← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22928

التبيان في إعراب القرآن

أبو البقاء العكبري

Полный текст (1 313 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قَتْلًا بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ هُوَ تَوْكِيدٌ. (عَصَوْا) : أَصْلُهُ عَصَيُوا، فَلَمَّا تَحَرَّكَتِ الْيَاءُ، وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا، قُلِبَتْ أَلِفًا، ثُمَّ حُذِفَتِ الْأَلِفُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَبَقِيَتِ الْفَتْحَةُ تَدُلُّ عَلَيْهَا، وَالْوَاوُ هُنَا تُدْغَمُ فِي الْوَاوِ الَّتِي بَعْدَهَا ; لِأَنَّهَا مَفْتُوحٌ مَا قَبْلَهَا فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا مَدٌّ يَمْنَعُ مِنَ الْإِدْغَامِ، وَلَهُ فِي الْقُرْآنِ نَظَائِرُ، كَقَوْلِهِ: فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِ انْضَمَّ مَا قَبْلَ هَذِهِ الْوَاوُ نَحْوُ: آمَنُوا وَعَمِلُوا لَمْ يَجُزْ إِدْغَامُهَا ; لِأَنَّ الْوَاوَ الْمَضْمُومُ مَا قَبْلَهَا يَطُولُ مَدُّهَا، فَيُجْرَى مَجْرَى الْحَاجِزِ بَيْنَ الْحَرْفَيْنِ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالصَّابِئِينَ) : يُقْرَأُ بِالْهَمْزِ عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ مِنْ صَبَأَ يَصْبَأُ إِذَا مَالَ، وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَذَلِكَ عَلَى قَلْبِ الْهَمْزَةِ أَلِفًا فِي صَبَا، وَعَلَى قَلْبِهَا يَاءً فِي صَابِي، وَلَمَّا قَلَبَهَا يَاءً حَذَفَهَا مِنْ أَجْلِ يَاءِ الْجَمْعِ. وَالْأَلِفُ فِي هَادُوا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ ; لِأَنَّهُ مَنْ هَادَ يَهُودُ إِذَا تَابَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: «إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ» ، وَيُقَالُ هُوَ مِنَ الْهَوَادَةِ، وَهُوَ الْخُضُوعُ، وَيُقَالُ أَصْلُهَا يَاءٌ مِنْ هَادَ يَهِيدُ إِذَا تَحَرَّكَ: مَنْ آمَنُ مَنْ هُنَا شُرْطِيَّةٌ فِي مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ وَالْخَبَرُ آمَنَ، وَالْجَوَابُ: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ إِنَّ الَّذِينَ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ بِمَعْنَى الَّذِي غَيْرُ جَازِمَةٍ، وَيَكُونَ بَدَلًا مِنَ اسْمِ إِنَّ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْضًا، وَخَبَرُ إِنَّ: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ.

стр. 72

وَقَدْ حُمِلَ عَلَى لَفْظِ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ، فَوَحَّدَ الضَّمِيرَ، وَحَمَلَ عَلَى مَعْنَاهَا: «فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ» فَجَمَعَ. وَ (أَجْرُهُمْ) : مُبْتَدَأٌ، وَلَهُمْ خَبَرُهُ، وَعِنْدَ الْأَخْفَشِ أَنَّ أَجْرَهُمْ مَرْفُوعٌ بِالْجَارِّ وَ (عِنْدَ) : ظَرْفٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْأَجْرِ، تَقْدِيرُهُ: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ثَابِتًا عِنْدَ. «رَبِّهِمْ» وَالْأَجْرُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ يُقَالُ أَجَرَهُ اللَّهُ يَأْجُرُهُ أَجْرًا، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ بِهِ ; لِأَنَّ الْأَجْرَ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُجَازَى بِهِ الْمُطِيعُ فَهُوَ مَأْجُورٌ بِهِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَوْقَكُمُ) : ظَرْفٌ لِرَفَعْنَا. وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الطُّورِ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ يَصِيرُ رَفَعْنَا الطُّورَ عَالِيًا، وَقَدِ اسْتُفِيدَ هَذَا مِنْ رَفَعْنَا، وَلِأَنَّ الْجَبَلَ لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُمْ وَقْتَ الرَّفْعِ، وَإِنَّمَا صَارَ فَوْقَهُمْ بِالرَّفْعِ. (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ) : التَّقْدِيرُ: وَقُلْنَا خُذُوا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ الْمَحْذُوفُ حَالًا، وَالتَّقْدِيرُ: رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ قَائِلِينَ خُذُوا. (بِقُوَّةٍ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ الْمُقَدَّرَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: خُذُوا الَّذِي آتَيْنَاكُمُوهُ عَازِمِينَ عَلَى الْجِدِّ فِي الْعَمَلِ بِهِ ; وَصَاحِبُ الْحَالِ الْوَاوُ فِي خُذُوا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَحْذُوفِ، وَالتَّقْدِيرُ: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمُوهُ، وَفِيهِ الشِّدَّةُ وَالتَّشَدُّدُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْعَمَلِ بِهِ.

стр. 73

قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَوْلَا) : هِيَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ لَوْ وَلَا، وَلَوْ قَبْلَ التَّرْكِيبِ يَمْتَنِعُ بِهَا الشَّيْءُ لِامْتِنَاعِ غَيْرِهِ، وَلَا لِلنَّفْيِ وَالِامْتِنَاعُ نَفْيٌ فِي الْمَعْنَى، فَقَدْ دَخَلَ النَّفْيُ بِلَا عَلَى أَحَدِ امْتِنَاعَيْ لَوْ، وَالِامْتِنَاعُ نَفْيٌ فِي الْمَعْنَى، وَالنَّفْيُ إِذَا دَخَلَ عَلَى النَّفْيِ صَارَ إِيجَابًا، فَمِنْ هُنَا صَارَ مَعْنَى لَوْلَا هَذِهِ يَمْتَنِعُ بِهَا الشَّيْءُ لِوُجُودِ غَيْرِهِ وَ (فَضْلُ اللَّهِ) : مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ، لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ حَاضِرٌ، وَلَزِمَ حَذْفُ الْخَبَرِ لِقِيَامِ الْعِلْمِ بِهِ، وَطُولِ الْكَلَامِ بِجَوَابِ لَوْلَا، فَإِنْ وَقَعَتْ أَنَّ بَعْدَ لَوْلَا، ظَهَرَ الْخَبَرُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) فَالْخَبَرُ فِي اللَّفْظِ لِأَنَّ وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ الِاسْمَ الْوَاقِعَ بَعْدَ لَوْلَا هَذِهِ فَاعِلُ لَوْلَا. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)) . قَوْلُهُ: (عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا) : عَلِمْتُمْ هَاهُنَا بِمَعْنَى عَرَفْتُمْ، فَيَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ. وَ (مِنْكُمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ حَالًا مِنَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا ; أَيِ الْمُعْتَدِينَ كَائِنِينَ مِنْكُمْ. وَ (فِي السَّبْتِ) : مُتَعَلِّقٌ بِـ (اعْتَدَوْا) ، وَأَصْلُ السَّبْتِ مَصْدَرٌ، يُقَالُ سَبَتَ يَسْبُتُ سَبْتًا إِذَا قَطَعَ، ثُمَّ سَمَّى الْيَوْمَ سَبْتًا، وَقَدْ يُقَالُ يَوْمَ السَّبْتِ، فَيَخْرُجُ مَصْدَرًا عَلَى أَصْلِهِ، وَقَدْ قَالُوا: الْيَوْمُ السَّبْتُ، فَجَعَلُوا الْيَوْمَ خَبَرًا عَنِ السَّبْتِ، كَمَا يُقَالُ الْيَوْمَ الْقِتَالُ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا، يَكُونُ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فِي يَوْمِ السَّبْتِ. (

стр. 74

خَاسِئِينَ) : الْفِعْلُ مِنْهُ خَسَأَ إِذَا ذَلَّ، فَهُوَ لَازِمُ مُطَاوِعُ خَسَأْتَهُ، فَاللَّازِمُ مِنْهُ وَالْمُتَعَدِّي بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ; مِثْلُ زَادَ الشَّيْءُ وَزِدْتُهُ، وَغَاضَ الْمَاءُ وَغِضْتُهُ وَهُوَ صِفَةٌ لِقِرَدَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ فَاعِلِ كَانَ وَالْعَامِلُ فِيهَا كَانَ. قَالَ تَعَالَى: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَجَعَلْنَاهَا) : الضَّمِيرُ لِلْعُقُوبَةِ أَوِ الْمِسْخَةِ أَوِ الْأُمَّةِ. وَ (نَكَالًا) : مَفْعُولٌ ثَانٍ قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَأْمُرُكُمْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الرَّاءِ، وَقُرِئَ بِإِسْكَانِهَا ; لِأَنَّ الْكَافَ مُتَحَرِّكَةٌ وَقَبْلَ الرَّاءِ حَرَكَةٌ، فَسَكَّنُوا الْأَوْسَطَ تَشْبِيهًا لَهُ بِعَضُدٍ، وَأَجْرَوُا الْمُنْفَصِلَ مُجْرَى الْمُتَّصِلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَلِسُ وَلَا يُسَكِّنُ، وَالْجَيِّدُ هَمْزُهُ. وَقُرِئَ بِالْأَلِفِ عَلَى إِبْدَالِ الْهَمْزَةِ أَلِفًا لِسُكُونِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، وَمِثْلُهُ الرَّاسُ وَالْبَاسُ. (أَنْ تَذْبَحُوا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى تَقْدِيرِ إِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ، وَتَقْدِيرُهُ بِأَنْ تَذْبَحُوا، وَعَلَى قَوْلِ الْخَلِيلِ هُوَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِالْبَاءِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الْخَلِيلُ هُوَ هُنَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، فَتَعَدَّى أَمَرْتُ بِنَفْسِهِ كَمَا قَالَ: أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ فَافْعَلْ. (

стр. 75

هُزُوًا) : مَصْدَرٌ، وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ: الْهَمْزُ وَضَمُّ الزَّايِ، وَالْهَمْزُ وَسُكُونُ الزَّايِ، وَقَلْبُ الْهَمْزَةِ وَاوًا مَعَ ضَمِّ الزَّايِ، وَرُبَّمَا سُكِّنَتِ الزَّايُ أَيْضًا. وَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِاتَّخَذَ، وَفِيهِ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أَتَتَّخِذُنَا ذَوِي هُزُؤٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، تَقْدِيرُهُ: مَهْزُوءًا بِهِمْ. وَجَوَابُ الِاسْتِفْهَامِ مَعْنًى: «أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ» لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْهَازِئَ جَاهِلٌ ; كَأَنَّهُ قَالَ لَا أَهْزَأُ. قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَادْعُ لَنَا) : اللُّغَةُ الْجَيِّدَةُ ضَمُّ الْعَيْنِ، وَالْوَاوُ مَحْذُوفَةٌ عَلَامَةً لِلْبِنَاءِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَلِلْجَزْمِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ. وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَكْسِرُ الْعَيْنَ، وَوَجْهُهَا أَنَّهُ قَدَّرَ الْعَيْنَ سَاكِنَةً كَأَنَّهَا آخِرُ الْفِعْلِ، ثُمَّ كَسَرَهَا لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ الدَّالِ قَبْلَهَا. (مَا لَوْنُهَا) : مَا اسْمٌ لِلِاسْتِفْهَامِ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَلَوْنُهَا الْخَبَرُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (يُبَيِّنْ) ، وَلَوْ قُرِئَ لَوْنَهَا بِالنَّصْبِ، لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ ; وَهُوَ أَنْ تَجْعَلَ مَا زَائِدَةً كَهِيَ فِي قَوْلِهِ: (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ) [الْقَصَصِ: ٢٨] وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: يُبَيِّنْ لَنَا لَوْنَهَا. وَأَمَّا (مَا هِيَ) : فَابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ لَا غَيْرَ، إِذْ لَا يُمْكِنُ جَعْلُ مَا زَائِدَةً ; لِأَنَّ ((هِيَ)) لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ يُبَيِّنْ. (لَا فَارِضٌ) : صِفَةٌ لِبَقَرَةٍ، وَ «لَا» لَا تَمْنَعُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا دَخَلَتْ لِمَعْنَى النَّفْيِ، فَهُوَ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لَا طَوِيلٍ وَلَا قَصِيرٍ، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ ; أَيْ لَا هِيَ فَارِضٌ. (وَلَا بِكْرٌ) : مِثْلُهُ، وَكَذَلِكَ: ((عَوَانٌ)) .

стр. 76

(بَيْنَ ذَلِكَ) : أَيْ بَيْنَهُمَا، ((وَذَلِكَ)) لَمَّا صَلُحَ لِلتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ جَازَ دُخُولُ ((بَيْنَ)) عَلَيْهِ، وَاكْتَفَى بِهِ. (مَا تُؤْمَرُونَ) : أَيْ بِهِ، أَوْ تُؤْمَرُونَهُ، وَمَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً ; لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى الْعُمُومِ، وَهُوَ بِالَّذِي أَشْبَهُ. قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاقِعٌ لَوْنُهَا) : إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ((فَاقِعٌ)) صِفَةً، وَلَوْنُهَا مَرْفُوعًا بِهِ، وَإِنْ شِئْتَ كَانَ خَبَرًا مُقَدَّمًا وَالْجُمْلَةُ صِفَةً. (تَسُرُّ) : صِفَةٌ أَيْضًا، وَقِيلَ ((فَاقِعٌ)) صِفَةٌ لِلْبَقَرَةِ، وَلَوْنُهَا مُبْتَدَأٌ، وَتَسُرُّ خَبَرُهُ، وَأَنَّثَ اللَّوْنَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّوْنَ صُفْرَةٌ هَاهُنَا فَحُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى. وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّوْنَ مُضَافٌ إِلَى الْمُؤَنَّثِ فَأُنِّثَ، كَمَا قَالَ ذَهَبَتْ بَعْضُ أَصَابِعِهِ، وَ (تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) . قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الْبَقَرَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى قِرَاءَةِ الْبَقَرِ بِغَيْرِ أَلِفٍ هُوَ جِنْسٌ لِلْبَقَرَةِ ; وَقُرِئَ شَاذًّا «إِنَّ الْبَاقِرَ» وَهُوَ اسْمُ جَمْعِ بَقَرَةٍ وَمِثْلُهُ الْجَامِلُ. (تَشَابَهَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى تَخْفِيفِ الشِّينِ، وَفَتْحِ الْهَاءِ ; لِأَنَّ الْبَقْرَةَ تُذَكَّرُ، وَالْفِعْلُ مَاضٍ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْهَاءِ مَعَ التَّخْفِيفِ عَلَى تَأْنِيثِ الْبَقَرِ، إِذْ كَانَتْ كَالْجَمْعِ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الشِّينِ، وَأَصْلُهُ تَتَشَابَهُ، فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ الثَّانِيَةُ شِينًا، ثُمَّ أُدْغِمَتْ [يُوسُفَ: ١٠] ،

стр. 77

وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِالْيَاءِ عَلَى التَّذْكِيرِ. (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) : جَوَابُ الشَّرْطِ إِنْ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَجَازَ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ الشَّرْطُ مُتَوَسِّطًا، وَخَبَرُ إِنْ هُوَ جَوَابُ الشَّرْطِ فِي الْمَعْنَى، وَقَدْ وَقَعَ بَعْدَهُ فَصَارَ التَّقْدِيرُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ هِدَايَتَنَا اهْتَدَيْنَا، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ هِدَايَتَنَا. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: الْجَوَابُ مَحْذُوفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْجُمْلَةُ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ مُعْتَرِضٌ، فَالنِّيَّةُ بِهِ التَّأْخِيرُ فَيَصِيرُ كَقَوْلِكَ: أَنْتَ ظَالِمٌ إِنْ فَعَلْتَ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا ذَلُولٌ) : إِذَا وَقَعَ فَعُولٌ صِفَةً لَمْ يَدْخُلْهُ الْهَاءُ لِلتَّأْنِيثِ، تَقُولُ: امْرَأَةٌ صَبُورٌ شَكُورٌ، وَهُوَ بِنَاءٌ لِلْمُبَالَغَةِ. وَذَلُولٌ: رُفِعَ صِفَةً لِلْبَقَرَةِ، أَوْ خَبَرَ ابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٍ، وَتَكُونُ الْجُمْلَةُ صِفَةً. (تُثِيرُ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي ذَلُولٍ، تَقْدِيرُهُ: لَا تَذِلُّ فِي حَالِ إِثَارَتِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَفْعًا إِتْبَاعًا لِذَلُولٍ. وَقِيلَ: هُوَ مُسْتَأْنَفٌ ; أَيْ هِيَ تُثِيرُ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْبَقَرَةَ كَانَتْ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَمْ تَكُنْ تَسْقِي الزَّرْعَ، وَهُوَ قَوْلٌ بَعِيدٌ مِنَ الصِّحَّةِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ: (وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ) : فَنَفَى الْمَعْطُوفَ ; فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى وَاحِدٌ. أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ قَائِمٍ وَلَا قَاعِدٍ، بَلْ تَقُولُ: لَا قَاعِدٍ بِغَيْرِ وَاوٍ، كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُنَا. وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَوْ أَثَارَتِ الْأَرْضَ لَكَانَتْ ذَلُولًا، وَقَدْ نَفَى ذَلِكَ. وَيَجُوزُ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَثْبَتَ هَذَا الْوَجْهَ أَنْ تَكُونَ تُثِيرُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةً لِلْبَقَرَةِ. (وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً أَيْضًا ; وَأَنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٍ. وَكَذَلِكَ: (مُسَلَّمَةٌ) ، وَ «لَا شِيَةَ فِيهَا» وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً.

стр. 78

وَالْأَصْلُ فِي (شِيَةَ وَشِيَةَ) ; لِأَنَّهُ مِنْ وَشَا يَشِي، فَلَمَّا حُذِفَتِ الْوَاوُ فِي الْفِعْلِ حُذِفَتْ فِي الْمَصْدَرِ، وَعُوِّضَتِ التَّاءُ مِنَ الْمَحْذُوفِ، وَوَزْنُهَا الْآنَ عِلَةَ. وَفِيهَا خَبَرٌ لَا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ. (قَالُوا الْآنَ) : الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْآنَ زَائِدَةٌ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ ; قَالَ الزَّجَّاجُ: بُنِيَ ; لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى حَرْفِ الْإِشَارَةِ ; كَأَنَّكَ قُلْتَ هَذَا الْوَقْتَ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: بُنِيَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى لَامِ التَّعْرِيفِ ; لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الْمَلْفُوظَ بِهِمَا لَمْ تُعَرِّفْهُ وَلَا هُوَ عَلَمٌ وَلَا مُضْمَرٌ ; وَلَا شَيْءٌ مِنْ أَقْسَامِ الْمَعَارِفِ ; فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ تَعْرِيفُهُ بِاللَّامِ الْمُقَدَّرَةِ، وَاللَّامُ هُنَا زَائِدَةٌ زِيَادَةً لَازِمَةً، كَمَا لَزِمَتْ فِي الَّذِي، وَفِي اسْمِ اللَّهِ. وَفِي الْآنَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: تَحْقِيقُ الْهَمْزَةِ ; وَهُوَ الْأَصْلُ. وَالثَّانِي: إِلْقَاءُ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ عَلَى اللَّامِ وَحَذْفُهَا وَحَذْفُ أَلِفِ اللَّامِ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ; لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ اللَّامِ فِي الْأَصْلِ ; لِأَنَّ حَرَكَةَ اللَّامِ هَاهُنَا عَارِضَةٌ. وَالثَّالِثُ: كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُمْ حَذَفُوا أَلِفَ اللَّامِ لَمَّا تَحَرَّكَتِ اللَّامُ فَظَهَرَتِ الْوَاوُ فِي قَالُوا. وَالرَّابِعُ: إِثْبَاتُ الْوَاوِ فِي اللَّفْظِ وَقَطْعُ أَلِفِ اللَّامِ وَهُوَ بَعِيدٌ. (بِالْحَقِّ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ ; وَالتَّقْدِيرُ أَجَأْتَ الْحَقَّ ; أَوْ ذَكَرْتَ الْحَقَّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ التَّاءِ تَقْدِيرُهُ: جِئْتَ وَمَعَكَ الْحَقُّ.

стр. 79

قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)) . (وَإِذْ قَتَلْتُمْ) : تَقْدِيرُهُ: اذْكُرُوا إِذْ. (فَادَّارَأْتُمْ) : أَصْلُ الْكَلِمَةِ تَدَارَأْتُمْ، وَوَزْنُهُ تَفَاعَلْتُمْ، ثُمَّ أَرَادُوا التَّخْفِيفَ فَقَلَبُوا التَّاءَ دَالًا، لِتَصِيرَ مِنْ جِنْسِ الدَّالِ الَّتِي هِيَ فَاءُ الْكَلِمَةِ، لِتَمَكُّنِ الْإِدْغَامِ، ثُمَّ سَكَّنُوا الدَّالَ إِذْ شَرْطُ الْإِدْغَامِ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ سَاكِنًا، فَلَمْ يُمْكِنِ الِابْتِدَاءُ بِالسَّاكِنِ، فَاجْتُلِبَتْ لَهُ هَمْزَةُ الْوَصْلِ، فَوَزْنُهُ الْآنَ افَّاعَلْتُمْ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ، مَقْلُوبٌ مِنَ اتْفَاعَلْتُمْ، وَالْفَاءُ الْأُولَى زَائِدَةٌ، وَلَكِنَّهَا صَارَتْ مِنْ جِنْسِ الْأَصْلِ، فَيُنْطَقُ بِهَا مُشَدَّدَةً لَا لِأَنَّهُمَا أَصْلَانِ ; بَلْ لِأَنَّ الزَّائِدَ مِنْ جِنْسِ الْأَصْلِ ; فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِكَ: ضَرَّبَ بِالتَّشْدِيدِ فَإِنَّ إِحْدَى الرَّاءَيْنِ زَائِدَةٌ، وَوَزْنُهُ فَعَّلَ بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ كَمَا كَانَتِ الرَّاءُ كَذَلِكَ، وَلَمْ نَقُلْ فِي الْوَزْنِ فَعْرَلَ وَلَا فَرْعَلَ، فَيُؤْتَى بِالرَّاءِ الزَّائِدَةِ فِي الْمِثَالِ، بَلْ زِيدَتِ الْعَيْنُ فِي الْمِثَالِ، كَمَا زِيدَتْ فِي الْأَصْلِ، وَكَانَتْ مِنْ جِنْسِهِ، فَكَذَلِكَ التَّاءُ فِي تَدَارَأْتُمْ صَارَتْ بِالْإِبْدَالِ دَالًا مِنْ جِنْسِ فَاءِ الْكَلِمَةِ. فَإِنْ سُئِلَ عَنِ الْوَزْنِ لِيَبِينَ الْأَصْلُ مِنَ الزَّائِدِ بِلَفْظِهِ الْأَوَّلِ أَوِ الثَّانِي، كَانَ الْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: وَزْنُ أَصْلِهِ الْأَوَّلِ تَفَاعَلْتُمْ ; وَالثَّانِي: اتْفَاعَلْتُمْ ; وَالثَّالِثِ: افَّاعَلْتُمْ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: (اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) [التَّوْبَةِ: ٣٨] ، وَ (حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا) [الْأَعْرَافِ: ٣٨] . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) : ((مَا)) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمُخْرِجٍ، وَهِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وَيَكُونَ الْمَصْدَرُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ ; أَيْ يُخْرِجُ كَتْمَكُمْ، أَيْ مَكْتُومَكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى إِحْيَاءً مِثْلَ ذَلِكَ. وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَضَرَبُوهَا فَحَيِيَتْ.

стр. 80

قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ) : الْكَافُ حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَهِيَ مُسْتَقِرَّةٌ كَالْحِجَارَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا بِمَعْنَى مِثْلِ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ. (أَوْ أَشَدُّ) : «أَوْ» هَاهُنَا كَأَوْ فِي قَوْلِهِ: (أَوْ كَصَيِّبٍ) [الْبَقَرَةِ: ١٩] وَأَشَدُّ مَعْطُوفٌ عَلَى الْكَافِ تَقْدِيرُهُ: أَوْ هِيَ أَشَدُّ، وَقُرِئَ بِفَتْحِ الدَّالِ عَلَى أَنَّهُ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى الْحِجَارَةِ تَقْدِيرُهُ: أَوْ كَأَشَدِّ مِنَ الْحِجَارَةِ. وَ (قَسْوَةً) : تَمْيِيزٌ، وَهِيَ مَصْدَرٌ (لَمَا يَتَفَجَّرُ) : مَا بِمَعْنَى الَّذِي فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ اسْمُ إِنَّ وَاللَّامُ لِلتَّوْكِيدِ. وَلَوْ قُرِئَ بِالتَّاءِ جَازَ وَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ لَجَازَ «مِنْهَا» عَلَى الْمَعْنَى (يَشَّقَّقُ) : أَصْلُهُ يَتَشَقَّقُ فَقُلِبَتِ التَّاءُ شِينًا وَأُدْغِمَتْ، وَفَاعِلُهُ ضَمِيرُ مَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلَهُ ضَمِيرُ الْمَاءِ لِأَنَّ: يَشَقَّقُ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ لِلْمَاءِ عَلَى الْمَعْنَى ; فَيَكُونُ مَعَكَ فِعْلَانِ، فَيَعْمَلُ الثَّانِي مِنْهُمَا فِي الْمَاءِ ; وَفَاعِلُ الْأَوَّلِ مُضْمَرٌ عَلَى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ. وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ يَعْمَلُ الْأَوَّلُ فَيَكُونُ فِي الثَّانِي ضَمِيرُهُ. (مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) : مِنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (يَهْبِطُ) كَمَا تَقُولُ يَهْبِطُ بِخَشْيَةِ اللَّهِ. (عَمَّا تَعْمَلُونَ) : مَا بِمَعْنَى الَّذِي وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. قَالَ تَعَالَى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ) حَرْفُ الْجَرِّ مَحْذُوفٌ، أَيْ: فِي أَنْ يُؤْمِنُوا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَوْضِعِ مِثْلِ هَذَا مِنَ الْإِعْرَابِ: (

стр. 81

وَقَدْ كَانَ) الْوَاوُ وَاوُ الْحَالِ وَالتَّقْدِيرُ أَفَتَطْمَعُونَ فِي إِيمَانِهِمْ وَشَأْنُهُمُ الْكَذِبُ وَالتَّحْرِيفُ: مِنْهُمْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةٌ لِفَرِيقٍ: وَيَسْمَعُونَ خَبَرُ كَانَ وَأَجَازَ قَوْمٌ أَنْ يَكُونَ يَسْمَعُونَ صِفَةً لِفَرِيقٍ وَمِنْهُمُ الْخَبَرُ وَهُوَ ضَعِيفٌ: (مَا عَقَلُوهُ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ حَالٌ وَالْعَامِلُ فِيهَا يُحَرِّفُونَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ عَقَلُوهُ وَيَكُونُ حَالًا مُؤَكِّدَةً. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِمَا فَتَحَ اللَّهُ) يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا بِمَعْنَى الَّذِي وَأَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وَأَنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً. (لِيُحَاجُّوكُمْ) : اللَّامُ بِمَعْنَى كَيْ وَالنَّاصِبُ لِلْفِعْلِ أَنْ مُضْمَرَةٌ لِأَنَّ اللَّامَ فِي الْحَقِيقَةِ حَرْفُ جَرٍّ وَلَا تَدْخُلُ إِلَّا عَلَى الِاسْمِ وَأَكْثَرُ الْعَرَبِ يَكْسِرُ هَذِهِ اللَّامَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُمِّيُّونَ) : مُبْتَدَأٌ، وَمَا قَبْلَهُ الْخَبَرُ، وَيَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ أَنْ يَرْتَفِعَ بِالظَّرْفِ. (لَا يَعْلَمُونَ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةٌ لِأُمِّيِّينَ. (إِلَّا أَمَانِيَّ) : اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ الْأَمَانِيَّ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْعِلْمِ، وَتَقْدِيرُ إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا بَلَكِنْ أَيْ لَكِنْ يَتَمَنَّوْنَهُ أَمَانِيَّ. وَوَاحِدُ الْأَمَانِيِّ أُمْنِيَّةٌ، وَالْيَاءُ مُشَدَّدَةٌ فِي الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا فِيهِمَا.

стр. 82

(وَإِنْ هُمْ) : إِنْ بِمَعْنَى مَا، وَلَكِنْ لَا تَعْمَلُ عَمَلَهَا، وَأَكْثَرُ مَا تَأْتِي بِمَعْنَاهَا إِذَا انْتَقَضَ النَّفْيُ بِإِلَّا، وَقَدْ جَاءَتْ وَلَيْسَ مَعَهَا إِلَّا، وَسَيُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَإِنْ هُمْ إِلَّا قَوْمٌ يَظُنُّونَ. قَالَ تَعَالَى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ) : ابْتِدَاءٌ، وَخَبَرٌ ; وَلَوْ نُصِبَ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أَلْزَمَهُمُ اللَّهُ وَيْلًا وَاللَّامُ لِلتَّبْيِينِ لِأَنَّ الِاسْمَ لَمْ يُذْكَرْ قَبْلَ الْمَصْدَرِ. وَالْوَيْلُ مَصْدَرٌ لَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنْهُ فِعْلٌ ; لِأَنَّ فَاءَهُ وَعَيْنَهُ مُعْتَلَّتَانِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْكِتَابَ) : مَفْعُولٌ بِهِ ; أَيِ الْمَكْتُوبَ وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، وَذِكْرُ الْأَيْدِي تَوْكِيدٌ، وَوَاحِدُهَا يَدٌ، وَأَصْلُهَا يَدْيٌ كَفَلْسٍ، وَهَذَا الْجَمْعُ جَمْعُ قِلَّةٍ وَأَصْلُهُ أَيْدُيٌ بِضَمِّ الدَّالِ، وَالضَّمَّةُ قَبْلَ الْيَاءِ مُسْتَثْقَلَةٌ لَا سِيَّمَا مَعَ الْيَاءِ الْمُتَحَرِّكَةِ، فَلِذَلِكَ صُيِّرَتِ الضَّمَّةُ كَسْرَةً، وَلَحِقَ بِالْمَنْقُوصِ. (لِيَشْتَرُوا) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (يَقُولُونَ) (مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ) : مَا بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ وَكَذَلِكَ (مِمَّا يَكْسِبُونَ) . قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا أَيَّامًا) : مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَلَيْسَ لِإِلَّا فِيهِ عَمَلٌ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَتَعَدَّ إِلَى ظَرْفٍ قَبْلَ هَذَا الظَّرْفِ،

стр. 83

وَأَصْلُ أَيَّامٍ أَيْوَامٌ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْيَاءُ وَالْوَاوُ، وَسَبَقَتِ الْأُولَى بِالسُّكُونِ، قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً، وَأُدْغِمَتِ الْيَاءُ فِي الْيَاءِ تَخْفِيفًا. (أَتَّخَذْتُمْ) : الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَهَمْزَةُ الْوَصْلِ مَحْذُوفَةٌ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَهُوَ بِمَعْنَى جَعَلْتُمُ الْمُتَعَدِّيَةِ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ. (فَلَنْ يُخْلِفَ) : التَّقْدِيرُ: فَيَقُولُوا لَنْ يُخْلِفَ. (مَا لَا تَعْلَمُونَ) : مَا بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ، وَلَا تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً هُنَا. قَالَ تَعَالَى: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَلَى) : حَرْفٌ يُثْبِتُ بِهِ الْمُجِيبُ الْمَنْفِيَّ قَبْلَهُ تَقُولُ: أَمَا جَاءَ زَيْدٌ؟ فَيَقُولُ الْمُجِيبُ: بَلَى ; أَيْ قَدْ جَاءَ، وَلِهَذَا يَصِحُّ أَنْ تَأْتِيَ بِالْخَبَرِ الْمُثْبَتِ بَعْدَ بَلَى، فَتَقُولُ: بَلَى، قَدْ جَاءَ، فَإِنْ قُلْتَ فِي جَوَابِ النَّفْيِ: نَعَمْ، كَانَ اعْتِرَافًا بِالنَّفْيِ، وَصَحَّ أَنْ تَأْتِيَ بِالنَّفْيِ بَعْدَهُ، كَقَوْلِهِ: مَا جَاءَ زَيْدٌ؟ فَتَقُولُ: نَعَمْ، مَا جَاءَ. وَالْيَاءُ مِنْ نَفْسِ الْحَرْفِ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: هِيَ بَلْ، زِيدَتْ عَلَيْهَا الْيَاءُ وَهُوَ ضَعِيفٌ. (مَنْ كَسَبَ) : فِي «مَنْ» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَالثَّانِي: شَرْطِيَّةٌ، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ هِيَ مُبْتَدَأَةٌ، «إِلَّا أَنْ كَسَبَ» لَا مَوْضِعَ لَهَا إِنْ كَانَتْ مَنْ مَوْصُولَةً، وَلَهَا مَوْضِعٌ إِنْ كَانَتْ شَرْطِيَّةً، وَالْجَوَابُ: فَأُولَئِكَ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَ (أَصْحَابُ النَّارِ) : خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ جَوَابُ الشَّرْطِ، أَوْ خَبَرُ مَنْ.

стр. 84

وَالسَّيِّئَةُ عَلَى فَيْعِلَةٍ ; مِثْلُ سَيِّدٍ وَهَيِّنٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: (أَوْ كَصَيِّبٍ) [الْبَقَرَةِ: ١٩] وَعَيْنُ الْكَلِمَةِ وَاوٌ، لِأَنَّهُ مِنْ سَاءَهُ يَسُوءُهُ. : (بِهِ) : يَرْجِعُ إِلَى لَفْظِ مَنْ، وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْجَمْعِ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَاهَا، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ «مَنْ» بِمَعْنَى الَّذِي الْمَعْطُوفِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا) . قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) : يُقْرَأُ بِالتَّاءِ عَلَى تَقْدِيرِ: قُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْبُدُونَ، وَبِالْيَاءِ ; لِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْمٌ ظَاهِرٌ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ وَحَرْفُ الْمُضَارَعَةِ بِلَفْظِ الْغَيْبَةِ ; لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ الظَّاهِرَةَ كُلَّهَا غَيْبٌ، وَفِيهَا مِنَ الْإِعْرَابِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ جَوَابُ قَسَمٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُهُ: «أَخَذْنَا مِيثَاقَ» ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَحْلَفْنَاهُمْ، أَوْ قُلْنَا لَهُمْ بِاللَّهِ لَا تَعْبُدُونَ. وَالثَّانِي أَنَّ: «أَنْ» مُرَادَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، فَحُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ، ثُمَّ حُذِفَ أَنْ فَارْتَفَعَ الْفِعْلُ وَنَظِيرُهُ. أَلَا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الْوَغَى: بِالرَّفْعِ وَالتَّقْدِيرُ عَنْ أَنْ أَحْضُرَ. وَالثَّالِثُ أَنَّهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ تَقْدِيرُهُ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ مُوَحِّدِينَ ; وَهِيَ حَالٌ مُصَاحِبَةٌ، وَمُقَدَّرَةٌ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا وَقْتَ أَخْذِ الْعَهْدِ مُوَحِّدِينَ، وَالْتَزَمُوا الدَّوَامَ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَلَوْ جَعَلْتَهَا حَالًا مُصَاحِبَةً فَقَطْ عَلَى أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ مُلْتَزِمِينَ الْإِقَامَةَ عَلَى

стр. 85

التَّوْحِيدِ جَازَ، وَلَوْ جَعَلْتَهَا حَالًا مُقَدَّرَةً فَقَطْ جَازَ وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ مُقَدِّرِينَ التَّوْحِيدَ أَبَدًا مَا عَاشُوا. وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ النَّهْيَ وَالتَّقْدِيرُ: قُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْبُدُوا، وَفِيهِ وَجْهٌ خَامِسٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحَالُ مَحْذُوفَةً، وَالتَّقْدِيرُ: أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ قَائِلِينَ كَذَا وَكَذَا، وَحَذْفُ الْقَوْلِ كَثِيرٌ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ) [الْبَقَرَةِ: ٨٤] . (إِلَّا اللَّهَ) : مَفْعُولُ تَعْبُدُونَ، وَلَا عَمَلَ لِإِلَّا فِي نَصْبِهِ إِلَّا أَنَّ الْفِعْلَ قَبْلَهُ لَمْ يَسْتَوْفِ مَفْعُولَهُ. (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) : إِحْسَانًا مَصْدَرٌ أَيْ: وَقُلْنَا أَحْسِنُوا بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقُلْنَا اسْتَوْصُوا بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أَيْ وَوَصَّيْنَاهُمْ بِالْوَالِدَيْنِ لِأَجْلِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ. (وَذِي الْقُرْبَى) : إِنَّمَا أَفْرَدَ ذِي هَاهُنَا لِأَنَّهُ أَرَادَ الْجِنْسَ أَوْ يَكُونُ وَضَعَ الْوَاحِدَ مَوْضِعَ الْجَمْعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ. (وَالْيَتَامَى) : جَمْعُ يَتِيمٍ ; وَجَمْعُ فَعِيلٍ عَلَى فَعَالَى قَلِيلٌ. وَالْمِيمُ فِي: (وَالْمَسَاكِينِ) : زَائِدَةٌ ; لِأَنَّهُ مِنَ السُّكُونِ. (وَقُولُوا) : أَيْ وَقُلْنَا لَهُمْ قُولُوا. (حُسْنًا) : يُقْرَأُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ السِّينِ وَبِفَتْحِهِمَا وَهُمَا لُغَتَانِ ; مِثْلُ الْعُرْبِ وَالْعَرَبِ ; وَالْحُزْنِ وَالْحَزَنِ ; وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَهُمَا فَقَالُوا: الْفَتْحُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ قَوْلًا حَسَنًا، وَالضَّمُّ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ قَوْلًا ذَا حُسْنٍ. وَقُرِئَ بِضَمِّ الْحَاءِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ عَلَى أَنَّ الْأَلِفَ لِلتَّأْنِيثِ.

стр. 86

(إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ) : النَّصْبُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ، وَهُوَ الْوَجْهُ. وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ شَاذًّا، وَوَجْهُهُ أَنْ يَكُونَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ كَأَنَّهُ قَالَ: امْتَنَعَ قَلِيلٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ: ثُمَّ تَوَلَّى قَلِيلٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْكُمْ لَمْ يَتَوَلَّ ; كَمَا قَالُوا: مَا مَرَرْتُ بِأَحَدٍ إِلَّا وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ خَيْرٌ مِنْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَوْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الْمُرْفُوعِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَسِيبَوَيْهِ وَأَصْحَابُهُ يُسَمُّونَهُ نَعْتًا وَوَصْفًا، وَأَنْشَدَ أَبُو عَلِيٍّ فِي مِثْلِ رَفْعِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَبِالصَّرِيمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ إِلَّا النُّؤْيُ وَالْوَتِدُ. (وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) : جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ الْمُؤَكِّدَةِ ; لِأَنَّ تَوَلَّيْتُمْ يُغْنِي عَنْهُ. وَقِيلَ الْمَعْنَى تَوَلَّيْتُمْ بِأَبْدَانِكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ بِقُلُوبِكُمْ فَعَلَى هَذَا هِيَ حَالٌ مُنْتَقِلَةٌ وَقِيلَ تَوَلَّيْتُمْ يَعْنِي آبَاءَهُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ يَعْنِي أَنْفُسَهُمْ ; كَمَا قَالَ (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) [الْبَقَرَةِ: ٣٩] يَعْنِي آبَاءَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ دِيَارِكُمْ) : الْيَاءُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ ; لِأَنَّهُ جَمْعُ دَارٍ وَالْأَلِفُ فِي دَارٍ وَاوٌ فِي الْأَصْلِ ; لِأَنَّهَا مِنْ دَارَ يَدُورُ، وَإِنَّمَا قُلِبَتْ يَاءً فِي الْجَمْعِ ; لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، وَاعْتِلَالِهَا فِي الْوَاحِدِ. فَإِنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ صَحَّتْ فِي (لِوَاذًا) ; قِيلَ: لَمَّا صَحَّتْ فِي الْفِعْلِ صَحَّتْ فِي الْمَصْدَرِ، وَالْفِعْلُ لَاوَذَ. فَإِنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ صَحَّتْ فِي دَيَّارٍ؟ قِيلَ: الْأَصْلُ فِيهِ دَيْوَارٌ، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ، وَأُدْغِمَتْ. (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ) : فِيهِ وَجْهَانِ:

стр. 87

أَحَدُهُمَا: أَنَّ ثُمَّ عَلَى بَابِهَا فِي إِفَادَةِ الْعَطْفِ وَالتَّرَاخِي، وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقَبِلْتُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ «ثُمَّ» جَاءَتْ لِتَرْتِيبِ الْخَبَرِ لَا لِتَرْتِيبِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ) [الْبَقَرَةِ: ٤٩] . قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ) : أَنْتُمْ مُبْتَدَأٌ وَفِي خَبَرِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: تَقْتُلُونَ ; فَعَلَى هَذَا فِي هَؤُلَاءِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإِضْمَارِ أَعْنِي، وَالثَّانِي هُوَ مُنَادَى ; أَيْ يَا هَؤُلَاءِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ; لِأَنَّ أُولَاءِ مُبْهَمٌ، وَلَا يُحْذَفُ حَرْفُ النِّدَاءِ مَعَ الْمُبْهَمِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْخَبَرَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِينَ، وَتَقْتُلُونَ صِلَتُهُ، وَهَذَا ضَعِيفٌ أَيْضًا ; لِأَنَّ مَذْهَبَ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ أُولَاءِ هَذَا لَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الَّذِينَ، وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْخَبَرَ هَؤُلَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ، ثُمَّ أَنْتُمْ مِثْلُ هَؤُلَاءِ كَقَوْلِكَ أَبُو يُوسُفَ أَبُو حَنِيفَةَ، فَعَلَى هَذَا تَقْتُلُونَ حَالٌ يَعْمَلُ فِيهَا مَعْنَى التَّشْبِيهِ. قَوْلُهُ: (تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا تَخْرُجُونَ، وَصَاحِبُ الْحَالِ الْوَاوُ، وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ الظَّاءِ، وَالْأَصْلُ تَتَظَاهَرُونَ، فَقُلِبَتِ التَّاءُ الثَّانِيَةُ ظَاءً، وَأُدْغِمَتْ.

стр. 88

وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى حَذْفِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ ; لِأَنَّ الثِّقَلَ وَالتَّكَرُّرَ حَصَلَ بِهَا ; وَلِأَنَّ الْأُولَى حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى ; وَقِيلَ الْمَحْذُوفَةُ هِيَ الْأُولَى. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَالتَّخْفِيفِ، وَمَاضِيهِ ظَاهَرَ. وَ (وَالْعُدْوَانِ) : مَصْدَرٌ، مِثْلُ الْكُفْرَانِ، وَالْكَسْرُ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ. (أُسَارَى) : حَالٌ، وَهُوَ جَمْعُ أَسِيرٍ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِفَتْحِهَا ; مِثْلُ سُكَارَى وَسَكَارَى، وَيُقْرَأُ أَسْرَى، مِثْلُ جَرِيحٍ وَجَرْحَى، وَيَجُوزُ فِي الْكَلَامِ أُسَرَاءُ مِثْلُ شَهِيدٍ وَشُهَدَاءُ. (تُفْدُوهُمْ) : بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَتُفَادُوهُمْ بِالْأَلِفِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفَاعَلَةِ الَّتِي تَقَعُ مِنِ اثْنَيْنِ ; لِأَنَّ الْمُفَادَاةَ كَذَلِكَ تَقَعُ. (وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَهُوَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَمُحَرَّمٌ خَبَرُهُ، وَإِخْرَاجُهُمْ مَرْفُوعٌ بِمُحَرَّمٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِخْرَاجُهُمْ مُبْتَدَأً، وَمُحَرَّمٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ هُوَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ ضَمِيرَ الْإِخْرَاجِ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ» وَيَكُونَ مُحَرَّمٌ الْخَبَرَ، وَإِخْرَاجُهُمْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي مُحَرَّمٌ، أَوْ مِنْ هُوَ. (فَمَا جَزَاءُ) : مَا نَفْيٌ، وَالْخَبَرُ (خِزْيٌ) : وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اسْتِفْهَامًا مُبْتَدَأٌ، وَجَزَاءٌ خَبَرُهُ، وَإِلَّا خِزْيٌ بَدَلٌ مِنْ جَزَاءٍ. (يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَفْعَلُ. (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) : صِفَةٌ لِلْخِزْيِ.

стр. 89

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا تَقْدِيرُهُ إِلَّا أَنْ يُخْزَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. (يُرَدُّونَ) : بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ ; لِأَنَّ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَيُقْرَأُ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: تَقْتُلُونَ. وَمِثْلُهُ (عَمَّا تَعْمَلُونَ) : بِالتَّاءِ وَالْيَاءِ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)) . قَوْلُهُ : (وَقَفَّيْنَا) : الْيَاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ ; لِقَوْلِكَ: قَفَوْتُهُ وَهُوَ يَقْفُوهُ إِذَا أَتْبَعَهُ فَلَمَّا وَقَعَتْ رَابِعَةً قُلِبَتْ يَاءً. (بِالرُّسُلِ) : بِالضَّمِّ وَهُوَ الْأَصْلُ وَالتَّسْكِينُ جَائِزٌ تَخْفِيفًا ; وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَكِّنُ إِذَا أَضَافَ إِلَى الضَّمِيرِ ; هَرَبًا مِنْ تَوَالِي الْحَرَكَاتِ، وَيَضُمُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ. (عِيسَى) : فِعْلَى مِنَ الْعِيسِ، وَهُوَ بَيَاضٌ يُخَالِطُهُ شُقْرَةٌ، وَقِيلَ هُوَ أَعْجَمِيٌّ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ. وَمَرْيَمُ: عَلَمٌ أَعْجَمِيٌّ وَلَوْ كَانَ مُشْتَقًّا مِنْ رَامَ يَرِيمُ لَكَانَ مَرَيْمًا بِسُكُونِ الْيَاءِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَعْلَامِ بِفَتْحِ الْيَاءِ ; نَحْوَ: مَزْيَدٍ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ. (وَأَيَّدْنَاهُ) : وَزْنُهُ فَعَلْنَاهُ، وَهُوَ مِنَ الْأَيْدِ، وَهُوَ مِنَ الْقُوَّةِ. وَيُقْرَأُ: «آيَدْنَاهُ» بِمَدِّ الْأَلِفِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَوَزْنُهُ أَفْعَلْنَاهُ. فَإِنْ قُلْتَ: فَلِمَ لَمْ تُحْذَفِ الْيَاءُ الَّتِي هِيَ عَيْنٌ كَمَا حُذِفَتْ فِي مِثْلِ أَسَلْنَاهُ مِنْ سَالَ يَسِيلُ قِيلَ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَتَوَالَى إِعْلَالَانِ: أَحَدُهُمَا قَلْبُ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ أَلِفًا، ثُمَّ حَذْفُ الْأَلِفِ الْمُبْدَلَةِ مِنَ الْيَاءِ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ الْأَلِفِ قَبْلَهَا، فَكَانَ يَصِيرُ اللَّفْظُ أَدْنَاهُ فَكَانَتْ تُحْذَفُ الْفَاءُ وَالْعَيْنُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَسَلْنَاهُ ; لِأَنَّ هُنَاكَ حُذِفَتِ الْعَيْنُ وَحْدَهَا. (الْقُدُسِ) : بِضَمِّ الدَّالِ وَسُكُونِهَا لُغَتَانِ مِثْلُ الْعُسْرِ وَالْعُسُرِ.

стр. 90

(أَفَكُلَّمَا) : دَخَلَتِ الْفَاءُ هَاهُنَا لِرَبْطِ مَا بَعْدَهَا بِمَا قَبْلَهَا وَالْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ الَّذِي بِمَعْنَى التَّوْبِيخِ. وَ «جَاءَكُمْ» يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ، وَبِحَرْفِ الْجَرِّ، تَقُولُ: جِئْتُهُ وَجِئْتُ إِلَيْهِ. (تَهْوَى) : أَلِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ ; لِأَنَّ عَيْنَهُ وَاوٌ، وَبَابُ طَوَيْتُ وَشَوَيْتُ أَكْثَرُ مِنْ بَابِ حُوَّةٍ وَقُوَّةٍ، وَلَا دَلِيلَ فِي هَوِي لِانْكِسَارِ الْعَيْنِ، وَهُوَ مِثْلُ شَقِيَ فَإِنَّ أَصْلَهُ وَاوٌ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَوًى مِنَ الْيَائِيِّ أَيْضًا قَوْلُهُمْ فِي التَّثْنِيَةِ هَوِيَانِ. (اسْتَكْبَرْتُمْ) : جَوَابُ كُلَّمَا. (فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ) : أَيْ فَكَذَّبْتُمْ فَرِيقًا، فَالْفَاءُ عَطَفَتْ كَذَّبْتُمْ عَلَى اسْتَكْبَرْتُمْ، وَلَكِنْ قُدِّمَ الْمَفْعُولُ لِيَتَّفِقَ رُءُوسُ الْآيِ. وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ ; أَيْ فَفَرِيقًا مِنْهُمْ كَذَّبْتُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (غُلْفٌ) : يُقْرَأُ بِضَمِّ اللَّامِ وَهُوَ جَمْعُ غِلَافٍ. وَيُقْرَأُ بِسُكُونِهَا. وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ تَسْكِينُ الْمَضْمُومِ، مِثْلُ كُتْبٍ وَكُتُبٍ. وَالثَّانِي: هُوَ جَمْعُ أَغْلَفَ مِثْلُ أَحْمَرَ وَحُمْرٍ وَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ ضَمُّهُ وَ (بَلْ) هَاهُنَا إِضْرَابٌ عَنْ دَعْوَاهُمْ، وَإِثْبَاتُ أَنَّ سَبَبَ جُحُودِهِمْ لَعْنُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عُقُوبَةً لَهُمْ. قَوْلُهُ: (بِكُفْرِهِمْ) : الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (لُعِنَ) ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ النِّيَّةُ بِهِ التَّقْدِيمُ ; أَيْ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ مُعْتَرِضٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْمَفْعُولِ فِي لَعَنَهُمْ ; أَيْ كَافِرِينَ، كَمَا قَالَ: (وَقَدْ دَخَلُوا) بِالْكُفْرِ [الْمَائِدَةِ: ٦١] .

стр. 91

(فَقَلِيلًا) : مَنْصُوبٌ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَ (مَا) : زَائِدَةٌ، أَيْ فَإِيمَانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ. وَقِيلَ صِفَةٌ لِظَرْفٍ ; أَيْ فَزَمَانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا مَصْدَرِيَّةٌ ; لِأَنَّ قَلِيلًا لَا يَبْقَى لَهُ نَاصِبٌ. وَقِيلَ: مَا نَافِيَةٌ ; أَيْ فَمَا يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا وَمِثْلُهُ (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) وَ (قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) وَهَذَا أَقْوَى فِي الْمَعْنَى وَإِنَّمَا يَضْعُفُ شَيْئًا مِنْ جِهَةِ تَقَدُّمِ مَعْمُولِ مَا فِي حَيِّزِ مَا عَلَيْهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ لِابْتِدَاءِ غَايَةِ الْمَجِيءِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةً لِكِتَابٍ. (مُصَدِّقٌ) : بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِكِتَابٍ. وَقُرِئَ شَاذًّا بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ وَفِي صَاحِبِ الْحَالِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْكِتَابُ ; لِأَنَّهُ قَدْ وُصِفَ فَقَرُبَ مِنَ الْمَعْرِفَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الظَّرْفِ، وَيَكُونَ الْعَامِلُ الظَّرْفُ أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الظَّرْفُ وَمِثْلُهُ: (رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ) [الْبَقَرَةِ ١٠١] . قَوْلُهُ: (مِنْ قَبْلُ) : بُنِيَتْ هَهُنَا لِقَطْعِهَا عَنِ الْإِضَافَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ. (فَلَمَّا جَاءَهُمْ) : أَتَى بِلِمَا بَعْدَ لَمَّا مِنْ قَبْلِ جَوَابِ الْأُولَى، وَفِي جَوَابِ الْأُولَى وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: جَوَابُهَا لَمَّا الثَّانِيَةُ وَجَوَابُهَا ; وَهَذَا ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْفَاءَ مَعَ لَمَّا الثَّانِيَةِ، وَلَمَّا لَا تُجَابُ بِالْفَاءِ إِلَّا أَنْ يَعْتَقِدَ زِيَادَةَ الْفَاءِ عَلَى مَا يُجِيزُهُ الْأَخْفَشُ. وَالثَّانِي: أَنَّ كَفَرُوا جَوَابُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ; لِأَنَّ مُقْتَضَاهُمَا وَاحِدٌ.

стр. 92

وَقِيلَ: الثَّانِيَةُ تَكْرِيرٌ فَلَمْ تَحْتَجْ إِلَى جَوَابٍ. وَقِيلَ: جَوَابُ الْأُولَى مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أَنْكَرُوهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. (فَلَعْنَةُ اللَّهِ) : هُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ. قَالَ تَعَالَى: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا) فِيهِ أَوْجُهٌ أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ: مَا نَكِرَةً غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ مَنْصُوبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ قَالَهُ الْأَخْفَشُ، وَاشْتَرَوْا عَلَى هَذَا صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: شَيْءٌ أَوْ كُفْرٌ ; وَهَذَا الْمَحْذُوفُ هُوَ الْمَخْصُوصُ، وَفَاعِلُ بِئْسَ مُضْمَرٌ فِيهَا وَنَظِيرُهُ: لَنِعْمَ الْفَتَى أَضْحَى بِأَكْنَافِ حَايِلِ أَيُّ فَتًى أَضْحَى. وَقَوْلُهُ: (أَنْ يَكْفُرُوا) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هُوَ أَنْ يَكْفُرُوا، وَقِيلَ أَنْ يَكْفُرُوا فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنَ الْهَاءِ فِي بِهِ، وَقِيلَ هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَبِئْسَ وَمَا بَعْدَهَا خَبَرٌ عَنْهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ: مَا نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وَاشْتَرَوْا صِفَتُهَا، وَأَنْ يَكْفُرُوا عَلَى الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ، وَيَزِيدَ هَاهُنَا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ: مَا بِمَنْزِلَةِ الَّذِي، وَهُوَ اسْمُ بِئْسَ، وَأَنْ يَكْفُرُوا الْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، وَقِيلَ اسْمُ بِئْسَ مُضْمَرٌ فِيهَا وَالَّذِي وَصِلَتُهُ الْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ. وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ: مَا مَصْدَرِيَّةٌ ; أَيْ بِئْسَ شِرَاؤُهُمْ، وَفَاعِلُ بِئْسَ عَلَى هَذَا مُضْمَرٌ ; لِأَنَّ الْمَصْدَرَ هُنَا مَخْصُوصٌ لَيْسَ بِجِنْسٍ. قَوْلُهُ: (بَغْيًا) : مَفْعُولٌ لَهُ.

стр. 93

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الْمَصْدَرِ ; لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ بَغَوْا بَغْيًا. (أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ أَيْ بَغَوْا ; لِأَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ وَقِيلَ التَّقْدِيرُ بَغْيًا عَلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ; أَيْ حَسَدًا عَلَى مَا خَصَّ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ مِنَ الْوَحْيِ، وَمَفْعُولُ يُنَزِّلُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ يُنَزِّلُ اللَّهُ شَيْئًا. (مِنْ فَضْلِهِ) : وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ زَائِدَةً عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ. وَ (مِنْ) : نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أَيْ عَلَى رَجُلٍ يَشَاءُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي وَمَفْعُولُ يَشَاءُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ يَشَاءُ نُزُولَهُ عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَشَاءُ يُخْتَارُ وَيُصْطَفَى وَ (مِنْ عِبَادِهِ) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ الْمَحْذُوفَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةً أُخْرَى لِمَنْ. (فَبَاءُوا بِغَضَبٍ) : أَيْ مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ ; فَهُوَ حَالٌ: عَلَى غَضَبٍ صِفَةٌ لِغَضَبٍ الْأَوَّلِ. (مُهِينٌ) : الْيَاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْهَوَانِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَكْفُرُونَ) : أَيْ وَهُمْ يَكْفُرُونَ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ وَالْعَامِلُ فِيهَا قَالُوا مِنْ قَوْلِهِ: (قَالُوا نُؤْمِنُ) ; وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ نُؤْمِنُ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْحَالِ وَنَكْفُرُ أَيْ وَنَحْنُ نَكْفُرُ وَالْهَاءُ فِي (وَرَاءَهُ) تَعُودُ عَلَى مَا، وَالْهَمْزَةُ فِي وَرَاءَ بَدَلٌ مِنْ يَاءٍ ; لِأَنَّ مَا فَاؤُهُ وَاوٌ لَا يَكُونُ لَامُهُ وَاوًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهَا يَاءٌ فِي تَوَارَيْتُ لَا هَمْزَةٌ. وَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ هِيَ عِنْدَنَا هَمْزَةٌ ; لِقَوْلِهِمْ وُرَيْئَةٌ بِالْهَمْزِ فِي التَّصْغِيرِ. (وَهُوَ الْحَقُّ) : جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَالْعَامِلُ فِيهَا يَكْفُرُونَ.

стр. 94

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ (مَا) إِذِ التَّقْدِيرُ بِالَّذِي اسْتَقَرَّ وَرَاءَهُ. (مُصَدِّقًا) : حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَا فِي الْحَقِّ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ إِذِ الْمَعْنَى وَهُوَ ثَابِتٌ مُصَدِّقًا، وَصَاحِبُ الْحَالِ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي الْحَقِّ عِنْدَ قَوْمٍ، وَعِنْدَ آخَرِينَ صَاحِبُ الْحَالِ ضَمِيرٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، وَالْحَقُّ مَصْدَرٌ لَا يَتَحَمَّلُ الضَّمِيرَ عَلَى حَسَبِ تَحَمُّلِ اسْمِ الْفَاعِلِ لَهُ عِنْدَهُمْ، فَأَمَّا الْمَصْدَرُ الَّذِي يَنُوبُ عَنِ الْفِعْلِ ; كَقَوْلِكَ ضَرْبًا زَيْدًا فَيَتَحَمَّلُ الضَّمِيرَ عِنْدَ قَوْمٍ. (فَلِمَ) : مَا: هُنَا اسْتِفْهَامٌ، وَحُذِفَتْ أَلِفُهَا مَعَ حَرْفِ الْجَرِّ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ وَالْخَبَرِيَّةِ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي الشِّعْرِ غَيْرَ مَحْذُوفَةٍ، وَمِثْلُهُ: (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) [النَّازِعَاتِ: ٤٣] وَ (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ) [النَّبَأِ: ١] وَ (مِمَّ خُلِقَ) [الطَّارِقِ: ٥] . (تَقْتُلُونَ) : أَيْ قَتَلْتُمْ. وَالْمَعْنَى أَنَّ آبَاءَهُمْ قُتِلُوا فَلَمَّا رَضُوا بِفِعْلِهِمْ أَضَافَ الْقَتْلَ إِلَيْهِمْ: إِنْ كُنْتُمْ جَوَابُهَا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالْبَيِّنَاتِ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ مُوسَى، تَقْدِيرُهُ: جَاءَكُمْ ذَا بَيِّنَاتٍ وَحُجَّةٍ أَوْ جَاءَ وَمَعَهُ الْبَيِّنَاتُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ ; أَيْ بِسَبَبِ إِقَامَةِ الْبَيِّنَاتِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) : أَيْ حُبَّ الْعِجْلِ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ ; لِأَنَّ الَّذِي يَشْرَبُهُ الْقَلْبُ الْمَحَبَّةُ لَا نَفْسَ الْعِجْلِ. (بِكُفْرِهِمْ) : أَيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْمَحْذُوفِ ; أَيْ مُخْتَلِطًا بِكُفْرِهِمْ.

стр. 95

(وَأُشْرِبُوا) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ قَالُوا ; أَيْ قَالُوا ذَلِكَ وَقَدْ أُشْرِبُوا، وَقَدْ مُرَادَةٌ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ الْمَاضِيَ لَا يَكُونُ حَالًا إِلَّا مَعَ قَدْ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَأُشْرِبُوا مُسْتَأْنَفًا ; وَالْأَوَّلُ أَقْوَى ; لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: (قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ) ; فَهُوَ جَوَابُ قَوْلِهِمْ: (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) ; فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَجْنَبِيٌّ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ) : الدَّارُ: اسْمُ كَانَ، وَفِي الْخَبَرِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ خَالِصَةً، وَعِنْدَ ظَرْفٌ لِخَالِصَةً، أَوْ لِلِاسْتِقْرَارِ الَّذِي فِي لَكُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «عِنْدَ» حَالًا مِنَ الدَّارِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا كَانَ أَوْ الِاسْتِقْرَارُ، وَأَمَّا لَكُمْ فَتَكُونُ عَلَى هَذَا مُتَعَلِّقَةً بَـ (كَانَ) ; لِأَنَّهَا تَعْمَلُ فِي حُرُوفِ الْجَرِّ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ، فَيَكُونُ مَوْضِعُهَا بَعْدَ خَالِصَةً ; أَيْ خَالِصَةً لَكُمْ فَيَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ خَالِصَةً. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِخَالِصَةً قُدِّمَتْ عَلَيْهَا فَيَتَعَلَّقُ حِينَئِذٍ بِمَحْذُوفٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَبَرُ كَانَ لَكُمْ، وَعِنْدَ اللَّهِ ظَرْفٌ وَخَالِصَةً حَالٌ، وَالْعَامِلُ كَانَ، أَوْ الِاسْتِقْرَارُ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ الْخَبَرُ، وَخَالِصَةً حَالٌ، وَالْعَامِلُ فِيهَا إِمَّا «عِنْدَ» أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَوْ «كَانَ» أَوْ «لَكُمْ» وَسَوَّغَ أَنْ يَكُونَ «عِنْدَ» خَبَرُ كَانَ «لَكُمْ» إِذْ كَانَ فِيهِ تَخْصِيصٌ وَتَبْيِينٌ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الْإِخْلَاصِ: ٤] ; لَوْلَا لَهُ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ كُفُوًا خَبَرًا. (مِنْ دُونِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِخَالِصَةً ; لِأَنَّكَ تَقُولُ خَلَّصَ كَذَا مِنْ كَذَا.

стр. 96

قَالَ تَعَالَى: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَبَدًا) : ظَرْفٌ. (بِمَا قَدَّمَتْ) : أَيْ بِسَبَبِ مَا قَدَّمَتْ، فَهُوَ مَفْعُولٌ بِهِ وَيَقْرُبُ مَعْنَاهُ مِنْ مَعْنَى الْمَفْعُولِ لَهُ. وَ (مَا) بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ، فَيَكُونُ مَفْعُولُ قَدَّمَتْ مَحْذُوفًا ; أَيْ بِتَقْدِيمِ أَيْدِيهِمُ الشَّرَّ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ) : هِيَ الْمُتَعَدِّيَةُ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَالثَّانِي «أَحْرَصَ» وَ «عَلَى» مُتَعَلِّقَةٌ بِأَحْرَصَ. (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَعْنَى، وَالتَّقْدِيرُ: أَحْرَصُ مِنَ النَّاسِ أَيِ الَّذِينَ فِي زَمَانِهِمْ، وَأَحْرَصُ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَعْنِي بِهِ الْمَجُوسَ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا دَعَوْا بِطُولِ الْعُمْرِ قَالُوا: عِشْتَ أَلْفَ نَيْرُوزَ، فَعَلَى هَذَا فِي: (يَوَدُّ) وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ حَالٌ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا، تَقْدِيرُهُ: وَدَّ أَحَدُهُمْ، وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا الَّذِينَ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ، صَحَّ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا، وَمِنْ هُنَا قَالَ الْكُوفِيُّونَ: هَذَا يَكُونُ عَلَى حَذْفِ الْمَوْصُولِ وَإِبْقَاءِ الصِّلَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَجْعَلَ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ حَالًا مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي وَلَتَجِدَنَّهُمْ ; أَيْ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ وَادًّا أَحَدُهُمْ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ وَجْهَيْ «مِنَ الَّذِينَ» أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَالتَّقْدِيرُ: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا قَوْمٌ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ أَوْ مَنْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ. وَمَاضِي يَوَدُّ وَدِدْتُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ ; فَلِذَلِكَ صَحَّتِ الْوَاوُ ; لِأَنَّهَا لَمْ يُكْسَرْ مَا بَعْدَهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ (

стр. 97

لَوْ يُعَمَّرُ) : لَوْ هُنَا بِمَعْنَى أَنْ النَّاصِبَةِ لِلْفِعْلِ، وَلَكِنْ لَا تَنْصِبُ، وَلَيْسَتِ الَّتِي يَمْتَنِعُ بِهَا الشَّيْءُ لِامْتِنَاعِ غَيْرِهِ ; وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ يَلْزَمُهَا الْمُسْتَقْبَلُ، وَالْأُخْرَى مَعْنَاهَا فِي الْمَاضِي. وَالثَّانِي أَنَّ: يَوَدُّ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ مِمَّا يُعَلَّقُ عَنِ الْعَمَلِ، فَمِنْ هُنَا لَزِمَ أَنْ يَكُونُ لَوْ بِمَعْنَى أَنْ وَقَدْ جَاءَتْ بَعْدَ ((يَوَدُّ)) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ) [الْبَقَرَةِ: ٢٦٦] ; وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَالشِّعْرِ. وَيُعَمَّرُ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ أُقِيمَ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَ (أَلْفَ سَنَةٍ) : ظَرْفٌ. (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ) : فِي هُوَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ ضَمِيرُ أَحَدٍ ; أَيْ وَمَا ذَلِكَ الْمُتَمَنِّي. بِمُزَحْزِحِهِ خَبَرُ مَا. وَ «مِنَ الْعَذَابِ» مُعَلَّقٌ بِمُزَحْزِحِهِ، وَ «أَنْ يُعَمَّرَ» فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمُزَحْزِحِهِ ; أَيْ [وَمَا الرَّجُلُ بِمُزَحْزِحِهِ] تَعْمِيرُهُ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ هُوَ ضَمِيرُ التَّعْمِيرِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «لَوْ يُعَمَّرُ» . وَقَوْلُهُ: أَنْ يُعَمَّرَ بَدَلٌ مِنْ هُوَ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ ; لِأَنَّ الْمُفَسِّرَ لِضَمِيرِ الشَّأْنِ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَدُخُولُ الْبَاءِ فِي بِمُزَحْزِحِهِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)) .

стр. 98

قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ) [الْبَقَرَةِ: ٨٧] مِنْ شَرْطِيَّةٌ، وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَلْيَمُتْ غَيْظًا أَوْ نَحْوُهُ. (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ) : وَنَظِيرُهُ فِي الْمَعْنَى: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ) [الْحَجِّ: ١٥] ثُمَّ قَالَ: ((فَلْيَمْدُدْ)) : ((بِإِذْنِ اللَّهِ)) فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي نَزَّلَ ; وَهُوَ ضَمِيرُ جِبْرِيلَ، وَهُوَ الْعَائِدُ عَلَى اسْمِ إِنَّ، وَالتَّقْدِيرُ: نُزُولُهُ وَمَعَهُ الْإِذْنُ أَوْ مَأْذُونًا بِهِ. (مُصَدِّقًا) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ فِي نَزَّلَهُ ; وَكَذَلِكَ: «هُدًى وَبُشْرَى» ; أَيْ هَادِيًا وَمُبَشِّرًا. قَالَ تَعَالَى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) : وَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لَهُ أَوْ لَهُمْ، وَلَهُ فِي الْقُرْآنِ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ، سَتَمُرُّ بِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ تَعَالَى: (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ . . . . .) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوَكُلَّمَا) : الْوَاوُ لِلْعَطْفِ وَالْهَمْزَةُ قَبْلَهَا لِلِاسْتِفْهَامِ عَلَى مَعْنَى الْإِنْكَارِ وَالْعَطْفُ هُنَا عَلَى مَعْنَى الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ) [الْبَقَرَةِ: ٨٧] وَمَا بَعْدَهُ، وَقِيلَ الْوَاوُ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ: هِيَ «أَوِ» الَّتِي لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ حُرِّكَتْ بِالْفَتْحِ، وَقَدْ قُرِئَ شَاذًّا بِسُكُونِهَا. (عَهْدًا) : مَصْدَرٌ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الْفِعْلِ الْمَذْكُورِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ ; أَيْ أَعْطَوْا عَهْدًا، وَهُنَا مَفْعُولٌ آخَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَاهَدُوا اللَّهَ أَوْ عَاهَدُوكُمْ.

стр. 99

قَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ) : هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: (كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ) [الْبَقَرَةِ: ٨٩] وَقَدْ ذَكَرَ. (الْكِتَابَ) مَفْعُولُ أُوتُوا وَ: «كِتَابَ اللَّهِ» مَفْعُولُ نَبَذَ. (كَأَنَّهُمْ) : هِيَ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْعَامِلُ نَبَذَ، وَصَاحِبُ الْحَالِ فَرِيقٌ، تَقْدِيرُهُ مُشْبِهِينَ لِلْجُهَّالِ. قَالَ تَعَالَى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاتَّبَعُوا) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «وَأُشْرِبُوا» أَوْ عَلَى «نَبَذَهُ فَرِيقٌ» . (تَتْلُو) : بِمَعْنَى تَلَتْ (عَلَى مُلْكِ) : أَيْ عَلَى زَمَنِ مُلْكٍ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَالْمَعْنَى فِي زَمَنِ. وَ (سُلَيْمَانَ) : لَا يَنْصَرِفُ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ: الْعُجْمَةُ، وَالتَّعْرِيفُ وَالْأَلِفُ وَالنُّونُ. وَأَعَادَ ذِكْرَهُ ظَاهِرًا تَفْخِيمًا، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ فِي الْأَعْلَامِ وَالْأَجْنَاسِ أَيْضًا كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: لَا أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الْمَوْتَ شَيْءٌ ... بَغَّضَ الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيرَا (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ) : يُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَنَصْبِ الِاسْمِ.

стр. 100

وَيُقْرَأُ بِتَخْفِيفِهَا وَرَفْعِ الِاسْمِ بِالِابْتِدَاءِ ; لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حُرُوفِ الِابْتِدَاءِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ: ((الشَّيَاطُونَ)) ، وَهُوَ كَالْغَلَطِ، شَبَّهَ فِيهِ الْيَاءَ قَبْلَ النُّونِ بِيَاءِ جَمْعِ التَّصْحِيحِ. : (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي كَفَرُوا ; وَأَجَازَ قَوْمٌ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ لَكِنْ لَا يَعْمَلُ فِي الْحَالِ. (وَمَا أُنْزِلَ) : «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى السِّحْرِ ; أَيْ وَيُعَلِّمُونَ الَّذِي أُنْزِلَ، وَقِيلَ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى تَتْلُو. وَقِيلَ «مَا» فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ; أَيْ وَعَلَى عَهْدِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ. وَقِيلَ مَا نَافِيَةٌ، أَيْ مَا أُنْزِلَ السِّحْرُ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، أَوْ وَمَا أُنْزِلَ إِبَاحَةُ السِّحْرِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ اللَّامِ مِنَ الْمَلَكَيْنِ، وَقُرِئَ بِكَسْرِهَا. وَ (هَارُوتَ وَمَارُوتَ) : بَدَلَانِ مِنَ الْمَلَكَيْنِ. وَقِيلَ هُمَا قَبِيلَتَانِ مِنَ الشَّيَاطِينِ ; فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونَانِ بَدَلَيْنِ مِنَ الْمَلَكَيْنِ، وَإِنَّمَا يَجِيءُ هَذَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ كَسَرَ اللَّامَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. (بِبَابِلَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِأُنْزِلَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْمَلَكَيْنِ أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي أُنْزِلَ. (حَتَّى يَقُولَا) : أَيْ إِلَى أَنْ يَقُولَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا يَتْرُكَانِ تَعْلِيمَ السِّحْرِ إِلَى أَنْ يَقُولَا (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ) وَقِيلَ حَتَّى بِمَعْنَى إِلَّا ; أَيْ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا أَنْ يَقُولَا. وَ (أَحَدٍ) : هَاهُنَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمُسْتَعْمَلَةَ فِي الْعُمُومِ ; كَقَوْلِكَ: مَا بِالدَّارِ مِنْ أَحَدٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَاهُنَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ أَوْ إِنْسَانٍ. (

стр. 101

فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى يُعَلِّمَانِ، وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي النَّفْيِ ; لِأَنَّ النَّفْيَ هُنَاكَ رَاجِعٌ إِلَى الْإِثْبَاتِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يُعَلِّمَانِ النَّاسَ السِّحْرَ بَعْدَ قَوْلِهِمَا. ((نَحْنُ فِتْنَةٌ)) ((فَيَتَعَلَّمُونَ)) وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فَيَأْتُونَ فَيَتَعَلَّمُونَ. ((وَمِنْهُمَا)) ضَمِيرُ الْمَلَكَيْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ السِّحْرِ وَالْمُنَزَّلِ عَلَى الْمَلَكَيْنِ. وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ فَيَكُونُ مِنْهُمَا عَلَى هَذَا لِلسِّحْرِ وَالْمُنَزَّلِ عَلَى الْمَلَكَيْنِ أَوْ يَكُونُ ضَمِيرَ قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الشَّيَاطِينِ. وَقِيلَ: هُوَ مُسْتَأْنَفٌ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْتَصَبَ عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَعْنَى إِنْ تَكْفُرْ يَتَعَلَّمُوا. (مَا يُفَرِّقُونَ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ: «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَأَنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً لِعَوْدِ الضَّمِيرِ مِنْ: «بِهِ» إِلَى «مَا» وَالْمَصْدَرِيَّةُ لَا يَعُودُ عَلَيْهَا ضَمِيرٌ. (بَيْنَ الْمَرْءِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى إِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ بَعْدَ الرَّاءِ. وَقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَوَجْهُهُ أَنْ يَكُونَ أَلْقَى حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ عَلَى الرَّاءِ، ثُمَّ نَوَى الْوَقْفَ عَلَيْهِ مُشَدَّدًا ; كَمَا قَالُوا: هَذَا خَالِدٌ، ثُمَّ أَجْرَوُا الْوَصْلَ مُجْرَى الْوَقْفِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) : الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، إِنْ شِئْتَ مِنَ الْفَاعِلِ، وَإِنْ شِئْتَ مِنَ الْمَفْعُولِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا يَضُرُّونَ أَحَدًا بِالسِّحْرِ إِلَّا وَاللَّهُ عَالِمٌ بِهِ، أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: إِلَّا مَقْرُونًا بِإِذْنِ اللَّهِ. (وَلَا يَنْفَعُهُمْ) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْفِعْلِ قَبْلَهُ، وَدَخَلَتْ «لَا» لِلنَّفْيِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا ; أَيْ وَهُوَ لَا يَنْفَعُهُمْ، فَيَكُونُ حَالًا، وَلَا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى مَا ; لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يُعْطَفُ عَلَى الِاسْمِ.

стр. 102

(لَمَنِ اشْتَرَاهُ) : اللَّامُ هُنَا هِيَ الَّتِي يُوَطَّأُ بِهَا لِلْقَسَمِ، مِثْلُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ((لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ)) . وَ (مَنْ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَهِيَ شَرْطٌ، وَجَوَابُ الْقَسَمِ: (مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ) وَقِيلَ: (مَنْ) : بِمَعْنَى الَّذِي ; وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ مَوْضِعُ الْجُمْلَةِ نَصْبٌ بِـ (عَلِمُوا) ، وَلَا يَعْمَلُ «عَلِمُوا» فِي لَفْظِ «مَنْ» ; لِأَنَّ الشَّرْطَ وَلَامَ الِابْتِدَاءِ لَهُمَا صَدْرُ الْكَلَامِ. (وَلَبِئْسَ مَا) : جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. (لَوْ كَانُوا) : جَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَوْ كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِعِلْمِهِمْ لَامْتَنَعُوا مِنْ شِرَاءِ السِّحْرِ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا) : أَنَّ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ ; لِأَنَّ «لَوْ» تَقْتَضِي الْفِعْلَ تَقْدِيرُهُ لَوْ وَقَعَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ آمَنُوا ; أَيْ إِيمَانُهُمْ، وَلَمْ يَجْزِمْ بِلَوْ ; لِأَنَّهَا تُعَلِّقُ الْفِعْلَ الْمَاضِيَ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي، وَالشَّرْطُ خِلَافُ ذَلِكَ. (لَمَثُوبَةٌ) : جَوَابُ لَوْ ; وَمَثُوبَةٌ مُبْتَدَأٌ وَ: «مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» صِفَتُهُ، وَ: «خَيْرٌ» خَبَرُهُ. وَقُرِئَ: مَثْوَبَةٌ، بِسُكُونِ الثَّاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ، قَاسُوهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ نَظَائِرِهِ نَحْوَ مَقْتَلَةٍ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا. . . . . . . . (١٠٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَاعِنَا) : فِعْلُ أَمْرٍ، وَمَوْضِعُ الْجُمْلَةِ نَصْبٌ بِـ (تَقُولُوا) . وَقُرِئَ شَاذًّا «رَاعِنًا» بِالتَّنْوِينِ ; أَيْ لَا تَقُولُوا قَوْلًا رَاعِنًا.

стр. 103

قَالَ تَعَالَى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ. . . . . . (١٠٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا الْمُشْرِكِينَ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى أَهْلِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قُرِئَ: «وَلَا الْمُشْرِكُونَ» بِالرَّفْعِ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْفَاعِلِ. (أَنْ يُنَزَّلَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (يَوَدُّ) . (مِنْ خَيْرٍ) : مِنْ زَائِدَةٌ. وَ (مِنْ رَبِّكُمْ) : لِابْتِدَاءِ غَايَةِ الْإِنْزَالِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِخَيْرٍ، إِمَّا جَرًّا عَلَى لَفْظِ خَيْرٍ، أَوْ رَفْعًا عَلَى مَوْضِعِ «مِنْ خَيْرٍ» (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) : أَيْ مَنْ يَشَاءُ اخْتِصَاصَهُ ; فَحُذِفَ الْمُضَافُ فَبَقِيَ مَنْ يَشَاؤُهُ، ثُمَّ حُذِفَ الضَّمِيرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَشَاؤُهُ يَخْتَارُهُ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ. قَالَ تَعَالَى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا. . . . . . . . . . . . (١٠٦)) . قَوْلُهُ: (مَا نَنْسَخْ) : مَا شَرْطِيَّةٌ جَازِمَةٌ لِنَنْسَخْ مَنْصُوبَةُ الْمَوْضِعِ بِـ (نَنْسَخْ) مِثْلَ قَوْلِهِ: (أَيًّا مَا تَدْعُوا) [الْإِسْرَاءِ: ١١٠] وَجَوَابُ الشَّرْطِ: ((نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا)) . وَ (مِنْ آيَةٍ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَالْمُمَيَّزُ: «مَا» . وَالتَّقْدِيرُ: أَيُّ شَيْءٍ نَنْسَخُ مِنْ آيَةٍ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَدَّرَ أَيُّ آيَةٍ نَنْسَخُ ; لِأَنَّكَ لَا تَجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ التَّمْيِيزِ بِآيَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً، وَآيَةٌ حَالًا، وَالْمَعْنَى: أَيُّ شَيْءٍ نَنْسَخُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا. وَقَدْ جَاءَتِ الْآيَةُ حَالًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) [الْأَعْرَافِ: ٧٣] وَقِيلَ: «مَا» هُنَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَآيَةٌ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَيُّ نَسْخٍ نَنْسَخُ آيَةً. وَيُقْرَأُ: «نَنْسَخْ» بِفَتْحِ النُّونِ وَمَاضِيهِ نَسَخَ،

стр. 104

وَيُقْرَأُ بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ مَاضِيهِ أُنْسِخَتْ، يُقَالُ: أَنْسَخْتُ الْكِتَابَ أَيْ عَرَضْتُهُ لِلنَّسْخِ. (أَوْ نَنْسَأْهَا) : مَعْطُوفٌ عَلَى نَنْسَخْ. وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ هَمْزٍ عَلَى إِبْدَالِ الْهَمْزَةِ أَلِفًا. وَيُقْرَأُ تُنْسَهَا بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَا هَمْزٍ، وَنُنْسِهَا بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ، وَكِلَاهُمَا مِنْ نَسِيَ إِذَا تَرَكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَسَأَ إِذَا أَخَّرَ، إِلَّا أَنَّهُ أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ أَلِفًا. وَمَنْ قَرَأَ بِضَمِّ النُّونِ حَمَلَهُ عَلَى مَعْنَى نَأْمُرُكَ بِتَرْكِهَا أَوْ بِتَأْخِيرِهَا، وَفِيهِ مَفْعُولٌ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ: نُنْسِكَهَا. قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ أَنَّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ مُلْكُ بِالظَّرْفِ عِنْدَ الْأَخْفَشِ وَالْمُلْكُ بِمَعْنَى الشَّيْءِ الْمَمْلُوكِ، يُقَالُ: لِفُلَانٍ مُلْكٌ عَظِيمٌ ; أَيْ مَمْلُوكُهُ كَثِيرٌ وَالْمِلْكُ أَيْضًا بِالْكَسْرِ: الْمَمْلُوكُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ بِضَمِّ الْمِيمِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بَلْ فِي مَوَاضِعِ الْكَثْرَةِ وَسَعَةِ السُّلْطَانِ. (مِنْ وَلِيٍّ) : مِنْ زَائِدَةٌ وَوَلِيٍّ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ وَلَكُمْ خَبَرُهُ. وَ (نَصِيرٍ) : مَعْطُوفٌ عَلَى لَفْظِ وَلِيٍّ، وَيَجُوزُ فِي الْكَلَامِ رَفْعُهُ عَلَى مَوْضِعِ وَلِيٍّ. وَ (مِنْ دُونِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ وَلِيٍّ، أَوْ مِنْ نَصِيرٍ، وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ وَلِيٍّ دُونَ اللَّهِ فَلَمَّا تَقَدَّمَ وَصْفُ النَّكِرَةِ عَلَيْهَا انْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ.

стр. 105

قَالَ تَعَالَى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ تُرِيدُونَ) : أَمْ هُنَا مُنْقَطِعَةٌ إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ هَمْزَةٌ تَقَعُ مَوْقِعَهَا وَمَوْقِعُ أَمْ أَيُّهُمَا وَالْهَمْزَةُ فِي قَوْلِهِ: «أَلَمْ تَعْلَمْ» لَيْسَتْ مِنْ أَمْ فِي شَيْءٍ. وَالتَّقْدِيرُ: بَلْ أَتُرِيدُونَ: «أَنْ تَسْأَلُوا» فَخَرَجَ بِأَمْ مِنْ كَلَامٍ إِلَى كَلَامٍ آخَرَ. وَالْأَصْلُ فِي تُرِيدُونَ تَرْوِدُونَ لِأَنَّهُ مِنْ رَادَ يَرْوِدُ. (كَمَا) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ سُؤَالًا كَمَا، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى هَمْزِ: «سُئِلَ» وَقَدْ قُرِئَ سِيلَ بِالْيَاءِ، وَهُوَ عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ: سِلْتَ تَسَالُ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ مِثْلُ خِفْتَ تَخَافُ، وَالْيَاءُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ ; لِقَوْلِهِمْ: سِوَالٌ وَسَاوَلْتُهُ، وَيُقْرَأُ «سُيِلَ» بِجَعْلِ الْهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ ; أَيْ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَبَيْنَ الْيَاءِ ; لِأَنَّ مِنْهَا حَرَكَتَهَا. (بِالْإِيمَانِ) : الْبَاءُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْكُفْرِ، تَقْدِيرُهُ: مُقَابِلًا بِالْإِيمَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ (يَتَبَدَّلِ) ، وَتَكُونُ الْبَاءُ لِلسَّبَبِ ; كَقَوْلِكَ: اشْتَرَيْتُ الثَّوْبَ بِدِرْهَمٍ، ((سَوَاءَ السَّبِيلِ)) سَوَاءَ ظَرْفٌ بِمَعْنَى وَسَطِ السَّبِيلِ، وَأَعْدَلِهِ وَالسَّبِيلُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. قَالَ تَعَالَى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَوْ يَرُدُّونَكُمْ) : لَوْ بِمَعْنَى أَنَّ الْمَصْدَرِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. وَ (كُفَّارًا) : حَالٌ مِنَ الْكَافِ وَالْمِيمِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثَانِيًا ; لِأَنَّ يَرُدَّ بِمَعْنَى يُصَيِّرُ. (حَسَدًا) : مَصْدَرٌ، وَهُوَ مَفْعُولٌ لَهُ ; وَالْعَامِلُ فِيهِ (وَدَّ) ، أَوْ (يَرُدُّونَكُمْ) .

стр. 106

(مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) : مِنْ مُتَعَلِّقَةٌ بِحَسَدًا ; أَيِ ابْتِدَاءُ الْحَسَدِ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (وَدَّ) أَوْ بِـ (يَرُدُّونَكُمْ) . (حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) : أَيِ اعْفُوا إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ. . . . . . . . . . . . (١١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا تُقَدِّمُوا) : مَا شَرْطِيَّةٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تُقَدِّمُوا) . وَ (مِنْ خَيْرٍ) : مِثْلُ قَوْلِهِ: مِنْ آيَةٍ فِي: مَا نَنْسَخْ. (تَجِدُوهُ) : ثَوَابَهُ فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَ (عِنْدَ اللَّهِ) : ظَرْفٌ لِتَجِدُوا، أَوْ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ بِهِ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا مَنْ كَانَ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ (يَدْخُلَ) لِأَنَّ الْفِعْلَ مُفْرِغٌ لِمَا بَعْدَ إِلَّا «وَكَانَ» مَحْمُولٌ عَلَى لَفْظِ مَنْ فِي الْإِفْرَادِ. وَ (هُودًا) : جَمْعُ هَائِدٍ ; مِثْلُ عَائِذٍ وَعُوذٍ، وَهُوَ مِنْ هَادَ يَهُودُ إِذَا تَابَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ) . وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَصْلُهُ يَهْوُدُ فَحُذِفَتِ الْيَاءُ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، وَجُمِعَ عَلَى مَعْنَى مِنْ. وَ (أَوْ) : هُنَا لِتَفْصِيلِ مَا أُجْمِلَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا، وَقَالَتِ النَّصَارَى لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا، وَلَمْ يَقُلْ كُلٌّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى، فَلَمَّا لَمْ يُفَصِّلْ فِي قَوْلِهِ: «وَقَالُوا» ؛ جَاءَ بِأَوْ لِلتَّفْصِيلِ ; إِذْ كَانَتْ مَوْضُوعَةً لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ. وَ (نَصَارَى) : جَمْعُ نَصْرَانٍ، مِثْلُ سَكْرَانٍ وَسُكَارَى.

стр. 107

(هَاتُوا) : فِعْلٌ مُعْتَلُّ اللَّامِ ; تَقُولُ فِي الْمَاضِي هَاتَا يُهَاتِي مُهَاتَاةً، مِثْلُ رَامِي يُرَامِي مُرَامَاةً، وَهَاتُوا مِثْلُ رَامُوا، وَأَصْلُهُ هَاتِيُوا، ثُمَّ سُكِّنَتِ الْيَاءُ، وَحُذِفَتْ لِمَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ اشْتَرَوْا وَنَظَائِرِهِ، وَتَقُولُ لِلرَّجُلِ فِي الْأَمْرِ: هَاتِ مِثْلُ رَامِ، وَلِلْمَرْأَةِ هَاتِي مِثْلُ رَامِي، وَعَلَيْهِ فَقِسْ بَقِيَّةَ تَصَارِيفِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَهَاتُوا فِعْلٌ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَتَقْدِيرُهُ: أَحْضِرُوا. (بُرْهَانَكُمْ) : وَالنُّونُ فِي بُرْهَانٍ أَصْلٌ عِنْدَ قَوْمٍ ; لِقَوْلِهِمْ بَرْهَنْتُ فَثَبَتَتِ النُّونُ فِي الْفِعْلِ، وَزَائِدَةٌ عِنْدَ آخَرِينَ ; لِأَنَّهُ مِنْ «الْبَرَهِ» وَهُوَ الْقَطْعُ وَالْبُرْهَانُ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ. قَالَ تَعَالَى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَلَى) : جَوَابُ النَّفْيِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ: (بَلَى مَنْ كَسَبَ) [الْبَقَرَةِ: ٨١] وَ (أَسْلَمَ) : وَ (وَجْهَهُ) : وَ «هُوَ» كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى لَفْظِ مَنْ، وَكَذَلِكَ: (فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) ، وَقَوْلُهُ: (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) مَحْمُولٌ عَلَى مَعْنَاهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا قَالَتْ: وَأَصْلُ يَتْلُونَ يَتْلُوُونَ، فَسُكِّنَتِ الْوَاوُ، ثُمَّ حُذِفَتْ ; لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. (كَذَلِكَ قَالَ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَنْصُوبٍ، بِـ (قَالَ) ; وَهُوَ مَصْدَرٌ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ، وَالتَّقْدِيرُ: قَوْلًا مِثْلُ قَوْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْمَلُونَ ; فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ: (مِثْلَ قَوْلِهِمْ) : مَنْصُوبًا بِـ (يَعْمَلُونَ) أَوْ بِـ (قَالَ) عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ،

стр. 108

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْكَافُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ عَنْهُ، وَالْعَائِدُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: قَالَهُ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ (مِثْلَ قَوْلِهِمْ) صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ مَفْعُولًا لِيَعْمَلُونَ. وَالْمَعْنَى مِثْلَ قَوْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ اعْتِقَادَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ مَفْعُولُ قَالَ: لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَوْفَى مَفْعُولَهُ، وَهُوَ الضَّمِيرُ الْمَحْذُوفُ. وَ (فِيهِ) : مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَخْتَلِفُونَ) . قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ أَظْلَمُ) : مَنِ اسْتِفْهَامٌ فِي مَعْنَى النَّفْيِ، وَهُوَ رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَأَظْلَمُ خَبَرُهُ، وَالْمَعْنَى لَا أَحَدَ أَظْلَمُ. (مِمَّنْ مَنَعَ) : مَنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أَوْ بِمَعْنَى الَّذِي: «أَنْ يُذْكَرَ» فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ مَسَاجِدَ، بَدَلُ الِاشْتِمَالِ تَقْدِيرُهُ: ذِكْرَ اسْمِهِ فِيهَا. وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِ لَهُ، تَقْدِيرُهُ: كَرَاهِيَةَ أَنْ يُذْكَرَ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ، تَقْدِيرُهُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ. وَتَتَعَلَّقُ مِنْ إِذَا ظَهَرَتْ بِمَنَعَ ; كَقَوْلِكَ مَنَعْتُهُ مِنْ كَذَا. وَإِذَا حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ مَعَ أَنَّ بَقِيَ الْجَرُّ، وَقِيلَ يَصِيرُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ) [الْبَقَرَةِ: ٢٦] . (وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) : خَرَابٌ: اسْمٌ لِلتَّخْرِيبِ مِثْلُ السَّلَامِ اسْمٌ لِلتَّسْلِيمِ، وَلَيْسَ بِاسْمٍ لِلْجُثَّةِ. وَقَدْ أُضِيفَ اسْمُ الْمَصْدَرِ إِلَى الْمَفْعُولِ ; لِأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ الْمَصْدَرِ.

стр. 109

(إِلَّا خَائِفِينَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَدْخُلُوهَا. (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا) : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وَلَيْسَتْ حَالًا مِثْلَ خَائِفِينَ ; لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُمُ الْخِزْيَ ثَابِتٌ فِي كُلِّ حَالٍ ; لَا فِي حَالِ دُخُولِهِمُ الْمَسَاجِدَ خَاصَّةً. قَالَ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) : هُمَا مَوْضِعُ الشُّرُوقِ وَالْغُرُوبِ. (فَأَيْنَمَا) : شَرْطِيَّةٌ، وَ (تُوَلُّوا) : مَجْزُومٌ بِهِ، وَهُوَ النَّاصِبُ لِأَيْنَ، وَالْجَوَابُ (فَثَمَّ) . وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ: تَوَلَّوْا بِفَتْحِ التَّاءِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مُسْتَقْبَلٌ أَيْضًا، وَتَقْدِيرُهُ تَتَوَلَّوْا فَحَذَفَ التَّاءَ الثَّانِيَةَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَاضِي، وَالضَّمِيرُ لِلْغَائِبِينَ، وَالتَّقْدِيرُ أَيْنَمَا يَتَوَلَّوْنَ. وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا قَدْ وَقَعَ، وَلَا يَكُونُ أَيْنَ شَرْطًا فِي اللَّفْظِ، بَلْ فِي الْمَعْنَى، كَمَا تَقُولُ مَا صَنَعْتَ صَنَعْتُ، إِذَا أَرَدْتَ الْمَاضِيَ. وَهَذَا ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ: أَيْنَ إِمَّا اسْتِفْهَامٌ، وَإِمَّا شَرْطٌ، وَلَيْسَ لَهَا مَعْنًى ثَالِثٌ. وَ (ثَمَّ) : اسْمٌ لِلْمَكَانِ الْبَعِيدِ عَنْكَ، وَبُنِيَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى حَرْفِ الْإِشَارَةِ. وَقِيلَ: بُنِيَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى حَرْفِ الْخِطَابِ ; لِأَنَّكَ تَقُولُ فِي الْحَاضِرِ هُنَا، وَفِي الْغَائِبِ هُنَاكَ، وَثَمَّ نَابَ عَنْ هُنَاكَ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ((١١٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) : يُقْرَأُ بِالْوَاوِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) [الْبَقَرَةِ: ١١١] . وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ وَاوٍ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. (كُلٌّ لَهُ) : تَقْدِيرُهُ كُلُّ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَوْ كُلُّهُمْ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلٍّ أَنْ تُسْتَعْمَلَ مُضَافَةً، وَمِنْ هُنَا ذَهَبَ جُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ إِلَى مَنْعِ دُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلَى كُلٍّ ; لِأَنَّ

стр. 110

تَخْصِيصَهَا بِالْمُضَافِ إِلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَلْفُوظًا بِهِ كَانَ فِي حُكْمِ الْمَلْفُوظِ بِهِ، وَحَمَلَ الْخَبَرَ عَلَى مَعْنَى كُلٍّ فَجَمَعَهُ فِي قَوْلِهِ: قَانِتُونَ وَلَوْ قَالَ قَانِتٌ جَازَ عَلَى لَفْظِ كُلٍّ. قَالَ تَعَالَى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ) ; أَيْ مُبْدِعُهَا ; كَقَوْلِهِمْ سَمِيعٌ بِمَعْنَى مُسْمِعٌ، وَالْإِضَافَةُ هُنَا مَحْضَةٌ ; لِأَنَّ الْإِبْدَاعَ لَهُمَا مَاضٍ. (وَإِذَا قَضَى) : إِذَا ظَرْفٌ، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْجَوَابُ تَقْدِيرُهُ، وَإِذَا قَضَى أَمْرًا يَكُونُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَيَكُونُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى يَقُولُ، أَوْ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ ; أَيْ فَهُوَ يَكُونُ. وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ لَفْظِ الْأَمْرِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُنْ لَيْسَ بِأَمْرٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ ; إِذْ لَيْسَ هُنَاكَ مُخَاطَبٌ بِهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى عَلَى سُرْعَةِ التَّكَوُّنِ ; يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْخِطَابَ بِالتَّكَوُّنِ لَا يَرِدُ عَلَى الْمَوْجُودِ ; لِأَنَّ الْمَوْجُودَ مُتَكَوِّنٌ وَلَا يَرِدُ عَلَى الْمَعْدُومِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لَا يَبْقَى إِلَّا لَفْظُ الْأَمْرِ، وَلَفْظُ الْأَمْرِ يَرِدُ، وَلَا يُرَادُ بِهِ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ كَقَوْلِهِ: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) [مَرْيَمَ: ٣٨] وَكَقَوْلِهِ: (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ) [مَرْيَمَ: ٧٥] . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ جَوَابَ الْأَمْرِ، لَا بُدَّ أَنْ يُخَالِفَ الْأَمْرَ، إِمَّا فِي الْفِعْلِ أَوْ فِي الْفَاعِلِ، أَوْ فِيهِمَا فَمِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُكَ اذْهَبْ يَنْفَعُكَ زَيْدٌ فَالْفِعْلُ، وَالْفَاعِلُ فِي الْجَوَابِ غَيْرُهُمَا فِي الْأَمْرِ وَتَقُولُ: اذْهَبْ يَذْهَبْ زَيْدٌ فَالْفِعْلَانِ مُتَّفِقَانِ وَالْفَاعِلَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَتَقُولُ اذْهَبْ تَنْتَفِعْ فَالْفَاعِلَانِ مُتَّفِقَانِ وَالْفِعْلَانِ مُخْتَلِفَانِ، فَأَمَّا أَنْ يَتَّفِقَ الْفِعْلَانِ وَالْفَاعِلَانِ فَغَيْرُ جَائِزٍ كَقَوْلِكَ اذْهَبْ تَذْهَبْ وَالْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ شَرْطًا لِنَفْسِهِ.
следующие страницы →