عليهم أجمعين، وقص علينا من أنبائهم ثُمَّ قَالَ: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ موسى تكليماً) (١) .
د-أول الرسل:
أولهم بعد الاختلاف نوح ﵈ لأن أمته التي بعث إليها كانت أَوَّلُ مَنِ اخْتَلَفَ وَغَيَّرَ وَبَدَّلَ وَكَذَّبَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ من بعدهم﴾ (٢) وإلا فآدم قبله كان نبياً ورسولاً، وكان الناس أمة واحدة على دينه كما قال ابن عباس وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمْ ﵃ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كان الناس أمة واحدة﴾ الْآيَةَ. قَالُوا: كَانَ بَيْنَ نُوحٍ وَآدَمَ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ فَاخْتَلَفُوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.
هـ- أولو العزم من الرسل:
المشهور أنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم.
-والعزم: الحزم وَالْجِدَّ وَالصَّبْرَ وَكَمَالَ الْعَقْلِ، وَلَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ تعالى من رسول إلا وهذه الصفات مجتمعة فيه، غير أن هؤلاء أَصْحَابُ الشَّرَائِعِ الْمَشْهُورَةِ كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ فِيهِمْ أكمل وأعظم من غيرهم، ولذا خصوا بالذكر في سورة الأحزاب في قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مريم ... ﴾ (٣) ، وكذا في سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نوحاً والذي أوحينا إليك وما
стр. 177
وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدين ولا تتفرقوا فيه..﴾ (١) وَهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ هُمُ الَّذِينَ يَتَرَاجَعُونَ الشَّفَاعَةَ بَعْدَ أَبِيهِمْ آدَمَ ﵇ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى نبينا محمد ﷺ كما سيأتي في الكلام عن الشفاعة إن شاء الله تعالى.
-والأقوال في المراد بأولى العزم هي:
١-أنهم هؤلاء الخمسة الذين ذكرنا، وهو قول ابن عباس وقتادة ومن وافقهما هو الأشهر.
٢-أنهم الَّذِينَ أُمِرُوا بِالْجِهَادِ وَأَظْهَرُوا الْمُكَاشَفَةَ مَعَ أَعْدَاءِ الدين. قاله الكلبي.
٣-وَقِيلَ هُمْ سِتَّةٌ: نُوحٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَلُوطٌ وشعيب وموسى ﵈، وهم المذكرون عَلَى النَّسَقِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَهُودٍ وَالشُّعَرَاءِ.
٤-وَقَالَ مُقَاتِلٌ هُمْ سِتَّةٌ نُوحٌ صَبَرَ عَلَى أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صَبَرَ عَلَى الذَّبْحِ، وَيَعْقُوبُ صَبَرَ عَلَى فَقْدِ وَلَدِهِ وَذَهَابِ بَصَرِهِ، وَيُوسُفُ صَبَرَ عَلَى الْبِئْرِ والسجن، وأيوب صبر على الضر،. وقوله (وإسحاق صَبَرَ عَلَى الذَّبْحِ) هُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ أَوْ مردود وإنما كان الذبيح إسماعيل كما يفهم من سورة الصافات (٢) ومن سورة هود (٣) .
•
أسئلة:
١- ما المراد بالإيمان بالله ؟
٢- ما هي الأمور التي أُخبرنا بها عن الملائكة مع الأدلة، وما أقسامهم بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هَيَّأَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ووكلهم به؟
٣- ماذا يدخل في معنى الإيمان بالكتب؟
٤- ما الفرق بين الرسول والنبي؟ وما حكم من آمن ببعض الرسل والأنبياء دون بعض؟
٥- بين معنى الإيمان برسل الله ؟
٦- من هو أول الأنبياء والمرسلين؟
٧- اذكر ما تعرفه من أقوال في المراد بأولي العزم من الرسل؟
стр. 180
* الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر:
والمراد اليوم الآخر وما يدل فيه وما يتصل به مما سنذكره إن شاء الله تعالى. قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون﴾ (١) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ومن أصدق من الله حديثاً﴾ (٢) .
وهذا الإيمان يجب أن يكون مجرداً عن ادعاء علم بوقت قيام الساعة فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ مَفَاتِحِ الْغَيْبِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ . قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يعلمون﴾ (٣) . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ) . ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٤) ، ولما سأل أعرابي: متى الساعة قال له ﷺ : (وَيْحَكَ إِنَّ السَّاعَةَ آتية فما أعددت لها؟ ..) والحديث في الصحيحين (٥) .
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بما يلي:
١-أمارات الساعة: وتشمل الآتي:
стр. 181
١- بعثته ﷺ ، لقوله: (بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ) وَقَرَنَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السبابة والتي تليها. والحديث في الصحيحين.
٢- أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ (١) .
٣- تقاتُلُ الناس على جبل من ذهب على الفرات، ففي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ ويقول كل رجل منهم لعلي أكون الَّذِي أَنْجُو) وَفِي رِوَايَةٍ: (فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يأخذ منه شيئاً) .
٤- الدخان. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مبين﴾ (٢) .
٥- ظهور الفتن والعجائب وسوء الأخلاق، كما روى الإمام أحمد عن حذيفة ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ السَّاعَةِ فَقَالَ: (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ وَلَكِنْ سَأُخْبِرُكُمْ بِمَشَارِيطِهَا وَمَا يَكُونُ بَيْنَ يديها، إن بين يديها فتناً وهَرْجاً) (٣) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْفِتْنَةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا فَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: (بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ الْقَتْلُ) قَالَ: (وَيُلْقَى بَيْنَ النَّاسِ التَّنَاكُرُ فَلَا يَكَادُ أحدهم يعرف أحداً) (٤) .
ومن تفصيلات الفتن وغيرها من الأشراط الصغرى اقتتال فئتين عظيمتين من المسلمين دعواهما واحدة، وأن يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ
стр. 182
يزعم أنه رسول الله، وأن يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، ويكثر الْمَالُ فَيَفِيضُ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يقبل صدقته وحتى يعرضه فيقول الذي يعرض عليه لا أرب لي به ومنها أن يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مكانه. وهذا كله رواه البخاري في الفتن (١) .
٦- ثلاث خسوف، وخروج نار من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم، ففي صحيح مسلم عن حذيفة بنم أَسِيد (٢) الْغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: طَلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقَالَ: (مَا تُذَاكِرُونَ) ؟ قَالُوا نَذْكُرُ السَّاعَةَ. قَالَ: (إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ: فَذَكَرَ الدُّخَانَ وَالدَّجَّالَ وَالدَّابَّةَ وَطُلُوعَ الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم ويأجوج ومأجوج، وثلاث خسوف: خسف المشرق، وخسف المغرب، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم) .
٧- عدم الفرح بغنيمة، وعدم قسمة الميراث، وذلك بعد مقتلة عظيمة بين
стр. 183
المسلمين والروم يقتل فيها كثير من المسلمين ويفتحون قسطنطينية ويخرج بعد ذلك الدجال، كما هو مروي في صحيح مسلم.
٨- خروج المسيح الدجال ثم نزول عيسى ابن مريم ﵇ لقتله، ثم يخرج يأجوج ومأجوج، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه إلى الطور ويدعون الله ، فيميت يأجوج ومأجوج مهلكة واحدة، وينزل عيسى وأصحابه عن الجبل فيجدون نتن جيفهم في كل مكان، فيدعون الله فيرسل طيراً تحملهم وتطرحهم حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا غزيراً، وتظهر البركة وتعظم الثمرة على غير ما يعهده الناس، ثم يظهر الله ريحاً باردة طيبة تقبض روح كل مسلم ومؤمن ويبقى شرار الناس (١) فعليهم تقوم الساعة (٢) .
وذلك كله مذكور في صحيح مسلم ﵀.
٩- طلوع الشمس من مغربها والدابة، أيتهما كانت الأولى فالأخرى على أثرها قريباً، وإذا طلعت الشمس من مغربها لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمن من قبل، ولا تنفع توبة. وذلك ثابت في صحيح مسلم أيضاً (٣) .
стр. 184
* ذكر بعض صفات وتفصيلات لبعض أشراط الساعة الكبرى:
أ- الدابة:
هي دابة عظيمة تكلم الناس وتخبرهم بأحوالهم، قال تعالى: ﴿وإذا رقع الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ (١) . قيل: وهي الجساسة المذكورة في صحيح مسلم، وهي دابة أهلب أي غليظة الشعر لا يدري قبلها من دبرها من كثرة الشعر، وقيل وسميت الجساسة لتجسسها الأخبار للدجال. والله أعلم.
وهذه الدابة يكون خروجها على الناس ضحى، ففي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: (إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قريباً) .
ب-الدجال:
والأحاديث في ذكره وَصِفَتِهِ وَالْإِنْذَارِ مِنْهُ وَالتَّحْذِيرِ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ أن تحصى، لكن نذكر ههنا ملخصاً لذلك مما رواه مسلم في صحيحه:
-فمن صفته أنه شاب قَطَط (٢) أعور العين اليمنى مكتوب بين عينيه كافر (ك ف ر) يقرؤها كل مسلم كاتب وغير كاتب، وعلى عينه ظفرة غليظة - جلدة تغشى البصر أو لحمة تنبت عند المآقي -.
стр. 185
يهبط كل قرية في أربعين ليلة إلا مكة والمدينة على أنقابها الملائكة تحرسها، وترجف الْمَدِينَةُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ يَخْرُجُ إِلَيْهِ مِنْهَا كُلُّ كافر ومنافق.
-يعصم منه من قرأ عليه فواتح سورة الكهف.
-يخرج خَلَّةً بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فعاثٍ يَمِينًا وعاثٍ شمالاً، فيلبث في الأرض أربعين يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ وسائر أيامه كأيامنا واليوم الذي هو أكبر من يومنا يُقدر له قدره من الصلاة، وينزل الدجال أول ما ينزل بالجُرُف قرب المدينة فيخرج إليه منافقوها، ويفر الناس منه في الجبال، والعرب يومئذ قليل، ويتبعه من يهود أصبهان سبعون ألفاً.
-أما إسراعه في الأرض فكالغيث استدبرته الريح.
-ومعه ما يفتن الناس، فيؤمنون له فتمطرهم السماء وتخرج الأرض لهم الثمار وتدبر الأنعام لهم اللبن، ومن يكفرون به يصبحون ممحلين في خراب، ومعه نَهْرَانِ يَجْرِيَانِ، أَحَدُهُمَا رَأَيَ الْعَيْنِ مَاءٌ أَبْيَضُ، والآخر رأي العين نار تأجج - يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فإما أدركهما أحد فليأت الذي يراه ناراً وليغمض عينيه ثم ليطأطيء رأسه فيشرب منه فإنه ماء بارد)
-ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فتطيعه.
-ويأمر بالرجل فيقطعه جزلتين ثم يمر بينهما فيقوم حياً، ويحاول أن يفتن مسلماً فيفعل به مثل ذلك فيقول الرجل: ما ازددت فيك إلا بصيرة، فيحاول الدجال قتله فلا يستطيع، فيأخذ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَيَقْذِفُ بِهِ، فَيَحْسِبُ النَّاسُ أَنَّمَا قذفه إلى النار.
-ويأمر برجل متليء شباباً فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين مية الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ، فبينما هو كذلك إذا بالمسيح ابن مريم فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله.
стр. 186
جـ-نزول المسيح ابن مريم:
-قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قبل موته﴾ (١) ، وهذا دلالة على نزوله ﵇ ومعيشته فترة ثم موته لأنه رفع دون أن يؤمن به كل أهل الكتاب.
-ويكون نزوله عند المنارة البيضاء شرقي دمشق فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفْسِهِ إِلَّا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، وبعد أن يقتل الدجال بباب لد يأتي قوماً عصمهم الله منه فيمسح عن وجوهم وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذ أوحى الله إلى عيسى ﵇ إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لأحد بقتالهم فحرز عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ.
وذلك كما في حديث النواس بن سمعان في صحيح مسلم.
د-يأجوج ومأجوج:
هم قوم مفسدون في الأرض، من كل حدب ينسلون.
-قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ ما مكني فيه ربي خير فأعيوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دكاء وكان وعد ربي حقاً﴾ (٢) ، وفي صحيح مسلم عن زينب بنت جحش ﵂ قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يوماً مُحْمَرًّا وَجْهُهُ يَقُولُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ويل للعرب من شر
стр. 187
قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ) - وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا - قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أنهلِك وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: (نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَث) (١) .
-وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الحق ... ﴾ (٢) .
-وهم كثيرون جداً، حتى أن أوائلهم - كما في حديث النواس عند مسلم - ليمرون عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخرهم فيقول: فيقول: لقد كان بهذه مرة ماء.
* الصعقة وما بعدها من المطر بعد فناء الدنيا:
ثبت في صحيح مسلم من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ أنه بعد موت عيسى ﵇ وأصحابه بالريح التي تقبض كل نفس مؤمنة يبقى شرار الخلق فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ لَا يَعْرِفُونَ معروفاً ولا ينكرون منكراً يتهارجون في الدنيا تهارج الحمر (٣) مفتونين بما هم فيه من رزق كثير وعيش
стр. 188
حسن، ويتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستيجبون، فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، فعليهم تقوم الساعة حيث ينفخ في الصور فيصعقون وأولهم يصعق رجل يلوط (١) حوض إبله فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله مطراً تنبت مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسئولون. ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وتسعين، فَذَلِكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا، وَذَلِكَ يَوْمَ يكشف عن ساق.
٢-الإيمان بالموت:
وَيَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الْإِيمَانُ بِالْمَوْتِ، والإيمان بالموت يتناول أموراً:
١-فمنها تَحَتُّمُهُ عَلَى مَنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ وغيرهم من المخلوقات. قال تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ (٢) .
٢-ومنها أن كلاً له أجل محدود لَا يَتَجَاوَزُهُ وَلَا يُقَصِّرُ عَنْهُ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى جَمِيعَ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ، وَجَرَى بِهِ الْقَلَمُ بِأَمْرِهِ يَوْمَ خَلْقِهِ، ثُمَّ كَتَبَهُ الْمَلَكُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي بطن أمه يأمر ربه عند تخليق النطفة، وَأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ حُرِقَ أَوْ غَرِقَ أَوْ بِأَيِّ حَتْفٍ هَلَكَ بِأَجَلِهِ، لَمْ يَسْتَأْخِرْ عَنْهُ وَلَمْ يَسْتَقْدِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ الَّذِي كَانَ فِيهِ حَتْفُهُ هُوَ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَقَضَاهُ عَلَيْهِ وَأَمْضَاهُ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْهُ وَلَا مَحِيصَ عَنْهُ وَلَا مَفَرَّ له ولا مهرب ولا فكاك ولا
стр. 189
خلاص. قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾ (١) .
٣-ومنها الإيمان بأن ذلك الأجل المحتوم لانتهاء كل عمر لَا اطِّلَاعَ لَنَا عَلَيْهِ وَلَا عِلْمَ لَنَا بِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَفَاتِحِ الْغَيْبِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهَا عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ فلا يعلمها إلا هو. قال تَعَالَى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾ (٢) وأن هذا الموت هو ساعة كل إنسان بخصوصه إذ هو المفضي بالعبد إلى منازل الآخرة، وقد روى مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتِ الْأَعْرَابُ إِذَا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ مَتَى السَّاعَةُ؟ فَيَنْظُرُ إِلَى أَحْدَثِ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ فَيَقُولُ: (إِنْ يَعِشْ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ قَامَتْ عليم ساعتكم) .
٤-ومنها ذكر العبد للموت وجعله على باله، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أكثروا ذكر هاذم اللذات) يعني الموت. رواه الترمذي والنسائي وابن حبان وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (٣) . وللبخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
стр. 190
٥-وَمِنْهَا - وَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ - التَّأَهُّبُ لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِمَا بَعْدَهُ قَبْلَ حُصُولِهِ، وَالْمُبَادَرَةُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالسَّعْيِ النَّافِعِ قَبْلَ دُهُومِ الْبَلَاءِ وحلوله، إذ ليس بعده لأحد مُسْتَعْتِبٍ وَلَا اعْتِذَارٍ وَلَا زِيَادَةٍ فِي الْحَسَنَاتِ ولا نقص في السيئات ولا منزل إلا القبر، وهو إما منزل من منازل الجنة أو منزل من منازل النار - والعياذ بالله - ثم بعد البعث إِمَّا نُعَيْمٌ مُقِيمٌ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَإِمَّا عذاب أليم في نار الجحيم، فالمفلح من اغتنم حياته قبل أن يسأل الرجعة قبل الموت وهيهات. قال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا مما رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تعملون﴾ وإسحاق صبر على الذبح (١) .
وقد ذكر الله تعالى عن الكفار سؤالهم الرجعة في عدة مواطن:
أ-عند الموزت: قال تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ برزخ إلى يوم يبعثون﴾ (٢) .
ب-عند معاينة العذاب يوم القيامة: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أو لم تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زوال﴾ (٣) .
جـ-إِذَا وُقِفُوا عَلَى النَّارِ وَرَأَوْا مَا فِيهَا من عظيم الأهوال: قال تعالى: ﴿ولو
стр. 191
ترى إذ وقفوا على النار فقالوا ياليتنا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ (١) .
د-إِذَا وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ وَعُرِضُوا عَلَيْهِ وَهُمْ ناكسو رءوسهم بين يديه: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نعمل صالحاً إنا موقنون﴾ (٢) .
هـ-وهم في غمرات الجحيم وعذابها الأليم: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غير الذي كنا نعمل أو لم نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النذير﴾ (٣) .
٣-الإيمان بما بعد الموت بما فيه من سؤال القبر وعذابه:
تظاهرت نصوص الشريعة كتاباً وسنة بإثبات سؤال القبر وفتنته وعذابه ونعيمه، وَأَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. ونتكلم فيما يلي على شبه منكري ذلك والرد عليها ثم نذكر الأدلة من الكتاب والسنة على سؤال القبر وعذابه ونعيمه:
أ-شبه منكري سؤال القبر وعذابه ونعيمه والرد عليها:
قد أَنْكَرَ ذَلِكَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ وَأَضْرَابُهُ وَأَتْبَاعُهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَحَمَلُوا عَلَى فَاسِدِ فَهْمِهِمْ قَوْلَ اللَّهِ : ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ (٤) ، وقوله: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (٥) .
стр. 192
قَالُوا فِي الْآيَةِ الْأُولَى: لَوْ صَارُوا أَحْيَاءً في القبور لذاقوا الموت مرتين لا مرة وَاحِدَةً.
وَقَالُوا فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: إِنَّ الْغَرَضَ مِنْ سِيَاقِهَا تَشْبِيهُ الْكَفَرَةِ بِأَهْلِ الْقُبُورِ فِي عَدَمِ الْإِسْمَاعِ، وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ حيَّا فِي قَبْرِهِ أَوْ حَاسًّا لَمْ يَسْتَقِمِ التَّشْبِيهُ.
قَالُوا: وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ فَإِنَّا نَرَى شَخْصًا يُصْلَبُ وَيَبْقَى مَصْلُوبًا إِلَى أَنْ تَذْهَبَ أَجْزَاؤُهُ ولا نشاهد فيه إحياء ومسألة.
فهذه ثلاث شبهات لهم، آيتان واستدلال عقلي، وفيما يلي الرد عليها:
١-الآية الأولى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ :
ويرد على شبهتهم فيها بأن الآية في وصف نعيم أهل الجنة وأنهم لا يصيبهم من ذلك الموت الذي ذاقوه في الدنيا، وقوله: ﴿إلا الموتة الأولى﴾ تأكيد لذلك فالمنفي هو ذلك الجنس من الموت الذي ذاقوه لما خرجوا من الدنيا، ولا تسمى نومتهم بعد السؤال في القبر موتة وليس فيها ألم ولا هول حتى يمتن الله عليهم بمعافاته لهم منها في الجنة فالمراد بالموت المنفي هو ذلك المعهود الذي يعقب الحياة الدنيوية المستقرة بما فيه من شدائد وسكرات، فهذا قضى الله أنه لا يصيب المؤمنين إلا مرة واحدة. ولا يعارض ذلك بقوله تَعَالَى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فاعترفنا بذنوبنا﴾ (١) والآية في الكفار، فإما أن يقال أن المؤمنين بعد موتهم تسرح أرواحهم في الجنة كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يعلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى جَسَدِهِ يوم يبعثه) (٢) وذلك بخلاف الكافرين فهم الذين يقولون: ﴿ربنا أمتنا اثنتين﴾ فتكون الموتة الثانية هي موتتهم بعد فتنة القبر. والقول الثاني - وهو تفسير الجمهور - أن الموتة الأولى محمولة على العدم الذي قبل وجودهم، والثانية
стр. 193
على الخروج من الدنيا ولا تعد النومة بَعْدَ الْفِتْنَةِ فِي الْقَبْرِ مَوْتَةً مُسْتَقِلَّةً (١) ،
لِأَنَّ البرزخ (٢) تابع للموتة الثَّانِيَةِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ دَارِ الدُّنْيَا وَلَا دَارِ الْآخِرَةِ بَلْ هُوَ حَاجِزٌ بَيْنَهُمَا، وَالتَّفْسِيرُ الأول مَحْمُولٍ عَلَى مَوْتَتَيْنِ بَعْدَ الْوُجُودِ خَلَا حَالَةِ العدم المحض قبل إيجادهم.
٢-الآية الثانية: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ :
فاستدلوا بذلك على نفي أن يكون الميت في قبره يسأل أو يعذب لأن الله نفى في الآية سمعه فطردوا ذلك فيما وراء السمع من أي تأثر بأي شيء، والرد بأحد أمرين حسب ما تُفَسَّرُ به الآية.
-فإذا فسرناها بنفي السماع مطلقاً قلنا إنما نفى الله قدرة الرسول ﷺ على إسماعهم ولم ينف قدرته سبحانه على إسماعهم كما أسمع أهل القليب يوم بدر خطاب رسول الله ﷺ وهو يقول لهم: (هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَقًّا؟) (٣) فكذا هو قادر على إسماعهم وإشعارهم بسؤال القبر وعذابه وغير ذلك. ولما تعجب الصحابة من خطابه ﷺ لأولئك الأموات في القليب قال لهم: (مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ (٤) لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، غَيْرَ أنهم
стр. 194
لا يستطيعون أن يردوا عليَّ شيئاً) وحديث القليب هذا رواه مسلم عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁. قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قوله توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة وندماً.
- وإذا فسرنا السماع المنفي في الآية بسماع الاستجابة لا مطلق السماع فلا يبقى له شبهة. وَبِهَذَا يَتَّضِحُ تَشْبِيهُ الْكُفَّارِ بِهِمْ، فَإِنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَسْمَعُونَ كَلَامَ النَّبِيِّ ﷺ وَيَسْمَعُونَ مِنْهُ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِسَمَاعِ اسْتِجَابَةٍ وَلِهَذَا أَثْبَتَ تَعَالَى هَذَا السَّمَاعَ الظَّاهِرَ لَهُمْ في قوله: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مستكبراً كأن لم يسمعها﴾ (١) ، وَلَوْ كَانَ الْكُفَّارُ لَمْ يَسْمَعُوا مُطْلَقًا لَا سَمَاعَ اسْتِجَابَةٍ وَلَا مُطْلَقًا لَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ حجة عليهم ولم يكن الرسول ﷺ بَلَّغَهُمْ لِأَنَّهُمْ مَا سَمِعُوهُ مِنْهُ، وَلَا أَفْسَدَ من قول هذا لازمه.
٣- شبهتهم العقلية في المصلوب الذي يرونه بعد الصلب لا يعذب ونحو ذلك:
فإذا احتجوا بذلك قلنا لهم أنتم ترون الرجل عند موته في الفراش وما رأيتم مرة أنه يضرب وما سمعتم مرة توبيخاً وتقريعاً يخاطب به عند موته مع أن ذلك يحدث للكفرة الظلمة كما قال : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عذاب الهون﴾ (٢)
стр. 195
الآية. قال أئمة التفسير: ﴿الملائكة باسطو أيديهم﴾ أَيْ إِلَيْهِمْ بِالضَّرْبِ وَالنَّكَالِ وَأَنْوَاعِ الْعَذَابِ حَتَّى تخرج أنفسهم من أجسادهم. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ إِذَا كان يفعل بهذا وَهُوَ مُحْتَضِرٌ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ أَهْلِهِ صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ وذكرهم وأنثاهم ولا يدرون بشيء من ذلك الضرب، فلأن يفعل به ذلك في قبره أو بعد موته، وأعظم منه، ولا يعلمه من يراه أو يكشف عنه القبر أولى وأظهر (١) . وكون البشر لا يدركون ذلك من رحمته تعالى، وهو أمر مقصود إذ لو شعر البشر بذلك ما طاب لهم عيش ولما استطاعوا تحمل رؤية ذلك وسماعه، لذ حجب الله تلك الأمور عنهم كما في صحيح مسلم عن آنس أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع) (٢) .
وثم أمر آخر وهو أن أكثر الأمور الْإِيمَانِ اعْتِقَادَاتٌ بَاطِنَةٌ مِنَّا لِأُمُورٍ غَائِبَةٍ عَنَّا وهي أعلى صفات أهل الإيمان التي يميزهم الله بها ويمحصهم ولذا ذكرها تعالى من صفات المؤمنين المتقين في قوله: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ (٣) .
стр. 196
ب- الأدلة على السؤال في القبر والعذاب أو النعيم:
أولاً: من القرآن:
١-قال تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ (١) .
وَهَذِهِ الْآيَةُ نَصُّهَا فِي عَذَابِ الْقَبْرِ بِصَرِيحِ الأحاديث كما سيأتي إن شاء الله تعالى وَبِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَإِنَّ الْمُرَادَ بِالتَّثْبِيتِ هُوَ عِنْدَ السُّؤَالِ في القبر حقيقة.
٢- وقال تعالى: ﴿سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ (٢) .
قال ابن مسعود وأبو مالك وابن جريح وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَعِيدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ إِسْحَاقَ مَا حصله أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ عَذَابُ الدُّنْيَا وَعَذَابُ الْقَبْرِ، ثُمَّ يَرُدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ هُوَ عَذَابُ النار.
٣-وقال تعالى: ﴿ولنذيقهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر﴾ (٣) .
قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي بِهِ عَذَابَ الْقَبْرِ.
٤-وَقَالَ تَعَالَى فِي قَوْمِ نُوحٍ: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ (٤) .
فالتعقيب بالفاء يدل على أن عذابهم في النار تبع موتهم واتصل به.
٥-وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ *النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ (٥) .
فدل على أن عرضهم على النار غدواً وعشياً كان قبل يوم القيامة.
стр. 197
ثانياً: من السنة:
وَأَمَّا نُصُوصُ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ فَقَدْ بَلَغَتِ الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ، إِذْ رَوَاهَا أَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَحَمَلَةُ الْحَدِيثِ وَنُقَّادُهُ عَنِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ وَالْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفيما يلي مجموعة من هذه الأحاديث عن عدد من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم:
١-عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: (إن الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى أَنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٌ ﷺ ؟ : فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أَبْدَلَكَ الله به مقعدك مِنَ الْجَنَّةِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا. وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوِ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يضرب بمطرقة من حديد بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إلا الثقلين) رواه البخاري (١) . ورواه مسلم بنحوه.
٢-وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إذا قبر الميت - أو قال أو أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهم الْمُنْكَرُ وَالْآخَرِ النَّكِيرُ فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: مَا كَانَ يَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وأن محمد عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا. ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ، فَيَقُولُ أَرْجِعُ إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ: سَمِعْتُ الناس يقولون قولاً فَقُلْتُ مِثْلَهُ، لَا أَدْرِي. فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نعلم أنك تقول
стр. 198
ذَلِكَ. فَيُقَالُ لِلْأَرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ، فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ، فَتَخْتَلِفُ أَضْلَاعُهُ، فَلَا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يبعثه الله من مضجعه) . رواه الترمذي (١) .
٣-وعن أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ القبر الذي أسمع) رواه مسلم، وقد سبق.
٤-وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: (إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) ثُمَّ قَالَ: (بَلَى. أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ من بوله ... ) الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
٥-وعنه ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يعلمهم الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ: (قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ (٢) بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فتنة المحيا والممات) رواه البخاري ومسلم (٣) . وكذا جميع أدعيته ﷺ التي فيها الاستعاذة من عذاب القبر.
٦-وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إذا أُقْعِدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ محمد رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمنوا بالقول الثابت﴾ رواه البخاري في مواضع، ووافقه عليه مسلم وغيره.
стр. 199
٧-وعنه ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يلحد، فجلس النبي ﷺ : وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: (اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) – مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا – ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْفَالٍ إِلَى الْآخِرَةِ نزل إليه الملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوهم الشمس معهم أكفان مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس المطمئنة اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ – قَالَ – فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يده طرفة عين حتى يأخذونها فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، ويخرج منها كأطيب نفخة مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إلا قالوا: ما هذه الريح الطيبة؟ فيقولون: فلان ابن فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا في الدنيا حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح لَهُ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السماء التي تليها حتى يُنتهى بها إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ : اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أخرجهم تارة أخرى. قال فتعاد روحه، فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَيَقُولَانِ لَهُ: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله تعالى فآمنت به وصدقت. فينادي منادٍ من السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الحنة.
فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قبره مد البصر،
شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ - ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ. قَالَ: وَلَيْسَ مِنَ الإنسان شيء إلا يبلى، إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ (١) الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يركب الخلق يوم القيامة) رواه مسلم، ورواه البخاري بمعناه دون قوله: (ثم ينزل الله من السماء ماء) .
ب-أصناف منكري البعث:
١-صنف أنكروا المبدأ والمعاد والخالق، وإنما هي أرحام تدفع وقبور تَبْلَعُ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ جُمْهُورُ الْفَلَاسِفَةِ الدَّهْرِيَّةِ وَالْطَبَائِعِيَّةِ.
٢-والصنف الثاني وهم من الدهرية، منكرون للخالق أبضاً وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ فِي كُلِّ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ سَنَةٍ يَعُودُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَيَّ مَا كَانَ عليه وأن ذلك قد تكرر مرات لا يتناهى، وهاتان الطائفتان يعمهم قوله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر﴾ (٢) ، ولهذا فعن السلف فيها تفسيران: الأول: أن يَمُوتُ الْآبَاءُ وَيَحْيَى الْأَبْنَاءُ هَكَذَا أَبَدًا، وَهُوَ قول الطائفة الأولى، والثاني: أَنَّهُمْ عَنَوْا كَوْنَهُمْ يَمُوتُونَ وَيُحْيَوْنَ هُمْ أَنْفُسُهُمْ وَيَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَبَدًا وَلَا حِسَابَ وَلَا موجد ولا معدم، وهذا قول الدورية.
٣-والصنف الثَّالِثُ الدَّهْرِيَّةُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ وَهُمْ مُقِرُّونَ بِالْبُدَاءَةِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَبُّهُمْ وخالقهم ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن
стр. 210
الله﴾ (١) ، وَمَعَ هَذَا قَالُوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأولى وما نحن بمنشرين﴾ (٢) فأقروا بالبداءة وأنكروا البعث والمعاد.
٤-والصنف الرابع ملاحدة الجهمية ومن وافقهم، وهؤلاء أَقَرُّوا بِمَعَادٍ لَيْسَ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِيمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ بَلْ زَعَمُوا أَنَّ هَذَا الْعَالَمَ يَعْدَمُ عَدَمًا مَحْضًا، وَلَيْسَ الْمَعَادُ هُوَ بَلْ عَالَمٌ آخَرُ غَيْرُهُ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْأَرْضُ الَّتِي تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا وَتُخْبِرُ بِمَا عُمِلَ عَلَيْهَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ لَيْسَتْ هِيَ هَذِهِ، وَتَكُونُ الْأَجْسَادُ الَّتِي تُعَذَّبُ وَتُجَازَى وَتَشْهَدُ عَلَى مَنْ عَمِلَ بِهَا الْمَعَاصِي لَيْسَتْ هِيَ الَّتِي أُعِيدَتْ بَلْ هي غيرها، والأبدان التي تنعم في الجنة وَتُثَابُ لَيْسَتْ هِيَ الَّتِي عَمِلَتِ الطَّاعَةَ وَلَا أَنَّهَا تَحَوَّلَتْ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ بَلْ هِيَ غَيْرُهَا تُبْتَدَأ ابْتِدَاءً مَحْضًا، فَأَنْكَرُوا مَعَادَ الأبدان وزعموا أن المعاد بداءة أخرى. وهذه بعض أبيات من نونية ابن القيم ﵀ يرد فيها على قول الجهم بانعدام هذا العالم انعداماً محضاً:
وكذلك يقبض أرضه وسماء ... هـ بِيَدَيْهِ مَا الْعَدَمَانِ مَقْبُوضَانِ
وَتُحَدِّثُ الْأَرْضُ الَّتِي كُنَّا بِهَا ... أَخْبَارَهَا فِي الْحَشْرِ لِلرَّحْمَنِ
وَتَظَلُّ تَشْهَدُ وَهِيَ عَدْلٌ بِالَّذِي ... مِنْ فَوْقِهَا قَدْ أَحْدَثَ الثَّقَلَانِ
أَفَيَشْهَدُ الْعَدَمُ الَّذِي هُوَ كَاسْمِهِ ... لَا شَيْءَ هَذَا لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ
لَكِنْ تسوى ثم تبسط ثم تشهد ... ثم تبدل وهي كيان.. إلخ
جـ-قول ابن سينا في البعث ونبذة عنه وعن عقيدته وأكبر أنصاره:
ابْنَ سِينَا هُوَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ سِينَا وَاسْمُهُ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ رَئِيسُ الْفَلَاسِفَةِ وَمُهَذِّبُ مَذْهَبِهِمْ، لَهُ كِتَابُ الْإِشَارَاتِ الَّذِي هَذَّبَ فِيهِ مَذْهَبَ أَرِسْطُو وَقَرَّبَهُ قَلِيلًا إِلَى الأديان، وكان - فيما ذكر ابن القيم ﵀ يقول
стр. 211
بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَإِنْكَارِ الْمَعَادِ وَنَفْيِ عِلْمِ الرَّبِّ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ وَخَلْقِهِ الْعَالِمَ وَبَعْثِهُ مَنْ فِي القبور، وكان ابن سينا هذا قد تفقه في مَذْهَبَ الْفَلَاسِفَةِ مِنْ كُتُبِ الْفَارَابِيِّ أَبِي نَصْرٍ التُّرْكِيِّ الْفَيْلَسُوفِ، وَكَانَ الْفَارَابِيُّ هَذَا قَبَّحَهُ اللَّهُ يَقُولُ بِالْمَعَادِ الرُّوحَانِيِّ لَا الْجُثْمَانِيِّ، وَيُخَصِّصُ بِالْمَعَادِ الْأَرْوَاحَ الْعَالِمَةَ لَا الْجَاهِلَةَ، وَلَهُ مَذَاهِبُ فِي ذلك يخالف بها الْمُسْلِمِينَ وَالْفَلَاسِفَةَ مِنْ سَلَفِهِ الْأَقْدَمِينَ، وَتَحَمَّلَ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ سِينَا وَنَصَرَهُ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ فِي تَهَافُتِ الْفَلَاسِفَةِ فِي عِشْرِينَ مَجْلِسًا لَهُ كَفَّرَهُ فِي ثَلَاثٍ مِنْهَا وَهِيَ قَوْلُهُ بِقِدَمِ الْعَالَمِ، وَعَدَمِ الْمَعَادِ الْجُثْمَانِيِّ، وَقَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ، وَبَدَّعَهُ فِي الْبَوَاقِي. قال ابن كثير: يقال أنه تاب عند الموت، فالله أعلم. أ. هـ. ومن أكبر أتباع ابن سينا وأنصار زندقته النَّصِيرُ الطُّوسِيُّ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ويقال له الخواجا نصير الدين (١) .
د-ما لا يبلى في القبر:
١-أجساد الأنبياء: فقد قال ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أجساد الأنبياء) (٢) .
٢-أجساد الشهداء: فقد روى البخاري ﵀ عن جابر ﵁ قَالَ: (لَمَّا حَضَرَ أَحَدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ لِي: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّ عَلَيَّ ديناً فاقض واستوص بأخواتك
стр. 212
خَيْرًا. فَأَصْبَحْنَا وَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، فَدَفَنْتُ مَعَهُ آخر في قره، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ آخَرَ فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِذَا هُوَ كيوم وضعته غير أذنه) .
٣-عَجْب الذنب من كل إنسان: ففي حديث مسلم السابق عن أبي هريرة ﵁: ( ... وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْب الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يركب الخلق يوم القيامة) .
٤-الأرواح: فالحق الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الأرواح لا تبلى وأنها لَيْسَتْ هِيَ مُطْلَقَ حَيَاةِ الْجِسْمِ الْعَارِضَةِ بَلْ هِيَ حَقِيقَةٌ أُخْرَى مُسْتَقِلَّةٌ يَعْمُرُ الْجَسَدُ بِحُلُولِهَا فِيهِ وَيَفْسَدُ بِخُرُوجِهَا مِنْهُ، وَهِيَ النَّسَمَةُ الَّتِي يموت الإنسان بخروجها من جسده، وأن لَهَا حَقِيقَةٌ، وَأَنَّهَا تُنْفَخُ وَتُقْبَضُ وَتُصْعَدُ وَتُهْبَطُ، وأنها بعد مفارقة الجسد إما أن تنعم أو تعذب، وبعد النفخ في الصور (النفخة الأولى) تعود كُلُّ رُوحٍ إِلَى جَسَدِهَا الَّذِي كَانَتْ تَعْمُرُهُ في الدنيا (١) .
أما مذهب الجهم في الروح فهو مَذْهَبُ الْفَلَاسِفَةِ الْحَائِرِينَ أَنَّ الرُّوحَ لَيْسَتْ شَيْئًا يَقُومُ بِنَفْسِهِ بَلْ عَرَضٌ، وَالْعَرَضُ فِي اصْطِلَاحِهِمْ هُوَ مَا لَا يَسْتَقِلُّ وَلَا يَسْتَقِرُّ، فَمَنْزِلَةُ الرُّوحِ عِنْدَهُمْ مِنَ الْجَسَدِ كَمَنْزِلَةِ السَّمْعِ مِنَ لسامع والبصر ن الْمُبْصِرِ، يَذْهَبُ بِذَهَابِهِ، بَلْ قَدْ يَذْهَبُ الْبَصَرُ والسمع والذات التي يقوم بها
стр. 213
مَوْجُودَةٌ، فَجَحَدُوا أَنْ تَكُونَ النَّفْسُ الَّتِي هِيَ الرُّوحُ شَيْئًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ يُنْفَخُ فِي الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ وَأَنَّ ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي ل تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾ (١) وَجَحَدُوا كَوْنَهَا شَيْئًا يُسَاقُ وَيُنْزَعُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَيُعْرَجُ بِهَا إِلَى اللَّهِ فَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ إِنْ كَانَتْ مُحْسِنَةً أَوْ تغلق دونها إن كانت مسيئة كما جحدوا أن تكون أرواح الأنبياء والمؤمنين في عليين، وأرواح الكفار في سجين.
٦-الحشر:
وقد ورد في ذكره وذكر صفاته كثير من الآيات والأحاديث:
-قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا *وَنَسُوقُ المجرمين إلى جهنم ورداً﴾ (٢) قال ابن عباس ﵄: وفداً: ركباناً.
أما الورد: الجماعة العطاش، وهو مروي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَيْضًا.
-وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ (٣) .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: (يحشر الناس ثلاث طرائق (٤) :
стр. 214
رغبين رَاهِبِينَ (١) ، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير (٢) ، وتحشر بقيتهم الناس تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا وَتُمْسِي مَعَهُمْ حيث أمسوا) .
-وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . (تحشرون حفاة عراة غرلاً) - أي غير مختونين - قالت عائشة رضي الله: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بعضهم إلى بعض؟ فقال: (الأمر الأشد من أن يهمهم ذلك) وفي روايات النسائي وابن أبي حاتم والترمذي (٣) : ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٤) .
-وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ؟ قَالَ: (أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟) قَالَ قَتَادَةُ: بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا، قُلْتُ: وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يوم القيامة على وجههم عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زدناهم سعيراً﴾ (٥) الآيات.
стр. 215
٧-جمع الخلائق في الموقف وأحوالهم فيه:
فنؤمن بأن الله تعالى يجمع الْخَلْقُ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ، يَوْمَ يَفْصِلُ الرحمن بين الخلائق.
-قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يوم القيامة لا ريب فيه﴾ (١) .
-وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يوم التغابن﴾ (٢) . وهذا الجمع يعم عوالم السماوات وعوالم الأرضين فيكون في الموقف الروح والملائكة مع غيرهم. وقد وصف الله تعالى موقف القيامة بما فيه من عظمة وجلال وشدة في آيات كثيرة.
-فقال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ*يوم بقوم الناس لرب العالمين﴾ (٣) .
-وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لدى الحناجر كاظمين﴾ (٤) فالقلوب زائلة عن أمكانها، والأبصار شاخصة من هول ذلك اليوم. قَالَ قَتَادَةُ: وَقَفَتِ الْقُلُوبُ فِي الْحَنَاجِرِ مِنَ الْخَوْفِ، فَلَا تَخْرُجُ وَلَا تَعُودُ إِلَى أَمَاكِنِهَا. ومعنى كاظمين: أي ساكتين لا يتكلم إِلَّا بِإِذْنِهِ، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقال صوابا﴾ (٥) . وقال ابن جريح: باكين. وقال البغوي: مكروببن مُمْتَلِئِينَ خَوْفًا وَجَزَعًا وَالْكَظْمُ تَرَدُّدُ الْغَيْظِ وَالْخَوْفِ والحزن في القلب حتى يضيق به.