Полный текст (1 313 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ. (لِمَنْ خَشِيَ) : الْخَبَرُ؛ أَيْ: جَائِزٌ لِلْخَائِفِ مِنَ الزِّنَى. (وَأَنْ تَصْبِرُوا) : مُبْتَدَأٌ؛ وَ (خَيْرٌ لَكُمْ) : خَبَرُهُ.
قَالَ تَعَالَى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٢٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) : مَفْعُولُ يُرِيدُ مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: يُرِيدُ اللَّهُ ذَلِكَ؛ أَيْ: تَحْرِيمَ مَا حَرَّمَ وَتَحْلِيلَ مَا حَلَّلَ لِيُبَيِّنَ. وَاللَّامُ فِي لِيُبَيِّنَ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُرِيدُ، وَقِيلَ: اللَّامُ زَائِدَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُبَيِّنَ، فَالنَّصْبُ بِأَنْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) (٢٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ) : مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ إِلَّا أَنَّهُ صَدَّرَ الْجُمْلَةَ الْأُولَى بِالِاسْمِ، وَالثَّانِيَةَ بِالْفِعْلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِالنَّصْبِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ، وَيُرِيدُ أَنْ يُرِيدَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (٢٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) : ضَعِيفًا حَالٌ. وَقِيلَ: تَمْيِيزٌ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ بِمِنْ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ شَيْءٍ ضَعِيفٍ؛ أَيْ: مِنْ طِينٍ، أَوْ مِنْ نُطْفَةٍ وَعَلَقَةٍ وَمُضْغَةٍ، كَمَا قَالَ (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ) [الرُّومِ: ٥٤] فَلَمَّا حُذِفَ الْجَارُّ وَالْمَوْصُوفُ انْتَصَبَتِ الصِّفَةُ بِالْفِعْلِ نَفْسِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (٢٩) .
стр. 352
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً) : الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: هُوَ مُتَّصِلٌ؛ وَالتَّقْدِيرُ: لَا تَأْكُلُوهَا بِسَبَبٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً؛ وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بِالْبَاطِلِ، وَالتِّجَارَةُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْبَاطِلِ.
وَفِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ؛ أَيْ: إِلَّا فِي حَالِ كَوْنِهَا تِجَارَةً، أَوْ فِي وَقْتِ كَوْنِهَا تِجَارَةً، وَتِجَارَةٌ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهَا النَّاقِصَةُ؛ التَّقْدِيرُ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمُعَامَلَةُ أَوِ التِّجَارَةُ تِجَارَةً. وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَمْوَالُ تِجَارَةً. (عَنْ تَرَاضٍ) : فِي مَوْضِعِ صِفَةِ " تِجَارَةً ". (وَمِنْكُمْ) : صِفَةُ تَرَاضٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (٣٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَفْعَلْ) : " مَنْ " فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ (فَسَوْفَ نُصْلِيهِ) .
وَ (عُدْوَانًا وَظُلْمًا) : مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَوْ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ النُّونِ مِنْ نُصْلِيهِ، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، يُقَالُ أَصْلَيْتُهُ النَّارَ وَصَلَيْتُهُ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) (٣١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُدْخَلًا) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَهُوَ مَصْدَرُ دَخَلَ وَالتَّقْدِيرُ: وَنُدْخِلُهُ
стр. 353
فَيَدْخُلُ مَدْخَلًا؛ أَيْ: دُخُولًا، وَمَفْعَلٌ إِذَا وَقَعَ مَصْدَرًا كَانَ مَصْدَرَ فَعَلَ فَأَمَّا أَفْعَلَ فَمَصْدَرُهُ مُفْعَلٌ بِضَمِّ الْمِيمِ كَمَا ضُمَّتِ الْهَمْزَةُ. وَقِيلَ: مَدْخَلٌ هُنَا الْمَفْتُوحُ الْمِيمِ مَكَانٌ فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ مِثْلَ أَدْخَلْتُهُ بَيْتًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (٣٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا فَضَّلَ اللَّهُ) : " مَا " بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَالْعَائِدُ الْهَاءُ فِي " بِهِ " وَالْمَفْعُولُ " بَعْضَكُمْ ".
" وَاسْأَلُوا اللَّهَ " يُقْرَأُ سَلُوا بِغَيْرِ هَمْز، (وَاسْأَلُوا) بِالْهَمْز، وَقَدْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) ، وَمَفْعُولُ اسْأَلُوا مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: شَيْئًا: " مِنْ فَضْلِهِ ".
قَالَ تَعَالَى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) (٣٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا) : الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَحْذُوفٌ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تُقْدِيرُهُ وَلِكُلِّ أَحَدٍ جَعَلْنَا مَوَالِيَ يَرِثُونَهُ. وَالثَّانِي: وَلِكُلِّ مَالٍ، وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ لِجَعَلَ " مَوَالِيَ ". وَالثَّانِي: لِكُلٍّ، وَالتَّقْدِيرُ: وَجَعَلْنَا وَرَّاثًا لِكُلِّ مَيِّتٍ، أَوْ لِكُلِّ مَالٍ. (مِمَّا تَرَكَ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ صِفَةُ مَالٍ الْمَحْذُوفِ؛ أَيْ: مِنْ مَالٍ تَرَكَهُ " الْوَالِدَانِ ". وَالثَّانِي: هُوَ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَوَالِي؛ تَقْدِيرُهُ: يَرِثُونَ مَا تَرَكَ. وَقِيلَ: " مَا " بِمَعْنَى مَنْ؛ أَيْ: لِكُلِّ أَحَدٍ مِمَّنْ تَرَكَ الْوَالِدَانِ. (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ) : فِي مَوْضِعِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَوَالِيَ؛ أَيْ: وَجَعَلْنَا الَّذِينَ عَاقَدَتْ وُرَّاثًا، وَكَانَ ذَلِكَ وَنُسِخَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ " فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ " تَوْكِيدًا؛
стр. 354
وَالثَّانِي: مَوْضِعُهُ نَصْبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ فَسَّرَهُ الْمَذْكُورُ؛ أَيْ: وَآتُوا الَّذِينَ عَاقَدَتْ. وَالثَّالِثُ: هُوَ رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَ " فَآتُوهُمْ " الْخَبَرُ. وَيُقْرَأُ عَاقَدَتْ بِالْأَلِفِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: عَاقَدَتْهُمْ، وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيْضًا هُوَ وَالْعَائِدُ تَقْدِيرُهُ: عَقَدَتْ حَلِفَهُمْ أَيْمَانُكُمْ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: عَقَدَتْ حَلِفَهُمْ ذَوُو أَيْمَانِكُمْ فَحُذِفَ الْمُضَافُ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ لِلْيَمِينِ الْحَالِفُونَ لَا الْأَيْمَانُ نَفْسُهَا.
قَالَ تَعَالَى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) (٣٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) : " عَلَى " مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوَّامُونَ. وَ (بِمَا) : مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ أَيْضًا، وَلَمَّا كَانَ الْحَرْفَانِ بِمَعْنَيَيْنِ، جَازَ تَعَلُّقُهُمَا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ؛ فَـ " عَلَى " عَلَى هَذَا لَهَا مَعْنًى غَيْرُ مَعْنَى الْبَاءِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: مُسْتَحِقِّينَ
بِتَفْضِيلِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ؛ وَصَاحِبُ الْحَالِ الضَّمِيرُ فِي قَوَّامُونَ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ. فَأَمَّا " مَا " فِي قَوْلِهِ " وَبِمَا أَنْفَقُوا " فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فَتَتَعَلَّقُ مِنْ بِأَنْفَقُوا، وَلَا حَذْفَ فِي الْكَلَامِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: وَبِالَّذِي أَنْفَقُوهُ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ " مِنْ أَمْوَالِهِمْ " حَالًا. (فَالصَّالِحَاتُ) : مُبْتَدَأٌ. " قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ " خَبَرَانِ عَنْهُ.
стр. 355
وَقُرِئَ: " فَالصَّوَالِحُ قَوَانِتُ حَوَافِظُ " وَهُوَ جَمْعُ تَكْثِيرٍ دَلَّ عَلَى الْكَثْرَةِ، وَجَمْعُ التَّصْحِيحِ لَا يَدُلُ عَلَى الْكَثْرَةِ بِوَضْعِهِ، وَقَدِ اسْتُعْمِلَ فِيهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) [سَبَأٍ: ٣٧] . (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) : فِي " مَا " ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ " بِمَعْنَى الَّذِي، وَنَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَمَصْدَرِيَّةٌ. وَقُرِئَ: بِمَا حَفِظَ اللَّهَ، بِنَصْبِ اسْمِ اللَّهِ، وَمَا عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ، وَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ؛ وَالتَّقْدِيرُ: بِمَا حَفِظَ أَمْرَ اللَّهِ، أَوْ دِينَ اللَّهِ، وَقَالَ قَوْمٌ هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: حَفِظَهُنَّ اللَّهُ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ خَلَا الْفِعْلُ عَنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ هُنَا جَمْعُ الْمُؤَنَّثِ، وَذَلِكَ يَظْهَرُ ضَمِيرُهُ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِمَا حَفِظَهُنَّ اللَّهُ، وَقَدْ صُوِّبَ هَذَا الْقَوْلُ، وَجُعِلَ الْفَاعِلُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، وَهُوَ مُفْرَدٌ مُذَكَّرٌ فَلَا يَظْهَرُ لَهُ ضَمِيرٌ. (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ) : مِثْلُ قَوْلِهِ (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ) [النِّسَاءِ: ١٥] وَمِثْلُ: (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا) [النِّسَاءِ: ١٦] وَقَدْ ذُكِرَا. (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) : فِي: " فِي " وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ ظَرْفٌ لِلْهِجْرَانِ؛ أَيِ: اهْجُرُوهُنَّ فِي مَوَاضِعِ الِاضْطِجَاعِ؛ أَيِ: اتْرُكُوا مَضَاجِعَهُنَّ دُونَ تَرْكِ مُكَالَمَتِهِنَّ. الثَّانِي: هِيَ بِمَعْنَى السَّبَبِ؛ أَيْ: وَاهْجُرُوهُنَّ بِسَبَبِ الْمَضَاجِعِ، كَمَا تَقُولُ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ عُقُوبَةٌ. (
стр. 356
فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ) : فِي " تَبْغُوا " وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مِنَ الْبَغْيِ الَّذِي هُوَ الظُّلْمُ؛ فَعَلَى هَذَا هُوَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ. وَ (سَبِيلًا) : عَلَى هَذَا مَنْصُوبٌ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ؛ أَيْ: بِسَبِيلٍ مَا. وَالثَّانِي: هُوَ مِنْ قَوْلِكَ بَغَيْتُ الْأَمْرَ؛ أَيْ: طَلَبْتُهُ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا وَ " سَبِيلًا " مَفْعُولُهُ، وَعَلَيْهِنَّ مِنْ نَعْتِ السَّبِيلِ؛ فَيَكُونُ حَالًا لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) (٣٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (شِقَاقَ بَيْنِهِمَا) : الشِّقَاقُ الْخِلَافُ؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَ إِضَافَتُهُ إِلَى بَيْنَ، وَبَيْنَ هُنَا الْوَصْلُ الْكَائِنُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. (حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ مِنْ بِـ " ابْعَثُوا "، فَيَكُونُ الِابْتِدَاءُ غَايَةَ الْبَعْثِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْحُكْمِ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. (إِنْ يُرِيدَا) : ضَمِيرُ الِاثْنَيْنِ يَعُودُ عَلَى الْحُكْمَيْنِ. وَقِيلَ: عَلَى الزَّوْجَيْنِ فَعَلَى الْأَوَّلِ. وَالثَّانِي: يَكُونُ قَوْلُهُ: يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا لِلزَّوْجَيْنِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) (٣٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) : فِي نَصْبِ «إِحْسَانًا» أَوْجُهٌ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي الْبَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) [الْبَقَرَةِ: ٨٣] .
وَ (الْجُنُبِ) : يُقْرَأُ بِضَمَّتَيْنِ، وَهُوَ وَصْفٌ مِثْلُ نَاقَةٍ أَجُدٍ، وَيَدٍ سُجُحٍ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَسُكُونِ النُّونِ، وَهُوَ وَصْفٌ أَيْضًا، وَهُوَ الْمُجَانِبُ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِكَ: رَجُلٌ عَدْلٌ. (
стр. 357
وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى فِي، وَأَنْ تَكُونَ عَلَى بَابِهَا، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ هُوَ حَالٌ مِنَ الصَّاحِبِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا الْمَحْذُوفُ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) (٣٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَنْصُوبٌ بَدَلٌ مِنْ «مَنْ» فِي قَوْلِهِ: (مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) وَجُمِعَ عَلَى مَعْنَى مَنْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى قَوْلِهِ: مُخْتَالًا فَخُورًا، وَهُوَ خَبَرُ كَانَ، وَجُمِعَ عَلَى الْمَعْنَى أَيْضًا، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ أَذُمُّ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: مُبْغِضُونَ؛ وَدَلَّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: لَا يُحِبُّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مُعَذَّبُونَ لِقَوْلِهِ: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَالْخَبَرُ «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ» ؛ أَيْ: لَا يَظْلِمُهُمْ. وَالْبُخْلُ وَالْبَخْلُ لُغَتَانِ، وَقَدْ
قُرِئَ بِهِمَا، وَفِيهِ لُغَتَانِ أُخْرَيَانِ: الْبُخُلُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَالْبَاءِ، وَالْبَخْلُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ. وَ (مِنْ فَضْلِهِ) : حَالٌ مِنْ «مَا» أَوْ مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا) (٣٨) .
стр. 358
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ) : «رِئَاءَ» مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: «وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» مَعْطُوفًا عَلَى يُنْفِقُونَ دَاخِلًا فِي الصِّلَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «رِئَاءَ النَّاسِ» مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ: يُنْفِقُونَ مُرَائِينَ.
(فَسَاءَ قَرِينًا) : أَيْ: فَسَاءَ هُوَ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى مَنْ، أَوْ عَلَى الشَّيْطَانِ، وَقَرِينًا تَمْيِيزٌ، وَسَاءَ هُنَا مَنْقُولَةٌ إِلَى بَابِ نِعْمَ وَبِئْسَ، فَفَاعِلُهَا وَالْمَخْصُوصُ بَعْدَهَا بِالذَّمِّ مِثْلُ فَاعِلِ بِئْسَ وَمَخْصُوصِهَا؛ وَالتَّقْدِيرُ: فَسَاءَ الشَّيْطَانُ وَالْقَرِينُ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ) : فَفِي مَوْضِعِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ جَرٌّ عَطْفًا عَلَى الْكَافِرِينَ فِي قَوْلِهِ: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ) . وَالثَّانِي: نَصْبٌ عَلَى مَا انْتَصَبَ عَلَيْهِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ. وَالثَّالِثُ: رَفْعٌ عَلَى مَا ارْتَفَعَ عَلَيْهِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، وَقَدْ ذُكِرَا، فَأَمَّا «رِئَاءَ النَّاسِ» فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أَوْ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يُنْفِقُونَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ؛ أَيِ الْمَوْصُولِ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: «وَلَا يُؤْمِنُونَ» مُسْتَأْنَفًا لِئَلَّا يُفْرَقَ بَيْنَ بَعْضِ الصِّلَةِ وَبَعْضٍ بِحَالِ الْمَوْصُولِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿وماذا عَلَيْهِم لَو آمنُوا بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وأنفقوا من مَا رزقهم الله وَكَانَ الله بهم عليما﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: «مَا» مُبْتَدَأٌ، وَ «ذَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَعَلَيْهِمْ صِلَتُهَا، وَالَّذِي وَصِلَتُهَا خَبَرُ مَا.
وَأَجَازَ قَوْمٌ أَنْ تَكُونَ الَّذِي وَصِلَتُهَا مُبْتَدَأً، وَمَا خَبَرًا مُقَدَّمًا، وَقُدِّمَ الْخَبَرُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ.
стр. 359
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا وَذَا اسْمٌ وَاحِدٌ مُبْتَدَأٌ، وَعَلَيْهِمُ الْخَبَرُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي الْبَقَرَةِ بِأَبْسَطَ مِنْ
هَذَا وَ (لَوْ) : فِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ عَلَى بَابِهَا، وَالْكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى؛ أَيْ: لَوْ آمَنُوا لَمْ يَضُرُّهُمْ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا بِمَعْنَى أَنِ النَّاصِبَةِ لِلْفِعْلِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ: (لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) [الْبَقَرَةِ: ٩٦] وَغَيْرِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى إِنِ الشَّرْطِيَّةِ كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ: (وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) ؛ أَيْ: وَأَيُّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ إِنْ آمَنُوا؛ وَتَقْدِيرُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ: أَيُّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ فِي الْإِيمَانِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) (٤٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَفْعُولٌ لِيَظْلِمُ؛ وَالتَّقْدِيرُ: لَا يَظْلِمُهُمْ، أَوْ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا، وَيَظْلِمُ بِمَعْنَى يَنْتَقِصُ؛ أَيْ: يَنْقُصُ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ. وَالثَّانِي: هُوَ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: ظُلْمًا قَدْرَ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ، فَحُذِفَ الْمَصْدَرُ وَصِفَتُهُ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُمَا. (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً) : حُذِفَتْ نُونُ تَكُنْ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَشِبْهِ النُّونِ لِغُنَّتِهَا وَسُكُونِهَا بِالْوَاوِ، فَإِنْ تَحَرَّكَتْ لَمْ تُحْذَفْ نَحْوُ: (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ) [النِّسَاءِ: ٣٨] ، (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ) [الْبَيِّنَةِ: ١] وَ «حَسَنَةً» بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ كَانَ التَّامَّةُ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهَا النَّاقِصَةُ. وَ «مِنْ لَدُنْهُ» مُتَعَلِّقٌ بِيُؤْتِ، أَوْ حَالٌ مِنَ الْأَجْرِ.
стр. 360
قَالَ تَعَالَى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) (٤١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَكَيْفَ إِذَا) : النَّاصِبُ لَهَا مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ أَوْ تَكُونُوا، وَإِذَا ظَرْفٌ لِذَلِكَ الْمَحْذُوفِ. (مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِجِئْنَا أَوْ حَالٌ مِنْ شَهِيدٍ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ تَقْدِيمَ حَالِ الْمَجْرُورِ عَلَيْهِ. (وَجِئْنَا بِكَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى جِئْنَا الْأُولَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، وَتَكُونُ قَدْ مُرَادَةً. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَيَكُونُ الْمَاضِي بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ. وَ (شَهِيدًا) : حَالٌ. وَ «عَلَى» يَتَعَلَّقُ بِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْهُ.
قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) (٤٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَئِذٍ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ ظَرْفٌ لِـ «يَوَدُّ» ، فَيَعْمَلُ فِيهِ. وَالثَّانِي: يَعْمَلُ فِيهِ شَهِيدًا؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ يَوَدُّ صِفَةً لِيَوْمٍ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: فِيهِ، وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي) [الْبَقَرَةِ: ٤٨] .
وَالْأَصْلُ فِي «إِذَا» إِذْ، وَهِيَ ظَرْفُ زَمَانٍ مَاضٍ، فَقَدِ اسْتُعْمِلَتْ هُنَا لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، فَزَادُوا عَلَيْهَا التَّنْوِينَ عِوَضًا مِنَ الْجُمْلَةِ الْمَحْذُوفَةِ؛ تَقْدِيرُهُ: يَوْمَ إِذْ تَأَتِي بِالشُّهَدَاءِ، وَحُرِّكَتِ الذَّالُ بِالْكَسْرِ لِسُكُونِهَا، وَسُكُونِ التَّنْوِينِ بَعْدَهَا. (وَعَصَوُا الرَّسُولَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَقَدْ مُرَادَةٌ، وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَوَدُّ وَبَيْنَ مَفْعُولِهَا. وَهُوَ «لَوْ تُسَوَّى» . وَ (لَوْ) بِمَعْنَى أَنِ الْمَصْدَرِيَّةِ، وَتُسَوَّى عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ،
стр. 361
وَيُقْرَأْ: تَسَّوَّى بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ؛ أَيْ: تَتَسَوَّى، فَقُلِبَتِ الثَّانِيَةُ سِينًا، وَأُدْغِمَ، وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ أَيْضًا عَلَى حَذْفِ الثَّانِيَةِ. (وَلَا يَكْتُمُونَ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ حَالٌ وَالتَّقْدِيرُ: يَوَدُّونَ أَنْ يُعَذَّبُوا فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ، أَوْ يَكُونُوا كَالْأَرْضِ. (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ) : فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ «حَدِيثًا» .
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) (٤٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ) : قِيلَ: الْمُرَادُ مَوَاضِعُ الصَّلَاةِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ. وَقِيلَ: لَا حَذْفَ فِيهِ. (وَأَنْتُمْ سُكَارَى) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي تَقْرَبُوا. وَ (سُكَارَى) : جَمْعُ سَكْرَانَ، وَيَجُوزُ ضَمُّ السِّينِ وَفَتْحُهَا، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا، وَقُرِئَ أَيْضًا «سُكْرَى» بِضَمِّ السِّينِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَبِفَتْحِهَا كَذَلِكَ، وَهِيَ صِفَةٌ مُفْرَدَةٌ يَفِي مَوْضِعَ الْجَمْعِ، فَسُكْرَى مِثْلُ حُبْلَى وَسَكْرَى مِثْلُ عَطْشَى. (
стр. 362
حَتَّى تَعْلَمُوا) : أَيْ: إِلَى أَنْ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَقْرَبُوا. وَ (مَا) : بِمَعْنَى الَّذِي أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وَلَا حَذْفَ. (وَلَا جُنُبًا) : حَالٌ، وَالتَّقْدِيرُ: لَا تُصَلُّوا جُنُبًا، أَوْ لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ جُنُبًا، وَالْجُنُبُ يُفْرَدُ مَعَ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ فِي اللُّغَةِ الْفُصْحَى، يُذْهَبُ بِهِ مَذْهَبَ الْوَصْفِ بِالْمَصَادِرِ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُثَنِّيهِ وَيَجْمَعُهُ، فَيَقُولُ: جُنُبَانِ وَأَجْنَابٌ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْمُجَانَبَةِ،
وَهِيَ الْمُبَاعَدَةُ. (إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) : هُوَ حَالٌ أَيْضًا؛ وَالتَّقْدِيرُ: لَا تَقْرَبُوهَا فِي حَالِ الْجِنَايَةِ؛ إِلَّا فِي حَالِ السَّفَرِ، أَوْ عُبُورِ الْمَسْجِدِ، عَلَى اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ. (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) : مُتَعَلِّقٌ بِالْعَامِلِ فِي جُنُبٍ. (مِنْكُمْ) : صِفَةٌ لِأَحَدٍ. وَ «مِنَ الْغَائِطِ» مَفْعُولُ جَاءَ، وَالْجُمْهُورُ يَقْرَءُونَ الْغَائِطَ عَلَى فَاعِلٍ، وَالْفِعْلُ مِنْهُ غَاطَ الْمَكَانَ يَغُوطُ إِذَا اطْمَأَنَّ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِيَاءٍ سَاكِنَةٍ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَصْدَرُ يَغُوطُ، وَكَانَ الْقِيَاسُ غَوْطًا فَقُلِبَ الْوَاوُ يَاءً وَأُسْكِنَتْ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا لِخِفَّتِهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ الْغَيْطَ فَخُفِّفَتْ مِثْلُ سَيِّدٍ وَمَيِّتٍ. (أَوْ لَمَسْتُمْ) : يُقْرَأُ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَبِأَلِفٍ وَهُمَا بِمَعْنًى. وَقِيلَ: لَامَسْتُمْ مَا دُونَ الْجِمَاعِ، أَوْ لَمَسْتُمُ لِلْجِمَاعِ. (فَلَمْ تَجِدُوا) : الْفَاءُ عَطَفَتْ مَا بَعْدَهَا عَلَى جَاءَ وَجَوَابُ الشَّرْطِ «فَتَيَمَّمُوا» ، وَ «جَاءَ» مَعْطُوفٌ عَلَى كُنْتُمْ؛ أَيْ: وَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ. (
стр. 363
صَعِيدًا) : مَفْعُولُ تَيَمَّمُوا؛ أَيِ: اقْصُدُوا صَعِيدًا. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْبَاءِ؛ أَيْ: بِصَعِيدٍ. (بِوُجُوهِكُمْ) : الْبَاءُ زَائِدَةٌ؛ أَيِ: امْسَحُوا وُجُوهَكُمْ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ؛ أَيْ: فَامْسَحُوا وُجُوهَكُمْ بِهِ أَوْ مِنْهُ، وَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الْكِتَابِ) : صِفَةٌ لِنَصِيبٍ. (يَشْتَرُونَ) : حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي أُوتُوا. «وَيُرِيدُونَ» مِثْلُهُ وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُمَا حَالَيْنِ مِنَ الْمَوْصُولِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا» وَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ، وَيُقَالُ ضَلَلْتُ «السَّبِيلَ» وَعَنِ السَّبِيلِ، وَهُوَ مَفْعُولٌ بِهِ، وَلَيْسَ بِظَرْفٍ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ. (وَلِيًّا) وَ (نَصِيرًا) : مَنْصُوبَانِ عَلَى التَّمْيِيزِ. وَقِيلَ: عَلَى الْحَالِ.
قَالَ تَعَالَى: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (٤٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَفِي ذَلِكَ تَقْدِيرَانِ: أَحَدُهُمَا تَقْدِيرُهُ: هُمْ مِنَ الَّذِينَ، فَـ «يُحَرِّفُونَ» عَلَى هَذَا حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي هَادُوا. وَالثَّانِي: تَقْدِيرُهُ: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا قَوْمٌ، فَقَوْمٌ هُوَ الْمُبْتَدَأُ وَمَا قَبْلَهُ الْخَبَرُ، وَيُحَرِّفُونَ نَعْتٌ لِقَوْمٍ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا مَنْ يُحَرِّفُونَ، كَمَا قَالَ: (وَمَا
مِنَّا إِلَّا لَهُ) [الصَّافَّاتِ: ١٦٤] ؛ أَيْ:
стр. 364
مَنْ لَهُ، وَمَنْ هَذِهِ عِنْدَنَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ مِثْلُ قَوْمٍ، وَلَيْسَتْ بِمَعْنَى الَّذِي؛ لِأَنَّ الْمَوْصُولَ لَا يُحْذَفُ دُونَ صِلَتِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مِنَ الَّذِينَ مُتَعَلِّقٌ بِنَصِيرٍ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ، كَمَا قَالَ: (فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ) [غَافِرٍ: ٢٩] ؛ أَيْ: يَمْنَعُنَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي يُرِيدُونَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي أُوتُوا؛ لِأَنَّ شَيْئًا وَاحِدًا لَا يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ حَالٍ وَاحِدَةٍ، إِلَّا أَنْ يُعْطَفَ بَعْضُ الْأَحْوَالِ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا يَكُونُ حَالًا مِنَ الَّذِينَ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنْ أَعْدَائِكُمْ؛ أَيْ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ كَائِنِينَ مِنَ الَّذِينَ، وَالْفَصْلُ الْمُعْتَرِضُ بَيْنَهُمَا مُسَدِّدٌ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ الْحَالِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ جُعِلَتْ فِيهِ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَالًا، فَيُحَرِّفُونَ فِيهِ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي هَادُوا. وَ (الْكَلِمَ) : جَمْعُ كَلِمَةٍ. وَيُقْرَأُ: «الْكَلَامَ» وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَ (عَنْ مَوَاضِعِهِ) : مُتَعَلِّقٌ بِيُحَرِّفُونَ، وَذُكِرَ الضَّمِيرُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ حَمْلًا عَلَى مَعْنَى الْكَلِمِ؛ لِأَنَّهَا جِنْسٌ. (وَيَقُولُونَ) : عَطْفٌ عَلَى يُحَرِّفُونَ. وَ (غَيْرَ مُسْمَعٍ) : حَالٌ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: لَا أُسْمِعْتَ مَكْرُوهًا، هَذَا ظَاهِرَ قَوْلِهِمْ، فَأَمَّا مَا أَرَادُوا فَهُوَ لَا أُسْمِعْتَ خَيْرًا. وَقِيلَ: أَرَادُوا غَيْرَ مَسْمُوعٍ مِنْكَ. (وَرَاعِنَا) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ. وَ (لَيًّا) ، (وَطَعْنًا) : مَفْعُولٌ لَهُ. وَقِيلَ: مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْأَصْلُ فِي لَيٍّ لَوَى فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً، وَأُدْغِمَتْ. وَ (فِي الدِّينِ) : مُتَعَلِّقٌ بِـ «طَعْنٍ» . (
стр. 365
خَيْرًا لَهُمْ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى أَفْعَلَ؛ كَمَا قَالَ «وَأَقْوَمَ» . وَمِنْ مَحْذُوفَةٌ؛ أَيْ: مِنْ غَيْرِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى فَاضِلٍ وَجَيِّدٍ، فَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى «مِنْ» . (إِلَّا قَلِيلًا) : صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: إِيمَانًا قَلِيلًا.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) (٤٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ قَبْلِكُمْ) : مُتَعَلِّقٌ بِآمَنُوا، وَ (عَلَى أَدْبَارِهَا) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْوُجُوهِ وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُوِّنَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) (٤٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ) : هُوَ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلَى يَغْفِرُ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ عُطِفَ عَلَيْهِ لَصَارَ مَنْفِيًّا.
قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (٤٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) : تَقْدِيرُهُ: أَخْطَئُوا، بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي. (وَلَا يُظْلَمُونَ) : ضَمِيرُ الْجَمْعِ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى مَنْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا؛ أَيْ: مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ، وَمَنْ زَكَّاهُ اللَّهُ. وَ (فَتِيلًا) : مِثْلُ «مِثْقَالَ ذَرَّةٍ» فِي الْإِعْرَابِ، وَقَدْ ذُكِرَ.
قَالَ تَعَالَى: (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا) (٥٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَيْفَ يَفْتَرُونَ) : كَيْفَ مَنْصُوبٌ بِيَفْتَرُونَ، وَمَوْضِعُ الْكَلَامِ نُصِبَ بِانْظُرُوا.
стр. 366
وَ (عَلَى اللَّهِ) : مُتَعَلِّقٌ بِيَفْتَرُونَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «الْكَذِبِ» . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْكَذِبِ؛ لِأَنَّ مَعْمُولَ الْمَصْدَرِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، فَإِنْ جُعِلَ عَلَى التَّبْيِينِ جَازَ.
قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا) (٥١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَؤُلَاءِ أَهْدَى) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَقُولُونَ. وَ (لِلَّذِينَ كَفَرُوا) : تَخْصِيصٌ وَتَبْيِينٌ مُتَعَلِّقٌ بِيَقُولُونَ أَيْضًا. (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ) ، (وَيَقُولُونَ) مِثْلُ: يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ، وَيُرِيدُونَ، وَقَدْ ذُكِرَ.
قَالَ تَعَالَى: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا) (٥٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ) : أَمْ مُنْقَطِعَةٌ؛ أَيْ: بَلْ أَلَهُمْ، وَكَذَلِكَ «أَمْ يَحْسُدُونَ» .
(فَإِذَنْ) : حَرْفٌ يَنْصِبُ الْفِعْلَ إِذَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ، وَلَهُ مَوَاضِعُ يُلْغَى فِيهَا، وَهُوَ مُشْبِهٌ فِي عَوَامِلِ الْأَفْعَالِ بِظَنَنْتُ فِي عَوَامِلِ الْأَسْمَاءِ، وَالنُّونُ أَصْلٌ فِيهِ، وَلَيْسَ بِتَنْوِينٍ، فَلِهَذَا يُكْتَبُ بِالنُّونِ، وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ أَنْ يُكْتَبَ بِالْأَلِفِ، وَلَمْ يَعْمَلْ هُنَا مِنْ أَجْلِ حَرْفِ الْعَطْفِ، وَهِيَ الْفَاءُ، وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ أَنْ يَعْمَلَ مَعَ الْفَاءِ، وَلَيْسَ الْمُبْطِلُ لِعَمَلِهِ لَا؛ لِأَنَّ لَا يَتَخَطَّاهَا الْعَامِلُ.
قَالَ تَعَالَى: (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) (٥٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ آمَنَ بِهِ) : الْهَاءُ تَعُودُ عَلَى الْكِتَابِ. وَقِيلَ: عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَقِيلَ: عَلَى مُحَمَّدٍ، وَ (سَعِيرًا) بِمَعْنَى مُسْتَعِرًا. (
стр. 367
نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ) : يُقْرَأُ بِالْإِدْغَامِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ حُرُوفِ وَسَطِ الْفَمِ، وَالْإِظْهَارُ هُوَ الْأَصْلُ. (بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا) : أَيْ: بِجُلُودٍ. وَقِيلَ: يَتَعَدَّى إِلَى الثَّانِي بِنَفْسِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) (٥٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، وَأَنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلَى الْمَوْضِعِ، أَوْ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَالْخَبَرُ «سَنُدْخِلُهُمْ» . (خَالِدِينَ فِيهَا) : حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ فِي نُدْخِلُهُمْ أَوْ مِنْ جَنَّاتٍ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا ضَمِيرَ الْكُلِّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِجَنَّاتٍ عَلَى رَأْيِ الْكُوفِيِّينَ، وَ (لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ) : حَالٌ، أَوْ صِفَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (٥٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) : الْعَامِلُ فِي إِذَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: فِعْلٌ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَحْكُمُوا إِذَا حَكَمْتُمْ، وَجَعَلَ أَنْ تَحْكُمُوا الْمَذْكُورَةَ مُفَسِّرَةً لِلْمَحْذُوفِ، فَلَا مَوْضِعَ لِأَنْ تَحْكُمُوا، لِأَنَّهُ مُفَسِّرٌ لِلْمَحْذُوفِ، وَالْمَحْذُوفُ مَفْعُولُ يَأْمُرُكُمْ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِي إِذَا أَنْ تَحْكُمُوا؛ لِأَنَّ مَعْمُولَ الْمَصْدَرِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَنْصِبَ «إِذَ» بِيَأْمُرُكُمْ، وَأَنْ تَحْكُمُوا بِهِ أَيْضًا؛ وَالتَّقْدِيرُ: أَنْ يَكُونَ حَرْفُ الْعَطْفِ مَعَ أَنْ تَحْكُمُوا، لَكِنْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِالظَّرْفِ كَقَوْلِ الْأَعْشَى:
стр. 368
يَوْمَ يَرَاهَا كَشِبْهِ أَرْدِيَةِ الْـ ... عَصْبِ وَيَوْمًا أَدِيمُهَا نَغِلَا.
وَ (بِالْعَدْلِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا. (نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) : الْجُمْلَةُ خَبَرُ إِنَّ، وَفِي «مَا» ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا بِمَعْنَى الشَّيْءِ مَعْرِفَةٌ تَامَّةٌ، وَيَعِظُكُمْ صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ هُوَ الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ؛ تَقْدِيرُهُ: نِعْمَ الشَّيْءُ شَيْءٌ يَعِظُكُمْ بِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَعِظُكُمْ صِفَةً لِمَنْصُوبٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: نِعْمَ الشَّيْءُ شَيْئًا يَعِظُكُمْ بِهِ؛ كَقَوْلِكَ: نِعْمَ الرَّجُلُ رَجُلًا صَالِحًا زِيدٌ، وَهَذَا جَائِزٌ عِنْدَ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ، وَالْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ هُنَا مَحْذُوفٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَمَا بَعْدَهَا صِلَتُهَا، وَمَوْضِعُهَا رَفْعُ فَاعِلِ نِعْمَ وَالْمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: نِعْمَ الَّذِي يَعِظُكُمْ بِتَأْدِيَةِ الْأَمَانَةِ وَالْحُكْمِ بِالْعَدْلِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ «مَا» نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَالْفَاعِلُ مُضْمَرٌ، وَالْمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) [الْكَهْفِ: ٥٠] .
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (٥٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) : حَالٌ مِنْ أُولِي. وَ (تَأْوِيلًا) : تَمْيِيزٌ.
قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) (٦٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيُرِيدُونَ) : حَالٌ مِنَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَزْعُمُونَ،
стр. 369
وَ (يَزْعُمُونَ) مِنْ أَخَوَاتِ ظَنَنْتُ فِي اقْتِضَائِهَا مَفْعُولَيْنِ، «وَأَنْ» وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ تَسُدُّ مَسَدَّهُمَا. (وَقَدْ أُمِرُوا) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ فِي يُرِيدُونَ، وَالطَّاغُوتُ يُؤَنَّثُ وَيُذَكَّرُ، وَقَدْ ذُكِرَ ضَمِيرُهُ هُنَا، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي الْبَقَرَةِ. (أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا) ؛ أَيْ: فَيَضِلُّوا ضَلَالًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَلَالًا بِمَعْنَى إِضْلَالًا، فَوُضِعَ أَحَدُ الْمَصْدَرَيْنِ مَوْضِعَ الْآخَرِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) (٦١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَعَالَوْا) : الْأَصْلُ تَعَالَيُوا، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي آلِ عِمْرَانَ، وَيُقْرَأُ شَاذًّا بِضَمِّ اللَّامِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ حُذِفَ الْأَلِفُ مِنْ تَعَالَى اعْتِبَاطًا، ثُمَّ ضُمَّ اللَّامُ مِنْ أَجْلِ وَاوِ الضَّمِيرِ. (يَصُدُّونَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَ (صُدُودًا) : اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وَالْمَصْدَرُ صَدٌّ، وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ.
قَالَ تَعَالَى: (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) (٦٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ) : أَيْ: فَكَيْفَ يَصْنَعُونَ؟ . وَ (يَحْلِفُونَ) : حَالٌ.
قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) (٦٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي أَنْفُسِهِمْ) : يَتَعَلَّقُ بِقُلْ لَهُمْ. وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِـ «بَلِيغًا» ؛ أَيْ: يَبْلُغُ فِي نُفُوسِهِمْ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا.
стр. 370
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) (٦٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا لِيُطَاعَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لَهُ، وَاللَّامُ تَتَعَلَّقُ بِأَرْسَلْنَا.
وَ (بِإِذْنِ اللَّهِ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُطَاعَ. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ؛ أَيْ: بِسَبَبِ أَمْرِ اللَّهِ. وَ (إِذْ ظَلَمُوا) : ظَرْفٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ خَبَرُ إِنَّ، وَهُوَ «جَاءُوكَ» (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) : لَمْ يَقُلْ: وَاسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ لِمَا فِي الِاسْمِ الظَّاهِرِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ الرَّسُولُ. وَ (وَجَدُوا) : يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ. وَقِيلَ: هِيَ الْمُتَعَدِّيَةُ إِلَى وَاحِدٍ. وَ (تَوَّابًا) : حَالٌ. وَ «رَحِيمًا» بَدَلٌ أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي تَوَّابٍ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (٦٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَا وَرَبِّكَ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ «لَا» الْأُولَى زَائِدَةٌ؛ وَالتَّقْدِيرُ: فَوَرَبِّكَ «لَا يُؤْمِنُونَ» . وَقِيلَ: الثَّانِيَةُ زَائِدَةٌ، وَالْقَسَمُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْمَنْفِيِّ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنَّ «لَا» نَفْيٌ لِشَيْءٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: فَلَا يَفْعَلُونَ، ثُمَّ قَالَ: وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ. وَ (بَيْنَهُمْ) : ظَرْفٌ لِشَجَرَ أَوْ حَالٌ مِنْ «مَا» أَوْ مِنْ فَاعِلِ شَجَرَ. وَ (ثُمَّ لَا يَجِدُوا) : مَعْطُوفٌ عَلَى يُحَكِّمُوكَ. وَ (فِي أَنْفُسِهِمْ) : يَتَعَلَّقُ بِيَجِدُوا تَعَلُّقَ الظَّرْفِ بِالْفِعْلِ. وَ (حَرَجًا) : مَفْعُولُ يَجِدُوا،
стр. 371
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَالًا مِنْ حَرَجٍ، وَكِلَاهُمَا عَلَى أَنَّ «يَجِدُوا» الْمُتَعَدِّيَةَ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمُتَعَدِّيَةَ إِلَى اثْنَيْنِ، وَفِي أَنْفُسِهِمْ أَحَدُهُمَا. وَ (مِمَّا قَضَيْتَ) : صِفَةٌ لِحَرَجٍ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِحَرَجٍ؛ لِأَنَّكَ تَقُولُ حَرِجْتُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ. وَ «مَا» يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَنَكِرَةً مَوْصُوفَةً وَمَصْدَرِيَّةً.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (٦٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنِ اقْتُلُوا) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ «أَنْ» الْمَصْدَرِيَّةُ، وَالْأَمْرُ صِلَتُهَا، وَمَوْضِعُهُمَا نُصْبٌ بِكَتَبْنَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ «أَنْ» بِمَعْنَى أَيِ الْمُفَسِّرَةِ لِلْقَوْلِ، وَكَتَبْنَا قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى أَمَرْنَا أَوْ قُلْنَا. (أَوِ اخْرُجُوا) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْوَاوِ عَلَى أَصْلِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَبِالضَّمِّ اتِّبَاعًا لِضَمَّةِ الرَّاءِ، وَلِأَنَّ الْوَاوَ مِنْ جِنْسِ الضَّمَّةِ. (مَا فَعَلُوهُ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ أَحَدِ مَصْدَرَيِ الْفِعْلَيْنِ، وَهُوَ الْقَتْلُ أَوِ الْخُرُوجُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الْمَكْتُوبِ، وَدَلَّ الْمَعْنَى كَتَبْنَا. (إِلَّا قَلِيلٌ) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ، وَعَلَيْهِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فَعَلَهُ قَلِيلٌ مِنْهُمْ؛ وَبِالنَّصْبِ عَلَى أَصْلِ
بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى. وَ (مِنْهُمْ) : صِفَةُ «قَلِيلٌ» . وَ: (تَثْبِيتًا) : تَمْيِيزٌ. (وَإِذَنْ) : جَوَابُ «لَوْ» مُلْغَاةٌ. وَ (مِنْ لَدُنَّا) : يَتَعَلَّقُ بِآتَيْنَاهُمْ.
стр. 372
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «أَجْرًا» وَ (صِرَاطًا) : مَفْعُولٌ ثَانٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (٦٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ النَّبِيِّينَ) : حَالٌ مِنَ الَّذِينَ أَوْ مِنَ الْمَجْرُورِ فِي عَلَيْهِمْ. (وَحَسُنَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ السِّينِ، وَقُرِئَ بِإِسْكَانِهَا مَعَ فَتْحِ الْحَاءِ عَلَى التَّخْفِيفِ، كَمَا قَالُوا فِي عَضُدَ عَضْدَ. وَ «أُولَئِكَ» فَاعِلُهُ. وَ «رَفِيقًا» تَمْيِيزٌ. وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ، وَهُوَ وَاحِدٌ فِي مَوْضِعِ الْجَمْعِ؛ أَيْ: رُفَقَاءَ.
قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) (٧٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: «الْفَضْلُ» وَ «مِنَ اللَّهِ» حَالٌ، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَى ذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْفَضْلَ صِفَةٌ، وَمِنَ اللَّهِ الْخَبَرُ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) (٧١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُبَاتٍ) : جَمْعُ ثَبَةٍ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ، وَأَصْلُهَا ثُبْوَةٌ، تَصْغِيرُهَا ثُبَيَّةٌ، فَأَمَّا ثُبَةُ الْحَوْضِ، وَهِيَ وَسَطُهُ فَأَصْلُهَا ثَوْبَةٌ، مِنْ ثَابَ يَثُوبُ إِذَا رَجَعَ، وَتَصْغِيرُهَا ثُوَيْبَةٌ، وَ «ثُبَاتٍ» حَالٌ، وَكَذَلِكَ: «جَمِيعًا» .
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا) (٧٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَمَنْ) : اسْمُ إِنَّ، وَهِيَ بِمَعْنَى الَّذِي أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. وَ (لَيُبَطِّئَنَّ) : صِلَةٌ أَوْ صِفَةٌ، وَمِنْكُمْ خَبَرُ إِنَّ، وَ «إِذْ لَمْ» ظَرْفٌ لِأَنْعَمَ.
стр. 373
قَالَ تَعَالَى: (وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) (٧٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَيَقُولَنَّ) : بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى لَفْظِ مَنْ، وَقُرِئَ بِضَمِّهَا حَمْلًا عَلَى مَعْنَى مَنْ، وَهُوَ الْجَمْعُ. (كَأَنْ لَمْ تَكُنْ) : هِيَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَاسْمُهَا مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْيَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَوَدَّةَ وَالْوُدَّ بِمَعْنًى، وَلِأَنَّهُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا، وَيُقْرَأُ بِالتَّاءِ عَلَى لَفْظِ الْمَوَدَّةِ، وَهُوَ كَلَامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ يَقُولُ وَبَيْنَ الْمَحْكِيِّ بِهَا وَهُوَ قَوْلُهُ: «يَا لَيْتَنِي» وَالتَّقْدِيرُ: يَقُولُ يَا لَيْتَنِي. وَقِيلَ: لَيْسَ بِمُعْتَرِضٍ؛ بَلْ هُوَ مَحْكِيٌّ أَيْضًا بِيَقُولُ؛ أَيْ: يَقُولُ: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ. وَيَا لَيْتَنِي. وَقِيلَ: كَأَنْ لَمْ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي لَيَقُولَنَّ. وَ (يَالَيْتَنِي) : الْمُنَادَى مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: يَا قَوْمُ لَيْتَنِي؛ وَأَبُو عَلِيٍّ يَقُولُ فِي نَحْوِ هَذَا: لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مُنَادًى مَحْذُوفٌ؛ بَلْ يَدْخُلُ «يَا» عَلَى الْفِعْلِ، وَالْحَرْفُ لِلتَّنْبِيهِ. (فَأَفُوزَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي، وَبِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ فَأَنَا أَفُوزُ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (٧٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ) : أُدْغِمَتِ الْبَاءُ فِي الْفَاءِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنَ الشَّفَتَيْنِ، وَقَدْ أَظْهَرَهَا بَعْضُهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) (٧٥) .
стр. 374
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا لَكُمْ) : مَا اسْتِفْهَامٌ مُبْتَدَأٌ، وَلَكُمْ خَبَرُهُ.
وَ (لَا تُقَاتِلُونَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا الِاسْتِقْرَارُ كَمَا تَقُولُ: مَا لَكَ قَائِمًا. وَ (الْمُسْتَضْعَفِينَ) : عَطْفٌ عَلَى اسْمِ اللَّهِ؛ أَيْ: وَفِي سَبِيلِ الْمُسْتَضْعَفِينَ. وَقَالَ الْمِبَرِّدُ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى السَّبِيلِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. (الَّذِينَ يَقُولُونَ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِمَنْ عَقَلَ مِنَ الْمَذْكُورِينَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإِضْمَارِ أَعْنِي. (الظَّالِمِ أَهْلُهَا) : الْأَلِفُ وَاللَّامُ بِمَعْنَى الَّتِي، وَلَمْ يُؤَنَّثِ اسْمُ الْفَاعِلِ، وَإِنْ كَانَ نَعْتًا لِلْقَرِيبَةِ فِي اللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَمِلَ فِي الِاسْمِ الظَّاهِرِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ أَهْلٌ، وَكُلُّ اسْمِ فَاعِلٍ إِذَا جَرَى عَلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ فَتَذْكِيرُهُ وَتَأْنِيثُهُ عَلَى حَسَبِ الِاسْمِ الظَّاهِرِ الَّذِي عَمِلَ فِيهِ.
قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمْ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةِ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (٧٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ) : إِذَا هُنَا لِلْمُفَاجَأَةِ، وَالَّتِي لِلْمُفَاجَأَةِ ظَرْفُ مَكَانٍ، وَظَرْفُ الْمَكَانِ فِي مِثْلِ هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِلِاسْمِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَهُوَ فَرِيقٌ هَاهُنَا، وَ «مِنْهُمْ» صِفَةُ فَرِيقٍ. وَ «يَخْشَوْنَ» حَالٌ، وَالْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ عَلَى هَذَا الِاسْتِقْرَارِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِذَا غَيْرَ خَبَرٍ فَيَكُونُ فَرِيقٌ مُبْتَدَأً، وَمِنْهُمْ صِفَتُهُ، وَيَخْشَوْنَ الْخَبَرُ وَهُوَ الْعَامِلُ فِي إِذَا، وَقِيلَ: إِذَا هُنَا الزَّمَانِيَّةُ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ إِذَا الزَّمَانِيَّةُ يَعْمَلُ فِيهَا، إِمَّا مَا قَبْلَهَا أَوْ مَا بَعْدَهَا، وَإِذَا عَمِلَ فِيهَا مَا قَبْلَهَا كَانَتْ «مِنْ» صِلَتُهُ، وَهَذَا فَاسِدٌ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ فِي وَقْتِ الْخَشْيَةِ فَرِيقٌ مِنْهُمْ، وَهَذَا يَفْتَقِرُ إِلَى جَوَابِ لَمَّا، وَلَا جَوَابَ لَهَا؛ وَإِذَا عَمِلَ فِيهَا مَا بَعْدَهَا كَانَ الْعَامِلُ فِيهَا جَوَابًا لَهَا، وَإِذَا هُنَا لَيْسَ لَهَا جَوَابٌ؛ بَلْ هِيَ جَوَابُ لَمَّا. (
стр. 375
كَخَشْيَةِ اللَّهِ) : أَيْ خَشْيَةٍ كَخَشْيَةِ اللَّهِ، وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ. (أَوْ أَشَدَّ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الْخَشْيَةِ، وَهُوَ مَجْرُورٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ الْكَافِ، وَالْقَوْلُ فِي قَوْلِهِ أَشَدَّ خَشْيَةً؛ كَالْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) [الْبَقَرَةِ: ٢٠٠] وَقَدْ ذُكِرَ.
قَالَ تَعَالَى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) (٧٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَيْنَمَا) : هِيَ شَرْطٌ هَاهُنَا، وَمَا زَائِدَةٌ، وَيَكْثُرُ دُخُولُهَا عَلَى أَيْنَ الشَّرْطِيَّةِ لِتُقَوِّيَ مَعْنَاهَا فِي الشَّرْطِ. وَيَجُوزُ حَذْفُهَا. وَ «يُدْرِكْكُمُ» الْجَوَابُ. وَقَدْ قُرِئَ «يُدْرِكُكُمُ» بِالرَّفْعِ، وَهُوَ شَاذٌّ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ حُذِفَ الْفَاءُ. (وَلَوْ كُنْتُمْ) : بِمَعْنَى وَإِنْ كُنْتُمْ، وَقَدْ ذُكِرَ مِرَارًا. (قُلْ كُلٌّ) : مُبْتَدَأٌ وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: كُلُّ ذَلِكَ. وَ (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) : الْخَبَرُ. (لَا يَكَادُونَ) : حَالٌ. وَمِنَ الْقُرَّاءِ مَنْ يَقِفُ عَلَى اللَّامِ مِنْ قَوْلِهِ مَا لِهَؤُلَاءِ، وَلَيْسَ مَوْضِعَ وَقْفٍ، وَاللَّامُ فِي التَّحْقِيقِ مُتَّصِلَةٌ بِهَؤُلَاءِ، وَهِيَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ.
قَالَ تَعَالَى: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) (٧٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ) : «مَا» شَرْطِيَّةٌ، وَأَصَابَكَ بِمَعْنَى يُصِيبُكَ، وَالْجَوَابُ «فَمِنَ اللَّهِ»
стр. 376
وَلَا يَحْسُنُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُصِيبُ لَهُمْ مَاضِيًا مُخَصَّصًا، وَالْمَعْنَى عَلَى الْعُمُومِ، وَالشَّرْطُ أَشْبَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: فَهُوَ مِنَ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْخَصْبُ وَالْجَدْبُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ أُصِبْتَ. (رَسُولًا) : حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ أَيْ: ذَا رِسَالَةٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ أَيْ: إِرْسَالًا، وَلِلنَّاسِ يَتَعَلَّقُ بِأَرْسَلْنَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ رَسُولٍ.
قَالَ تَعَالَى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (٨٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَفِيظًا) : حَالٌ مِنَ الْكَافِ. وَعَلَيْهِمْ يَتَعَلَّقُ بِحَفِيظٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْهُ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) (٨١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (طَاعَةٌ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: أَمْرُنَا طَاعَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً؛ أَيْ: عِنْدِنَا أَوْ مِنَّا طَاعَةٌ. (بَيَّتَ) : الْأَصْلُ أَنْ تُفْتَحَ التَّاءُ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، وَلَمْ تَلْحَقْهُ تَاءُ التَّأْنِيثِ؛ لِأَنَّ الطَّائِفَةَ بِمَعْنَى النَّفَرِ، وَقَدْ قُرِئَ بِإِدْغَامِ التَّاءِ فِي الطَّاءِ عَلَى أَنَّهُ سَكَّنَ التَّاءَ لِتَمَكُّنِ إِدْغَامِهَا إِذْ كَانَتْ مِنْ مَخْرَجِ الطَّاءِ، وَالطَّاءُ أَقْوَى مِنْهَا لِاسْتِعْلَائِهَا وَإِطْبَاقِهَا وَجَهْرِهَا.
وَ (تَقُولُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ، وَأَنْ يَكُونَ لِلطَّائِفَةِ. (مَا يُبَيِّتُونَ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَمَوْصُولَةً، وَمَصْدَرِيَّةً.
стр. 377
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) (٨٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَذَاعُوا بِهِ) : الْأَلِفُ فِي أَذَاعُوا بَدَلٌ مِنْ يَاءٍ، يُقَالُ ذَاعَ الْأَمْرُ يَذِيعُ وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ؛ أَيْ: أَذَاعُوهُ. وَقِيلَ: حُمِلَ عَلَى مَعْنَى تَحَدَّثُوا بِهِ. (يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) : حَالٌ مِنَ الَّذِينَ أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَسْتَنْبِطُونَهُ.: (إِلَّا قَلِيلًا) : مُسْتَثْنَى مِنْ فَاعِلِ اتَّبَعْتُمْ، وَالْمَعْنَى لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، لَضَلَلْتُمْ بِاتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ، وَهُوَ مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ، أَوْ مَنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ. وَقِيلَ: هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ: أَذَاعُوا بِهِ؛ أَيْ: أَظْهَرُوا ذَلِكَ الْأَمْرَ أَوِ الْخَوْفَ إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ: (لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النِّسَاءِ: ٨٢] ؛ أَيْ: لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ التَّنَاقُضَ إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ، وَهُوَ مَنْ لَا يُمْعِنُ النَّظَرَ.
قَالَ تَعَالَى: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا) (٨٤) .
قَوْلُهُ
تَعَالَى
: (فَقَاتِلُوا
) : الْفَاءُ عَاطِفَةٌ لِهَذَا الْفِعْلِ عَلَى قَوْلِهِ: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [النِّسَاءِ: ٧٤] ، وَقِيلَ عَلَى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ) [النِّسَاءِ: ٧٥] وَقِيلَ: عَلَى قَوْلِهِ: (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ) [النِّسَاءِ: ٧٦] (لَا تُكَلَّفُ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ. (إِلَّا نَفْسَكَ) : الْمَفْعُولُ الثَّانِي. «بَأْسًا» وَ «تَنْكِيلًا» تَمْيِيزٌ.
стр. 378
قَالَ تَعَالَى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا) (٨٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُقِيتًا) : الْيَاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، وَهُوَ مُفْعِلٌ مِنَ الْقُوتِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (٨٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِتَحِيَّةٍ) : أَصْلُهَا تَحْيِيَةٌ، وَهِيَ تَفْعِلَةٌ مِنْ حَيَيْتُ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الْيَاءِ إِلَى الْحَاءِ ثُمَّ أُدْغِمَتْ. وَ (حَيُّوا) : أَصْلُهَا حَيَيُوا، ثُمَّ حُذِفَتِ الْيَاءُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي مَوَاضِعَ. (بِأَحْسَنَ) : أَيْ: بِتَحِيَّةٍ أَحْسَنَ. (أَوْ رُدُّوهَا) : أَيْ: رُدُّوا مِثْلَهَا، فَحُذِفَ الْمُضَافُ.
قَالَ تَعَالَى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) (٨٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) : قَدْ ذُكِرَ فِي آيَةِ الْكُرْسِيِّ. (لَيَجْمَعَنَّكُمْ) : جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا لَا مَوْضِعَ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا آخَرَ لِلْمُبْتَدَأِ. (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) : قِيلَ: التَّقْدِيرُ: فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ: هِيَ عَلَى بَابِهَا؛ أَيْ: لَيَجْمَعَنَّكُمْ فِي الْقُبُورِ، أَوْ مِنَ الْقُبُورِ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا؛ أَيْ: يَجْمَعَنَّكُمْ مُفْضِينَ إِلَى حِسَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. (لَا رَيْبَ فِيهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْهَاءُ تَعُودُ عَلَى الْيَوْمِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: جَمْعًا لَا رَيْبَ فِيهِ، وَالْهَاءُ تَعُودُ عَلَى الْجَمْعِ، وَ (حَدِيثًا) : تَمْيِيزٌ.
стр. 379
قَالَ تَعَالَى: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) (٨٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَا لَكُمْ) : مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرٌ. وَ (فِئَتَيْنِ) : حَالٌ، وَالْعَامِلُ فِيهَا الظَّرْفُ الَّذِي هُوَ لَكُمْ، أَوِ الْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ، وَفِي الْمُنَافِقِينَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَعْنَى فِئَتَيْنِ، وَالْمَعْنَى: وَمَا لَكُمْ تَفْتَرِقُونَ فِي أُمُورِ الْمُنَافِقِينَ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ فِئَتَيْنِ؛ أَيْ: فِئَتَيْنِ مُفْتَرِقَتَيْنِ فِي الْمُنَافِقِينَ فَلَمَّا قَدَّمَهُ نَصَبَهُ عَلَى الْحَالِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (٨٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمَا كَفَرُوا) : الْكَافُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ. (فَتَكُونُونَ) : عَطْفٌ عَلَى تَكْفُرُونَ. وَ (سَوَاءً) : بِمَعْنَى مُسْتَوِينَ؛ وَهُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ اسْمِ الْفَاعِلِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) (٩٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبِ اسْتِثْنَاءٍ مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ فِي فَاقْتُلُوهُمْ. (بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) : يَجُوزُ أَنْ تَرْفَعَ «مِيثَاقٌ» بِالظَّرْفِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ صِفَةً، وَأَنْ تَرْفَعَهُ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ. (حَصِرَتْ) : فِيهِ وَجْهَانِ:
стр. 380
أَحَدُهُمَا: لَا مَوْضِعَ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَهِيَ دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ بِضِيقِ صُدُورِهِمْ عَنِ الْقِتَالِ. وَالثَّانِي: لَهَا مَوْضِعٌ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ جَرٌّ صِفَةٌ لِقَوْمٍ، وَمَا بَيْنَهُمَا صِفَةٌ أَيْضًا، وَجَاءُوكُمْ مُعْتَرِضٌ، وَقَدْ قَرَأَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: «بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ» بِحَذْفِ: أَوْ جَاءُوكُمْ. وَالثَّانِي: مَوْضِعُهَا نَصْبٌ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مَوْضِعُهَا حَالٌ، وَقَدْ مُرَادَةٌ تَقْدِيرُهُ: أَوْ جَاءُوكُمْ قَدْ حَصِرَتْ؛ وَالثَّانِي: هُوَ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ؛ أَيْ: جَاءُوكُمْ قَوْمًا حَصِرَتْ، وَالْمَحْذُوفُ حَالٌ مُوطِئَةٌ، وَيُقْرَأُ: (حَصِرَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ، وَبِالْجَرِّ صِفَةً لِقَوْمٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قُرِئَ حَصِرَةٌ بِالرَّفْعِ، فَعَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ، وَصُدُورُهُمْ مُبْتَدَأٌ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ. (أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ) : أَيْ عَنْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَوْ جَرٍّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْخِلَافِ. (لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) : لَكُمْ يَتَعَلَّقُ بِجَعَلَ، وَعَلَيْهِمْ حَالٌ مِنَ السَّبِيلِ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: سَبِيلًا كَائِنًا عَلَيْهِمْ.
قَالَ تَعَالَى: (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا.) (٩١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُرْكِسُوا) : الْجُمْهُورُ عَلَى إِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ.
وَقُرِئَ: «رُكِّسُوا» وَالتَّشْدِيدُ لِلثقل وَالتَّكْثِيرِ مَعًا، وَفِيهَا لُغَةٌ أُخْرَى وَهِيَ رَكَسَهُ اللَّهُ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ وَلَا تَشْدِيدٍ وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا قَرَأَ بِهِ.
стр. 381
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (٩٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا) : أَنْ يَقْتُلَ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ اسْمِ كَانَ، وَلِمُؤْمِنٍ خَبَرُهُ. (إِلَّا خَطَأً) : اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، وَالْمَعْنَى: لَكِنْ إِنْ قَتَلَ خَطَأً فَحُكْمُهُ كَذَا. (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) : فَتَحْرِيرُ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا وَالْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَحْرِيرٌ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ مَنْ. وَقُرِئَ «خَطَأً» بِغَيْرِ هَمْزٍ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خَفَّفَ الْهَمْزَةَ فَقَلَبَهَا أَلِفًا فَصَارَ كَالْمَقْصُورِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَذَفَهَا حَذْفًا، فَبَقِيَ مِثْلَ دَامٍ، وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: قَتْلًا خَطَأً، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ: مُخْطِئًا، وَأَصْلُ دِيَةٍ وَدْيَةٌ مِثْلُ عِدَةٍ وَزِنَةٍ، وَهَذَا الْمَصْدَرُ اسْمٌ لِلْمُؤَدَّى بِهِ مِثْلُ الْهِبَةِ فِي مَعْنَى الْمَوْهُوبِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: (مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) : وَالْفِعْلُ لَا يُسَلَّمُ. (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) : قِيلَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، وَقِيلَ: هُوَ مُتَّصِلٌ وَالْمَعْنَى فَعَلَيْهِ دِيَةٌ فِي كُلِّ حَالٍ، إِلَّا فِي حَالِ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ بِهَا.
(فَإِنْ كَانَ) : أَيِ الْمَقْتُولُ، وَ «مِنْ قَوْمٍ» خَبَرُ كَانَ. وَ: «لَكُمْ» صِفَةُ عَدُوٍّ. وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ لِأَنَّ عَدُوًّا فِي مَعْنَى مُعَادٍ، وَفَعُولٌ يَعْمَلُ عَمَلَ فَاعِلٍ.
стр. 382
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ؛ أَيْ: فَعَلَى الْقَاتِلِ. (فَصِيَامُ) : أَيْ: فَعَلَيْهِ صِيَامُ، وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ النَّصْبُ، عَلَى تَقْدِيرِ فَلْيَصُمْ
شَهْرَيْنِ. (تَوْبَةً) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: شَرَعَ ذَلِكَ لَكُمْ تَوْبَةً مِنْهُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ صَوْمٌ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: لِوُقُوعِ تَوْبَةٍ، أَوْ لِحُصُولِ تَوْبَةٍ مِنَ اللَّهِ، وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: تَابَ عَلَيْكُمْ تَوْبَةً مِنْهُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ لِأَنَّكَ لَوْ قُلْتَ: فَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ تَائِبًا مِنَ اللَّهِ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ قَدَّرْتَ حَذْفَ مُضَافٍ جَازَ؛ أَيْ: صَاحِبُ تَوْبَةٍ مِنَ اللَّهِ. وَ (مِنَ اللَّهِ) : صِفَةُ «تَوْبَةً» ، وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ تَوْبَةٌ بِالرَّفْعِ؛ أَيْ: ذَلِكَ تَوْبَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (٩٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَقْتُلْ) : مَنْ مُبْتَدَأٌ، وَ «مُتَعَمِّدًا» حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْقَاتِلِ «فَجَزَاؤُهُ» مُبْتَدَأٌ، وَ «جَهَنَّمُ» خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ مَنْ، وَ (خَالِدًا) : حَالٌ مِنْ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يُجَازِهَا خَالِدًا فِيهَا، فَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ، وَإِنْ شِئْتَ مِنَ الْمَنْصُوبِ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: جَازَاهُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: «وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ» فَعَطَفَ عَلَيْهِ الْمَاضِيَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «خَالِدًا» حَالًا مَنَ الْمَنْصُوبِ لَا غَيْرَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْهَاءِ فِي «جَزَاؤُهُ» لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ صَاحِبِ الْحَالِ وَالْحَالِ بِخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (٩٤) .
стр. 383
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَتَبَيَّنُوا) : يُقْرَأُ بِالْبَاءِ وَالْيَاءِ وَالنُّونِ مِنَ التَّبْيِينِ، وَبِالثَّاءِ وَالْبَاءِ وَالتَّاءِ مِنَ التَّثَبُّتِ، وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى. (لِمَنْ أَلْقَى) : مَنْ بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَأَلْقَى بِمَعْنَى يُلْقِي؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ قَالَ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْهِ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا وَقَتَلَهُ. وَ (السَّلَامَ) : بِالْأَلِفِ التَّحِيَّةُ، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ اللَّامِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَبِإِسْكَانِهَا مَعَ كَسْرَةِ السِّينِ وَفَتْحِهَا، وَهُوَ الِاسْتِسْلَامُ وَالصُّلْحُ. (لَسْتَ مُؤْمِنًا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالْقَوْلِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى، وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ
مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِيمَانِ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ اسْمُ الْمَفْعُولِ مِنْ أَمِنْتُهُ.: (تَبْتَغُونَ) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي يَقُولُوا. (كَذَلِكَ) : الْكَافُ خَبَرُ كَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهَا وَعَلَى اسْمِهَا. (إِنَّ اللَّهَ كَانَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ إِنَّ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَقُرِئَ بِفَتْحِهَا، وَهُوَ مَعْمُولُ تَبَيَّنُوا.
قَالَ تَعَالَى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) (٩٥) .
стр. 384
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَصَاحِبِ الْحَالِ «الْقَاعِدُونَ» ، وَالْعَامِلُ «يَسْتَوِي» ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْقَاعِدِينَ، فَيَكُونُ الْعَامِلُ فِيهِ الْقَاعِدُونَ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ بِمَعْنَى الَّذِي. (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ «الْقَاعِدُونَ» ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ قَصْدَ قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ. وَقِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْقَاعِدِينَ، وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْقَاعِدِينَ، أَوْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ حَالًا، وَبِالْجَرِّ عَلَى الصِّفَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ. (وَالْمُجَاهِدُونَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الْقَاعِدِينَ. (بِأَمْوَالِهِمْ) : يَتَعَلَّقُ بِالْمُجَاهِدِينَ. (دَرَجَةً) : قِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ فِي مَعْنَى تَفْضِيلًا. وَقِيلَ: حَالٌ؛ أَيْ: ذَوِي دَرَجَةٍ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْجَارِّ؛ أَيْ: بِدَرَجَةٍ. وَقِيلَ: هُوَ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الظَّرْفِ؛ أَيْ: فِي دَرَجَةٍ وَمَنْزِلَةٍ.
(وَكُلًّا) : الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ لِـ «وَعَدَ» وَ «الْحُسْنَى» هُوَ الثَّانِي وَقُرِئَ: وَكُلٌّ؛ أَيْ: وَكُلُّهُمْ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: وَعَدَهُ اللَّهُ: «أَجْرًا» . قِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى فَضَّلَهُمْ أَجَرَهُمْ.
стр. 385
وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ؛ لِأَنَّ فَضَّلَهُمْ أَعْطَاهُمْ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: بِأَجْرٍ.
قَالَ تَعَالَى: (دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (٩٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (دَرَجَاتٍ) : قِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنْ أَجْرًا. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ذَوِي دَرَجَاتٍ. وَقِيلَ: فِي دَرَجَاتٍ. (وَمَغْفِرَةً) : قِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ؛ أَيْ: وَغَفَرَ لَهُمْ مَغْفِرَةً. وَ (رَحْمَةً) : مِثْلُهُ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (٩٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَوَفَّاهُمُ) : الْأَصْلُ تَتَوَفَّاهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا، وَيُقْرَأُ بِالْإِمَالَةِ.
(ظَالِمِي) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي تَتَوَفَّاهُمْ، وَالْإِضَافَةُ غَيْرُ مَحْضَةٍ؛ أَيْ: ظَالِمِينَ أَنْفُسَهُمْ. (قَالُوا) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ حَالٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَ «قَدْ» مَعَهُ مُقَدَّرَةٌ، وَخَبَرُ إِنَّ «فَأُولَئِكَ» ، وَدَخَلَتِ الْفَاءُ لِمَا فِي الَّذِي مِنَ الْإِبْهَامِ الْمُشَابِهِ لِلشَّرْطِ، وَإِنَّ لَا تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُغَيِّرُ مَعْنَى الِابْتِدَاءِ. وَالثَّانِي: أَنَّ قَالُوا خَبَرَ إِنَّ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: قَالُوا لَهُمْ. (فِيمَ كُنْتُمْ) : حُذِفَتِ الْأَلِفُ مِنْ «مَا» فِي الِاسْتِفْهَامِ مَعَ حَرْفِ الْجَرِّ لِمَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ) [الْبَقَرَةِ: ٩١] وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرُ كُنْتُمْ. وَ (فِي الْأَرْضِ) : يَتَعَلَّقُ بِمُسْتَضْعَفِينَ. (
стр. 386
أَلَمْ تَكُنْ) : اسْتِفْهَامٌ، بِمَعْنَى التَّوْبِيخِ. (فَتُهَاجِرُوا) : مَنْصُوبٌ عَلَى جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ صَارَ إِثْبَاتًا بِالِاسْتِفْهَامِ. (وَسَاءَتْ) : فِي حُكْمِ بِئْسَتْ.
قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) (٩٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ) : اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ: «تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ» ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ الضَّمِيرُ مِنْ مَأْوَاهُمْ، وَهَؤُلَاءِ عُصَاةٌ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الْهِجْرَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَإِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ هُمُ الْعَاجِزُونَ، فَمِنْ هُنَا كَانَ مُنْقَطِعًا. وَ (مِنَ الرِّجَالِ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْمُسْتَضْعَفِينَ، أَوْ مِنْ نَفْسِ الْمُسْتَضْعَفِينَ. (لَا يَسْتَطِيعُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مُبَيِّنَةً عَنْ مَعْنَى الِاسْتِضْعَافِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (١٠٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُهَاجِرًا) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَخْرُجُ. (ثُمَّ يُدْرِكْهُ) : مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلَى يَخْرُجُ، وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ؛ أَيْ: ثُمَّ هُوَ يُدْرِكُهُ. وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلَى إِضْمَارِ أَنْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْطِفْهُ عَلَى الشَّرْطِ لَفْظًا، فَعَطَفَهُ عَلَيْهِ مَعْنًى كَمَا جَاءَ فِي الْوَاوِ وَالْفَاءِ.
стр. 387
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) (١٠١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَقْصُرُوا) : أَيْ: فِي أَنْ تَقْصُرُوا، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظَائِرُهُ. وَ (مِنْ) : زَائِدَةٌ
عِنْدَ الْأَخْفَشِ، وَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ هِيَ صِفَةُ الْمَحْذُوفِ؛ أَيْ: شُئِيَا مِنَ الصَّلَاةِ. (عَدُوًّا) : فِي مَوْضِعِ أَعْدَاءٍ. وَقِيلَ: عَدُوٌّ مَصْدَرٌ عَلَى فَعُولٍ مِثْلُ الْقَبُولِ وَالْوَلُوعِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ. وَ (لَكُمْ) : حَالٌ مِنْ عَدُوٍّ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بَكَانِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) (١٠٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَمْ يُصَلُّوا) : فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لِطَائِفَةٌ، وَجَاءَ الضَّمِيرُ عَلَى مَعْنَى الطَّائِفَةِ، وَلَوْ قَالَ: لَمْ تُصَلِّ لَكَانَ عَلَى لَفْظِهَا. وَ (لَوْ تَغْفُلُونَ) : بِمَعْنَى أَنْ تَغْفُلُوا. وَ (أَنْ تَضَعُوا) : أَيْ: فِي أَنْ تَضَعُوا.
قَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) (١٠٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) : أَحْوَالٌ كُلُّهَا.
(اطْمَأْنَنْتُمْ) : الْهَمْزَةُ أَصْلٌ، وَوَزْنُ الْكَلِمَةِ افْعَلَلَّ، وَالْمَصْدَرُ الطُّمَأْنِينَةُ عَلَى فُعَلِّيلَةٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: طَامَنَ رَأْسَهُ فَأَصْلٌ آخَرُ. وَ (مَوْقُوتًا) : مَفْعُولٌ مِنْ وَقَتَ بِالتَّخْفِيفِ.
стр. 388
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (١٠٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ إِنَّ وَهِيَ شَرْطٌ. وَقُرِئَ: «أَنْ تَكُونُوا» بِفَتْحِهَا؛ أَيْ: لِأَنْ تَكُونُوا. وَيُقْرَأُ: «تِيلَمُونَ» بِكَسْرِ التَّاءِ وَقَلْبِ الْهَمْزَةِ يَاءً، وَهِيَ لُغَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) (١٠٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالْحَقِّ) : هُوَ حَالٌ مِنَ الْكِتَابِ، وَقَدْ مَرَّ نَظَائِرُهُ. (أَرَاكَ) : الْهَمْزَةُ هَاهُنَا مُعَدِّيَّةٌ، وَالْفِعْلُ مِنْ رَأَيْتَ الشَّيْءَ إِذَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، وَهُوَ مِنَ الرَّأْيِ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَبَعْدَ الْهَمْزَةِ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْكَافُ وَالْآخَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: أَرَاكَهُ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى عَلَّمَكَ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ أَيْضًا، وَهُوَ قَبْلَ التَّشْدِيدِ مُتَعَدٍّ إِلَى وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ: «لَا تَعْلَمُونَهُمْ» . (خَصِيمًا) : بِمَعْنَى مُخَاصِمٍ، وَاللَّامُ عَلَى بَابِهَا؛ أَيْ: لِأَجْلِ الْخَائِنِينَ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى عَنْ.
قَالَ تَعَالَى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) (١٠٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَسْتَخْفُونَ) : بِمَعْنَى يَطْلُبُونَ الْخَفَاءَ، وَهُوَ مُسْتَأْنَفٌ لَا مَوْضِعَ لَهُ. (إِذْ يُبَيِّتُونَ) : ظَرْفٌ لِلْعَامِلِ فِي مَعَهُمْ.
стр. 389
قَالَ تَعَالَى: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) (١٠٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ) : قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) [الْبَقَرَةِ: ٨٥] . (أَمْ مَنْ) : هُنَا مُنْقَطِعَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) (١١٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) ، أَوْ لِتَفْصِيلِ مَا أُبْهِمَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَثَلَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (١١٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا) : الْهَاءُ تَعُودُ عَلَى الْإِثْمِ، وَفِي عَوْدِهَا عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَطِيئَةَ فِي حُكْمِ الْإِثْمِ. وَقِيلَ: تَعُودُ عَلَى أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأَوْ، وَقِيلَ: تَعُودُ عَلَى الْكَسْبِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «وَمَنْ يَكْسِبُ» . وَقِيلَ: تَعُودُ عَلَى الْمَكْسُوبِ، وَالْفِعْلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (١١٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ) : فِي جَوَابِ (لَوْلَا) : وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: «لَهَمَّتْ» وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ قَدْ وُجِدَ مِنَ الطَّائِفَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا هَمٌّ بِإِضْلَالِهِ.
стр. 390
وَالثَّانِي: أَنَّ الْجَوَابَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَأَضَلُّوكَ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ لَهَمَّتْ؛ أَيْ: لَقَدْ هَمَّتْ تِلْكَ؛ وَمِثْلُ حَذْفِ الْجَوَابِ هُنَا حَذْفُهُ فِي قَوْلِهِ: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ) [النُّورِ: ١٠] . (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ) : «مِنْ» زَائِدَةٌ، وَ «شَيْءٍ» فِي مَعْنَى ضَرَرٍ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ.
قَالَ تَعَالَى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (١١٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ نَجْوَاهُمْ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِكَثِيرٍ.
وَفِي النَّجْوَى وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ التَّنَاجِي، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا مَنْ أَمَرَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأَنَّ مَنْ لِلْأَشْخَاصِ، وَلَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ التَّنَاجِي. وَالثَّانِي: أَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفَ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: إِلَّا نَجْوَى مَنْ أَمَرَ؛ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنْ نَجْوَاهُمْ، وَأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى أَصْلِ بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَيَكُونُ مُتَّصِلًا. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنَّ النَّجْوَى الْقَوْمُ الَّذِينَ يَتَنَاجَوْنَ،؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: (وَإِذْ هُمْ نَجْوَى) [الْإِسْرَاءِ: ٤٧] فَعَلَى هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ، فَيَكُونُ أَيْضًا فِي مَوْضِعِ جَرٍّ أَوْ نَصْبٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(بَيْنَ النَّاسِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِإِصْلَاحٍ، وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً لَهُ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ.
وَ (ابْتِغَاءَ) : مَفْعُولٌ لَهُ، وَأَلِفُ «مَرْضَاةِ» مِنْ وَاوٍ. (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ) : بِالنُّونِ وَالْيَاءِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
следующие страницы →