← Акыда

Акыда · id 22922

مختصر معارج القبول

هشام آل عقدة

Полный текст (390 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَإِنْكَارِ الْمَعَادِ وَنَفْيِ عِلْمِ الرَّبِّ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ وَخَلْقِهِ الْعَالِمَ وَبَعْثِهُ مَنْ فِي القبور، وكان ابن سينا هذا قد تفقه في مَذْهَبَ الْفَلَاسِفَةِ مِنْ كُتُبِ الْفَارَابِيِّ أَبِي نَصْرٍ التُّرْكِيِّ الْفَيْلَسُوفِ، وَكَانَ الْفَارَابِيُّ هَذَا قَبَّحَهُ اللَّهُ يَقُولُ بِالْمَعَادِ الرُّوحَانِيِّ لَا الْجُثْمَانِيِّ، وَيُخَصِّصُ بِالْمَعَادِ الْأَرْوَاحَ الْعَالِمَةَ لَا الْجَاهِلَةَ، وَلَهُ مَذَاهِبُ فِي ذلك يخالف بها الْمُسْلِمِينَ وَالْفَلَاسِفَةَ مِنْ سَلَفِهِ الْأَقْدَمِينَ، وَتَحَمَّلَ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ سِينَا وَنَصَرَهُ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ فِي تَهَافُتِ الْفَلَاسِفَةِ فِي عِشْرِينَ مَجْلِسًا لَهُ كَفَّرَهُ فِي ثَلَاثٍ مِنْهَا وَهِيَ قَوْلُهُ بِقِدَمِ الْعَالَمِ، وَعَدَمِ الْمَعَادِ الْجُثْمَانِيِّ، وَقَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ، وَبَدَّعَهُ فِي الْبَوَاقِي. قال ابن كثير: يقال أنه تاب عند الموت، فالله أعلم. أ. هـ. ومن أكبر أتباع ابن سينا وأنصار زندقته النَّصِيرُ الطُّوسِيُّ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ويقال له الخواجا نصير الدين (١) . د-ما لا يبلى في القبر: ١-أجساد الأنبياء: فقد قال ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أجساد الأنبياء) (٢) . ٢-أجساد الشهداء: فقد روى البخاري ﵀ عن جابر ﵁ قَالَ: (لَمَّا حَضَرَ أَحَدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ لِي: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّ عَلَيَّ ديناً فاقض واستوص بأخواتك

стр. 212

خَيْرًا. فَأَصْبَحْنَا وَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، فَدَفَنْتُ مَعَهُ آخر في قره، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ آخَرَ فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِذَا هُوَ كيوم وضعته غير أذنه) . ٣-عَجْب الذنب من كل إنسان: ففي حديث مسلم السابق عن أبي هريرة ﵁: ( ... وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْب الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يركب الخلق يوم القيامة) . ٤-الأرواح: فالحق الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الأرواح لا تبلى وأنها لَيْسَتْ هِيَ مُطْلَقَ حَيَاةِ الْجِسْمِ الْعَارِضَةِ بَلْ هِيَ حَقِيقَةٌ أُخْرَى مُسْتَقِلَّةٌ يَعْمُرُ الْجَسَدُ بِحُلُولِهَا فِيهِ وَيَفْسَدُ بِخُرُوجِهَا مِنْهُ، وَهِيَ النَّسَمَةُ الَّتِي يموت الإنسان بخروجها من جسده، وأن لَهَا حَقِيقَةٌ، وَأَنَّهَا تُنْفَخُ وَتُقْبَضُ وَتُصْعَدُ وَتُهْبَطُ، وأنها بعد مفارقة الجسد إما أن تنعم أو تعذب، وبعد النفخ في الصور (النفخة الأولى) تعود كُلُّ رُوحٍ إِلَى جَسَدِهَا الَّذِي كَانَتْ تَعْمُرُهُ في الدنيا (١) . أما مذهب الجهم في الروح فهو مَذْهَبُ الْفَلَاسِفَةِ الْحَائِرِينَ أَنَّ الرُّوحَ لَيْسَتْ شَيْئًا يَقُومُ بِنَفْسِهِ بَلْ عَرَضٌ، وَالْعَرَضُ فِي اصْطِلَاحِهِمْ هُوَ مَا لَا يَسْتَقِلُّ وَلَا يَسْتَقِرُّ، فَمَنْزِلَةُ الرُّوحِ عِنْدَهُمْ مِنَ الْجَسَدِ كَمَنْزِلَةِ السَّمْعِ مِنَ لسامع والبصر ن الْمُبْصِرِ، يَذْهَبُ بِذَهَابِهِ، بَلْ قَدْ يَذْهَبُ الْبَصَرُ والسمع والذات التي يقوم بها

стр. 213

مَوْجُودَةٌ، فَجَحَدُوا أَنْ تَكُونَ النَّفْسُ الَّتِي هِيَ الرُّوحُ شَيْئًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ يُنْفَخُ فِي الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ وَأَنَّ ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي ل تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾ (١) وَجَحَدُوا كَوْنَهَا شَيْئًا يُسَاقُ وَيُنْزَعُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَيُعْرَجُ بِهَا إِلَى اللَّهِ فَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ إِنْ كَانَتْ مُحْسِنَةً أَوْ تغلق دونها إن كانت مسيئة كما جحدوا أن تكون أرواح الأنبياء والمؤمنين في عليين، وأرواح الكفار في سجين. ٦-الحشر: وقد ورد في ذكره وذكر صفاته كثير من الآيات والأحاديث: -قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا *وَنَسُوقُ المجرمين إلى جهنم ورداً﴾ (٢) قال ابن عباس ﵄: وفداً: ركباناً. أما الورد: الجماعة العطاش، وهو مروي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَيْضًا. -وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ (٣) . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: (يحشر الناس ثلاث طرائق (٤) :

стр. 214

رغبين رَاهِبِينَ (١) ، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير (٢) ، وتحشر بقيتهم الناس تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا وَتُمْسِي مَعَهُمْ حيث أمسوا) . -وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . (تحشرون حفاة عراة غرلاً) - أي غير مختونين - قالت عائشة رضي الله: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بعضهم إلى بعض؟ فقال: (الأمر الأشد من أن يهمهم ذلك) وفي روايات النسائي وابن أبي حاتم والترمذي (٣) : ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٤) . -وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ؟ قَالَ: (أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟) قَالَ قَتَادَةُ: بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا، قُلْتُ: وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يوم القيامة على وجههم عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زدناهم سعيراً﴾ (٥) الآيات.

стр. 215

٧-جمع الخلائق في الموقف وأحوالهم فيه: فنؤمن بأن الله تعالى يجمع الْخَلْقُ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ، يَوْمَ يَفْصِلُ الرحمن بين الخلائق. -قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يوم القيامة لا ريب فيه﴾ (١) . -وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يوم التغابن﴾ (٢) . وهذا الجمع يعم عوالم السماوات وعوالم الأرضين فيكون في الموقف الروح والملائكة مع غيرهم. وقد وصف الله تعالى موقف القيامة بما فيه من عظمة وجلال وشدة في آيات كثيرة. -فقال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ*يوم بقوم الناس لرب العالمين﴾ (٣) . -وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لدى الحناجر كاظمين﴾ (٤) فالقلوب زائلة عن أمكانها، والأبصار شاخصة من هول ذلك اليوم. قَالَ قَتَادَةُ: وَقَفَتِ الْقُلُوبُ فِي الْحَنَاجِرِ مِنَ الْخَوْفِ، فَلَا تَخْرُجُ وَلَا تَعُودُ إِلَى أَمَاكِنِهَا. ومعنى كاظمين: أي ساكتين لا يتكلم إِلَّا بِإِذْنِهِ، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقال صوابا﴾ (٥) . وقال ابن جريح: باكين. وقال البغوي: مكروببن مُمْتَلِئِينَ خَوْفًا وَجَزَعًا وَالْكَظْمُ تَرَدُّدُ الْغَيْظِ وَالْخَوْفِ والحزن في القلب حتى يضيق به.

стр. 216

وذلك كله ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (١) . - ﴿لكل امريء منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ (٢) ، لا يسأل القريب عن قريبه وَهُوَ يَرَاهُ فِي أَسْوَأِ الْأَحْوَالِ فَتَشْغَلُهُ نَفْسُهُ عن غيره، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَفِرُّ بعضهم من بعض بعد ذلك. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أنساب بينهم يومئذ ولا هم يتساءلون﴾ (٣) . فهو موقف تتقطع فيه علائق الأنساب، وينعجم فيه البليغ في المقال حتى أن أفصح الناس وأعلمهم وأفضلهم لا يُسمع له صوت ولا يتكلم أحد إلا بإذن الله . -قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بإذنه﴾ (٤) . -وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقال صواباً﴾ (٥) . -وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ (٦) قال ابن عباس ﵄: الهمس الصوت الخفي، وعنه: تحريك الشفاه من غير منطق، وعنه هو وعكرمة ومجاهد وَغَيْرِهِمْ: الْهَمْسُ نَقْلُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْمَحْشَرِ كَأَخْفَافِ الْإِبِلِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَمْسًا: سِرُّ الحديث ووطء الأقدام. فجمع بين القولين.

стр. 217

- وقال تعالى أيضا في وصف هذا الموقف العظيم وذلك اليوم الرهيب: (ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا) (١) . - وقال تعالى: (إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) (٢) أي: شديدًا طويل الشدة والبلاء. وأما من السنة: - فلأحمد عن المقداد ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْعِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قَدْرَ مِيل (٣) أَوْ مَيْلَيْنِ، قَالَ: فَتُصْهِرُهُمُ الشَّمْسُ فَيَكُونُونَ فِي الْعَرَقِ كَقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ وَمِنْهُمْ من يأخذه إلى ركبته، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يلجمه إلجامًا" رواه مسلم والترمذي. - وفي الصحيح من حديث أبي هررة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذراعًا ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم". ٨- اللقاء: أ- بعض نصوص الكتاب في اللقاء: أ- قال تَعَالَى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وأنهم إليه راجعون) (٤) .

стр. 218

٢- وقال تعالى: (لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون) (١) . ٣- وَقَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إلى ربك كدحًا فملاقيه) (٢) . ٤- وَقَالَ تَعَالَى: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يوم يلقونه) (٣) . ب- بعض نصوص السنة في اللقاء: ١- فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ" فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ. فَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ -وَفِي رِوَايَةٍ- والموت قبل لقاء الله". ٢- وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي الظَّهِيرَةِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ"؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ فِي سَحَابَةٍ"؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا"؟ قَالَ: "فَيَلْقَى الْعَبْدَ فَيَقُولُ: أَيْ فُل (٤) أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى قَالَ: فيقول: أظننت أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كما نسيتني. ثم يلقى الثاني فيقول: أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟

стр. 219

فيقول: بلى أي رب، فيقول: أظننت أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ فَيَقُولُ لَهُ مثل ذلك، فيقول: يارب آمَنْتُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرُسُلِكَ وَصَلَّيْتُ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ ويثني بخير ما استطاع، فيقول: ههنا إِذًا قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: الْآنَ نَبْعَثُ شاهداً عَلَيْكَ. وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ: مَنِ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وعظامه: انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعلمه، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه) . ٩-العرض والحساب: أ-المراد بالعرض والحساب: الْعَرْضُ لَهُ مَعْنَيَانِ: مَعْنَى عَامٌّ وَهُوَ عَرْضُ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ بَادِيَةٌ لَهُ صَفَحَاتُهُمْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ. وهذا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ وَمَنْ لَا يُحَاسَبُ. وَالْمَعْنَى الثَّانِي عَرْضُ مَعَاصِي الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ وتقريرهم بها وسترها عليهم ومغفرتها لهم (١) . وأما الحساب فهو المناقشة. ب-بعض الآيات والأحاديث في العرض والحساب: -قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (٢) . -وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ (٣) .

стр. 220

-قال تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) . -وعن ابن عباس ﵄. ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون﴾ قَالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ ولا جان﴾ (٢) قال: لا يسألهم هل علمتم كَذَا لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ يَقُولُ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ -وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عائشة ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ) ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يسيراً﴾ (٣) ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يوم القيامة إلا عذب) . -وفيه عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَسَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النار ولو بشق تمرة) . -وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سمعت النبي ﷺ يقول: (يَدْنُو الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كنفه (٤) فيقرر بِذُنُوبِهِ: تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ يَقُولُ: أَعْرِفُ، يَقُولُ: رَبِّ أَعْرِفُ، مَرَّتَيْنِ. فَيَقُولُ: أَنَا سَتَرْتُهَا فِي الدنيا وأغفر لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ تُطْوَى صَحِيفَةُ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الآخرون أو الكفار فينادي على رؤوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين) .

стр. 221

-وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ علمه فيما عمل فيه، وعن ماله من أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أبلاه) (١) . ١٠-المجيء بالكتاب والأشهاد، وشهادة الأعضاء والجوارح: أ-وضع الكتاب ومجيء الأشهاد: الكتاب هو كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير. -قال تعالى حاكياً مقالة المجرمين: ﴿ما لهذا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أحصاها﴾ (٢) . -وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء﴾ (٣) قال عطاء: أي من الملائكة الحفظة على أعمال العباد. -وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٤) . -وقال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا برهانكم﴾ (٥) . قَالَ الْبَغَوِيُّ: يَعْنِي رَسُولَهُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ، وهو قول مجاهد. -وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وشهيد﴾ (٦) . روى ابن جرير عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أنه خطب فقرأ هذه الآية

стр. 222

﴿وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد﴾ فَقَالَ: سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِمَا عَمِلَتْ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: السَّائِقُ الْمَلِكُ، وَالشَّهِيدُ الْعَمَلُ وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: السَّائِقُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالشَّهِيدُ الإنسان نفسه يشهد على نفسه. -وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿يوم يقوم الأشهاد﴾ يعني: الملائكة، قال: يشهدون للرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب. -وروى البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسعديك يارب، فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ. فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَيَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (١) والوسط العدل) . ب-شهادة الأعضاء والجوارح: -قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون﴾ (٢) . -وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يعملون * وقالوا

стр. 223

لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مما تعلمون * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ من الخاسرين﴾ (١) . وللبخاري عن ابن مسعود ﵁ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ الآية قال: كَانَ رَجُلَانِ مِنْ قُرَيْشٍ وخَتَن (٢) لَهُمَا مِنْ ثَقِيفٍ أَوْ رَجُلَانِ مِنْ ثَقِيفٍ وَخَتَنٌ لَهُمَا مِنْ قُرَيْشٍ فِي بَيْتٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ حَدِيثَنَا؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَسْمَعُ بَعْضَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ كَانَ يَسْمَعُ بَعْضَهُ لَقَدْ يَسْمَعُ كُلَّهُ. فَأُنْزِلَتْ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ . -وروى مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَتَدْرُونَ مما أَضْحَكُ؟) قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ ﷺ : (مِنْ مُجَادَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ: رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظلم؟ فيقول: بلى. فيقول. فإني لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي. قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكرام الكاتبين شهوداً. قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي. قال: فتنطق بأعماله. قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام. قال: فيقول: بعداً لكُنّ وسحقاً فعنكن كنت أناضل.

стр. 224

-وفي حديث القيامة الطويل (١) عند مسلم والنسائي وأبي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ فَيَقُولُ: مَا أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَبْدُكَ آمَنْتُ بِكَ وَبِنَبِيِّكَ وَبِكِتَابِكَ وَصُمْتُ وَصَلَّيْتُ وَتَصَدَّقْتُ وَيُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَ. قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: أَلَا نَبْعَثُ عَلَيْكَ شَاهِدَنَا؟ قَالَ: فَيُفَكِّرُ فِي نَفْسِهِ مَنِ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيْهِ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فتنطق فخذه ولحمه وعظمه بِمَا كَانَ يَعْمَلُ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللَّهُ تَعَالَى عليه) . ١١-نشر صحائف الأعمال وأخذ أهلها لها باليمين أو الشمال: -قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ على طعام المسكين فليس له اليوم ههنا حَمِيمٌ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يأكله إلا الخاطئون﴾ (٢) . قال ابن السائب في قوله ﴿وأما من أوتي كتابه بشماله﴾ : تُلْوَى يَدُهُ الْيُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِهِ ثُمَّ يُعْطَى كتابه. -وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إلى أهله

стр. 225

مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ (١) . قال الْبَغَوِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كتابه وراء ظهره﴾ : فَتُغَلُّ يَدُهُ الْيُمْنَى إِلَى عُنُقِهِ، وَتُجْعَلُ يَدُهُ الشِّمَالُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَيُؤْتَى كِتَابَهُ بِشَمَالِهِ مِنْ وراء ظهره. -وقال تَعَالَى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (٢) . قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: طَائِرُهُ هُوَ مَا طَارَ عَنْهُ مِنْ عَمَلِهِ من خير وشر يلزم به ويجازى عليه. ١٢-الميزان: أ-بعض نصوص الكتاب والسنة في الميزان: ١-قال تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمُوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٣) . ٢-قال تَعَالَى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ (٤) . ٣-وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أن يشفع لي

стр. 226

يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ: (أَنَا فَاعِلٌ) - يَعْنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: (اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصراط) قلت: فإن لم ألقك عند الصِّرَاطِ؟ قَالَ: (فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ) قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الْمِيزَانِ؟ قَالَ: (فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الحوض فإني لا أخطيء هذه الثلاث المواطن) . رواه الترمذي (١) . ب-الأقوال في الموزون: ١-أنه الأعمال نفسها، هي التي توزن فتجسم أفعال العباد وتوضع في الميزان. ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. ويدل على هذا حديث أبي هريرة فِي الصَّحِيحِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله العظيم) . وفيه عن النواس بن سمعان قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقول: (يؤتى بالقرآن

стр. 227

يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تقدمه سورة البقرة وآل عمران..) الحديث. قال التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عند أهل العلم أنه يجيء ثواب قراءته، كذا فسر بعض أهل العلم هذا الحديث وما يشبه هذا من الأحاديث أَنَّهُ يَجِيءُ ثَوَابُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. وَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا فَسَّرُوا إِذْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (وَأَهْلِهِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا) (١) فَفِي هذا دلالة أنه يجيء ثواب العمل. أ. هـ. ولا مانع من كون الآتي الْعَمَلَ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، فَأَمَّا إِنَّ الْآتِيَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ نَفْسُهُ فَحَاشَا وَكَلَّا وَمَعَاذَ اللَّهِ، لِأَنَّ كَلَامَهُ تَعَالَى صِفَتُهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، وَالَّذِي يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ هُوَ فعل العبد وعمله. ٢-أَنَّ صَحَائِفَ الْأَعْمَالِ هِيَ الَّتِي تُوزَنُ. وَيَدُلُّ على ذلك ما رواه الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدِّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا، أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ قَالَ: لَا يارب. قَالَ: أَفَلَكَ عُذْرٌ أَوْ حَسَنَةٌ؟ قَالَ: فَبُهِتَ الرجل، فيقول: لا يارب. فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً وَاحِدَةً لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَيُخْرِجُ لَهُ بِطَاقَةً فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فيقول: أحضروه. فيقول: يارب مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ. فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ. قَالَ فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ. قَالَ: فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وثقلت البطاقة. قال: وَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٍ (٢) .

стр. 228

٣-أن الموزون هو العامل نفسه: ويدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد ﵀ عن عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ صَعِدَ شَجَرَةً يَجْتَنِي الكَبَاث (١) ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَعْجَبُونَ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ هُمَا فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ) (٢) . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عند الله جناح بعوضة (٣) ، وقال اقرءوا: ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾ (٤) . وَالَّذِي اسْتُظْهِرَ مِنَ النُّصُوصِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ الْعَامِلَ وَعَمَلَهُ وَصَحِيفَةَ عَمَلِهِ، كُلُّ ذَلِكَ يُوزَنُ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِي بَيَانِ الْقُرْآنِ قَدْ وَرَدَتْ بِكُلٍّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، ويدل على ذلك مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي قِصَّةِ صَاحِبِ الْبِطَاقَةِ بِلَفْظِ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (تُوضَعُ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُؤْتَى بِالرَّجُلِ فَيُوضَعُ فِي كِفَّةٍ، وَيُوضَعُ مَا أُحْصِيَ عَلَيْهِ فَيُمَايِلُ بِهِ الْمِيزَانُ، قَالَ: فَيُبْعَثُ به النَّارِ. قَالَ: فَإِذَا أَدْبَرَ إِذَا صَائِحٌ مِنْ

стр. 229

عِنْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: لَا تُعَجِّلُوا فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَتُوضَعُ مَعَ الرَّجُلِ في كفة حتى يميل به الميزان) (١) . وهذا الحديث يدل على أن العبد وحسناته وصحيفتها كل ذلك يكون فِي كِفَّةٍ، وَسَيِّئَاتُهُ مَعَ صَحِيفَتِهَا فِي الْكِفَّةِ الأخرى. ١٣-الصراط: أ-بعض الآيات والأحاديث في الصراط: ١-قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً﴾ (٢) . قال قَتَادَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ هُوَ الْمَمَرُّ عَلَيْهَا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زيد بن أسلم: ورود المسلمين على الْمُرُورُ عَلَى الْجِسْرِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهَا وَوُرُودُ الْمُشْرِكِينَ أن يدخلوها. وروى الإمام أحمد الله عن ابن مَسْعُودٍ ﵁: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا واردها﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَرِدُ النَّاسُ كُلُّهُمْ ثُمَّ يَصدُرون عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ) (٣) ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ مَوْقُوفًا قال: (يرد الناس جميعاً

стр. 230

الصِّرَاطِ بِأَعْمَالِهِمْ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ مِثْلَ الْبَرْقِ، ومنهم من يمر مثل الريح..) الحديث، فهذا على القول بأن ورود الناس بالنسبة للمؤمنين هو المرور عليها على الصراط. وهناك من فسر ورود المؤمنين بدخولهم فيها وتكون برداً عليهم، فعن أَبِي سُمَيَّةَ قَالَ: اخْتَلَفْنَا فِي الْوُرُودِ، فَقَالَ بَعْضُنَا: لَا يَدْخُلُهَا مُؤْمِنٌ، وَقَالَ بَعْضُنَا: يَدْخُلُونَهَا جَمِيعًا. ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا. فَلَقِيتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّا اختلفنا في الورود، فقال: يردونها جميعاً. وتفسير الورود بالدخول مروي أيضاً عن ابن عباس ﵄ وأيد قوله بقول الحق ﵎: ﴿يقدم قومه (١) يوم القيامة فأوردهم النار﴾ (٢) ، وقوله: ﴿ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً﴾ (٣) ، وقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جهنم أنتم لها واردون..﴾ (٤) فالورود في ذلك كله الدخول (٥) .

стр. 231

٢-وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا ... ﴾ (١) عن ابن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿يسعى نورهم بين أيديهم﴾ قَالَ: عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ. منهم من نوره مثل الجبل ن ومنهم من نوره في إيهامه يتقد مرة ويطفأ مرة.

стр. 232

٣-وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ) قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَأَنَّهُ يُرِيدُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى ربك حتماً مقضياً﴾ (١) قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قَسَمًا وَاجِبًا. ٤-وَفِيهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَيْضًا مَرْفُوعًا من حديث الطَّوِيلِ فِي الرُّؤْيَةِ وَالشَّفَاعَةِ وَفِيهِ: (وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ من يجيز، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمُ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ وَالْمُوثَقُ بِعَمَلِهِ وَمِنْهُمُ الْمُخَرْدَلُ أَوِ الْمُجَازَى أَوْ نَحْوُهُ) الْحَدِيثَ. ٥-وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ مِنْ حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي ذَلِكَ مَرْفُوعًا وَفِيهِ: (ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجِسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ) . قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ: (مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ تَكُونُ بِنَجْدٍ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ، يَمُرُّ الْمُؤَمَّنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ فناجٍ مُسَلَّمٌ، وناجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا) الْحَدِيثَ. ٦-وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ أن رسول ﷺ قَالَ: (آخِرُ مَنْ يدخل الجنة رجل فهو يمشي مرة يكبو مرة وتسعفه النار مرة، فإذا ما جاوزوها الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا من الأولين والآخرين) الحديث.

стр. 233

٧-وفي صحيح مسلم أيضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحُذَيْفَةَ ﵄ فِي حَدِيثِ اسْتِفْتَاحِ الْجَنَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُطَوَّلًا وَفِيهِ: (وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ والرحمن فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كالبرق. قال: قلت: بأبي وَأُمِّي أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طرقة عين، ثم كمر الريح. ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَتَشُدُّ الرِّجَالُ (١) تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، قَالَ: وَنَبِيُّكُمْ ﷺ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زِحَافًا (٢) . قَالَ: وَفِي حافتي الصراط كلاليب معلقة بأمور مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بيده إن قعر جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا) . ٨-وَفِيهِ أَيْضًا فِي بَعْضِ طرق حديث أبي سعيد المتقدم، قال سَعِيدٍ: (بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ) . ٩-وَفِيهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَسْأَلُ عَنِ الْوُرُودِ - الْحَدِيثَ - وَفِيهِ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى: (فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ، قَالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتْبَعُونَهُ وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ (٣) مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِنٍ - نُورًا ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ وَعَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ ثُمَّ يَنْجُو المؤمنين فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ سبعون ألفاً لا يحاسبون) وذكر الحديث. ب-منكرو الصراط: وَقَدْ أَنْكَرَ الصِّرَاطَ وَالْمُرُورَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْبِدْعَةِ والهوى من الخوارج ومن المعتزلة،

стр. 234

وَتَأَوَّلُوا الْوُرُودَ بِرُؤْيَةِ النَّارِ لَا أَنَّهُ الدُّخُولُ وَالْمُرُورُ عَلَى ظَهْرِهَا، وَذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ مَنْ دَخَلَ النَّارَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَلَوْ بِالْإِصْرَارِ عَلَى صَغِيرَةٍ، فَخَالَفُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ وَرَدُّوا الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْوُرُودِ وَالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ وَالشَّفَاعَةِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِيمَا رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو ابن دِينَارٍ أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ مَارَى ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فِي الْوُرُودِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: هُوَ الدُّخُولُ. وقال نافع: ليس الورود الدخول. فتلا ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنتم لها واردون﴾ (١) أَدَخَلَهَا هَؤُلَاءِ أَمْ لَا؟ ثُمَّ قَالَ: يَا نَافِعُ، أَمَا وَاللَّهِ أَنْتَ وَأَنَا سَنَرِدُهَا وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَنِي اللَّهُ مِنْهَا، وَمَا أَرَى اللَّهُ أَنْ يُخْرِجَكَ مِنْهَا بِتَكْذِيبِكَ. ١٤-الاقتصاص من الظالم للمظلوم: -روى البخاري ﵀ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ من سيئات أخيه فطرحت عليه) . -وَلَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يخلص المؤمنون من النار فيحسبون عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَقُصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا هُذِّبوا ونُقُّوا أَذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ في الدنيا) .

стр. 235

١٥-الإيمان بالجنة والنار: وَمِنَ الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الْإِيمَانُ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، والبحث في ذلك ينحصر في ثلاثة أمور: أ-كَوْنُهُمَا حَقًّا لَا رَيْبَ فِيهِمَا وَلَا شَكَّ، وَأَنَّ النَّارَ دَارُ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَالْجَنَّةَ دَارُ أوليائه: -قال تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ..﴾ (١) . وروى البخاري ﵀ عَنْ عُبَادَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٍ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حُقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ العمل) . ب-اعتقاد وجودهما الآن: -قال تعالى في الجنة: ﴿أعدت للمتقين﴾ (٢) ، وقال: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ (٣) ، وقال: ﴿عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى﴾ (٤) .. وغير ذلك من الآيات. فأخبر تَعَالَى أَنَّهَا مُعَدَّةٌ قَدْ أُوجِدَتْ، وَأَنَّهَا مَخْفِيَّةٌ لأوليائه مُدَّخَرَةٌ لَهُمْ، وَأَنَّهَا فِي السَّمَاءِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهَا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ ورآها.

стр. 236

-وقال تعالى في النار: ﴿أعدت للكافرين﴾ (١) . -وفي صحيح البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النار) . -وفيه عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ) . -وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذ قال: (بينما أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ فَقَالُوا: لَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فوليت مدبراً) فبكى عمر وقال: عليك أغار يا رسول الله؟ -وفيه عن أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي سَعِيدٍ ﵄، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) . -وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفْسَيْنِ، نَفْسٌ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفْسٌ فِي الصَّيْفِ، فَأَشُدُّ مَا تَجِدُونَ فِي (٢) الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزمهرير (٣)) . -وفيه عن ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﵃، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جهنم فأبردوها بالماء) .

стр. 237

-وفيه مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ فِي الْمِعْرَاجِ: (ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فيها حبائل اللؤلؤ وإذا ترابها المسك) . -وفي الصحيحين مِنْ حَدِيثِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَخُطْبَتِهِ ﷺ فِيهَا وَأَنَّهُ عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، وَأَنَّهُ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنَ الْجَنَّةِ عُنْقُودًا فَقَصُرَتْ يَدُهُ عنه وأنه لو أخذه لَأَكَلُوا مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا وَأَنَّهُ رَأَى النار وَرَأَى فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قَصَبَهُ في النار (١) ورأى المرأة التي عذبت هِرَّةً حَبَسَتْهَا، وَقَالَ ﷺ : (لَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ أَفْظَعَ) . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢) وَالسُّنَنِ وَالْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ جِبْرَائِيلَ إِلَى الْجَنَّةِ فَقَالَ: اذهب فانظر إليها وما أعددت لأهلها فيها ... ) الحديث. جـ-اعتقاد دوامها وَبَقَائِهِمَا بِإِبْقَاءِ اللَّهِ لَهُمَا وَأَنَّهُمَا لَا تَفْنَيَانِ أبداً ولا يفنى من فيهما: -قال الله تعالى في الجنة وأهلها: ﴿خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم﴾ (٣) ، ﴿لا يسمهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين﴾ (٤) ، ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفوز العظيم﴾ (٥) .

стр. 238

-وقال تعالى في النار وأهلها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جهنم خالدين فيها أبداً﴾ (١) ، ﴿وما هم بخارجين من النار﴾ (٢) ، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارِ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نعمل أو لم نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير﴾ (٣) ، ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يموت فيها ولا يحيى﴾ (٤) . -وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ) ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وهم في غفلة﴾ وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةِ أَهْلِ الدُّنْيَا ﴿وَهُمْ لَا يؤمنون﴾ (٥) . - إِخْرَاجُ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ: نَعَمْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّرِيحَةُ بِإِخْرَاجِ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ الَّذِينَ تَمَسُّهُمُ النَّارُ بِقَدْرِ جِنَايَتِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْهَا بِرَحْمَةِ الله تعالى ثم بشفاعة الشافعين،

стр. 239

كما سيأتي في أحاديث الشفاعة إن شاء الله تعالى، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ الْعُصَاةَ يُسْكِنُونَ الطَّبَقَةَ الْعُلْيَا مِنَ النَّارِ عَلَى تَفَاوُتِهِمْ فِي مِقْدَارِ مَا تَأْخُذُ مِنْهُمْ. وَجَاءَ فِيهَا آثَارٌ أَنَّ هَذِهِ الطَّبَقَةَ تَفْنَى بَعْدَهُمْ إِذَا أُخْرِجُوا مِنْهَا وَأُدْخِلُوا الْجَنَّةَ وليأتين عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهِيَ تُصَفِّقُ فِي أَبْوَابِهَا لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ، وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ الِاسْتِثْنَاءَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ (١) الْآيَةَ: وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا وَرَدَ من آثار الصحابة. - أقوال بعض أهل الضلال فيما يتعلق بالجنة والنار: ١-قال ابن عربي إمام الاتحادية محيى الزَّنْدَقَةِ وَالْإِلْحَادِ فِي آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ أَهْلَهَا يُعَذَّبُونَ فِيهَا ثُمَّ تَنْقَلِبُ طَبِيعَتُهُمْ وَتَبْقَى طبيعتهم النَّارِيَّةِ يَتَلَذَّذُونَ بِهَا لِمُوَافَقَتِهَا طَبْعَهُمْ. ٢-وَقَالَ الْجَهْمُ وشيعته: إن الجنة والنار تفنيان كلتاهما لِأَنَّهُمَا حَادِثَتَانِ، وَمَا ثَبَتَ حُدُوثُهُ اسْتَحَالَ بَقَاؤُهُ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ الْفَاسِدِ فِي مَنْعِ تَسَلْسُلِ الْحَوَادِثِ وَبَقَائِهَا بِإِبْقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا. ٣-وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ: لَمْ يَكُونَا الْآنَ مَوْجُودَتَيْنِ بَلْ يُنْشِئُهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَحَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَصْلُهُمُ الْفَاسِدُ الَّذِي وَضَعُوا بِهِ شَرِيعَةً لِمَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ كَذَا وَلَا يَنْبَغِيَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا، قِيَاسًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ في أفعالهم. وَقَالُوا: خلْق الْجَنَّةِ وَالنَّارِ قَبْلَ الْجَزَاءِ عَبَثٌ لأنها تصير معطلة مدداً متطاولة. ٤-وَقَالَ أَبُو الْهُذَيْلِ الْعَلَّافُ: تَفْنَى حَرَكَاتُ أَهْلِ الجنة وَيَصِيرُونَ جَمَادًا لَا يُحِسُّونَ بِنَعِيمٍ وَلَا أَلَمٍ. وكل هذه الأقوال مخالفة لصريح المنقول وصحيح المعقول ومحادة ومشاقة

стр. 240

لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلرَّسُولِ ﷺ . ١٦-الإيمان بما جاء في الكوثر وحوض نبينا ﷺ وأن له لواء الحمد يوم القيامة وأنه سيد الناس يومئذ: ومن الإيمان باليوم الآخر بحوض خَيْرِ الْخَلْقِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُوَ الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاهُ رَبُّهُ أو هو منه. -قال تعالى: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ (١) . عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ فِي الْكَوْثَرِ: هُوَ الْخَيْرُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. قَالَ أَبُو بِشْرٍ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: فَإِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ. فَقَالَ سَعِيدٌ: النَّهْرُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. رواه البخاري. -وَقَدْ وَرَدَ فِي ذِكْرِ الْحَوْضِ وَتَفْسِيرِ الْكَوْثَرِ بِهِ وَإِثْبَاتِهِ وَصَفْتِهِ مِنْ طُرُقِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَاشْتَهَرَ وَاسْتَفَاضَ بَلْ تَوَاتَرَ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ، ونذكر فيما يلي بعض الأحاديث في ذلك عن عدد من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. ففي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لِمَا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ: (أَتَيْتُ عَلَى نَهْرٍ حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ فَقُلْتُ: مَا هَذَا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر) . -وفي الصحيحين عَنْهُ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ قَدْرَ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ أيْلة (٢) وَصَنْعَاءَ مِنَ الْيَمَنِ، وَإِنَّ فِيهِ مِنَ الْأَبَارِيقِ بِعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ) وفي لفظ لمسلم: (مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ والمدينة) .

стр. 241

-وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَ: سَأَلْتُهَا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أعطيناك الكوثر﴾ قالت: نهر أعطيه ﷺ نبيكم شَاطِئَاهُ عَلَيْهِ دُرٌّ مُجَوَّفٌ آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النُّجُومِ. -ولمسلم عنها ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ: (إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ فَوَاللَّهِ لَيُقْتَطَعَنَّ دُونِي رِجَالٌ فَلَأَقُولَنَّ أَيْ رَبِّ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، مازالوا يرجعون على أعقابهم) . -وروى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: (مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجنة، ومنبري على حوضي) . -وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: (إن حوضي أبعد من أيلة إلى عَدَنَ، لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَلَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، وَإِنِّي لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: (نَعَمْ، لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غرًّا محجلين من أثر الوضوء) . -وله عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الْوَرِقِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَا يَظْمَأُ بعده أبداً) . -ولمسلم عن النبي ﷺ ، وقد سئل عن شراب الحوض فَقَالَ: (أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ العسل بَغُِثُّ (١) فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ أَحَدُهُمَا مَنْ ذهب والآخر من وَرِق) .

стр. 242

-وللترمذي عن ثوبان ﵁ أنه ﷺ قال في الحوض: (أَوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا عَلَيْهِ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ الشُّعْثُ رُءُوسًا الدُّنْسُ ثِيَابًا الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ الْمُتَنَعِّمَاتِ ولا تفتح لهم السدد) (١) . -كما ثبت في صحيح مسلم عنه ﷺ أن الحوض عرضه مثل طوله. -ولأبي داود عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَقَالَ: (مَا أَنْتُمْ بِجُزْءٍ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّنْ يَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ) قَالَ: قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قال: سبعمائة أو ثمانمائة (٢) . -وللترمذي عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا وَإِنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أيهم أكثر واردة، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة) (٣) . ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بأنه ﷺ سيد ولد آدم يوم القيامة وله لواء الحمد يومئذ وأنه أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَأَوَّلَ شَافِعٍ وأول مشفع. -قال ﷺ : (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع) (٤) . -قال ﷺ : (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد وَلَا فَخْرَ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي وَأَنَا أَوَّلُ شافع وأول مشفع ولا فخر) (٥) .

стр. 243

١٧-الإيمان بالشفاعة وأحاديثها والمقام المحمود: أ-شروط الشفاعة في الشرع هي التي يتوفر فيها شرطان: -إذن الله للشافع. -والرضا عن المشفوع له. أو بعبارة أخرى: الشفاعة لا تكون إلا ن بَعْدِ إِذْنِ اللَّهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ شَفَاعَةُ نَبِيِّنَا ﷺ وَشَفَاعَةُ مَنْ دُونَهُ، وَذَلِكَ الْإِذْنُ يَتَعَلَّقُ بِالشَّافِعِ، والمشفوع فيه، فليس يشفع إلا من أذن لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ إِلَّا فِيمَنْ أَذِنَ اللَّهُ تعالى له أن يشفع فيه. أما الشفاعة للكافرين أو الشفاعة بدون إذن الله تعالى فهي منفية لا يمكن أن تكون. قال تعالى: ﴿قل لله الشفاعة جميعاً﴾ (١) . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بإذنه﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خشيته مشفقون﴾ (٣) . وَقَالَ تَعَالَى فِي الْكُفَّارِ: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ (٤) . ب-أنواع الشفاعة: ١-الشفاعة العظمى، وهي شفاعته ﷺ إلى الرحمن في أهل الموقف لفصل القضاء بينهم، وهي خاصة به ﷺ ، وهي المقام المحمود

стр. 244

الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ لَهُ، وَوَعَدَهُ إياه كما قال تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١) ، وَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْأَلَ اللَّهَ إِيَّاهُ لَهُ ﷺ بعد كل أذان، كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شفاعتي يوم القيامة) . -وروى البخاري عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُثاً (٢) ، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا، يَقُولُونَ: يَا فُلَانُ اشْفَعْ، حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ المحمود. -وروى مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تعجبه فنهس منها نَهْسَةً فَقَالَ: (أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَمَا لَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَلَا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ، أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ، أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ. فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ائْتُوا آدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فيه، أر تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نهاني عن الشجرة فعصيته،

стр. 245

نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ. فَيَأْتُونَ نُوحًا ﵇ فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الْأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا: فَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كانت دعوة دعوت بها على قومي - وفي رواية للبخاري أنه ذكر خطيئته وهي سؤاله ربه بغير علم- نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، ألا ترى مات نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فيقول لهم إبراهيم: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وذكر ذباته- وزاد مسلم في رواية: وَذَكَرَ قَوْلَهُ فِي الْكَوْكَبِ هَذَا رَبِّي، وَقَوْلَهُ لِآلِهَتِهِمْ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا، وَقَوْلَهُ: إِنِّي سقيم - نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى موسى، فيأتون موسى فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ موسى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُؤْمَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نفسي، اذهبوا إلى عيسى، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَلِمَةٌ مِنْهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عيسى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يغضب مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إلى محمد ﷺ فيأتون فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَغَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَأَنْطَلِقُ فَآتِي

стр. 246

تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ قَبْلِي. ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أمتي أمتي: فيقال يا محمد أدخل مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَابِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ من مصارع الجنة لكما بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ (١) أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وبُصرى) (٢) . ٢-شفاعته ﷺ في استفتاح باب الجنة وهو مختص بها أيضاً ﷺ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا أَيْضًا مِنَ المقام المحمود. -روى مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ، وأنا أكثر الأنبياء تبعاً) . وله عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا، وأنا أول من يقرع باب الجنة) . وله عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ لَمْ يُصدَّق نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدقت، وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ من أمته إلا رجل واحد) . -وروى البخاري من طريق اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ: (فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الباب فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً، يحمدهم أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ) فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْجَمْعُ بَيْنَ ذِكْرِ الشَّفَاعَتَيْنِ: الْأُولَى فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ، وَالثَّانِيَةُ فِي اسْتِفْتَاحِ بَابِ الْجَنَّةِ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ كله المقام المحمود.

стр. 247

وهاتان الشفاعتان اللتان هما المقام المحمود جعلها الله تعالى خاصتين به ﷺ ، وَلَيْسَتَا لِأَحَدٍ غَيْرِهِ بلا نكران من أهل السنة والجماعة، بل ولم ينكرها الْمُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ أَنْكَرُوا الشَّفَاعَةَ الثَّالِثَةَ فِي إِخْرَاجِ عصاة الموحدين من النار. ٣-الشفاعة في إخراج عصاة الموحدين من النار، فَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ حَقٌّ يُؤْمِنُ بِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ والجماعة كما آمن بها الصحابة والتابعون، وَأَنْكَرَهَا فِي آخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ الْخَوَارِجُ، وَأَنْكَرَهَا فِي عَصْرِ التَّابِعِينَ الْمُعْتَزِلَةُ، وَقَالُوا بِخُلُودِ مَنْ دخل النار من عصاة الموحدين الذين يشهدوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شريك له ويشهدون أن محمد عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ وَيُقِيمُونَ الصلاة ويؤتون الزكاة ويصومون رمضان ويحج البت الحرام ويسألون الله الجنة ويستعيذون مِنَ النَّارِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَدُعَاءٍ، غَيْرَ أَنَّهُمْ مَاتُوا مُصِرِّينَ عَلَى مَعْصِيَةٍ عَمَلِيَّةٍ عَالِمِينَ بتحريمها معتقدينه مؤمنين بما جاء فيه من الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ، فَقَضَوْا بِتَخْلِيدِهِمْ فِي جَهَنَّمَ مَعَ فرعون وهامان وقارون، فجحدوا قول الله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾ (١) . وفي حديث البخاري عن أنس: (ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الجنة) (٢) . قال قتادة: سمعته أيضاً يَقُولُ: (فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ (٣) فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ. قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، وقال: ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ) قَالَ قَتَادَةُ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: (فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ من النار وأدخلهم الجنة) ، ثم أعيد الثَّالِثَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يَقُولُ: ارفع محمد وقل يسمع واشفع

стр. 248

تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ، قَالَ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، قَالَ: ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ) قَالَ قَتَادَةُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ) أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ. قَالَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١) قَالَ: وَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ . -وروى مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّة، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ ما يزن ذرة) (٢) . وروى الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بَعْدَ مَا مَسَّهُمْ مِنْهَا سَفْعٌ (٣) ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيُسَمِّيهِمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ الجهنميين) .

стр. 249

وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ الثَّالِثَةُ قَدْ فُسِّرَ بِهَا الْمَقَامُ المحمود كما سبق في حديث البخاري ﵀ فيكون عَامًّا لِجَمِيعِ الشَّفَاعَاتِ الَّتِي أُوتِيهَا نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ ، لَكِنَّ جُمْهُورَ الْمُفَسِّرِينَ فسروه بالشفاعتين الأولين لِاخْتِصَاصِهِ ﷺ بِهِمَا دُونَ غَيْرِهِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُكْرَمِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الشَّفَاعَةُ الثَّالِثَةُ فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْمَقَامِ الَّذِي وُعِدَهُ فَلَيْسَتْ خَاصَّةً بِهِ ﷺ بل يؤتها كَثِيرٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ وَلَكِنْ هُوَ ﷺ الْمُقَدَّمُ فِيهَا، وَلَمْ يَشْفَعْ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى فِي مِثْلِ مَا يَشْفَعُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا يُدَانِيهِ فِي ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَشْفَعُ مَنْ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وسائر أولياء الله من المؤمنين المتقين، ثم يخرج الله تعالى أقواماً مِنَ النَّارِ بِرَحْمَتِهِ أَقْوَامًا بِدُونِ شَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ، ففي حديث سعيد المتفق عليه (فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدِ امْتُحِشُوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرٍ بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يقال له ماء الحياة فينبتون في حافيته كَمَا تَنْبُتُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ قَدْ رَأَيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ إِلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ، فَمَا كَانَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ أَخْضَرَ، وَمَا كَانَ إِلَى الظِّلِّ كَانَ أَبْيَضَ، فَيَخْرُجُونَ كأنهم اللؤلوء، فَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِيمُ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ (١) ، فَيُقَالُ لهم لكم ما رأيتم ومثله معه) (٢) .

стр. 250

أسعد الناس بشفاعته ﷺ -: رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قال: قلت: يا رسول لله مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: (لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا من قلبه) (١) . *** وفيما يلي الأبيات المتعلقة بما سبق من الكلام في الإيمان باليوم الآخر وما يدخل فيه: وبالميعاد أَيْقِنْ بِلَا تَرَدُّدِ ... وَلَا ادِّعَا عِلْمٍ بِوَقْتِ الْمَوْعِدِ لَكِنَّنَا نُؤْمِنْ مِنْ غَيْرِ امْتِرَا ... بِكُلِّ مَا قَدْ صَحَّ عَنْ خَيْرِ الْوَرَى مِنْ ذِكْرِ آيَاتٍ تَكُونُ قَبْلَهَا ... وَهْيَ عَلَامَاتٌ وَأَشْرَاطٌ لَهَا
следующие страницы →