Полный текст (1 313 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَالْكَافُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلَى الْكَافِ فِي قَوْلِهِ: (كَمَثَلِ الَّذِي) .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أَوْ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ صَيِّبٍ.
وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرِهِ: أَوْ كَأَصْحَابِ صَيِّبٍ وَإِلَى هَذَا الْمَحْذُوفِ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ مِنْ قَوْلِهِ: يَجْعَلُونَ. وَالْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ تَشْبِيهَ الْمُنَافِقِينَ بِقَوْمٍ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِيهِ ظُلْمَةٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ لَا بِنَفْسِ الْمَطَرِ، وَأَصْلُ ((صَيِّبٍ)) صَيْوِبٌ عَلَى فَيْعِلٍ ; فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً، وَأُدْغِمَتِ الْأُولَى فِيهَا، وَمِثْلُهُ: مَيِّتٌ وَهَيِّنٌ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: أَصْلُهُ صَوِيبٌ عَلَى فَعِيلٍ وَهُوَ خَطَأٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَصَحَّتِ الْوَاوُ كَمَا صِحَّتْ فِي طَوِيلٍ وَعَوِيلٍ.
(مِنَ السَّمَاءِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. وَ (مِنْ) : مُتَعَلِّقَةٌ بِصَيِّبٍ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: كَمَطَرٍ صَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ، وَهَذَا الْوَصْفُ يَعْمَلُ عَمَلَ الْفِعْلِ، وَمِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى الصِّفَةِ لِصَيِّبٍ ; فَيَتَعَلَّقُ مِنْ بِمَحْذُوفٍ أَيْ كَصَيِّبٍ كَائِنٍ مِنَ السَّمَاءِ.
وَالْهَمْزَةُ فِي السَّمَاءِ بَدَلٌ مِنْ وَاوٍ قُلِبَتْ هَمْزَةً لِوُقُوعِهَا طَرَفًا بَعْدَ أَلِفٍ زَائِدَةٍ وَنَظَائِرُهُ تُقَاسُ عَلَيْهِ. (فِيهِ ظُلُمَاتٌ) : الْهَاءُ تَعُودُ عَلَى صَيِّبٍ، وَظُلُمَاتٌ رُفِعَ بِالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ ;
لِأَنَّهُ قَدْ قَوِيَ بِكَوْنِهِ صِفَةً لِصَيِّبٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظُلُمَاتٌ مُبْتَدَأٌ وَفِيهِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَفِيهِ عَلَى هَذَا ضَمِيرٌ وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِصَيِّبٍ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ اللَّامِ وَقَدْ قُرِئَ بِإِسْكَانِهَا تَخْفِيفًا، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى بِفَتْحِ اللَّامِ.
стр. 37
وَالرَّعْدُ: مَصْدَرُ رَعِدَ يَرْعَدُ، وَالْبَرْقُ مَصْدَرٌ أَيْضًا وَهُمَا عَلَى ذَلِكَ مُوَحَّدَتَانِ هُنَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّعْدُ وَالْبَرْقُ بِمَعْنَى الرَّاعِدِ وَالْبَارِقِ، كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ عَدْلٌ وَصَوْمٌ.
(يَجْعَلُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةً لِأَصْحَابِ صَيِّبٍ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْهَاءِ فِي فِيهِ، وَالرَّاجِعُ عَلَى الْهَاءِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مِنْ صَوَاعِقِهِ ; وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّ حَذْفَ الرَّاجِعِ عَلَى ذِي الْحَالِ كَحَذْفِهَا مِنْ خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ، وَسِيبَوَيْهِ يَعُدُّهُ مِنَ الشُّذُوذِ. (مِنَ الصَّوَاعِقِ) : أَيْ مِنْ صَوْتِ الصَّوَاعِقِ.
(حَذَرَ الْمَوْتِ) : مَفْعُولٌ لَهُ. وَقِيلَ مَصْدَرٌ أَيْ حَذَرًا مِثْلَ حَذَرِ الْمَوْتِ.
وَالْمَصَدَرُ هُنَا مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ بِهِ.
(مُحِيطٌ) : أَصْلُهُ مُحْوِطٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ حَاطَ يَحُوطُ، فَنُقِلَتْ كَسْرَةُ الْوَاوِ إِلَى الْحَاءِ فَانْقَلَبَتْ يَاءً.
قَالَ تَعَالَى: (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَكَادُ) : فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى مُقَارَبَةِ وُقُوعِ الْفِعْلِ بَعْدَهَا ; وَلِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهِ أَنْ ; لِأَنَّ أَنْ تُخَلِّصُ الْفِعْلَ لِلِاسْتِقْبَالِ، وَعَيْنُهَا وَاوٌ، وَالْأَصْلُ يَكْوَدُ، مِثْلُ خَافَ يَخَافُ، وَقَدْ سُمِعَ فِيهِ كُدْتُ، بِضَمِّ الْكَافِ، وَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا حَرْفُ نَفْيٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي بَعْدَهَا وَقَعَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَرْفَ نَفْيٍ لَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ بَعْدَهَا وَاقِعًا وَلَكِنَّهُ قَارَبَ الْوُقُوعَ.
وَمَوْضِعُ (يَخْطَفُ) نَصْبٌ لِأَنَّهُ خَبَرُ كَادَ، وَالْمَعْنَى قَارَبَ الْبَرْقُ خَطْفَ الْأَبْصَارِ.
стр. 38
وَالْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الْيَاءِ وَالطَّاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ، وَمَاضِيهِ خَطِفَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ) [الصَّافَّاتِ: ١٠] وَفِيهِ قِرَاءَاتٌ شَاذَّةٌ: إِحْدَاهَا: كَسْرُ الطَّاءِ عَلَى أَنَّ مَاضِيَهُ خَطَفَ بِفَتْحِ الطَّاءِ. وَالثَّانِيَةُ: بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْخَاءِ وَالطَّاءِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ، وَالْأَصْلُ:
يَخْتَطِفُ، فَأُبْدِلَ مِنَ التَّاءِ طَاءٌ، وَحُرِّكَتْ بِحَرَكَةِ التَّاءِ، وَالثَّالِثَةُ: كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهَا بِكَسْرِ الطَّاءِ عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ فِي الْأَقَلِّ. وَالرَّابِعَةُ: كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهَا بِكَسْرِ الْخَاءِ أَيْضًا عَلَى الْإِتْبَاعِ.
وَالْخَامِسَةُ: بِكَسْرِ الْيَاءِ أَيْضًا إِتْبَاعًا أَيْضًا. وَالسَّادِسَةُ: بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ. (كُلَّمَا) : هِيَ هُنَا ظَرْفٌ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَوْضِعٍ كَانَ لَهَا جَوَابٌ.
وَ ((مَا)) مَصْدَرِيَّةٌ ; وَالزَّمَانُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ كُلُّ وَقْتِ إِضَاءَةٍ.
وَقِيلَ ((مَا)) هُنَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَمَعْنَاهَا الْوَقْتُ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ كُلَّ وَقْتٍ أَضَاءَ لَهُمْ فِيهِ، وَالْعَامِلُ فِي كُلٍّ جَوَابُهَا. وَ (فِيهِ) : أَيْ فِي ضَوْئِهِ. وَالْمَعْنَى بِضَوْئِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا عَلَى أَصْلِهَا.
وَالْمَعْنَى: إِنَّهُمْ يُحِيطُ بِهِمُ الضَّوْءُ.
(شَاءَ) : أَلِفُهَا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ ; لِقَوْلِهِمْ فِي مَصْدَرِهِ: شِئْتُ شَيْئًا، وَقَالُوا شَيَّأْتُهُ ; أَيْ حَمَلْتُهُ عَلَى أَنْ يَشَاءَ. (لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ) : أَيْ أَعْدَمَ الْمَعْنَى الَّذِي يَسْمَعُونَ بِهِ. (وَعَلَى كُلِّ) : مُتَعَلِّقٌ بِـ: ((قَدِيرٌ)) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)) .
стр. 39
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) : أَيُّ اسْمٌ مُبْهَمٌ لِوُقُوعِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ أُتِيَ بِهِ فِي النِّدَاءِ تَوَصُّلًا إِلَى نِدَاءِ مَا فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ إِذَا كَانَتْ ((يَا)) لَا تُبَاشِرُ الْأَلِفَ وَاللَّامَ، وَبُنِيَتْ لِأَنَّهَا اسْمٌ مُفْرَدٌ مَقْصُودٌ، وَهَا مُقْحَمَةٌ لِلتَّنْبِيهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ تُبَاشِرَ ((يَا)) النَّاسَ، فَلَمَّا حِيلَ بَيْنَهُمَا بِأَيٍّ، عُوِّضَ مِنْ ذَلِكَ ((هَا)) ، وَالنَّاسُ وَصْفٌ لِأَيٍّ لَا بُدَّ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ الْمُنَادَى فِي الْمَعْنَى، وَمِنْ هَاهُنَا رُفِعَ ; وَرَفْعُهُ أَنْ يُجْعَلَ بَدَلًا مِنْ ضَمَّةِ الْبِنَاءِ، وَأَجَازَ الْمَازِنِيُّ نَصْبَهُ كَمَا يُجِيزُ يَا زَيْدُ الظَّرِيفَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ لُزُومِ ذِكْرِهِ، وَالصِّفَةُ لَا يَلْزَمُ ذِكْرُهَا. (مِنْ قَبْلِكُمْ) : مِنْ هُنَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فِي الزَّمَانِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَالَّذِينَ خَلَقَهُمْ مِنْ قَبْلِ خَلْقِكُمْ ;
فَحَذَفَ الْخَلْقَ، وَأَقَامَ الضَّمِيرَ مَقَامَهُ. (لَعَلَّكُمْ) : مُتَعَلِّقٌ فِي الْمَعْنَى بِـ (اعْبُدُوا) ; أَيِ اعْبُدُوا لِيَصِحَّ مِنْكُمْ رَجَاءُ التَّقْوَى ; وَالْأَصْلُ تَوْتَقِيُونَ ; فَأُبْدِلَ مِنَ الْوَاوِ تَاءٌ، وَأُدْغِمَتْ فِي التَّاءِ الْأُخْرَى، وَسَكَنَتِ الْيَاءُ، ثُمَّ حُذِفَتْ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظَائِرُهُ فَوَزْنُهُ الْآنَ تَفْتَعُونَ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِي جَعَلَ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَتَّقُونَ) ، أَوْ بَدَلٍ مِنْ رَبِّكُمْ، أَوْ صِفَةٍ مُكَرَّرَةٍ، أَوْ بِإِضْمَارِ أَعْنِي.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى إِضْمَارِ هُوَ الَّذِي، وَجَعَلَ هُنَا مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْأَرْضُ. (فِرَاشًا) حَالٌ، وَمِثْلُهُ: (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) .
стр. 40
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ بِمَعْنَى صَيَّرَ، فَيَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَهُمَا الْأَرْضُ وَفِرَاشًا، وَمِثْلُهُ: وَالسَّمَاءَ بَنَاهَا. (وَلَكُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (جَعَلَ) ; أَيْ لِأَجْلِكُمْ. (مِنَ السَّمَاءِ) : مُتَعَلِّقٌ بِأَنْزَلَ، وَهِيَ لِابْتِدَاءِ غَايَةِ الْمَكَانِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا. وَالتَّقْدِيرُ: مَاءً كَائِنًا مِنَ السَّمَاءِ ; فَلَمَّا قُدِّمَ الْجَارُّ صَارَ حَالًا، وَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ، وَالْأَصْلُ فِي مَاءٍ مَوَهَ ; لِقَوْلِهِمْ: مَاهَتِ الرَّكِيَّةُ تَمُوهُ، وَفِي الْجَمْعِ أَمْوَاهٌ، فَلَمَّا تَحَرَّكَتِ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا قُلِبَتْ أَلِفًا، ثُمَّ أَبْدَلُوا مِنَ الْهَاءِ هَمْزَةً وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ.
(مِنَ الثَّمَرَاتِ) : مُتَعَلِّقٌ بِأَخْرَجَ، فَيَكُونُ ((مِنْ)) لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، تَقْدِيرُهُ: رِزْقًا كَائِنًا مِنَ الثَّمَرَاتِ.
وَ (لَكُمُ) : أَيْ مِنْ أَجْلِكُمْ. وَالرِّزْقُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَرْزُوقِ، وَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ.
(فَلَا تَجْعَلُوا) : أَيْ لَا تُصَيِّرُوا، أَوْ لَا تُسَمُّوا، فَيَكُونُ مُتَعَدِّيًا إِلَى مَفْعُولَيْنِ.
وَالْأَنْدَادُ: جَمْعُ نِدٍّ وَنَدِيدٍ. (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَمَفْعُولُ تَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ ; أَيْ تَعْلَمُونَ بُطْلَانَ ذَلِكَ.
وَالِاسْمُ مِنْ أَنْتُمْ ((أَنْ)) ، وَالتَّاءُ لِلْخِطَابِ، وَالْمِيمُ لِلْجَمْعِ، وَهُمَا حَرْفَا مَعْنًى.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ كُنْتُمْ) : جَوَابُ الشَّرْطِ ((فَأْتُوا بِسُورَةٍ)) . وَ ((إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) شَرْطٌ أَيْضًا جَوَابُهُ مَحْذُوفٌ أَغْنَى عَنْهُ جَوَابُ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ ; أَيْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَافْعَلُوا ذَلِكَ. وَلَا تَدْخُلُ إِنِ الشَّرْطِيَّةُ عَلَى فِعْلٍ مَاضٍ فِي الْمَعْنَى ; إِلَّا عَلَى كَانَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا، وَأَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى حَدَثٍ. (
стр. 41
مِمَّا نَزَّلْنَا) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِرَيْبٍ ; أَيْ رَيْبٍ كَائِنٍ مِمَّا نَزَّلْنَا.
وَالْعَائِدُ عَلَى ((مَا)) مَحْذُوفٌ أَيْ نَزَّلْنَاهُ، وَ ((مَا)) بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ ((مِنْ)) بِرَيْبٍ ; أَيْ إِنِ ارْتَبْتُمْ مِنْ أَجْلِ مَا نَزَّلْنَا.
(فَأْتُوا) : أَصْلُهُ: ائْتِيُوا، وَمَاضِيهُ أَتَى، فَفَاءُ الْكَلِمَةِ هَمْزَةٌ ; فَإِذَا أَمَرْتَ زِدْتَ عَلَيْهَا هَمْزَةَ الْوَصْلِ مَكْسُورَةً، فَاجْتَمَعَتْ هَمْزَتَانِ وَالثَّانِيَةُ سَاكِنَةٌ، فَأُبْدِلَتِ الثَّانِيَةُ يَاءً لِئَلَّا يُجْمَعَ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ، وَكَانَتِ الْيَاءُ الْأُولَى لِلْكَسْرَةِ قَبْلَهَا، فَإِذَا اتَّصَلَ بِهَا شَيْءٌ حُذِفَتْ هَمْزَةُ الْوَصْلِ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا، ثُمَّ هَمْزَةُ الْيَاءِ لِأَنَّكَ أَعَدْتَهَا إِلَى أَصْلِهَا لِزَوَالِ الْمُوجِبِ لِقَلْبِهَا.
وَيَجُوزُ قَلْبُ هَذِهِ الْهَمْزَةِ أَلِفًا إِذَا انْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا مِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ، وَيَاءً إِذَا انْكَسَرَ مَا قَبْلَهَا ; كَقَوْلِهِ: الَّذِي إِيتَمَنَ، فَتُصَيِّرُهَا يَاءً فِي اللَّفْظِ، وَوَاوًا إِذَا انْضَمَّ مَا قَبْلَهَا ; كَقَوْلِهِ: يَا صَالِحُ أُوتِنَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: ذَنْ لِي. (مِنْ مِثْلِهِ) : الْهَاءُ تَعُودَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَكُونُ مِنْ لِلِابْتِدَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَعُودَ عَلَى الْقُرْآنِ فَتَكُونُ مِنْ زَائِدَةً، وَيَجُوزُ أَنْ تَعُودَ عَلَى الْأَنْدَادِ بِلَفْظِ الْمُفْرَدِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) [النَّحْلِ: ٦٦] .
(وَادْعُوا) : لَامُ الْكَلِمَةِ مَحْذُوفٌ ; لِأَنَّهُ حُذِفَ فِي الْوَاحِدِ دَلِيلًا عَلَى السُّكُونِ الَّذِي هُوَ جَزْمٌ فِي الْمُعْرَبِ، وَهَذِهِ الْوَاوُ ضَمِيرُ الْجَمَاعَةِ.
(مِنْ دُونِ اللَّهِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الشُّهَدَاءِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: شُهَدَاءَكُمْ مُنْفَرِدِينَ عَنِ اللَّهِ، أَوْ عَنْ أَنْصَارِ اللَّهِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) : الْجَزْمُ بِلَمْ لَا بِإِنْ لِأَنَّ ((لَمْ)) عَامِلٌ شَدِيدُ الِاتِّصَالِ بِمَعْمُولِهِ، وَلَمْ يَقَعْ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ فِي اللَّفْظِ، وَإِنْ قَدْ دَخَلَتْ عَلَى الْمَاضِي فِي اللَّفْظِ، وَقَدْ وَلِيَهَا الِاسْمُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [التَّوْبَةِ: ٦] .
стр. 42
(وَقُودُهَا النَّاسُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الْوَاوِ وَهُوَ الْحَطَبُ، وَقُرِئَ بِالضَّمِّ، وَهُوَ لُغَةٌ فِي الْحَطَبِ ; وَالْجَيِّدُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنَى التَّوَقُّدِ وَيَكُونَ فِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: تَوَقُّدُهَا احْتِرَاقُ النَّاسِ، أَوْ تَلَهُّبُ النَّاسِ، أَوْ ذُو وَقُودُهَا النَّاسُ.
(أُعِدَّتْ) : جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ النَّارِ ; وَالْعَامِلُ فِيهَا فَاتَّقُوا.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «وَقُودُهَا» لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا أَنَّهَا مُضَافٌ إِلَيْهَا. وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَطَبَ لَا يَعْمَلُ فِي الْحَالِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّكَ تَفْصِلُ بَيْنَ الْمَصْدَرِ أَوْ مَا عَمِلَ عَمَلَهُ وَبَيْنَ مَا يَعْمَلُ فِيهِ بِالْخَبَرِ، وَهُوَ النَّاسُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ) : فُتِحَتْ (أَنَّ) هَاهُنَا ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِأَنَّ لَهُمْ، وَمَوْضِعُ أَنَّ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ نَصْبٌ بِبَشِّرْ ; لِأَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ إِذَا حُذِفَ وَصَلَ الْفِعْلُ بِنَفْسِهِ. هَذَا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.
وَأَجَازَ الْخَلِيلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِالْبَاءِ الْمَحْذُوفَةِ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ تُزَادُ فِيهِ فَكَأَنَّهَا مَلْفُوظٌ بِهَا، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِ أَنَّ، لَوْ قُلْتَ بَشِّرْهُ بِأَنَّهُ مُخَلَّدٌ فِي الْجَنَّةِ جَازَ حَذْفُ الْبَاءِ ; لِطُولِ الْكَلَامِ، وَلَوْ قُلْتَ بَشِّرْهُ الْخُلُودَ لَمْ يَجُزْ ; وَهَذَا أَصْلٌ يَتَكَرَّرُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا ; فَتَأَمَّلْهُ وَاطْلُبْهُ هَاهُنَا. (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِلْجَنَّاتِ، وَالْأَنْهَارُ مَرْفُوعَةٌ بِـ (تَجْرِي) لَا بِالِابْتِدَاءِ، وَمِنْ تَحْتِهَا الْخَبَرُ، وَلَا بِتَحْتِهَا ; لِأَنَّ تَجْرِي لَا ضَمِيرَ فِيهِ ; إِذْ كَانَتِ الْجَنَّاتُ لَا تَجْرِي، وَإِنَّمَا تَجْرِي أَنْهَارُهَا، وَالتَّقْدِيرُ مِنْ تَحْتِ شَجَرِهَا، لَا مِنْ تَحْتِ أَرْضِهَا، فَحُذِفَ الْمُضَافُ.
стр. 43
وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الشَّجَرُ، فَلَا يَكُونُ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ لَكَانَ وَجْهًا.
(كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا. . .) : إِلَى قَوْلِهِ (مِنْ قَبْلُ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، تَقْدِيرُهُ: مَرْزُوقِينَ عَلَى الدَّوَامِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْجَنَّاتِ ; لِأَنَّهَا قَدْ وُصِفَتْ وَفِي الْجُمْلَةِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إِلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: مِنْهَا (رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ) : أَيْ رُزِقْنَا، فَحُذِفَ الْعَائِدُ. وَبُنِيَتْ قَبْلُ لِقَطْعِهَا عَنِ الْإِضَافَةِ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ مِنْ قَبْلِ هَذَا.
(وَأُتُوا بِهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، وَقَدْ مَعَهُ مُرَادَةٌ تَقْدِيرُهُ قَالُوا ذَلِكَ وَقَدْ أَتَوْا بِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. وَ (مُتَشَابِهًا) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ فِي بِهِ. (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ) : أَزْوَاجٌ مُبْتَدَأٌ، وَلَهُمُ الْخَبَرُ وَفِيهَا ظَرْفٌ لِلِاسْتِقْرَارِ، وَلَا يَكُونُ فِيهَا الْخَبَرُ ; لِأَنَّ الْفَائِدَةَ تَقِلُّ إِذِ الْفَائِدَةُ فِي جَعْلِ الْأَزْوَاجِ لَهُمْ، وَ (فِيهَا الثَّانِيَةُ تَتَعَلَّقُ بِـ «خَالِدُونَ» . وَهَاتَانِ الْجُمْلَتَانِ مُسْتَأْنَفَتَانِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ حَالًا مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي لَهُمْ، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَسْتَحْيِي) : وَزْنُهُ يَسْتَفْعِلُ، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنْهُ فِعْلٌ بِغَيْرِ السِّينِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الِاسْتِدْعَاءُ، وَعَيْنُهُ وَلَامُهُ يَاءَانِ، وَأَصْلُهُ الْحَيَاءُ، وَهَمْزَةُ الْحَيَاءِ بَدَلٌ مِنَ الْيَاءِ.
стр. 44
وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ يَسْتَحِي، بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ، وَالْمَحْذُوفَةُ هِيَ اللَّامُ كَمَا تُحْذَفُ فِي الْجَزْمِ، وَوَزْنُهُ عَلَى هَذَا يَسْتَفِعْ، إِلَّا أَنَّ الْيَاءَ نُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الْعَيْنِ، وَسَكَنَتْ، وَقِيلَ الْمَحْذُوفُ هِيَ الْعَيْنُ، وَهُوَ بَعِيدٌ. (أَنْ يَضْرِبَ) : أَيْ مِنْ أَنْ يَضْرِبَ ; فَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَجَرٌّ عِنْدَ الْخَلِيلِ.
(مَا) : حَرْفٌ زَائِدٌ لِلتَّوْكِيدِ. وَ «بَعُوضَةٌ» بَدَلٌ مِنْ مَثَلًا.
وَقِيلَ: (مَا) : نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَبَعُوضَةٌ بَدَلٌ مِنْ مَا.
وَيُقْرَأُ شَاذًّا بَعُوضَةٌ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنْ تُجْعَلَ مَا بِمَعْنَى الَّذِي وَيُحْذَفَ الْمُبْتَدَأُ ; أَيِ الَّذِي هُوَ بَعُوضَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا حَرْفًا وَيُضْمَرُ الْمُبْتَدَأُ تَقْدِيرُهُ مَثَلًا هُوَ بَعُوضَةٌ. (فَمَا فَوْقَهَا) : الْفَاءُ لِلْعَطْفِ، وَمَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أَوْ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي، وَالْعَامِلُ فِي فَوْقَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الِاسْتِقْرَارُ وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ بَعُوضَةٌ.
(أَمَّا) : حَرْفٌ نَابَ عَنْ حَرْفِ الشَّرْطِ وَفِعْلِ الشَّرْطِ، وَيُذْكَرُ لِتَفْصِيلِ مَا أُجْمِلَ وَيَقَعُ الِاسْمُ بَعْدَهُ مُبْتَدَأً، وَتَلْزَمُ الْفَاءُ خَبَرَهُ، وَالْأَصْلُ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَالَّذِينَ آمَنُوا يَعْلَمُونَ، لَكِنْ لَمَّا نَابَتْ أَمَّا عَنْ حَرْفِ الشَّرْطِ كَرِهُوا أَنْ يُولُوهَا الْفَاءَ، فَأَخَّرُوهَا إِلَى الْخَبَرِ، وَصَارَ ذِكْرُ الْمُبْتَدَأِ بَعْدَهَا عِوَضًا مِنَ اللَّفْظِ بِفِعْلِ الشَّرْطِ. (مِنْ رَبِّهِمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ. وَالتَّقْدِيرُ: أَنَّهُ ثَابِتٌ أَوْ مُسْتَقِرٌّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَالْعَامِلُ مَعْنَى الْحَقِّ ; وَصَاحِبُ الْحَالِ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ
فِيهِ. (مَاذَا) : فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ «مَا» اسْمٌ لِلِاسْتِفْهَامِ، مَوْضِعُهَا رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَذَا بِمَعْنَى الَّذِي وَ: أَرَادَ صِلَةٌ لَهُ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، وَالَّذِي وَصِلَتُهُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ.
стр. 45
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا، وَذَا اسْمٌ وَاحِدٌ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ بِـ (أَرَادَ) ، وَلَا ضَمِيرَ فِي الْفِعْلِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَيُّ شَيْءٍ أَرَادَ اللَّهُ. (مَثَلًا) : تَمْيِيزٌ ; أَيْ مِنْ مَثَلٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ هَذَا ; أَيْ مُتَمَثِّلًا، أَوْ مُتَمَثَّلًا بِهِ ; فَيَكُونُ حَالًا مِنَ اسْمِ اللَّهِ. (يُضِلُّ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِلْمَثَلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ اسْمِ اللَّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. (إِلَّا الْفَاسِقِينَ) : مَفْعُولُ يُضِلُّ، وَلَيْسَ بِمَنْصُوبٍ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ ; لِأَنَّ يُضِلُّ لَمْ يَسْتَوْفِ مَفْعُولَهُ قَبْلَ إِلَّا.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِلْفَاسِقِينَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإِضْمَارِ أَعْنِي، وَأَنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلَى الْخَبَرِ ; أَيْ هُمُ الَّذِينَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ.
(مِنْ بَعْدِ) : مِنْ لِابْتِدَاءِ غَايَةِ الزَّمَانِ عَلَى رَأْيِ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ، وَزَائِدَةٌ عَلَى رَأْيِ مَنْ لَمْ يُجِزْهُ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى أَصْلِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُجِيزُ زِيَادَةَ مِنْ فِي الْوَاجِبِ.
(مِيثَاقِهِ) : مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْإِيثَاقِ، وَالْهَاءُ تَعُودَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، أَوْ عَلَى الْعَهْدِ ; فَإِنْ أَعَدْتَهَا إِلَى اسْمِ اللَّهِ كَانَ الْمُصْدَرُ مُضَافًا إِلَى الْفَاعِلِ، وَإِنْ أَعَدْتَهَا إِلَى الْعَهْدِ كَانَ مُضَافًا إِلَى الْمَفْعُولِ.
(مَا أَمَرَ) : مَا بِمَعْنَى الَّذِي ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وَ «أَنْ يُوصَلَ» فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنَ الْهَاءِ ; أَيْ يُوصِلُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ مَا بَدَلَ الِاشْتِمَالِ ; تَقْدِيرُهُ: وَيَقْطَعُونَ وَصْلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ ; أَيْ هُوَ أَنْ يُوصَلَ.
стр. 46
(أُولَئِكَ) مُبْتَدَأٌ: وَ «هُمْ» مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، أَوْ فَصْلٌ، وَ «الْخَاسِرُونَ» الْخَبَرُ.
قَالَ تَعَالَى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ((٢٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ) : كَيْفَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِي
تَكْفُرُونَ ; وَصَاحِبُ الْحَالِ الضَّمِيرُ فِي «تَكْفُرُونَ» ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَ (تَكْفُرُونَ) : يَتَعَدَّى بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَقَدْ عُدِّيَ بِنَفْسِهِ فِي قَوْلِهِ: (أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ) : وَذَلِكَ حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى، إِذِ الْمَعْنَى جَحَدُوا. (وَكُنْتُمْ) : «قَدْ» مَعَهُ مُضْمَرَةٌ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ.
(ثُمَّ إِلَيْهِ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الْإِحْيَاءِ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فَأَحْيَاكُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٢٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَمِيعًا) : حَالٌ فِي مَعْنَى مُجْتَمِعًا. (فَسَوَّاهُنَّ) : إِنَّمَا جَمَعَ الضَّمِيرَ ; لِأَنَّ السَّمَاءَ جَمْعُ سَمَاوَةٍ، أُبْدِلَتِ الْوَاوُ فِيهَا هَمْزَةً، لِوُقُوعِهَا طَرَفًا بَعْدَ أَلِفٍ زَائِدَةٍ. (سَبْعَ سَمَوَاتٍ) : سَبْعَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: فَسَوَّى مِنْهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ; كَقَوْلِهِ: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) : فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ، وَقِيلَ سَوَّى بِمَعْنَى صَيَّرَ فَيَكُونُ مَفْعُولًا ثَانِيًا. (وَهُوَ) : يُقْرَأُ بِإِسْكَانِ الْهَاءِ، وَأَصْلُهَا الضَّمُّ ; وَإِنَّمَا أُسْكِنَتْ لِأَنَّهَا صَارَتْ كَعَضُدٍ فَخُفِّفَتْ، وَكَذَلِكَ حَالُهَا مَعَ الْفَاءِ وَاللَّامِ ; نَحْوَ: فَهُوَ، لَهُوَ
стр. 47
يُقْرَأُ. بِالضَّمِّ عَلَى الْأَصْلِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ) : هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ، تَقْدِيرُهُ: وَاذْكُرْ إِذْ قَالَ.
وَقِيلَ: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وَابْتِدَاءُ خَلْقِي إِذْ قَالَ رَبُّكَ. وَقِيلَ: زَائِدَةٌ وَ (لِلْمَلَائِكَةِ) : مُخْتَلَفٌ فِي وَاحِدِهَا وَأَصْلِهَا ; فَقَالَ قَوْمٌ أَحَدُهُمْ فِي الْأَصْلِ مَأْلَكٌ عَلَى مَفْعَلٍ ; لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَلُوكَةِ وَهِيَ الرِّسَالَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَغُلَامٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ بِأَلُوكَ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ.
فَالْهَمْزَةُ فَاءُ الْكَلِمَةِ، ثُمَّ أُخِّرَتْ فَجُعِلَتْ بَعْدَ اللَّامِ، فَقَالُوا: مَلَأَكٌ ; قَالَ الشَّاعِرُ:
فَلَسْتُ لِإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لِمَلَاكٍ تَنَزَّلَ ... مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ.
فَوَزْنُهُ الْآنَ مُعَفَّلٌ، وَالْجَمْعُ مَلَائِكَةٌ عَلَى مَعَافِلَةٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: أَصْلُ الْكَلِمَةِ لَأَكٌ، فَعَيْنُ الْكَلِمَةِ هَمْزَةٌ، وَأَصْلُ مَلَكٍ مَلْأَكٌ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ. وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ أُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى اللَّامِ، وَحُذِفَتْ ; فَلَمَّا جُمِعَتْ رُدَّتْ فَوَزْنُهُ الْآنَ مَفَاعِلَةٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: عَيْنُ الْكَلِمَةِ وَاوٌ وَهُوَ مِنْ لَاكَ يَلُوكُ، إِذَا أَدَارَ الشَّيْءَ فِي فِيهِ ;
стр. 48
فَكَأَنَّ صَاحِبَ الرِّسَالَةِ يُدِيرُهَا فِي فِيهِ، فَيَكُونُ أَصْلُ مَلَكٍ: مِثْلَ مَعَادٍ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُهُ تَخْفِيفًا ; فَيَكُونُ أَصْلُ مَلَائِكَةٍ مِثْلَ مَقَاوِلَةٍ ; فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً، كَمَا أُبْدِلَتْ وَاوُ مَصَائِبَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَلَكَ فَعَلَ مِنَ الْمُلْكِ وَهِيَ الْقُوَّةُ، فَالْمِيمُ أَصْلٌ، وَلَا حَذْفَ فِيهِ، لَكِنَّهُ جُمِعَ عَلَى فَعَائِلَةٍ شَاذًّا: (جَاعِلٌ) : يُرَادُ بِهِ الِاسْتِقْبَالُ، فَلِذَلِكَ عَمِلَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى خَالِقٍ، فَيَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَأَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مُصَيِّرٍ، فَيَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَيَكُونُ: فِي الْأَرْضِ هُوَ الثَّانِي. (خَلِيفَةً) : فَعِيلَةً بِمَعْنَى فَاعِلٍ ; أَيْ يَخْلُفُ غَيْرَهُ، وَزِيدَتِ الْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ.
(أَتَجْعَلُ) : الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِرْشَادِ ; أَيْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ كَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ قَبْلُ.
وَقِيلَ: اسْتَفْهَمُوا عَنْ أَحْوَالِ أَنْفُسِهِمْ ; أَيْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مُفْسِدًا وَنَحْنُ عَلَى طَاعَتِكَ، أَوْ نَتَغَيَّرُ. (يَسْفِكُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى التَّخْفِيفِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، وَقَدْ قُرِئَ بِضَمِّهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَيُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ. وَهَمْزَةُ (الدِّمَاءَ) مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ دَمَى ; لِأَنَّهُمْ قَالُوا دَمَيَانِ.
(بِحَمْدِكَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; تَقْدِيرُهُ نُسَبِّحُ مُشْتَمِلِينَ بِحَمْدِكَ، أَوْ مُتَعَبِّدِينَ بِحَمْدِكَ. (وَنُقَدِّسُ لَكَ) : أَيْ لِأَجْلِكَ ; وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ زَائِدَةً ; أَيْ نُقَدِّسُكَ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُعَدِّيَةً لِلْفِعْلِ، كَتَعْدِيَةِ الْبَاءِ مِثْلَ سَجَدْتُ لِلَّهِ.
(إِنِّي أَعْلَمُ) : الْأَصْلُ إِنَّنِي، فَحُذَفِتِ النُّونُ الْوُسْطَى لَا نُونُ الْوِقَايَةِ ; هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. (وَأَعْلَمُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا، وَيَكُونُ مَا مَفْعُولًا إِمَّا بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا مِثْلَ أَفْضَلَ، فَيَكُونُ مَا فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِالْإِضَافَةِ.
стр. 49
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأَعْلَمَ، كَقَوْلِهِمْ: هَؤُلَاءِ حَوَاجُّ بَيْتِ اللَّهِ بِالنَّصْبِ وَالْجَرِّ ; وَسَقَطَ التَّنْوِينُ، لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ لَا يَنْصَرِفُ. فَإِنْ قُلْتَ أَفْعَلُ لَا يَنْصِبُ مَفْعُولًا قِيلَ إِنْ كَانَتْ مِنْ مَعَهُ مُرَادَةً لَمْ يُنْصَبْ، وَأَعَلَمُ هُنَا بِمَعْنَى عَالِمٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِأَعْلَمَ: أَعْلَمَ مِنْكُمْ، فَيَكُونُ «مَا» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: (هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ) [الْأَنْعَامِ: ١١٧] .
قَالَ تَعَالَى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَعَلَّمَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى: (قَالَ رَبُّكَ) : وَمَوْضِعُ جَرٍّ، كَمَوْضِعِ قَالَ، وَقَوَّى ذَلِكَ إِضْمَارُ الْفَاعِلِ. وَقُرِئَ: «وَعُلِّمَ آدَمُ» عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَ (آدَمَ) : أَفْعَلُ، وَالْأَلِفُ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِنْ هَمْزَةٍ هِيَ فَاءُ الْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ، أَوْ مِنَ الْأَدَمَةِ ; وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَزْنُهُ فَاعِلًا ; إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَانَصْرَفَ مِثْلَ عَالَمٍ وَخَاتَمٍ، وَالتَّعْرِيفُ وَحْدَهُ لَا يَمْنَعُ وَلَيْسَ بِأَعْجَمِيٍّ.
(ثُمَّ عَرَضَهُمْ) : يَعْنِي أَصْحَابَ الْأَسْمَاءِ فَلِذَلِكَ ذَكَرَ الضَّمِيرَ.
(هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ) : يُقْرَأُ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ. وَيُقْرَأُ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ ; قِيلَ: الْمَحْذُوفَةُ هِيَ الْأُولَى، لِأَنَّهَا لَامُ الْكَلِمَةِ، وَالْأُخْرَى أَوَّلُ الْكَلِمَةِ الْأُخْرَى، وَحَذْفُ الْآخَرِ أَوْلَى.
стр. 50
وَقِيلَ الْمَحْذُوفَةُ الثَّانِيَةُ ; لِأَنَّ الثِّقَلَ بِهَا حَصَلَ.
وَيُقْرَأُ بِتَلْيِينِ الْهَمْزَةِ الْأُولَى وَتَحْقِيقِ الثَّانِيَةِ، وَبِالْعَكْسِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُبَدِّلُ الثَّانِيَةَ يَاءً سَاكِنَةً، كَأَنَّهُ قَدَّرَهُمَا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (سُبْحَانَكَ) : سُبْحَانَ اسْمٌ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الْمَصْدَرِ، وَقَدِ اشْتُقَّ مِنْهُ سَبَّحْتُ وَالتَّسْبِيحُ، وَلَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ إِلَّا مُضَافًا ; لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تُبَيِّنُ مَنِ الْمُعَظَّمُ، فَإِذَا أُفْرِدَ عَنِ الْإِضَافَةِ كَانَ اسْمًا عَلَمَا لِلتَّسْبِيحِ لَا يَنْصَرِفُ لِلتَّعْرِيفِ، وَالْأَلِفُ وَالنُّونُ فِي آخِرِهِ مِثْلَ عُثْمَانَ، وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ مُنَوَّنًا عَلَى نَحْوِ تَنْوِينِ الْعَلَمِ إِذَا نُكِّرَ، وَمَا يُضَافُ إِلَيْهِ مَفْعُولٌ بِهِ ; لِأَنَّهُ الْمُسَبَّحُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا ; لِأَنَّ الْمَعْنَى تَنَزَّهْتَ، وَانْتِصَابُهُ عَلَى الْمَصْدَرِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ سَبَّحْتُ اللَّهَ تَسْبِيحًا.
(إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) : مَا مَصْدَرِيَّةٌ ; أَيْ إِلَّا عِلْمًا عَلَّمْتَنَاهُ، وَمَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ مَوْضِعِ لَا عِلْمَ كَقَوْلِكَ: لَا إِلَهُ إِلَّا اللَّهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَيَكُونُ عِلْمٌ بِمَعْنَى مَعْلُومٍ أَيْ لَا مَعْلُومَ لَنَا إِلَّا الَّذِي عَلَّمْتَنَاهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالْعِلْمِ ; لِأَنَّ اسْمَ لَا إِذَا عَمِلَ فِيمَا بَعْدَهُ لَا يُبْنَى. (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ) : أَنْتَ مُبْتَدَأٌ، وَالْعَلِيمُ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ إِنَّ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَنْتَ تَوْكِيدًا لِلْمَنْصُوبِ، وَوَقَعَ بِلَفْظِ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُ هُوَ الْكَافُ فِي الْمَعْنَى ; وَلَا يَقَعُ هَاهُنَا إِيَّاكَ لِلتَّوْكِيدِ ; لِأَنَّهَا لَوْ وَقَعَتْ لَكَانَتْ بَدَلًا، وَإِيَّاكَ لَمْ يُؤَكَّدْ بِهَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَصْلًا لَا مَوْضِعَ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
وَ (الْحَكِيمُ) : خَبَرٌ ثَانٍ، أَوْ صِفَةٌ لِلْعَلِيمِ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ صِفَةَ الصِّفَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ هِيَ الْمَوْصُوفُ فِي الْمَعْنَى.
стр. 51
وَالْعَلِيمُ بِمَعْنَى الْعَالِمِ. وَأَمَّا الْحَكِيمُ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْحَاكِمِ، وَأَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمُحْكَمِ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْبِئْهُمْ) : يُقْرَأُ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْأَصْلِ، وَبِالْيَاءِ عَلَى تَلْيِينِ الْهَمْزَةِ، وَلَمْ يَقْلِبْهَا قَلْبًا قِيَاسًا ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَحُذِفَتِ الْيَاءُ كَمَا تُحْذَفُ مِنْ قَوْلِكَ: أَبْقِهِمْ مِنْ بَقِيتُ.
وَقَدْ قُرِئَ أَنْبِهُمْ بِكَسْرِ الْبَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزَةٍ وَيَاءٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ يَاءً إِبْدَالًا قِيَاسِيًّا.
وَأَنْبَأَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَإِلَى الثَّانِي بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: بِأَسْمَائِهِمْ وَقَدْ يَتَعَدَّى بِعَنْ ; كَقَوْلِكَ: أَنْبَأْتُهُ عَنْ حَالِ زَيْدٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ) [التَّوْبَةِ: ٩٤] فَيُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ.
(وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ) : مُسْتَأْنَفٌ، وَلَيْسَ بِمَحْكِيٍ بِقَوْلِهِ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَحْكِيًّا أَيْضًا، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. وَتُبْدُونَ وَزْنُهُ تُفْعُونَ، وَالْمَحْذُوفُ مِنْهُ لَامُهُ وَهِيَ وَاوٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ بَدَا يَبْدُو.
وَالْأَصْلُ فِي الْيَاءِ الَّتِي فِي: إِنِّي أَنْ تُحَرَّكَ بِالْفَتْحِ ; لِأَنَّهَا اسْمٌ مُضْمَرٌ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، فَتُحَرَّكُ مِثْلُ الْكَافِ فِي إِنَّكَ فَمَنْ حَرَّكَهَا أَخْرَجَهَا عَلَى الْأَصْلِ، وَمَنْ سَكَّنَهَا اسْتَثْقَلَ حَرَكَةَ الْيَاءِ بَعْدَ الْكَسْرَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ التَّاءِ.
стр. 52
وَقُرِئَ بِضَمِّهَا، وَهِيَ قِرَاءَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا، وَأَحْسَنُ مَا تُحَمَلُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي لَمْ يَضْبُطْ عَلَى الْقَارِئِ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ أَشَارَ إِلَى الضَّمِّ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْهَمْزَةَ الْمَحْذُوفَةَ مَضْمُومَةٌ فِي الِابْتِدَاءِ، وَلَمْ يُدْرِكِ الرَّاوِي هَذِهِ الْإِشَارَةَ.
وَقِيلَ إِنَّهُ نَوَى الْوَقْفَ عَلَى التَّاءِ سَاكِنَةً، ثُمَّ حَرَّكَهَا بِالضَّمِّ إِتْبَاعًا لِضَمَّةِ الْجِيمِ، وَهَذَا مِنْ إِجْرَاءِ الْوَصْلِ مَجْرَى الْوَقْفِ. وَمِثْلُهُ مَا حُكِيَ عَنِ امْرَأَةٍ رَأَتْ نِسَاءً مَعَهُنَّ رَجُلٌ، فَقَالَتْ: أَفِي السَّوَ تَنْتُنَّهُ، بِفَتْحِ التَّاءِ، وَكَأَنَّهَا نَوَتِ الْوَقْفَ عَلَى التَّاءِ، ثُمَّ أَلْقَتْ عَلَيْهَا حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ فَصَارَتْ مَفْتُوحَةً.
(إِلَّا إِبْلِيسَ) : اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَقِيلَ هُوَ مُتَّصِلٌ ; لِأَنَّهُ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ مَلَكًا. وَهُوَ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ لَا يَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيفِ.
وَقِيلَ: هُوَ عَرَبِيٌّ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْإِبْلَاسِ، وَلَمْ يَنْصَرِفْ لِلتَّعْرِيفِ، وَإِنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْأَسْمَاءِ، وَهَذَا بَعِيدٌ، عَلَى أَنَّ فِي الْأَسْمَاءِ مِثْلَهُ، نَحْوَ: إِخْرِيطٍ، وَإِجْفِيلٍ، وَإِصْلِيتٍ، وَنَحْوِهِ. (وَأَبَى) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ إِبْلِيسَ ; تَقْدِيرُهُ: تَرَكَ السُّجُودَ كَارِهًا لَهُ وَمُسْتَكْبِرًا.
(وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) : مُسْتَأْنَفٌ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ حَالٍ أَيْضًا.
стр. 53
قَالَ تَعَالَى: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) ((٣٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ) : أَنْتَ تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ فِي الْفِعْلِ أَتَى بِهِ لِيَصِحَّ الْعَطْفُ عَلَيْهِ وَالْأَصْلُ فِي: كُلْ أُأْكُلْ مِثْلُ اقْتُلُ إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ حَذَفَتِ الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ تَخْفِيفًا، وَمِثْلُهُ خُذْ وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، فَلَا تَقُولُ فِي الْأَمْرِ مِنْ أَجَرَ يَأْجُرُ جُرْ. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أُوْكُلْ شَاذًّا. (مِنْهَا) : أَيْ مِنْ ثَمَرَتِهَا ; فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ بِالْفِعْلِ قَبْلَهُ وَمِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ.
وَ (رَغَدًا) : صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ أَكْلًا رَغَدًا ; أَيْ طَيِّبًا هَنِيئًا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، تَقْدِيرُهُ كُلَا مُسْتَطِيبَيْنِ مُتَهَنِّئَيْنِ.
(حَيْثُ) : ظَرْفُ مَكَانٍ، وَالْعَامِلُ فِيهِ كُلَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَكُونُ حَيْثُ مَفْعُولًا بِهِ ; لِأَنَّ الْجَنَّةَ مَفْعُولٌ، وَلَيْسَ بِظَرْفٍ ; لِأَنَّكَ تَقُولُ سَكَنْتُ الْبَصْرَةَ وَسَكَنْتُ الدَّارَ بِمَعْنَى نَزَلْتُ، فَهُوَ كَقَوْلِكَ انْزِلْ مِنَ الدَّارِ حَيْثُ شِئْتَ. (هَذِهِ الشَّجَرَةَ) : الْهَاءُ بَدَلٌ مِنَ الْيَاءِ فِي هَذِي ; لِأَنَّكَ تَقُولُ فِي الْمُؤَنَّثِ هَذِي وَهَاتَا وَهَاتِي وَالْيَاءُ لِلْمُؤَنَّثِ مَعَ
الذَّالِ لَا غَيْرَ، وَالْهَاءُ بَدَلٌ مِنْهَا ; لِأَنَّهَا تُشْبِهُهَا فِي الْخَفَاءِ وَالشَّجَرَةُ نَعْتٌ لِهَذِهِ. وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ: «هَذِهِ الشَّيَرَةُ» وَهِيَ لُغَةٌ أُبْدِلَتِ الْجِيمُ فِيهَا يَاءً لِقُرْبِهَا مِنْهَا فِي الْمَخْرَجِ.
(فَتَكُونَا) : جَوَابُ النَّهْيِ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: إِنْ تَقْرَبَا تَكُونَا وَحَذْفُ النُّونِ هُنَا عَلَامَةُ النَّصْبِ ; جَوَابُ النَّهْيِ إِذَا كَانَ بِالْفَاءِ فَهُوَ مَنْصُوبٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْزُومًا بِالْعَطْفِ.
стр. 54
قَالَ تَعَالَى: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَزَلَّهُمَا) : يُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ ; أَيْ حَمَلَهُمَا عَلَى الزَّلَّةِ ; وَيُقْرَأُ: فَأَزَالَهُمَا أَيْ نَحَاهُمَا، وَهُوَ مِنْ قَوْلِكَ: زَالَ الشَّيْءُ يَزُولُ، إِذَا فَارَقَ مَوْضِعَهُ، وَأَزَلْتَهُ نَحَّيْتَهُ، وَأَلِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ.
(مِمَّا كَانَا فِيهِ) : مَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً أَيْ مِنْ نَعِيمٍ أَوْ عَيْشٍ: اهْبِطُوا، الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الْبَاءِ وَهِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ، وَقُرِئَ بِضَمِّهَا، وَهِيَ لُغَةٌ. (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) : جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْوَاوِ فِي اهْبِطُوا ; أَيِ اهْبِطُوا مُتَعَادِينَ وَاللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِعَدُوٍّ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بَعْضُكُمْ عَدُوٌّ لِبَعْضٍ وَيَعْمَلُ عَدُوٌّ عَمَلَ الْفِعْلِ لَكِنْ بِحَذْفِ الْجَرِّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِعَدُوٍّ ; فَلَمَّا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ صَارَ حَالًا.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، وَأَمَّا إِفْرَادُ عَدُوٍّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِمَا كَانَ بَعْضُكُمْ مُفْرَدًا فِي اللَّفْظِ، أُفْرِدَ عَدُوٌّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَضَعَ الْوَاحِدَ مَوْضِعَ الْجَمْعِ كَمَا قَالَ: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) : [الشُّعَرَاءِ: ٧٧] .
(وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا أَيْضًا، وَتَقْدِيرُهُ اهْبِطُوا مُتَعَادِينَ مُسْتَحِقِّينَ الِاسْتِقْرَارَ.
وَ (مُسْتَقَرٌّ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَكَانَ الِاسْتِقْرَارِ. وَ (إِلَى حِينٍ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةً لِمَتَاعٍ ; فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَتَاعٍ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَصْدَرِ ; وَالتَّقْدِيرُ: وَأَنْ تَمَتَّعُوا إِلَى حِينٍ.
стр. 55
قَالَ تَعَالَى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَتَلَقَّى آدَمُ) : يُقْرَأُ بِرَفْعِ آدَمَ وَنَصْبِ كَلِمَاتٍ، وَبِالْعَكْسِ ; لِأَنَّ كُلَّ مَا تَلَقَّاكَ فَقَدْ تَلَقَّيْتَهُ. وَ (مِنْ رَبِّهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَلَقَّى. وَيَكُونُ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لَكَلِمَاتٍ، تَقْدِيرُهُ: كَلِمَاتٌ كَائِنَةٌ مِنْ رَبِّهِ، فَلَمَّا قَدَّمَهَا انْتَصَبَتْ عَلَى الْحَالِ.
(إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ) : هُوَ هَاهُنَا مِثْلُ أَنْتَ فِي: (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) وَقَدْ ذُكِرَ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)) .
قَوْلُهُ: (مِنْهَا جَمِيعًا) : حَالٌ ; أَيْ مُجْتَمِعِينَ، إِمَّا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي أَزْمِنَةٍ، بِحَيْثُ يَشْتَرِكُونَ فِي الْهُبُوطِ. (فَإِمَّا) : إِنْ حَرْفُ شَرْطٍ، وَمَا حَرْفٌ مُؤَكِّدٌ لَهُ. وَ (يَأْتِيَنَّكُمْ) : فِعْلُ الشَّرْطِ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ، وَالْفِعْلُ يَصِيرُ بِهَا مَبْنِيًّا أَبَدًا.
وَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَفْعَالِ الشَّرْطِ عَقِيبَ إِمَّا كُلُّهُ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ ; لِأَنَّ زِيَادَةَ مَا تُؤْذِنُ بِإِرَادَةِ شِدَّةِ التَّوْكِيدِ وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ غَيْرَ مُؤَكَّدٍ بِالنُّونِ.
وَجَوَابُ الشَّرْطِ: فَمَنْ تَبِعَ وَجَوَابُهُ. وَمَنْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ تَبِعَ، وَفِيهِ ضَمِيرُ فَاعِلٍ يَرْجِعُ عَلَى مَنْ،
стр. 56
وَمَوْضِعُ تَبِعَ جَزْمٌ بِمَنْ، وَالْجَوَابُ: فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ.
وَكَذَلِكَ كَلُّ اسْمٍ شَرَطْتَ بِهِ وَكَانَ مُبْتَدَأٌ فَخَبَرُهُ فِعْلُ الشَّرْطِ لَا جَوَابُ الشَّرْطِ ; وَلِهَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الضَّمِيرُ فِي الْجَوَابِ حَتَّى لَوْ قُلْتَ مَنْ يَقُمْ أَكْرَمَ زَيْدًا جَازَ، وَلَوْ قُلْتَ مَنْ يَقُمْ زَيْدًا أَكْرَمَهُ، وَأَنْتَ تُعِيدُ الْهَاءَ إِلَى مَنْ لَمْ يَجُزْ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْخَبَرَ هُوَ فِعْلُ الشَّرْطِ وَالْجَوَابُ ; وَقِيلَ الْخَبَرُ مِنْهُمَا مَا كَانَ فِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى مَنْ. وَ (خَوْفٌ) : مُبْتَدَأٌ وَعَلَيْهِمُ الْخَبَرُ، وَجَاءَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْعُمُومِ بِالنَّفْيِ الَّذِي فِيهِ.
وَالرَّفْعُ وَالتَّنْوِينُ هُنَا أَوْجَهُ مِنَ الْبِنَاءِ عَلَى الْفَتْحِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا الرَّفْعُ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَا هُمْ لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ وَلَا لَا تَعْمَلُ فِي الْمَعَارِفِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ ; لِيَتَشَاكَلَ الْجُمْلَتَانِ كَمَا قَالُوا فِي الْفِعْلِ الْمَشْغُولِ
بِضَمِيرِ الْفَاعِلِ، نَحْوَ: قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرًا كَلَّمْتُهُ ; فَإِنَّ النَّصْبَ فِي عَمْرٍو أَوْلَى لِيَكُونَ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ، كَمَا أَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ عَمِلَ فِيهِ الْفِعْلُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى ; وَذَلِكَ بِأَنَّ الْبِنَاءَ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْخَوْفِ عَنْهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ ذَلِكَ بَلِ الْمُرَادُ نَفْيُهُ عَنْهُمْ فِي الْآخِرَةِ.
فَإِذَا قِيلَ: لِمَ لَا يَكُونُ وَجْهُ الرَّفْعِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَذْكُورٌ فِي جَزَاءِ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَلَا يَلِيقُ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُمُ الْخَوْفَ الْيَسِيرَ، وَيَتَوَهَّمَ ثُبُوتَ الْخَوْفِ الْكَثِيرِ.
قِيلَ: الرَّفْعُ يَجُوزُ أَنْ يُضْمَرَ مَعَهُ نَفْيُ الْكَثِيرِ ; تَقْدِيرُهُ: لَا خَوْفٌ كَثِيرٌ عَلَيْهِمْ، فَيُتَوَهَّمُ ثُبُوتُ الْقَلِيلِ، وَهُوَ عَكْسُ مَا قُدِّرَ فِي السُّؤَالِ، فَبَانَ أَنَّ الْوَجْهَ فِي الرَّفْعِ مَا ذَكَرْنَا.
(هُدَايَ) : الْمَشْهُورُ إِثْبَاتُ الْأَلِفِ قَبْلَ الْيَاءِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ قَبْلَ الْإِضَافَةِ.
وَيُقْرَأُ هُدَيَّ - بِيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ - وَوَجْهُهَا أَنَّ يَاءَ الْمُتَكَلِّمِ يُكْسَرُ مَا قَبْلَهَا فِي الِاسْمِ الصَّحِيحِ، وَالْأَلِفُ لَا يُمْكِنُ كَسْرُهَا ; فَقُلِبَتْ يَاءً مِنْ جِنْسِ الْكَسْرَةِ ثُمَّ أُدْغِمَتْ.
стр. 57
قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) ((٣٩)) .
قَوْلُهُ: (بِآيَاتِنَا) : الْأَصْلُ فِي آيَةِ آيَّةٍ ; لِأَنَّ فَاءَهَا هَمْزَةٌ ; وَعَيْنَهَا وَلَامَهَا يَاءَانِ ; لِأَنَّهَا مِنْ تَأَتَّى الْقَوْمُ، إِذَا اجْتَمَعُوا. وَقَالُوا فِي الْجَمْعِ آيَاءٌ، فَظَهَرَتِ الْيَاءُ الْأُولَى، وَالْهَمْزَةُ الْأَخِيرَةُ بَدَلٌ مِنْ يَاءٍ، وَوَزْنُهُ أَفْعَالٌ، وَالْأَلِفُ الثَّانِيَةُ مُبْدَلَةٌ مِنْ هَمْزَةٍ هِيَ فَاءُ الْكَلِمَةِ، وَلَوْ كَانَتْ عَيْنُهَا وَاوًا لَقَالُوا آوَاءٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَبْدَلُوا الْيَاءَ السَّاكِنَةَ فِي أَيَّةٍ أَلِفَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَمِثْلُهُ: غَايَةُ، وَثَايَةُ. وَقِيلَ: أَصْلُهَا أَيِيَهْ، ثُمَّ قُلِبَتِ الْيَاءُ الْأُولَى أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا.
وَقِيلَ: أَصْلُهَا أَيَيَهْ بِفَتْحِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، ثُمَّ فُعِلَ فِي الْيَاءِ مَا ذَكَرْنَا. وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْيَاءَيْنِ إِذَا اجْتَمَعَتَا فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ تُقْلَبَ الثَّانِيَةَ لِقُرْبِهَا مِنَ الطَّرَفِ.
وَقِيلَ: أَصْلُهَا آيِيَةُ عَلَى فَاعِلَةٍ ; وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تُدْغَمَ، فَيُقَالُ آيَّةُ مِثْلَ دَابَّةٍ، إِلَّا أَنَّهَا خُفِّفَتْ كَتَخْفِيفِ كَيْنُونَةٍ فِي كَيِّنُونَةٍ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ التَّخْفِيفَ فِي ذَلِكَ الْبِنَاءِ كَانَ لِطُولِ الْكَلِمَةِ. (أُولَئِكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «أَصْحَابُ النَّارِ» خَبَرُهُ. وَ «هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ» مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ أَصْحَابٍ.
وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ النَّارِ لِأَنَّ فِي الْجُمْلَةِ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلَيْهَا وَيَكُونُ الْعَامِلُ فِي الْحَالِ مَعْنَى الْإِضَافَةِ أَوْ لِلَّامِ الْمُقَدَّرَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)) .
стр. 58
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) : إِسْرَائِيلُ لَا يَنْصَرِفُ ; لِأَنَّهُ عَلَمٌ أَعْجَمِيٌّ، وَقَدْ تَكَلَّمَتْ بِهِ الْعَرَبُ بِلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِسْرَائِيلُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَهَا يَاءٌ بَعْدَهَا لَامٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ يَقْلِبُ الْهَمْزَةَ يَاءً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُبْقِي الْهَمْزَةَ وَيَحْذِفُ الْيَاءَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْذِفُهُمَا فَيَقُولُ: إِسْرَالُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِسْرَايِنُ بِالنُّونِ
وَ (بَنِي) جَمْعُ ابْنٍ، جُمِعَ جَمْعَ السَّلَامَةِ، وَلَيْسَ بِسَالِمٍ فِي الْحَقِيقَةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ لَفْظُ وَاحِدِهِ فِي جَمْعِهِ، وَأَصْلُ الْوَاحِدِ بَنَوَ عَلَى فَعَلَ بِتَحْرِيكِ الْعَيْنِ ; لِقَوْلِهِمْ فِي الْجَمْعِ أَبْنَاءٌ، كَجَبَلٍ وَأَجْبَالٍ. وَلَامَهُ وَاوٌ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَامُهُ يَاءٌ، وَلَا حُجَّةَ فِي الْبُنُوَّةِ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا: الْفُتُوَّةُ وَهِيَ مِنَ الْيَاءِ.
(أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) : الْأَصْلُ أَنْعَمْتُ بِهَا لِيَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الْمَوْصُولِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ، فَصَارَ أَنْعَمْتُهَا، ثُمَّ حُذِفَ الضَّمِيرُ كَمَا حُذِفَ فِي قَوْلِهِ (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) . (وَأَوْفُوا) : يُقَالُ فِي الْمَاضِي وَفَى، وَوَفَّى، وَمِنْ هُنَا قُرِئَ: (أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) : وَالْفَاءُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ. (وَإِيَّايَ) : مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ فَارْهَبُونِ، تَقْدِيرُهُ: وَارْهَبُوا إِيَّايَ فَارْهَبُونِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِـ (ارْهَبُونِ) ; لِأَنَّهُ قَدْ تَعَدَّى إِلَى مَفْعُولِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) ((٤١)) .
قَوْلُهُ: (مُصَدِّقًا) : حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنَ الْهَاءِ الْمَحْذُوفَةِ فِي أَنْزَلْتُ.
وَ (مَعَكُمْ) : مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرَارُ.
(أَوَّلَ) : هِيَ أَفْعَلُ، وَفَاؤُهَا وَعَيْنُهَا وَاوَانِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَلَمْ يَنْصَرِفْ مِنْهَا فِعْلٌ لِاعْتِلَالِ الْفَاءِ وَالْعَيْنِ، وَتَأْنِيثُهَا أَوْلَى، وَأَصْلُهَا وَ «وَلَّى» فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً لِانْضِمَامِهَا ضَمًّا لَازِمًا، وَلَمْ تَخْرُجْ
стр. 59
عَلَى الْأَصْلِ كَمَا خَرَجَ وُقِّتَتْ وَوُجُوهٌ، كَرَاهِيَةَ اجْتِمَاعِ الْوَاوَيْنِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: أَصْلُ الْكَلِمَةِ مِنْ وَأَلَ يَئِلُ إِذَا نَجَا، فَأَصْلُهَا أَوْأَلَ، ثُمَّ خُفِّفَتِ الْهَمْزَةُ بِأَنْ أُبْدِلَتْ وَاوًا، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الْأُولَى فِيهَا، وَهَذَا لَيْسَ بِقِيَاسٍ، بَلِ الْقِيَاسُ فِي تَخْفِيفِ مِثْلِ هَذِهِ الْهَمْزَةِ أَنْ تُلْقَى حَرَكَتُهَا عَلَى السَّاكِنِ قَبْلَهَا وَتُحْذَفَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ آلَ يَئُولُ ; فَأَصْلُ الْكَلِمَةِ أَوَّلَ، ثُمَّ أُخِّرَتِ الْهَمْزَةُ الثَّانِيَةُ فَجُعِلَتْ بَعْدَ الْوَاوِ ثُمَّ عُمِلَ فِيهَا مَا عُمِلَ فِي الْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَوَزْنُهُ الْآنَ أَعْفَلُ.
(كَافِرٍ) : لَفْظُهُ وَاحِدٌ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ ; أَيْ أَوَّلُ الْكُفَّارِ كَمَا يُقَالُ هُوَ أَحْسَنُ رَجُلٍ وَقِيلَ التَّقْدِيرُ أَوَّلُ فَرِيقٍ كَافِرٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ((٤٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) : هُوَ مَجْزُومٌ بِالْعَطْفِ عَلَى وَلَا تَلْبِسُوا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى الْجَوَابِ بِالْوَاوِ ; أَيْ لَا تَجْمَعُوا بَيْنَهُمَا ; كَقَوْلِكَ لَا تَأْكُلِ السَّمَكَ وَتَشْرَبِ اللَّبَنَ. (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ لَا تَلْبِسُوا وَتَكْتُمُوا.
قَالَ تَعَالَى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) : أَصْلُ أَقِيمُوا أَقْوِمُوا، فَعَمِلَ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) : أَصْلُهُ: آتِيُوا فَاسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلَى الْيَاءِ فَسُكِّنَتْ وَحُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ثُمَّ حُرِّكَتِ التَّاءُ بِحَرَكَةِ الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ، وَقِيلَ ضُمَّتْ تَبَعًا لِلْوَاوِ كَمَا ضُمَّتْ فِي اضْرِبُوا وَنَحْوِهِ، وَأَلِفُ الزَّكَاةِ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ لِقَوْلِهِمْ زَكَا الشَّيْءُ يَزْكُو، وَقَالُوا فِي الْجَمْعِ زَكَوَاتٌ.
стр. 60
(مَعَ الرَّاكِعِينَ) : ظَرْفٌ.
قَالَ تَعَالَى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ((٤٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَنْسَوْنَ) : أَصْلُهُ تُنْسِيُونَ، ثُمَّ عَمِلَ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ) [الْبَقَرَةِ: ١٦] (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) : اسْتِفْهَامٌ فِي مَعْنَى التَّوْبِيخِ، وَلَا مَوْضِعَ لَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) ((٤٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاسْتَعِينُوا) : أَصْلُهُ اسْتَعْوِنُوا، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْفَاتِحَةِ. وَأَنَّهَا الضَّمِيرُ لِلصَّلَاةِ، وَقِيلَ لِلِاسْتِعَانَةِ ; لِأَنَّ اسْتَعِينُوا يَدُلُّ عَلَيْهَا، وَقِيلَ عَلَى الْقِبْلَةِ لِدَلَالَةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا، وَكَانَ التَّحَوُّلُ إِلَى الْكَعْبَةِ شَدِيدًا عَلَى الْيَهُودِ: إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِكَبِيرَةٍ، وَإِلَّا دَخَلَتْ لِلْمَعْنَى وَلَمْ تَعْمَلْ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِكَبِيرَةٍ لِيُسْتَثْنَى مِنْهُ فَهُوَ كَقَوْلِكَ هُوَ كَبِيرٌ عَلَى زَيْدٍ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) ((٤٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ) : صِفَةٌ لِلْخَاشِعِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإِضْمَارٍ أَعْنِي، وَرَفْعٍ بِإِضْمَارِ «هُمْ» .
(أَنَّهُمْ) : أَنَّ وَاسْمُهَا وَخَبَرُهَا سَادٌّ مَسَدَ الْمَفْعُولَيْنِ، لِتَضَمُّنِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الظَّنُّ، وَهُوَ اللِّقَاءُ، وَذَكَرَ مَنْ أُسْنِدَ إِلَيْهِ اللِّقَاءُ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: أَنَّ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ مَفْعُولٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَصْدَرٌ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَظُنُّونَ لِقَاءَ اللَّهِ وَاقِعًا.
(مُلَاقُو) : أَصْلُهُ مُلَاقِيُوا ثُمَّ عُمِلَ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَحُذِفَتِ النُّونُ تَخْفِيفًا ; لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ، إِذَا كَانَ مُسْتَقْبَلًا، وَلَمَّا حَذَفَهَا أَضَافَ. (
стр. 61
إِلَيْهِ) : الْهَاءُ تَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ، وَقِيلَ إِلَى اللِّقَاءِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ مُلَاقُوا.
قَالَ تَعَالَى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، تَقْدِيرُهُ: وَاذْكُرُوا تَفْضِيلِي إِيَّاكُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا) : يَوْمًا هُنَا مَفْعُولٌ بِهِ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّقْوَى لَا يَقَعُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَاتَّقُوا عَذَابَ يَوْمٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
(لَا تَجْزِي نَفْسٌ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةُ الْيَوْمِ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ تُجْزَى فِيهِ ثُمَّ حُذِفَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ; لِأَنَّ الظُّرُوفَ يُتَّسَعُ فِيهَا، وَيَجُوزُ فِيهَا مَا لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: تُحْذَفُ «فِي» فَتَصِيرُ تَجْزِيهِ، فَإِذَا وَصَلَ الْفِعْلُ بِنَفْسِهِ، حُذِفَ الْمَفْعُولُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. (عَنْ نَفْسٍ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تُجْزَى) .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ شَيْئًا عَنْ نَفْسٍ. وَ (شَيْئًا) : هُنَا فِي حُكْمِ الْمَصْدَرِ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ مَوْقِعَ جَزَاءٍ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ لِأَنَّ الْجَزَاءَ شَيْءٌ فَوُضِعَ الْعَامُّ مَوْضِعَ الْخَاصِّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) : أَيْ فِيهِ ; وَكَذَلِكَ: (وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ) . وَ (مِنْهَا) : فِي الْمَوْضِعَيْنِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ (يُقْبَلُ) وَيُؤْخَذُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِشَفَاعَةٍ وَعَدْلٍ، فَلَمَّا قَدِ انْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ.
وَ «يُقْبَلُ» يُقْرَأُ بِالتَّاءِ لِتَأْنِيثِ الشَّفَاعَةِ وَبِالْيَاءِ لِأَنَّهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وَحَسُنَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ.
стр. 62
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) ((٤٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ) : إِذْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مَعْطُوفًا عَلَى (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ) [الْبَقَرَةِ: ٥٠] ، (وَإِذْ وَاعَدْنَا) [الْبَقَرَةِ: ٥١] ، وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى، وَمَا كَانَ مِثْلُهُ مِنَ الْعُطُوفِ. (مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) : أَصْلُ آلٍ أَهْلٌ، فَأُبْدِلَتِ الْهَاءُ هَمْزَةً لِقُرْبِهَا مِنْهَا فِي الْمَخْرَجِ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ أَلِفًا لِسُكُونِهَا وَانْفِتَاحِ الْهَمْزَةِ قَبْلَهَا مِثْلُ آدَمَ وَآمَنَ، وَتَصْغِيرُهُ أُهَيْلٌ ; لِأَنَّ التَّصْغِيرَ يَرُدُّ إِلَى الْأَصْلِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُوَيْلٌ، فَأَبْدَلَ الْأَلِفَ وَاوًا، وَلَمْ يَرُدَّهُ إِلَى الْأَصْلِ كَمَا لَمْ يَرُدُّوا عِيدًا فِي التَّصْغِيرِ إِلَى أَصْلِهِ.
وَقِيلَ أَصْلُ آلٍ أَوْلٌ، مِنْ آلَ يَئُولُ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَئُولُ إِلَى أَهْلِهِ، وَفِرْعَوْنُ أَعْجَمِيٌّ مَعْرِفَةٌ. (يَسُومُونَكُمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ آلٍ.
(سُوءَ الْعَذَابِ) : مَفْعُولٌ بِهِ ; لِأَنَّ يَسُومُونَكُمْ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ يُقَالُ سُمْتُهُ الْخَسْفَ أَيْ أَلْزَمْتُهُ الذُّلَّ. (يُذَبِّحُونَ) : فِي مَوْضِعِ حَالٍ إِنْ شِئْتَ مِنْ «آلٍ» عَلَى أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الْحَالِ الْأُولَى ; لِأَنَّ حَالَيْنِ فَصَاعِدًا لَا تَكُونُ عَنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ، إِذْ كَانَتِ الْحَالُ مُشَبَّهَةً بِالْمَفْعُولِ، وَالْعَامِلُ لَا يَعْمَلُ فِي مَفْعُولَيْنِ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ فِي يَسُومُونَكُمْ وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَشْدِيدِ الْبَاءِ لِلتَّكْثِيرِ، وَقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ.
(بَلَاءٌ) : الْهَمْزَةُ بَدَلٌ مِنْ وَاوٍ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ مِنْهُ بَلَوْتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) . (مِنْ رَبِّكُمْ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةٌ لِبَلَاءٍ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ.
стр. 63
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ) : بِكُمْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَالْبَحْرُ مَفْعُولٌ
أَوَّلٌ، وَالْبَاءُ هُنَا فِي مَعْنَى اللَّامِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: بِسَبَبِكُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمُعَدِّيَةُ كَقَوْلِكَ: ذَهَبْتُ بِزَيْدٍ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: أَفْرَقْنَاكُمُ الْبَحْرَ، وَيَكُونُ فِي الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ) [الْأَعْرَافِ: ١٣٨] . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِلْحَالِ ; أَيْ فَرَقْنَا الْبَحْرَ، وَأَنْتُمْ بِهِ، فَيَكُونُ إِمَّا حَالًا مُقَدَّرَةً أَوْ مُقَارِنَةً. (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْعَامِلُ «أَغْرَقْنَا» .
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) ((٥١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاعَدْنَا مُوسَى) : وَعَدَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، تَقُولُ وَعَدْتُ زِيدًا مَكَانَ كَذَا، وَيَوْمَ كَذَا، فَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ مُوسَى، وَ «أَرْبَعِينَ» الْمَفْعُولُ الثَّانِي، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ تَمَامَ أَرْبَعِينَ، وَلَيْسَ أَرْبَعِينَ ظَرْفًا، إِذْ لَيْسَ الْمَعْنَى وَعَدَهُ فِي أَرْبَعِينَ.
وَيُقْرَأُ وَاعَدْنَا بِأَلِفٍ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ الْوَاقِعَةِ مِنَ اثْنَيْنِ، بَلْ مِثْلَ قَوْلِكَ: عَافَاهُ اللَّهُ، وَعَاقَبْتُ اللِّصَّ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْوَعْدَ مِنَ اللَّهِ، وَالْقَبُولَ مِنْ مُوسَى، فَصَارَ كَالْوَعْدِ مِنْهُ، وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ مُوسَى أَنْ يَعِدَ بِالْوَفَاءِ فَفَعَلَ.
وَ (مُوسَى) : مُفْعَلٌ، مِنْ أَوْسَيْتُ رَأْسَهُ، إِذَا حَلَقْتُهُ ; فَهُوَ مِثْلُ أَعْطَى فَهُوَ مُعْطًى.
وَقِيلَ: هُوَ فُعْلَى مِنْ مَاسَ يَمِيسُ إِذَا تَبَخْتَرَ فِي مَشْيِهِ، فَمُوسِيُّ الْحَدِيدِ مِنْ هَذَا
стр. 64
الْمَعْنَى ; لِكَثْرَةِ اضْطِرَابِهَا وَتَحَرُّكِهَا وَقْتَ الْحَلْقِ، فَالْوَاوُ فِي مُوسَى عَلَى هَذَا بَدَلٌ مِنَ الْيَاءِ لِسُكُونِهَا وَانْضِمَامِ مَا قَبْلَهَا.
وَمُوسَى اسْمُ النَّبِيِّ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالِاشْتِقَاقِ ; لِأَنَّهُ أَعْجَمِيٌّ وَإِنَّمَا يُشْتَقُّ مُوسَى الْحَدِيدِ. (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ) : ; أَيْ إِلَهًا، فَحَذَفَ الْمَفْعُولَ الثَّانِي، وَمِثْلُهُ: بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ، وَقَدْ تَأْتِي اتَّخْذَتُ مُتَعَدِّيَةً إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى جَعَلَ وَعَمِلَ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) [الْبَقَرَةِ: ١١٦] وَكَقَوْلِكَ: اتَّخَذْتُ دَارًا وَثَوْبًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ إِدْغَامُ الذَّالِ فِي التَّاءِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِمَا، وَيَجُوزُ الْإِظْهَارُ عَلَى الْأَصْلِ.
(مِنْ بَعْدِهِ) : أَيْ مِنْ بَعْدِ انْطِلَاقِهِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ.
قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ((٥٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَعَلَّكُمْ) : اللَّامُ الْأُولَى أَصْلٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ ; وَإِنَّمَا تُحْذَفُ تَخْفِيفًا فِي قَوْلِكَ: عَلَّكَ، وَقِيلَ هِيَ زَائِدَةٌ، وَالْأَصْلُ عَلَّكَ، وَلَعَلَّ حَرْفٌ، وَالْحَذْفُ تَصَرُّفٌ، وَالْحَرْفُ بَعِيدٌ مِنْهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْفُرْقَانَ) : هُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ مِثْلُ الرُّجْحَانِ وَالْغُفْرَانِ، وَقَدْ جُعِلَ اسْمًا لِلْقُرْآنِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)) .
стр. 65
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِقَوْمِهِ) : اللُّغَةُ الْجَيِّدَةُ أَنْ تُكْسَرَ الْهَاءُ إِذَا انْكَسَرَ مَا قَبْلَهَا، وَتُزَادَ عَلَيْهَا يَاءٌ فِي اللَّفْظِ ; لِأَنَّهَا خَفِيَّةٌ لَا تَبِينُ كُلَّ الْبَيَانِ بِالْكَسْرِ وَحْدَهُ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا يَاءٌ مِثْلُ عَلَيْهِ فَالْجَيِّدُ أَنْ تُكْسَرَ الْهَاءُ مِنْ غَيْرِ يَاءٍ ; لِأَنَّ الْهَاءَ خَفِيَّةٌ ضَعِيفَةٌ، فَإِذَا كَانَ قَبْلَهَا يَاءٌ، وَبَعْدَهَا يَاءٌ لَمْ يَقْوَ الْحَاجِزُ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْهَاءِ فَتْحَةٌ أَوْ ضَمَّةٌ ضُمَّتْ وَلَحِقَتْهَا وَاوٌ فِي اللَّفْظِ نَحْوَ: إِنَّهُ وَغُلَامُهُ لِمَا ذَكَرْنَا. (يَاقَوْمِ) : حَذَفَ يَاءَ الْمُتَكَلِّمِ اكْتِفَاءً بِالْكَسْرَةِ، وَهَذَا يَجُوزُ، وَهَذَا فِي النِّدَاءِ خَاصَّةً ; لِأَنَّهُ لَا يَلْبَسُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُ الْيَاءَ سَاكِنَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْلِبُهَا أَلِفًا بَعْدَ فَتْحِ مَا قَبْلَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يَا قَوْمُ بِضَمِّ الْمِيمِ. (إِلَى بَارِئِكُمْ) : الْقِرَاءَةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ; لِأَنَّ كَسْرَهَا إِعْرَابٌ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو تَسْكِينُهَا فِرَارًا مِنْ تَوَالِي الْحَرَكَاتِ، وَسِيبَوَيْهِ لَا يُثْبِتُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ الرَّاوِيَ لَمْ يَضْبِطْ عَنْ أَبِي عَمْرٍو ; لِأَنَّ أَبَا عَمْرٍو اخْتَلَسَ الْحَرَكَةَ، فَظَنَّ السَّامِعُ أَنَّهُ سَكَّنَ. (ذَلِكُمْ) : قَالَ بَعْضُهُمُ الْأَصْلُ ذَانِكُمْ ; لِأَنَّ الْمُقَدَّمَ ذِكْرُهُ التَّوْبَةُ وَالْقَتْلُ فَأَوْقَعَ الْمُفْرَدَ مَوْقِعَ التَّثْنِيَةِ ; لِأَنَّ ذَا يَحْتَمِلُ الْجَمِيعَ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ فَاقْتُلُوا تَفْسِيرُ التَّوْبَةِ فَهُوَ وَاحِدٌ. (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) : فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَفَعَلْتُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ) : إِنَّمَا قَالَ: نُؤْمِنَ لَكَ لَا بِكَ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَنْ نُؤْمِنَ لِأَجْلِ قَوْلِكَ، أَوْ يَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى لَنْ نُقِرَّ لَكَ بِمَا ادَّعَيْتَهُ.
(جَهْرَةً) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ اسْمِ اللَّهِ ; أَيْ نَرَاهُ ظَاهِرًا غَيْرَ مَسْتُورٍ،
وَقِيلَ حَالٌ مِنَ التَّاءِ وَالْمِيمِ فِي قُلْتُمْ ; أَيْ قُلْتُمْ ذَلِكَ مُجَاهِرِينَ.
وَقِيلَ هُوَ مَصْدَرٌ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ جَهَرْتُمْ جَهْرَةً.
стр. 66
وَ (الصَّاعِقَةُ) : فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مُفْعِلَةٍ ; يُقَالُ أَصَعْقَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ فَهُوَ كَقَوْلِهِمْ أَوْرَسَ النَّبْتُ فَهُوَ وَارِسٌ، وَأَعْشَبَ فَهُوَ عَاشِبٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ) : أَيْ جَعَلْنَاهُ ظُلًّا، وَلَيْسَ كَقَوْلِكَ: ظَلَّلْتُ زَيْدًا بِظِلٍّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَكُونَ الْغَمَامُ مَسْتُورًا بِظِلٍّ آخَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ بِالْغَمَامِ، وَ (الْغَمَامَ) : جَمْعُ غَمَامَةٍ، وَالصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ هُوَ جِنْسٌ، فَإِذَا أَرَدْتَ الْوَاحِدَ زِدْتَ عَلَيْهِ التَّاءَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) : جِنْسَانِ: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ) : «مِنْ» هُنَا لِلتَّبْعِيضِ أَوْ لِبَيَانِ الْجِنْسِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ: كُلُوا شَيْئًا مِنْ طَيِّبَاتٍ. (أَنْفُسَهُمْ) : مَفْعُولُ يَظْلِمُونَ، وَقَدْ أَوْقَعَ أَفْعُلًا، وَهُوَ مِنْ جُمُوعِ الْقِلَّةِ مَوْضِعَ جَمْعِ الْكَثْرَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) ((٥٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَذِهِ الْقَرْيَةَ) : الْقَرْيَةُ نَعْتٌ لِهَذِهِ. (سُجَّدًا) : حَالٌ، وَهُوَ جَمْعٌ سَاجِدٌ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ السُّجُودِ. (حِطَّةٌ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ سُؤَالُنَا حِطَّةٌ، وَمَوْضِعُ الْجُمْلَةِ نَصْبٌ بِالْقَوْلِ.
وَقُرِئَ حِطَّةً بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ ; أَيْ حُطَّ عَنَّا حِطَّةً. (نَغْفِرْ لَكُمْ) : جَوَابُ الْأَمْرِ، وَهُوَ مَجْزُومٌ فِي الْحَقِيقَةِ بِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: إِنْ تَقُولُوا ذَلِكَ نَغْفِرْ لَكُمْ،
стр. 67
وَالْجُمْهُورُ عَلَى إِظْهَارِ الرَّاءِ عِنْدَ اللَّامِ، وَقَدْ أَدْغَمَهَا قَوْمٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الرَّاءَ مُكَرَّرَةٌ ; فَهِيَ فِي تَقْدِيرِ حَرْفَيْنِ ; فَإِذَا أُدْغِمَتْ ذَهَبَ أَحَدُهُمَا ; وَاللَّامُ الْمُشَدَّدَةُ لَا تَكْرِيرَ فِيهَا ; فَعِنْدَ ذَلِكَ يَذْهَبُ التَّكْرِيرُ الْقَائِمُ مَقَامَ حَرْفٍ. وَيُقْرَأُ «تُغْفَرْ لَكُمْ» بِالتَّاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ.
وَبِالْيَاءِ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ، وَلِأَنَّ تَأْنِيثَ الْخَطَايَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.
(خَطَايَاكُمْ) : هُوَ جَمْعُ خَطِيئَةٍ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ الْخَلِيلِ خَطَائِئُ بِهَمْزَتَيْنِ الْأُولَى مِنْهُمَا مَكْسُورَةٌ، وَهِيَ الْمُنْقَلِبَةُ عَنِ الْيَاءِ الزَّائِدَةِ فِي خَطِيئَةٍ، فَهُوَ مِثْلُ صَحِيفَةٍ وَصَحَائِفٍ، فَاسْتُثْقِلَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ فَنَقَلُوا الْهَمْزَةَ الْأُولَى إِلَى مَوْضِعِ الثَّانِيَةِ، فَصَارَ وَزْنُهُ فَعَالِئْ. وَإِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِتَصِيرَ الْمَكْسُورَةُ طَرَفَا، فَتَنْقَلِبُ يَاءً فَتَصِيرُ فَعَالَى، ثُمَّ أَبْدَلُوا مِنْ كَسْرَةِ الْهَمْزَةِ الْأُولَى فَتْحَةً، فَانْقَلَبَتِ الْيَاءُ بَعْدَهَا أَلِفًا كَمَا قَالُوا فِي: يَا لَهَفِي، وَيَا أَسَفِي، فَصَارَتِ الْهَمْزَةُ بَيْنَ أَلِفَيْنِ، فَأُبْدِلَ مِنْهَا يَاءٌ ; لِأَنَّ الْهَمْزَةَ قَرِيبَةٌ مِنَ الْأَلِفِ ; فَاسْتَكْرَهُوا اجْتِمَاعَ ثَلَاثِ أَلِفَاتٍ، فَخَطَايَا فَعَالَى فَفِيهَا عَلَى هَذَا خَمْسُ تَغْيِيرَاتٍ: تَقْدِيمُ اللَّامِ عَنْ مَوْضِعِهَا، وَإِبْدَالُ الْكَسْرَةِ فَتْحَةً، وَإِبْدَالُ الْهَمْزَةِ الْأَخِيرَةِ يَاءً، ثُمَّ إِبْدَالُهَا أَلِفًا، ثُمَّ إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ الَّتِي هِيَ لَامٌ يَاءً.
وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: أَصْلُهَا خَطَائِئُ، كَقَوْلِ الْخَلِيلِ، إِلَّا أَنَّهُ أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ يَاءً لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، ثُمَّ أَبْدَلَ مِنَ الْكَسْرَةِ فَتْحَةً فَانْقَلَبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا، ثُمَّ أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ يَاءً، فَلَا تَحْوِيلَ عَلَى مَذْهَبِهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْوَاحِدَةُ خَطِيَّةٌ بِتَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ وَالْإِدْغَامِ فَهُوَ مِثْلُ مَطِيَّةِ وَمَطَايَا.
قَالَ تَعَالَى: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا) : فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالَّذِي قِيلَ لَهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ; فَبَدَّلَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ بِنَفْسِهِ،
стр. 68
وَإِلَى آخَرَ بِالْبَاءِ، وَالَّذِي مَعَ الْبَاءِ هُوَ الْمَتْرُوكُ، وَالَّذِي بِغَيْرِ بَاءٍ هُوَ الْمَوْجُودُ كَقَوْلِ أَبِي النَّجْمِ:
وَبَدَّلْتُ وَالدَّهْرُ ذُو تَبَدُّلٍ ... هَيْفًا دَبُورًا بِالصَّبَا وَالشَّمْأَلِ.
فَالَّذِي انْقَطَعَ عَنْهَا «الصَّبَا» ، وَالَّذِي صَارَ لَهَا الْهَيْفُ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «بَدَّلَ» مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى تَقْدِيرُهُ: فَقَالَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي ; لِأَنَّ تَبْدِيلَ الْقَوْلِ كَانَ بِقَوْلٍ. (مِنَ السَّمَاءِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (أَنْزَلْنَا) . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِرِجْزٍ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وَالرِّجْزُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ. (بِمَا كَانُوا) : الْبَاءُ بِمَعْنَى السَّبَبِ ; أَيْ عَاقَبْنَاهُمْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (اسْتَسْقَى) : الْأَلِفُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ ; لِأَنَّهُ مِنَ السَّقْيِ.
وَأَلِفُ الْعَصَا مِنْ وَاوٍ ; لِأَنَّ تَثْنِيَتَهَا عَصَوَانِ، وَتَقُولُ عَصَوْتُ بِالْعَصَا ; أَيْ ضَرَبْتُ بِهَا، وَالتَّقْدِيرُ: فَضَرَبَ.
(فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ) : مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُسَكِّنُ الشِّينَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرُهَا، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُهَا. (مُفْسِدِينَ) : حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَا تَعْثَوْا: لَا تُفْسِدُوا.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)) .
стр. 69
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ) : مَفْعُولُ يُخْرِجْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ شَيْئًا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ.
وَ «مَا» : بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَلَا تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً ; لِأَنَّ الْمَفْعُولَ الْمُقَدَّرَ لَا يُوصَفُ بِالْإِنْبَاتِ ; لِأَنَّ الْإِنْبَاتَ مَصْدَرٌ، وَالْمَحْذُوفُ جَوْهَرٌ.
(مِنْ بَقْلِهَا) : مِنْ هُنَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ، وَمَوْضِعُهَا نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: مِمَّا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ كَائِنًا مِنْ بَقْلِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ مَا الْأَوْلَى بِإِعَادَةِ حَرْفِ الْجَرِّ، وَالْقِثَّاءُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ. وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا ; وَالْهَمْزَةُ أَصْلٌ لِقَوْلِهِمْ أَقْثَأَتِ الْأَرْضُ، وَاحِدَتُهُ قَثَّاءَةٌ. (أَدْنَى) : أَلِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ دَنَا يَدْنُو إِذَا قَرُبَ. وَلَهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مَا تَقْرُبُ قِيمَتُهُ لِخَسَاسَتِهِ، وَيَسْهُلُ تَحْصِيلُهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْقَرِيبِ مِنْكُمْ لِكَوْنِهِ فِي الدُّنْيَا.
وَ (الَّذِي هُوَ أَدْنَى) : مَا كَانَ مِنَ امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ ; لِأَنَّ نَفْعَهُ مُتَأَخِّرٌ إِلَى الْآخِرَةِ.
وَقِيلَ الْأَلِفُ مُبْدَلَةٌ مِنْ هَمْزَةٍ ; لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مَنْ دَنُؤَ يَدْنُؤُ فَهُوَ دَنِيءٌ، وَالْمَصْدَرُ الدَّنَاءَةُ، وَهُوَ مِنَ الشَّيْءِ الْخَسِيسِ، فَأَبْدَلَ الْهَمْزَةَ أَلِفًا كَمَا قَالَ: «لَا هَنَاكَ الْمَرْتَعُ» .
وَقِيلَ أَصْلُهُ أَدْوَنُ، مِنَ الشَّيْءِ الدُّونِ، فَأَخَّرَ الْوَاوَ فَانْقَلَبَتْ أَلِفًا، فَوَزْنُهُ الْآنَ أَفْلَعَ.
стр. 70
(اهْبِطُوا) : الْجَيِّدُ كَسْرُ الْبَاءِ، وَالضَّمُّ لُغَةٌ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِ (مِصْرًا) : نَكِرَةٌ، فَلِذَلِكَ انْصَرَفَ، وَالْمَعْنَى اهْبِطُوا بَلَدًا مِنَ الْبُلْدَانِ، وَقِيلَ هُوَ مَعْرِفَةٌ، وَانْصَرَفَ لِسُكُونِ أَوْسَطِهِ وَتَرْكُ الصَّرْفِ جَائِزٌ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِ، وَهُوَ مِثْلُ هِنْدٍ، وَدَعْدٌ، وَالْمِصْرُ فِي الْأَصْلِ هُوَ الْحَدُّ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ.
(مَا سَأَلْتُمْ) : مَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ اسْمُ إِنَّ، وَهِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَيَضْعُفُ أَنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً. وَ (بَاءُوا) : الْأَلِفُ فِي بَاءُوا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ لِقَوْلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يَبُوءُ.
(بِغَضَبٍ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ رَجَعُوا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ.
(مِنَ اللَّهِ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِغَضَبٍ. (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ) : ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ، وَبِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ الْخَبَرُ، وَالتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ الْغَضَبُ مُسْتَحَقٌّ بِكُفْرِهِمْ. (النَّبِيِّينَ) : أَصْلُ النَّبِيِّ الْهَمْزَةُ ; لِأَنَّهُ مِنَ النَّبَأِ وَهُوَ الْخَبَرُ ; لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ، لَكِنَّهُ خُفِّفَ بِأَنْ قُلِبَتِ الْهَمْزَةُ يَاءً، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الْيَاءُ الزَّائِدَةُ فِيهَا. وَقِيلَ: مَنْ لَمْ يَهْمِزْ أَخَذَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ ; لِأَنَّ رُتْبَةَ النَّبِيِّ ارْتَفَعَتْ عَنْ رُتَبِ سَائِرِ الْخَلْقِ. وَقِيلَ النَّبِيُّ الطَّرِيقُ، فَالْمُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ طَرِيقُ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ، وَطَرِيقُهُ إِلَى الْخَلْقِ.
وَقَدْ قُرِئَ بِالْهَمْزِ عَلَى الْأَصْلِ. (بِغَيْرِ الْحَقِّ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَقْتُلُونَ، وَالتَّقْدِيرُ: يَقْتُلُونَهُمْ مُبْطِلِينَ،
стр. 71
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قَتْلًا بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ هُوَ تَوْكِيدٌ. (عَصَوْا) : أَصْلُهُ عَصَيُوا، فَلَمَّا تَحَرَّكَتِ الْيَاءُ، وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا، قُلِبَتْ أَلِفًا، ثُمَّ حُذِفَتِ الْأَلِفُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَبَقِيَتِ الْفَتْحَةُ تَدُلُّ عَلَيْهَا، وَالْوَاوُ هُنَا تُدْغَمُ فِي الْوَاوِ الَّتِي بَعْدَهَا ; لِأَنَّهَا مَفْتُوحٌ مَا قَبْلَهَا فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا مَدٌّ يَمْنَعُ مِنَ الْإِدْغَامِ، وَلَهُ فِي الْقُرْآنِ نَظَائِرُ، كَقَوْلِهِ: فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِ انْضَمَّ مَا قَبْلَ
هَذِهِ الْوَاوُ نَحْوُ: آمَنُوا وَعَمِلُوا لَمْ يَجُزْ إِدْغَامُهَا ; لِأَنَّ الْوَاوَ الْمَضْمُومُ مَا قَبْلَهَا يَطُولُ مَدُّهَا، فَيُجْرَى مَجْرَى الْحَاجِزِ بَيْنَ الْحَرْفَيْنِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالصَّابِئِينَ) : يُقْرَأُ بِالْهَمْزِ عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ مِنْ صَبَأَ يَصْبَأُ إِذَا مَالَ، وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَذَلِكَ عَلَى قَلْبِ الْهَمْزَةِ أَلِفًا فِي صَبَا، وَعَلَى قَلْبِهَا يَاءً فِي صَابِي، وَلَمَّا قَلَبَهَا يَاءً حَذَفَهَا مِنْ أَجْلِ يَاءِ الْجَمْعِ.
وَالْأَلِفُ فِي هَادُوا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ ; لِأَنَّهُ مَنْ هَادَ يَهُودُ إِذَا تَابَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ» ، وَيُقَالُ هُوَ مِنَ الْهَوَادَةِ، وَهُوَ الْخُضُوعُ، وَيُقَالُ أَصْلُهَا يَاءٌ مِنْ هَادَ يَهِيدُ إِذَا تَحَرَّكَ: مَنْ آمَنُ مَنْ هُنَا شُرْطِيَّةٌ فِي مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ وَالْخَبَرُ آمَنَ، وَالْجَوَابُ: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ إِنَّ الَّذِينَ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ بِمَعْنَى الَّذِي غَيْرُ جَازِمَةٍ، وَيَكُونَ بَدَلًا مِنَ اسْمِ إِنَّ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْضًا، وَخَبَرُ إِنَّ: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ.
стр. 72
وَقَدْ حُمِلَ عَلَى لَفْظِ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ، فَوَحَّدَ الضَّمِيرَ، وَحَمَلَ عَلَى مَعْنَاهَا: «فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ» فَجَمَعَ. وَ (أَجْرُهُمْ) : مُبْتَدَأٌ، وَلَهُمْ خَبَرُهُ، وَعِنْدَ الْأَخْفَشِ أَنَّ أَجْرَهُمْ مَرْفُوعٌ بِالْجَارِّ وَ (عِنْدَ) : ظَرْفٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْأَجْرِ، تَقْدِيرُهُ: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ثَابِتًا عِنْدَ. «رَبِّهِمْ» وَالْأَجْرُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ يُقَالُ أَجَرَهُ اللَّهُ يَأْجُرُهُ أَجْرًا، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ بِهِ ; لِأَنَّ الْأَجْرَ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُجَازَى بِهِ الْمُطِيعُ فَهُوَ مَأْجُورٌ بِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَوْقَكُمُ) : ظَرْفٌ لِرَفَعْنَا. وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الطُّورِ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ يَصِيرُ رَفَعْنَا الطُّورَ عَالِيًا، وَقَدِ اسْتُفِيدَ هَذَا مِنْ رَفَعْنَا، وَلِأَنَّ الْجَبَلَ لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُمْ وَقْتَ الرَّفْعِ، وَإِنَّمَا صَارَ فَوْقَهُمْ بِالرَّفْعِ. (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ) : التَّقْدِيرُ: وَقُلْنَا خُذُوا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ الْمَحْذُوفُ حَالًا، وَالتَّقْدِيرُ: رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ قَائِلِينَ خُذُوا.
(بِقُوَّةٍ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ الْمُقَدَّرَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: خُذُوا الَّذِي آتَيْنَاكُمُوهُ عَازِمِينَ عَلَى الْجِدِّ فِي الْعَمَلِ بِهِ ; وَصَاحِبُ الْحَالِ الْوَاوُ فِي خُذُوا
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَحْذُوفِ، وَالتَّقْدِيرُ: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمُوهُ، وَفِيهِ الشِّدَّةُ وَالتَّشَدُّدُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْعَمَلِ بِهِ.
стр. 73
قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَوْلَا) : هِيَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ لَوْ وَلَا، وَلَوْ قَبْلَ التَّرْكِيبِ يَمْتَنِعُ بِهَا الشَّيْءُ لِامْتِنَاعِ غَيْرِهِ، وَلَا لِلنَّفْيِ وَالِامْتِنَاعُ نَفْيٌ فِي الْمَعْنَى، فَقَدْ دَخَلَ النَّفْيُ بِلَا عَلَى أَحَدِ امْتِنَاعَيْ لَوْ، وَالِامْتِنَاعُ نَفْيٌ فِي الْمَعْنَى، وَالنَّفْيُ إِذَا دَخَلَ عَلَى النَّفْيِ صَارَ إِيجَابًا، فَمِنْ هُنَا صَارَ مَعْنَى لَوْلَا هَذِهِ يَمْتَنِعُ بِهَا الشَّيْءُ لِوُجُودِ غَيْرِهِ
وَ (فَضْلُ اللَّهِ) : مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ، لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ حَاضِرٌ، وَلَزِمَ حَذْفُ الْخَبَرِ لِقِيَامِ الْعِلْمِ بِهِ، وَطُولِ الْكَلَامِ بِجَوَابِ لَوْلَا، فَإِنْ وَقَعَتْ أَنَّ بَعْدَ لَوْلَا، ظَهَرَ الْخَبَرُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) فَالْخَبَرُ فِي اللَّفْظِ لِأَنَّ
وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ الِاسْمَ الْوَاقِعَ بَعْدَ لَوْلَا هَذِهِ فَاعِلُ لَوْلَا.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)) .
قَوْلُهُ: (عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا) : عَلِمْتُمْ هَاهُنَا بِمَعْنَى عَرَفْتُمْ، فَيَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ. وَ (مِنْكُمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ حَالًا مِنَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا ; أَيِ الْمُعْتَدِينَ كَائِنِينَ مِنْكُمْ. وَ (فِي السَّبْتِ) : مُتَعَلِّقٌ بِـ (اعْتَدَوْا) ، وَأَصْلُ السَّبْتِ مَصْدَرٌ، يُقَالُ سَبَتَ يَسْبُتُ سَبْتًا إِذَا قَطَعَ، ثُمَّ سَمَّى الْيَوْمَ سَبْتًا، وَقَدْ يُقَالُ يَوْمَ السَّبْتِ، فَيَخْرُجُ مَصْدَرًا عَلَى أَصْلِهِ، وَقَدْ قَالُوا: الْيَوْمُ السَّبْتُ، فَجَعَلُوا الْيَوْمَ خَبَرًا عَنِ السَّبْتِ، كَمَا يُقَالُ الْيَوْمَ الْقِتَالُ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا، يَكُونُ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فِي يَوْمِ السَّبْتِ. (
стр. 74
خَاسِئِينَ) : الْفِعْلُ مِنْهُ خَسَأَ إِذَا ذَلَّ، فَهُوَ لَازِمُ مُطَاوِعُ خَسَأْتَهُ، فَاللَّازِمُ مِنْهُ وَالْمُتَعَدِّي بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ; مِثْلُ زَادَ الشَّيْءُ وَزِدْتُهُ، وَغَاضَ الْمَاءُ وَغِضْتُهُ
وَهُوَ صِفَةٌ لِقِرَدَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ فَاعِلِ كَانَ وَالْعَامِلُ فِيهَا كَانَ.
قَالَ تَعَالَى: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَجَعَلْنَاهَا) : الضَّمِيرُ لِلْعُقُوبَةِ أَوِ الْمِسْخَةِ أَوِ الْأُمَّةِ. وَ (نَكَالًا) : مَفْعُولٌ ثَانٍ
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَأْمُرُكُمْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الرَّاءِ، وَقُرِئَ بِإِسْكَانِهَا ; لِأَنَّ الْكَافَ مُتَحَرِّكَةٌ وَقَبْلَ الرَّاءِ حَرَكَةٌ، فَسَكَّنُوا الْأَوْسَطَ تَشْبِيهًا لَهُ بِعَضُدٍ، وَأَجْرَوُا الْمُنْفَصِلَ مُجْرَى الْمُتَّصِلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَلِسُ وَلَا يُسَكِّنُ، وَالْجَيِّدُ هَمْزُهُ.
وَقُرِئَ بِالْأَلِفِ عَلَى إِبْدَالِ الْهَمْزَةِ أَلِفًا لِسُكُونِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، وَمِثْلُهُ الرَّاسُ وَالْبَاسُ. (أَنْ تَذْبَحُوا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى تَقْدِيرِ إِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ، وَتَقْدِيرُهُ بِأَنْ تَذْبَحُوا، وَعَلَى قَوْلِ الْخَلِيلِ هُوَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِالْبَاءِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الْخَلِيلُ هُوَ هُنَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، فَتَعَدَّى أَمَرْتُ بِنَفْسِهِ كَمَا قَالَ: أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ فَافْعَلْ. (
стр. 75
هُزُوًا) : مَصْدَرٌ، وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ: الْهَمْزُ وَضَمُّ الزَّايِ، وَالْهَمْزُ وَسُكُونُ الزَّايِ، وَقَلْبُ الْهَمْزَةِ وَاوًا مَعَ ضَمِّ الزَّايِ، وَرُبَّمَا سُكِّنَتِ الزَّايُ أَيْضًا.
وَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِاتَّخَذَ، وَفِيهِ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أَتَتَّخِذُنَا ذَوِي هُزُؤٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، تَقْدِيرُهُ: مَهْزُوءًا بِهِمْ.
وَجَوَابُ الِاسْتِفْهَامِ مَعْنًى: «أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ» لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْهَازِئَ جَاهِلٌ ; كَأَنَّهُ قَالَ لَا أَهْزَأُ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَادْعُ لَنَا) : اللُّغَةُ الْجَيِّدَةُ ضَمُّ الْعَيْنِ، وَالْوَاوُ مَحْذُوفَةٌ عَلَامَةً لِلْبِنَاءِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَلِلْجَزْمِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ.
وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَكْسِرُ الْعَيْنَ، وَوَجْهُهَا أَنَّهُ قَدَّرَ الْعَيْنَ سَاكِنَةً كَأَنَّهَا آخِرُ الْفِعْلِ، ثُمَّ كَسَرَهَا لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ الدَّالِ قَبْلَهَا.
(مَا لَوْنُهَا) : مَا اسْمٌ لِلِاسْتِفْهَامِ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَلَوْنُهَا الْخَبَرُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (يُبَيِّنْ) ، وَلَوْ قُرِئَ لَوْنَهَا بِالنَّصْبِ، لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ ; وَهُوَ أَنْ تَجْعَلَ مَا زَائِدَةً كَهِيَ فِي قَوْلِهِ: (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ) [الْقَصَصِ: ٢٨] وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: يُبَيِّنْ لَنَا لَوْنَهَا.
وَأَمَّا (مَا هِيَ) : فَابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ لَا غَيْرَ، إِذْ لَا يُمْكِنُ جَعْلُ مَا زَائِدَةً ; لِأَنَّ ((هِيَ)) لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ يُبَيِّنْ.
(لَا فَارِضٌ) : صِفَةٌ لِبَقَرَةٍ، وَ «لَا» لَا تَمْنَعُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا دَخَلَتْ لِمَعْنَى النَّفْيِ، فَهُوَ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لَا طَوِيلٍ وَلَا قَصِيرٍ، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ ; أَيْ لَا هِيَ فَارِضٌ. (وَلَا بِكْرٌ) : مِثْلُهُ، وَكَذَلِكَ: ((عَوَانٌ)) .
следующие страницы →