Полный текст (1 313 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
أَلَمْ تَكُنْ) : اسْتِفْهَامٌ، بِمَعْنَى التَّوْبِيخِ. (فَتُهَاجِرُوا) : مَنْصُوبٌ عَلَى جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ صَارَ إِثْبَاتًا بِالِاسْتِفْهَامِ. (وَسَاءَتْ) : فِي حُكْمِ بِئْسَتْ.
قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) (٩٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ) : اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ: «تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ» ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ الضَّمِيرُ مِنْ مَأْوَاهُمْ، وَهَؤُلَاءِ عُصَاةٌ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الْهِجْرَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَإِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ هُمُ الْعَاجِزُونَ، فَمِنْ هُنَا كَانَ مُنْقَطِعًا. وَ (مِنَ الرِّجَالِ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْمُسْتَضْعَفِينَ، أَوْ مِنْ نَفْسِ الْمُسْتَضْعَفِينَ. (لَا يَسْتَطِيعُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مُبَيِّنَةً عَنْ مَعْنَى الِاسْتِضْعَافِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (١٠٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُهَاجِرًا) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَخْرُجُ. (ثُمَّ يُدْرِكْهُ) : مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلَى يَخْرُجُ، وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ؛ أَيْ: ثُمَّ هُوَ يُدْرِكُهُ. وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلَى إِضْمَارِ أَنْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْطِفْهُ عَلَى الشَّرْطِ لَفْظًا، فَعَطَفَهُ عَلَيْهِ مَعْنًى كَمَا جَاءَ فِي الْوَاوِ وَالْفَاءِ.
стр. 387
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) (١٠١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَقْصُرُوا) : أَيْ: فِي أَنْ تَقْصُرُوا، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظَائِرُهُ. وَ (مِنْ) : زَائِدَةٌ
عِنْدَ الْأَخْفَشِ، وَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ هِيَ صِفَةُ الْمَحْذُوفِ؛ أَيْ: شُئِيَا مِنَ الصَّلَاةِ. (عَدُوًّا) : فِي مَوْضِعِ أَعْدَاءٍ. وَقِيلَ: عَدُوٌّ مَصْدَرٌ عَلَى فَعُولٍ مِثْلُ الْقَبُولِ وَالْوَلُوعِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ. وَ (لَكُمْ) : حَالٌ مِنْ عَدُوٍّ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بَكَانِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) (١٠٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَمْ يُصَلُّوا) : فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لِطَائِفَةٌ، وَجَاءَ الضَّمِيرُ عَلَى مَعْنَى الطَّائِفَةِ، وَلَوْ قَالَ: لَمْ تُصَلِّ لَكَانَ عَلَى لَفْظِهَا. وَ (لَوْ تَغْفُلُونَ) : بِمَعْنَى أَنْ تَغْفُلُوا. وَ (أَنْ تَضَعُوا) : أَيْ: فِي أَنْ تَضَعُوا.
قَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) (١٠٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) : أَحْوَالٌ كُلُّهَا.
(اطْمَأْنَنْتُمْ) : الْهَمْزَةُ أَصْلٌ، وَوَزْنُ الْكَلِمَةِ افْعَلَلَّ، وَالْمَصْدَرُ الطُّمَأْنِينَةُ عَلَى فُعَلِّيلَةٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: طَامَنَ رَأْسَهُ فَأَصْلٌ آخَرُ. وَ (مَوْقُوتًا) : مَفْعُولٌ مِنْ وَقَتَ بِالتَّخْفِيفِ.
стр. 388
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (١٠٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ إِنَّ وَهِيَ شَرْطٌ. وَقُرِئَ: «أَنْ تَكُونُوا» بِفَتْحِهَا؛ أَيْ: لِأَنْ تَكُونُوا. وَيُقْرَأُ: «تِيلَمُونَ» بِكَسْرِ التَّاءِ وَقَلْبِ الْهَمْزَةِ يَاءً، وَهِيَ لُغَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) (١٠٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالْحَقِّ) : هُوَ حَالٌ مِنَ الْكِتَابِ، وَقَدْ مَرَّ نَظَائِرُهُ. (أَرَاكَ) : الْهَمْزَةُ هَاهُنَا مُعَدِّيَّةٌ، وَالْفِعْلُ مِنْ رَأَيْتَ الشَّيْءَ إِذَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، وَهُوَ مِنَ الرَّأْيِ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَبَعْدَ الْهَمْزَةِ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْكَافُ وَالْآخَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: أَرَاكَهُ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى عَلَّمَكَ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ أَيْضًا، وَهُوَ قَبْلَ التَّشْدِيدِ مُتَعَدٍّ إِلَى وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ: «لَا تَعْلَمُونَهُمْ» . (خَصِيمًا) : بِمَعْنَى مُخَاصِمٍ، وَاللَّامُ عَلَى بَابِهَا؛ أَيْ: لِأَجْلِ الْخَائِنِينَ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى عَنْ.
قَالَ تَعَالَى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) (١٠٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَسْتَخْفُونَ) : بِمَعْنَى يَطْلُبُونَ الْخَفَاءَ، وَهُوَ مُسْتَأْنَفٌ لَا مَوْضِعَ لَهُ. (إِذْ يُبَيِّتُونَ) : ظَرْفٌ لِلْعَامِلِ فِي مَعَهُمْ.
стр. 389
قَالَ تَعَالَى: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) (١٠٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ) : قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) [الْبَقَرَةِ: ٨٥] . (أَمْ مَنْ) : هُنَا مُنْقَطِعَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) (١١٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) ، أَوْ لِتَفْصِيلِ مَا أُبْهِمَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَثَلَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (١١٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا) : الْهَاءُ تَعُودُ عَلَى الْإِثْمِ، وَفِي عَوْدِهَا عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَطِيئَةَ فِي حُكْمِ الْإِثْمِ. وَقِيلَ: تَعُودُ عَلَى أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأَوْ، وَقِيلَ: تَعُودُ عَلَى الْكَسْبِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «وَمَنْ يَكْسِبُ» . وَقِيلَ: تَعُودُ عَلَى الْمَكْسُوبِ، وَالْفِعْلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (١١٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ) : فِي جَوَابِ (لَوْلَا) : وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: «لَهَمَّتْ» وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ قَدْ وُجِدَ مِنَ الطَّائِفَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا هَمٌّ بِإِضْلَالِهِ.
стр. 390
وَالثَّانِي: أَنَّ الْجَوَابَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَأَضَلُّوكَ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ لَهَمَّتْ؛ أَيْ: لَقَدْ هَمَّتْ تِلْكَ؛ وَمِثْلُ حَذْفِ الْجَوَابِ هُنَا حَذْفُهُ فِي قَوْلِهِ: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ) [النُّورِ: ١٠] . (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ) : «مِنْ» زَائِدَةٌ، وَ «شَيْءٍ» فِي مَعْنَى ضَرَرٍ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ.
قَالَ تَعَالَى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (١١٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ نَجْوَاهُمْ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِكَثِيرٍ.
وَفِي النَّجْوَى وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ التَّنَاجِي، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا مَنْ أَمَرَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأَنَّ مَنْ لِلْأَشْخَاصِ، وَلَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ التَّنَاجِي. وَالثَّانِي: أَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفَ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: إِلَّا نَجْوَى مَنْ أَمَرَ؛ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنْ نَجْوَاهُمْ، وَأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى أَصْلِ بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَيَكُونُ مُتَّصِلًا. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنَّ النَّجْوَى الْقَوْمُ الَّذِينَ يَتَنَاجَوْنَ،؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: (وَإِذْ هُمْ نَجْوَى) [الْإِسْرَاءِ: ٤٧] فَعَلَى هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ، فَيَكُونُ أَيْضًا فِي مَوْضِعِ جَرٍّ أَوْ نَصْبٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(بَيْنَ النَّاسِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِإِصْلَاحٍ، وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً لَهُ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ.
وَ (ابْتِغَاءَ) : مَفْعُولٌ لَهُ، وَأَلِفُ «مَرْضَاةِ» مِنْ وَاوٍ. (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ) : بِالنُّونِ وَالْيَاءِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
стр. 391
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (١١٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ) : إِنَّمَا جَازَ إِظْهَارُ الْقَافِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ سَكَنَتْ بِالْجَزْمِ، وَحَرَكَتُهَا عَارِضَةٌ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: (وَنُصْلِهِ) مِثْلُ الْهَاءِ فِي (يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) [آلِ عِمْرَانَ: ٧٥] وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهَا.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (١١٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِمَنْ يَشَاءُ) : اللَّامُ تَتَعَلَّقُ بِيَغْفِرُ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا) (١١٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا إِنَاثًا) : هُوَ جَمْعُ أُنْثَى عَلَى فِعَالٍ، وَيُرَادُ بِهِ كُلُّ مَا لَا رُوحَ فِيهِ مِنْ صَخْرَةٍ، وَشَمْسٍ، وَنَحْوِهِمَا، وَيُقْرَأُ أُنْثَى عَلَى الْإِفْرَادِ، وَدَلَّ الْوَاحِدُ عَلَى الْجَمْعِ، وَيُقْرَأُ: «أُنُثًا» مِثْلُ رُسُلٍ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً مُفْرَدَةً مِثْلَ امْرَأَةٍ جُنُبٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ أَنِيثٍ كَقَلِيبٍ وَقُلُبٍ، وَقَدْ قَالُوا: جِدِيدُ أَنِيثٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى. وَيُقْرَأُ «أُنْثًا» وَالْوَاحِدُ وَثَنٌ، وَهُوَ الصَّنَمُ وَأَصْلُهُ وُثُنٌ فِي الْجَمْعِ، كَمَا فِي الْوَاحِدِ إِلَّا أَنَّ الْوَاوَ قُلِبَتْ هَمْزَةً لَمَّا انْضَمَّتْ ضَمًّا لَازِمًا، وَهُوَ مِثْلُ أَسَدٍ وَأُسُدٍ، وَيُقْرَأُ بِالْوَاوِ عَلَى الْأَصْلِ جَمْعًا، وَيُقْرَأُ بِسُكُونِ الثَّاءِ مَعَ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ. وَ (مَرِيدًا) : فَعِيلٌ مِنَ التَّمَرُّدِ.
стр. 392
قَالَ تَعَالَى: (لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) (١١٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَعَنَهُ اللَّهُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرَى لِشَيْطَانٍ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا عَلَى الدُّعَاءِ. (وَقَالَ) : يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ عَاطِفَةً لِقَالَ عَلَى «لَعَنَهُ اللَّهُ» وَفَاعِلُ قَالَ ضَمِيرُ الشَّيْطَانِ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ لِلْحَالِ؛ أَيْ: وَقَدْ قَالَ. وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) (١١٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ) : مَفْعُولُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: لَأُضِلَّنَّهُمْ عَنِ الْهُدَى. (وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) : الْبَاطِلَ. (وَلَآمُرَنَّهُمْ) : بِالضَّلَالِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) (١٢٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَعِدُهُمْ) : الْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: يَعِدُهُمُ النَّصْرَ وَالسَّلَامَةَ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ بِسُكُونِ الدَّالِ، وَذَلِكَ تَخْفِيفٌ لِكَثْرَةِ الْحَرَكَاتِ.
قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا) (١٢١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَعَنَهُ اللَّهُ) : هُوَ حَالٌ مِنْ «مَحِيصًا» وَالتَّقْدِيرُ: مَحِيصًا عَنْهَا، وَالْمَحِيصُ مَصْدَرٌ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَ فِيمَا قَبْلَهُ، وَيَجُوزَ أَنْ يَتَعَلَّقَ عَنْهَا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى تَبْيِينًا؛ أَيْ: غِنًى عَنْهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِيَجِدُونَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى بِعْنَ. وَالْمِيمُ فِي الْمَحِيصِ زَائِدَةٌ، وَهُوَ مِنْ حَاصَ يَحِيصُ إِذَا تَخَلَّصَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) (١٢٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا) : مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ (سَنُدْخِلُهُمْ) ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ؛ أَيْ: وَنُدْخِلُ الَّذِينَ.
стр. 393
وَ (وَعْدَ اللَّهِ) : نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ سَنُدْخِلُهُمْ بِمَنْزِلَةِ وَعَدَهُمْ. وَ (حَقًّا) : حَالٌ مِنَ الْمَصْدَرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا.
قَالَ تَعَالَى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (١٢٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ) : اسْمُ لَيْسَ مُضْمَرٌ فِيهَا، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، وَإِنَّمَا دَلَّ عَلَيْهِ سَبَبُ الْآيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا نَحْنُ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ، وَقَالَتِ النَّصَارَى ذَلِكَ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لَا نُبْعَثُ. فَقَالَ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ؛ أَيْ: لَيْسَ مَا ادَّعَيْتُمُوهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (١٢٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَفِي صَاحِبِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: ضَمِيرُ الْفَاعِلِ فِي يَعْمَلُ. وَالثَّانِي: مِنَ الصَّالِحَاتِ؛ أَيْ: كَائِنَةً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَوْ وَاقِعَةً، وَمِنَ الْأُولَى زَائِدَةٌ عِنْدَ الْأَخْفَشِ، وَصِفَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ أَيْ: شَيْئًا مِنَ الصَّالِحَاتِ: وَهُوَ مُؤْمِنٌ حَالٌ أَيْضًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (١٢٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِمَّنْ أَسْلَمَ) : يَعْمَلُ فِيهِ أَحْسَنُ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِكَ زَيْدٌ أَفْضَلُ مِنْ عَمْرٍو؛ أَيْ: يَفْضُلُ عَمْرًا. وَ (لِلَّهِ) : يَتَعَلَّقُ بِأَسْلَمَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «وَجْهِهِ» . (وَاتَّبَعَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى أَسْلَمَ.
стр. 394
وَ (حَنِيفًا) : حَالٌ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي اتَّبَعَ. (وَاتَّخَذَ اللَّهُ) : مُسْتَأْنَفٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا) (١٢٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا يُتْلَى) : فِي «مَا» وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: مَوْضِعُهَا جَرٌّ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ بِفِي، وَعَلَى هَذَا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ يُجِيزُونَ الْعَطْفَ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الْجَارِّ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى مَعْنًى، وَنُبَيِّنُ لَكُمْ مَا يُتْلَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى يُفْتِيكُمْ: يُبَيِّنُ لَكُمْ. وَالثَّالِثُ: هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي يُفْتِيكُمْ، وَجَرَى الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مَجْرَى التَّوْكِيدِ؛ وَالثَّانِي: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، وَهُوَ: قُلِ اللَّهُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ يُبَيِّنُ لَكُمْ، وَ «فِي» تَتَعَلَّقُ بِيُتْلَى، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُتْلَى. وَ (فِي يَتَامَى) : تَقْدِيرُهُ: حُكْمُ يَتَامَى، فَفِي الثَّانِيَةِ تَتَعَلَّقُ بِمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ مَعْنَاهَا مُخْتَلِفٌ، فَالْأُولَى ظَرْفٌ، وَالثَّانِيَةُ بِمَعْنَى الْبَاءِ؛ أَيْ: بِسَبَبِ الْيَتَامَى كَمَا تَقُولُ: جِئْتُكَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي أَمْرِ زَيْدٍ، وَقِيلَ: الثَّانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الْأُولَى،
стр. 395
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ تَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ؛ أَيْ: مَا كُتِبَ فِي حُكْمِ الْيَتَامَى، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأُولَى ظَرْفًا وَالثَّانِيَةُ حَالًا، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وَ (يَتَامَى النِّسَاءِ) : أَيْ: فِي الْيَتَامَى مِنْهُنَّ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: التَّقْدِيرُ: فِي النِّسَاءِ الْيَتَامَى، فَأَضَافَ الصِّفَةَ إِلَى الْمَوْصُوفِ، وَيُقْرَأُ فِي يَيَامَى بِيَاءَيْنِ، وَالْأَصْلُ أَيَامَى، فَأُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ يَاءً كَمَا قَالُوا: فُلَانٌ ابْنُ أَعْصُرَ وَيَعْصُرَ. وُفِي الْأَيَامَى كَلَامٌ نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
(وَتَرْغَبُونَ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى تُؤْتُونَ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَا تَرْغَبُونَ. وَالثَّانِي: هُوَ حَالٌ؛ أَيْ: وَأَنْتُمْ تَرْغَبُونَ فِي أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى الْمَجْرُورِ فِي «يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ» ، وَكَذَلِكَ «وَأَنْ تَقُومُوا» وَهَذَا أَيْضًا عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الْجَارِّ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْكُوفِيُّونَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ فِيهِنَّ، وَالتَّقْدِيرُ: وَيُبَيِّنُ لَكُمْ حَالَ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ: يَدْخُلُ فِي مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ، وَالْجَيِّدُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى يَتَامَى النِّسَاءِ، وَأَنْ تَقُومُوا مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ أَيْ: وَفِي أَنْ تَقُومُوا.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (١٢٨) .
стр. 396
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ) : امْرَأَةٌ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: وَإِنْ خَافَتِ امْرَأَةٌ، وَاسْتُغْنِيَ عَنْهُ بِـ «خَافَتْ» الْمَذْكُورِ.
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرُ، وَهَذَا عِنْدَنَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ حَرْفَ الشَّرْطِ لَا مَعْنَى لَهُ فِي الِاسْمِ، فَهُوَ مُنَاقِضٌ لِلْفِعْلِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ الْفِعْلُ بَعْدَ الِاسْمِ مَجْزُومًا فِي قَوْلِ عَدِيٍّ:
وَمَتَى وَاغِلٌ يَنُبْهُمْ يُحَيُّو هُ وَتُعْطَفْ عَلَيْهِ كَأْسُ السَّاقِي
(مِنْ بَعْلِهَا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِخَافَتْ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «نُشُوزًا» .
وَ (صُلْحًا) : عَلَى هَذَا مَصْدَرٌ وَاقِعٌ مَوْقِعَ تُصَالِحُ،
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أَنْ يَصَّالَحَا فَيُصْلِحَا صُلْحًا.
وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ الصَّادِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَأَصْلُهُ يَصْطَلِحَا، فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ صَادًا، وَأُدْغِمَتْ فِيهَا الْأُولَى،
وَقُرِئَ (يَصْطَلِحَا) بإبدال التَّاء طاء وَ (صُلْحًا) عَلَيْهِمَا فِي مَوْضِعِ اصْطِلَاحٍ. وَقُرِئَ بِضَمِّ الْيَاءِ، وَإِسْكَانِ الصَّادِ، وَمَاضِيهِ أَصْلَحَ.
وَ (صُلْحًا) عَلَى هَذَا فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: هُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ إِصْلَاحٍ، وَالْمَفْعُولُ بِهِ بَيْنَهُمَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ صُلْحًا مَفْعُولًا بِهِ، وَبَيْنَهُمَا ظَرْفٌ أَوْ حَالٌ مِنْ صَلُحَ. (
стр. 397
وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) : أُحْضِرَتْ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، تَقُولُ أَحْضَرْتُ زَيْدًا الطَّعَامَ، وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ الْأَنْفُسُ، وَهُوَ الْقَائِمُ مَقَامَ الْفَاعِلِ، وَهَذَا الْفِعْلُ مَنْقُولٌ بِالْهَمْزَةِ مِنْ حَضَرَ، وَحَضَرَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، كَقَوْلِهِمْ حَضَرَ الْقَاضِي الْيَوْمَ امْرَأَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (١٢٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلَّ الْمَيْلِ) : انْتِصَابُ «كُلَّ» عَلَى الْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّ لَهَا حُكْمَ مَا تُضَافُ إِلَيْهِ، فَإِنْ أُضِيفَتْ إِلَى مَصْدَرٍ كَانَتْ مَصْدَرًا، وَإِنْ أُضِيفَتْ إِلَى ظَرْفٍ كَانَتْ ظَرْفًا. (فَتَذَرُوهَا) : جَوَابُ النَّهْيِ؛ فَهُوَ مَنْصُوبٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى تَمِيلُوا، فَيَكُونَ مَجْزُومًا. (كَالْمُعَلَّقَةِ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا) (١٣١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِيَّاكُمْ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الَّذِينَ، وَحُكْمُ الضَّمِيرِ الْمَعْطُوفِ أَنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا. وَ (أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَجَرٍّ عِنْدَ الْخَلِيلِ؛ وَالتَّقْدِيرُ: بِأَنِ اتَّقُوا اللَّهَ، وَأَنْ عَلَى هَذَا مَصْدَرِيَّةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى أَيْ؛ لِأَنَّ وَصَّيْنَا فِي مَعْنَى الْقَوْلِ فَيَصِحُّ أَنْ يُفَسَّرَ بِأَيِ التَّفْسِيرِيَّةِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (١٣٥) .
стр. 398
قَوْلُهُ تَعَالَى: (شُهَدَاءَ) : خَبَرٌ ثَانٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «قَوَّامِينَ» . (عَلَى أَنْفُسِكُمْ) : يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ «شُهَدَاءَ» ؛ أَيْ: وَلَوْ شَهِدْتُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوَّامِينَ. (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا) : اسْمُ كَانَ مُضْمَرٌ فِيهَا دَلَّ عَلَيْهِ تَقَدُّمُ ذِكْرِ الشَّهَادَةِ؛ أَيْ: إِنْ كَانَ الْخَصْمُ، أَوْ إِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَالْمَشْهُودِ لَهُ.
وَفِي (أَوِ) : وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَحُكِيَ عَنِ الْأَخْفَشِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الضَّمِيرُ فِي: بِهِمَا عَائِدًا عَلَى لَفْظِ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «أَوْ» عَلَى بَابِهَا، وَهِيَ هُنَا لِتَفْصِيلِ مَا أُبْهِمَ فِي الْكَلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَالْمَشْهُودِ لَهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا وَأَنْ يَكُونَ فَقِيرًا، فَقَدْ يَكُونَانِ غَنِيَّيْنِ، وَقَدْ يَكُونَانِ فَقِيرَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا غَنِيًّا وَالْآخَرُ فَقِيرًا، فَلَمَّا كَانَتِ الْأَقْسَامُ عِنْدَ التَّفْصِيلِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ تُذْكَرْ، أَتَى بَأَوْ لِتَدُلَّ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الضَّمِيرُ فِي بِهِمَا عَائِدًا عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ عَلَى أَيِّ وَصْفٍ كَانَا عَلَيْهِ لَا عَلَى الصِّفَةِ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ؛ وَالتَّقْدِيرُ: فَاللَّهُ أَوْلَى بِالْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ. وَقِيلَ يَعُودُ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ لِدَلَالَةِ الِاسْمَيْنِ عَلَيْهِ. (أَنْ تَعْدِلُوا) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا تَقْدِيرُهُ: فِي أَنْ لَا تَعْدِلُوا فَحَذَفَ لَا؛ أَيْ: لَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى فِي تَرْكِ الْعَدْلِ. وَالثَّانِي: تَقْدِيرُهُ: ابْتِغَاءَ أَنْ تَعْدِلُوا عَنِ الْحَقِّ. وَالثَّالِثُ: تَقْدِيرُهُ: مَخَافَةَ أَنْ تَعْدِلُوا عَنِ الْحَقِّ، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ هُوَ مَفْعُولٌ لَهُ،
стр. 399
وَإِنْ تَلْوُوا يُقْرَأُ بِوَاوَيْنِ، الْأُولَى مِنْهُمَا مَضْمُومَةٌ، وَهُوَ مِنْ لَوَى يَلْوِي، وَيُقْرَأُ بِوَاوٍ وَاحِدَةٍ سَاكِنَةٍ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَصْلُهُ تَلْوُوا، كَالْقِرَاءَةِ الْأُولَى، إِلَّا أَنَّهُ أَبْدَلَ الْوَاوَ الْمَضْمُومَةَ هَمْزَةً، ثُمَّ أَلْقَى حَرَكَتَهَا عَلَى اللَّامِ، وَقَدْ ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي آلِ عِمْرَانَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ وَلِيَ الشَّيْءَ؛ أَيْ: وَإِنْ تَتَوَلَّوُا الْحُكْمَ أَوْ تُعْرِضُوا عَنْهُ، أَوْ إِنْ تَتَوَلَّوُا الْحَقَّ فِي الْحُكْمِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) (١٣٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) : قَدْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ) [آلِ عِمْرَانَ: ١٧٩] .
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (١٣٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَمِيعًا) : هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: لِلَّهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (١٤٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَدْ نَزَّلَ) : يُقْرَأُ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَالْقَائِمُ مَقَامَ الْفَاعِلِ «أَنْ» وَمَا هُوَ تَمَامٌ لَهَا، وَأَنْ هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ؛ أَيْ: أَنَّهُ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ.
стр. 400
وَيُقْرَأُ «نَزَّلَ» عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَأَنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. وَتَلْخِيصُ الْمَعْنَى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمُ الْمَنْعَ مِنْ مُجَالَسَتِهِمْ عِنْدَ سَمَاعِ الْكُفْرِ مِنْهُمْ. وَ (يُكْفَرُ بِهَا) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْآيَاتِ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: يَكْفُرُ بِهَا أَحَدٌ، فَحَذَفَ الْفَاعِلَ، وَأَقَامَ الْجَارَّ مَقَامَهُ، وَالضَّمِيرُ فِي «مَعَهُمْ» عَائِدٌ عَلَى الْمَحْذُوفِ، «فَلَا تَقْعُدُوا» مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ؛ وَقَدْ قِيلَ، وَالْفَاءُ جَوَابُ إِذَا. (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) : إِذا هَاهُنَا مُلْغَاةٌ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ الِاسْمِ وَالْخَبَرِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ بَعْدَهَا الْفِعْلَ، وَأَفْرَدَ «مَثَلًا» ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمَصْدَرِ؛ وَمِثْلُهُ: (أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا) [الْمُؤْمِنُونَ: ٤٧] وَقَدْ جُمِعَ فِي قَوْلِهِ: (ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) [مُحَمَّدٍ: ٣٨] وَقُرِئَ شَاذًّا «مِثْلَهُمْ» بِالْفَتْحِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ لِإِضَافَتِهِ إِلَى الْمُبْهَمِ، كَمَا بُنِيَ فِي قَوْلِهِ: (مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) [الذَّارِيَّاتِ: ٢٣] ، وَيُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقِيلَ: نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ كَمَا قِيلَ: فِي بَيْتِ الْفَرَزْدَقِ: وَإِذْ مَا مِثْلَهُمْ بَشَرُ
؛ أَيْ: إِنَّكُمْ فِي مِثْلِ حَالِهِمْ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (١٤١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِلْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: هُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ: «فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ» وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ،
стр. 401
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَنْ إِضْمَارِ أَعْنِي. (نَسْتَحْوِذْ) : هُوَ شَاذٌّ فِي الْقِيَاسِ، وَالْقِيَاسُ نَسْتَحِذْ. (عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ «يَجْعَلَ» وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ سَبِيلٍ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) (١٤٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُوَ خَادِعُهُمْ) وَ «كُسَالَى» : حَالَانِ. (يُرَاءُونَ) : يُقْرَأُ بِالْمَدِّ، وَتَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ، وَيُقْرَأُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ، وَتَشْدِيدِ الْهَمْزَةِ؛ أَيْ: يَحْمِلُونَ غَيْرَهُمْ عَلَى الرِّيَاءِ، وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي كُسَالَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ كُسَالَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. (إِلَّا قَلِيلًا) : نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَوْ زَمَانٍ مَحْذُوفٍ.
قَالَ تَعَالَى: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) (١٤٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُذَبْذَبِينَ) : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الذَّمِّ، وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَذْكُرُونَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الذَّالِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ؛ أَيْ أَنَّ نِفَاقَهُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى التَّقَلُّبِ، وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الذَّالِ الثَّانِيَةِ؛ أَيْ: مُنْقَلِبِينَ، وَلَيْسَتِ الذَّالُ الثَّانِيَةُ بَدَلًا عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، بَلْ ذَبْذَبَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ.
стр. 402
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: الْأَصْلُ ذَبَبَ، فَأُبْدِلَ مِنَ الْبَاءِ الْأُولَى ذَالًا، وَ «ذَلِكَ» فِي مَوْضِعٍ بَيْنَهُمَا؛ أَيْ: بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، أَوْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ (لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ) : وَ «إِلَى» يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: لَا يَنْتَسِبُونَ إِلَى هَؤُلَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَوْضِعُ (لَا إِلَى هَؤُلَاءِ) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي مُذَبْذَبِينَ؛ أَيْ: يَتَذَبْذَبُونَ مُتَلَوِّنِينَ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (١٤٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي الدَّرْكِ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ. وَ (مِنَ النَّارِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الدَّرْكِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْأَسْفَلِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) (١٤٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبِ اسْتِثْنَاءٍ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ: «وَلَنْ تَجِدْ لَهُمْ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِ: «فِي الدَّرْكِ» . وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ: «فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ» .
قَالَ تَعَالَى: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) (١٤٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ) : فِي «مَا» وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُمَا اسْتِفْهَامٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَفْعَلُ،
стр. 403
وَ (بِعَذَابِكُمْ) : مُتَعَلِّقٌ بِيَفْعَلُ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا نَفْيٌ، وَالتَّقْدِيرُ: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ وَالْمَعْنَى لَا يُعَذِّبُكُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) (١٤٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالسُّوءِ) : الْبَاءُ تَتَعَلَّقُ بِالْمَصْدَرِ، وَفِي مَوْضِعِهِمَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَصْبٌ تَقْدِيرُهُ: لَا يُحِبُّ أَنْ تَجْهَرُوا بِالسُّوءِ. وَالثَّانِي: رَفْعٌ تَقْدِيرُهُ: أَنْ يُجْهَرَ بِالسُّوءِ. وَ (مِنَ الْقَوْلِ) : حَالٌ مِنَ السُّوءِ. (إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) : اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. وَقِيلَ: هُوَ مُتَّصِلٌ، وَالْمَعْنَى لَا يُحِبُّ أَنْ يَجْهَرَ أَحَدٌ بِالسُّوءِ؛ إِلَّا مَنْ يُظْلَمُ فَيَجْهَرُ؛ أَيْ: يَدْعُو اللَّهَ بِكَشْفِ السُّوءِ الَّذِي أَصَابَهُ، أَوْ يَشْكُو ذَلِكَ إِلَى إِمَامٍ، أَوْ حَاكِمٍ؛ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِنَ الْمَحْذُوفِ، إِذِ التَّقْدِيرُ: أَنْ يَجْهَرَ أَحَدٌ. وَقُرِئَ: ظَلَمَ بِفَتْحِ الظَّاءِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَالتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ الظَّالِمَ، فَإِنَّهُ مَفْسُوحٌ لِمَنْ ظَلَمُهُ أَنْ يَنْتَصِفَ مِنْهُ، وَهِيَ قِرَاءَةٌ ضَعِيفَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) (١٥٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) : ذَلِكَ يَقَعُ بِمَعْنَى الْمُفْرَدِ وَالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ، وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى التَّثْنِيَةِ؛ أَيْ: بَيْنَهُمَا.
قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) (١٥١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَقًّا) : مَصْدَرٌ؛ أَيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا؛ أَيْ: أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ غَيْرَ شَكٍّ.
стр. 404
قَالَ تَعَالَى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا) (١٣٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ) : أَيْ: شَيْئًا، أَوْ سُؤَالًا أَكْبَرَ. (جَهْرَةً) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ: مُجَاهِرِينَ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: قَوْلًا جَهْرَةً، وَقِيلَ: رُؤْيَةً جَهْرَةً.
قَالَ تَعَالَى: (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) (١٥٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ) : «فَوْقَهُمْ» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِرَفَعْنَا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ «الطُّورَ» . (بِمِيثَاقِهِمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مُتَعَلِّقٌ بِرَفَعْنَا تَقْدِيرُهُ: بِنَقْضِ مِيثَاقِهِمْ، وَالْمَعْنَى: وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الْجَبَلَ تَخْوِيفًا لَهُمْ؛ بِسَبَبِ نَقْضِهِمُ الْمِيثَاقَ. وَ (سُجَّدًا) : حَالٌ. (لَا تَعْدُوا) : يُقْرَأُ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ، يُقَالُ عَدَا يَعْدُو، إِذَا تَجَاوَزَ الْحَدَّ، وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ، وَأَصْلُهُ تَعْتَدُوا، فَقَلَبَ التَّاءَ دَالًا، وَأَدْغَمَ، وَهِيَ قِرَاءَةٌ ضَعِيفَةٌ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ، وَلَيْسَ الثَّانِي حَرْفَ مَدٍّ.
قَالَ تَعَالَى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (١٥٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ) : «مَا» زَائِدَةٌ، وَقِيلَ: هِيَ نَكِرَةٌ تَامَّةٌ، وَنَقْضِهِمْ بَدَلٌ مِنْهَا،
стр. 405
وَفِيمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْبَاءُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مُظْهَرٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ بَعْدَ ثَلَاثِ آيَاتٍ: (حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ) [النِّسَاءِ: ١٦٠] . وَقَوْلُهُ: (فَبِظُلْمٍ) : بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: «فَبِمَا نَقْضِهِمْ» وَأَعَادَ الْفَاءَ فِي الْبَدَلِ لَمَّا طَالَ الْفَصْلُ. وَالثَّانِي: أَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَحْذُوفٌ، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ طُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، أَوْ لُعِنُوا. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ
لَا يُؤْمِنُونَ، وَالْفَاءُ زَائِدَةٌ. (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا) : أَيْ: لَيْسَ كَمَا ادَّعَوْا مِنْ أَنَّ قُلُوبَهُمْ أَوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ. وَ (بِكُفْرِهِمْ) : أَيْ: بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ كُفْرَهُمْ صَارَ مُغَطِّيًا عَلَى قُلُوبِهِمْ، كَمَا تَقُولُ: طَبَعْتُ عَلَى الْكِيسِ بِالطِّينِ؛ أَيْ: جَعَلْتُهُ الطَّابِعَ. إِلَّا قَلِيلًا؛ أَيْ: إِيمَانًا أَوْ زَمَانًا قَلِيلًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) (١٥٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَبِكُفْرِهِمْ) : مَعْطُوفٌ عَلَى وَبِكُفْرِهِمُ الْأَوَّلِ، وَ (بُهْتَانًا) : مَصْدَرٌ يَعْمَلُ فِيهِ الْقَوْلُ؛ لِأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنْهُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِمْ قَعَدَ الْقُرْفُصَاءَ، فَهُوَ عَلَى هَذَا بِمَثَابَةِ الْقَوْلِ فِي الِانْتِصَابِ. وَقَالَ قَوْمٌ تَقْدِيرُهُ: قَوْلًا بُهْتَانًا. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: بُهِتُوا بُهْتَانًا. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ: مُبَاهِتِينَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) (١٥٧) (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (١٥٨) .
стр. 406
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى: وَكُفْرِهِمْ. وَ (عِيسَى) : بَدَلٌ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ مِنَ الْمَسِيحِ، وَ (رَسُولَ اللَّهِ) : كَذَلِكَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (رَسُولَ اللَّهِ) صِفَةً لِعِيسَى، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي.
(لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) : مِنْهُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِشَكٍّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِشَكٍّ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى لَفِي شَكٍّ حَادِثٍ مِنْهُ؛ أَيْ: مِنْ جِهَتِهِ، وَلَا يُقَالُ شَكَكْتُ مِنْهُ، فَإِنِ ادَّعَى أَنَّ مِنْ بِمَعْنَى فِي فَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ عِنْدَنَا.
(مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الْجُمْلَةِ الْمَنْفِيَّةِ جَرًّا صِفَةً مُؤَكِّدَةً لِشَكٍّ؛ تَقْدِيرُهُ: لَفِي شَكٍّ مِنْهُ غَيْرِ عِلْمٍ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، وَمِنْ زَائِدَةً، وَفِي مَوْضِعِ مِنْ عِلْمٍ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَمَا قَبْلَهُ الْخَبَرُ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ بِهِ، «وَلَهُمْ» فَضْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ مُخَصِّصَةٌ كَالَّتِي فِي قَوْلِهِ: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الْإِخْلَاصِ: ٤] فَعَلَى هَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الِاسْتِقْرَارُ. وَالثَّانِي: أَنَّ لَهُمْ هُوَ الْخَبَرُ، وَفِي بِهِ عَلَى هَذَا عِدَّةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَسَّتَكِنِّ فِي الْخَبَرِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرَارُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ مِنْ زَائِدَةٌ، فَلَمْ تَمْنَعْ مِنْ تَقْدِيمِ الْحَالِ، عَلَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْبَصْرِيِّينَ يُجِيزُ تَقْدِيمَ حَالِ الْمَجْرُورِ عَلَيْهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَى التَّبْيِينِ؛ أَيْ: مَا لَهُمْ أَعْنِي بِهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ عِلْمٍ؛ لِأَنَّ مَعْمُولَ الْمَصْدَرِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ:
أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ «مِنْ عِلْمٍ» رَفْعًا بِأَنَّهُ فَاعِلٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ الظَّرْفُ؛ إِمَّا لَهُمْ أَوْ بِهِ. (
стр. 407
إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) : اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ. (وَمَا قَتَلُوهُ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ عِيسَى. وَقِيلَ: ضَمِيرُ الْعِلْمِ؛ أَيْ: وَمَا قَتَلُوا الْعِلْمَ يَقِينًا، كَمَا يُقَالُ قَتَلْتُهُ عِلْمًا. وَ (يَقِينًا) : صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: قَتْلًا يَقِينًا، أَوْ عِلْمًا يَقِينًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الْفِعْلِ؛ بَلْ مِنْ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى مَا قَتَلُوهُ مَا عَمِلُوا. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: تَيَقَّنُوا ذَلِكَ يَقِينًا. (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ) : الْجَيِّدُ إِدْغَامُ اللَّامِ فِي الرَّاءِ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَهُمَا وَاحِدٌ، وَفِي الرَّاءِ تَكْرِيرٌ، فَهِيَ أَقْوَى مِنَ اللَّامِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الرَّاءُ إِذَا تَقَدَّمَتْ؛ لِأَنَّ إِدْغَامَهَا يُذْهِبُ التَّكْرِيرَ الَّذِي فِيهَا، وَقَدْ قُرِئَ بِالْإِظْهَارِ هُنَا.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) (١٥٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) : إِنْ بِمَعْنَى «مَا» وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِأَنَّهُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، وَالْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: وَمَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَحَدٌ.
وَقِيلَ: الْمَحْذُوفُ مَنْ، وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ؛ إِلَّا أَنَّ تَقْدِيرَ مَنْ هَاهُنَا بِعِيدٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَكُونُ بَعْدَ تَمَامِ الِاسْمِ، وَمَنِ الْمَوْصُولَةُ وَالْمَوْصُوفَةُ غَيْرُ تَامَّةٍ. (لَيُؤْمِنَنَّ) : جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وَقِيلَ: أُكِّدَ بِهَا فِي غَيْرِ الْقَسَمِ، كَمَا جَاءَ فِي النَّفْيِ وَالِاسْتِفْهَامِ. وَالْهَاءُ فِي «مَوْتِهِ» تَعُودُ عَلَى أَحَدٍ الْمُقَدَّرِ. وَقِيلَ: تَعُودُ عَلَى عِيسَى. (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ) : ظَرْفٌ لِشَهِيدٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ يَكُونُ.
стр. 408
قَالَ تَعَالَى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا) (١٦٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَبِظُلْمٍ) : الْبَاءُ تَتَعَلَّقُ بِحَرَّمْنَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ الْفَاءِ قَبْلَ. (كَثِيرًا) : أَيْ: صَدًّا كَثِيرًا، أَوْ زَمَانًا كَثِيرًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (١٦١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَخْذِهِمُ) ، وَ (أَكْلِهِمْ) : مَعْطُوفٌ عَلَى صَدِّهِمْ، وَالْجَمِيعُ مُتَعَلِّقٌ بِحَرَّمْنَا، وَالْمَصَادِرُ مُضَافَةٌ إِلَى الْفَاعِلِ. (وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ) : حَالٌ.
قَالَ تَعَالَى: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا) (١٦٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ) : الرَّاسِخُونَ: مُبْتَدَأٌ. وَ (فِي الْعِلْمِ) : مُتَعَلِّقٌ بِهِ. وَ (مِنْهُمْ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «الرَّاسِخُونَ» (وَالْمُؤْمِنُونَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى
الرَّاسِخُونَ، وَفِي خَبَرِ الرَّاسِخُونَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: (يُؤْمِنُونَ) : وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَالثَّانِي: هُوَ قَوْلُهُ: «أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ» . (وَالْمُقِيمِينَ) : قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالْيَاءِ، وَفِيهِ عِدَّةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَدْحِ؛ أَيْ: وَأَعْنِي الْمُقِيمِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ، وَإِنَّمَا يَأْتِي ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ الْكَلَامِ.
стр. 409
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا؛ أَيْ: يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَبِالْمُقِيمِينَ، وَالْمُرَادُ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: وَبِدِينِ الْمُقِيمِينَ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِمُ الْمُسْلِمِينَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَبْلِ تَقْدِيرُهُ: وَمِنْ قَبْلِ الْمُقِيمِينَ، فَحُذِفَ «قَبْلِ» ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْكَافِ فِي «قَبْلِكَ» . وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْكَافِ فِي «إِلَيْكَ» . وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي مِنْهُمْ، وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ عِنْدَنَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ فِيهَا عَطْفَ الظَّاهِرِ عَلَى الْمُضْمَرِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الْجَارِّ.
وَأَمَّا (وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) : فَفِي رَفْعِهِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الرَّاسِخُونَ. . وَالثَّانِي: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي الرَّاسِخُونَ. وَالثَّالِثُ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي الْمُؤْمِنُونَ. وَالرَّابِعُ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي يُؤْمِنُونَ. وَالْخَامِسُ: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: وَهُمُ الْمُؤْتُونَ. وَالسَّادِسُ: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ (أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ) .
وَأُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ، وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: وَنُؤْتِي أُولَئِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا) (١٦٣) .
стр. 410
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمَا أَوْحَيْنَا) : الْكَافُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا بِمَعْنَى الَّذِي، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ؛ تَقْدِيرُهُ: أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِثْلَ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ مِنَ التَّوْحِيدِ وَغَيْرِهِ. وَ (مِنْ بَعْدِهِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مُتَعَلِّقٍ بِأَوْحَيْنَا. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ النَّبِيِّينَ؛ لِأَنَّ ظُرُوفَ الزَّمَانِ لَا تَكُونُ أَحْوَالًا لِلْجُثَثِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ «مِنْ» بِالنَّبِيِّينَ. وُفِي (يُونُسَ) : لُغَاتٌ، أَفْصَحُهَا ضَمُّ النُّونِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَكَسْرُهَا
مَعَ الْهَمْزِ وَتَرْكِهِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ أَعْجَمِيَّةٌ إِلَّا الْأَسْبَاطَ، وَهُوَ جَمْعُ سِبْطٍ، وَالزَّبُورُ فَعَوْلٌ مِنَ الزُّبُرِ، وَهُوَ الْكِتَابَةُ وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ فَعُولٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَالرَّكُوبِ وَالْحَلُوبِ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الزَّايِ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ جَمْعُ زَبُورٍ عَلَى حَذْفِ الزَّائِدِ مِثْلُ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الْقُعُودِ وَالْجُلُوسِ، وَقَدْ سُمِّيَ بِهِ الْكِتَابُ الْمُنَزَّلُ عَلَى دَاوُدَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (١٦٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَرُسُلًا) : مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وَقَصَصْنَا رُسُلًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ أَوْحَيْنَا؛ أَيْ: وَأَمَرْنَا رُسُلًا؛ وَلَا عِوَضٌ لِقَوْلِهِ (قَدْ قَصَصْنَاهُمْ) وَ «لَمْ نَقْصُصْهُمْ» عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ مُفَسِّرٌ لِلْعَامِلِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي هُمَا صِفَتَانِ. وَ (تَكْلِيمًا) : مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ رَافِعٌ لِلْمَجَازِ.
قَالَ تَعَالَى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (١٦٥) .
стр. 411
قَوْلُهُ تَعَالَى: (رُسُلًا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الْأَوَّلِ، وَأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا؛ أَيْ: أَرْسَلْنَا رُسُلًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مُوطِّئَةً لِمَا بَعْدَهَا كَمَا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ رَجُلًا صَالِحًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَدْحِ؛ أَيْ: أَعْنِي رُسُلًا. وَاللَّامُ فِي «لِئَلَّا» يَتَعَلَّقُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الرُّسُلُ؛ أَيْ: أَرْسَلْنَاهُمْ لِذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِمُنْذِرِينَ أَو مبشرين أَو بِمَا يدلان عَلَيْهِ،
و ﴿حجَّة﴾ اسْم كَانَ وخبرها للنَّاس
وَ (عَلَى اللَّهِ) : حَالٌ مِنْ حُجَّةٍ، وَالتَّقْدِيرُ: لِلنَّاسِ حُجَّةٌ كَائِنَةٌ عَلَى اللَّهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ عَلَى اللَّهِ، وَلِلنَّاسِ حَالٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَى اللَّهِ بِحُجَّةٍ؛ لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ. وَ (بَعْدَ) : ظَرْفٌ لِحُجَّةٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لَهَا؛ لِأَنَّ ظَرْفَ الزَّمَانِ يُوصَفُ بِهِ الْمَصَادِرُ كَمَا يُخْبَرُ بِهِ عَنْهَا.
قَالَ تَعَالَى: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) (١٦٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْزَلَهُ) : لَا مَوْضِعَ لَهُ، وَ (بِعِلْمِهِ) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ؛ أَيْ: أَنْزَلَهُ مَعْلُومًا، أَوْ أَنْزَلَهُ وَفِيهِ عِلْمُهُ؛ أَيْ: مَعْلُومُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ؛ أَيْ: أَنْزَلَهُ عَالِمًا بِهِ. (وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَا مَوْضِعَ لَهُ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا؛ أَيْ: أَنْزَلَهُ وَالْمَلَائِكَةُ شَاهِدُونَ بِصِدْقِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا) (١٦٨) .
стр. 412
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) : قَدْ ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ) [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] وَ (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ) [آلِ عِمْرَانَ: ١٧٩] .
قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (١٦٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ) : اسْتِثْنَاءٌ مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِي مَعْنَى الْعُمُومِ؛ كَانَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَ (خَالِدِينَ) : حَالٌ مُقَدَّرَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (١٧٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ) : بِالْحَقِّ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ: وَمَعَهُ الْحَقُّ، أَوْ مُتَكَلِّمًا بِالْحَقِّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِجَاءَ؛ أَيْ: جَاءَ بِسَبَبِ إِقَامَةِ الْحَقِّ. وَ (مِنْ) : حَالٌ مِنَ الْحَالِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِجَاءَ؛ أَيْ: جَاءَ الرَّسُولُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. (فَآمِنُوا خَيْرًا) تَقْدِيرُهُ: عِنْدَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ، وَأْتُوا خَيْرًا فَهُوَ مَفْعُولٌ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ فَهُوَ يُرِيدُ إِخْرَاجَهُمْ مِنْ أَمْرٍ، وَإِدْخَالَهُمْ فِيمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: إِيمَانًا خَيْرًا، فَهُوَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. وَقِيلَ: هُوَ خَبَرُ كَانَ الْمَحْذُوفُ؛ أَيْ: يَكُنِ الْإِيمَانُ خَيْرًا، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ؛ لِأَنَّ كَانَ لَا تُحْذَفُ هِيَ وَاسْمُهَا، وَيَبْقَى خَبَرُهَا إِلَّا فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَيَزِيدُ ذَلِكَ ضَعْفًا أَنْ يَكُونَ الْمُقَدَّرَ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٌ، فَيَصِيرُ الْمَحْذُوفُ الشَّرْطَ وَجَوَابَهُ. وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ. وَمِثْلُهُ (انْتَهُوا خَيْرًا) [النِّسَاءِ: ٧١] فِي جَمِيعِ وُجُوهِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) (١٧٢) .
стр. 413
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) : الْحَقُّ مَفْعُولُ تَقُولُوا؛ أَيْ: وَلَا تَقُولُوا إِلَّا الْقَوْلَ الْحَقَّ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى تَذْكُرُوا، وَلَا تَعْتَقِدُوا. وَالْقَوْلُ هُنَا هُوَ الَّذِي تُعَبِّرُ عَنْهُ الْجُمْلَةُ فِي قَوْلِكَ: قُلْتُ زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. وَ (الْمَسِيحُ) : مُبْتَدَأٌ، وَ (عِيسَى) : بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ، وَ (رَسُولُ اللَّهِ) : خَبَرُهُ. (وَكَلِمَتُهُ) : عَطْفٌ عَلَى رَسُولٍ. وَ (أَلْقَاهَا) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَقَدْ مَعَهُ مَقَدَّرَةٌ، وَفِي الْعَامِلِ فِي الْحَالِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: مَعْنَى كَلِمَتِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى وَصْفِ عِيسَى بِالْكَلِمَةِ الْمُكَوَّنِ بِالْكَلِمَةِ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَمَنْشَؤُهُ وَمُبْتَدِعُهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إِذْ كَانَ أَلْقَاهَا فَإِذَا ظَرْفٌ لِلْكَلِمَةِ،
وَكَانَ تَامَّةٌ، وَأَلْقَاهَا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ كَانَ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ضَرْبِي زَيْدًا قَائِمًا. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْهَاءِ الْمَجْرُورِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَى الْإِضَافَةِ تَقْدِيرُهُ: وَكَلِمَةُ اللَّهِ مُلْقِيًا إِيَّاهَا.
(وَرُوحٌ مِنْهُ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الْخَبَرِ أَيْضًا، وَ (ثَلَاثَةٌ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: إِلَهُنَا ثَلَاثَةٌ أَوِ الْإِلَهُ ثَلَاثَةٌ. (إِنَّمَا اللَّهُ) : مُبْتَدَأٌ، وَ (إِلَهٌ) : خَبَرُهُ، وَ (وَاحِدٌ) : تَوْكِيدٌ. (أَنْ يَكُونَ) :؛ أَيْ: مِنْ أَنْ يَكُونَ، أَوْ عَنْ أَنْ يَكُونَ، وَقَدْ مَرَّ نَظَائِرُهُ،
стр. 414
وَمِثْلُهُ (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ) .
(وَلَا الْمَلَائِكَةُ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَسِيحِ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ؛ أَيْ: أَنْ يَكُونُوا عَبِيدًا.
قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس قد جَاءَكُم برهَان من ربكُم وأنزلنا إِلَيْكُم نورا مُبينًا﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) : إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ «مِنْ رَبِّكُمْ» نَعْتًا لِبُرْهَانٍ أَوْ مُتَعَلِّقًا بِجَاءَ.
قَالَ تَعَالَى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (١٧٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) : هُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِـ «يَهْدِي» ، وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ لِـ «يَهْدِي» عَلَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يُعَرِّفُهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (١٧٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي الْكَلَالَةِ) : «فِي» يَتَعَلَّقُ بِيُفْتِيكُمْ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: بِيَسْتَفْتُونَكَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ: يُفْتِيكُمْ فِيهَا فِي الْكَلَالَةِ كَمَا لَوْ تَقَدَّمَتْ. (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ) : هُوَ مِثْلُ: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ) [النِّسَاءِ: ١٢٨] (لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «هَلَكَ» . (وَلَهُ أُخْتٌ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْضًا، وَجَوَابُ الشَّرْطِ «فَلَهَا» (وَهُوَ يَرِثُهَا) : مُسْتَأْنَفٌ لَا مَوْضِعَ لَهُ، وَقَدْ سَدَّتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مَسَدَّ جَوَابِ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ: (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ) . (
стр. 415
فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ) : الْأَلِفُ فِي كَانَتَا ضَمِيرُ الْأُخْتَيْنِ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَلَهُ أُخْتٌ، وَقِيلَ: هُوَ ضَمِيرُ «مَنْ» ، وَالتَّقْدِيرُ: فَإِنْ كَانَ مَنْ يَرِثُ ثِنْتَيْنِ، وَحُمِلَ ضَمِيرُ مَنْ عَلَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْإِفْرَادِ وَالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ.
فَإِنْ قِيلَ: مِنْ شَرْطِ الْخَبَرِ أَنْ يُفِيدَ مَا لَا يُفِيدُهُ الْمُبْتَدَأُ، وَالْأَلِفُ قَدْ دَلَّتْ عَلَى الِاثْنَيْنِ. قِيلَ: الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِ اثْنَتَيْنِ بَيَانُ أَنَّ
الْمِيرَاثَ، وَهُوَ الثُّلْثَانِ هَاهُنَا، مُسْتَحَقٌّ بِالْعَدَدِ مُجَرَدًا عَنِ الصِّغَرِ وَالْكِبْرِ وَغَيْرِهِمَا، فَلِهَذَا كَانَ مُفِيدًا. (مِمَّا تَرَكَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ «الثُّلْثَانِ»
﴿فَإِن كَانُوا﴾ الضَّمِير للْوَرَثَة وَقد دلّ عَلَيْهِ مَا تقدم
(فَلِلذَّكَرِ) : أَيْ مِنْهُمْ.
(أَنْ تَضِلُّوا) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ مَفْعُولُ يُبَيِّنُ؛ أَيْ: يُبَيِّنُ لَكُمْ ضَلَالَكُمْ؛ لِتَعْرِفُوا الْهُدَى. وَالثَّانِي: هُوَ مَفْعُولٌ لَهُ تَقْدِيرُهُ: مَخَافَةَ أَنْ تَضِلُّوا. وَالثَّالِثُ: تَقْدِيرُهُ: لِئَلَّا تَضِلُّوا، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ، وَمَفْعُولُ يُبَيِّنُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: يُبَيِّنُ لَكُمُ الْحَقَّ.
стр. 416
سُورَةُ الْمَائِدَةِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) (١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ «بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ» وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ، وَالتَّقْدِيرُ: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا الْمَيْتَةَ، وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَغَيْرُهُ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ السُّورَةِ. (غَيْرَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ عَلَيْكُمْ أَوْ لَكُمْ، وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي أَوْفُوا. وَ (مُحِلِّي) : اسْمُ فَاعِلٍ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ وَحُذِفَتِ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ، وَ (الصَّيْدِ) : مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ؛ أَيِ الْمَصْدَرِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَابِهِ هَاهُنَا؛ أَيْ: غَيْرَ مُحَلِّينَ الِاصْطِيَادِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا الْقَلَائِدَ) : أَيْ: وَلَا ذَوَاتِ الْقَلَائِدِ؛ لِأَنَّهَا جَمْعُ قِلَادَةٍ، وَالْمُرَادُ تَحْرِيمُ الْمُقَلِّدَةِ لَا الْقِلَادَةُ. (
стр. 417
وَلَا آمِّينَ) : أَيْ: وَلَا قِتَالَ آمِّينَ، أَوْ أَذَى آمِّينَ. وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ: «وَلَا آمِّي الْبَيْتِ» بِحَذْفِ النُّونِ وَالْإِضَافَةِ.
(يَبْتَغُونَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي آمِّينَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِآمِّينَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ إِذَا وُصِفَ لَمْ يَعْمَلْ فِي الِاخْتِيَارِ. (فَاصْطَادُوا) : قُرِئَ فِي الشَّاذِّ بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَهِيَ بَعِيدَةٌ مِنَ الصَّوَابِ، وَكَأَنَّهُ حَرَّكَهَا بِحَرَكَةِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ. (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الْيَاءِ، وَقُرِئَ بِضَمِّهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، يُقَالُ جَرَمَ وَأَجْرَمَ؛ وَقِيلَ: جَرَمَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَأَجْرَمَ مُتَعَدٍّ إِلَى اثْنَيْنِ، وَالْهَمْزَةُ لِلنَّقْلِ، فَأَمَّا فَاعِلُ هَذَا الْفِعْلِ فَهُوَ «شَنَآنُ» وَمَفْعُولُهُ الْأَوَّلُ الْكَافُ وَالْمِيمُ. وَ (أَنْ تَعْتَدُوا) : هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي عَلَى قَوْلِ مَنْ عَدَّاهُ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَمَنْ عَدَّاهُ إِلَى وَاحِدٍ كَأَنَّهُ قَدَّرَ حَرْفَ الْجَرِّ مُرَادًا مَعَ «أَنْ تَعْتَدُوا» ، وَالْمَعْنَى: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ عَلَى الِاعْتِدَاءِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ النُّونِ الْأُولَى مِنْ شَنَآنُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ كَالْغَلَيَانِ وَالنَّزَوَانِ، وَيُقْرَأُ بِسُكُونِهَا، وَهُوَ صِفَةٌ مِثْلُ عَطْشَانٍ وَسَكْرَانٍ، وَالتَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ؛ أَيْ عَدَاوَةُ بُغْضِ قَوْمٍ، وَقِيلَ: مَنْ سَكَّنَ أَرَادَ الْمَصْدَرَ أَيْضًا، لَكِنَّهُ خُفِّفَ لِكَثْرَةِ الْحَرَكَاتِ، وَإِذَا حُرِّكَتِ النُّونُ كَانَ مَصْدَرًا مُضَافًا إِلَى الْمَفْعُولِ؛ أَيْ: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضُكُمْ لِقَوْمٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا إِلَى الْفَاعِلِ؛ أَيْ: بُغْضُ قَوْمٍ إِيَّاكُمْ. (
стр. 418
أَنْ صَدُّوكُمْ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ مَصْدَرِيَّةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: لِأَنْ صَدُّوكُمْ، وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ، أَوْ جَرٌّ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي نَظَائِرِهِ، وَيُقْرَأُ بِكَسْرِهَا عَلَى أَنَّهَا شَرْطٌ، وَالْمَعْنَى أَنْ يَصُدُّوكُمْ مِثْلَ ذَلِكَ الصَّدِّ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُمْ أَوْ يَسْتَدِيمُوا الصَّدَّ وَإِنَّمَا، قُدِّرَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّدَّ كَانَ قَدْ وَقَعَ مِنَ الْكُفَّارِ لِلْمُسْلِمِينَ. (وَلَا تَعَاوَنُوا) : يُقْرَأُ بِتَخْفِيفِ التَّاءَيْنِ عَلَى أَنَّهُ حُذِفَ التَّاءُ الثَّانِيَةُ تَخْفِيفًا، أَوْ بِتَشْدِيدِهَا إِذَا وَصَلْتَهَا بِلَا عَلَى إِدْغَامِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الْأُخْرَى، وَسَاغَ الْجَمْعُ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْهُمَا حَرْفُ مَدٍّ.
قَالَ تَعَالَى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْمَيْتَةُ) : أَصْلُهَا الْمَيِّتَةُ. (وَالدَّمُ) : أَصْلُهُ دَمَى.
(وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) : قَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْبَقَرَةِ.
(وَالنَّطِيحَةُ) : بِمَعْنَى الْمَنْطُوحَةِ. وَدَخَلَتْ فِيهَا الْهَاءُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُذْكَرِ الْمَوْصُوفَةُ مَعَهَا، فَصَارَتْ كَالِاسْمِ، فَإِنْ قُلْتَ: شَاةٌ نَطِيحٌ، لَمْ تَدْخُلِ الْهَاءُ.
(وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ) : «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَمَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَطْفًا عَلَى الْمَيْتَةِ، وَالْأَكْثَرُ ضَمُّ الْبَاءِ مِنَ السَّبُعِ، وَتَسْكِينُهَا لُغَةٌ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِ.
стр. 419
(إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ اسْتِثْاءً مِنَ الْمُوجِبِ قَبْلَهُ، وَالِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إِلَى الْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ وَأَكِيلَةِ السَّبُعِ.
(وَمَا ذُبِحَ) : مِثْلُ: «وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ» .
(عَلَى النُّصُبِ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِذُبِحَ تَعَلُّقَ الْمَفْعُولِ بِالْفِعْلِ؛ أَيْ: ذُبِحَ عَلَى الْحِجَارَةِ الَّتِي تُسَمَّى نُصُبًا؛ أَيْ: ذُبِحَتْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. وَالثَّانِي: أَنَّ النُّصُبَ الْأَصْنَامُ؛ فَعَلَى هَذَا «فِي» عَلَى وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى اللَّامِ؛ أَيْ: لِأَجْلِ الْأَصْنَامِ فَتَكُونُ مَفْعُولًا لَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا عَلَى أَصْلِهَا وَمَوْضِعُهُ حَالٌ؛ أَيْ: وَمَا ذُبِحَ مُسَمَّى عَلَى الْأَصْنَامِ. وَقِيلَ: نُصُبٌ بِضَمَّتَيْنِ، وَنُصْبٌ بِضَمِّ النُّونِ، وَإِسْكَانِ الصَّادِ، وَنَصْبٌ بِفَتْحِ النُّونِ، وَإِسْكَانِ الصَّادِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ، بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ فَتْحُ النُّونِ وَالصَّادِ أَيْضًا، وَهُوَ اسْمٌ بِمَعْنَى الْمَنْصُوبِ، كَالْقَبْضِ وَالنَّقْضِ، بِمَعْنَى الْمَقْبُوضِ وَالْمَنْقُوضِ. (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلَى الْمَيْتَةِ، وَ (الْأَزْلَامُ) : جَمْعُ زَلَمٍ، وَهُوَ الْقَدَحُ الَّذِي كَانُوا يَضْرِبُونَ بِهِ عَلَى أَيْسَارِ الْجَزُورِ. (ذَلِكُمْ فِسْقٌ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَلَكُمْ إِشَارَةٌ إِلَى جَمِيعِ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْآيَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الِاسْتِقْسَامِ. (الْيَوْمَ) : ظَرْفٌ لِـ «يَئِسَ» وَ (الْيَوْمَ) : الثَّانِي ظَرْفٌ لِـ «أَكْمَلْتُ» وَ (عَلَيْكُمُ) : يَتَعَلَّقُ بِأَتْمَمْتُ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِـ: نِعْمَتِي، فَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ عَلَى التَّبْيِينِ؛ أَيْ: أَتْمَمْتُ؛ أَعْنِي عَلَيْكُمْ. وَ (رَضِيتُ) : يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ هُنَا «الْإِسْلَامُ»
стр. 420
وَ (دِينًا) : حَالٌ. وَقِيلَ: يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى رَضِيتُ هُنَا جَعَلْتُ وَصَيَّرْتُ، وَلَكُمْ: يَتَعَلَّقُ بِرَضِيتُ، وَهِيَ لِلتَّخْصِيصِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْإِسْلَامِ؛ أَيْ: رَضِيَتُ الْإِسْلَامَ لَكُمْ. (فَمَنِ اضْطُرَّ) : شَرْطٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَ (غَيْرَ) : حَالٌ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى «مُتَجَانِفٍ» بِالْأَلِفِ وَالتَّخْفِيفِ. وَقُرِئَ: «مُتَجَنِّفٍ» بِالتَّشْدِيدِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، يُقَالُ تَجَانَفَ وَتَجَنَّفَ. (لِإِثْمٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِمُتَجَانِفٍ. وَقِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى إِلَى؛ أَيْ: مَائِلٍ إِلَى إِثْمٍ (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) : أَيْ لَهُ، فَحُذِفَ الْعَائِدُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ.
(وَمَا عَلَّمْتُمْ) : «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَالتَّقْدِيرُ: صَيْدُ مَا عَلَّمْتُمْ، أَوْ تَعْلِيمُ مَا عَلَّمْتُمْ. وَ (مِنَ الْجَوَارِحِ) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ الْمَحْذُوفَةِ، أَوْ مِنْ مَا، وَالْجَوَارِحُ جُمَعُ جَارِحَةٍ، وَالْهَاءُ فِيهَا لِلْمُبَالَغَةِ، وَهِيَ صِفَةٌ غَالِبَةٌ؛ إِذْ لَا يَكَادُ يُذْكَرُ مَعَهَا الْمَوْصُوفُ. (مُكَلِّبِينَ) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، يُقَالُ كَلَّبْتُ الْكَلْبَ وَأَكْلَبْتُهُ فَكُلِّبَ؛ أَيْ: أَغْرَيْتُهُ عَلَى الصَّيْدِ، وَأَسَّدْتُهُ فَاسْتَأْسَدَ، وَهُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي عُلِّمْتُمْ. (
стр. 421
تُعَلِّمُونَهُنَّ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مُسْتَأْنَفٌ لَا مَوْضِعَ لَهُ. وَالثَّانِي: هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي مُكَلَّبِينَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا ثَانِيَةً؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ الْوَاحِدَ لَا يَعْمَلُ فِي حَالَيْنِ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُجْعَلَ حَالًا مِنَ الْجَوَارِحِ؛ لِأَنَّكَ قَدْ فَصَلْتَ بَيْنَهُمَا بِحَالٍ لِغَيْرِ الْجَوَارِحِ. (مِمَّا) : أَيْ مِمَّا «عَلَّمَكُمُ اللَّهُ» .
قَالَ تَعَالَى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ) : مُبْتَدَأٌ، «وَحِلٌّ لَكُمْ» خَبَرُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الطَّيِّبَاتِ، وَحِلٌّ لَكُمْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. (وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) : مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرٌ. (وَالْمُحْصَنَاتُ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الطَّيِّبَاتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: وَالْمُحَصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ حِلٌّ لَكُمْ أَيْضًا، وَ (حِلٌّ) : مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْحَلَالِ، فَلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ. وَ (مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْمُحْصَنَاتِ، أَوْ مِنْ نَفْسِ الْمُحْصَنَاتِ إِذَا عَطَفْتَهَا عَلَى الطَّيِّبَاتِ. (إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ) : طَرْفٌ لِأُحِلَّ أَوْ لِـ «حِلٌّ» الْمَحْذُوفَةُ. (مُحْصِنِينَ) :
حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي آتَيْتُمُوهُنَّ؛ فَيَكُونُ الْعَامِلُ آتَيْتُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ أُحِلَّ أَوْ «حِلٌّ» الْمَحْذُوفَةَ. (غَيْرَ) : صِفَةٌ لِمُحَصَنِينَ، أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي فِيهَا. (
стр. 422
وَلَا مُتَّخِذِي) : مَعْطُوفٌ عَلَى «غَيْرَ» ، فَيَكُونُ مَنْصُوبًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى مُسَافِحِينَ، وَتَكُونُ لَا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ) : أَيْ: بِالْمُؤْمَنِ بِهِ، فَهُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ، كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: بِمُوجِبِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ اللَّهُ. (وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) : إِعْرَابُهُ مِثْلُ إِعْرَابِ: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) [الْبَقَرَةِ: ١٣٠] وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَى الْمَرَافِقِ) : قِيلَ: «إِلَى» بِمَعْنَى «مَعَ» كَقَوْلِهِ: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ، وَلَيْسَ هَذَا الْمُخْتَارَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا عَلَى بَابِهَا، وَأَنَّهَا لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ غَسْلُ الْمَرَافِقِ بِالسُّنَّةِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا تَنَاقُضٌ؛ لِأَنَّ «إِلَى» تَدُلُّ عَلَى انْتِهَاءِ الْفِعْلِ، وَلَا يَتَعَرَّضُ بِنَفْيِ الْمَحْدُودِ إِلَيْهِ، وَلَا بِإِثْبَاتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: سِرْتُ إِلَى الْكُوفَةِ، فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ تَكُونَ بَلَغْتَ أَوَّلَ حُدُودِهَا، وَلَمْ تَدْخُلْهَا، وَأَنْ تَكُونَ دَخَلْتَهَا، فَلَوْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّكَ دَخَلْتَهَا، لَمْ يَكُنْ مُنَاقِضًا لِقَوْلِكَ: سِرْتُ إِلَى الْكُوفَةِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ «إِلَى» مُتَعَلِّقَةً بِـ «اغْسِلُوا» .
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ: وَأَيْدِيكُمْ مُضَافَةً إِلَى الْمَرَافِقِ.
стр. 423
(بِرُءُوسِكُمْ) : الْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَقَالَ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ: الْبَاءُ فِي مِثْلِ هَذَا لِلتَّبْعِيضِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ يَعْرِفُهُ أَهْلُ النَّحْوِ. وَوَجْهُ دُخُولِهَا أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى إِلْصَاقِ الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ. (وَأَرْجُلَكُمْ) : يُقْرَأُ بِالنَّصْبِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْوُجُوهِ وَالْأَيْدِي؛ أَيْ: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ، وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ بِلَا خِلَافٍ، وَالسُّنَّةُ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ تُقَوِّي ذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ بِرُءُوسِكُمْ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ عَلَى اللَّفْظِ أَقْوَى مِنَ الْعَطْفِ عَلَى الْمَوْضِعِ.
وَيُقْرَأُ فِي الشُّذُوذِ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ؛ أَيْ: وَأَرْجُلُكُمْ مَغْسُولَةٌ كَذَلِكَ، وَيُقْرَأُ بِالْجَرِّ، وَهُوَ مَشْهُورٌ أَيْضًا كَشُهْرَةِ النَّصْبِ، وَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى الرُّءُوسِ فِي الْإِعْرَابِ، وَالْحُكْمُ مُخْتَلِفٌ، فَالرُّءُوسُ مَمْسُوحَةٌ، وَالْأَرْجُلُ مَغْسُولَةٌ، وَهُوَ الْإِعْرَابُ الَّذِي يُقَالُ هُوَ عَلَى الْجِوَارِ، وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أَنْ يَقَعَ فِي الْقُرْآنِ لِكَثْرَتِهِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ وَالشِّعْرِ، فَمِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَحُورٌ عِينٌ) [الْوَاقِعَةِ: ٢٢] عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ جَرَّ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: (بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ) وَالْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ؛ إِذْ لَيْسَ الْمَعْنَى يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِحَوَرٍ عِينٍ قَالَ الشَّاعِرُ وَهُوَ النَّابِغَةُ: لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَسِيرٌ غَيْرُ مُنْفَلِتٍ أَوْ مُوثَقٍ فِي حِبَالِ الْقَيْدِ مَجْنُوبُ.
стр. 424
وَالْقَوَافِي مَجْرُورَةٌ، وَالْجِوَارُ مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ فِي الْإِعْرَابِ، وَقَلْبِ الْحُرُوفِ بِبَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ وَالتَّأْنِيثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَمِنَ الْإِعْرَابِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْعَطْفِ، وَمِنَ الصِّفَاتِ قَوْلُهُ: (عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) [هُودٍ: ٨٤] وَالْيَوْمُ لَيْسَ بِمُحِيطٍ، وَإِنَّمَا الْمُحِيطُ الْعَذَابُ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) [إِبْرَاهِيمَ: ١٨] وَالْيَوْمُ لَيْسَ بِعَاصِفٍ، وَإِنَّمَا الْعَاصِفُ الرِّيحُ، وَمِنْ قَلْبِ الْحُرُوفِ قَوْلُهُ ﵊: «ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ» . وَالْأَصْلُ مَوْزُورَاتٌ، وَلَكِنْ أُرِيدَ التَّآخِي، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَا يَأْتِينَا بِالْغَدَايَا وَالْعَشَايَا، وَمِنَ التَّأْنِيثِ قَوْلُهُ: (فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) [الْأَنْعَامِ: ١٦٠] فَحُذِفَتِ التَّاءُ مِنْ عَشْرٍ، وَهِيَ مُضَافَةٌ إِلَى الْأَمْثَالِ، وَهِيَ مُذَكَّرَةٌ، وَلَكِنْ لَمَّا جَاوَرَتِ الْأَمْثَالُ الضَّمِيرَ الْمُؤَنَّثَ أَجْرَى عَلَيْهَا حُكْمَهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَضَعْضَعَتْ ... سُورُ الْمَدِينَةِ وَالْجِبَالُ الْخُشَّعُ.
وَقَوْلُهُمْ: ذَهَبَتْ بَعْضُ أَصَابِعِهِ.
وَمِمَّا رَاعَتِ الْعَرَبُ فِيهِ الْجِوَارَ قَوْلُهُمْ: قَامَتْ هِنْدٌ، فَلَمْ يُجِيزُوا حَذْفَ التَّاءِ إِذَا لَمْ يُفْصَلْ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنْ فَصَلُوا بَيْنَهُمَا أَجَازُوا حَذْفَهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا الْمُجَاوَرَةُ، وَعَدَمُ
الْمُجَاوَرَةِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرًا كَلَّمْتُهُ - اسْتَحْسَنُوا النَّصْبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ لِمُجَاوَرَةِ الْجُمْلَةِ اسْمًا قَدْ عَمِلَ فِيهِ الْفِعْلُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَلْبُهُمُ الْوَاوَ الْمُجَاوِرَةَ لِلطَّرَفِ هَمْزَةً فِي قَوْلِهِمْ: أَوَائِلُ؛ كَمَا لَوْ وَقَعَتْ طَرَفًا، وَكَذَلِكَ إِذَا بَعُدَتْ عَنِ الطَّرَفِ لَا تُقْلَبُ نَحْوُ طَوَاوِيسُ، وَهَذَا مَوْضِعٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يُكْتَبَ فِيهِ أَوْرَاقٌ مِنَ الشَّوَاهِدِ، وَقَدْ جَعَلَ النَّحْوِيُّونَ لَهُ بَابًا، وَرَتَّبُوا عَلَيْهِ مَسَائِلَ، ثُمَّ أَصَّلُوهُ بِقَوْلِهِمْ: «جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ» حَتَّى اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ جَرِّ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ. فَأَجَازَ الِإتْبَاعِ فِيهِمَا جَمَاعَةٌ مِنْ حُذَّاقِهِمْ، قِيَاسًا عَلَى الْمُفْرَدِ الْمَسْمُوعِ، وَلَوْ كَانَ لَا وَجْهَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ بِحَالٍ، لَاقْتَصَرُوا فِيهِ عَلَى الْمَسْمُوعِ فَقَطْ،
стр. 425
وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْجَرَّ فِي الْآيَةِ قَدْ أُجِيزَ غَيْرُهُ، وَهُوَ النَّصْبُ، وَالرَّفْعُ وَالنَّصْبُ غَيْرُ قَاطِعَيْنِ، وَلَا ظَاهِرَيْنِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الرِّجْلَيْنِ الْمَسْحُ، وَكَذَلِكَ الْجَرُّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَالنَّصْبِ وَالرَّفْعُ فِي الْحُكْمِ دُونَ الْإِعْرَابِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ جَرُّ الْأَرْجُلِ بِجَارٍّ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وَافْعَلُوا بِأَرْجُلِكُمْ غَسْلًا، وَحَذْفُ الْجَارِّ وَإِبْقَاءُ الْجَرِّ جَائِزٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ... وَلَا نَاعِبٍ إِلَّا بِبَيْنٍ غُرَابُهَا.
وَقَالَ زُهَيْرٌ:
بَدَا لِيَ أَنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ مَا مَضَى ... وَلَا سَابِقٍ شَيْئًا إِذَا كَانَ جَائِيًا.
فَجُرَّ بِتَقْدِيرِ الْبَاءِ، وَلَيْسَ بِمَوْضِعٍ ضَرُورَةً. وَقَدْ أَفْرَدْتُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كِتَابًا.
(إِلَى الْكَعْبَيْنِ) : مِثْلُ «إِلَى الْمَرَافِقِ» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَمْسُوحَ لَيْسَ بِمَحْدُودٍ، وَالتَّحْدِيدُ فِي الْمَغْسُولِ الَّذِي أُرِيدَ بَعْضُهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ» وَلَمْ يُحَدِّدِ الْوَجْهَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُهُ. (وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) : «مِنْهُ» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِامْسَحُوا. (لِيَجْعَلَ) : اللَّامُ غَيْرُ زَائِدَةٍ، وَمَفْعُولُ يُرِيدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَا يُرِيدُ اللَّهُ الرُّخْصَةَ فِي التَّيَمُّمِ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ حَرَجًا، وَقِيلَ: اللَّامُ زَائِدَةٌ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ أَنْ غَيْرُ مَلْفُوظٍ بِهَا، وَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مَفْعُولًا لِـ «يُرِيدُ» بِأَنْ، وَمِثْلُهُ: (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) ؛ أَيْ: يُرِيدُ ذَلِكَ لِيُطَهِّرَكُمْ. (عَلَيْكُمْ) : يَتَعَلَّقُ بِيُتِمَّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالنِّعْمَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ النِّعْمَةِ.
следующие страницы →