الْبَاطِنُ، وَبَيَانٌ لِأَصْلِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الِاسْتِسْلَامُ وَالِانْقِيَادُ الظَّاهِرُ وَحُكْمُ الْإِسْلَامِ فِي الظَّاهِرِ يَثْبُتُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَإِنَّمَا أَضَافَ إليهما الصلاة والزكاة والصوم والحج لكونهما أظهر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامها يَتِمُّ اسْتِسْلَامُهُ، وَتَرْكُهُ لَهَا يُشْعِرُ بِانْحِلَالِ قَيْدِ انْقِيَادِهِ أَوِ اخْتِلَالِهِ. ثُمَّ إِنَّ اسْمَ الْإِيمَانِ يَتَنَاوَلُ مَا فُسِّرَ بِهِ الْإِسْلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَسَائِرُ الطَّاعَاتِ لِكَوْنِهَا ثَمَرَاتِ التَّصْدِيقِ الْبَاطِنِ الذي هو أصل الإيمان ومقومات ومتممات وحافظات، وَلِهَذَا فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْإِيمَانَ فِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَإِعْطَاءِ الْخُمْسِ مِنَ الْمَغْنَمِ، وَلِهَذَا لَا يقع اسم المؤمن

стр. 162

الْمُطْلَقُ (١) عَلَى مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً أَوْ تَرَكَ فَرِيضَةً لِأَنَّ اسْمَ الشَّيْءِ مُطْلَقًا يَقَعُ عَلَى الكل منه، ولا يستعمل فِي النَّاقِصِ ظَاهِرًا إِلَّا بِقَيْدٍ (٢) ، وَلِذَلِكَ جَازَ إِطْلَاقُ نَفْيِهِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ ﷺ : (لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) (٣) ، وَاسْمُ الْإِسْلَامِ يَتَنَاوَلُ أَيْضًا مَا هُوَ أَصْلُ الْإِيمَانِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ الْبَاطِنُ، وَيَتَنَاوَلُ أَصْلَ الطَّاعَاتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ اسْتِسْلَامٌ، قَالَ: فَخَرَجَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَحَقَّقْنَاهُ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ يَجْتَمِعَانِ وَيَفْتَرِقَانِ، وَأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ كل مسلم مؤمناً. أهـ. * معنى الْتِزَامَ الدِّينِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ النَّجَاةُ مِنْ خزي الدنيا وعذاب الآخرة: هُوَ مَا كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي كُلِّ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ مَا يُنَاقِضُهُ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ فِي الدُّنْيَا وَوُكِّلَتْ سَرِيرَتُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ اللَّهُ : ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سبيلهم﴾ (٤) ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُسَامَةَ فِي قَتْلِهِ الْجُهَنِيَّ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ؟ !) قَالَ: قَلْتُ: يَا رَسُولَ الله إنما قالها تخوفاً مِنَ السِّلَاحِ. قَالَ: (أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حتى تعلم أقالها أم لا؟ !) وفي بعض طرق الحديث: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: (وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يوم القيامة؟!) والحديث بطوله في الصحيحين.

стр. 163

أسئلة: ١- عَرِّف الإيمان لغة وشرعًا مع الأدلة. ٢- الإيمان يشمل القول والعمل فما المراد بكل منهما؟ مع التفصيل لما تقول. ٣- بين أنواع الكفر، ومتى يتحقق كل منها؟ ٤- اذكر أقوال المخالفين لأهل السنة في الإيمان. ٥- بين الفرق بين الإسلام والإيمان. ٦- ما الفرق بين المؤمن والمسلم؟ ٧- ما معنى الْتِزَامَ الدِّينِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ النَّجَاةُ مِنْ خزي الدنيا وعذاب الآخرة؟ ***

стр. 164

* ثانياً: أركان الإيمان: * الركن الأول: الإيمان بالله: أي الإيمان بإلهيته وربوبيته والإيمان بما ليس من صفات الْكَمَالِ مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتِ الْعُلَى، وَإِمْرَارُهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ وَلَا تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَأَنَّ كُلَّ مَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى وَوَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ الْكُلُّ حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ عَلَى ما أراد الله وأراد رسوله ﷺ وعلى ما يليق بجلال الله وعظمته. * الركن الثاني: الإيمان بالملائكة: -وهم عِبَادِ اللَّهِ ، خَلَقَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى من النور لعبادته، ففي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (خلقت الملائكة من نور، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدم مما وصف لكم) . -ومما ورد في صفاتهم أيضاً أنهم أولو أجنحة كما قال : ﴿الحمد له فاطر السموات وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وثلاث رباع يزيد في الخلق ما يشاء ... ﴾ (١) . -ومما ورد في صفاتهم أيضاً كيفية صفوفهم عند الله تعالى، ففي الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تصف الملائكة عند ربها؟ قال: (يتمنون الصفوف الأوَل ويتراصون في الصف) . -ثُمَّ هُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هَيَّأَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَوَكَّلَهُمْ بِهِ عَلَى أَقْسَامٍ: ١-فَمِنْهُمُ الْمُوَكَّلُ بِالْوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ الرُّوحُ الْأَمِينُ جِبْرِيلُ ﵇، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ عدواً

стр. 165

لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ ربك بالحق..﴾ (٢) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قوسين أو أدنى﴾ (٣) ، وَهَذَا فِي رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ فِي الْأَبْطَحِ حِينَ تَجَلَّى لَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ عَظْمُ خَلْقِهِ الْأُفُقَ (٤) ، ثُمَّ رَآهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ أَيْضًا فِي السَّمَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يغشى..﴾ (٥) . ولم يره ﷺ إِلَّا هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ (٦) ، وَبَقِيَّةَ الْأَوْقَاتِ فِي صُورَةِ رَجُلٍ وَغَالِبًا فِي صُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ﵁ (٧) . ٢-ومنهم الموكل بالقطر -المطر- وَتَصَارِيفِهِ إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ مِيكَائِيلُ ﵇ وَهُوَ ذُو مَكَانَةٍ عَلِيَّةٍ وَمَنْزِلَةٍ رَفِيعَةٍ وَشَرَفٍ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَهُ أَعْوَانٌ يَفْعَلُونَ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ بِأَمْرِ رَبِّهِ وَيُصَرِّفُونَ الرِّيَاحَ وَالسَّحَابَ كَمَا يَشَاءُ الله . ٣-ومنهم الموكل بالصور والنفخ فيه، وهو إسرافيل ﵇، وهؤلاء الثلاثة من الملائكة (جبريل وميكائيل وإسرافيل) هُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي دُعَائِهِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ (اللَّهُمَّ رب جبريل وميكائيل وإسرافيل

стр. 166

فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (١) . ٤-وَمِنْهُمُ الْمُوَكَّلُ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ، وَهُوَ مَلَكُ الْمَوْتِ وأعوانه. قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون﴾ (٢) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ توفته رسلنا وهم لا يفرطون﴾ (٣) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الحريق﴾ (٤) ، وقال تعالى: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم - إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى - الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ..﴾ (٥) . وقد جاء في الأحاديث كحديث البراء (٦) في أَنَّ أَعْوَانَهُ يَأْتُونَ الْعَبْدَ بِحَسَبِ عَمَلِهِ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَفِي أَحْسَنِ هَيْئَةٍ وَأَجْمَلِ صُورَةٍ بِأَعْظَمِ بِشَارَةٍ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَفِي أَشْنَعِ هَيْئَةٍ وَأَفْظَعِ مَنْظَرٍ بِأَغْلَظِ وَعِيدٍ ثُمَّ يَسُوقُونَ الرُّوحَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قَبَضَهَا مَلَكُ الْمَوْتِ فَلَا يَدْعُونَهَا فِي يَدِهِ بَلْ يَضَعُونَهَا في أكفان وحنوط يليق بها. ٥-ومنهم الموكل بحفظ العبد في حاله وَارْتِحَالِهِ وَفِي نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ وَفِي كُلِّ حَالَاتِهِ، وَهُمُ الْمُعَقِّبَاتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ من بين

стр. 167

يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ..﴾ (١) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ توفته رسلنا وهم لا يفرطون﴾ (٢) ، قال ابن عباس ﵄: والمعقبات من الله هم الملائكة يحفظونه مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ فَإِذَا جَاءَ قَدَرُ اللَّهِ تَعَالَى خَلَّوْا عَنْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا لَهُ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ لحفظه فِي نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْهَوَامِّ، فَمَا مِنْهَا شَيْءٌ يَأْتِيهِ إِلَّا قَالَ لَهُ الْمَلَكُ وَرَاءَكَ، إِلَّا شَيْءٌ أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ فيصيبه. ٦-وَمِنْهُمُ الْمُوَكَّلُ بِحِفْظِ عَمَلِ الْعَبْدِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ وَهُمُ الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ وَهَؤُلَاءِ يَشْمَلُهُمْ مَعَ من قَبْلَهُمْ قَوْلُهُ : ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ (٣) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لديه رقيب عتيد﴾ (٤) فَالَّذِي عَنِ الْيَمِينِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ وَالَّذِي عَنِ الشِّمَالِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لحافظين * كراماً كاتبين * يعلمون ما تفعلون﴾ (٥) . ٧-وَمِنْهُمُ الْمُوَكَّلُونَ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ وَهُمْ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ (وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُ النُّصُوصِ في ذلك عند الكلام على اليوم الآخر) . ٨-ومنهم خزنة الجنة، ومقدمهم رضوان ﵇، قال تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لهم خزنتها سلام عليكم بتم فادخلوها خالدين﴾ (٦) .

стр. 168

٩-ومنهم خزنة جهنم وهم الزبانية ورؤساؤهم تسعة عشر مالك ﵈، قال تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿فليدع نادية *سندع الزبانية﴾ (٢) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ*لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ*لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ*عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ*وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ... ﴾ (٣) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا ربك﴾ (٤) ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، كُلُّ زِمَامٍ فِي يد سبعين ألف ملك يجرونها) . ١٠-وَمِنْهُمُ الْمُوَكَّلُونَ بِالنُّطْفَةِ فِي الرَّحِمِ كَمَا فِي حديث مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ: (أَنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد..) (٥) . ١١-ومنهم حملة العرش (٦) الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ

стр. 169

العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم ثمانية﴾ (٢) فاستشعر بعضهم من هذه الآية أنهم اليوم ليس ثمانية. وقيل في تفسير الثمانية أقوال منها ما قاله ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ والضحاك وابن جريح: ثمانية صفوف من الملائكة. ولأبي داود عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أُذن لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ ملك من ملائكة الله تعالى حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة) (٣) . ١٢-ومنهم ملائكة سياحون يتبعون مجالس الذكر كما في صحيح مسلم. ١٣-ومنهم الموكل بالجبال، وقد ثبت ذكره خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى بَنِي عَبْدِ يَالِيلَ وَعَوْدِهِ مِنْهُمْ، وَفِيهِ قَوْلُ جِبْرِيلَ لَهُ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوهُ عَلَيْكَ. وَفِيهِ قَوْلُ مَلَكِ الْجِبَالِ: إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ (٤) فَقَالَ ﷺ : (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً) (٥)

стр. 170

* الركن الثالث: الإيمان بالكتب المنزلة: قال تعالى: ﴿يا أيها آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً﴾ (١) . معنى الْإِيمَانِ بِالْكُتُبِ: ١-التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ بِأَنَّ كُلَّهَا مُنَزَّلٌ من عند الله على رسله إلى عباده بالحق والهدى. ٢-وأنه كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامَ غَيْرِهِ، وأنه تعالى تكلم به حَقِيقَةً كَمَا شَاءَ وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَرَادَ، فَمِنْهَا الْمَسْمُوعُ مِنْهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ بِدُونِ واسطة، ومنها ما يسمعه الرسول الملكي ويؤمر بتبليغه إِلَى الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ (٣) ٣-وَالْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنَ الشَّرَائِعِ وَأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْأُمَمِ الَّذِينَ نَزَلَتْ إِلَيْهِمُ الصُّحُفُ الْأُولَى الِانْقِيَادُ لَهَا وَالْحُكْمُ بِمَا فِيهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هم الكافرون..﴾ (٤) الآيات، وأن كل من كذب

стр. 171

بشيء منها أو أبى الِانْقِيَادِ لَهَا مَعَ تَعَلُّقِ خِطَابِهِ بِهِ يَكْفُرُ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين﴾ (١) . ٤-وَإِنَّ جَمِيعَهَا يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا لَا يُكَذِّبُهُ كما قال تعالى فِي الْقُرْآنِ: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب ومهيمناً عليه﴾ (٢) . ٥-وَأَنَّ نَسْخَ الْكُتُبِ الْأُولَى بَعْضِهَا بِبَعْضٍ حَقٌّ كَمَا نُسِخَ بَعْضُ شَرَائِعِ التَّوْرَاةِ بِالْإِنْجِيلِ، قَالَ الله تعالى في عيسى ﵇: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ - إِلَى قَوْلِهِ - وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وأطيعون﴾ (٣) ، وَكَمَا نُسِخَ كَثِيرٌ مِنْ شَرَائِعِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بالقرآن كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كانت عليهم ... ﴾ (٤) ، وأن نسخ القرآن بعض آياته بعض حق كما قال تعالى: ﴿ما نسخ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أو مثلها﴾ (٥) ، وقال تعالى:

стр. 172

﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكثرهم لا يعلمون﴾ (١) ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ ألف يغلبوا ألفين بإذن الله﴾ (٢) بعد قوله: ﴿يا أيها النبي رض الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يغلبوا ألفاً من الذين كفروا﴾ (٣) وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ آيَاتٌ مَشْهُورَاتٌ مَذْكُورَاتٌ فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَغَيْرِهَا، وَأَنَّهُ لَا يَأْتِي كتاب بعد القرآن الكريم وَلَا مُغَيِّرَ وَلَا مُبَدِّلَ لِشَيْءٍ مِنْ شَرَائِعِهِ بعده فهو المهيمن على الكتب قبله والحاكم عليها وليس لأحد الخروج عن شيء من أحكامه، وأنه مَنْ كَذَّبَ بِشَيْءٍ مِنْهُ٠ مِنَ الْأُمَمِ الْأُولَى فَقَدْ كَذَّبَ بِكِتَابِهِ كَمَا أَنَّ مَنْ كَذَّبَ بما أخبر عنه القرآن من الكتب السابقة فَقَدْ كَذَّبَ بِهِ، وَأَنَّ مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سبيله ولم يقتف أثره ضل. ٦-ثُمَّ الْإِيمَانُ بِكُتُبِ اللَّهِ يَجِبُ إِجْمَالًا فِيمَا أَجْمَلَ وَتَفْصِيلًا فِيمَا فَصَّلَ فَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كُتُبِهِ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَالْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى، وَالزَّبُورَ عَلَى دَاوُدَ، والقرآن على محمد، وذكر صحف إبراهيم وموسى، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (٤) . وقد أخبر الله تَعَالَى عَنِ التَّنْزِيلِ عَلَى رُسُلِهِ مُجْمَلًا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الذي أنزل من قبل﴾ (٥) .

стр. 173

٧-ثم إنه لابد في الإيمان بالكتاب مِنَ امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ مَنَاهِيهِ وَتَحْلِيلِ حَلَالِهِ وَتَحْرِيمِ حَرَامِهِ، وَالِاعْتِبَارِ بِأَمْثَالِهِ وَالِاتِّعَاظِ بِقَصَصِهِ، وَالْعَمَلِ بِمُحْكَمِهِ وَالتَّسْلِيمِ لِمُتَشَابِهِهِ وَالْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهِ وَتِلَاوَتِهِ آناء الليل والنهار والذنب عنه والنصيحة له ظاهراً وباطناً بجميع معانيها، وطاعة الرسول ﷺ فيما أمر به والانتهاء عما نهى عنه، فذلك كله مأمور به في الكتاب، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عنه فانتهوا﴾ (١) ، وقال تعالى في التسليم للمتشابه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ من عند ربنا﴾ (٢) . * الركن الرابع: الإيمان برسل الله : أ- الفرق بين الرسول والنبي: الرسول هو مَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ وَأُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ، أَمَّا مَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّبْلِيغِ فَهُوَ نَبِيٌّ فَقَطْ وَلَيْسَ بِرَسُولٍ فَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ وَلَا عكس (٣) .

стр. 174

ب-حكم من كفر بواحد منهم: الإيمان برسل الله مُتَلَازِمٌ، مَنْ كَفَرَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَبِجَمِيعِ الرُّسُلِ ﵈، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وكتبه ورسله ر نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ (١) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢) . جـ- معنى الإيمان بالرسل: ١-التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وحده بلا شريك والكفر بما يعبد من دونه، أي أن دعوتهم من أولهم إلى آخرهم قد اتفقت فِي أَصْلِ الدِّينِ وَهُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ بِإِلَهِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَنَفْيُ مَا يضاد ذلك أو ينافي كماله، وَأَمَّا فُرُوعُ الشَّرَائِعِ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فقد٠ تختلف لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ وَغَايَةٍ مَحْمُودَةٍ قَضَاهَا رَبُّنَا . ٢-وأنهم هداة الخلق هداية دعوة ودلالة وإرشاد إِلَى سَبِيلِ الْهُدَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (٣) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ..﴾ (٤) . وأما هداية التوفيق

стр. 175

وَالتَّسْدِيدِ وَالتَّثْبِيتِ فَلَيْسَتْ إِلَّا بِيَدِ اللَّهِ ، هُوَ مُقَلِّبُ الْقُلُوبِ وَمُصَرِّفُ الْأُمُورِ، لَيْسَ لملك مقرب ولا لنبي مرسل تصريف في شيء منها فضلاً عمن دونهما، ولذا قال تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يهدي من يشاء﴾ (١) . ٣-وأن جميعهم صادقون مصدقون، أتقياء أمناء هداة مهتدون، وبالبراهين الظاهرة مؤيدة، وَأَنَّهُمْ بَلَّغُوا جَمِيعَ مَا أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ، لم يكتموا منه حرفاً ولم يغيروا وَلَمْ يَزِيدُوا فِيهِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ حَرْفًا ولم ينقصوه. ٤-وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَاتَّخَذَ محمد ﷺ خَلِيلًا، وَكَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا وَرَفَعَ إِدْرِيسَ مَكَانًا عَلِيًّا وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ اللَّهَ تعالى فضل بعضهم على بعض، ورفع بعضهم درجات، وأن محمد ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين (٢) . ٥-ثم الإيمان بالرسل يَجِبُ إِجْمَالًا فِيمَا أَجْمَلَ وَتَفْصِيلًا فِيمَا فَصَّلَ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِنْهُمْ آدَمَ وَنُوحًا وَإِدْرِيسَ وَهُودًا وَصَالِحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَيُوسُفَ وَلُوطًا وَشُعَيْبًا وَيُونُسَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَإِلْيَاسَ وَزَكَرِيَّا , وَيَحْيَى وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ، وَذَكَرَ الْأَسْبَاطَ (٣) جُمْلَةً وَعِيسَى ومحمداً صلوات الله وسلامه

стр. 176

عليهم أجمعين، وقص علينا من أنبائهم ثُمَّ قَالَ: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ موسى تكليماً) (١) . د-أول الرسل: أولهم بعد الاختلاف نوح ﵈ لأن أمته التي بعث إليها كانت أَوَّلُ مَنِ اخْتَلَفَ وَغَيَّرَ وَبَدَّلَ وَكَذَّبَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ من بعدهم﴾ (٢) وإلا فآدم قبله كان نبياً ورسولاً، وكان الناس أمة واحدة على دينه كما قال ابن عباس وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمْ ﵃ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كان الناس أمة واحدة﴾ الْآيَةَ. قَالُوا: كَانَ بَيْنَ نُوحٍ وَآدَمَ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ فَاخْتَلَفُوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. هـ- أولو العزم من الرسل: المشهور أنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم. -والعزم: الحزم وَالْجِدَّ وَالصَّبْرَ وَكَمَالَ الْعَقْلِ، وَلَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ تعالى من رسول إلا وهذه الصفات مجتمعة فيه، غير أن هؤلاء أَصْحَابُ الشَّرَائِعِ الْمَشْهُورَةِ كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ فِيهِمْ أكمل وأعظم من غيرهم، ولذا خصوا بالذكر في سورة الأحزاب في قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مريم ... ﴾ (٣) ، وكذا في سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نوحاً والذي أوحينا إليك وما

стр. 177

وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدين ولا تتفرقوا فيه..﴾ (١) وَهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ هُمُ الَّذِينَ يَتَرَاجَعُونَ الشَّفَاعَةَ بَعْدَ أَبِيهِمْ آدَمَ ﵇ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى نبينا محمد ﷺ كما سيأتي في الكلام عن الشفاعة إن شاء الله تعالى. -والأقوال في المراد بأولى العزم هي: ١-أنهم هؤلاء الخمسة الذين ذكرنا، وهو قول ابن عباس وقتادة ومن وافقهما هو الأشهر. ٢-أنهم الَّذِينَ أُمِرُوا بِالْجِهَادِ وَأَظْهَرُوا الْمُكَاشَفَةَ مَعَ أَعْدَاءِ الدين. قاله الكلبي. ٣-وَقِيلَ هُمْ سِتَّةٌ: نُوحٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَلُوطٌ وشعيب وموسى ﵈، وهم المذكرون عَلَى النَّسَقِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَهُودٍ وَالشُّعَرَاءِ. ٤-وَقَالَ مُقَاتِلٌ هُمْ سِتَّةٌ نُوحٌ صَبَرَ عَلَى أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صَبَرَ عَلَى الذَّبْحِ، وَيَعْقُوبُ صَبَرَ عَلَى فَقْدِ وَلَدِهِ وَذَهَابِ بَصَرِهِ، وَيُوسُفُ صَبَرَ عَلَى الْبِئْرِ والسجن، وأيوب صبر على الضر،. وقوله (وإسحاق صَبَرَ عَلَى الذَّبْحِ) هُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ أَوْ مردود وإنما كان الذبيح إسماعيل كما يفهم من سورة الصافات (٢) ومن سورة هود (٣) .

стр. 178

٥-وقال ابن يزيد: كل الرسل كانوا أولى العزم، لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا كَانَ ذَا عَزْمٍ وَحَزْمٍ وَرَأْيٍ وَكَمَالِ عَقْلٍ، وَإِنَّمَا أُدْخِلَتْ مِنْ لِلتَّجْنِيسِ لَا لِلتَّبْعِيضِ، كَمَا يُقَالُ: اشْتَرَيْتُ أَكْسِيَةً مِنَ الْخَزِّ وَأَرْدِيَةً مِنَ الْبَزِّ. ٦-وَقَالَ قَوْمٌ: هُمْ نُجَبَاءُ الرُّسُلِ الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ ذكرهم: *الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فبهداهم اقتده﴾ (١) . وفيما يلي الأبيات المتعلقة بما سبق: فَتِلْكَ خَمْسَةٌ وَلِلْإِيمَانِ ... سِتَّةُ أَرْكَانٍ بِلَا نُكْرَانِ إِيمَانُنَا بِاللَّهِ ذِي الْجَلَالِ ... وَمَا لَهُ مِنْ صِفَةِ الْكَمَالِ وَبِالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَهْ ... وَكُتْبِهِ الْمُنْزَلَةِ الْمُطَهَّرَهْ وَرُسْلِهِ الْهُدَاةِ لِلْأَنَامِ ... مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ وَلَا إِيهَامِ أَوَّلُهُمْ نُوحٌ بِلَا شَكٍّ كَمَا ... أَنَّ مُحَمَّدًا لَهُمْ قَدْ خَتَمَا وَخَمْسَةٌ مِنْهُمْ أولو الْعَزْمِ الْأُلَى ... فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ وَالشُّورَى تَلَا

стр. 179

• أسئلة: ١- ما المراد بالإيمان بالله ؟ ٢- ما هي الأمور التي أُخبرنا بها عن الملائكة مع الأدلة، وما أقسامهم بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هَيَّأَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ووكلهم به؟ ٣- ماذا يدخل في معنى الإيمان بالكتب؟ ٤- ما الفرق بين الرسول والنبي؟ وما حكم من آمن ببعض الرسل والأنبياء دون بعض؟ ٥- بين معنى الإيمان برسل الله ؟ ٦- من هو أول الأنبياء والمرسلين؟ ٧- اذكر ما تعرفه من أقوال في المراد بأولي العزم من الرسل؟

стр. 180

* الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر: والمراد اليوم الآخر وما يدل فيه وما يتصل به مما سنذكره إن شاء الله تعالى. قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون﴾ (١) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ومن أصدق من الله حديثاً﴾ (٢) . وهذا الإيمان يجب أن يكون مجرداً عن ادعاء علم بوقت قيام الساعة فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ مَفَاتِحِ الْغَيْبِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ . قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يعلمون﴾ (٣) . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ) . ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٤) ، ولما سأل أعرابي: متى الساعة قال له ﷺ : (وَيْحَكَ إِنَّ السَّاعَةَ آتية فما أعددت لها؟ ..) والحديث في الصحيحين (٥) . ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بما يلي: ١-أمارات الساعة: وتشمل الآتي:
следующие страницы →