Полный текст (1 313 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وَقِيلَ: فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِنْ «مَا» ؛ أَيْ: بِئْسَ شَيْئًا سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِلَامٍ مَحْذُوفَةٍ؛ أَيْ: لِأَنْ سَخِطَ.
قَالَ تَعَالَى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) (٨٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَدَاوَةً) : تَمْيِيزٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ «أَشَدَّ» . وَ (لِلَّذِينَ آمَنُوا) : مُتَعَلِّقٌ بِالْمَصْدَرِ، أَوْ نَعْتٌ لَهُ. (الْيَهُودَ) : الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِـ «تَجِدَ» . (ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ (بِأَنَّ مِنْهُمْ) : الْخَبَرُ؛ أَيْ: ذَلِكَ كَائِنٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (٨٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذَا سَمِعُوا) : الْوَاوُ هَاهُنَا عَطَفَتْ إِذَا عَلَى خَبَرِ أَنَّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «لَا يَسْتَكْبِرُونَ» فَصَارَ الْكَلَامُ دَاخِلًا فِي صِلَةِ أَنَّ، وَإِذَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ «تَرَى» وَإِذَا وَجَوَابُهَا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلَى خَبَرِ أَنَّ الثَّانِيَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا فِي اللَّفْظِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَا قَبْلَهُ فِي الْمَعْنَى. وَ (تَفِيضُ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ؛ لِأَنَّ تَرَى مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ. وَ (مِنَ الدَّمْعِ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ؛ أَيْ: فَيْضُهَا مِنْ كَثْرَةِ الدَّمْعِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَالًا؛ وَالتَّقْدِيرُ: تَفِيضُ مَمْلُوءَةً مِنَ الدَّمْعِ. وَأَمَّا (مِمَّا عَرَفُوا) : فَمِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَمَعْنَاهَا مِنْ أَجْلِ الَّذِي عَرَفُوهُ. وَ (مِنَ الْحَقِّ) : حَالٌ مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ. (يَقُولُونَ) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي عَرَفُوا.
стр. 457
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) (٨٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا لَنَا) : «مَا» فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَلَنَا الْخَبَرُ. وَ (لَا نُؤْمِنُ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْخَبَرِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ الْجَارُّ؛ أَيْ: مَا لَنَا غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، كَمَا تَقُولُ مَا لَكَ قَائِمًا. (وَمَا جَاءَنَا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ؛ أَيْ: وَبِمَا جَاءَنَا. (مِنَ الْحَقِّ) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ؛ أَيْ: وَلِمَا جَاءَنَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَمِنَ الْحَقِّ الْخَبَرُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. (وَنَطْمَعُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى نُؤْمِنُ؛ أَيْ: وَمَا لَنَا لَا نَطْمَعُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَنَحْنُ نَطْمَعُ، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي نُؤْمِنُ. وَ (أَنْ يُدْخِلَنَا) : أَيْ: فِي أَنْ يُدْخِلَنَا، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَوْ جَرٍّ عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) (٨٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَلَالًا) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ مَفْعُولُ كُلُوا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «مِمَّا» فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ قُدِّمَتْ عَلَيْهَا، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ: «مِنْ» لِابْتِدَاءِ غَايَةِ الْأَكْلِ، فَتَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِكُلُوا؛ كَقَوْلِكَ أَكَلْتُ مِنَ الْخُبْزِ رَغِيفًا إِذَا لَمْ تَرِدُ الصِّفَةُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «مَا» ؛ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ، فَيَكُونُ الْعَامِلُ «رَزَقَ» ؛
стр. 458
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: أَكْلًا حَلَالًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْصَبَ حَلَالًا بِرَزَقَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَعُودَ إِلَى «مَا» ضَمِيرٌ.
قَالَ تَعَالَى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٨٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِنَفْسِ اللَّغْوِ؛ لِأَنَّكَ تَقُولُ لَغَا فِي يَمِينِهِ، وَهَذَا مَصْدَرٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ يَعْمَلُ، وَلَكِنْ مُعَدَّى بِحَرْفِ الْجَرِّ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ اللَّغْوِ؛ أَيْ: بِاللَّغْوِ كَائِنًا أَوْ وَاقِعًا فِي أَيْمَانِكُمْ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَتَعَلَّقَ «فِي» بِـ «يُؤَاخِذُكُمْ» . (عَقَّدْتُمُ) : يُقْرَأُ بِتَخْفِيفِ الْقَافِ، وَهُوَ الْأَصْلُ، وَعَقْدُ الْيَمِينِ هُوَ قَصْدُ الِالْتِزَامِ بِهَا، وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِهَا، وَذَلِكَ لِتَوْكِيدِ الْيَمِينِ كَقَوْلِهِ: «هُوَ اللَّهُ
الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» وَنَحْوِهِ. وَقِيلَ: التَّشْدِيدُ يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِ الْعَزْمِ بِالِالْتِزَامِ بِهَا، وَقِيلَ: إِنَّمَا شَدَّدَ لِكَثْرَةِ الْحَالِفِينَ وَكَثْرَةِ الْأَيْمَانِ. وَقِيلَ: التَّشْدِيدُ عِوَضٌ مِنَ الْأَلِفِ فِي عَاقَدَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّشْدِيدُ لِتَكْرِيرِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ، وَإِنْ لَمْ تُكَرَّرْ.
وَيُقْرَأُ «عَاقَدْتُمْ» بِالْأَلِفِ، وَهِيَ بِمَعْنَى عَقَدْتُمْ؛ كَقَوْلِكَ قَاطَعْتُهُ وَقَطَعْتُهُ مِنَ الْهِجْرَانِ.
стр. 459
(فَكَفَّارَتُهُ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ الْعَقْدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفِعْلُ الدَّالُّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تَعُودُ عَلَى الْيَمِينِ بِالْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ وَالْيَمِينَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَ (إِطْعَامُ) : مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ بِهِ، وَالْجَيِّدُ أَنْ يُقَدَّرَ بِفِعْلٍ قَدْ سُمِّيَ فَاعِلُهُ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ خِطَابٌ؛ فَـ «عَشَرَةَ» عَلَى هَذَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ.
(مِنْ أَوْسَطِ) : صِفَةٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إِنْ تُطْعِمُوا عَشَرَةَ مَسَاكِينَ طَعَامًا، أَوْ قُوتًا مِنْ أَوْسَطِ؛ أَيْ: مُتَوَسِّطًا. (مَا تُطْعِمُونَ) : أَيِ الَّذِي تُطْعِمُونَ مِنْهُ، أَوْ تُطْعِمُونَهُ. (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) : مَعْطُوفٌ عَلَى «إِطْعَامُ» ، وَيُقْرَأُ شَاذًّا: (أَوْ كَإِسْوَتِهِمْ) : فَالْكَافُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ أَيْ: أَوْ مِثْلُ إِسْوَةِ أَهْلِيكُمْ فِي الْكِسْوَةِ. (أَوْ تَحْرِيرُ) : مَعْطُوفٌ عَلَى «إِطْعَامُ» ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ أَيْضًا. (إِذَا حَلَفْتُمْ) : الْعَامِلُ فِي إِذَا «كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ» ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: ذَلِكَ يُكَفِّرُ أَيْمَانَكُمْ وَقْتَ حَلِفِكُمْ، كَذَلِكَ الْكَافُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: يُبَيِّنُ لَكُمْ آيَاتِهِ تَبْيِينًا مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٩٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (رِجْسٌ) : إِنَّمَا أُفْرِدَ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: إِنَّمَا عَمَلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ رِجْسٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الْخَمْرِ، وَإِخْبَارُ الْمَعْطُوفَاتِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلَالَةِ خَبَرِ الْأَوَّلِ عَلَيْهَا. وَ (مِنْ عَمَلِ) : صِفَةٌ لِرِجْسٍ، أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ، وَالْهَاءُ فِي (اجْتَنِبُوهُ) : تَرْجِعُ إِلَى الْعَمَلِ، أَوْ إِلَى الرِّجْسِ، وَالتَّقْدِيرُ: رِجْسٌ مِنْ جِنْسِ عَمَلِ الشَّيْطَانِ.
стр. 460
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (٩١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) : «فِي» مُتَعَلِّقَةٌ بِـ «يُوقِعَ» ، وَهِيَ بِمَعْنَى السَّبَبِ؛ أَيْ: بِسَبَبِ شُرْبِ الْخَمْرِ وَفِعْلِ الْمَيْسِرِ
وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ فِي بِالْعَدَاوَةِ، أَوْ بِالْبَغْضَاءِ؛ أَيْ: أَنْ تَتَعَادَوْا وَأَنْ تَتَبَاغَضُوا بِسَبَبِ الشُّرْبِ، وَهُوَ عَلَى هَذَا مَصْدَرٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ مُعْمِلٌ، وَالْهَمْزَةُ فِي الْبَغْضَاءِ لِلتَّأْنِيثِ، وَلَيْسَ مُؤَنَّثَ أَفْعَلَ؛ إِذْ لَيْسَ مُذَكَّرُ الْبَغْضَاءِ أَبْغَضَ، وَهُوَ مِثْلُ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ. (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) : لَفْظُهُ اسْتِفْهَامٌ، وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ؛ أَيِ: انْتَهُوا؛ لَكِنَّ الِاسْتِفْهَامَ عُقَيْبَ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَعَايِبِ أَبْلَغُ مِنَ الْأَمْرِ.
قَالَ تَعَالَى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جنَاح فِيمَا طعموا إِذا مَا اتَّقوا وآمنوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات) (٩٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذَا مَا اتَّقَوْا) : الْعَامِلُ فِي إِذَا مَعْنَى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ؛ أَيْ: لَا يَأْثَمُونَ إِذَا مَا اتَّقَوْا.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (٩٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الصَّيْدِ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِشَيْءٍ، وَ «مِنَ» لِبَيَانِ الْجِنْسِ. وَقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ إِذْ لَا يُحَرَّمُ إِلَّا الصَّيْدُ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، وَفِي الْحَرَمِ وَفِي الْبَرِّ، وَالصَّيْدُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ، وَهُوَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْمَصِيدِ، وَسُمِّي مَصِيدًا وَصَيْدًا، لِمَآلِهِ إِلَى ذَلِكَ، وَتَوَفُّرِ الدَّوَاعِي إِلَى صَيْدِهِ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا أُعِدَّ لِلصَّيْدِ صَارَ كَأَنَّهُ مُصِيدٌ. (تَنَالُهُ) : صِفَةٌ لِشَيْءٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُصِفَ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الصَّيْدِ.
(لِيَعْلَمَ) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ «لِيَبْلُونَّكُمْ» . (
стр. 461
بِالْغَيْبِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ «مَنْ» أَوْ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي يَخَافُهُ؛ أَيْ: يَخَافُهُ غَائِبًا عَنِ الْخَلْقِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى «فِي» ؛ أَيْ: فِي الْمَوْضِعِ الْغَائِبِ عَنِ الْخَلْقِ؛ وَالْغَيْبُ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ فَاعِلٍ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) (٩٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي تَقْتُلُوا. وَ (مُتَعَمِّدًا) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي قَتَلَهُ. (فَجَزَاءٌ) : مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فَالْوَاجِبُ جَزَاءٌ.
وَيُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «مِثْلُ» صِفَةً لَهُ أَوْ بَدَلًا، وَمِثْلُ هُنَا بِمَعْنَى مُمَاثِلٍ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ أَنْ يُعَلِّقَ مِنَ النَّعَمِ بِـ «جَزَاءٌ» ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ صِلَتِهِ، وَالْفَصْلُ بَيْنَ الصِّلَةِ وَالْمَوْصُولِ بِالصِّفَةِ أَوِ الْبَدَلِ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ الْمَوْصُولَ لَمْ يَتِمَّ، فَلَا يُوصَفُ، وَلَا يُبْدَلُ مِنْهُ.
وَيُقْرَأُ شَاذًّا: «جَزَاءً» بِالتَّنْوِينِ، وَمِثْلَ بِالنَّصْبِ؛ وَانْتِصَابُهُ بِـ «جَزَاءً» . وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ
بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ «جَزَاءٌ» ؛ أَيْ: يَخْرُجُ أَوْ يُؤَدِّي مِثْلَ، وَهَذَا أَوْلَى، فَإِنَّ الْجَزَاءَ يَتَعَدَّى بِحَرْفِ الْجَرِّ.
وَيُقْرَأُ فِي الْمَشْهُورِ بِإِضَافَةِ جَزَاءٍ إِلَى الْمِثْلِ، وَإِعْرَابُ الْجَزَاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَ «مِثْلُ» فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ فِي حُكْمِ الزَّائِدَةِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: مِثْلِي لَا يَقُولُ ذَلِكَ؛ أَيْ: أَنَا لَا أَقُولُ، وَإِنَّمَا دَعَا إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: أَنَّ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْجَزَاءُ الْمَقْتُولُ لَا مِثْلُهُ.
стр. 462
وَأَمَّا (مِنَ النَّعَمِ) : فَفِيهِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: أَنْ تَجْعَلَهُ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي قَتَلَ؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ يَكُونُ مِنَ النَّعَمِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِجَزَاءٍ إِذَا نَوَّنْتَهُ؛ أَيْ: جَزَاءٌ كَائِنٌ مِنَ النَّعَمِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ تُعَلِّقَهَا بِنَفْسِ الْجَزَاءِ إِذَا أَضَفْتَهُ؛ لِأَنَّ الْمُضَافَ إِلَيْهِ دَاخِلٌ فِي الْمُضَافِ، فَلَا يُعَدُّ فَصْلًا بَيْنَ الصِّلَةِ وَالْمَوْصُولِ.
وَكَذَلِكَ إِنْ نَوَّنْتَ الْجَزَاءَ، وَنَصَبْتَ «مِثْلًا» ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ فِيهِمَا فَهُمَا مِنْ صِلَتِهِ، كَمَا تَقُولُ: يُعْجِبُنِي ضَرْبُكَ زَيْدًا بِالسَّوْطِ.
(يَحْكُمُ بِهِ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لِجَزَاءٍ إِذَا نَوَّنْتُهُ، وَأَمَّا عَلَى الْإِضَافَةِ فَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ الْمُقَدَّرِ فِي الْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ. (ذَوَا عَدْلٍ) : الْأَلِفُ لِلتَّثْنِيَةِ، وَيُقْرَأُ شَاذًّا «ذُو» عَلَى الْإِفْرَادِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ كَمَا تَكُونُ: «مِنْ» مَحْمُولَةً عَلَى الْمَعْنَى، فَتَقْدِيرُهُ: عَلَى هَذَا فَرِيقٌ ذُو عَدْلٍ أَوْ حَاكِمٌ ذُو عَدْلٍ. وَ (مِنْكُمْ) : صِفَةٌ لَذَوَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةَ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ عَدْلًا هُنَا مَصْدَرٌ غَيْرُ وَصْفٍ (هَدْيًا) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ فِي بِهِ، وَهُوَ بِمَعْنَى مَهْدِيٍّ، وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ؛ أَيْ: يَهْدِيهِ هَدْيًا، وَقِيلَ: عَلَى التَّمْيِيزِ. وَ (بَالِغَ الْكَعْبَةِ) : صِفَةٌ لِهَدْيٍ، وَالتَّنْوِينُ مُقَدَّرٌ؛ أَيْ: بَالِغًا الْكَعْبَةَ. (أَوْ كَفَّارَةٌ) : مَعْطُوفٌ عَلَى جَزَاءٍ؛ أَيْ: أَوْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ إِذَا لَمْ يَجْدِ الْمِثْلُ وَ (طَعَامُ) : بَدَلٌ مِنْ كَفَّارَةٍ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: هِيَ طَعَامُ،
стр. 463
وَيُقْرَأُ بِالْإِضَافَةِ وَالْإِضَافَةُ هُنَا لِتَبْيِينِ الْمُضَافِ. وَ (صِيَامًا) : تَمْيِيزٌ
(لِيَذُوقَ) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرَارِ؛ أَيْ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ لِيَذُوقَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِصِيَامٍ، وَبِطَعَامٍ. (فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ) : جَوَابُ الشَّرْطِ، وَحَسُنَ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ فِعْلُ الشَّرْطِ مَاضِيًا فِي اللَّفْظِ.
قَالَ تَعَالَى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (٩٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَطَعَامُهُ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ الْبَحْرِ، وَقِيلَ: ضَمِيرُ الصَّيْدِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَإِطْعَامُ الصَّيْدِ أَنْفُسَكُمْ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَبَاحَ لَهُمْ صَيْدَ الْبَحْرِ، وَأَكْلَ صَيْدِهِ، بِخِلَافِ صَيْدِ الْبَرِّ. (مَتَاعًا) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَقِيلَ: مَصْدَرٌ؛ أَيْ: مُتِّعْتُمْ بِذَلِكَ تَمْتِيعًا (مَا دُمْتُمْ) : يُقْرَأُ بِضَمِّ الدَّالِّ، وَهُوَ الْأَصْلُ، وَبِكَسْرِهَا وَهِيَ لُغَةٌ، يُقَالُ دُمْتُ تُدَامُ. (حُرُمًا) : جَمْعُ حَرَامٍ كَكِتَابٍ، وَكُتُبٍ. وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ حَرَمًا بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ؛ أَيْ: ذَوِي حَرَمٍ؛ أَيْ: إِحْرَامٍ. وَقِيلَ: جَعَلَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَكَانِ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ.
قَالَ تَعَالَى: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٩٧) .
стр. 464
قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَعَلَ اللَّهُ) : هِيَ بِمَعْنَى صَيَّرَ، فَيَكُونُ (قِيَامًا) : مَفْعُولًا ثَانِيًا، وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى خَلَقَ، فَيَكُونُ قِيَامًا حَالًا، وَ (الْبَيْتَ) : بَدَلٌ مِنَ الْكَعْبَةِ، وَيُقْرَأُ (قِيَامًا) بِالْأَلِفِ؛ أَيْ: سَبَبًا لِقِيَامِ دِينِهِمْ وَمَعَاشِهِمْ. وَيُقْرَأُ: (قِيَمًا) بِغَيْرِ أَلِفٍ وَهُوَ مَحْذُوفٌ مِنْ قِيَامٍ كَخِيَمٍ فِي خِيَامٍ. (ذَلِكَ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيِ: الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ذَلِكَ؛ أَيْ: لَا غَيْرُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ هُوَ الْخَبَرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أَيْ: فَعَلْنَا ذَلِكَ أَوْ شَرَعْنَا، وَاللَّامُ فِي «لِتَعْلَمُوا» مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَحْذُوفِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (١٠١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَنْ أَشْيَاءَ) : الْأَصْلُ فِيهَا عِنْدَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ «شَيْئَاءَ» بِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ، وَهِيَ فَعْلَاءُ مِنْ لَفْظِ شَيْءٍ، وَهَمْزَتُهَا الثَّانِيَةُ لِلتَّأْنِيثِ، وَهِيَ مُفْرَدَةٌ فِي اللَّفْظِ، وَمَعْنَاهَا الْجَمْعُ، مِثْلُ قَصْبَاءَ وَطَرْفَاءَ، وَلِأَجْلِ هَمْزَةِ التَّأْنِيثِ لَمْ تَنْصَرِفْ، ثُمَّ إِنَّ الْهَمْزَةَ الْأُولَى الَّتِي هِيَ لَامُ الْكَلِمَةِ قُدِّمَتْ فَجُعِلَتْ قَبْلَ الشِّينِ كَرَاهِيَةَ الْهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ، خُصُوصًا بَعْدَ الْيَاءِ، فَصَارَ وَزْنُهَا لَفْعَاءَ، وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ، لَا يَرِدُ عَلَيْهِ إِشْكَالٌ.
وَقَالَ الْأَخْفَشُ وَالْفَرَّاءُ: أَصْلُ الْكَلِمَةِ شَيْءٌ مِثْلُ هَيِّنٍ عَلَى فَيْعِلٍ، ثُمَّ خُفِّفَتْ يَاؤُهُ كَمَا خُفِّفَتْ يَاءُ هَيْنٍ، فَقِيلَ: شَيْءٌ كَمَا قِيلَ «هَيْنٌ» ثُمَّ جُمِعَ عَلَى أَفْعِلَاءَ؛ وَكَانَ الْأَصْلُ أَشْيَاءَ؛ كَمَا قَالُوا هَيْنٌ وَأَهْوِنَاءُ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ الْأُولَى، فَصَارَ وَزْنُهَا أَفْعَاءَ، فَلَامُهَا مَحْذُوفَةٌ.
стр. 465
وَقَالَ آخَرُونَ: الْأَصْلُ فِي «شَيْءٍ» شَيِيءٌ مِثْلُ صَدِيقٍ، ثُمَّ جُمِعَ عَلَى أَفْعِلَاءَ كَأَصْدِقَاءَ وَأَنْبِيَاءَ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ الْأُولَى، وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ؛ كَبَيْتٍ وَأَبْيَاتٍ، وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْجَمْعِ يَنْصَرِفُ، وَعَلَى الْأَقْوَالِ الْأَوَّلُ يَمْتَنِعُ صَرْفُهُ؛ لِأَجْلِ هَمْزَةِ التَّأْنِيثِ، وَلَوْ كَانَ أَفْعَالًا لَانْصَرَفَ، وَلَمْ يُسْمَعْ أَشْيَاءُ مُنْصَرِفَةً الْبَتَّةَ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَلَامٌ طَوِيلٌ فَمَوْضِعُهُ التَّصْرِيفُ. (إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) : الشَّرْطُ وَجَوَابُهُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِأَشْيَاءَ. (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) : قِيلَ: هُوَ مُسْتَأْنَفٌ.
وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ أَيْضًا، وَالنِّيَّةُ بِهِ التَّقْدِيمُ؛ أَيْ: عَنْ أَشْيَاءَ قَدْ عَفَا اللَّهُ لَكُمْ عَنْهَا.
قَالَ تَعَالَى: (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) (١٠٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ قَبْلِكُمْ) : هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِسَأَلَهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْمٍ وَلَا حَالًا؛ لِأَنَّ ظَرْفَ الزَّمَانِ لَا يَكُونُ صِفَةً لِلْجُثَّةِ، وَلَا حَالًا مِنْهَا، وَلَا خَبَرًا عَنْهَا.
قَالَ تَعَالَى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (١٠٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ) : «مِنْ» زَائِدَةٌ، وَجَعَلَ هَاهُنَا بِمَعْنَى سَمَّى، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَحِيرَةٌ أَحَدَ الْمَفْعُولَيْنِ، وَالْآخَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: مَا سَمَّى اللَّهُ حَيَوَانًا بَحِيرَةً. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جَعَلَ مُتَعَدِّيَةً إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، بِمَعْنَى مَا شَرَعَ، وَلَا وَضَعَ، وَبَحِيرَةٌ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مُفْعُولَةٍ، وَالسَّائِبَةُ فَاعِلَةٌ مِنْ سَابَ يَسِيبُ إِذَا جَرَى، وَهُوَ مُطَاوِعُ سَيَّبَهُ فَسَابَ. وَقِيلَ: هِيَ فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مُفْعُولَةٍ؛ أَيْ: مُسَيَّبَةٌ، وَالْوَصِيلَةُ بِمَعْنَى الْوَاصِلَةِ، وَالْحَامِي فَاعِلٌ مِنْ حَمَى ظَهْرَهُ يَحْمِيهِ.
стр. 466
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) (١٠٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَسْبُنَا) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ، وَ «مَا وَجَدْنَا» هُوَ الْخَبَرُ، (وَمَا) : بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ؛ وَالتَّقْدِيرُ: كَافِينَا الَّذِي وَجَدْنَاهُ، وَوَجَدْنَا هُنَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى عَلِمْنَا، فَيَكُونُ «عَلَيْهِ» الْمَفْعُولُ الثَّانِي، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى صَادَفْنَا، فَتَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ بِنَفْسِهَا، وَفِي عَلَيْهِ عَلَى هَذَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفِعْلِ مُعَدِّيَةٌ لَهُ كَمَا تَتَعَدَّى ضَرَبْتُ زَيْدًا بِالسَّوْطِ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الْآبَاءِ، وَجَوَابُ (أَوَلَوْ كَانَ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أَوَلَوْ كَانُوا يَتَّبِعُونَهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (١٠٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) : عَلَيْكُمْ هُوَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ هَاهُنَا، وَبِهِ انْتَصَبَ «أَنْفُسَكُمْ» ، وَالتَّقْدِيرُ: احْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ. وَالْكَافُ وَالْمِيمُ فِي عَلَيْكُمْ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْفِعْلِ هُوَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ، وَعَلَى وَحْدَهَا لَمْ تُسْتَعْمَلِ اسْمًا لِلْفِعْلِ، بِخِلَافِ رُوَيْدَكُمْ، فَإِنَّ الْكَافَ وَالْمِيمَ هُنَاكَ لِلْخِطَابِ فَقَطْ، وَلَا مَوْضِعَ لَهُمَا؛ لِأَنَّ رُوَيْدًا قَدِ اسْتُعْمِلَتِ اسْمًا لِلْأَمْرِ لِلْمُوَاجَهِ مِنْ غَيْرِ كَافِ الْخِطَابِ. وَهَكَذَا قَوْلُهُ: (مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ) : الْكَافُ وَالْمِيمُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ أَيْضًا، وَيُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (لَا يَضُرُّكُمْ) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالضَّمِّ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ. وَقِيلَ: حَقُّهُ الْجَزْمُ
стр. 467
عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، وَلَكِنَّهُ حُرِّكَ بِالضَّمِّ إِتْبَاعًا لِضَمَّةِ الضَّادِ، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى أَنَّ حَقَّهُ الْجَزْمُ وَحُرِّكَ بِالْفَتْحِ، وَيُقْرَأُ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا وَكَسْرِ الضَّادِ، وَهُوَ مِنْ ضَارَهُ يَضِيرُهُ، وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِضَمِّ الضَّادِ، وَهُوَ مِنْ ضَارَهُ يَضُورُهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ لُغَاتٌ فِيهِ. وَ (إِذَا) : ظَرْفٌ لِيَضُرُّ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَضَلَّ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَصِحُّ مَعَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ) (١٠٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) : يُقْرَأُ بِرَفْعِ الشَّهَادَةِ، وَإِضَافَتِهَا إِلَى بَيْنِكُمْ، وَالرَّفْعُ عَلَى
الِابْتِدَاءِ، وَالْإِضَافَةُ هُنَا إِلَى «بَيْنِ» عَلَى أَنْ تُجْعَلَ بَيْنَ مَفْعُولًا بِهِ عَلَى السَّعَةِ، وَالْخَبَرُ «اثْنَانِ» ؛ وَالتَّقْدِيرُ: شَهَادَةُ اثْنَيْنِ.
وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: ذَوَا شَهَادَةِ بَيْنِكُمُ اثْنَانِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ الْأَوَّلُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «إِذَا حَضَرَ» ظَرْفًا لِلشَّهَادَةِ. وَأَمَّا «حِينَ الْوَصِيَّةِ» فَفِيهِ عَلَى هَذَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ ظَرْفٌ لِلْمَوْتِ. وَالثَّانِي: ظَرْفٌ لِحَضَرَ، وَجَازَ ذَلِكَ إِذْ كَانَ الْمَعْنَى حَضَرَ أَسْبَابَ الْمَوْتِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ إِذَا. وَقِيلَ «شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ» مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ «إِذَا حَضَرَ» وَ «حِينَ» عَلَى الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فِي الْإِعْرَابِ.
стр. 468
وَقِيلَ: خَبَرُ الشَّهَادَةِ حِينَ، وَإِذَا ظَرْفٌ لِلشَّهَادَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «إِذَا» خَبَرًا لِلشَّهَادَةِ، وَحِينَ ظَرْفًا لَهَا، إِذْ فِي ذَلِكَ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمَصْدَرِ، وَصِلَتِهِ بِخَبَرِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَعْمَلَ الْوَصِيَّةُ فِي إِذَا؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهُ، وَلَا الْمُضَافُ إِلَيْهِ فِي الْإِعْرَابِ يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهُ، وَإِذَا جَعَلْتَ الظَّرْفَ خَبَرًا عَنِ الشَّهَادَةِ، فَاثْنَانِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيِ: الشَّاهِدَانِ اثْنَانِ.
وَقِيلَ: الشَّهَادَةُ مُبْتَدَأٌ، وَإِذَا وَحِينَ غَيْرُ خَبَرَيْنِ؛ بَلْ هُمَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الظَّرْفِيَّةِ، وَاثْنَانِ فَاعِلُ «شَهَادَةُ» ، وَأَغْنَى الْفَاعِلُ عَنْ خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ.
وَ (ذَوَا عَدْلٍ) : صِفَةٌ لِاثْنَيْنِ، وَكَذَلِكَ «مِنْكُمْ» (أَوْ آخَرَانِ) : مَعْطُوفٌ عَلَى اثْنَانِ. وَ (مِنْ غَيْرِكُمْ) : صِفَةٌ لَآخَرَانِ.
وَ (إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) : مُعْتَرِضٌ بَيْنَ آخَرَانِ وَبَيْنَ صِفَتِهِ، وَهُوَ «تَحْبِسُونَهُمَا» ؛ أَيْ: أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ مَحْبُوسَانِ. وَ «مِنْ بَعْدِ» مُتَعَلِّقٌ بِتَحْبِسُونَ، وَأَنْتُمْ مَرْفُوعٌ بِأَنَّهُ فَاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ لِأَنَّهُ وَاقِعٌ بَعْدَ إِنِ الشَّرْطِيَّةِ، فَلَا يَرْتَفِعُ بِالِابْتِدَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ: إِنْ ضَرَبْتُمْ، فَلَمَّا حُذِفَ الْفِعْلُ، وَجَبَ أَنْ يُفْصَلَ الضَّمِيرُ، فَيَصِيرُ أَنْتُمْ لِيَقُومَ بِنَفْسِهِ، وَضَرَبْتُمْ تَفْسِيرٌ لِلْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ لَا مَوْضِعَ لَهُ.
«فَيُقْسِمَانِ» جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى تَحْبِسُونَهُمَا. وَ (إِنِ ارْتَبْتُمْ) : مُعْتَرِضٌ بَيْنَ يُقْسِمَانِ وَجَوَابِهِ، وَهُوَ «لَا نَشْتَرِي» وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، أَغْنَى عَنْهُ مَعْنَى الْكَلَامِ، وَالتَّقْدِيرُ: إِنِ ارْتَبْتُمْ فَاحْبِسُوهُمَا، أَوْ فَحَلِّفُوهُمَا، وَإِنْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَشْهِدُوا اثْنَيْنِ. (وَلَا نَكْتُمُ) : جَوَابُ يُقْسِمَانِ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْيَمِينِ.
وَالْهَاءُ فِي: «بِهِ» تَعُودُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ عَلَى الْقَسَمِ أَوِ الْيَمِينِ أَوِ الْحَلِفِ أَوْ عَلَى تَحْرِيفِ الشَّهَادَةِ أَوْ عَلَى الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهَا قَوْلٌ. وَ (ثَمَنًا) : مَفْعُولُ نَشْتَرِي، وَلَا حَذْفَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يُشْتَرَى، كَمَا يُشْتَرَى بِهِ.
وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ذَا ثَمَنٍ. (
стр. 469
وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) أَيْ: وَلَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ. . .
(وَلَا نَكْتُمُ) : مَعْطُوفٌ عَلَى لَا نَشْتَرِي. وَأَضَافَ الشَّهَادَةَ إِلَى اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِهَا فَصَارَتْ لَهُ. وَيُقْرَأُ «شَهَادَةً» بِالتَّنْوِينِ، وَأَلَّلَهُ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ، وَبِكَسْرِ الْهَاءِ، عَلَى أَنَّهُ جَرَّهُ بِحَرْفِ الْقَسَمِ مَحْذُوفًا، وَقَطَعَ الْهَمْزَةَ تَنْبِيهًا عَلَى ذَلِكَ.
وَقِيلَ: قَطْعُهَا عِوَضٌ مِنْ حَرْفِ الْقَسَمِ، وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ، وَالْجَرُّ عَلَى الْقَسَمِ مِنْ غَيْرِ تَعْوِيضٍ وَلَا تَنْبِيهٍ.
وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَمَدِّهَا، وَالْهَمْزَةُ عَلَى هَذَا عِوَضٌ مِنْ حَرْفِ الْقَسَمِ، وَيُقْرَأُ بِتَنْوِينِ الشَّهَادَةِ، وَوَصْلُ الْهَمْزَةِ، وَنَصْبُ اسْمِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ عَلَى أَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِفِعْلِ الْقَسَمِ مَحْذُوفًا.
قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (١٠٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ عُثِرَ) : مَصْدَرُهُ الْعُثُورُ، وَمَعْنَاهُ اطُّلِعَ، فَأَمَّا مَصْدَرُ عَثَرَ فِي مَشْيِهِ وَمَنْطِقِهِ وَرَأْيِهِ فَالْعِثَارُ. وَ (عَلَى أَنَّهُمَا) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْفَاعِلِ. (فَآخَرَانِ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: فَالشَّاهِدَانِ آخَرَانِ.
وَقِيلَ: فَاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: فَلْيَشْهَدْ آخَرَانِ. وَقِيلَ: هُوَ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ «يَقُومَانِ» ، وَجَازَ الِابْتِدَاءُ هُنَا بِالنَّكِرَةِ؛ لِحُصُولِ الْفَائِدَةِ بِهِ.
стр. 470
وَقِيلَ: الْخَبَرُ «الْأَوْلَيَانِ» . وَقِيلَ: الْمُبْتَدَأُ الْأَوْلَيَانِ وَآخَرَانِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَيَقُومَانِ صِفَةُ آخَرَانِ، إِذَا لَمْ تَجْعَلْهُ خَبَرًا. وَ (مَقَامَهُمَا) : مَصْدَرٌ. وَ (مِنَ الَّذِينَ) : صِفَةٌ أُخْرَى لَآخَرَانِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي «يَقُومَانِ» . (اسْتَحَقَّ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَالْفَاعِلُ الْأَوْلَيَانِ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: وَصِيَّتَهُمَا، وَيُقْرَأُ بِضَمِّهَا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَفِي الْفَاعِلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا ضَمِيرُ الْإِثْمِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ فِي قَوْلِهِ: «اسْتَحَقَّا إِثْمًا» ؛ أَيِ: اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْإِثْمُ.
وَالثَّانِي: الْأَوْلَيَانِ؛ أَيْ: إِثْمُ الْأَوْلَيَيْنِ. وَفِي «عَلَيْهِمُ» ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هِيَ عَلَى بَابِهَا كَقَوْلِكَ: وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِثْمُ.
وَالثَّانِي: هِيَ بِمَعْنَى فِي؛ أَيِ: اسْتَحَقَّ فِيهِمُ الْوَصِيَّةَ وَنَحْوَهَا.
وَالثَّالِثُ: هِيَ بِمَعْنَى مِنْ؛ أَيِ: اسْتَحَقَّ مِنْهُمُ الْأَوْلَيَانِ.
وَمِثْلُهُ: «اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ» ؛ أَيْ: مِنَ النَّاسِ. (الْأَوْلَيَانِ) : يُقْرَأُ بِالْأَلِفِ عَلَى تَثْنِيَةِ أُولَى، وَفِي رَفْعِهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: هُمَا الْأَوْلَيَانِ. وَالثَّانِي: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ آخَرَانِ، وَقَدْ ذُكِرَ. وَالثَّالِثُ: هُوَ فَاعِلُ اسْتَحَقَّ، وَقَدْ ذُكِرَ أَيْضًا، وَالرَّابِعُ: هُوَ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَقُومَانِ،
стр. 471
وَالْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ صِفَةً لَآخَرَانِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً فَقَدْ وُصِفَ، وَالْأَوْلَيَانِ لَمْ يُقْصَدْ بِهِمَا قَصْدَ اثْنَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا، وَهَذَا مَحْكِيٌّ عَنِ الْأَخْفَشِ.
وَيُقْرَأُ الْأَوَّلِينَ، وَهُوَ جَمْعُ أَوَّلٍ، وَهُوَ صِفَةٌ لِلَّذِينِ اسْتَحَقَّ أَوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي عَلَيْهِمْ،
وَيُقْرَأُ الْأُولَيِينَ، وَهُوَ جَمْعُ أُولَى، وَإِعْرَابُهُ كَإِعْرَابِ الْأَوَّلِينَ.
وَيُقْرَأُ «الْأَوَّلَانِ» تَثْيِنَةُ الْأَوَّلِ، وَإِعْرَابُهُ كَإِعْرَابِ الْأُولَيَانِ.
(فَيُقْسِمَانِ) : عَطْفٌ عَلَى يَقُومَانِ. (لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَهُوَ جَوَابُ «يُقْسِمَانِ» .
قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (١٠٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا) : أَيْ مِنْ أَنْ يَأْتُوا، أَوْ إِلَى أَنْ يَأْتُوا، وَقَدْ ذُكِرَ نَظَائِرُهُ. وَ (عَلَى وَجْهِهَا) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الشَّهَادَةِ؛ أَيْ: مُحَقَّقَةً أَوْ صَحِيحَةً. (أَوْ يَخَافُوا) : مَعْطُوفٌ عَلَى يَأْتُوا. وَ (بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) : ظَرْفٌ لِتُرَدَّ، أَوْ صِفَةٌ لِأَيْمَانٍ.
قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (١٠٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ) : الْعَامِلُ فِي «يَوْمَ» «يَهْدِي» ؛ أَيْ: لَا يَهْدِيهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى حُجَّةٍ، أَوْ إِلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ.
وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَاسْمَعُوا خَبَرَ «يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ» فَحُذِفَ الْمُضَافُ. (مَاذَا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ «أَجَبْتُمْ» ، وَحَرْفُ الْجَرِّ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: بِمَاذَا أَجَبْتُمْ.
стр. 472
وَمَا، وَذَا هُنَا بِمَنْزِلَةِ اسْمٍ وَاحِدٍ، وَيَضْعُفُ أَنْ يُجْعَلَ «ذَا» بِمَعْنَى الَّذِي هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا عَائِدَ هُنَا، وَحَذْفُ الْعَائِدِ مَعَ حَرْفِ الْجَرِّ ضَعِيفٌ.
(إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) وَ (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الْمَائِدَةِ: ١١٨] مِثْلُ: (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [الْبَقَرَةِ: ٣٢] وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (١١٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ «يَوْمَ» ، وَالتَّقْدِيرُ: إِذْ يَقُولُ، وَوَقَعَتْ هُنَا «إِذْ» هِيَ لِلْمَاضِي عَلَى حِكَايَةِ الْحَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ إِذْ يَقُولُ. (يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْأَلِفِ مِنْ عِيسَى فَتْحَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُصِفَ بِابْنٍ، وَهُوَ بَيْنَ عَلَمَيْنِ، وَأَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا ضَمَّةٌ، وَهِيَ مِثْلُ قَوْلِكَ: يَا زَيْدُ بْنَ عُمَرَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَضَمِّهَا، فَإِذَا قَدَّرْتَ الضَّمَّ، جَازَ أَنْ تَجْعَلَ «ابْنَ مَرْيَمَ» صِفَةً وَبَيَانًا وَبَدَلًا.
(إِذْ أَيَّدْتُكَ) : الْعَامِلُ فِي إِذْ «نِعْمَتِي» . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ نِعْمَتِي، وَأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ عَلَى السَّعَةِ، وَأَيَّدْتُكَ، وَآيَدْتُكَ: قَدْ قُرِئَ بِهِمَا، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ. (تُكَلِّمُ النَّاسَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْكَافِ فِي «أَيَّدْتُكَ» .
وَ (فِي الْمَهْدِ) : ظَرْفٌ لِـ «تُكَلِّمُ» ، أَوْ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي «تُكَلِّمُ» .
стр. 473
(وَكَهْلًا) : حَالٌ مِنْهُ أَيْضًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْكَافِ فِي أَيَّدْتُكَ، وَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ. «وَإِذْ عَلَّمْتُكَ» . «وَإِذْ تَخْلُقُ» . «وَإِذْ تَخْرُجُ» مَعْطُوفَاتٌ عَلَى إِذْ أَيَّدْتُكَ.
(مِنَ الطِّينِ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ «تَخْلُقُ» فَتَكُونَ مِنْ لِابْتِدَاءِ غَايَةِ الْخَلْقِ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «هَيْئَةِ الطَّيْرِ» عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ تَقْدِيمَ حَالِ الْمَجْرُورِ عَلَيْهِ، وَالْكَافُ مَفْعُولُ تَخْلُقُ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى قَوْلِهِ «هَيْئَةِ الطَّيْرِ» فِي آلِ عِمْرَانَ. (فَتَكُونُ طَيْرًا) : يُقْرَأُ بِيَاءٍ سَاكِنَةٍ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَصْدَرٌ فِي مَعْنَى الْفَاعِلِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ طَيِّرًا مِثْلَ سَيِّدٍ، ثُمَّ خُفِّفَ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ يَقِلُّ فِيمَا عَيْنُهُ يَاءٌ، وَهُوَ جَائِزٌ، وَيُقْرَأُ طَائِرًا، وَهِيَ صِفَةٌ غَالِبَةٌ.
وَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ لِلْجَمْعِ، مِثْلُ الْحَامِلِ وَالْبَاقِرِ. وَ (تُبْرِئُ) : مَعْطُوفٌ عَلَى «تَخْلُقُ» . (إِذْ جِئْتَهُمْ) : ظَرْفٌ لِكَفَفْتُ. (سِحْرٌ مُبِينٌ) : يُقْرَأُ بِغَيْرِ أَلِفٍ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَيُشَارُ بِهِ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ.
وَيُقْرَأُ سَاحِرٌ بِالْأَلِفِ، وَالْإِشَارَةُ بِهِ إِلَى عِيسَى.
وَقِيلَ: هُوَ فَاعِلٌ فِي مَعْنَى الْمَصْدَرِ؛ كَمَا قَالُوا: عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْكَ؛ أَيْ: عَوْذًا أَوْ عِيَاذًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) الْمَائِدَةِ: ١١١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ) : مَعْطُوفٌ عَلَى: «إِذْ أَيَّدْتُكَ» .
(أَنْ آمِنُوا) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَنْ مَصْدَرِيَّةً، فَتَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأَوْحَيْتُ، وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى أَيْ، وَقَدْ ذَكَرْتُ نَظَائِرَهُ.
стр. 474
قَالَ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (١١٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ) : أَيِ: اذْكُرْ إِذْ قَالَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ «مُسْلِمُونَ» . (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) : يُقْرَأُ بِالْيَاءِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ وَفَاعِلٌ، وَالْمَعْنَى هَلْ يَقْدِرُ رَبُّكَ، أَوْ يَفْعَلُ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: هَلْ يُطِيعُ رَبُّكَ، وَهَمَّا بِمَعْنًى وَاحِدٍ مِثْلُ اسْتَجَابَ، وَأَجَابَ، وَاسْتَجِبْ، وَأَجِبْ. وَيُقْرَأُ بِالتَّاءِ، وَرَبَّكَ نُصِبَ، وَالتَّقْدِيرُ: هَلْ تَسْتَطِيعُ سُؤَالَ رَبِّكَ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: «أَنْ يُنَزِّلَ» ؛ فَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى هُوَ مَفْعُولُ يَسْتَطِيعُ، وَالتَّقْدِيرُ: عَلَى أَنْ
يُنَزِّلَ، أَوْ فِي أَنْ يُنَزِّلَ. وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَحْتَاجَ إِلَى حَرْفِ جَرٍّ عَلَى أَنْ يَكُونَ يَسْتَطِيعُ بِمَعْنَى يُطِيقُ؛ وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى يَكُونُ مَفْعُولًا لِسُؤَال مَحْذُوف.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ) (١١٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا) : أَنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَاسْمُهَا مَحْذُوفٌ، «وَقَدْ» عِوَضٌ مِنْهُ.
وَقِيلَ: أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ «وَقَدْ» لَا تَمْنَعُ مَعَ ذَلِكَ.
(تَكُونُ) : صِفَةٌ لِمَائِدَةٍ.
стр. 475
وَ (لَنَا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ كَانَ، وَيَكُونُ «عِيدًا» حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الظَّرْفِ، أَوْ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي كَانَ، عَلَى قَوْلِ مَنْ يَنْصِبُ عَنْهَا الْحَالَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «عِيدًا» الْخَبَرَ، وَفِي «لَنَا» عَلَى هَذَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي تَكُونُ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنْ «عِيدًا» ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لَهُ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا: «لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا» فَإِذَا جُعِلَتْ «لَنَا» خَبَرًا، أَوْ حَالًا مِنْ فَاعِلٍ، تَكُونُ فَهُوَ صِفَةٌ لِـ «عِيدًا» ، وَإِنْ جُعِلَتْ «لَنَا» صِفَةً لِـ «عِيدًا» كَانَ لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ.
وَيُقْرَأُ «لِأُولَانَا وَأُخْرَانَا» عَلَى تَأْنِيثِ الطَّائِفَةِ أَوِ الْفِرْقَةِ. وَأَمَّا «مِنَ السَّمَاءِ» فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَائِدَةٍ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ «يُنَزِّلَ» .
(وَآيَةً) : عَطْفٌ عَلَى «عِيدًا» . وَ (مِنْكَ) : صِفَةٌ لَهَا.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) (١١٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْكُمْ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي يَكْفُرُ.
(عَذَابًا) : اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ التَّعْذِيبُ، فَيَقَعُ مَوْقِعَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ مَفْعُولًا بِهِ عَلَى السَّعَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: «لَا أُعَذِّبُهُ» يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ لِلْعَذَابِ، وَفِيهِ عَلَى هَذَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ؛ أَيْ: لَا أُعَذِّبُ بِهِ أَحَدًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ عَلَى السَّعَةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الْمَصْدَرِ الْمُؤَكِّدِ؛ كَقَوْلِكَ: ظَنَنْتُهُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا، وَلَا تَكُونُ هَذِهِ الْهَاءُ عَائِدَةً عَلَى الْعَذَابِ الْأَوَّلِ.
стр. 476
فَإِنْ قُلْتَ: لَا أُعَذِّبُهُ صِفَةٌ لِعَذَابٍ؛ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: لَا يَعُودُ مِنَ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ شَيْءٌ.
قِيلَ: إِنَّ الثَّانِيَ لَمَّا كَانَ وَاقِعًا مَوْقِعَ الْمَصْدَرِ، وَالْمَصْدَرُ جِنْسٌ، وَ «عَذَابًا» نَكِرَةٌ، كَانَ الْأَوَّلُ دَاخِلًا فِي الثَّانِي. وَالثَّانِي مُشْتَمِلٌ عَلَى الْأَوَّلِ؛ وَهُوَ مِثْلُ: زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ ضَمِيرَ مَنْ وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ؛ أَيْ: لَا أُعَذِّبُ الْكَافِرَ؛ أَيْ: مِثْلَ الْكَافِرِ؛ أَيْ: مِثْلَ عَذَابِ الْكَافِرِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (١١٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (اتَّخِذُونِي) : هَذِهِ تَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَعْنَى صَيِّرُونِي.
وَ (مِنْ دُونِ اللَّهِ) : فِي مَوْضِعِ صِفَةِ إِلَهَيْنِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِاتَّخِذُوا. (أَنْ أَقُولَ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعِ فَاعِلِ يَكُونُ، وَلِيَ الْخَبَرُ.
وَ (مَا لَيْسَ) : بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَهُوَ مَفْعُولُ أَقُولُ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: أَنْ أَدَّعِيَ، أَوْ أَذْكُرَ، وَاسْمُ لَيْسَ مُضْمَرٌ فِيهَا، وَخَبَرُهَا «لِي» وَ (بِحَقٍّ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ، وَالْعَامِلُ فِيهِ الْجَارُّ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «بِحَقٍّ» مَفْعُولًا بِهِ تَقْدِيرُهُ: مَا لَيْسَ يَثْبُتُ لِي بِسَبَبِ حَقٍّ، فَالْبَاءُ تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ، لَا بِنَفْسِ الْجَارِّ؛ لِأَنَّ الْمَعَانِيَ لَا تَعْمَلُ فِي الْمَفْعُولِ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ «بِحَقٍّ» خَبَرَ لَيْسَ، وَ «لِي» تَبْيِينٌ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ سَقْيًا لَهُ وَرَعْيًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «بِحَقٍّ» خَبَرَ لَيْسَ، وَ «لِي» صِفَةً لِـ «حَقٍّ» ، قُدِّمَ عَلَيْهِ فَصَارَ حَالًا، وَهَذَا
يَخْرُجُ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ تَقْدِيمَ حَالَ الْمَجْرُورِ عَلَيْهِ. (
стр. 477
إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ) : كُنْتُ لَفْظُهَا مَاضٍ، وَالْمُرَادُ الْمُسْتَقْبَلُ، وَالتَّقْدِيرُ: إِنْ يَصِحَّ دَعْوَايَ لِي، وَإِنَّمَا دَعَا هَذَا؛ لِأَنَّ إِنِ الشَّرْطِيَّةَ لَا مَعْنَى لَهَا إِلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَآلَ حَاصِلُ الْمَعْنَى إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
قَالَ تَعَالَى: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (١١٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ) : «مَا» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقُلْتُ؛ أَيْ: ذَكَرْتُ، أَوْ أَدَّيْتُ الَّذِي أَمَرْتَنِي بِهِ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وَهُوَ مَفْعُولٌ بِهِ أَيْضًا.
(أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَنْ مَصْدَرِيَّةً، وَالْأَمْرُ صِلَةً لَهَا. وَفِي الْمَوْضِعِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: الْجَرُّ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْهَاءِ، وَالرَّفْعُ عَلَى إِضْمَارِ هُوَ، وَالنَّصْبُ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي، أَوْ بَدَلًا مِنْ مَوْضِعٍ بِهِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى أَيِ الْمُفَسِّرَةِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَدْ صُرِّحَ بِهِ؛ وَ «أَيْ» لَا تَكُونُ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالْقَوْلِ. (رَبِّي) : صِفَةٌ لِلَّهِ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ، وَ (عَلَيْهِمْ) : يَتَعَلَّقُ بِـ «شَهِيدًا» .
(مَا دُمْتُ) : «مَا» هُنَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَالزَّمَانُ مَعَهَا مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: مُدَّةَ مَا دُمْتُ.
وَ (
стр. 478
دُمْتُ) : هُنَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ النَّاقِصَةَ، وَ «فِيهِمْ» خَبَرُهَا.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ التَّامَّةَ؛ أَيْ: مَا أَقَمْتُ فِيهِمْ، فَيَكُونُ فِيهِمْ ظَرْفًا لِلْفِعْلِ.
وَ (الرَّقِيبَ) : خَبَرُ كَانَ. (وَأَنْتَ) : فَصْلٌ، أَوْ تَوْكِيدٌ لِلْفَاعِلِ.
وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (١١٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ) : الْفَاءُ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى؛ أَيْ: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ تَعْدِلْ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ تَتَفَضَّلْ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (١١٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَذَا يَوْمُ) : هَذَا مُبْتَدَأٌ، وَ «يَوْمُ» خَبَرُهُ، وَهُوَ مُعْرَبٌ؛ لِأَنَّهُ مُضَافٌ إِلَى
مُعْرَبٍ، فَبَقِيَ عَلَى حَقِّهِ مِنَ الْإِعْرَابِ. وَيُقْرَأُ «يَوْمَ» بِالْفَتْحِ؛ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَهَذَا فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَفْعُولُ قَالَ؛ أَيْ: قَالَ اللَّهُ هَذَا الْقَوْلَ فِي يَوْمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا مُبْتَدَأٌ، وَيَوْمَ ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ؛ أَيْ: هَذَا يَقَعُ، أَوْ يَكُونُ يَوْمَ يَنْفَعُ.
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: «يَوْمُ» فِي مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ هَذَا، وَلَكِنَّهُ بُنِيَ عَلَى الْفَتْحِ لِإِضَافَتِهِ إِلَى الْفِعْلِ، وَعِنْدَهُمْ يَجُوزُ بِنَاؤُهُ، وَإِنْ أُضِيفَ إِلَى مُعَرَبٍ، وَذَلِكَ عِنْدَنَا لَا يَجُوزُ إِلَّا إِذَا أُضِيفَ إِلَى مَبْنِيٍّ. وَ (صِدْقُهُمْ) : فَاعِلُ يَنْفَعُ، وَقَدْ قُرِئَ شَاذًّا: «صِدْقَهُمْ» بِالنَّصْبِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ ضَمِيرَ اسْمِ اللَّهِ، وَصِدْقَهُمْ بِالنَّصْبِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
стр. 479
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ؛ أَيْ: لِصِدْقِهِمْ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَذْفَ حَرْفِ الْجَرِّ؛ أَيْ: بِصِدْقِهِمْ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا؛ أَيِ: الَّذِينَ يَصْدُقُونَ صِدْقَهُمْ، كَمَا تَقُولُ تَصْدُقُ الصِّدْقَ. وَالرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ وَالْفَاعِلُ مُضْمَرٌ فِي الصَّادِقِينَ؛ أَيْ: يَصْدُقُونَ الصِّدْقَ كَقَوْلِهِ صَدَقْتُهُ الْقِتَالَ، وَالْمَعْنَى يُحَقِّقُونَ الصِّدْقَ.
стр. 480
سُورَةُ الْأَنْعَامِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) (١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِرَبِّهِمْ) : الْبَاءُ تَتَعَلَّقُ بِـ «يَعْدِلُونَ» ؛ أَيِ: الَّذِينَ كَفَرُوا يَعْدِلُونَ بِرَبِّهِمْ غَيْرَهُ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا مُبْتَدَأٌ، وَيَعْدِلُونَ الْخَبَرُ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.
وَيَجُوزُ عَلَى هَذَا أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى عَنْ، فَلَا يَكُونُ فِي الْكَلَامِ مَفْعُولٌ مَحْذُوفٌ، بَلْ يَكُونُ يَعْدِلُونَ لَازِمًا؛ أَيْ: يَعْدِلُونَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْبَاءُ بِكَفَرُوا، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: الَّذِينَ جَحَدُوا رَبَّهُمْ مَائِلُونَ عَنِ الْهُدَى.
قَالَ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) (٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) : فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ مُضَافٌ؛ أَيْ: خَلَقَ أَصْلَكُمْ، وَمِنْ طِينٍ مُتَعَلِّقٍ بِخَلَقَ، وَمِنْ هُنَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا؛ أَيْ: خَلَقَ أَصْلَكُمْ كَائِنًا مِنْ طِينٍ.
(وَأَجَلٌ مُسَمًّى) : مُبْتَدَأٌ مَوْصُوفٌ، وَ (عِنْدَهُ) : الْخَبَرُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) (٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُوَ اللَّهُ) : وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَاللَّهُ الْخَبَرُ. وَ (فِي السَّمَاوَاتِ) : فِيهِ وَجْهَانِ:
стр. 481
أَحَدُهُمَا: يَتَعَلَّقُ بِـ «يَعْلَمُ» ؛ أَيْ: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَهُمَا ظَرْفَانِ لِلْعِلْمِ. فَيَعْلَمُ عَلَى هَذَا خَبَرٌ ثَانٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ بَدَلًا مِنْ هُوَ، وَيَعْلَمُ الْخَبَرُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَتَعَلَّقَ «فِي» بَاسِمِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمَعْبُودِ؛ أَيْ: وَهُوَ الْمَعْبُودُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَيَعْلَمُ عَلَى هَذَا خَبَرٌ ثَانٍ، أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْمَعْبُودِ، أَوْ مُسْتَأْنَفٌ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ «فِي» بِاسْمِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِدُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَالتَّغْيِيرِ الَّذِي دَخَلَهُ كَالْعَلَمِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [مَرْيَمَ: ٦٥] وَقِيلَ: قَدْ تَمَّ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ «فِي السَّمَاوَاتِ» . وَ «فِي الْأَرْضِ» يَتَعَلَّقُ بِـ «يَعْلَمُ» ؛ وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مَعْبُودٌ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ، وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَلَا اخْتِصَاصَ لِإِحْدَى الصِّفَتَيْنِ بِأَحَدِ الظَّرْفَيْنِ.
وَ (سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) : مَصْدَرَانِ بِمَعْنَى الْمَفْعُولَيْنِ؛ أَيْ: مَسْرُورَكُمْ وَمَجْهُورَكُمْ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) [النَّحْلِ: ١٩] ؛ أَيِ: الَّذِي. . . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا عَلَى بَابِهِمَا.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) (٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ آيَةٍ) : مَوْضِعُهُ رَفْعٌ بِتَأْتِي، وَمِنْ زَائِدَةٌ.
وَ (مِنْ آيَاتِ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِآيَةٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى مَوْضِعِ آيَةٍ.
قَالَ تَعَالَى: (فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَمَّا جَاءَهُمْ) : «لَمَّا» ظَرْفٌ لِكَذَّبُوا، وَهَذَا قَدْ عَمِلَ فِيهَا، وَهُوَ قَبْلَهَا وَمِثْلُهُ «إِذَا» وَ (بِهِ) : مُتَعَلِّقٌ بِـ «يَسْتَهْزِئُونَ» .
стр. 482
قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) (٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمْ أَهْلَكْنَا) : كَمِ: اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّعْظِيمِ؛ فَلِذَلِكَ لَا يَعْمَلُ فِيهَا يَرَوْا، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأَهْلَكْنَا، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كَمْ مَفْعُولًا بِهِ، وَيَكُونُ «مِنْ قَرْنٍ» تَبْيِينًا لَكُمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا، «وَمِنْ قَرْنٍ» مَفْعُولُ أَهْلَكْنَا. وَمِنْ زَائِدَةٌ؛ أَيْ: كَمْ أَزْمِنَةً أَهْلَكْنَا فِيهَا مِنْ قَبْلِهِمْ قُرُونًا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَمْ مَصْدَرًا؛ أَيْ: كَمْ مَرَّةً وَكَمْ إِهْلَاكًا، وَهَذَا يَتَكَرَّرُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا. (مَكَّنَّاهُمْ) : فِي مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةِ الْقَرْنِ، وَجُمِعَ عَلَى الْمَعْنَى.
(مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) : رَجَعَ مِنَ الْغَيْبَةِ فِي قَوْلِهِ: «أَلَمْ يَرَوْا» إِلَى الْخِطَابِ فِي لَكُمْ، وَلَوْ قَالَ لَهُمْ لَكَانَ جَائِزًا.
وَ (مَا) : نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: شَيْئًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكُمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» مَصْدَرِيَّةً، وَالزَّمَانُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: مُدَّةَ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ؛ أَيْ: مُدَّةُ تَمَكُّنِهِمْ أَطْوَلُ مِنْ مُدَّتِكُمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» مَفْعُولُ نُمَكِّنُ عَلَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَعْطَيْنَاهُمْ مَا لَمْ نُعْطِكُمْ.
وَ (مِدْرَارًا) : حَالٌ مِنَ السَّمَاءِ. وَ (تَجْرِي) : الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِجَعَلْنَا، أَوْ حَالٌ مِنَ الْأَنْهَارِ إِذَا جَعَلْتَ «جَعَلَ» مُتَعَدِّيَةً إِلَى وَاحِدٍ. وَ (مِنْ تَحْتِهِمْ) : يَتَعَلَّقُ بِتَجْرِي.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي تَجْرِي؛ أَيْ: وَهِيَ مِنْ تَحْتِهِمْ.
стр. 483
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَحْتِهِمْ مَفْعُولًا ثَانِيًا لِجَعَلَ، أَوْ حَالًا مِنَ الْأَنْهَارِ، وَتَجْرِي فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ؛ أَيْ: وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ مِنْ تَحْتِهِمْ جَارِيَةً؛ أَيِ: اسْتَقَرَّتْ جَارِيَةً وَ (مِنْ بَعْدِهِمْ) : يَتَعَلَّقُ بِأَنْشَأْنَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ قَرْنٍ لِأَنَّهُ ظَرْفُ زَمَانٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي قِرْطَاسٍ) : نَعْتٌ لِكِتَابٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِكِتَابٍ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ لَهُ. وَالْكِتَابُ هُنَا: الْمَكْتُوبُ فِي الصَّحِيفَةِ لَا نَفْسُ الصَّحِيفَةِ.
وَالْقِرْطَاسُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا.
وَالْهَاءُ فِي «لَمَسُوهُ» يَجُوزُ أَنْ تَرْجِعَ عَلَى قِرْطَاسٍ، وَأَنْ تَرْجِعَ عَلَى كِتَابٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) (٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا يَلْبِسُونَ) : «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَهِيَ مَفْعُولُ: لَبَسْنَا.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (١٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الدَّالِ عَلَى أَصْلِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَبِضَمِّهَا عَلَى أَنَّهُ أَتْبَعَ حَرَكَتَهَا حَرَكَةَ التَّاءِ؛ لِضَعْفِ الْحَاجِزِ بَيْنَهُمَا. وَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَهُوَ فَاعِلُ حَاقَ. وَ (بِهِ) : يَتَعَلَّقُ بِـ «يَسْتَهْزِئُونَ» .
وَ (مِنْهُمْ) : الضَّمِيرُ لِلرُّسُلِ، فَيَكُونُ مِنْهُمْ مُتَعَلِّقًا بِسَخِرُوا لِقَوْلِهِ: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ.
стр. 484
وَيَجُوزُ فِي الْكَلَامِ سَخِرْتُ بِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى الْمُسْتَهْزِئِينَ، فَيَكُونُ مِنْهُمْ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي سَخِرُوا.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (١١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَيْفَ كَانَ) : كَيْفَ خَبَرُ كَانَ. وَ (عَاقِبَةُ) : اسْمُهَا، وَلَمْ يُؤَنَّثِ الْفِعْلُ؛ لِأَنَّ الْعَاقِبَةَ بِمَعْنَى الْمَعَادِ، فَهُوَ فِي مَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَلِأَنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (١٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِمَنْ) : «مَنِ» اسْتِفْهَامٌ، وَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي فِي مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ، وَلِمَنْ خَبَرُهُ. (قُلْ لِلَّهِ) : أَيْ: قُلْ هُوَ لِلَّهِ. (لَيَجْمَعْنَّكُمْ) : قِيلَ: مَوْضِعُهُ نَصْبٌ بَدَلًا مِنَ الرَّحْمَةِ، وَقِيلَ: لَا مَوْضِعَ لَهُ؛ بَلْ هُوَ مُسْتَأْنَفٌ، وَاللَّامُ فِيهِ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ وَقَعَ «كَتَبَ» مَوْقِعَهُ.
(لَا رَيْبَ فِيهِ) : قَدْ ذُكِرَ فِي آلِ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءِ.
(الَّذِينَ خَسِرُوا) : مُبْتَدَأٌ «فَهُمْ» مُبْتَدَأٌ ثَانٍ. وَ (لَا يُؤْمِنُونَ) : خَبَرُهُ. وَالثَّانِي وَخَبَرُهُ خَبَرُ الْأَوَّلِ؛ وَدَخَلَتِ الْفَاءُ لِمَا فِي الَّذِينَ مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: لِلَّذِينِ خَسِرُوا بَدَلٌ مِنَ الْمَنْصُوبِ فِي لَيَجْمَعَنَّكُمْ؛ وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ ضَمِيرَ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ لَا يُبْدَلُ مِنْهُمَا لِوُضُوحِهِمَا غَايَةَ الْوُضُوحِ، وَغَيْرُهُمَا دُونَهُمَا فِي ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (١٤) .
стр. 485
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَغَيْرَ اللَّهِ) : مَفْعُولٌ أَوَّلٌ لِـ «أَتَّخِذُ» وَ «وَلِيًّا» الثَّانِي.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «أَتَّخِذُ» مُتَعَدِّيًا إِلَى وَاحِدٍ، وَهُوَ «وَلِيًّا» ، وَ «غَيْرَ اللَّهِ» صِفَةٌ لَهُ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ، فَصَارَتْ حَالًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ غَيْرُ هُنَا اسْتِثْنَاءً.
(فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ) : يُقْرَأُ بِالْجَرِّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَجَرُّهُ عَلَى الْبَدَلِ مِنِ اسْمِ اللَّهِ، وَقُرِئَ شَاذًّا بِالنَّصْبِ، وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ وَلِيٍّ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَجَعَلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ غَيْرَ اللَّهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لَوَلِيٍّ، وَالتَّنْوِينُ مُرَادٌ، وَهُوَ عَلَى الْحِكَايَةِ؛ أَيْ: فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ.
(وَهُوَ يُطْعِمُ) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ؛ «وَلَا يُطْعَمُ» بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَيُقْرَأُ «وَلَا يَطْعَمُ» بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْعَيْنِ، وَالْمَعْنَى عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ يَرْجِعُ عَلَى اللَّهِ.
وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ: «وَهُوَ يَطْعَمُ» بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْعَيْنِ، وَلَا يُطْعِمُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْوَلِيِّ الَّذِي هُوَ غَيْرُ اللَّهِ. (مَنْ أَسْلَمَ) : أَيْ أَوَّلِ فَرِيقٍ أَسْلَمَ.
(وَلَا تَكُونَنَّ) : أَيْ: وَقِيلَ لِي: لَا تَكُونَنَّ، وَلَوْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ لَقَالَ وَأَنْ لَا أَكُونَ.
قَالَ تَعَالَى: (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) (١٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ) : يُقْرَأُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَفِي الْقَائِمِ مَقَامَ الْفَاعِلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا:: يَوْمَئِذٍ؛ أَيْ: مَنْ يُصْرَفُ عَنْهُ عَذَابُ يَوْمِئِذٍ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَيَوْمَئِذٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
стр. 486
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُضْمَرًا فِي «يُصْرَفُ» يَرْجِعُ إِلَى الْعَذَابِ، فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ ظَرْفًا لِـ «يُصْرَفْ» ، أَوْ لِلْعَذَابِ، أَوْ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ.
وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ؛ أَيْ: مَنْ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنْهُ الْعَذَابَ، فَمَنْ عَلَى هَذَا مُبْتَدَأٌ؛ وَالْعَائِدُ عَلَيْهِ الْهَاءُ فِي عَنْهُ. وَفِي «رَحِمَهُ» ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وَهُوَ الْعَذَابُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ «يَوْمَئِذٍ» أَيْ: عَذَابَ يَوْمِئِذٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَجْعَلَ «مَنْ» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: مَنْ يُكْرَمْ يَصْرِفِ اللَّهُ عَنْهُ الْعَذَابَ، فَجُعِلَتْ «يُصْرَفْ» تَفْسِيرًا لِلْمَحْذُوفِ، وَمِثْلُهُ (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) [الْبَقَرَةِ: ٤٠] ، وَيَجُوزُ أَنْ يُنْصَبَ مَنْ يُصْرَفْ، وَتُجْعَلُ الْهَاءُ فِي عَنْهُ لِلْعَذَابِ؛ أَيْ: أَيَّ إِنْسَانٍ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنْهُ الْعَذَابَ فَقَدْ رَحِمَهُ، فَأَمَّا «مَنْ» عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى فَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْهَاءُ فِي عَنْهُ يَجُوزُ أَنْ تَرْجِعَ عَلَى «مَنْ» وَأَنْ تَرْجِعَ عَلَى الْعَذَابِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَا كَاشِفَ لَهُ) : «لَهُ» خَبَرُ كَاشِفٍ. (إِلَّا هُوَ) : بَدَلٌ مِنْ مَوْضِعِ «لَا كَاشِفَ» أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الظَّرْفِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِكَاشِفٍ، وَلَا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ؛ لِأَنَّكَ فِي الْحَالَيْنِ تُعْمِلُ اسْمَ «لَا» وَمَتَى أَعْمَلْتَهُ ظَاهِرًا نَوَّنْتَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (١٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ وَالْقَاهِرُ خَبَرُهُ وَفِي «فَوْقَ» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ أَنَّهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْقَاهِرِ؛ أَيْ: وَهُوَ الْقَاهِرُ مُسْتَعْلِيًا أَوْ غَالِبًا.
стр. 487
وَالثَّانِي: هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الْقَاهِرِ أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) (١٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَيُّ شَيْءٍ) : مُبْتَدَأٌ. وَ (أَكْبَرُ) : خَبَرُهُ. (شَهَادَةً) : تَمْيِيزٌ.
وَ (أَيُّ) : بَعْضُ مَا تُضَافُ إِلَيْهِ، فَإِذْ كَانَتِ اسْتِفْهَامًا اقْتَضَى الظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ جَوَابُهَا مُسَمًّى بِاسْمِ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ «أَيُّ» . وَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يُسَمَّى اللَّهُ شَيْئًا؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: «قُلِ اللَّهُ» جَوَابًا، وَاللَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: أَكْبَرُ شَهَادَةً. وَقَوْلُهُ: «شَهِيدٌ» خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (اللَّهُ) مُبْتَدَأً، وَشَهِيدٌ خَبَرَهُ، وَدَلَّتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَلَى جَوَابٍ؛ أَيْ: مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى. وَ (بَيْنَكُمْ) : تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وَالْأَصْلُ شَهِيدٌ بَيْنَنَا.
وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ «بَيْنَ» ظَرْفًا يَعْمَلُ فِيهِ شَهِيدٌ، وَأَنْ تَجْعَلَهُ صِفَةٌ لِشَهِيدٍ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. (وَمَنْ بَلَغَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى الْمَفْعُولِ فِي «أُنْذِرَكُمْ» ، وَهُوَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرُ الْقُرْآنِ؛ أَيْ: وَأُنْذِرَ مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ.
(قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) : فِي «مَا» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ كَافَّةٌ لِأَنَّ عَنِ الْعَمَلِ؛ فَعَلَى هَذَا هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَإِلَهٌ خَبَرُهُ، وَوَاحِدٌ صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ، وَقَدْ ذُكِرَ مَشْرُوحًا فِي الْبَقَرَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا بِمَعْنَى الَّذِي فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإِنَّ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَإِلَهٌ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الَّذِي وَوَاحِدٌ خَبَرُ إِنَّ، وَهَذَا أَلْيَقُ بِمَا قَبْلَهُ.
стр. 488
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (٢٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ.
وَ (يَعْرِفُونَهُ) : الْخَبَرُ، وَالْهَاءُ ضَمِيرُ الْكِتَابِ، وَقِيلَ: ضَمِيرُ النَّبِيِّ ﷺ .
(الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) : مِثْلُ الْأُولَى.
قَالَ تَعَالَى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) (٢٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ) : هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَاذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ. وَ (جَمِيعًا) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ؛ وَمَفْعُولًا «تَزْعُمُونَ» مَحْذُوفَانِ؛ أَيْ: تَزْعُمُونَهُمْ شُرَكَاءَكُمْ، وَدَلَّ عَلَى الْمَحْذُوفِ مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) (٢٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ) : يُقْرَأُ بِالتَّاءِ، وَرَفْعُ الْفِتْنَةِ عَلَى أَنَّهَا اسْمُ كَانَ.
وَ (أَنْ قَالُوا) : الْخَبَرُ. وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِالْيَاءِ؛ لِأَنَّ تَأْنِيثَ الْفِتْنَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَلِأَنَّ الْفِتْنَةَ هُنَا بِمَعْنَى الْقَوْلِ، وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ، وَنَصْبُ الْفِتْنَةِ عَلَى أَنَّ اسْمَ كَانَ «أَنْ قَالُوا» وَ «فِتْنَتَهُمْ» الْخَبَرُ.
وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِالتَّاءِ عَلَى مَعْنَى أَنْ قَالُوا؛ لِأَنَّ أَنْ قَالُوا بِمَعْنَى الْقَوْلِ وَالْمَقَالَةِ وَالْفِتْنَةِ. (رَبِّنَا) : يُقْرَأُ بِالْجَرِّ صِفَةً لِاسْمِ اللَّهِ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي، وَهُوَ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الْقَسَمِ وَالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ. وَالْجَوَابُ: مَا كُنَّا.
стр. 489
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (٢٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ يَسْتَمِعُ) : وُحِّدَ الضَّمِيرُ فِي الْفِعْلِ حَمْلًا عَلَى لَفْظِ «مَنْ» وَمَا جَاءَ مِنْهُ عَلَى لَفْظِ الْجَمْعِ، فَعَلَى مَعْنَى «مَنْ» ؛ نَحْوُ: (مَنْ يَسْتَمِعُونَ) [يُونُسَ: ٤٢] وَ (مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ) [الْأَنْبِيَاءِ: ٨٢] .
(أَنْ يَفْقَهُوهُ) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ؛ أَيْ: كَرَاهَةَ أَنْ يَفْقَهُوهُ.
وَ (وَقْرًا) : مَعْطُوفٌ عَلَى أَكِنَّةٍ، وَلَا يُعَدُّ الْفَصْلُ بَيْنَ حَرْفِ الْعَطْفِ وَالْمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ فَصْلًا؛ لِأَنَّ الظَّرْفَ أَحَدُ الْمَفَاعِيلِ، فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ وَتَأْخِيرُهُ، وَوَحَّدَ الْوَقْرَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَقَدِ اسْتَوْفَى الْقَوْلُ فِيهِ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ. (حَتَّى إِذَا) : إِذَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِجَوَابِهَا، وَهُوَ يَقُولُ؛ وَلَيْسَ لِحَتَّى هُنَا عَمَلٌ، وَإِنَّمَا أَفَادَتْ مَعْنَى الْغَايَةِ، كَمَا لَا تَعْمَلُ فِي الْجُمَلِ. وَ (يُجَادِلُونَكَ) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي جَاءُوكَ.
وَالْأَسَاطِيرُ جَمْعٌ، وَاخْتُلِفَ فِي وَاحِدِهِ، فَقِيلَ: هُوَ أُسْطُورَةٌ، وَقِيلَ: وَاحِدُهَا أَسْطَارٌ، وَالْأَسْطَارُ جَمْعُ سَطَرٍ بِتَحْرِيكِ الطَّاءِ، فَيَكُونُ أَسَاطِيرُ جَمْعَ الْجَمْعِ، فَأَمَّا سَطْرٌ بِسُكُونِ الطَّاءِ فَجَمْعُهُ سُطُورٌ وَأَسْطُرٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (٢٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَنْأَوْنَ) : يُقْرَأُ بِسُكُونِ النُّونِ وَتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ، وَبِإِلْقَاءِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ عَلَى النُّونِ وَحَذْفِهَا، فَيَصِيرُ اللَّفْظُ بِهَا يُنَوَّنُ بِفَتْحِ النُّونِ، وَوَاوٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَهَا. وَ (أَنْفُسَهُمْ) : مَفْعُولُ يُهْلِكُونَ.
стр. 490
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٢٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ تَرَى) : جَوَابُ «لَوْ» مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَشَاهَدْتَ أَمْرًا عَظِيمًا.
وَوُقِفَ مُتَعَدٍّ، وَأُوقِفَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَالْقُرْآنُ جَاءَ بِحَذْفِ الْأَلِفِ، وَمِنْهُ وُقِفُوا، فَبِنَاؤُهُ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَمِنْهُ «وَقِفُوهُمْ» . «وَلَا نُكَذِّبَ» ، «وَنَكُونَ» : يُقْرَآنِ بِالرَّفْعِ. وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى نُرَدُّ، فَيَكُونُ عَدَمُ التَّكْذِيبِ وَالْكَوْنُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مُتَمَنَّيْنِ أَيْضًا كَالرَّدِّ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: وَنَحْنُ لَا نُكَذِّبُ، وَفِي الْمَعْنَى وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُتَمَنًّى أَيْضًا، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «نُرَدُّ» .
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ ضَمِنُوا أَنْ لَا يَكْذِبُوا بَعْدَ الرَّدِّ، فَلَا يَكُونُ لِلْجُمْلَةِ مَوْضِعٌ، وَيُقْرَآنِ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ التَّمَنِّي، فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي التَّمَنِّي، وَالْوَاوُ فِي هَذَا كَالْفَاءِ.
وَمِنَ الْقُرَّاءِ مَنْ رَفَعَ الْأَوَّلَ، وَنَصَبَ الثَّانِيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ، وَوَجْهُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (٢٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ هِيَ إِلَّا) : هِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْحَيَاةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الْقِصَّةِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) (٣٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ) : أَيْ عَلَى سُؤَالِ رَبِّهِمْ، أَوْ عَلَى مُلْكِ رَبِّهِمْ.
стр. 491
قَالَ تَعَالَى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) (٣١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَغْتَةً) : مَصْدَرٌ فِي وَضْعِ الْحَالِ؛ أَيْ: بَاغِتَةً.
وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: تَبْغَتُهُمْ بَغْتَةً.
وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ بِجَاءَتْهُمْ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ.
(يَاحَسْرَتَنَا) : نِدَاءُ الْحَسْرَةِ وَالْوَيْلِ عَلَى الْمَجَازِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَا حَسْرَةً احْضُرِي؛ فَهَذَا أَوَانُكِ، وَالْمَعْنَى تَنْبِيهُ أَنْفُسِهِمْ لِتَذْكُرَ أَسْبَابَ الْحَسْرَةِ.
وَ (عَلَى) : مُتَعَلِّقَةٌ بِالْحَسْرَةِ، وَالضَّمِيرُ فِي «فِيهَا» يُعُودُ عَلَى السَّاعَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: فِي عَمَلِ السَّاعَةِ.
وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَلَمْ يَجْرِ لَهَا صَرِيحُ ذِكْرٍ، وَلَكِنْ فِي الْكَلَامِ دَلِيلٌ عَلَيْهَا.
(أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) : «سَاءَ» بِمَعْنَى بِئْسَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إِعْرَابُهُ فِي مَوَاضِعَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ سَاءَ عَلَى بَابِهَا، وَيَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، أَوْ بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَهِيَ فِي كُلِّ ذَلِكَ فَاعِلُ سَاءَ، وَالتَّقْدِيرُ: أَلَا سَاءَهُمْ وِزْرُهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (٣٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ) : يُقْرَأُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَرَفْعُ الْآخِرَةِ عَلَى الصِّفَةِ؛ وَالْخَبَرُ «خَيْرٌ» .
стр. 492
وَيُقْرَأُ «وَلَدَارُ الْآخِرَةِ» عَلَى الْإِضَافَةِ؛ أَيْ: دَارُ السَّاعَةِ الْآخِرَةِ، وَلَيْسَتِ الدَّارُ مُضَافَةً إِلَى صِفَتِهَا؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ هِيَ الْمَوْصُوفُ فِي الْمَعْنَى، وَالشَّيْءُ لَا يُضَافُ إِلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ أَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ.
قَالَ تَعَالَى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (٣٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ نَعْلَمُ) : أَيْ قَدْ عَلِمْنَا، فَالْمُسْتَقْبَلُ بِمَعْنَى الْمَاضِي.
(لَا يُكَذِّبُونَكَ) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى مَعْنَى لَا يَنْسِبُونَكَ إِلَى الْكَذِبِ؛ أَيْ: قَبْلَ دَعْوَاكَ النُّبُوَّةَ، بَلْ كَانُوا يَعْرِفُونَهُ بِالْأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ، وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ فِي مَعْنَى الْمُشَدَّدِ، يُقَالُ أَكْذَبْتُهُ وَكَذَّبْتُهُ، إِذَا نَسَبْتُهُ إِلَى الْكَذِبِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجِدُونَكَ كَذَّابًا؛ يُقَالُ: أَكْذَبْتُهُ؛ إِذَا أَصَبْتُهُ كَذَلِكَ؛ كَقَوْلِكَ: أَحْمَدْتُهُ إِذَا أَصَبْتُهُ مَحْمُودًا. (بِآيَاتِ اللَّهِ) : الْبَاءُ تَتَعَلَّقُ بِـ (يَجْحَدُونَ) . وَقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِالظَّالِمِينَ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا) [الْإِسْرَاءِ: ٥٩] .
قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ) (٣٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ قَبْلِكَ) : لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِرُسُلٍ؛ لِأَنَّهُ زَمَانٌ؛ وَالْجَنَّةُ لَا تُوصَفُ بِالزَّمَانِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُذِّبَتْ. (وَأُوذُوا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى كُذِّبُوا، فَتَكُونُ «حَتَّى» مُتَعَلِّقَةً بِصَبَرُوا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ تَمَّ عَلَى كُذِّبُوا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقَالَ: وَأُوذُوا، فَتَتَعَلَّقُ حَتَّى بِهِ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى. (
стр. 493
وَلَقَدْ جَاءَكَ) : فَاعِلُ جَاءَكَ مُضْمَرٌ فِيهِ. قِيلَ: الْمُضْمَرُ الْمَجِيءُ، وَقِيلَ: الْمُضْمَرُ النَّبَأُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الرُّسُلِ؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ الرَّسُولِ الرِّسَالَةَ، وَهِيَ نَبَأٌ، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ يَكُونُ «مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ» حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ، وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ جِنْسِ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ.
وَأَجَازَ الْأَخْفَشُ أَنْ تَكُونَ مِنْ زَائِدَةً، وَالْفَاعِلُ نَبَأُ الْمُرْسَلِينَ، وَسِيبَوَيْهِ لَا يُجِيزُ زِيَادَتَهَا فِي الْوَاجِبِ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنْ تَكُونَ مِنْ صِفَةٍ لِمَحْذُوفٍ؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ لَا يُحْذَفُ وَحَرْفُ الْجَرِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ زَائِدًا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا؛ لِأَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ يُعَدِّي، وَكُلُّ فِعْلٍ يَعْمَلُ فِي الْفَاعِلِ بِغَيْرِ مُعَدٍّ، وَ (نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ) : بِمَعْنَى إِنْبَائِهِمْ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ) [هُودٍ: ١٢٠] .
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (٣٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ) : جَوَابُ «إِنْ» هَذِهِ (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ) ؛ فَالشَّرْطُ الثَّانِي جَوَابُ الْأَوَّلِ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ الثَّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَافْعَلْ، وَحُذِفَ لِظُهُورِ مَعْنَاهُ وَطُولِ الْكَلَامِ. (فِي الْأَرْضِ) : صِفَةٌ لِنَفَقٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِتَبْتَغِي.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ؛ أَيْ: وَأَنْتَ فِي الْأَرْضِ، وَمِثْلُهُ: «فِي السَّمَاءِ» .
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (٣٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ) : فِي الْمَوْتَى وَجْهَانِ:
стр. 494
أَحَدُهُمَا: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: وَيَبْعَثُ اللَّهُ الْمَوْتَى، وَهَذَا أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ قَدْ عُطِفَ عَلَى اسْمٍ عَمِلَ فِيهِ الْفِعْلُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرُ، وَيَسْتَجِيبُ بِمَعْنَى يُجِيبُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (٣٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ رَبِّهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِآيَةٍ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِنُزِّلَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (٣٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي الْأَرْضِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِدَابَّةٍ، وَفِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لَهَا أَيْضًا عَلَى الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ مِنْ زَائِدَةٌ. (وَلَا طَائِرٍ) : مَعْطُوفٌ عَلَى لَفْظِ دَابَّةٍ، وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلَى الْمَوْضِعِ. (بِجَنَاحَيْهِ) : يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْبَاءُ بِيَطِيرُ، وَأَنْ تَكُونَ حَالًا، وَهُوَ تَوْكِيدٌ، وَفِيهِ رَفْعُ مَجَازٍ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الطَّائِرِ قَدْ يُقَالُ فِيهِ طَارَ إِذَا أَسْرَعَ. (مِنْ شَيْءٍ) : «مِنْ» زَائِدَةٌ؛ «وَشَيْءٌ» هُنَا وَاقِعٌ مَوْقِعَ الْمَصْدَرِ؛ أَيْ: تَفْرِيطًا، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لَا يَبْقَى فِي الْآيَةِ حُجَّةٌ لِمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْكِتَابَ يَحْتَوِي عَلَى ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ صَرِيحًا.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ (لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) : أَيْ ضَرَرًا وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهُ نَظَائِرَ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «شَيْئًا» مَفْعُولًا بِهِ؛ لِأَنَّ فَرَّطْنَا لَا تَتَعَدَّى بِنَفْسِهَا بَلْ بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَقَدْ عُدِّيَتْ بِفِي إِلَى الْكِتَابِ فَلَا تَتَعَدَّى بِحَرْفٍ آخَرَ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مَا تَرَكْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى خِلَافِهِ؛ فَبَانَ أَنَّ التَّأْوِيلَ مَا ذَكَرْنَا.
стр. 495
قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٣٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا) : مُبْتَدَأٌ، وَ (صُمٌّ وَبُكْمٌ) : الْخَبَرُ، مِثْلُ: حُلْوٌ حَامِضٌ، وَالْوَاوُ لَا تَمْنَعُ ذَلِكَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «صُمٌّ» خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بَعْضُهُمْ صُمٌّ، وَبَعْضُهُمْ بُكْمٌ.
(فِي الظُّلُمَاتِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمُقَدَّرِ فِي الْخَبَرِ، وَالتَّقْدِيرُ: ضَالُّونَ فِي الظُّلُمَاتِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الظُّلُمَاتِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: هُمْ فِي الظُّلُمَاتِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِبُكْمٍ؛ أَيْ: كَائِنُونَ فِي الظُّلُمَاتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِصُمٍّ أَوْ بُكْمٍ، أَوْ لِمَا يَنُوبُ عَنْهُمَا مِنَ الْفِعْلِ.
(مَنْ يَشَأِ اللَّهُ) : مَنْ فِي مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ، وَالْجَوَابُ الْخَبَرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ إِضْلَالَهُ أَوْ عَذَابَهُ، فَالْمَنْصُوبُ بِـ «يَشَأْ» مِنْ سَبَبِ «مَنْ» ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: مَنْ يُعَذِّبْ أَوْ مَنْ يُضْلِلْ، وَمِثْلُهُ مَا بَعْدَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (٤٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ) : يُقْرَأُ بِإِلْقَاءِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ عَلَى اللَّامِ؛ فَتَنْفَتِحُ اللَّامُ، وَتُحْذَفُ الْهَمْزَةُ، وَهُوَ قِيَاسٌ مُطَّرِدٌ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ التَّخْفِيفُ.
وَيُقْرَأُ بِالتَّحْقِيقِ، وَهُوَ الْأَصْلُ، وَأَمَّا الْهَمْزَةُ الَّتِي بَعْدَ الرَّاءِ فَتُحَقَّقُ عَلَى الْأَصْلِ، وَتَلِينُ لِلتَّخْفِيفِ، وَتُحْذَفُ، وَطَرِيقُ ذَلِكَ أَنْ تُقْلَبَ يَاءً، وَتُسَكَّنَ، ثُمَّ تُحْذَفَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، قَرَّبَ ذَلِكَ فِيهَا حَذْفُهَا فِي مُسْتَقْبَلِ هَذَا الْفِعْلِ.
следующие страницы →