← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22928

التبيان في إعراب القرآن

أبو البقاء العكبري

Полный текст (1 313 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قَالَ تَعَالَى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) (٣١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَغْتَةً) : مَصْدَرٌ فِي وَضْعِ الْحَالِ؛ أَيْ: بَاغِتَةً. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: تَبْغَتُهُمْ بَغْتَةً. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ بِجَاءَتْهُمْ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ. (يَاحَسْرَتَنَا) : نِدَاءُ الْحَسْرَةِ وَالْوَيْلِ عَلَى الْمَجَازِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَا حَسْرَةً احْضُرِي؛ فَهَذَا أَوَانُكِ، وَالْمَعْنَى تَنْبِيهُ أَنْفُسِهِمْ لِتَذْكُرَ أَسْبَابَ الْحَسْرَةِ. وَ (عَلَى) : مُتَعَلِّقَةٌ بِالْحَسْرَةِ، وَالضَّمِيرُ فِي «فِيهَا» يُعُودُ عَلَى السَّاعَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: فِي عَمَلِ السَّاعَةِ. وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَلَمْ يَجْرِ لَهَا صَرِيحُ ذِكْرٍ، وَلَكِنْ فِي الْكَلَامِ دَلِيلٌ عَلَيْهَا. (أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) : «سَاءَ» بِمَعْنَى بِئْسَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إِعْرَابُهُ فِي مَوَاضِعَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ سَاءَ عَلَى بَابِهَا، وَيَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، أَوْ بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَهِيَ فِي كُلِّ ذَلِكَ فَاعِلُ سَاءَ، وَالتَّقْدِيرُ: أَلَا سَاءَهُمْ وِزْرُهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (٣٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ) : يُقْرَأُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَرَفْعُ الْآخِرَةِ عَلَى الصِّفَةِ؛ وَالْخَبَرُ «خَيْرٌ» .

стр. 492

وَيُقْرَأُ «وَلَدَارُ الْآخِرَةِ» عَلَى الْإِضَافَةِ؛ أَيْ: دَارُ السَّاعَةِ الْآخِرَةِ، وَلَيْسَتِ الدَّارُ مُضَافَةً إِلَى صِفَتِهَا؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ هِيَ الْمَوْصُوفُ فِي الْمَعْنَى، وَالشَّيْءُ لَا يُضَافُ إِلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ أَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ. قَالَ تَعَالَى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (٣٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ نَعْلَمُ) : أَيْ قَدْ عَلِمْنَا، فَالْمُسْتَقْبَلُ بِمَعْنَى الْمَاضِي. (لَا يُكَذِّبُونَكَ) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى مَعْنَى لَا يَنْسِبُونَكَ إِلَى الْكَذِبِ؛ أَيْ: قَبْلَ دَعْوَاكَ النُّبُوَّةَ، بَلْ كَانُوا يَعْرِفُونَهُ بِالْأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ، وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ فِي مَعْنَى الْمُشَدَّدِ، يُقَالُ أَكْذَبْتُهُ وَكَذَّبْتُهُ، إِذَا نَسَبْتُهُ إِلَى الْكَذِبِ. وَالثَّانِي: لَا يَجِدُونَكَ كَذَّابًا؛ يُقَالُ: أَكْذَبْتُهُ؛ إِذَا أَصَبْتُهُ كَذَلِكَ؛ كَقَوْلِكَ: أَحْمَدْتُهُ إِذَا أَصَبْتُهُ مَحْمُودًا. (بِآيَاتِ اللَّهِ) : الْبَاءُ تَتَعَلَّقُ بِـ (يَجْحَدُونَ) . وَقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِالظَّالِمِينَ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا) [الْإِسْرَاءِ: ٥٩] . قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ) (٣٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ قَبْلِكَ) : لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِرُسُلٍ؛ لِأَنَّهُ زَمَانٌ؛ وَالْجَنَّةُ لَا تُوصَفُ بِالزَّمَانِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُذِّبَتْ. (وَأُوذُوا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى كُذِّبُوا، فَتَكُونُ «حَتَّى» مُتَعَلِّقَةً بِصَبَرُوا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ تَمَّ عَلَى كُذِّبُوا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقَالَ: وَأُوذُوا، فَتَتَعَلَّقُ حَتَّى بِهِ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى. (

стр. 493

وَلَقَدْ جَاءَكَ) : فَاعِلُ جَاءَكَ مُضْمَرٌ فِيهِ. قِيلَ: الْمُضْمَرُ الْمَجِيءُ، وَقِيلَ: الْمُضْمَرُ النَّبَأُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الرُّسُلِ؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ الرَّسُولِ الرِّسَالَةَ، وَهِيَ نَبَأٌ، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ يَكُونُ «مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ» حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ، وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ جِنْسِ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ. وَأَجَازَ الْأَخْفَشُ أَنْ تَكُونَ مِنْ زَائِدَةً، وَالْفَاعِلُ نَبَأُ الْمُرْسَلِينَ، وَسِيبَوَيْهِ لَا يُجِيزُ زِيَادَتَهَا فِي الْوَاجِبِ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنْ تَكُونَ مِنْ صِفَةٍ لِمَحْذُوفٍ؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ لَا يُحْذَفُ وَحَرْفُ الْجَرِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ زَائِدًا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا؛ لِأَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ يُعَدِّي، وَكُلُّ فِعْلٍ يَعْمَلُ فِي الْفَاعِلِ بِغَيْرِ مُعَدٍّ، وَ (نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ) : بِمَعْنَى إِنْبَائِهِمْ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ) [هُودٍ: ١٢٠] . قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (٣٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ) : جَوَابُ «إِنْ» هَذِهِ (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ) ؛ فَالشَّرْطُ الثَّانِي جَوَابُ الْأَوَّلِ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ الثَّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَافْعَلْ، وَحُذِفَ لِظُهُورِ مَعْنَاهُ وَطُولِ الْكَلَامِ. (فِي الْأَرْضِ) : صِفَةٌ لِنَفَقٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِتَبْتَغِي. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ؛ أَيْ: وَأَنْتَ فِي الْأَرْضِ، وَمِثْلُهُ: «فِي السَّمَاءِ» . قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (٣٦) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ) : فِي الْمَوْتَى وَجْهَانِ:

стр. 494

أَحَدُهُمَا: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: وَيَبْعَثُ اللَّهُ الْمَوْتَى، وَهَذَا أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ قَدْ عُطِفَ عَلَى اسْمٍ عَمِلَ فِيهِ الْفِعْلُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرُ، وَيَسْتَجِيبُ بِمَعْنَى يُجِيبُ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (٣٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ رَبِّهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِآيَةٍ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِنُزِّلَ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (٣٨) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي الْأَرْضِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِدَابَّةٍ، وَفِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لَهَا أَيْضًا عَلَى الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ مِنْ زَائِدَةٌ. (وَلَا طَائِرٍ) : مَعْطُوفٌ عَلَى لَفْظِ دَابَّةٍ، وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلَى الْمَوْضِعِ. (بِجَنَاحَيْهِ) : يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْبَاءُ بِيَطِيرُ، وَأَنْ تَكُونَ حَالًا، وَهُوَ تَوْكِيدٌ، وَفِيهِ رَفْعُ مَجَازٍ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الطَّائِرِ قَدْ يُقَالُ فِيهِ طَارَ إِذَا أَسْرَعَ. (مِنْ شَيْءٍ) : «مِنْ» زَائِدَةٌ؛ «وَشَيْءٌ» هُنَا وَاقِعٌ مَوْقِعَ الْمَصْدَرِ؛ أَيْ: تَفْرِيطًا، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لَا يَبْقَى فِي الْآيَةِ حُجَّةٌ لِمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْكِتَابَ يَحْتَوِي عَلَى ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ صَرِيحًا. وَنَظِيرُ ذَلِكَ (لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) : أَيْ ضَرَرًا وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهُ نَظَائِرَ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «شَيْئًا» مَفْعُولًا بِهِ؛ لِأَنَّ فَرَّطْنَا لَا تَتَعَدَّى بِنَفْسِهَا بَلْ بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَقَدْ عُدِّيَتْ بِفِي إِلَى الْكِتَابِ فَلَا تَتَعَدَّى بِحَرْفٍ آخَرَ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مَا تَرَكْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى خِلَافِهِ؛ فَبَانَ أَنَّ التَّأْوِيلَ مَا ذَكَرْنَا.

стр. 495

قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٣٩) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا) : مُبْتَدَأٌ، وَ (صُمٌّ وَبُكْمٌ) : الْخَبَرُ، مِثْلُ: حُلْوٌ حَامِضٌ، وَالْوَاوُ لَا تَمْنَعُ ذَلِكَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «صُمٌّ» خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بَعْضُهُمْ صُمٌّ، وَبَعْضُهُمْ بُكْمٌ. (فِي الظُّلُمَاتِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمُقَدَّرِ فِي الْخَبَرِ، وَالتَّقْدِيرُ: ضَالُّونَ فِي الظُّلُمَاتِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الظُّلُمَاتِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: هُمْ فِي الظُّلُمَاتِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِبُكْمٍ؛ أَيْ: كَائِنُونَ فِي الظُّلُمَاتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِصُمٍّ أَوْ بُكْمٍ، أَوْ لِمَا يَنُوبُ عَنْهُمَا مِنَ الْفِعْلِ. (مَنْ يَشَأِ اللَّهُ) : مَنْ فِي مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ، وَالْجَوَابُ الْخَبَرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ إِضْلَالَهُ أَوْ عَذَابَهُ، فَالْمَنْصُوبُ بِـ «يَشَأْ» مِنْ سَبَبِ «مَنْ» ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: مَنْ يُعَذِّبْ أَوْ مَنْ يُضْلِلْ، وَمِثْلُهُ مَا بَعْدَهُ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (٤٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ) : يُقْرَأُ بِإِلْقَاءِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ عَلَى اللَّامِ؛ فَتَنْفَتِحُ اللَّامُ، وَتُحْذَفُ الْهَمْزَةُ، وَهُوَ قِيَاسٌ مُطَّرِدٌ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ التَّخْفِيفُ. وَيُقْرَأُ بِالتَّحْقِيقِ، وَهُوَ الْأَصْلُ، وَأَمَّا الْهَمْزَةُ الَّتِي بَعْدَ الرَّاءِ فَتُحَقَّقُ عَلَى الْأَصْلِ، وَتَلِينُ لِلتَّخْفِيفِ، وَتُحْذَفُ، وَطَرِيقُ ذَلِكَ أَنْ تُقْلَبَ يَاءً، وَتُسَكَّنَ، ثُمَّ تُحْذَفَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، قَرَّبَ ذَلِكَ فِيهَا حَذْفُهَا فِي مُسْتَقْبَلِ هَذَا الْفِعْلِ.

стр. 496

فَأَمَّا التَّاءُ فَضَمِيرُ الْفَاعِلِ، فَإِذَا اتَّصَلَتْ بِهَا الْكَافُ الَّتِي لِلْخِطَابِ كَانَتْ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ وَالتَّأْنِيثِ. وَتَخْتَلِفُ هَذِهِ الْمَعَانِي عَلَى الْكَافِ؛ فَتَقُولُ فِي الْوَاحِدِ أَرَأَيْتَكَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) [الْإِسْرَاءِ: ٦٢] وَفِي التَّثْنِيَةِ أَرَأَيْتَكُمَا، وَفِي الْجَمْعِ أَرَأَيْتَكُمْ، وَفِي الْمُؤَنَّثِ أَرَأَيْتَكُنَّ، وَالتَّاءُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مَفْتُوحَةٌ. وَالْكَافُ حَرْفٌ لِلْخِطَابِ، وَلَيْسَتِ اسْمًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتِ اسْمًا لَكَانَتْ إِمَّا مَجْرُورَةً، وَهُوَ بَاطِلٌ، إِذْ لَا جَارَّ هُنَا، أَوْ مَرْفُوعَةً، وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكَافَ لَيْسَتْ مِنْ ضَمَائِرِ الْمَرْفُوعِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا رَافِعَ لَهَا إِذْ لَيْسَتْ فَاعِلًا؛ لِأَنَّ التَّاءَ فَاعِلٌ، وَلَا يَكُونُ لِفِعْلٍ وَاحِدٍ فَاعِلَانِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَنْصُوبَةً، وَذَلِكَ بَاطِلٌ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، كَقَوْلِكَ: أَرَأَيْتَ زَيْدًا مَا فَعَلَ، فَلَوْ جَعَلْتَ الْكَافَ مَفْعُولًا لَكَانَ ثَالِثًا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَفْعُولًا لَكَانَ هُوَ الْفَاعِلَ فِي الْمَعْنَى، وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ، إِذْ لَيْسَ الْغَرَضُ أَرَأَيْتَ نَفْسَكَ؛ بَلْ أَرَأَيْتَ غَيْرَكَ، وَلِذَلِكَ قُلْتَ أَرَأَيْتَكَ زَيْدًا، وَزَيْدٌ غَيْرُ الْمُخَاطَبِ، وَلَا هُوَ بَدَلٌ مِنْهُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ، لَظَهَرَتْ عَلَامَةُ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ وَالتَّأْنِيثِ فِي التَّاءِ، فَكُنْتَ تَقُولُ أَرَأَيْتَمَاكُمَا، وَأَرَأَيْتَمُوكُمْ، وَأَرَأَيْتَكُنَّ. وَقَدْ ذَهَبَ الْفَرَّاءُ إِلَى أَنَّ الْكَافَ اسْمٌ مُضْمَرٌ مَنْصُوبٌ فِي مَعْنَى الْمَرْفُوعِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ إِبْطَالٌ لِمَذْهَبِهِ،

стр. 497

فَأَمَّا مَفْعُولُ أَرَأَيْتَكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مَحْذُوفٌ دَلَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ؛ تَقْدِيرُهُ: أَرَأَيْتَكُمْ عِبَادَتَكُمُ الْأَصْنَامَ، هَلْ تَنْفَعُكُمْ عِنْدَ مَجِيءِ السَّاعَةِ، وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ» . وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَحْتَاجُ هَذَا إِلَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ وَجَوَابَهُ قَدْ حَصَّلَ مَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَأَمَّا جَوَابُ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ: «إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ» فَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ: «أَغَيْرَ اللَّهِ» تَقْدِيرُهُ: إِنْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ دَعَوْتُمُ اللَّهَ. «وَغَيْرَ» مَنْصُوبٌ بِـ: «تَدْعُونَ» . قَالَ تَعَالَى: (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) (٤١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَلْ إِيَّاهُ) : هُوَ مَفْعُولُ «تَدْعُونَ» الَّذِي بَعْدَهُ. (إِلَيْهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِتَدْعُونَ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِيَكْشِفُ؛ أَيْ: يَرْفَعُهُ إِلَيْهِ. وَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَلَيْسَتْ مَصْدَرِيَّةً إِلَّا أَنْ تَجْعَلَهَا مَصْدَرًا بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) (٤٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ) : فَعْلَاءُ فِيهِمَا مُؤَنَّثٌ لَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنْهُ مُذَكَّرٌ، لَمْ يَقُولُوا: بَأْسٌ وَبَأْسَاءٌ، وَضُرٌّ وَضَرَّاءُ، كَمَا قَالُوا: أَحْمَرُ وَحَمْرَاءُ. قَالَ تَعَالَى: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (٤٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَوْلَا إِذْ) : «إِذْ» فِي مَوْضِعِ نَصْبِ ظَرْفٍ لِـ «تَضَرَّعُوا» ؛ أَيْ: فَلَوْلَا تَضَرَّعُوا إِذْ. (وَلَكِنْ) : اسْتِدْرَاكٌ عَلَى الْمَعْنَى؛ أَيْ: مَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ.

стр. 498

قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) (٤٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَغْتَةً) : مَصْدَرِيَّةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ؛ أَيْ: مُبَاغِتِينَ، أَوْ مِنَ الْمَفْعُولَيْنِ أَوْ مَبْغُوتِينَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ أَخَذْنَاهُمْ بِمَعْنَى بَغَتْنَاهُمْ. (فَإِذَا هُمْ) : إِذَا هُنَا لِلْمُفَاجَأَةِ، وَهِيَ ظَرْفُ مَكَانٍ، وَهُمْ مُبْتَدَأٌ، وَ (مُبْلِسُونَ) : خَبَرُهُ، وَهُوَ الْعَامِلُ فِي إِذَا. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ) (٤٦) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ) : قَدْ ذَكَرْنَا الْوَجْهَ فِي إِفْرَادِ السَّمْعِ مَعَ جَمْعِ الْأَبْصَارِ وَالْقُلُوبِ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ. (مَنْ) : اسْتِفْهَامٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَ: (إِلَهٌ) : خَبَرُهُ، وَ (غَيْرُ اللَّهِ) : صِفَةُ الْخَبَرِ. وَ (يَأْتِيَكُمُ) : فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ أَيْضًا، وَالِاسْتِفْهَامُ هُنَا بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ. وَالْهَاءُ فِي «بِهِ» تَعُودُ عَلَى السَّمْعِ، لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا. وَقِيلَ: تَعُودُ عَلَى مَعْنَى الْمَأْخُوذِ وَالْمَحْتُومِ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ أُفْرِدَ. «كَيْفَ» حَالٌ، وَالْعَامِلُ فِيهَا «نُصَرِّفُ» . قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) (٤٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَلْ يُهْلَكُ) : الِاسْتِفْهَامُ هُنَا بِمَعْنَى التَّقْرِيرِ، فَلِذَلِكَ نَابَ عَنْ جَوَابِ الشَّرْطِ؛ أَيْ: إِنْ أَتَاكُمْ هَلَكْتُمْ.

стр. 499

قَالَ تَعَالَى: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٤٨) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) : حَالَانِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. (فَمَنْ آمَنَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا، وَأَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَهِيَ مُبْتَدَأٌ فِي الْحَالَيْنِ، وَقَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ عَلَى نَظَائِرِهِ. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (٤٩) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) : مَا مَصْدَرِيَّةٌ؛ أَيْ: بِفِسْقِهِمْ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي أَوَائِلِ الْبَقَرَةِ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّ السِّينِ وَكَسْرِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) (٥٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالْغَدَاةِ) : أَصْلُهَا غَدْوَةٌ، فَقُلِبَتْ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، وَهِيَ نَكِرَةٌ، وَيُقْرَأُ «بِالْغُدْوَةِ» بِضَمِّ الْغَيْنِ وَسُكُونِ الدَّالِ، وَوَاوٌ بَعْدَهَا، وَقَدْ عَرَّفَهَا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَأَكْثَرُ مَا تُسْتَعْمَلُ مَعْرِفَةً عَلَمًا، وَقَدْ عَرَّفَهَا هُنَا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ. وَأَمَّا (الْعَشِيُّ) : فَقِيلَ: هُوَ مُفْرَدٌ، وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ عَشِيَّةٍ. وَ (يُرِيدُونَ) : حَالٌ. (

стр. 500

مِنْ شَيْءٍ) : مِنْ زَائِدَةٌ، وَمَوْضِعُهَا رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَعَلَيْكَ الْخَبَرُ، وَمِنْ حِسَابِهِمْ صِفَةٌ لِشَيْءٍ، قَدَّمَ عَلَيْهِ فَصَارَ حَالًا، وَكَذَلِكَ الَّذِي بَعْدَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدَّمَ «مِنْ حِسَابِكَ» عَلَى عَلَيْهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مِنْ حِسَابِهِمْ، وَعَلَيْكَ صِفَةٌ لِشَيْءِ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ. (فَتَطْرُدَهُمْ) : جَوَابٌ لِمَا النَّافِيَةِ، فَلِذَلِكَ نُصِبَ. (فَتَكُونَ) : جَوَابُ النَّهْيِ؛ وَهُوَ «لَا تَطْرُدْ» . قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) (٥٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيَقُولُوا) اللَّامُ: مُتَعَلِّقَةٌ بِفَتَنَّا؛ أَيِ: اخْتَبَرْنَاهُمْ لِيَقُولُوا، فَنُعَاقِبُهُمْ بِقَوْلِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَامَ الْعَاقِبَةِ. وَ (هَؤُلَاءِ) : مُبْتَدَأٌ. وَ (مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) : الْخَبَرُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالْقَوْلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ فَسَّرَهُ مَا بَعْدَهُ تَقْدِيرُهُ: أَخُصُّ هَؤُلَاءِ، أَوْ فَضَّلَ. وَ (مِنْ) : مُتَعَلِّقَةٌ بِمَنَّ؛ أَيْ: مَيَّزَهُمْ عَلَيْنَا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنْ عَلَيْهِمْ مُنْفَرِدِينَ. (بِالشَّاكِرِينَ) : يَتَعَلَّقُ بِأَعْلَمَ؛ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ، وَالظَّرْفُ يَعْمَلُ فِيهِ مَعْنَى الْفِعْلِ بِخِلَافِ الْمَفْعُولِ؛ فَإِنَّ أَفْعَلَ لَا يَعْمَلُ فِيهِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذَا جَاءَكَ) : الْعَامِلُ فِي إِذَا مَعْنَى الْجَوَابِ؛ أَيْ: إِذَا جَاءَكَ سَلِّمْ عَلَيْهِمْ. وَ (سْلَامٌ) : مُبْتَدَأٌ، وَجَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ.

стр. 501

(كَتَبَ رَبُّكُمْ) : الْجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بَعْدَ الْقَوْلِ أَيْضًا. (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ إِنَّ، وَفَتْحِهَا، فَفِي الْكَسْرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ، وَالْكَلَامُ تَامٌّ قَبْلَهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَمَلَ «كَتَبَ» عَلَى قَالَ، فَكُسِرَتْ إِنَّ بَعْدَهُ. وَأَمَّا الْفَتْحُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ بَدَلٌ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ أَيْ: كَتَبَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَبْلَهُ، وَالْهَاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَمَنْ بِمَعْنَى الَّذِي أَوْ شَرْطٌ، وَمَوْضِعُهَا مُبْتَدَأٌ. وَ (مِنْكُمْ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ. وَ (بِجَهَالَةٍ) : حَالٌ أَيْضًا؛ أَيْ: جَاهِلًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ؛ أَيْ: بِسَبَبِ الْجَهْلِ. وَالْهَاءُ فِي «بَعْدِهِ» تَعُودُ عَلَى الْعَمَلِ أَوْ عَلَى السُّوءِ. (فَإِنَّهُ) : يُقْرَأُ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى أَنَّ الْأُولَى، أَوْ تَكْرِيرٌ لِلْأُولَى عِنْدَ قَوْمٍ، وَعَلَى هَذَا خَبَرُ «مَنْ» مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَائِدُ مَحْذُوفًا؛ أَيْ: فَإِنَّهُ غَفُورٌ لَهُ، وَإِذَا جَعَلْتَ «مَنْ» شَرْطًا فَالْأَمْرُ كَذَلِكَ. وَيُقْرَأُ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ تَكْرِيرٌ لِلْأُولَى عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ فَتَحَ الْأُولَى، أَوْ بَدَلٌ مِنْهَا، عِنْدَ قَوْمٍ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَدَلَ لَا يَصْحَبُهُ حَرْفُ مَعْنًى إِلَّا أَنْ تَجْعَلَ الْفَاءَ زَائِدَةً، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ لَا يَبْقَى لِمَنْ خَبَرٌ، وَلَا جَوَابٌ إِنْ جَعَلْتَهَا شَرْطًا.

стр. 502

وَالْوَجْهُ أَنْ تَكُونَ «أَنَّ» خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: فَشَأْنُهُ أَنَّهُ غَفُورٌ لَهُ، أَوْ يَكُونُ الْمَحْذُوفُ ظَرْفًا؛ أَيْ: عَلَيْهِ أَنَّهُ، فَتَكُونُ أَنَّ إِمَّا مُبْتَدَأً، وَإِمَّا فَاعِلًا. قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) (٥٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ) : الْكَافُ وَصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: نُفَصِّلُ الْآيَاتِ تَفْصِيلًا مِثْلُ ذَلِكَ: «وَلِيَسْتَبِينَ» : يُقْرَأُ بِالْيَاءِ، وَ «سَبِيلُ» فَاعِلٌ؛ أَيْ: «يَتَبَيَّنَ» ، وَذَكَرَ السَّبِيلَ، وَهُوَ لُغَةٌ فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) [الْأَعْرَافِ: ١٤٦] . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ بِالْيَاءِ عَلَى أَنَّ تَأْنِيثَ السَّبِيلِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وَيُقْرَأُ بِالتَّاءِ، وَالسَّبِيلُ فَاعِلٌ مُؤَنَّثٌ، وَهُوَ لُغَةٌ فِيهِ، وَمِنْهُ (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي) [يُوسُفَ: ١٠٨] . وَيُقْرَأُ بِنَصْبِ السَّبِيلِ، وَالْفَاعِلُ الْمُخَاطَبُ، وَاللَّامُ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ؛ أَيْ: لِتَسْتَبِينَ فَصَّلْنَا. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) (٥٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَذَّبْتُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا، وَقَدْ مَعَهُ مُرَادَةٌ، وَالْهَاءُ فِي «بِهِ» يَعُودُ عَلَى رَبِّي. وَيَجُوزُ أَنْ تَعُودَ عَلَى مَعْنَى الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبُرْهَانِ، وَالدَّلِيلِ. (يَقْضِي الْحَقَّ) : يُقْرَأُ بِالضَّادِ مِنَ الْقَضَاءِ، وَبِالصَّادِ مِنَ الْقَصَصِ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِخَاتِمَةِ الْآيَةِ.

стр. 503

قَالَ تَعَالَى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (٥٩) قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَفَاتِحُ) : هُوَ جَمْعُ مَفْتَحٍ، وَالْمَفْتَحُ الْخِزَانَةُ؛ فَأَمَّا مَا يُفْتَحُ بِهِ فَهُوَ مِفْتَاحٌ، وَجَمْعُهُ مَفَاتِيحُ، وَقَدْ قِيلَ: مِفْتَحٌ أَيْضًا. (لَا يَعْلَمُهَا) : حَالٌ مِنْ مَفَاتِحَ، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَا تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ، أَوْ نَفْسُ الظَّرْفِ، إِنْ رُفِعَتْ بِهِ مَفَاتِحُ. وَ (مِنْ وَرَقَةٍ) : فَاعِلٌ. (وَلَا حَبَّةٍ) : مَعْطُوفٌ عَلَى لَفْظِ وَرَقَةٍ، وَلَوْ رُفِعَ عَلَى الْمَوْضِعِ جَازَ. (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ) : مِثْلُهُ. وَقَدْ قُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلَى الْمَوْضِعِ. (إِلَّا فِي كِتَابٍ) : أَيْ إِلَّا هُوَ فِي كِتَابٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً يَعْمَلُ فِيهِ «يَعْلَمُهَا» لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ، وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا إِلَّا فِي كِتَابٍ، فَيَنْقَلِبُ مَعْنَاهُ إِلَى الْإِثْبَاتِ؛ أَيْ: لَا يَعْلَمُهَا فِي كِتَابٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَّا فِي كِتَابٍ، وَجَبَ أَنْ يَعْلَمَهَا فِي الْكِتَابِ، فَإِذًا يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي بَدَلًا مِنَ الْأَوَّلِ؛ أَيْ: وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا هِيَ فِي كِتَابٍ وَمَا يَعْلَمُهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٦٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِاللَّيْلِ) : الْبَاءُ هُنَا بِمَعْنَى فِي، وَجَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ، وَالْمُلَاصِقُ لِلزَّمَانِ وَالْمَكَانِ حَاصِلٌ فِيهِمَا.

стр. 504

(لِيُقْضَى أَجَلٌ) : عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَيُقْرَأُ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَأَجَلًا نُصِبَ. قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) (٦١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ) : يَحْتَمِلُ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ «يَتَوَفَّاكُمْ» وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُضَارَعَةِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الْقَاهِرِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ فِي مَعْنَى يَفْعَلُ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: الطَّائِرُ الذُّبَابُ فَيَغْضَبُ زَيْدٌ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَهُوَ يُرْسِلُ، وَتَكُونُ الْجُمْلَةُ حَالًا، إِمَّا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْقَاهِرِ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الظَّرْفِ، وَعَلَيْكُمْ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بَيُرْسِلُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي نِيَّةِ التَّأْخِيرِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ «حَفَظَةً» وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: يُرْسِلُ مَنْ يَحْفَظُ عَلَيْكُمْ أَعْمَالَكُمْ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِحَفَظَةٍ قُدِّمَتْ فَصَارَ حَالًا. (تَوَفَّتْهُ) : يُقْرَأُ بِالتَّاءِ عَلَى تَأْنِيثِ الْجَمَاعَةِ، وَبِأَلِفٍ مُمَالَةٍ عَلَى إِرَادَةِ الْجَمْعِ. وَيُقْرَأُ شَاذًّا: «تَتَوَفَّاهُ» عَلَى الِاسْتِقْبَالِ. (

стр. 505

يُفَرِّطُونَ) : بِالتَّشْدِيدِ؛ أَيْ: يَنْقُصُونَ مِمَّا أُمِرُوا. وَيُقْرَأُ شَاذًّا بِالتَّخْفِيفِ؛ أَيْ: يَزِيدُونَ عَلَى مَا أُمِرُوا. قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) (٦٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثُمَّ رُدُّوا) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الدَّالِّ الْأُولَى مَحْذُوفَةٌ؛ لِيَصْلُحَ الْإِدْغَامُ، وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى نَقْلِ كَسْرَةِ الدَّالِ الْأُولَى إِلَى الرَّاءِ. (مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ) : صِفَتَانِ، وَقُرِئَ الْحَقَّ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيِ: الرَّدَّ الْحَقَّ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (٦٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُنَجِّيكُمْ) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، وَالْمَاضِي أَنْجَا وَنَجَّى، وَالْهَمْزَةُ وَالتَّشْدِيدُ لِلتَّعْدِيَةِ. (تَدْعُونَهُ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ فِي «يُنَجِّيكُمْ» . (تَضَرُّعًا) : مَصْدَرٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ تَدْعُونَ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ، بَلْ مَعْنَاهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَكَذَلِكَ «خُفْيَةً» . وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ.

стр. 506

وَقُرِئَ «وَخِيفَةً» ، مِنَ الْخَوْفِ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً) [الْأَعْرَافِ: ٢٠٥] . (لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا) : عَلَى الْخِطَابِ؛ أَيْ: يَقُولُونَ: لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا. وَيُقْرَأُ (لَئِنْ أَنْجَانَا) عَلَى الْغَيْبَةِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ يَدْعُونَهُ. (مِنْ هَذِهِ) : أَيْ مِنْ هَذِهِ الظُّلْمَةِ وَالْكُرْبَةِ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) (٦٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ فَوْقِكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِلْعَذَابِ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِيَبْعَثَ، وَكَذَلِكَ (مِنْ تَحْتِ) . (أَوْ يَلْبِسَكُمْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الْيَاءِ؛ أَيْ: يَلْبِسَ عَلَيْكُمْ أُمُورَكُمْ، فَحُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ وَالْمَفْعُولِ، وَالْجَيِّدُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَلْبِسَ أُمُورَكُمْ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْيَاءِ؛ أَيْ: يَعُمَّكُمْ بِالِاخْتِلَافِ. وَ (شِيَعًا) : جَمْعُ شِيعَةٍ، وَهُوَ حَالٌ. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ «يَلْبِسَكُمْ» مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ. وَيَجُوزُ عَلَى أَنْ يَكُونَ حَالًا أَيْضًا؛ أَيْ: مُخْتَلِفِينَ. قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (٦٦) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَسْتُ عَلَيْكُمْ) : عَلَى مُتَعَلِّقٌ بِـ «وَكِيلٍ» .

стр. 507

وَيَجُوزُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «وَكِيلٍ» عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ تَقْدِيمَ الْحَالِ عَلَى حَرْفِ الْجَرِّ. قَالَ تَعَالَى: (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (٦٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُسْتَقَرٌّ) : مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ الظَّرْفُ قَبْلَهُ، أَوْ فَاعِلٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ الظَّرْفُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمَكَانِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (٦٨) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (غَيْرِهِ) : إِنَّمَا ذَكَرَ الْهَاءَ؛ لِأَنَّهُ أَعَادَهَا عَلَى مَعْنَى الْآيَاتِ؛ لِأَنَّهَا حَدِيثٌ وَقُرْآنٌ (يُنْسِيَنَّكَ) : يُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، وَمَاضِيهِ نَسِيَ وَأَنْسَى، وَالْهَمْزَةُ وَالتَّشْدِيدُ لِتَعْدِيَةِ الْفِعْلِ إِلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي، وَهُوَ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: يُنْسِينَّكَ الذِّكْرَ أَوِ الْحَقَّ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (٦٩) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ شَيْءٍ) : مِنْ زَائِدَةٌ، وَمِنْ حِسَابِهِمْ حَالٌ، وَالتَّقْدِيرُ: شَيْءٌ مِنْ حِسَابِهِمْ. (وَلَكِنْ ذِكْرَى) : أَيْ: وَلَكِنْ نُذَكِّرُهُمْ ذِكْرَى، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ أَيْ هَذَا ذِكْرَى أَوْ عَلَيْهِمْ ذِكْرَى. قَالَ تَعَالَى: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) (٧٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تُبْسَلَ) : مَفْعُولٌ لَهُ؛ أَيْ: مَخَافَةَ أَنْ تُبْسَلَ. (لَيْسَ لَهَا) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لِنَفْسٍ، وَأَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ حَالٍ مِنَ الضَّمِيرِ فِي كَسَبَتْ، وَأَنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. (

стр. 508

مِنْ دُونِ اللَّهِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ: لَيْسَ لَهَا وَلِيٌ مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مِنْ دُونِ اللَّهِ» خَبَرُ لَيْسَ، وَلَهَا تَبْيِينٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا مِثَالَهُ. (كُلَّ عَدْلٍ) : انْتِصَابُ «كُلَّ» عَلَى الْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ مَا تُضَافُ إِلَيْهِ. (أُولَئِكَ الَّذِينَ) : جَمْعٌ عَلَى الْمَعْنَى، وَأُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ، وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الَّذِينَ أُبْسِلُوا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ (لَهُمْ شَرَابٌ) فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي أُبْسِلُوا. وَالثَّانِي: هُوَ مُسْتَأْنَفٌ. . وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ لَهُمْ شَرَابٌ، وَالَّذِينَ أُبْسِلُوا بَدَلٌ مِنْ أُولَئِكَ أَوْ نَعْتٌ، أَوْ يَكُونَ خَبَرًا أَيْضًا، وَلَهُمْ شَرَابٌ خَبَرًا ثَانِيًا. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (٧١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنَدْعُو) : الِاسْتِفْهَامُ بِمَعْنَى التَّوْبِيخِ. وَ (مَا) : بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. وَ (مِنْ دُونِ اللَّهِ) : مُتَعَلِّقٌ بِنَدْعُو، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي (يَنْفَعُنَا) ، وَلَا مَفْعُولًا لِيَنْفَعُنَا، لِتَقَدُّمِهِ عَلَى «مَا» وَالصِّلَةُ وَالصِّفَةُ لَا تَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَ الْمَوْصُولِ وَالْمَوْصُوفِ. (وَنُرَدُّ) : مَعْطُوفٌ عَلَى نَدْعُو، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةً فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ: وَنَحْنُ نُرَدُّ. وَ (عَلَى أَعْقَابِنَا) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي نُرَدُّ؛ أَيْ: نُرَدُّ مُنْقَلِبِينَ، أَوْ مُتَأَخِّرِينَ. (كَالَّذِي) : فِي الْكَافِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي نُرَدُّ، أَوْ بَدَلٌ مِنْ: «عَلَى أَعْقَابِنَا» ؛ أَيْ: مُشْبِهِينَ لِلَّذِي «اسْتَهْوَتْهُ» . وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: رَدًّا مِثْلَ رَدِّ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ.

стр. 509

يُقْرَأُ اسْتَهْوَتْهُ، وَاسْتَهْوَاهُ مِثْلُ تَوَفَّتْهُ، وَتَوَفَّاهُ. وَقَدْ ذُكِرَ. وَ «الَّذِي» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُنَا مُفْرَدًا؛ أَيْ: كَالرَّجُلِ الَّذِي، أَوْ كَالْفَرِيقِ الَّذِي. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جِنْسًا، وَالْمُرَادُ الَّذِينَ. (فِي الْأَرْضِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِاسْتَهْوَتْهُ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «حَيْرَانَ» ؛ أَيْ: حَيْرَانَ كَائِنًا فِي الْأَرْضِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي حَيْرَانَ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْهَاءِ فِي اسْتَهْوَتْهُ. وَ (حَيْرَانَ) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الظَّرْفِ، وَلَمْ يَنْصَرِفْ؛ لِأَنَّ مُؤَنَّثَهُ حَيْرَى. (لَهُ أَصْحَابٌ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، وَأَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي حَيْرَانَ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الظَّرْفِ، أَوْ بَدَلًا مِنَ الْحَالِ الَّتِي قَبْلَهَا. (ائْتِنَا) : أَيْ: يَقُولُونَ ائْتِنَا. (لِنُسْلِمَ) : أَيْ أُمِرْنَا بِذَلِكَ لِنُسْلِمَ، وَقِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى الْبَاءِ، وَقِيلَ: هِيَ زَائِدَةٌ؛ أَيْ: أَنْ نُسْلِمَ. قَالَ تَعَالَى: (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (٧٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) : أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ، وَهِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى لِنُسْلِمَ، وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: (إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقُلْ أَنْ أَقِيمُوا، وَقِيلَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى؛ أَيْ: قِيلَ: لَنَا أَسْلِمُوا وَأَنْ أَقِيمُوا. قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (٧٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَوْمَ يَقُولُ) : فِيهِ جُمْلَةُ أَوْجُهٍ:

стр. 510

أَحَدُهَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْهَاءِ فِي «اتَّقُوهُ» ؛ أَيْ: وَاتَّقُوا عَذَابَ يَوْمَ يَقُولُ. وَالثَّانِي: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى السَّمَاوَاتِ؛ أَيْ: خَلَقَ يَوْمَ يَقُولُ. وَالثَّالِثُ: هُوَ خَبَرُ «قَوْلُهُ الْحَقُّ» أَيْ: وَقَوْلُهُ الْحَقُّ يَوْمَ يَقُولُ، وَالْوَاوُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمُقَدَّمِ فِيهَا الْخَبَرُ، وَالْحَقُّ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ. وَالرَّابِعُ: هُوَ ظَرْفٌ لِمَعْنَى الْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ الْحَقُّ؛ أَيْ: يَحِقُّ قَوْلُهُ فِي يَوْمَ يَقُولُ كُنْ. وَالْخَامِسُ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى تَقْدِيرِ وَاذْكُرْ، وَأَمَّا فَاعِلُ «فَيَكُونُ» فَفِيهِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: هُوَ جَمِيعُ مَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَالثَّانِي: هُوَ ضَمِيرُ الْمَنْفُوخِ فِيهِ مِنَ الصُّوَرِ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» . وَالثَّالِثُ: هُوَ ضَمِيرُ الْيَوْمِ. وَالرَّابِعُ: هُوَ قَوْلُهُ الْحَقُّ؛ أَيْ: فَيُوجَدُ قَوْلُهُ الْحَقُّ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ بِمَعْنَى مَقُولِهِ؛ أَيْ: فَيُوجَدُ مَا قَالَ لَهُ كُنْ. فَخَرَجَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ «قَوْلُهُ» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا، وَ «الْحَقُّ» صِفَتُهُ، أَوْ مُبْتَدَأً، وَالْيَوْمُ خَبَرُهُ، وَ «الْحَقُّ» صِفَتُهُ وَأَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَ «الْحَقُّ» صِفَتُهُ، وَ «يَوْمَ يُنْفَخُ» خَبَرُهُ، أَوْ مُبْتَدَأً، وَ «الْحَقُّ» خَبَرُهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ يُنْفَخُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ «قَوْلُهُ» عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَأَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْمُلْكِ، أَوْ حَالًا مِنْهُ، وَالْعَامِلُ لَهُ، أَوْ ظَرْفًا لِتُحْشَرُونَ، أَوْ لِيَقُولُ، أَوْ لِقَوْلِهِ «الْحَقُّ» ، أَوْ لِقَوْلِهِ «عَالَمُ الْغَيْبِ» . (عَالِمُ الْغَيْبِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الرَّفْعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَأَنْ يَكُونَ فَاعِلَ «يَقُولُ كُنْ» ، وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلَّذِي.

стр. 511

وَقُرِئَ بِالْجَرِّ بَدَلًا مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَوْ مِنَ الْهَاءِ فِي لَهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (٧٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ) : إِذْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: وَاذْكُرُوا، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى أَقِيمُوا. وَ (آزَرَ) : يُقْرَأُ بِالْمَدِّ، وَوَزْنُهُ «أَفْعَلَ» ، وَلَمْ يَنْصَرِفْ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيفِ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَشْتَقَّهُ مِنَ الْأَزْرِ أَوِ الْوِزْرِ، وَمَنِ اشْتَقَّهُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَ: هُوَ عَرَبِيٌّ، وَلَمْ يَصْرِفْهُ لِلتَّعْرِيفِ وَوَزْنِ الْفِعْلِ، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ أَبِيهِ، وَبِالضَّمِّ عَلَى النِّدَاءِ. وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَتَنْوِينِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ، وَالْأَزْرُ الْخَلْقُ مِثْلَ الْأَسْرِ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ فَاءُ الْكَلِمَةِ، وَلَيْسَتْ بَدَلًا، وَمَعْنَاهَا النَّقْلُ. وَالثَّانِي: هِيَ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، قَالَ: وَأَصْلُهَا وَزَرَ؛ كَمَا قَالُوا وِعَاءٌ وَإِعَاءٌ، وَوِسَادَةٌ وَإِسَادَةٌ. وَالْهَمْزَةُ الْأُولَى عَلَى هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ لِلِاسْتِفْهَامِ بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ، وَلَا هَمْزَةَ فِي تَتَّخِذُ، وَفِي انْتِصَابِهِ عَلَى هَذَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ؛ أَيْ: لِتَحَيُّرِكَ، وَاعْوِجَاجِ دِينِكَ تَتَّخِذُ.

стр. 512

وَالثَّانِي: هُوَ صِفَةٌ لِأَصْنَامٍ قُدِّمَتْ عَلَيْهَا وَعَلَى الْعَامِلِ فِيهَا فَصَارَتْ حَالًا؛ أَيْ: أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا مَلْعُونَةً أَوْ مُعْوَجَّةً. وَ (أَصْنَامًا) : مَفْعُولٌ أَوَّلٌ. وَ (آلِهَةً) : ثَانٍ. وَجَازَ أَنْ يُجْعَلَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ نَكِرَةً لِحُصُولِ الْفَائِدَةِ مِنَ الْجُمْلَةِ، وَذَلِكَ يَسْهُلُ فِي الْمَفَاعِيلِ مَا لَا يَسْهُلُ مِنَ الْمُبْتَدَأِ. قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (٧٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ) : فِي مَوْضِعِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ نَصْبٌ عَلَى إِضْمَارِ وَأَرَيْنَاهُ، تَقْدِيرُهُ: وَكَمَا رَأَى أَبَاهُ وَقَوْمَهُ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ أَرَيْنَاهُ ذَلِكَ؛ أَيْ: مَا رَآهُ صَوَابًا بِإِطْلَاعِنَا إِيَّاهُ عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِـ «نَرَى» الَّتِي بَعْدَهُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: نُرِيهِ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رُؤْيَةً كَرُؤْيَتِهِ ضَلَالَ أَبِيهِ. وَقِيلَ: الْكَافُ بِمَعْنَى اللَّامِ؛ أَيْ: وَلِذَلِكَ نُرِيهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْكَافُ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ أَيْ: كَمَا رَآهُ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِيَكُونَ) : أَيْ: وَلِيَكُونَ «مِنَ الْمُوقِنِينَ» أَرَيْنَاهُ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لِيَسْتَدِلَّ وَلِيَكُونَ. قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) (٧٦) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَأَى كَوْكَبًا) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْهَمْزَةِ وَالتَّفْخِيمِ عَلَى الْأَصْلِ وَبِالْإِمَالَةِ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ؛ كَقَوْلِكَ رَأَيْتُ رُؤْيَةً، وَيُقْرَأُ بِجَعْلِ الْهَمْزَتَيْنِ بَيْنَ بَيْنَ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْإِمَالَةِ.

стр. 513

وَيُقْرَأُ بِجَعْلِ الرَّاءِ كَذَلِكَ، إِتْبَاعًا لِلْهَمْزَةِ، وَيُقْرَأُ بِكَسْرِهِمَا، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَسَرَ الْهَمْزَةَ لِلْإِمَالَةِ، ثُمَّ أَتْبَعُهَا الرَّاءَ. وَالثَّانِي: أَنَّ أَصْلَ الْهَمْزَةِ الْكَسْرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ: يَرَى؛ أَيْ: يَرْأَى، وَإِنَّمَا فُتِحَتْ مِنْ أَجْلِ حَرْفِ الْحَلْقِ كَمَا تَقُولُ: وَسِعَ يَسَعُ، ثُمَّ كُسِرَ الْحَرْفُ الْأَوَّلُ فِي الْمَاضِي إِتْبَاعًا لِكَسْرَةِ الْهَمْزَةِ، فَإِنْ لَقِيَ الْأَلِفَ سَاكِنٌ مِثْلُ: رَأَى الشَّمْسَ، فَقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِهِمَا عَلَى الْأَصْلِ، وَبِكَسْرِهِمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَبِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ سَقَطَتْ مِنَ اللَّفْظِ؛ لِأَجْلِ السَّاكِنِ بَعْدَهَا، وَالْمَحْذُوفُ هُنَا فِي تَقْدِيرِ الثَّابِتِ، وَكَانَ كَسْرُ الرَّاءِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ كَسْرُ الْهَمْزَةِ، وَأَنَّ فَتْحَهَا دَلِيلٌ عَلَى الْأَلِفِ الْمَحْذُوفَةِ. (هَذَا رَبِّي) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ تَقْدِيرُهُ: أَهَذَا رَبِّي؟ وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْخَبَرِ؛ أَيْ: هُوَ غَيْرُ اسْتِفْهَامٍ. قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) (٧٨) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَازِغَةً) : هُوَ حَالٌ مِنَ الشَّمْسِ، وَإِنَّمَا قَالَ لِلشَّمْسِ هَذَا عَلَى التَّذْكِيرِ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ هَذَا الْكَوْكَبَ، أَوِ الطَّالِعَ، أَوِ الشَّخْصَ، أَوِ الضَّوْءَ، أَوِ الشَّيْءَ، أَوْ لِأَنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. قَالَ تَعَالَى: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (٧٩) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ) : أَوْ لِعِبَادَتِهِ أَوْ لِرِضَاهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) (٨٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَتُحَاجُّونِّي) : يُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ عَلَى إِدْغَامِ نُونِ الرَّفْعِ فِي نُونِ

стр. 514

الْوِقَايَةِ، وَالْأَصْلُ تُحَاجُّونَنِي. وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى النُّونَيْنِ، وَفِي الْمَحْذُوفَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ نُونُ الْوِقَايَةِ؛ لِأَنَّهَا الزَّائِدَةُ الَّتِي حَصَلَ بِهَا الِاسْتِثْقَالُ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي الشِّعْرِ. وَالثَّانِي: الْمَحْذُوفَةُ نُونُ الرَّفْعِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَعَتْ إِلَى نُونٍ مَكْسُورَةٍ مِنْ أَجْلِ الْيَاءِ، وَنُونُ الرَّفْعِ لَا تُكْسَرُ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي الشِّعْرِ كَثِيرًا؛ قَالَ الشَّاعِرُ: كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ فِي بُغْضِ صَاحِبِهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكُمْ وَتَقْلُونَا. أَيْ: تَقْلُونَنَا، وَالنُّونُ الثَّانِيَةُ هُنَا لَيْسَتْ وِقَايَةً؛ بَلْ هِيَ مِنَ الضَّمِيرِ، وَحَذْفُ بَعْضِ الضَّمِيرِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ عَلَامَةَ الرَّفْعِ لَا تُحْذَفُ إِلَّا بِعَامِلٍ. (مَا تُشْرِكُونَ بِهِ) : «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي؛ أَيْ: وَلَا أَخَافُ الصَّنَمَ الَّذِي تُشْرِكُونَهُ بِهِ؛ أَيْ: بِاللَّهِ، فَالْهَاءُ فِي بِهِ ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ عَائِدَةً عَلَى مَا؛ أَيْ: وَلَا أَخَافُ الَّذِي تُشْرِكُونَ بِسَبَبِهِ، وَلَا تَعُودُ عَلَى اللَّهِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وَأَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ تَقْدِيرُهُ: إِلَّا فِي حَالِ مَشِيئَةِ رَبِّي؛ أَيْ: لَا أَخَافُهَا فِي كُلِّ حَالٍ إِلَّا فِي هَذِهِ الْحَالِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْأَوَّلِ؛ أَيْ: لَكِنْ أَخَافُ أَنْ يَشَاءَ بِي خَوْفِي مَا أَشْرَكْتُمْ. وَ (شَيْئًا) : نَائِبٌ عَنِ الْمَصْدَرِ؛ أَيْ: مَشِيئَةً؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ؛ أَيْ: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ بِي أَمْرًا غَيْرَ مَا قُلْتُ. وَ (عِلْمًا) : تَمْيِيزٌ وَ (كُلَّ شَيْءٍ) : مَفْعُولُ وَسِعَ؛ أَيْ: عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ.

стр. 515

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «عِلْمًا» عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: مَصْدَرًا لِمَعْنَى وَسِعَ؛ لِأَنَّ مَا يَسَعُ الشَّيْءَ فَقَدْ أَحَاطَ بِهِ، وَالْعَالِمُ بِالشَّيْءِ مُحِيطٌ بِعِلْمِهِ. قَالَ تَعَالَى: (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٨١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَيْفَ أَخَافُ) : كَيْفَ حَالٌ، وَالْعَامِلُ فِيهَا أَخَافُ، وَقَدْ ذُكِرَ. وَ (مَا أَشْرَكْتُمْ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ وَأَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. (مَا لَمْ) : «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي؛، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأَشْرَكْتُمْ. وَ (عَلَيْكُمْ) : مُتَعَلِّقٌ بِـ «يُنَزِّلْ» . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ سُلْطَانٍ؛ أَيْ: مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ حُجَّةً عَلَيْكُمْ، وَالسُّلْطَانُ مِثْلُ الرِّضْوَانِ وَالْكُفْرَانِ. وَقَدْ قُرِئَ بِضَمِّ اللَّامِ، وَهِيَ لُغَةٌ أُتْبِعَ فِيهَا الضَّمُّ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (٨٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ آمَنُوا) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: هُمُ الَّذِينَ. وَالثَّانِي: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ (أُولَئِكَ) : بَدَلٌ مِنْهُ، أَوْ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ. (لَهُمُ الْأَمْنُ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ لِمَا قَبْلَهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْنُ مَرْفُوعًا بِالْجَارِّ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَمِدٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (٨٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتِلْكَ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ. وَفِي (حُجَّتُنَا) : وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ بَدَلٌ مِنْ تِلْكَ.

стр. 516

وَفِي (آتَيْنَاهَا) : وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ خَبَرٌ عَنِ الْمُبْتَدَأِ. وَ (عَلَى قَوْمِهِ) : مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ أَيْ: آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ حُجَّةً عَلَى قَوْمِهِ، أَوْ دَلِيلًا. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ حُجَّتُنَا خَبَرَ تِلْكَ، وَآتَيْنَاهَا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْحُجَّةِ، وَالْعَامِلُ مَعْنَى الْإِشَارَةِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَى بِحُجَّتِنَا؛ لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ، وَآتَيْنَاهَا خَبَرٌ، أَوْ حَالٌ، وَكِلَاهُمَا لَا يُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ الْمَوْصُولِ وَالصِّلَةِ. (نَرْفَعُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ «آتَيْنَاهَا» ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَيُقْرَأُ بِالنُّونِ وَالْيَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي نَشَاءُ، وَالْمَعْنَى ظَاهِرٌ. (دَرَجَاتٍ) : يُقْرَأُ بِالْإِضَافَةِ، وَهُوَ مَفْعُولُ نَرْفَعُ، وَرَفْعُ دَرَجَةِ الْإِنْسَانِ رَفْعٌ لَهُ. وَيُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ. وَ (مَنْ) : عَلَى هَذَا مَفْعُولُ نَرْفَعُ، وَ «دَرَجَاتٍ» ظَرْفٌ، أَوْ حَرْفُ الْجَرِّ مَحْذُوفٌ مِنْهَا؛ أَيْ: إِلَى دَرَجَاتٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ) (٨٦) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلًّا هَدَيْنَا) : كُلًّا مَنْصُوبٌ بِهَدَيْنَا، وَالتَّقْدِيرُ: كُلًّا مِنْهُمَا. (وَنُوحًا هَدَيْنَا) : أَيْ وَهَدَيْنَا نُوحًا، وَالْهَاءُ فِي (ذُرِّيَّتِهِ) تَعُودُ عَلَى نُوحٍ، وَالْمَذْكُورُونَ بَعْدَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ذُرِّيَّةُ نُوحٍ، وَالتَّقْدِيرُ: وَهَدَيْنَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ هَؤُلَاءِ. وَقِيلَ: تَعُودُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَتِهِمْ لُوطًا، وَلَيْسَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ. (وَكَذَلِكَ نَجْزِي) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: وَنَجْزِي الْمُحْسِنِينَ جَزَاءً مِثْلَ ذَلِكَ.

стр. 517

وَأَمَّا (عِيسَى) : فَقِيلَ: هُوَ أَعْجَمِيٌّ لَا يُعْرَفُ لَهُ اشْتِقَاقٌ، وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الَعَيَسِ وَهُوَ الْبَيَاضُ، وَقِيلَ: مِنَ الْعَيْسِ، وَهُوَ مَاءُ الْفَحْلِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ عَاسَ يَعُوسُ إِذَا أَصْلَحَ؛ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْيَاءُ مُنْقَلِبَةً عَنْ وَاوٍ. وَأَمَّا «الْيَسَعُ» فَيُقْرَأُ بِلَامٍ سَاكِنَةٍ خَفِيفَةٍ، وَيَاءٍ مَفْتُوحَةٍ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ عَلَمٌ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ زَائِدَةٌ، كَمَا زِيدَتْ فِي النَّسْرِ، وَهُوَ الصَّنَمُ؛ لِأَنَّهُ صَنَمٌ بِعَيْنِهِ، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي عُمَرَ وَالْعُمَرِ، وَكَذَلِكَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى. وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَرَبِيٌّ، وَهُوَ فِعْلٌ مُضَارِعٌ سُمِّي بِهِ، وَلَا ضَمِيرَ فِيهِ، فَأُعْرِبَ ثُمَّ نُكِّرَ، ثُمَّ عُرِفَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ؛ وَقِيلَ: اللَّامُ عَلَى هَذَا زَائِدَةٌ أَيْضًا. وَيَسَعُ: أَصْلُهُ يُوسِعُ بِكَسْرِ السِّينِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْوَاوُ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ، ثُمَّ فُتِحَتِ السِّينُ مِنْ أَجْلِ حَرْفِ الْحَلْقِ، وَلَمْ تَرِدِ الْوَاوُ؛ لِأَنَّ الْفَتْحَةَ عَارِضَةٌ. وَمِثْلُهُ يَطَأُ، وَيَقَعُ، وَيَدَعُ. (وَكُلًّا) : مَنْصُوبٌ بِفَضَّلْنَا. قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٨٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنْ آبَائِهِمْ) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «وَكُلًّا» ؛ أَيْ: وَفَضَّلْنَا كُلًّا مِنْ آبَائِهِمْ، أَوْ وَهَدَيْنَا كُلًّا مِنْ آبَائِهِمْ.

стр. 518

قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ) (٨٩) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ (هُدَى اللَّهِ) : خَبَرُهُ. وَ (يَهْدِي بِهِ) : حَالٌ مِنَ الْهُدَى، وَالْعَامِلُ فِيهِ الْإِشَارَةُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُدَى اللَّهِ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، وَ «يَهْدِي بِهِ» الْخَبَرُ. وَ (مِنْ عِبَادِهِ) : حَالٌ مِنْ «مَنْ» أَوْ مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ. وَالْبَاءُ فِي «بِهَا» الْأَخِيرَةِ تَتَعَلَّقُ بِـ «كَافِرِينَ» وَالْبَاءُ فِي بِكَافِرِينَ زَائِدَةٌ؛ أَيْ: لَيْسُوا كَافِرِينَ بِهَا. قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) (٩٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (اقْتَدِهِ) : يُقْرَأُ بِسُكُونِ الْهَاءِ وَإِثْبَاتِهَا فِي الْوَقْفِ دُونَ الْوَصْلِ، وَهِيَ عَلَى هَذَا هَاءُ السَّكْتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُهَا فِي الْوَصْلِ أَيْضًا، لِشَبَهِهَا بِهَاءِ الْإِضْمَارِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرُهَا، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ هَاءُ السَّكْتِ أَيْضًا شُبِّهَتْ بِهَاءِ الضَّمِيرِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَالثَّانِي: هِيَ هَاءُ الضَّمِيرِ وَالْمُضْمَرُ الْمَصْدَرُ؛ أَيِ: اقْتَدِ الِاقْتِدَاءَ وَمِثْلُهُ: هَذَا سُرَاقَةُ لِلْقُرْآنِ يَدْرُسُهُ وَالْمَرْءُ عِنْدَ الرُّشَا إِنْ يَلْقَهَا ذِيبُ. فَالْهَاءُ ضَمِيرُ الدَّرْسِ لَا مَفْعُولٌ؛ لِأَنَّ يَدْرُسُ قَدْ تَعَدَّى إِلَى الْقُرْآنِ.

стр. 519

وَقِيلَ: مَنْ سَكَّنَ الْهَاءَ جَعَلَهَا هَاءَ الضَّمِيرِ، وَأَجْرَى الْوَصْلَ مَجْرَى الْوَقْفِ، وَالْهَاءُ فِي (عَلَيْهِ) ضَمِيرُ الْقُرْآنِ وَالتَّبْلِيغِ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) (٩١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَقَّ قَدْرِهِ) : حَقَّ مَنْصُوبٌ نَصْبَ الْمَصْدَرِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ وَصْفٌ؛ أَيْ: قَدْرِهِ الْحَقِّ، وَوَصْفُ الْمَصْدَرِ إِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ يَنْتَصِبُ نَصْبَ الْمَصْدَرِ. وَيُقْرَأُ (قَدْرِهِ) : بِسُكُونِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا. وَ (إِذْ) : ظَرْفٌ لَقَدَرُوا. وَ (مِنْ شَيْءٍ) : مَفْعُولُ أَنْزَلَ، وَمِنْ زَائِدَةٌ. (نُورًا) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ فِي «بِهِ» أَوْ مِنَ الْكِتَابِ، وَبِهِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، وَأَنْ تَكُونَ حَالًا. وَ (تَجْعَلُونَهُ) : مُسْتَأْنَفٌ لَا مَوْضِعَ لَهُ. وَ (قَرَاطِيسَ) : أَيْ: فِي قَرَاطِيسَ، وَقِيلَ: ذَا قَرَاطِيسَ. وَقِيلَ: لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيرٌ مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى أَنْزَلُوهُ مَنْزِلَةَ الْقَرَاطِيسِ الَّتِي لَا شَيْءَ فِيهَا فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ. وَ (تُبْدُونَهَا) : وَصْفٌ لِلْقَرَاطِيسِ. «وَتُخْفُونَ» كَذَلِكَ، وَالتَّقْدِيرُ: وَتُخْفُونَ كَثِيرًا مِنْهَا. وَيُقْرَأُ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ حَمْلًا عَلَى مَا قَبْلَهَا فِي أَوَّلِ الْآيَةِ، وَبِالتَّاءِ عَلَى

стр. 520

الْخِطَابِ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ: «وَعُلِّمْتُمْ» ؛ أَيْ: وَقَدْ عُلِّمْتُمْ. وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي تَجْعَلُونَهُ عَلَى قِرَاءَةِ التَّاءِ. وَعَلَى قِرَاءَةِ الْيَاءِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَعُلِّمْتُمْ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ رَجَعَ مَعَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ. وَ (قُلِ اللَّهُ) : جَوَابُ «قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ» وَارْتِفَاعُهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: أَنْزَلَهُ اللَّهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هُوَ اللَّهُ، أَوِ الْمُنْزِلُ اللَّهُ، أَوِ اللَّهُ أَنْزَلَهُ. (فِي خَوْضِهِمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِذَرْهُمْ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ؛ أَيْ: ذَرْهُمْ خَائِضِينَ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ «يَلْعَبُونَ» . (وَيَلْعَبُونَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَصَاحِبُ الْحَالِ ضَمِيرُ الْمَفْعُولِ فِي ذَرْهُمْ، إِذَا لَمْ يُجْعَلْ فِي خَوْضِهِمْ حَالًا مِنْهُ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ حَالًا مِنْهُ كَانَ الْحَالُ الثَّانِيَةُ مِنْ ضَمِيرِ الِاسْتِقْرَارِ فِي الْحَالِ الْأُولَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ فِي خَوْضِهِمْ، وَيَكُونُ الْعَامِلُ الْمَصْدَرَ، وَالْمَجْرُورُ فَاعِلٌ فِي الْمَعْنَى. قَالَ تَعَالَى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) (٩٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْزَلْنَاهُ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لِكِتَابٍ. وَ (مُبَارَكٌ) : صِفَةٌ أُخْرَى، وَقَدْ قُدِّمَ الْوَصْفُ بِالْجُمْلَةِ عَلَى الْوَصْفِ بِالْمُفْرَدِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ، أَوْ عَلَى الْحَالِ مِنَ النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ. وَ (مُصَدِّقُ الَّذِي) : التَّنْوِينُ فِي تَقْدِيرِ الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ غَيْرُ مَحْضَةٍ. (وَلِتُنْذِرَ) : بِالتَّاءِ عَلَى خِطَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَبِالْيَاءِ عَلَى أَنَّ الْفَاعِلَ

стр. 521

الْكِتَابُ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: لِيُؤْمِنُوا وَلِتُنْذِرَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ لِتُنْذِرَ «أُمَّ الْقُرَى» أَنْزَلْنَاهُ. (وَمَنْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى «أُمَّ» وَالتَّقْدِيرُ: وَلِتُنْذِرَ أَهْلَ أَمِّ. (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ: «يُؤْمِنُونَ بِهِ» الْخَبَرُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى أُمِّ الْقُرَى، فَيَكُونُ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَالًا. وَ (عَلَى) : مُتَعَلِّقَةٌ بِـ «يُحَافِظُونَ» . قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (٩٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «كَذِبًا» مَفْعُولَ افْتَرَى، وَأَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلَى الْمَعْنَى؛ أَيِ: افْتِرَاءً، وَأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. (أَوْ قَالَ) : عَطْفٌ عَلَى افْتَرَى، وَ (إِلَيَّ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْفَاعِلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَوْحَى الْوَحْيَ أَوِ الْإِيحَاءَ. (وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي قَالَ، أَوِ الْيَاءِ فِي إِلَيَّ. (وَمَنْ قَالَ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى مَنِ افْتَرَى؛ أَيْ: وَمِمَّنْ قَالَ. وَ (مِثْلَ مَا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ سَأُنْزِلُ، وَمَا بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَتَكُونُ مَا مَصْدَرِيَّةً. وَ (إِذْ) : ظَرْفٌ لِتَرَى، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: وَلَوْ تَرَى الْكُفَّارَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.

стр. 522

وَ (الظَّالِمُونَ) : مُبْتَدَأٌ، وَالظَّرْفُ بَعْدَهُ خَبَرٌ عَنْهُ، وَالْمَلَائِكَةُ مُبْتَدَأٌ، وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرُ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْخَبَرِ قَبْلَهُ. وَ (بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ) : فِي تَقْدِيرِ التَّنْوِينِ؛ أَيْ: بَاسِطُونَ أَيْدِيهِمْ. (أَخْرِجُوا) : أَيْ: يَقُولُونَ: أَخْرِجُوا، وَالْمَحْذُوفُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «بَاسِطُو» . وَ (الْيَوْمَ) : ظَرْفٌ لَأَخْرِجُوا، فَيَتِمُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ «تُجْزَوْنَ» فَيَتِمُّ الْوَقْفُ عَلَى «أَنْفُسِكُمْ» . (غَيْرَ الْحَقِّ) : مَفْعُولُ تَقُولُونَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: قَوْلًا غَيْرَ الْحَقِّ. (وَكُنْتُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى «كُنْتُمْ» الْأُولَى؛ أَيْ: وَبِمَا كُنْتُمْ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) (٩٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فُرَادَى) : هُوَ جَمْعُ فَرْدٍ، وَالْأَلِفُ لِلتَّأْنِيثِ، مِثْلُ كُسَالَى. وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ بِالتَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ صَحِيحٌ. وَيُقَالُ فِي الرَّفْعِ فُرَادٌ مِثْلُ تُوَامٍ وَرُخَالٍ، وَهُوَ جَمْعٌ قَلِيلٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَصْرِفُهُ، يَجْعَلُهُ مَعْدُولًا مِثْلَ ثُلَاثَ وَرُبَاعَ، وَهُوَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ.

стр. 523

(كَمَا خَلَقْنَاكُمْ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ فُرَادَى، وَقِيلَ: هِيَ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: مَجِيئًا كَمَجِيئِكُمْ يَوْمَ خَلَقْنَاكُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي فُرَادَى؛ أَيْ: مُشْبِهِينَ ابْتِدَاءَ خَلْقِكُمْ. وَ (أَوَّلَ) : ظَرْفٌ لَخَلَقْنَاكُمْ. وَ «الْمَرَّةُ» فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ مَرَّ يَمُرُّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ ظَرْفًا اتِّسَاعًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ شَبَهِ الزَّمَانِ بِالْفِعْلِ. (وَتَرَكْتُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا؛ أَيْ: وَقَدْ تَرَكْتُمْ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. (وَمَا نَرَى) : لَفَظُهُ لَفَظُ الْمُسْتَقْبَلِ، وَهِيَ حِكَايَةُ حَالٍ. وَ (مَعَكُمْ) : مَعْمُولُ نَرَى، وَهِيَ مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الشُّفَعَاءِ، إِذِ الْمَعْنَى يَصِيرُ أَنَّ شُفَعَاءَهُمْ مَعَهُمْ، وَلَا نَرَاهُمْ. وَإِنْ جَعَلْتَهَا بِمَعْنَى نَعْلَمُ الْمُتَعَدِّيَةِ إِلَى اثْنَيْنِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ مَعَكُمْ مَفْعُولًا ثَانِيًا، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الْمَعْنَى. (بَيْنَكُمْ) : يُقْرَأُ بِالنَّصْبِ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ ظَرْفٌ لِـ «تَقَطَّعَ» ، وَالْفَاعِلُ مُضْمَرٌ؛ أَيْ: تَقَطَّعَ الْوَصْلُ بَيْنَكُمْ، وَدَلَّ عَلَيْهِ «شُرَكَاءُ» . وَالثَّانِي: هُوَ وَصْفٌ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: لَقَدْ تَقَطَّعَ شَيْءٌ بَيْنَكُمْ، أَوْ وَصْلٌ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا الْمَنْصُوبَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَهُوَ مُعَرَّبٌ، وَجَازَ ذَلِكَ حَمْلًا عَلَى أَكْثَرِ أَحْوَالِ الظَّرْفِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَخْفَشِ، وَمِثْلُهُ: (مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ) [الْجِنِّ: ١١] . وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ. وَالْبَيْنُ هُنَا الْوَصْلُ، وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (٩٦) .

стр. 524

قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَالِقُ الْحَبِّ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْرِفَةً، لِأَنَّهُ مَاضٍ، وَأَنْ يَكُونَ نَكِرَةً عَلَى أَنَّهُ حِكَايَةُ حَالٍ. وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ «فَلَقَ» . وَ «الْإِصْبَاحِ» مَصْدَرُ أَصْبَحَ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ صُبْحٍ كَقُفْلٍ وَأَقْفَالٍ. (وَجَاعِلُ اللَّيْلَ) : مِثْلُ فَالِقِ الْإِصْبَاحِ فِي الْوَجْهَيْنِ. وَ (سَكَنًا) : مَفْعُولُ جَاعِلُ إِذَا لَمْ تُعَرِّفْهُ، وَإِنْ عَرَّفْتَهُ كَانَ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: جَعَلَهُ سَكَنًا، وَالسَّكَنُ مَا سَكَنْتَ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلٍ وَنَحْوِهِمْ، فَجَعَلَ اللَّيْلَ بِمَنْزِلَةِ الْأَهْلِ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مَسْكُونًا فِيهِ، أَوْ ذَا سَكَنٍ. وَ (الشَّمْسَ) : مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ بِجَاعِلُ إِذَا لَمْ تُعَرِّفْهُ. وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْإِصْبَاحِ، أَوْ عَلَى اللَّيْلِ. وَ (حُسْبَانًا) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ جَمْعُ حُسْبَانَةٍ. وَالثَّانِي: هُوَ مَصْدَرٌ مِثْلُ الْحَسْبِ، وَالْحِسَابِ، وَانْتِصَابُهُ كَانْتِصَابِ سَكَنًا. قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) (٩٨) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمُسْتَقَرٌّ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْقَافِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَصْدَرٌ وَرَفْعُهُ بِالِابْتِدَاءِ؛ أَيْ: فَلَكُمُ اسْتِقْرَارٌ.

стр. 525

وَالثَّانِي: أَنَّهُ اسْمُ مَفْعُولٍ، وَيُرَادُ بِهِ الْمَكَانُ؛ أَيْ: فَلَكُمْ مَكَانٌ تَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، إِمَّا فِي الْبُطُونِ، وَإِمَّا فِي الْقُبُورِ، وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْقَافِ، فَيَكُونُ مَكَانًا يَسْتَقِرُّ لَكُمْ. وَقِيلَ تَقْدِيرُهُ: فَمِنْكُمْ مُسْتَقِرٌّ. وَأَمَّا (مُسْتَوْدَعٌ) : فَبِفَتْحِ الدَّالِ لَا غَيْرَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَكَانًا يُودَعُونَ فِيهِ، وَهُوَ إِمَّا الصُّلْبُ أَوِ الْقَبْرُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنَى الِاسْتِيدَاعِ. قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (٩٩) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا) : أَيْ: بِسَبَبِهِ، وَالْخَضِرُ بِمَعْنَى الْأَخْضَرِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي مِنْهُ رَاجِعَةً عَلَى النَّبَاتِ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ. وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ فَأَخْرَجْنَا بَدَلًا مِنْ أَخْرَجْنَا الْأُولَى. (نُخْرِجُ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ لَخَضِرًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. وَالْهَاءُ فِي (مِنْهَ) : تَعُودُ عَلَى الْخَضِرِ. وَ (قِنْوَانٌ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَضَمِّهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا، وَالْوَاحِدُ قِنْوٌ، مِثْلُ: صِنْوٍ وَصِنْوَانٍ، وَفِي رَفْعِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَفِي خَبَرِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا هُوَ: وَمِنَ النَّخْلِ، وَمِنْ طَلْعِهَا بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْخَافِضِ.

стр. 526

وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَبَرَ «مِنْ طَلْعِهَا» وَفِي مَنِ النَّخْلِ ضَمِيرٌ تَقْدِيرُهُ: وَنَبَتَ مِنَ النَّخْلِ شَيْءٌ أَوْ ثَمَرٌ، فَيَكُونُ مِنْ طَلْعِهَا بَدَلًا مِنْهُ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَرْتَفِعَ قِنْوَانٌ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ مِنْ طَلْعِهَا، فَيَكُونُ فِي مِنَ النَّخْلِ ضَمِيرٌ تَفْسِيرُهُ قِنْوَانٌ، وَإِنْ رَفَعْتَ قِنْوَانٌ بِقَوْلِهِ: «وَمِنَ النَّخْلِ» عَلَى قَوْلِ مَنْ أَعْمَلَ أَوَّلَ الْفِعْلَيْنِ جَازَ، وَكَانَ فِي مِنْ طَلْعِهَا ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ: قَنْوَانٌ بِفَتْحِ الْقَافِ؛ وَلَيْسَ بِجَمْعِ قِنْوٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَانًا لَا يَكُونُ جَمْعًا، وَإِنَّمَا هُوَ اسْمٌ لِلْجَمْعِ كَالْبَاقِرِ. (وَجَنَّاتٍ) : بِالنَّصْبِ: عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: «نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ» ؛ أَيْ: وَأَخْرَجْنَا بِهِ جَنَّاتٍ، وَمِثْلُهُ: «وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ» . وَيُقْرَأُ بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: مِنَ الْكَرْمِ جَنَّاتٌ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قِنْوَانٍ؛ لِأَنَّ الْعِنَبَ لَا يَخْرُجُ مِنَ النَّخْلِ، وَ «مِنْ أَعْنَابٍ» صِفَةٌ لِجَنَّاتٍ. وَ: (مُشْتَبِهًا) : حَالٌ مِنَ الرُّمَّانِ، أَوْ مِنْ جَمِيعٍ. وَ (إِذَا) : ظَرْفٌ لِانْظُرُوا. وَ (ثَمَرِهِ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الثَّاءِ وَالْمِيمِ، جَمْعُ ثَمَرَةٍ، مِثْلُ تَمْرَةٍ وَتَمْرٍ، وَهُوَ جِنْسٌ فِي التَّحْقِيقِ لَا جَمْعٌ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ، وَهُوَ جَمْعُ ثَمَرَةٍ مِثْلُ خَشَبَةٍ وَخُشُبٍ، وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ ثِمَارٍ مِثْلُ كِتَابٍ وَكُتُبٍ، فَهُوَ جَمْعُ جَمْعٍ، فَأَمَّا الثِّمَارُ فَوَاحِدُهَا ثَمَرَةٌ مِثْلُ خَيْمَةٍ وَخِيَامٍ. وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ ثَمَرٍ.

стр. 527

وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الثَّاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، وَهُوَ مُخَفَّفٌ مِنَ الْمَضْمُومِ. (وَيَنْعِهِ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَكِلَاهُمَا مَصْدَرُ يَنَعَتِ الثَّمَرَةُ. وَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وَالْفِعْلُ أَيْنَعَتْ إِينَاعًا، وَيُقْرَأُ فِي الشَّاذِّ: «يَانِعِهِ» عَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ) (١٠٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَعَلُوا) : هِيَ بِمَعْنَى صَبَرُوا، وَمَفْعُولُهَا الْأَوَّلُ: «الْجِنَّ» ، وَالثَّانِي: «شُرَكَاءَ» . وَلِلَّهِ يَتَعَلَّقُ بِشُرَكَاءَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِشُرَكَاءَ قُدِّمَ عَلَيْهِ فَصَارَ حَالًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ شُرَكَاءَ وَالْجِنُّ بَدَلًا مِنْهُ، وَلِلَّهِ الْمَفْعُولُ الثَّانِي. (وَخَلَقَهُمْ) : أَيْ: وَقَدْ خَلَقَهُمْ، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ حَالًا. وَقِيلَ: هُوَ مُسْتَأْنَفٌ. وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ وَ «خَلْقَهُمْ» بِإِسْكَانِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَجَعَلُوا إِلَهَ خَلْقِهِمْ شُرَكَاءَ. (وَخَرَقُوا) : بِالتَّخْفِيفِ، وَالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ. (بِغَيْرِ عِلْمٍ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ فِي خَرَقُوا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: خَرْقًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. قَالَ تَعَالَى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (١٠١) .

стр. 528

قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ) : فِي رَفْعِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ فَاعِلُ «تَعَالَى» . وَالثَّانِي: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: هُوَ بَدِيعُ. وَالثَّالِثُ: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ «أَنَّى يَكُونُ لَهُ» وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ. وَ (أَنَّى) : بِمَعْنَى كَيْفَ، أَوْ مِنْ أَيْنَ، وَمَوْضِعُهُ حَالٌ، وَصَاحِبُ الْحَالِ «وَلَدٌ» ؛ وَالْعَامِلُ يَكُونُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تَامَّةً، وَأَنْ تَكُونَ نَاقِصَةً. : (وَلَمْ تَكُنْ) : يُقْرَأُ بِالتَّاءِ عَلَى تَأْنِيثِ الصَّاحِبَةِ. وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لِلصَّاحِبَةِ، وَلَكِنْ جَازَ التَّذْكِيرُ لَمَّا فُصِلَ بَيْنَهُمَا. وَالثَّانِي: أَنَّ اسْمَ كَانَ ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْهُ؛ أَيْ: وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ لَهُ صَاحِبَتُهُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ اسْمَ كَانَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَالْجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لَهُ. قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (١٠٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكُمْ) : مُبْتَدَأٌ، وَفِي الْخَبَرِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: هُوَ: «اللَّهُ» وَ (رَبُّكُمُ) : خَبَرٌ ثَانٍ. وَ «لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» ثَالِثٌ، وَ «خَالِقُ كُلِّ» رَابِعٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَبَرَ «اللَّهُ» وَمَا بَعْدَهُ إِبْدَالٌ مِنْهُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ «اللَّهُ» بَدَلٌ مِنْ ذَلِكُمْ، وَالْخَبَرُ مَا بَعْدَهُ. قَالَ تَعَالَى: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) (١٠٤) .

стр. 529

قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ) : لَمْ يَلْحَقِ الْفِعْلَ تَاءُ التَّأْنِيثِ؛ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْمَفْعُولِ، وَلِأَنَّ تَأْنِيثَ الْفَاعِلِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وَ (مِنْ) : مُتَعَلِّقَةٌ بِجَاءَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْبَصَائِرِ، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. (فَمَنْ أَبْصَرَ) : مَنْ مُبْتَدَأٌ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ شَرْطًا، فَيَكُونُ الْخَبَرُ أَبْصَرَ، وَجَوَابُ مَنْ «فَعَلَيْهَا» . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَمَا بَعْدَ الْفَاءِ الْخَبَرُ، وَالْمُبْتَدَأُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإِبْصَارُهُ لِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا» . قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (١٠٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: «نُصَرِّفُ الْآيَاتِ» تَصْرِيفًا مِثْلَ مَا تَلَوْنَاهَا عَلَيْكَ. (وَلِيَقُولُوا) : أَيْ: وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ صَرَّفْنَا؛ وَاللَّامُ لَامُ الْعَاقِبَةِ؛ أَيْ: إِنَّ أَمْرَهُمْ يَصِيرُ إِلَى هَذَا. وَقِيلَ: إِنَّهُ قَصَدَ بِالتَّصْرِيفِ أَنْ يَقُولُوا «دَرَسْتَ» عُقُوبَةً لَهُمْ. (دَارَسْتَ) : يُقْرَأُ بِالْأَلِفِ وَفَتْحِ التَّاءِ؛ أَيْ: دَارَسْتَ أَهْلَ الْكِتَابِ. وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ؛ أَيْ: دَرَسْتَ الْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ. وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِالتَّشْدِيدِ، وَالْمَعْنَى كَالْمَعْنَى الْأَوَّلِ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الدَّالِ مُشَدَّدًا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ.

стр. 530

وَيُقْرَأُ: «دُورِسْتَ» بِالتَّخْفِيفِ وَالْوَاوِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَالْوَاوُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الْأَلِفِ فِي دَارَسْتَ، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الدَّالِ وَالرَّاءِ وَالسِّينِ وَسُكُونِ التَّاءِ؛ أَيِ: انْقَطَعَتِ الْآيَاتُ وَانْمَحَتْ. وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَيُقْرَأُ دَرَسَ مِنْ غَيْرِ تَاءٍ، وَالْفَاعِلُ النَّبِيُّ، وَقِيلَ: الْكِتَابُ لِقَوْلِهِ: «وَلِنُبَيِّنَهُ» . قَالَ تَعَالَى: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (١٠٦) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ رَبِّكَ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِأُوحِيَ، وَأَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَفْعُولِ الْمَرْفُوعِ فِي أُوحِيَ، وَأَنْ تَكُونَ حَالًا مِنْ «مَا» . (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ رَبِّكَ؛ أَيْ: مِنْ رَبِّكَ مُنْفَرِدًا، وَهِيَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) (١٠٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ) : الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ إِيمَانَهُمْ. وَ (جَعَلْنَاكَ) : مُتَعَدِّيَةٌ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَ (حَفِيظًا) : الثَّانِي. وَ (عَلَيْهِمْ) : يَتَعَلَّقُ بِحَفِيظًا، وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: وَمَا صَيَّرْنَاكَ تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ، وَهَذَا يُؤَكِّدُ قَوْلَ سِيبَوَيْهِ فِي إِعْمَالِ فَعِيلٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (١٠٨) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ دُونِ اللَّهِ) : حَالٌ مِنَ «الَّذِينَ» أَوْ مِنَ الْعَائِدِ عَلَيْهَا.
следующие страницы →