Полный текст (1 313 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَبَرَ «مِنْ طَلْعِهَا» وَفِي مَنِ النَّخْلِ ضَمِيرٌ تَقْدِيرُهُ: وَنَبَتَ مِنَ النَّخْلِ شَيْءٌ أَوْ ثَمَرٌ، فَيَكُونُ مِنْ طَلْعِهَا بَدَلًا مِنْهُ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَرْتَفِعَ قِنْوَانٌ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ مِنْ طَلْعِهَا، فَيَكُونُ فِي مِنَ النَّخْلِ ضَمِيرٌ تَفْسِيرُهُ قِنْوَانٌ، وَإِنْ رَفَعْتَ قِنْوَانٌ بِقَوْلِهِ: «وَمِنَ النَّخْلِ» عَلَى قَوْلِ مَنْ أَعْمَلَ أَوَّلَ الْفِعْلَيْنِ جَازَ، وَكَانَ فِي مِنْ طَلْعِهَا ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ: قَنْوَانٌ بِفَتْحِ الْقَافِ؛ وَلَيْسَ بِجَمْعِ قِنْوٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَانًا لَا يَكُونُ جَمْعًا، وَإِنَّمَا هُوَ اسْمٌ لِلْجَمْعِ كَالْبَاقِرِ.
(وَجَنَّاتٍ) : بِالنَّصْبِ: عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: «نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ» ؛ أَيْ: وَأَخْرَجْنَا بِهِ جَنَّاتٍ، وَمِثْلُهُ: «وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ» .
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: مِنَ الْكَرْمِ جَنَّاتٌ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قِنْوَانٍ؛ لِأَنَّ الْعِنَبَ لَا يَخْرُجُ مِنَ النَّخْلِ، وَ «مِنْ أَعْنَابٍ» صِفَةٌ لِجَنَّاتٍ. وَ: (مُشْتَبِهًا) : حَالٌ مِنَ الرُّمَّانِ، أَوْ مِنْ جَمِيعٍ.
وَ (إِذَا) : ظَرْفٌ لِانْظُرُوا.
وَ (ثَمَرِهِ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الثَّاءِ وَالْمِيمِ، جَمْعُ ثَمَرَةٍ، مِثْلُ تَمْرَةٍ وَتَمْرٍ، وَهُوَ جِنْسٌ فِي التَّحْقِيقِ لَا جَمْعٌ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ، وَهُوَ جَمْعُ ثَمَرَةٍ مِثْلُ خَشَبَةٍ وَخُشُبٍ، وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ ثِمَارٍ مِثْلُ كِتَابٍ وَكُتُبٍ، فَهُوَ جَمْعُ جَمْعٍ، فَأَمَّا الثِّمَارُ فَوَاحِدُهَا ثَمَرَةٌ مِثْلُ خَيْمَةٍ وَخِيَامٍ.
وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ ثَمَرٍ.
стр. 527
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الثَّاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، وَهُوَ مُخَفَّفٌ مِنَ الْمَضْمُومِ.
(وَيَنْعِهِ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَكِلَاهُمَا مَصْدَرُ يَنَعَتِ الثَّمَرَةُ.
وَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وَالْفِعْلُ أَيْنَعَتْ إِينَاعًا، وَيُقْرَأُ فِي الشَّاذِّ: «يَانِعِهِ» عَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ) (١٠٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَعَلُوا) : هِيَ بِمَعْنَى صَبَرُوا، وَمَفْعُولُهَا الْأَوَّلُ: «الْجِنَّ» ، وَالثَّانِي: «شُرَكَاءَ» . وَلِلَّهِ يَتَعَلَّقُ بِشُرَكَاءَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِشُرَكَاءَ قُدِّمَ عَلَيْهِ فَصَارَ حَالًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ شُرَكَاءَ وَالْجِنُّ بَدَلًا مِنْهُ، وَلِلَّهِ الْمَفْعُولُ الثَّانِي.
(وَخَلَقَهُمْ) : أَيْ: وَقَدْ خَلَقَهُمْ، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ حَالًا. وَقِيلَ: هُوَ مُسْتَأْنَفٌ.
وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ وَ «خَلْقَهُمْ» بِإِسْكَانِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَجَعَلُوا إِلَهَ خَلْقِهِمْ شُرَكَاءَ. (وَخَرَقُوا) : بِالتَّخْفِيفِ، وَالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ.
(بِغَيْرِ عِلْمٍ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ فِي خَرَقُوا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: خَرْقًا بِغَيْرِ عِلْمٍ.
قَالَ تَعَالَى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (١٠١) .
стр. 528
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ) : فِي رَفْعِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ فَاعِلُ «تَعَالَى» . وَالثَّانِي: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: هُوَ بَدِيعُ.
وَالثَّالِثُ: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ «أَنَّى يَكُونُ لَهُ» وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ.
وَ (أَنَّى) : بِمَعْنَى كَيْفَ، أَوْ مِنْ أَيْنَ، وَمَوْضِعُهُ حَالٌ، وَصَاحِبُ الْحَالِ «وَلَدٌ» ؛ وَالْعَامِلُ يَكُونُ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تَامَّةً، وَأَنْ تَكُونَ نَاقِصَةً.
: (وَلَمْ تَكُنْ) : يُقْرَأُ بِالتَّاءِ عَلَى تَأْنِيثِ الصَّاحِبَةِ.
وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لِلصَّاحِبَةِ، وَلَكِنْ جَازَ التَّذْكِيرُ لَمَّا فُصِلَ بَيْنَهُمَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ اسْمَ كَانَ ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْهُ؛ أَيْ: وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ لَهُ صَاحِبَتُهُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ اسْمَ كَانَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَالْجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (١٠٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكُمْ) : مُبْتَدَأٌ، وَفِي الْخَبَرِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: هُوَ: «اللَّهُ» وَ (رَبُّكُمُ) : خَبَرٌ ثَانٍ. وَ «لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» ثَالِثٌ، وَ «خَالِقُ كُلِّ» رَابِعٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَبَرَ «اللَّهُ» وَمَا بَعْدَهُ إِبْدَالٌ مِنْهُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ «اللَّهُ» بَدَلٌ مِنْ ذَلِكُمْ، وَالْخَبَرُ مَا بَعْدَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) (١٠٤) .
стр. 529
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ) : لَمْ يَلْحَقِ الْفِعْلَ تَاءُ التَّأْنِيثِ؛ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْمَفْعُولِ، وَلِأَنَّ تَأْنِيثَ الْفَاعِلِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.
وَ (مِنْ) : مُتَعَلِّقَةٌ بِجَاءَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْبَصَائِرِ، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ.
(فَمَنْ أَبْصَرَ) : مَنْ مُبْتَدَأٌ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ شَرْطًا، فَيَكُونُ الْخَبَرُ أَبْصَرَ، وَجَوَابُ مَنْ «فَعَلَيْهَا» .
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَمَا بَعْدَ الْفَاءِ الْخَبَرُ، وَالْمُبْتَدَأُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإِبْصَارُهُ لِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا» .
قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (١٠٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: «نُصَرِّفُ الْآيَاتِ» تَصْرِيفًا مِثْلَ مَا تَلَوْنَاهَا عَلَيْكَ. (وَلِيَقُولُوا) : أَيْ: وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ صَرَّفْنَا؛ وَاللَّامُ لَامُ الْعَاقِبَةِ؛ أَيْ: إِنَّ أَمْرَهُمْ يَصِيرُ إِلَى هَذَا. وَقِيلَ: إِنَّهُ قَصَدَ بِالتَّصْرِيفِ أَنْ يَقُولُوا «دَرَسْتَ» عُقُوبَةً لَهُمْ.
(دَارَسْتَ) : يُقْرَأُ بِالْأَلِفِ وَفَتْحِ التَّاءِ؛ أَيْ: دَارَسْتَ أَهْلَ الْكِتَابِ.
وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ؛ أَيْ: دَرَسْتَ الْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ.
وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِالتَّشْدِيدِ، وَالْمَعْنَى كَالْمَعْنَى الْأَوَّلِ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الدَّالِ مُشَدَّدًا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ.
стр. 530
وَيُقْرَأُ: «دُورِسْتَ» بِالتَّخْفِيفِ وَالْوَاوِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَالْوَاوُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الْأَلِفِ فِي دَارَسْتَ، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الدَّالِ وَالرَّاءِ وَالسِّينِ وَسُكُونِ التَّاءِ؛ أَيِ: انْقَطَعَتِ الْآيَاتُ وَانْمَحَتْ.
وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَيُقْرَأُ دَرَسَ مِنْ غَيْرِ تَاءٍ، وَالْفَاعِلُ النَّبِيُّ، وَقِيلَ: الْكِتَابُ لِقَوْلِهِ: «وَلِنُبَيِّنَهُ» .
قَالَ تَعَالَى: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (١٠٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ رَبِّكَ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِأُوحِيَ، وَأَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَفْعُولِ الْمَرْفُوعِ فِي أُوحِيَ، وَأَنْ تَكُونَ حَالًا مِنْ «مَا» .
(لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ رَبِّكَ؛ أَيْ: مِنْ رَبِّكَ مُنْفَرِدًا، وَهِيَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) (١٠٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ) : الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ إِيمَانَهُمْ.
وَ (جَعَلْنَاكَ) : مُتَعَدِّيَةٌ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَ (حَفِيظًا) : الثَّانِي. وَ (عَلَيْهِمْ) : يَتَعَلَّقُ بِحَفِيظًا، وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: وَمَا صَيَّرْنَاكَ تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ، وَهَذَا يُؤَكِّدُ قَوْلَ سِيبَوَيْهِ فِي إِعْمَالِ فَعِيلٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (١٠٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ دُونِ اللَّهِ) : حَالٌ مِنَ «الَّذِينَ» أَوْ مِنَ الْعَائِدِ عَلَيْهَا.
стр. 531
(فَيَسُبُّوا) : مَنْصُوبٌ عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ، وَقِيلَ: هُوَ مَجْزُومٌ عَلَى الْعَطْفِ، كَقَوْلِهِمْ: لَا تُمَدِّدْهَا فَتُشَقِّقْهَا.
وَ (عَدْوًا) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ، وَفِي انْتِصَابِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ مَفْعُولٌ لَهُ. وَالثَّانِي: مَصْدَرٌ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ السَّبَّ عُدْوَانٌ فِي الْمَعْنَى.
وَالثَّالِثُ: هُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَهِيَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ عَلَى فُعُولٍ كَالْجُلُوسِ وَالْقُعُودِ، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَالتَّشْدِيدِ، وَهُوَ وَاحِدٌ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ؛ أَيْ: أَعْدَاءً، وَهُوَ حَالٌ.
: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) : حَالٌ أَيْضًا مُؤَكِّدَةٌ. (كَذَلِكَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: كَمَا زَيَّنَا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ زَيَّنَا لِهَؤُلَاءِ عَمَلَهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ) (١٠٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْمَائِدَةِ.
(وَمَا يُشْعِرُكُمْ) : «مَا» اسْتِفْهَامٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَيُشْعِرُكُمُ الْخَبَرُ، وَهُوَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ.
(أَنَّهَا) : يُقْرَأُ بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ.
تَقْدِيرُهُ: وَمَا يُشْعِرُكُمْ إِيمَانُهُمْ.
стр. 532
وَيُقْرَأُ بِالْفَتْحِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ «أَنَّ» بِمَعْنَى «لَعَلَّ» حَكَاهُ الْخَلِيلُ عَنِ الْعَرَبِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَفْعُولُ الثَّانِي أَيْضًا مَحْذُوفًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ «لَا» زَائِدَةٌ، فَتَكُونُ «أَنَّ» وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ «أَنَّ» عَلَى بَابِهَا، وَ «لَا» غَيْرُ زَائِدَةٍ، وَالْمَعْنَى وَمَا يُدْرِيكُمْ عَدَمَ إِيمَانِهِمْ، وَهَذَا جَوَابٌ لِمَنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ أَبَدًا، وَيُئِسَ مِنْ إِيمَانِهِمْ، وَالتَّقْدِيرُ: لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا، فَحُذِفَ الْمَفْعُولُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (١١٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا) : «مَا» مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْكَافُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: تَقْلِيبًا كَكُفْرِهِمْ؛ أَيْ: عُقُوبَةً مُسَاوِيَةً لِمَعْصِيَتِهِمْ.
وَ (أَوَّلَ مَرَّةٍ) : ظَرْفُ زَمَانٍ؛ وَقَدْ ذُكِرَ. (وَنَذَرُهُمْ) : يُقْرَأُ بِالنُّونِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَبِالْيَاءِ كَذَلِكَ، وَالْمَعْنَى مَفْهُومٌ.
وَيُقْرَأُ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سُكِّنَ لِثِقَلِ تَوَالِي الْحَرَكَاتِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلَى يُؤْمِنُوا، وَالْمَعْنَى جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمْ، وَأَنَّهُ لَمْ يَذَرْهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ بَلْ بَيَّنَ لَهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) (١١١) .
стр. 533
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُبُلًا) : يُقْرَأُ بِضَمِّ الْقَافِ وَالْبَاءِ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ جَمْعُ قَبِيلٍ مِثْلُ قَلِيبٍ وَقَلْبٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُفْرَدٌ كَقُبُلِ الْإِنْسَانِ وَدُبُرِهِ، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ هُوَ حَالٌ مِنْ «كُلَّ» ، وَجَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً لِمَا فِيهِ مِنَ الْعُمُومِ.
وَيُقْرَأُ بِالضَّمِّ وَسُكُونِ الْبَاءِ عَلَى تَخْفِيفِ الضَّمَّةِ.
وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ أَيْضًا: أَحَدُهُمَا: هُوَ ظَرْفٌ، كَقَوْلِكَ لِي قِبَلَهُ حَقٌّ. وَالثَّانِي: مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ: عَيَانًا أَوْ مُعَايَنَةً.
(إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، وَقِيلَ: هُوَ مُتَّصِلٌ، وَالْمَعْنَى: مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا فِي كُلِّ حَالٍ إِلَّا فِي حَالِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) (١١٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ) : هُوَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ كَمَا ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وَ (جَعَلْنَا) : مُتَعَدِّيَةٌ إِلَى مَفْعُولَيْنِ. وَفِي الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ «عَدُوًّا» . وَالثَّانِي: «لِكُلِّ نَبِيٍّ» وَ «شَيَاطِينَ» بَدَلٌ مِنْ عَدُوٍّ.
وَالثَّانِي: الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ شَيَاطِينَ، وَعَدُوًّا الْمَفْعُولُ الثَّانِي مُقَدَّمٌ، وَلِكُلِّ نَبِيٍّ صِفَةٌ لِعَدُوٍّ، قُدِّمَتْ فَصَارَتْ حَالًا.
(يُوحِي) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ شَيَاطِينَ، وَأَنْ يَكُونَ صِلَةً لِعَدُوٍّ، وَعَدُوٌّ فِي مَوْضِعِ أَعْدَاءٍ. (غُرُورًا) : مَفْعُولٌ لَهُ، وَقِيلَ: مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ،
стр. 534
وَالْهَاءِ فِي (فَعَلُوهُ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ضَمِيرَ الْإِيحَاءِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ يُوحَى، وَأَنْ تَكُونَ ضَمِيرَ الزُّخْرُفِ أَوِ الْقَوْلِ أَوِ الْغُرُورِ.
(وَمَا يَفْتَرُونَ) : «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى الْمَفْعُولِ قَبْلَهَا، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ بِمَعْنَى «مَعَ» .
قَالَ تَعَالَى: (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ) (١١٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِتَصْغَى) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ اللَّامِ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «غُرُورًا» ؛ أَيْ: لِيَغُرُّوا وَلِتَصْغَى.
وَقِيلَ: هِيَ لَامُ الْقَسَمِ كُسِرَتْ لَمَّا لَمْ يُؤَكَّدِ الْفِعْلُ بِالنُّونِ.
وَقُرِئَ بِإِسْكَانِ اللَّامِ، وَهِيَ مُخَفَّفَةٌ لِتَوَالِي الْحَرَكَاتِ، وَلَيْسَتْ لَامَ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجْزَمِ الْفِعْلُ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي: «وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا» .
وَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: وَلِيَقْتَرِفُوا الَّذِي هُمْ مُقْتَرِفُوهُ، وَأُثْبِتَ النُّونُ لَمَّا حُذِفَ الْهَاءُ.
قَالَ تَعَالَى: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (١١٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَفْعُولُ أَبْتَغِي، وَ «حَكَمًا» حَالٌ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ حَكَمًا مَفْعُولُ أَبْتَغِي، وَ «غَيْرَ» حَالٌ مِنْ حَكَمًا مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: حَكَمًا تَمْيِيزٌ.
стр. 535
وَ (مُفَصَّلًا) : حَالٌ مِنَ الْكِتَابِ. وَ (بِالْحَقِّ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي «مُنَزَّلٌ» .
قَالَ تَعَالَى: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (١١٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (صِدْقًا وَعَدْلًا) : مَنْصُوبَانِ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
(لَا مُبَدِّلَ) : مُسْتَأْنَفٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ رَبِّكَ؛ لِئَلَّا يُفْصَلَ بَيْنَ الْحَالِ وَصَاحِبِهَا بِالْأَجْنَبِيِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «صِدْقًا وَعَدْلًا» ، إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ «صِدْقًا وَعَدْلًا» حَالَيْنِ مِنْ رَبِّكَ لَا مِنَ الْكَلِمَاتِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (١١٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ) فِي «مَنْ» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، بِمَعْنَى فَرِيقٍ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ «أَعْلَمُ» لَا بِنَفْسِ «أَعْلَمُ» ؛ لِأَنَّ أَفْعَلُ لَا يَعْمَلُ فِي الِاسْمِ الظَّاهِرِ النَّصْبَ، وَالتَّقْدِيرُ: يَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مَنْ» فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِالْإِضَافَةِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ فَتَحَ الْيَاءَ؛ لِئَلَّا يَصِيرَ التَّقْدِيرُ: هُوَ أَعْلَمُ الضَّالِّينَ؛ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ سُبْحَانَهُ ضَالًّا، تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ.
وَمَنْ قَرَأَ بِضَمِّ الْيَاءِ فَمَنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْضًا عَلَى مَا بَيَّنَّا؛ أَيْ: يَعْلَمُ الْمُضِلِّينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ، إِمَّا عَلَى مَعْنَى هُوَ أَعْلَمُ الْمُضَلِّينَ؛ أَيْ: مَنْ يَجِدُ الضَّلَالَ، وَهُوَ مِنْ أَضْلَلْتُهُ؛ أَيْ: وَجَدْتُهُ ضَالًّا، مِثْلَ: أَحْمَدْتُهُ، وَجَدْتُهُ مَحْمُودًا، أَوْ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَضِلُّ عَنِ الْهُدَى.
стр. 536
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «مَنْ» اسْتِفْهَامٌ فِي مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ، وَ «يَضِلُّ» الْخَبَرُ، وَمَوْضِعُ الْجُمْلَةِ نَصْبٌ بِـ «يَعْلَمُ» الْمُقَدَّرَةِ، وَمِثْلُهُ: (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى) [الْكَهْفِ: ١٢] .
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) (١١٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا لَكُمْ) : «مَا» اسْتِفْهَامٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَ «لَكُمْ» الْخَبَرُ.
وَ (أَلَّا تَأْكُلُوا) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: حَرْفُ الْجَرِّ مُرَادٌ مَعَهُ؛ أَيْ: فِي أَنْ لَا تَأْكُلُوا، وَلَمَّا حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ كَانَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَوْ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ: وَأَيُّ شَيْءٍ لَكُمْ تَارِكِينَ الْأَكْلَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ «أَنْ» تُمَحِّضُ الْفِعْلَ لِلِاسْتِقْبَالِ، وَتَجْعَلُهُ مَصْدَرًا، فَيَمْتَنِعُ الْحَالُ إِلَّا أَنْ تُقَدِّرَ حَذْفَ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: وَمَا لَكُمْ ذَوِي أَنْ لَا تَأْكُلُوا. وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
(وَقَدْ فَصَّلَ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ؛ وَيُقْرَأُ بِالضَّمِّ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَبِالْفَتْحِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَبِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَتَخْفِيفِهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ.
(إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ) : «مَا» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْجِنْسِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ وَبَّخَهُمْ بِتَرْكِ الْأَكْلِ مِمَّا سُمِّيَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إِبَاحَةَ الْأَكْلِ مُطْلَقًا، وَقَوْلُهُ: «وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» ؛ أَيْ: فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ، وَذَلِكَ حَلَالٌ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ.
стр. 537
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (١٢١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) : حُذِفَ الْفَاءُ مِنْ جَوَابِ الشَّرْطِ، وَهُوَ حَسَنٌ إِذَا كَانَ الشَّرْطُ بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ» .
قَالَ تَعَالَى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (١٢٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوَمَنْ كَانَ) : «مَنْ» بِمَعْنَى الَّذِي فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ.
وَ (يَمْشِي بِهِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةً لِنُورٍ، وَ (كَمَنْ) : خَبَرُ الِابْتِدَاءِ، وَ (مَثَلُهُ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «فِي الظُّلُمَاتِ» خَبَرُهُ.
وَ (لَيْسَ بِخَارِجٍ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْهَاءِ فِي «مَثَلُهُ» ، لِلْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَالِ بِالْخَبَرِ.
(كَذَلِكَ زُيِّنَ) وَ (كَذَلِكَ جَعَلْنَا) : قَدْ سَبَقَ إِعْرَابُهُمَا.
وَجَعَلْنَا بِمَعْنَى صَيَّرْنَا. وَ (أَكَابِرَ) : الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، وَفِي كُلِّ قَرْيَةٍ الثَّانِي.
وَ (مُجْرِمِيهَا) : بَدَلٌ مِنْ أَكَابِرَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «فِي» ظَرْفًا، وَمُجْرِمِيهَا الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، وَ «أَكَابِرَ» مَفْعُولٌ ثَانٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «أَكَابِرَ» مُضَافًا إِلَى «مُجْرِمِيهَا» ، وَ «فِي كُلِّ» الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا «مَكَّنَّا» ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
(لِيَمْكُرُوا) : اللَّامُ لَامُ كَيْ أَوْ لَامُ الصَّيْرُورَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ) (١٢٤) .
стр. 538
قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَيْثُ يَجْعَلُ) : حَيْثُ هُنَا مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْعَامِلُ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: يَعْلَمُ مَوْضِعَ رِسَالَاتِهِ، وَلَيْسَ ظَرْفًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: يَعْلَمُ فِي هَذَا الْمَكَانِ كَذَا وَكَذَا. وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَيْهِ. وَقَدْ رُوِيَ «حَيْثَ» بِفَتْحِ الثَّاءِ، وَهُوَ بِنَاءٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَقِيلَ: هِيَ فَتْحَةُ إِعْرَابٍ.
(عِنْدَ اللَّهِ) : ظَرْفٌ لِـ «يُصِيبُ» ، أَوْ صِفَةٌ لِصَغَارٌ.
قَالَ تَعَالَى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (١٢٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ) : هُوَ مِثْلُ: (مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ) [الْأَنْعَامِ: ٣٩] ، وَقَدْ
ذُكِرَ. (ضَيِّقًا) : مَفْعُولٌ ثَانٍ لِـ «يَجْعَلْ» ، فَمَنْ شَدَّدَ الْيَاءَ جَعَلَهُ وَصْفًا، وَمَنْ خَفَّفَهَا جَازَ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا، كَمَيِّتٍ وَمَيْتٍ، وَأَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ أَيْ: ذَا ضِيقٍ. (حَرَجًا) : بِكَسْرِ الرَّاءِ صِفَةٌ لِضَيِّقٍ، أَوْ مَفْعُولٌ ثَالِثٌ، كَمَا جَازَ فِي الْمُبْتَدَأِ أَنْ تُخْبِرَ عَنْهُ بَعْدَهُ أَخْبَارًا، وَيَكُونُ الْجَمِيعُ فِي مَوْضِعِ خَبَرٍ وَاحِدٍ، كَـ «حُلْوٌ حَامِضٌ» ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ هُوَ مُؤَكِّدٌ لِلْمَعْنَى، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ؛ أَيْ: ذَا حَرَجٍ؛ وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ حَرَجَةٍ مِثْلُ قَصَبَةٍ وَقَصَبٍ، وَالْهَاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ. (
стр. 539
كَأَنَّمَا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبِ خَبَرٍ آخَرَ، أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي حَرَجٍ، أَوْ ضَيِّقٍ.
(يَصَّعَّدُ) : وَيَصَّاعَدُ - بِتَشْدِيدِ الصَّادِ فِيهِمَا؛ أَيْ: يَتَصَعَّدُ. وَيُقْرَأُ: «يَصْعَدُ» بِالتَّخْفِيفِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) (١٢٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُسْتَقِيمًا) : حَالٌ مِنْ صِرَاطِ رَبِّكَ، وَالْعَامِلُ فِيهَا التَّنْبِيهُ أَوِ الْإِشَارَةُ.
قَالَ تَعَالَى: (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ) (١٢٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِقَوْمٍ، وَأَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «يَذَّكَّرُونَ» .
(عِنْدَ رَبِّهِمْ) : حَالٌ مِنْ دَارِ السَّلَامِ، أَوْ ظَرْفٌ لِلِاسْتِقْرَارِ فِي «لَهُمْ» .
قَالَ تَعَالَى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (١٢٨) .
قَوْلُهُ
تَعَالَى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ) : أَيْ: وَاذْكُرْ يَوْمَ. أَوْ: وَنَقُولُ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ: «يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ» . وَ (مِنَ الْإِنْسِ) : حَالٌ مِنْ «أَوْلِيَاؤُهُمْ» . وَقُرِئَ «آجَالَنَا» عَلَى الْجَمْعِ. «الَّذِي» عَلَى التَّذْكِيرِ وَالْإِفْرَادِ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: هُوَ جِنْسٌ أَوْقَعَ الَّذِي مَوْقِعَ الَّتِي.
(خَالِدِينَ فِيهَا) : حَالٌ، وَفِي الْعَامِلِ فِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمَثْوَى عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الثَّوَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ: النَّارُ ذَاتُ ثَوَائِكُمْ.
وَالثَّانِي: الْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى الْإِضَافَةِ، وَمَثْوَاكُمْ مَكَانٌ، وَالْمَكَانُ لَا يَعْمَلُ.
(إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ.
стр. 540
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْجِنْسِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مِنَ الزَّمَانِ، وَالْمَعْنَى يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخُلُودَ يَدُلُّ عَلَى الْأَبَدِ؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ: خَالِدِينَ فِيهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ؛ أَيْ: إِلَّا زَمَنَ مَشِيئَةِ اللَّهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ: «مَا» بِمَعْنَى «مَنْ» .
قَالَ تَعَالَى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) (١٣٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَقُصُّونَ) فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لِرُسُلٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «مِنْكُمْ» .
قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) (١٣١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) : هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيِ: الْأَمْرُ ذَلِكَ.
(أَنْ لَمْ) : أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ أَوْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَاللَّامُ مَحْذُوفَةٌ؛ أَيْ:؛ لِأَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ، وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ، أَوْ جَرٌّ عَلَى الْخِلَافِ. (بِظُلْمٍ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ يَتَعَلَّقُ بِمُهْلِكٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (١٣٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِكُلٍّ) : أَيْ: وَلِكُلِّ أَحَدٍ. (مِمَّا) : فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لِدَرَجَاتٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) (١٣٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمَا أَنْشَأَكُمْ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيِ: اسْتِخْلَافًا كَمَا.
стр. 541
وَ (مِنْ ذُرِّيَّةِ) : لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى الْبَدَلِ؛ أَيْ: كَمَا أَنْشَأَكُمْ بَدَلًا مِنْ ذُرِّيَّةِ «قَوْمٍ» .
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) (١٣٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ) : مَا بِمَعْنَى الَّذِي. وَ «لَآتٍ» خَبَرُ إِنَّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» هَاهُنَا كَافَّةً؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِآتٍ يَمْنَعُ ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (١٣٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ تَكُونُ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَنْ» بِمَعْنَى الَّذِي، وَأَنْ تَكُونَ اسْتِفْهَامًا مِثْلَ قَوْلِهِ: «أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ» .
قَالَ تَعَالَى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (١٣٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِمَّا ذَرَأَ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِجَعَلَ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ نَصِيبٍ.
وَ (مِنَ الْحَرْثِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِذَرَأَ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «مَا» أَوْ مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) (١٣٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الزَّايِ وَالْيَاءِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَهُوَ:
стр. 542
شُرَكَاؤُهُمْ، وَالْمَفْعُولُ «قَتْلَ» ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ.
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الزَّايِ، وَكَسْرِ الْيَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَ «قَتْلُ» بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الْقَائِمُ مَقَامَ الْفَاعِلِ، وَ «أَوْلَادَهُمْ» بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ الْقَتْلِ، وَ «شُرَكَائِهِمْ» بِالْجَرِّ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِالْمَفْعُولِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَإِنَّمَا يَجِيءُ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِجَرِّ أَوْلَادِهِمْ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَ «شُرَكَائِهِمْ» بِالْجَرِّ أَيْضًا عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْأَوْلَادِ؛ لِأَنَّ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَاؤُهُمْ فِي دِينِهِمْ وَعَيْشِهِمْ وَغَيْرِهِمَا.
وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِرَفْعِ الشُّرَكَاءِ. وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، كَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ زَيَّنَهُ؟ ، فَقَالَ: شُرَكَاؤُهُمْ؛ أَيْ: زَيَّنَهُ شُرَكَاؤُهُمْ، وَالْقَتْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَرْتَفِعَ شُرَكَاؤُهُمْ بِالْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الشُّرَكَاءَ تُثِيرُ بَيْنَهُمُ الْقَتْلَ قَبْلَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ يَقَعُ مِنْهُمْ حَقِيقَةً. (وَلِيَلْبِسُوا) : بِكَسْرِ الْبَاءِ مِنْ لَبَسْتُ الْأَمْرَ بِفَتْحِ الْبَاءِ فِي الْمَاضِي إِذَا شَبَّهْتُهُ.
وَيُقْرَأُ فِي الشَّاذِّ بِفَتْحِ الْبَاءِ قِيلَ: إِنَّهَا لُغَةٌ. وَقِيلَ: جَعَلَ الدِّينَ لَهُمْ كَاللِّبَاسِ عَلَيْهِمْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (١٣٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَطْعَمُهَا) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ كَالَّذِي قَبْلَهُ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الْحَاءِ فِي «حِجْرٌ» وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّهِمَا وَضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَمَعْنَاهُ مُحَرَّمٌ، وَالْقِرَاءَاتُ لُغَاتٌ فِيهَا.
وَيُقْرَأُ: «حِرْجٌ» بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الْجِيمِ، وَأَصْلُهُ حَرِجٌ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَلَكِنَّهُ خُفِّفَ، وَنُقِلَ مِثْلُ فَخْذٍ وَفَخِذٍ.
стр. 543
وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْمَقْلُوبِ مِثْلُ عَمِيقٍ وَمَعِيقٍ. (بِزَعْمِهِمْ) : مُتَعَلِّقٌ بِقَالُوا، وَيَجُوزُ فَتْحُ الزَّايِ وَكَسْرِهَا وَضَمِّهَا، وَهِيَ لُغَاتٌ.
(افْتِرَاءً) : مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمُ الْمَحْكِيَّ بِمَعْنَى افْتَرَوْا.
وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، فَإِنْ نَصَبْتَهُ عَلَى الْمَصْدَرِ كَانَ قَوْلُهُ: «عَلَيْهِ» مُتَعَلِّقًا بِقَالُوا لَا بِنَفْسِ الْمَصْدَرِ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ عَلَّقْتَهُ بِنَفْسِ الْمَصْدَرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِافْتِرَاءٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (١٣٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا فِي بُطُونِ) : «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَ (خَالِصَةً) : خَبَرُهُ، وَأُنِّثَ عَلَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ مَا فِي الْبُطُونِ أَنْعَامٌ.
وَقِيلَ: التَّأْنِيثُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ كَعَلَّامَةٍ وَنَسَّابَةٍ.
وَ (لِذُكُورِنَا) : مُتَعَلِّقٌ بِخَالِصَةٍ، أَوْ بِمَحْذُوفٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِخَالِصَةٍ.
(وَمُحَرَّمٌ) : جَاءَ عَلَى التَّذْكِيرِ حَمْلًا عَلَى لَفْظِ «مَا» وَيُقْرَأُ «خَالِصٌ» بِغَيْرِ تَاءٍ عَلَى الْأَصْلِ، وَيُقْرَأُ «خَالِصَةً» بِالتَّأْنِيثِ وَالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِل فِيهَا مَا فِي بُطُونِهَا مِنْ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ، وَالْخَبَرُ لِذُكُورِنَا، وَلَا يَعْمَلُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ. وَأَجَازَهُ الْأَخْفَشُ.
وَيُقْرَأُ «خَالِصَةٌ» بِالرَّفْعِ وَالْإِضَافَةِ إِلَى هَاءِ الضَّمِيرِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَلِلذُّكُورِ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ «مَا» . (يَكُنْ مَيْتَةً) : يُقْرَأُ بِالتَّاءِ؛ وَنَصْبُ «مَيْتَةً» ، أَيْ: إِنْ تَكُنِ الْأَنْعَامُ مَيْتَةً.
стр. 544
وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ حَمْلًا عَلَى لَفْظِ «مَا» . وَيُقْرَأُ بِالتَّاءِ، وَرَفْعُ «مَيْتَةٌ» عَلَى أَنَّ «كَانَ» هِيَ التَّامَّةُ.
(فَهُمْ فِيهِ) : ذُكِّرَ الضَّمِيرُ حَمْلًا عَلَى «مَا» .
قَالَ تَعَالَى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) (١٤٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ) : يُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّكْثِيرِ.
وَ: (سَفَهًا) : مَفْعُولٌ لَهُ، أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ. (بِغَيْرِ عِلْمٍ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَ (افْتِرَاءً) : مِثْلُ الْأَوَّلِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (١٤١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ) : مُخْتَلِفًا حَالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ لِأَنَّ النَّخْلَ وَالزَّرْعَ وَقْتَ خُرُوجِهِ لَا أَكْلَ فِيهِ حَتَّى يَكُونَ مُخْتَلِفًا أَوْ مُتَّفِقًا، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ صَائِدًا بِهِ غَدًا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ، تَقْدِيرُهُ: «ثَمَرُ النَّخْلِ وَحَبَّ الزَّرْعِ» ؛ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْحَالُ مُقَارَنَةً. وَ (مُتَشَابِهًا) : حَالٌ أَيْضًا. وَ (حَصَادِهِ) : يُقْرَأُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ، وَهُمَا لُغَتَانِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) (١٤٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَمُولَةً وَفَرْشًا) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى جَنَّاتٍ؛ أَيْ: وَأَنْشَأَ مِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً.
стр. 545
قَالَ تَعَالَى: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (١٤٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) : فِي نَصْبِهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى جَنَّاتٍ؛ أَيْ: وَأَنْشَأَ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ، وَحُذِفَ الْفِعْلُ، وَحَرْفُ الْعَطْفِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ تَقْدِيرَهُ: كُلُوا ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ.
وَالثَّالِثُ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِكُلُوا، تَقْدِيرُهُ: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ، وَلَا تُسْرِفُوا مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُمَا. وَالرَّابِعُ: هُوَ بَدَلٌ مِنْ «حَمُولَةً وَفَرْشًا» . وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ حَالٌ تَقْدِيرُهُ: مُخْتَلِفَةً أَوْ مُتَعَدِّدَةً.
(مِنَ الضَّأْنِ) : يُقْرَأُ بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَ (اثْنَيْنِ) : بَدَلٌ مِنْ ثَمَانِيَةٍ، وَقَدْ عُطِفَ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الثَّمَانِيَةِ. وَ (الْمَعْزِ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِهَا لُغَتَانِ، قَدْ قُرِئَ بِهِمَا. (آلذَّكَرَيْنِ) : هُوَ مَنْصُوبٌ بِـ «حَرَّمَ» ، وَكَذَلِكَ «أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ» ؛ أَيْ: أَمْ حَرَّمَ الْأُنْثَيَيْنِ. (أَمَّا اشْتَمَلَتْ) : أَيْ أَمْ حَرَّمَ مَا اشْتَمَلَتْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١٤٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ) : أَمْ مُنْقَطِعَةٌ؛ أَيْ: بَلْ أَكُنْتُمْ.
وَ (إِذْ) : مَعْمُولُ «شُهَدَاءَ» .
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٤٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَطْعَمُهُ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِطَاعِمٍ،
стр. 546
وَيُقْرَأُ: «يَطَّعِمُهُ» بِالتَّشْدِيدِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَالْأَصْلُ يَتَطَعَّمُهُ، فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ طَاءً، وَأُدْغِمَتْ فِيهَا الْأُولَى.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ) : اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ، وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ؛ أَيْ: لَا أَجِدُ مُحَرَّمًا إِلَّا الْمِيتَةَ، وَيُقْرَأُ يَكُونُ بِالْيَاءِ، وَ (مَيْتَةً) : بِالنَّصْبِ؛ أَيْ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَأْكُولُ مَيْتَةً أَوْ ذَلِكَ. . .
وَيُقْرَأُ بِالتَّاءِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَأْكُولَةُ مَيْتَةً.
وَيُقْرَأُ بِرَفْعِ الْمَيْتَةِ عَلَى أَنْ «تَكُونَ» تَامَّةً، إِلَّا أَنَّهُ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ مَنْصُوبٌ.
(أَوْ فِسْقًا) : عُطِفَ عَلَى لَحْمِ الْخِنْزِيرِ.
وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ، وَقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ: فَإِنَّهُ رِجْسٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) (١٤٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الظَّاءِ وَالْفَاءِ، وَيُقْرَأُ بِإِسْكَانِ الْفَاءِ، وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الظَّاءِ وَالْإِسْكَانِ. (وَمِنَ الْبَقَرِ) : مَعْطُوفٌ عَلَى «كُلَّ» ، وَجُعِلَ (حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا) : تَبْيِينًا لِلْمُحَرَّمِ مِنَ الْبَقَرِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مِنَ الْبَقَرِ» مُتَعَلِّقًا بِحَرَّمْنَا الثَّانِيَةِ.
(إِلَّا مَا حَمَلَتْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ اسْتِثْنَاءً مِنَ الشُّحُومِ.
стр. 547
(أَوِ الْحَوَايَا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى «مَا» .
وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الشُّحُومِ، فَتَكُونُ مُحَرَّمَةً أَيْضًا، وَوَاحِدَةُ الْحَوَايَا حَوِيَّةٌ، أَوْ حَاوِيَةٌ، أَوْ حَاوِيَاءٌ. وَ «أَوْ» هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَوْ لِتَفْصِيلِ مَذَاهِبِهِمْ، لِاخْتِلَافِ أَمَاكِنِهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: (كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى) [الْبَقَرَةِ: ١٣٥] .
(ذَلِكَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ «جَزَيْنَاهُمْ» وَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ وَالتَّقْدِيرُ: جَزَيْنَاهُمُوهُ. وَقِيلَ: هُوَ خَبَرُ الْمَحْذُوفِ؛ أَيِ: الْأَمْرُ ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (١٤٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ) : شَرْطٌ وَجَوَابُهُ «فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ» وَالتَّقْدِيرُ: فَقُلْ يَصْفَحُ عَنْكُمْ بِتَأْخِيرِ الْعُقُوبَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) (١٤٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا آبَاؤُنَا) : عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي أَشْرَكْنَا، وَأَغْنَتْ زِيَادَةُ «لَا» عَنْ
تَأْكِيدِ الضَّمِيرِ. وَقِيلَ: ذَلِكَ لَا يُغْنِي؛ لِأَنَّ الْمُؤَكَّدَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ حَرْفِ الْعَطْفِ، وَلَا بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ. (مِنْ شَيْءٍ) : مِنْ زَائِدَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) (١٥٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ هَلُمَّ) : لِلْعَرَبِ فِيهَا لُغَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: تَكُونُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ فِي الْوَاحِدِ وَالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ وَالْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ؛ فَعَلَى هَذَا هِيَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ، وَبُنِيَتْ لِوُقُوعِهَا مَوْقِعَ الْأَمْرِ الْمَبْنِيِّ، وَمَعْنَاهَا أَحْضِرُوا شُهَدَاءَكُمْ.
стр. 548
وَاللُّغَةُ الثَّانِيَةُ: تَخْتَلِفُ؛ فَتَقُولُ هَلُمَّا، وَهَلُمُّوا، وَهَلُمِّي، وَهَلْمُمْنَ، فَعَلَى هَذَا هِيَ فِعْلٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَصْلِهَا؛ فَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: أَصْلُهَا هَا الْمُمْ؛ أَيِ: اقْصُدْ، فَأُدْغِمَتِ الْمِيمُ فِي الْمِيمِ، وَتَحَرَّكَتِ اللَّامُ، فَاسْتَغْنَى عَنْ هَمْزَةِ الْوَصْلِ، فَبَقِيَ لَمْ، ثُمَّ حُذِفَتْ أَلِفُ «هَا» الَّتِي هِيَ لِلتَّنْبِيهِ؛ لِأَنَّ اللَّامَ فِي لَمْ فِي تَقْدِيرِ السَّاكِنَةِ إِذْ كَانَتْ حَرَكَتُهَا عَارِضَةً، وَلَحِقَ حِرَفُ التَّنْبِيهِ مِثَالَ الْأَمْرِ كَمَا يَلْحَقُ غَيْرُهُ مِنَ الْمِثْلِ.
فَأَمَّا فَتْحَةُ الْمِيمِ فَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا حُرِّكَتْ بِهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَلَمْ يَجُزِ الضَّمُّ وَلَا الْكَسْرُ، كَمَا جَازَ فِي رُدَّ، وَرَدُّ، وَرَدِّ، لِطُولِ الْكَلِمَةِ بِوَصْلِ «هَا» بِهَا، وَأَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا مَعَهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهَا فُتِحَتْ مِنْ أَجْلِ التَّرْكِيبِ كَمَا، فُتِحَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ وَبَابُهَا.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَصْلُهَا هَلْ أَمْ فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى اللَّامِ، وَحُذِفَتْ، وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ أَمْرٌ. وَ «هَلْ» إِنْ كَانَتِ اسْتِفْهَامًا فَلَا مَعْنَى لِدُخُولِهِ عَلَى الْأَمْرِ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى قَدْ، فَلَا تَدْخُلُ عَلَى الْأَمْرِ، وَإِنْ كَانَتْ «هَلْ» اسْمًا لِلزَّجْرِ، فَتِلْكَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْفَتْحِ، ثُمَّ لَا مَعْنَى لَهَا هَاهُنَا.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (١٥١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا حَرَّمَ) : فِي «مَا» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: حَرَّمَهُ.
وَالثَّانِي: هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ.
стр. 549
(أَلَّا تُشْرِكُوا) : فِي «أَنْ» وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى أَيْ، فَتَكُونُ لَا عَلَى هَذَا نَهْيًا.
وَالثَّانِي: هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ، وَفِي مَوْضِعِهَا وَجْهَانِ:
- أَحَدُهُمَا:هى مَنْصُوبَة وفى ذَلِك وَجْهَان (أَحدهمَا هِيَ بَدَلٌ مِنَ الْهَاءِ الْمَحْذُوفَةِ أَوْ مِنْ «مَا» ، وَ «لَا» زَائِدَةٌ؛ أَيْ: حَرَّمَ رَبُّكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا. وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا عَلَيْكُمْ، وَالْوَقْفُ عَلَى مَا قَبْلَ عَلَى؛ أَيِ: الْزَمُوا تَرْكَ الشِّرْكِ) .
- وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا مَرْفُوعَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: الْمَتْلُوُّ أَنْ لَا تُشْرِكُوا، أَوِ الْمُحَرَّمُ أَنْ تُشْرِكُوا. «وَلَا» زَائِدَةٌ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ.
وَ (شَيْئًا) : مَفْعُولُ تُشْرِكُوا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ؛ أَيْ: إِشْرَاكًا. وَ (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ. (مِنْ إِمْلَاقٍ) : أَيْ مِنْ أَجْلِ الْفَقْرِ. (مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) : بَدَلَانِ مِنَ الْفَوَاحِشِ، بَدَلُ الِاشْتِمَالِ، وَمِنْهَا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ. وَ (بِالْحَقِّ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. (ذَلِكُمْ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «وَصَّاكُمْ بِهِ» الْخَبَرُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى تَقْدِيرِ: أَلْزَمَكُمْ ذَلِكُمْ، وَوَصَّاكُمْ: تَفْسِيرٌ لَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (١٥٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) : أَيْ إِلَّا بِالْخَصْلَةِ.
стр. 550
وَ (بِالْقِسْطِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ: مُقْسِطِينَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْمَفْعُولِ؛ أَيْ: أَوْفُوا الْكَيْلَ تَامًّا.
وَالْكَيْلُ هَاهُنَا مَصْدَرٌ فِي مَعْنَى الْمَكِيلِ، وَالْمِيزَانُ كَذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: «مَكِيلَ الْكَيْلِ» ، وَ «مَوْزُونَ الْمِيزَانِ» . (لَا نُكَلِّفُ) : مُسْتَأْنَفٌ.
(وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) : أَيْ: وَلَوْ كَانَ الْمَقُولُ لَهُ، أَوْ فِيهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (٥٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنَّ هَذَا) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالتَّشْدِيدِ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: تَقْدِيرُهُ: وَلِأَنَّ هَذَا، وَاللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: فَاتَّبِعُوهُ؛ أَيْ: وَلِأَجْلِ اسْتِقَامَتِهِ اتَّبِعُوهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا نَحْوَ هَذَا فِي قَوْلِهِ: «كَمَا أَرْسَلْنَا» .
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا حَرَّمَ؛ أَيْ: وَاتْلُو عَلَيْكُمْ أَنَّ هَذَا صِرَاطِي.
وَالثَّالِثُ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْهَاءِ فِي وَصَّاكُمْ بِهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عُطِفَ عَلَى الضَّمِيرِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الْجَارِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَصِيرُ الْمَعْنَى وَصَّاكُمْ بِاسْتِقَامَةِ الصِّرَاطِ؛ وَهُوَ فَاسِدٌ.
وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ، وَهِيَ كَالْمُشَدَّدَةِ.
وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. وَمُسْتَقِيمًا حَالٌ. وَالْعَامِلُ فِيهِ هَذَا.
(فَتَفَرَّقَ) : جَوَابُ النَّهْيِ، وَالْأَصْلُ فَتَفَرَّقَ. وَ (بِكُمْ) : فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ؛ أَيْ: فَتُفَرِّقُكُمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا؛ أَيْ: فَتَتَفَرَّقُ وَأَنْتُمْ مَعَهَا.
стр. 551
قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) (١٥٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَمَامًا) : مَفْعُولٌ لَهُ، أَوْ مَصْدَرٌ؛ أَيْ: أَتْمَمْنَاهُ إِتْمَامًا؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْكِتَابِ. (عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ النُّونِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، وَفِي فَاعِلِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ، وَالْهَاءُ مَحْذُوفَةٌ؛ أَيْ: عَلَى الَّذِي أَحْسَنَهُ اللَّهُ؛ أَيْ: أَحْسَنَ إِلَيْهِ؛ وَهُوَ مُوسَى.
وَالثَّانِي: هُوَ ضَمِيرُ مُوسَى؛ لِأَنَّهُ أَحْسَنَ فِي فِعْلِهِ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّ النُّونِ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ، وَالْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ الْعَائِدُ عَلَى الَّذِي؛ أَيْ: عَلَى الَّذِي هُوَ أَحْسَنَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَالَ قَوْمٌ: أَحْسَنَ بِفَتْحِ النُّونِ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِلَّذِي وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَوْصُولَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ صِلَةٍ.
وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنُوا.
قَالَ تَعَالَى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (١٥٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهَذَا) : مُبْتَدَأٌ وَ «كِتَابٌ» خَبَرُهُ وَ «أَنْزَلْنَاهُ» صِفَةٌ، أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ. وَ «مُبَارَكٌ» صِفَةٌ ثَانِيَةٌ، أَوْ خَبَرٌ ثَالِثٌ، وَلَوْ كَانَ قُرِئَ «مُبَارَكًا» بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ جَازَ.
قَالَ تَعَالَى: (أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ) (١٥٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَقُولُوا) : أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ كَرَاهَةَ أَنْ تَقُولُوا.
стр. 552
(أَوْ تَقُولُوا) : مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ. (وَإِنْ كُنَّا) : إِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَاللَّامُ فِي «لَغَافِلِينَ» عِوَضٌ، أَوْ فَارِقَةٌ بَيْنَ إِنَّ وَمَا.
قَالَ تَعَالَى: (أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ) (١٥٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِمَّنْ كَذَّبَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى التَّشْدِيدِ، وَقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْمُشَدَّدِ، فَيَكُونُ: بِآيَاتِ اللَّهِ مَفْعُولًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا؛ أَيْ: كَذَّبَ وَمَعَهُ آيَاتُ اللَّهِ.
(يَصْدِفُونَ) : يُقْرَأُ بِالصَّادِ الْخَالِصَةِ عَلَى الْأَصْلِ، وَبِإِشْمَامِ الصَّادِ زَايًا، وَبِإِخْلَاصِهَا زَايًا لِتَقْرُبَ مِنَ الدَّالِ، وَسَوَّغَ ذَلِكَ فِيهَا سُكُونُهَا.
قَالَ تَعَالَى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) (١٥٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ يَأْتِي) : الْجُمْهُورُ عَلَى النَّصْبِ، وَالْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ «لَا يَنْفَعُ» . وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ، وَالْخَبَرُ لَا يَنْفَعُ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: لَا يَنْفَعُ «نَفْسًا إِيمَانُهَا» فِيهِ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْيَاءِ فِي يَنْفَعُ. وَقُرِئَ بِالتَّاءِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ:
стр. 553
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَنَّثَ الْمَصْدَرَ عَلَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ وَالْعَقِيدَةَ بِمَعْنًى، فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ جَاءَتْهُ كِتَابِي فَاحْتَقَرَهَا؛ أَيْ: صَحِيفَتِي أَوْ رِسَالَتِي.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَسُنَ التَّأْنِيثُ لِأَجْلِ الْإِضَافَةِ إِلَى الْمُؤَنَّثِ.
(لَمْ تَكُنْ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ. وَالثَّانِي: هِيَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ، أَوْ عَلَى الصِّفَةِ لِنَفْسٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (١٥٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَرَّقُوا دِينَهُمْ) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَبِالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْمُشَدَّدِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فَصَلُوهُ عَنِ الدِّينِ الْحَقِّ، وَيُقْرَأُ فَارَقُوا؛ أَيْ: تَرَكُوا.
(لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) : أَيْ: لَسْتَ فِي شَيْءٍ كَائِنٍ مِنْهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (١٦٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَشْرُ أَمْثَالِهَا) : يُقْرَأُ بِالْإِضَافَةِ؛ أَيْ: فَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ أَمْثَالُهَا، فَاكْتَفَى بِالصِّفَةِ.
وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ عَلَى تَقْدِيرِ فَلَهُ حَسَنَاتٌ عَشْرٌ أَمْثَالُهَا، وَحَذَفَ التَّاءَ مِنْ عَشْرٍ؛ لِأَنَّ الْأَمْثَالَ فِي الْمَعْنَى مُؤَنَّثَةٌ؛ لِأَنَّ مِثْلَ الْحَسَنَةِ حَسَنَةٌ.
стр. 554
وَقِيلَ: أَنَّثَ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى الْمُؤَنَّثِ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (١٦١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (دِينَا) : فِي نَصْبِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: هُوَ بَدَلٌ مِنَ الصِّرَاطِ عَلَى الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى هَدَانِي وَعَرَّفَنِي وَاحِدٌ. وَقِيلَ: مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ أَيْ: عَرَّفَنِي دِينًا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مَفْعُولُ هَدَانِي، وَهَدَى يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ. وَ «قَيِّمًا» : بِالتَّشْدِيدِ صِفَةٌ لِدِينٍ، وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي النِّسَاءِ وَالْمَائِدَةِ. وَ (مِلَّةَ) : بَدَلٌ مِنْ دِينٍ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي. وَ (حَنِيفًا) : حَالٌ أَوْ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (١٦٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَحْيَايَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الْيَاءِ، وَأَصْلُهَا الْفَتْحُ؛ لِأَنَّهَا حَرْفٌ مُضْمَرٌ، فَهِيَ كَالْكَافِ فِي رَأَيْتُكَ، وَالتَّاءُ فِي قُمْتُ، وَقُرِئَ بِإِسْكَانِهَا كَمَا تُسَكَّنُ فِي أَيْ
وَنَحْوِهِ، وَجَازَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا سَاكِنٌ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ تَفْصِلُ بَيْنَهُمَا. وَقَدْ قُرِئَ فِي الشَّاذِّ بِكَسْرِ الْيَاءِ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ مُضْمَرٌ كُسِرَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. (لِلَّهِ) : أَيْ: ذَلِكَ كُلُّهُ لِلَّهِ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) [الْأَنْعَامِ: ١٦٤] .
стр. 555
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ) : هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ) [آلِ عِمْرَانَ: ٨٥] وَقَدْ ذُكِرَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٦٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (دَرَجَاتٍ) : قَدْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ) [الْأَنْعَامِ: ٨٣] .
стр. 556
سُورَةُ الْأَعْرَافِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ تَعَالَى: (المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (٢) .
(المص) : قَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْحُرُوفُ فِي مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ، وَ «كِتَابٌ» خَبَرُهُ، وَأَنْ تَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيِ: الْمَدْعُوُّ بِهِ «المص» ، وَكِتَابٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: هَذَا، أَوْ هُوَ. وَ (أُنْزِلَ) : صِفَةٌ لَهُ.
(فَلَا يَكُنْ) : النَّهْيُ فِي اللَّفْظِ لِلْحَرَجِ، وَفِي الْمَعْنَى لِلْمُخَاطَبِ؛ أَيْ: لَا تَحْرَجْ بِهِ.
وَ (مِنْهُ) : نَعْتٌ لِلْحَرَجِ، وَهِيَ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ؛ أَيْ: لَا تَحْرَجْ مِنْ أَجْلِهِ.
وَ (لِتُنْذِرَ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ اللَّامُ بِأُنْزِلَ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: فَلَا يَكُنْ؛ أَيْ: لَا تَحْرَجْ بِهِ لِتَتَمَكَّنَ مِنَ الْإِنْزَالِ، فَالْهَاءُ فِي مِنْهُ لِلْكِتَابِ، أَوْ لِلْإِنْزَالِ. وَالْهَاءُ فِي «بِهِ» لِلْكِتَابِ. (وَذِكْرَى) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: مَنْصُوبٌ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي أُنْزِلَ، وَمَا بَيْنَهُمَا مُعْتَرِضٌ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَوْضِعِ لِتُنْذِرَ وَتُذَكِّرَ؛ أَيْ: وَلِذِكْرَى. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى كِتَابٍ. وَالثَّانِي: خَبَرُ ابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: وَهُوَ ذِكْرَى.
стр. 557
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ تُنْذِرَ، وَأَجَازَ قَوْمٌ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى الْهَاءِ فِي «بِهِ» ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ الْجَارُّ لَمْ يُعَدْ.
قَالَ تَعَالَى: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) (٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ رَبِّكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِأُنْزِلَ، وَيَكُونَ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ، وَيَكُونَ حَالًا؛ أَيْ: أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ كَائِنًا مِنْ رَبِّكُمْ. وَ (مِنْ دُونِهِ) : حَالٌ مِنْ أَوْلِيَاءَ، وَ (قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) : مِثْلُ: (فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ) [الْبَقَرَةِ: ٨٨] . وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ.
وَ «تَذَكَّرُونَ» بِالتَّخْفِيفِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَبِالتَّشْدِيدِ عَلَى الْإِدْغَامِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) (٤) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ) : فِي «كَمْ» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ مُبْتَدَأٌ، وَ «مِنْ قَرْيَةٍ» تَبْيِينٌ، وَمِنْ زَائِدَةٌ، وَالْخَبَرُ «أَهْلَكْنَاهَا» ، وَجَازَ تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ الْعَائِدِ عَلَى «كَمْ» ؛ لِأَنَّ كَمْ فِي الْمَعْنَى «قُرًى» . وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَهْلَكْنَاهَا صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ، وَالْخَبَرُ «فَجَاءَهَا بَأْسُنَا» وَهُوَ سَهْوٌ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ تَمْنَعُ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ «كَمْ» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، دَلَّ عَلَيْهِ أَهْلَكْنَاهَا، وَالتَّقْدِيرُ: كَثِيرًا مِنَ الْقُرَى أَهْلَكْنَا، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْفِعْلِ عَلَى «كَمْ» وَإِنْ كَانَتْ خَبَرًا؛ لِأَنَّ لَهَا صَدْرُ الْكَلَامِ إِذْ أَشْبَهَتْ رُبَّ، وَالْمَعْنَى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَرَدْنَا إِهْلَاكَهَا كَقَوْلِهِ: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) [النَّحْلِ: ٩٨] : أَيْ: أَرَدْتَ قِرَاءَتَهُ.
стр. 558
وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ عَلَى الْقَلْبِ؛ أَيْ: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ جَاءَهَا بَأْسُنَا فَأَهْلَكْنَاهَا، وَالْقَلْبُ هُنَا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، فَيَبْقَى مَحْضَ ضَرُورَةٍ، وَالتَّقْدِيرُ: أَهْلَكْنَا أَهْلَهَا فَجَاءَ أَهْلُهَا. (بَيَاتًا) : الْبَيَاتُ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ الظَّرْفِ. (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ، وَ «أَوْ» لِتَفْصِيلِ الْجُمَلِ؛ أَيْ: جَاءَ بَعْضُهُمْ بَأْسُنَا لَيْلًا وَبَعْضُهُمْ نَهَارًا، وَالْوَاوُ هُنَا وَاوُ «أَوْ» وَلَيْسَتْ حَرْفَ الْعَطْفِ سُكِّنَتْ تَخْفِيفًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا) [الْبَقَرَةِ: ١٠٠] .
قَالَ تَعَالَى: (فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) (٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (دَعْوَاهُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ كَانَ، وَ (إِلَّا أَنْ قَالُوا) : الْخَبَرُ، وَيَجُوزُ الْعَكْسُ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) (٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِعِلْمٍ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ: عَالِمِينَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْوَزْنُ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ (يَوْمَئِذٍ) : خَبَرُهُ، وَالْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ وَالْوَزْنُ كَائِنٌ يَوْمَئِذٍ. وَ (الْحَقُّ) : صِفَةٌ لِلْوَزْنِ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْوَزْنُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: هَذَا الْوَزْنُ. وَيَوْمَئِذٍ ظَرْفٌ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ صِفَةً؛ لِئَلَّا يُفْصَلَ بَيْنَ الْمَوْصُولِ وَصِلَتِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ) (٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِمَا كَانُوا) : «مَا» مَصْدَرِيَّةٌ؛ أَيْ: بِظُلْمِهِمْ، وَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِخَسِرُوا.
стр. 559
قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد مكناكم فِي الأَرْض وَجَعَلنَا لكم فِيهَا معايش قَلِيلا مَا تشكرون﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَعَايِشَ) : الصَّحِيحُ أَنَّ الْيَاءَ لَا تُهْمَزُ هُنَا؛ لِأَنَّهَا أَصْلِيَّةٌ، وَحُرِّكَتْ لِأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ مُحَرَّكَةٌ، وَوَزْنُهَا مَعْيِشَةٌ كَمَحْبِسَةٍ، وَأَجَازَ قَوْمٌ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهَا الْفَتْحَ، وَأُعِلَّتْ بِالتَّسْكِينِ فِي الْوَاحِدِ كَمَا أُعِلَّتْ فِي يَعِيشُ، وَهَمَزَهَا قَوْمٌ، وَهُوَ بِعِيدٌ جِدًّا، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ شِبْهُ الْأَصْلِيَّةِ الزَّائِدَةِ، نَحْوَ سَفِينَةٍ وَسَفَائِنَ. (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) : مِثْلُ الَّذِي تَقَدَّمَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (١١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ) : أَيْ إِيَّاكُمْ. وَقِيلَ: الْكَافُ لِلْجِنْسِ الْمُخَاطَبِ، وَهُنَا مَوَاضِعُ كَثِيرَةٌ قَدْ تَقَدَّمَتْ. (لَمْ يَكُنْ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (١٢) .
قَوْلُهُ
تَعَالَى
: (أَلَّا
) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَ (إِذْ) : ظَرْفٌ لِتَسْجُدَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ) : الْجَارُّ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ: خَلَقْتَنِي كَائِنًا مِنْ نَارٍ،
стр. 560
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، فَيَتَعَلَّقُ بِخَلَقْتَنِي، وَلَا زَائِدَةٌ؛ أَيْ: وَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) (١٣) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِيهَا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) (١٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَبِمَا) : الْبَاءُ تَتَعَلَّقُ بِـ (لَأَقْعُدَنَّ) وَقِيلَ: الْبَاءُ بِمَعْنَى اللَّامِ. (صِرَاطَكَ) : ظَرْفٌ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: عَلَى صِرَاطِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (١٧) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ) : هُوَ جَمْعُ شَمَالٍ، وَلَوْ جُمِعَ أَشِمْلَةً وَشَمْلَاءَ جَازَ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) (١٨) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَذْءُومًا) : يُقْرَأُ بِالْهَمْزِ، وَهُوَ مِنْ ذَأَمْتُهُ إِذَا عِبْتُهُ، وَيُقْرَأُ: «مَذُومًا» بِالْوَاوِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَلْقَى حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ عَلَى الذَّالِ وَحَذَفَهَا. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ مَذِيمًا؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ مِنْهُ ذَامَهُ يَذِيمُهُ ذَيْمًا، فَأُبْدِلَتِ الْيَاءُ وَاوًا، كَمَا قَالُوا فِي مَكِيلٍ: مَكُولٌ، وَفِي مَشِيبٍ: مَشُوبٌ، وَهُوَ وَمَا بَعْدَهُ حَالَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مَدْحُورًا» حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «مَذْءُومًا» .: (لَمَنْ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَسَدَّ الْقَسَمُ الْمُقَدَّرُ وَجَوَابُهُ مَسَدَّ الْخَبَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (لَأَمْلَأَنَّ) .
стр. 561
وَ (مِنْكُمْ) : خِطَابٌ لِجَمَاعَةٍ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ إِلَّا خِطَابٌ وَاحِدٌ، وَلَكِنْ نَزَّلَهُ مَنْزِلَةَ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ رَئِيسُهُمْ، أَوْ لِأَنَّهُ رَجَعَ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (١٩) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَذِهِ الشَّجَرَةَ) : يُقْرَأُ هَذِي بِغَيْرِ هَاءٍ، وَالْأَصْلُ فِي «ذَا» : ذَيٌّ لِقَوْلِهِمْ فِي التَّصْغِيرِ: ذَيًّا فَحُذِفَتِ الْيَاءُ الثَّانِيَةُ تَخْفِيفًا، وَقُلِبَتِ الْيَاءُ الْأُولَى أَلِفًا؛ لِئَلَّا تَبْقَى مِثْلَ كَيْ، فَإِذَا خَاطَبْتَ الْمُؤَنَّثَ، رُدَّتِ الْيَاءُ، وَكُسِرَتِ الذَّالُ؛ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ التَّأْنِيثُ وَالتَّغْيِيرُ. وَأَمَّا الْهَاءُ فَجُعِلَتْ عِوَضًا مِنَ الْمَحْذُوفِ حِينَ رُدَّ إِلَى الْأَصْلِ، وَوُصِلَتْ بِيَاءٍ؛ لِأَنَّهَا مِثْلُ هَاءِ الضَّمِيرِ فِي اللَّفْظِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) (٢٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ سَوْآتِهِمَا) : الْجُمْهُورُ عَلَى تَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ. وَيُقْرَأُ بِوَاوٍ مَفْتُوحَةٍ، وَحَذْفِ الْهَمْزَةِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَلْقَى حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ عَلَى الْوَاوِ، وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَذَلِكَ عَلَى إِبْدَالِ الْهَمْزَةِ وَاوًا. وَيُقْرَأُ «سَوْأَتُهُمَا» عَلَى التَّوْحِيدِ، وَهُوَ جِنْسٌ. (إِلَّا أَنْ تَكُونَا) : أَيْ إِلَّا مَخَافَةَ أَنْ تَكُونَا، فَهُوَ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ. (مَلَكَيْنِ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا، وَالْمَعْنَى مَفْهُومٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) (٢١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) : هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) [الْبَقَرَةِ: ١٣٠] . وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ.
стр. 562
قَالَ تَعَالَى: (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) (٢٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ) : الْأَلِفُ بَدَلٌ مِنْ يَاءٍ مُبْدَلَةٍ مِنْ لَامٍ، وَالْأَصْلُ دَلَّلَهُمَا مِنَ الدَّلَالَةِ، لَا مِنَ الدَّلَالِ، وَجَازَ إِبْدَالُ اللَّامِ لَمَّا صَارَ فِي الْكَلِمَةِ ثَلَاثُ لَامَاتٍ.
(بِغُرُورٍ) : يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْبَاءُ بِهَذَا الْفِعْلِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ؛ أَيْ: وَهُمَا مُغْتَرَّانِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَطَفِقَا) : فِي حُكْمِ كَادَ، وَمَعْنَاهَا الْأَخْذُ فِي الْفِعْلِ.
وَ (يَخْصِفَانِ) : مَاضِيهِ خَصَفَ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَالتَّقْدِيرُ: شَيْئًا «مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ» .
وَقُرِئَ بِضَمِّ الْيَاءِ، وَكَسْرِ الصَّادِ مُخَفَّفًا، وَمَاضِيهِ أَخْصَفَ، وَبِالْهَمْزَةِ يَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَخْصِفَانِ أَنْفُسَهُمَا.
وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَتَشْدِيدِ الصَّادِ، وَكَسْرِهَا مَعَ فَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا مَعَ فَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِهَا، وَقَدْ ذُكِرَ تَعْلِيلُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ) [الْبَقَرَةِ: ٢٠] .
(عَنْ تِلْكُمَا) : وَقَدْ ذَكَرْنَا أَصْلَ «تِلْكَ» . وَالْإِشَارَةُ إِلَى الشَّجَرَةِ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَالْمُخَاطَبُ اثْنَانِ، فَلِذَلِكَ ثَنَّى حَرْفَ الْخِطَابِ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) (٢٥) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) : الْوَاوُ فِي الْأَصْلِ تَعْطِفُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَكِنْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِالظَّرْفِ؛ لِأَنَّهُ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ.
وَتُخْرَجُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِهَا، وَالْمَعْنَى فِيهَا مَفْهُومٌ.
стр. 563
قَالَ تَعَالَى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (٢٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَرِيشًا) : هُوَ جَمْعُ رِيشَةٍ، وَيُقْرَأُ رِيَاشًا، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ جَمْعٌ، وَاحِدُهُ رِيشٌ، مِثْلُ رِيحٍ وَرِيَاحٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ اسْمٌ لِلْجَمْعِ مِثْلُ اللِّبَاسِ. (وَلِبَاسُ التَّقْوَى) : يُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى رِيشًا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَنْزِلُ اللِّبَاسُ وَالرِّيشُ، قِيلَ: لَمَّا كَانَ الرِّيشُ وَاللِّبَاسُ يَنْبُتَانِ بِالْمَطَرِ، وَالْمَطَرُ يَنْزِلُ، جُعِلَ مَا هُوَ الْمُسَبَّبُ بِمَنْزِلَةِ السَّبَبِ، وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ. وَ (ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ (خَيْرٌ) : خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ لِبَاسٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَعْتًا لِلِبَاسُ؛ أَيِ: الْمَذْكُورُ وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْهُ، أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ، وَخَيْرٌ الْخَبَرُ. وَقِيلَ: لِبَاسُ التَّقْوَى خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وَسَاتِرُ عَوْرَاتِكُمْ لِبَاسُ التَّقْوَى، أَوْ عَلَى الْعَكْسِ؛ أَيْ: وَلِبَاسُ التَّقْوَى سَاتِرُ عَوْرَاتِكُمْ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفُ
مُضَافٍ؛ أَيْ: وَلِبَاسُ أَهْلِ التَّقْوَى، وَقِيلَ الْمَعْنَى: وَلِبَاسُ الِاتِّقَاءِ الَّذِي يُتَّقَى بِهِ النَّظَرُ، فَلَا حَذْفَ إِذًا.
قَالَ تَعَالَى: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (٢٧) .
стр. 564
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَفْتِنَنَّكُمُ) : النَّهْيُ فِي اللَّفْظِ لِلشَّيْطَانِ، وَالْمَعْنَى لَا تَتَّبِعُوا الشَّيْطَانَ فَيَفْتِنَكُمْ. (كَمَا أَخْرَجَ) : أَيْ فِتْنَةً كَفِتْنَةِ أَبَوَيْكُمْ بِالْإِخْرَاجِ. (يَنْزِعُ عَنْهُمَا) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ إِنْ شِئْتَ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي أَخْرَجَ، وَإِنْ شِئْتَ مِنَ الْأَبَوَيْنِ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَمِيرَيْنِ لَهُمَا، وَيَنْزِعُ حِكَايَةُ أَمْرٍ قَدْ وَقَعَ؛ لِأَنَّ نَزْعَ اللِّبَاسِ عَنْهُمَا كَانَ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ. فَإِنْ قِيلَ: الشَّيْطَانُ لَمْ يَنْزِعْ عَنْهُمَا اللِّبَاسَ، قِيلَ: لَكِنَّهُ تَسَبَّبَ فَنُسِبَ الْإِخْرَاجُ وَالنَّزْعُ إِلَيْهِ. (هُوَ وَقَبِيلُهُ) : هُوَ تَوْكِيدٌ لِضَمِيرِ الْفَاعِلِ لِيَحْسُنَ الْعَطْفُ عَلَيْهِ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) (٢٩) (فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) (٣٠) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَقِيمُوا) : فِي تَقْدِيرِ الْكَلَامِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ «الْقِسْطِ» عَلَى الْمَعْنَى؛ أَيْ: أَمَرَ رَبِّي فَقَالَ أَقْسِطُوا وَأَقِيمُوا. وَالثَّانِي: فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَأَقْبِلُوا وَأَقِيمُوا. وَ (الدِّينَ) : مَنْصُوبٌ بِمُخْلِصِينَ، وَلَا يَجُوزُ هَنَا فَتْحُ اللَّامِ فِي «مُخْلِصِينَ» : لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَفْعُولِ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ لَا يُسَمَّى الْفَاعِلُ. (كَمَا) : الْكَافُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: تَعُودُونَ عَوْدًا كَبَدْئِكُمْ. (فَرِيقًا هَدَى) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَنْصُوبٌ بِهَدَى، «وَفَرِيقًا» الثَّانِي مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ:
стр. 565
وَأَضَلَّ فَرِيقًا، وَمَا بَعْدَهُ تَفْسِيرٌ لِلْمَحْذُوفِ، وَالْكَلَامُ كُلُّهُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «تَعُودُونَ» ، «وَقَدْ» مَعَ الْفِعْلِ مُرَادَةٌ تَقْدِيرُهُ: تَعُودُونَ قَدْ هَدَى فَرِيقًا وَأَضَلَّ فَرِيقًا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «فَرِيقًا» فِي الْمَوْضِعَيْنِ حَالٌ، وَ «هَدَى» وَصْفٌ لِلْأَوَّلِ، وَ (حَقَّ عَلَيْهِمُ) : وَصْفٌ لِلثَّانِي، وَالتَّقْدِيرُ: تَعُودُونَ فَرِيقَيْنِ. وَقَرَأَ بِهِ أُبَيٌّ. وَلَمْ تُلْحَقْ تَاءُ التَّأْنِيثِ بِـ «حَقَّ» لِلْفَصْلِ، أَوْ لِأَنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (٣١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) : ظَرْفٌ لِـ «خُذُوا» وَلَيْسَ بِحَالٍ لِلزِّينَةِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهَا يَكُونُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: عِنْدَ قَصْدِ كُلِّ مَسْجِدٍ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (٣٢) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ هِيَ) : هِيَ مُبْتَدَأٌ، وَفِي الْخَبَرِ سِتَّةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: (خَالِصَةً) : عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ رَفَعَ؛ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ اللَّامُ مُتَعَلِّقَةً بِخَالِصَةٍ؛ أَيْ: هِيَ خَالِصَةٌ لِمَنْ آمَنَ فِي الدُّنْيَا، وَ «يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ظَرْفٌ لِخَالِصَةٍ، وَلَمْ يَمْتَنِعْ تَعَلُّقُ الظَّرْفَيْنِ بِهَا؛ لِأَنَّ اللَّامَ لِلتَّبْيِينِ. وَ (يَوْم) لَا: ظَرْفٌ مَحْضٌ وَ (فِي) مُتَعَلِّقَةٌ بِآمَنُوا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ لِلَّذِينِ، وَخَالِصَةٌ خَبَرٌ ثَانٍ، وَفِي مُتَعَلِّقَةٌ بِآمَنُوا. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ لِلَّذِينِ، وَفِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَعْمُول الظّرْف الذى هُوَ اللَّام أى يسْتَقرّ للَّذين آمنُوا فى الْحَيَاة الدُّنْيَا وَخَالِصَةٌ خَبَرٌ ثَانٍ.
следующие страницы →