← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22928

التبيان في إعراب القرآن

أبو البقاء العكبري

Полный текст (1 313 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ حُلِيِّهِمْ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَسُكُونِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ، وَهُوَ وَاحِدٌ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْحَاءِ، وَكَسْرِ اللَّامِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَهُوَ جَمْعٌ أَصْلُهُ حُلُوَى، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً، أُدْغِمَتْ فِي الْيَاءِ الْأُخْرَى، ثُمَّ كُسِرَتِ اللَّامُ إِتْبَاعًا لَهَا. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَاللَّامِ وَالتَّشْدِيدِ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَتْبَعَ الْكَسْرُ الْكَسْرَ. (عِجْلًا) : مَفْعُولُ اتَّخَذَهُ. وَ (جَسَدًا) : نَعْتٌ أَوْ بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ مِنْ حُلِيِّهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِعِجْلٍ، قُدِّمَ فَصَارَ حَالًا، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِاتَّخَذَ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: إِلَهًا. قَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (١٤٩) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) : الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ قَائِمٌ مَقَامَ الْفَاعِلِ، وَالتَّقْدِيرُ: سَقَطَ النَّدَمُ فِي أَيْدِيهِمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (١٥٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (غَضْبَانَ) : حَالٌ مِنْ مُوسَى. وَ (أَسِفًا) : حَالٌ آخَرُ بَدَلٌ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي غَضْبَانَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ مُوسَى، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الرَّأْسِ، وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ أَخِيهِ. (قَالَ ابْنَ أُمَّ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَالْكَسْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ، وَبِفَتْحِهَا، وَفِيهِ وَجْهَانِ:

стр. 597

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَلِفَ مَحْذُوفَةٌ، وَأَصْلُ الْأَلِفِ الْيَاءُ، وَفُتِحَتِ الْمِيمُ قَبْلَهَا، فَانْقَلَبَتْ أَلِفًا، وَبَقِيَتِ الْفَتْحَةُ تَدُلُّ عَلَيْهَا، كَمَا قَالُوا: يَا بِنْتَ عَمَّا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ جَعَلَ ابْنَ وَالْأُمَّ بِمَنْزِلَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَبَنَاهُمَا عَلَى الْفَتْحِ. (فَلَا تُشْمِتْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ التَّاءِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ. وَ (الْأَعْدَاءَ) : مَفْعُولُهُ، وَقُرِئَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْمِيمِ، وَالْأَعْدَاءُ فَاعِلُهُ، وَالنَّهْيُ فِي اللَّفْظِ لِلْأَعْدَاءِ، وَفِي الْمَعْنَى لِغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مُوسَى كَمَا تَقُولُ لَا أَرَيْنَكَ هَاهُنَا، وَقُرِئَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْمِيمِ، وَنَصْبِ الْأَعْدَاءِ؛ وَالتَّقْدِيرُ: لَا تَشْمَتْ أَنْتَ بِيَ، فَتُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ، فَحُذِفَ الْفِعْلُ. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٣٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ) : مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ «إِنَّ رَبَّكَ بَعْدَهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: غَفُورٌ لَهُمْ، أَوْ رَحِيمٌ بِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) (١٥٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْأَلْوَاحِ. (لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) : فِي اللَّامِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هِيَ بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ رَبِّهِمْ فَمَفْعُولُ يَرْهَبُونَ عَلَى هَذَا مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: يَرْهَبُونَ عِقَابَهُ. وَالثَّانِي: هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وَالَّذِينَ هُمْ يَخْشَعُونَ لِرَبِّهِمْ. وَالثَّالِثُ: هِيَ زَائِدَةٌ، وَحَسُنَ ذَلِكَ لَمَّا تَأَخَّرَ الْفِعْلُ.

стр. 598

قَالَ تَعَالَى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) (١٥٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) : اخْتِيَارٌ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، أَحَدُهُمَا بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَقَدْ حُذِفَ هَاهُنَا، وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ قَوْمِهِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «سَبْعِينَ» بَدَلًا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ؛ لِأَنَّ الْمُبْدَلَ مِنْهُ فِي نِيَّةِ الطَّرْحِ، وَالِاخْتِيَارُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُخْتَارٍ، وَمُخْتَارٍ مِنْهُ، وَالْبَدَلُ يُسْقِطُ الْمُخْتَارَ مِنْهُ، وَأَرَى أَنَّ الْبَدَلَ جَائِزٌ عَلَى ضَعْفٍ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ «سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ» . (أَتُهْلِكُنَا) : قِيلَ: هُوَ اسْتِفْهَامٌ؛ أَيْ: أَتَعُمُّنَا بِالْإِهْلَاكِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ النَّفْيُ؛ أَيْ: مَا تُهْلِكُ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ. وَ (مِنَّا) : حَالٌ مِنَ السُّفَهَاءِ. (تُضِلُّ بِهَا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْكَافِ فِي فِتْنَتِكَ، إِذْ لَيْسَ هُنَا مَا يَصْلُحُ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْحَالِ. قَالَ تَعَالَى: (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) (١٥٦) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُدْنَا) : الْمَشْهُورُ ضَمُّ الْهَاءِ، وَهُوَ مِنْ هَادَ يَهُودُ إِذَا تَابَ، وَقُرِئَ بِكَسْرِهَا، وَهُوَ مِنْ هَادَ يَهِيدُ إِذَا تَحَرَّكَ أَوْ حَرَّكَ؛ أَيْ: حَرَّكْنَا إِلَيْكَ نُفُوسَنَا. (مَنْ أَشَاءُ) : الْمَهْشُورُ فِي الْقِرَاءَةِ الشِّينُ، وَقُرِئَ بِالسِّينِ وَالْفَتْحِ، وَهُوَ فِعْلٌ مَاضٍ؛ أَيْ: أُعَاقِبُ الْمُسِيءَ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (١٥٧) .

стр. 599

قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ) : فِي الَّذِينَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ جَرٌّ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلَّذِينِ يَتَّقُونَ، أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ. وَالثَّانِي: نَصْبٌ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي. وَالثَّالِثُ: رَفْعٌ؛ أَيْ: هُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ «يَأْمُرُهُمْ» وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. (الْأُمِّيَّ) : الْمَشْهُورُ ضَمُّ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ، وَقُرِئَ بِفَتْحِهَا، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنْ تَغْيِيرِ النِّسْبَةِ كَمَا قَالُوا أُمَوِيٌّ. وَالثَّانِي: هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ وَهُوَ الْقَصْدُ؛ أَيِ: الَّذِي هُوَ عَلَى الْقَصْدِ وَالسَّدَادِ. (يَجِدُونَهُ) : أَيْ: يَجِدُونَ اسْمَهُ. وَ (مَكْتُوبًا) : حَالٌ. وَ (عِنْدَهُمْ) : ظَرْفٌ لِمَكْتُوبٍ أَوْ لِيَجِدُونَ. (يَأْمُرُهُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِلَّذِينِ، وَقَدْ ذُكِرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، أَوْ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ النَّبِيِّ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي مَكْتُوبٍ. (إِصْرَهُمْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْإِفْرَادِ، وَهُوَ جِنْسٌ، وَيُقْرَأُ: «آصَارَهُمْ» عَلَى الْجَمْعِ لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الثِّقَلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ، وَلِذَلِكَ جَمَعَ الْأَغْلَالَ. (وَعَزَّرُوهُ) : بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْمَائِدَةِ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (١٥٨) .

стр. 600

قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ) : مَوْضِعُ نَصْبٍ بِإِضْمَارِ أَعْنِي؛ أَيْ: فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى إِضْمَارِ هُوَ؛، وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلَّهِ، أَوْ بَدَلًا مِنْهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِإِلَيْكُمْ وَحَالِهِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِرَسُولٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (١٦٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَطَّعْنَا بِمَعْنَى صَيَّرَنَا، فَيَكُونُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَفْعُولًا ثَانِيًا. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَالًا؛ أَيْ: فَرَّقْنَاهُمْ فِرَقًا. وَ (عَشْرَةَ) : بِسُكُونِ الشِّينِ وَكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا لُغَاتٌ، قَدْ قُرِئَ بِهَا. وَ (أَسْبَاطًا) : بَدَلٌ مِنَ «اثْنَتَيْ عَشْرَةَ» ، لَا تَمْيِيزَ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ. وَ (أُمَمًا) : نَعْتٌ لِأَسْبَاطٍ، أَوْ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ وَأَنَّثَ «اثْنَتَيْ عَشْرَةَ» ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً. (أَنِ اضْرِبْ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى أَيْ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) (١٦١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حِطَّةٌ) : هُوَ مِثْلُ الَّذِي فِي الْبَقَرَةِ. وَ (نَغْفِرْ لَكُمْ) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا هَاهُنَا. قَالَ تَعَالَى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (١٦٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَنِ الْقَرْيَةِ) : أَيْ عَنْ خَبَرِ الْقَرْيَةِ، وَهَذَا الْمَحْذُوفُ هُوَ النَّاصِبُ لِلظَّرْفِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ: إِذْ يَعْدُونَ،

стр. 601

وَقِيلَ: هُوَ ظَرْفٌ لِحَاضِرَةٍ، وَجَوَّزَ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، ثُمَّ خَرِبَتْ، وَيَعْدُونَ خَفِيفٌ، وَيُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالْفَتْحِ، وَالْأَصْلُ يَعْتَدُونَ، وَقَدْ ذُكِرَ نَظِيرُهُ فِي «يَخْصِفُ» . (إِذْ تَأْتِيهِمْ) : ظَرْفٌ لِـ «يَعْدُونَ» . وَ (حِيتَانُهُمْ) : جَمْعُ حُوتٍ، أُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً لِسُكُونِهَا، وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا. (شُرَّعًا) : حَالٌ مِنَ الْحِيتَانِ. (وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ) : ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ «لَا تَأْتِيهِمْ» . قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (١٦٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَعْذِرَةً) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ؛ أَيْ: مَوْعِظَتُنَا مَعْذِرَةٌ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِ لَهُ؛ أَيْ: وَعْظُنَا لِلْمَعْذِرَةِ. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ؛ أَيْ: نَعْتَذِرُ مَعْذِرَةً. قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (١٦٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِعَذَابٍ بَئِيسٍ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا. وَفِيهِ وَجْهَانِ:

стр. 602

أَحَدُهُمَا: هُوَ نَعْتٌ لِلْعَذَابِ، مِثْلُ شَدِيدٍ. وَالثَّانِي: هُوَ مَصْدَرٌ مِثْلُ النَّذِيرِ؛ وَالتَّقْدِيرُ: بِعَذَابٍ ذِي بَأْسٍ؛ أَيْ: ذِي شِدَّةٍ، وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ بِتَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ وَتَقْرِيبِهَا مِنَ الْيَاءِ، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ لَا يَاءَ بَعْدَهَا، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ صِفَةٌ مِثْلُ قَلِقٍ وَحَنِقٍ. وَالثَّانِي: هُوَ مَنْقُولٌ مِنْ بِئْسَ الْمَوْضُوعَةِ لِلذَّمِّ إِلَى الْوَصْفِ، وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِكَسْرِ الْبَاءِ إِتْبَاعًا، وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَأَصْلُهَا فَتْحُ الْبَاءِ وَكَسْرُ الْهَمْزَةِ، فَكَسَرَ الْبَاءَ إِتْبَاعًا، وَسَكَّنَ الْهَمْزَةَ تَخْفِيفًا، وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّ مَكَانَ الْهَمْزَةِ يَاءٌ سَاكِنَةٌ، وَذَلِكَ تَخْفِيفٌ كَمَا تَقُولُ فِي ذِئْبٍ ذِيبٌ، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْيَاءِ، وَأَصْلُهَا هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ أُبْدِلَتْ يَاءً، وَيُقْرَأُ بِيَاءَيْنِ عَلَى فَيْعَالٍ، وَيُقْرَأُ: «بَيَسَ» بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَأَصْلُهُ بَاءٌ سَاكِنَةٌ، وَهَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ، إِلَّا أَنَّ حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ أُلْقِيَتْ عَلَى الْيَاءِ، وَلَمْ تُقْلَبِ الْيَاءُ أَلِفًا؛ لِأَنَّ حَرَكَتَهَا عَارِضَةٌ. وَيُقْرَأُ «بَيْأَسٌ» مِثْلُ ضَيْغَمٍ، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِهَا مِثْلُ سَيِّدٍ وَمَيِّتٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مِثْلُهُ مِنَ الْهَمْزِ. وَيُقْرَأُ «بَأْيَسٌ» بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْيَاءِ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فَعِيلٌ، وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِكَسْرِ الْبَاءِ مِثْلَ عِثِيرٍ وَحِدِيمٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٦٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَأَذَّنَ) : هُوَ بِمَعْنَى أَذَّنَ؛ أَيْ: أَعْلَمَ. (

стр. 603

إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) : يَتَعَلَّقُ بِتَأَذَّنَ أَوْ بِـ «يَبْعَثَ» ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِـ «يَسُومُهُمْ» ؛ لِأَنَّ الصِّلَةَ أَوِ الصِّفَةَ لَا تَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (١٦٨) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا) : مَفْعُولٌ ثَانٍ. أَوْ حَالٌ. (مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ) : صِفَةٌ لِأُمَمٍ، أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ. وَ (دُونَ ذَلِكَ) : ظَرْفٌ، أَوْ خَبَرٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) [الْأَنْعَامِ: ٩٤] . قَالَ تَعَالَى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (١٩٦) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَرِثُوا الْكِتَابَ) : نَعْتٌ لِخَلَفَ. (يَأْخُذُونَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي وَرِثُوا. (وَدَرَسُوا) : مَعْطُوفٌ عَلَى «وَرِثُوا» . وَقَوْلُهُ: «أَلَمْ يُؤْخَذْ» مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُمَا، وَيُقْرَأُ ادَّارَسُوا، وَهُوَ مِثْلُ ادَّارَكُوا فِيهَا، وَقَدْ ذُكِرَ. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) (١٩٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ) : مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) وَالتَّقْدِيرُ: مِنْهُمْ. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: إِنَّهُ وَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ؛ أَيْ: لَا نُضِيعُ أَجْرَهُمْ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: لَمَّا كَانَ الصَّالِحُونَ جِنْسًا، وَالْمُبْتَدَأُ وَاحِدًا مِنْهُ اسْتَغْنَيْتَ عَنْ ضَمِيرٍ. وَيُمَسِّكُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وَالْمَاضِي مِنْهُ مَسَكَ،

стр. 604

وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ مِنْ أَمْسَكَ، وَمَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ تَمَسَّكَ بِالْكِتَابِ؛ أَيْ: عَمِلَ بِهِ وَالْكِتَابُ جِنْسٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (١٧١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ نَتَقْنَا) : أَيِ: اذْكُرْ إِذْ. . . وَ (فَوْقَهُمْ) : ظَرْفٌ لِنَتَقْنَا، أَوْ حَالٌ مِنَ الْجَبَلِ غَيْرُ مُؤَكِّدَةٍ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْجَبَلِ فَوْقَهُمْ تَخْصِيصٌ لَهُ بِبَعْضِ جِهَاتِ الْعُلُوِّ. (كَأَنَّهُ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْجَبَلِ أَيْضًا. (وَظَنُّوا) : مُسْتَأْنَفٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى نَتَقْنَا، فَيَكُونَ مَوْضِعُهُ جَرًّا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، وَقَدْ مَعَهُ مُرَادَةٌ. (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) (١٧٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذَ) : أَيْ: وَاذْكُرْ. (مِنْ ظُهُورِهِمْ) : بَدَلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ؛ أَيْ: مِنْ ظُهُورِ بَنِي آدَمَ، وَأَعَادَ حَرْفَ الْجَرِّ مَعَ الْبَدَلِ، وَهُوَ بَدَلُ الِاشْتِمَالِ. (أَنْ تَقُولُوا) : بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ، وَهُوَ مَفْعُولٌ لَهُ؛ أَيْ: مَخَافَةَ أَنْ تَقُولُوا، وَكَذَلِكَ: (أَوْ تَقُولُوا) .

стр. 605

قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (١٧٦) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) : الْكَلَامُ كُلُّهُ حَالٌ مِنَ الْكَلْبِ تَقْدِيرُهُ: يُشْبِهُ الْكَلْبَ لَاهِثًا فِي كُلِّ حَالٍ. قَالَ تَعَالَى: (سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ) (١٧٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَاءَ) : هُوَ بِمَعْنَى بِئْسَ، وَفَاعِلُهُ مُضْمَرٌ؛ أَيْ: سَاءَ الْمَثَلُ. وَ (مَثَلًا) : مُفَسِّرُ «الْقَوْمُ» ؛ أَيْ: مِثْلَ الْقَوْمِ، لَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ الْمَخْصُوصَ بِالذَّمِّ مِنْ جِنْسِ فَاعِلِ بِئْسَ، وَالْفَاعِلُ الْمَثَلُ، وَالْقَوْمُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمَثَلِ، فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: مَثَلُ الْقَوْمِ، فَحَذَفَهُ وَأَقَامَ الْقَوْمَ مَقَامَهُ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا﴾ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِجَهَنَّمَ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِذَرَأْنَا؛ وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ: كَثِيرٍ؛ أَيْ: كَثِيرًا لِجَهَنَّمَ، وَ (مِنَ الْجِنِّ) : نَعْتٌ لِكَثِيرٍ. (لَهُمْ قُلُوبٌ) : نَعْتٌ لِكَثِيرٍ أَيْضًا. قَالَ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (١٨٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) : الْحُسْنَى صِفَةٌ مُفْرَدَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَجْمُوعٍ، وَأُنِّثَ لِتَأْنِيثِ الْجَمْعِ. (يُلْحِدُونَ) : يُقْرَأُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، وَمَاضِيهِ أَلْحَدَ، وَبِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْحَاءِ وَمَاضِيهِ لَحَدَ، وَهُمَا لُغَتَانِ. قَالَ تَعَالَى: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (١٨١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا) : نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أَوْ بِمَعْنَى الَّذِي. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) (١٨٢) .

стр. 606

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا) : مُبْتَدَأٌ، وَ (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ) : الْخَبَرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ فَسَرَّهُ الْمَذْكُورُ؛ أَيْ: سَنَسْتَدْرِجُ الَّذِينَ. قَالَ تَعَالَى: (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (١٨٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأُمْلِي) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: وَأَنَا أُمْلِي. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى «نَسْتَدْرِجُ» ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) (١٨٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا بِصَاحِبِهِمْ) : فِي «مَا» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَافِيَةٌ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي قَوْلِهِمْ بِهِ جَنَّةٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا اسْتِفْهَامٌ؛ أَيْ: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا أَيَّ شَيْءٍ بِصَاحِبِهِمْ مِنَ الْجُنُونِ مَعَ انْتِظَامِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْكَلَامُ خَرَجَ عَنْ زَعْمِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (١٨٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنْ عَسَى) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَأَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ هِيَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى مَلَكُوتٍ. وَ (أَنْ يَكُونَ) : فَاعِلُ عَسَى، وَأَمَّا اسْمُ يَكُونَ فَمُضْمَرٌ فِيهَا وَهُوَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ. وَ (قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبِ خَبَرِ كَانَ، وَالْهَاءُ فِي «بَعْدِهِ» ضَمِيرُ الْقُرْآنِ. قَالَ تَعَالَى: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (١٨٦) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَا هَادِيَ) : فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ. (

стр. 607

وَيَذَرُهُمْ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَبِالْجَزْمِ عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ «فَلَا هَادِيَ» . وَقِيلَ: سُكِّنَتْ لِتَوَالِي الْحَرَكَاتِ. قَالَ تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (١٨٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَيَّانَ) : اسْمٌ مَبْنِيٌّ لِتَضَمُّنِهِ حَرْفَ الِاسْتِفْهَامِ بِمَعْنَى مَتَى، وَهُوَ خَبَرٌ لِـ «مُرْسَاهَا» . وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنَ السَّاعَةِ؛ تَقْدِيرُهُ: يَسْأَلُونَكَ عَنْ زَمَانِ حُلُولِ السَّاعَةِ. وَ (مُرْسَاهَا) : مُفْعَلٌ مِنْ أَرْسَى، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِثْلُ الْمُدْخَلِ وَالْمُخْرَجِ بِمَعْنَى الْإِدْخَالِ وَالْإِخْرَاجِ؛ أَيْ: مَتَى أَرْسَاهَا. (إِنَّمَا عِلْمُهَا) : الْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ؛ وَ «عِنْدَ» : الْخَبَرُ. (ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ) : أَيْ: ثَقُلَتْ عَلَى أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ أَيْ: تَثْقُلُ عِنْدَ وُجُودِهَا. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: ثَقُلَ عِلْمُهَا عَلَى أَهْلِ السَّمَاوَاتِ. (حَفِيٌّ عَنْهَا) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَقْدِيرُهُ: يَسْأَلُونَكَ عَنْهَا كَأَنَّكَ حَفِيٌّ؛ أَيْ: مَعْنِيٌ بِطَلَبِهَا، فَقَدَّمَ وَأَخَّرَ. وَالثَّانِي: أَنْ «عَنْ» بِمَعْنَى الْبَاءِ؛ أَيْ: حَفِيٌّ بِهَا، وَكَأَنَّكَ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ، وَحَفِيٌّ بِمَعْنَى مَحْفُوٍّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنَى فَاعِلٍ.

стр. 608

قَالَ تَعَالَى: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (١٨٨) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِنَفْسِي) : يَتَعَلَّقُ بِأَمْلِكُ، أَوْ حَالٌ مِنْ نَفْعٍ. (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) : اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ. (لِقَوْمٍ) : يَتَعَلَّقُ بِبَشِيرٍ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَبِنَذِيرٍ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ. قَالَ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (١٨٩) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَرَّتْ بِهِ) : يُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنَ الْمُرُورِ، وَمَارَتْ بِالْأَلِفِ، وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ مِنَ الْمَوْرِ، وَهُوَ الذَّهَابُ وَالْمَجِيءُ. قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (١٩٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ) : يُقْرَأُ بِالْمَدِّ عَلَى الْجَمْعِ؛ وَشِرْكًا بِكَسْرِ الشِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَالتَّنْوِينِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَقْدِيرُهُ: جَعَلَا لِغَيْرِهِ شِرْكًا؛ أَيْ: نَصِيبًا. وَالثَّانِي: جَعَلَا لَهُ ذَا شِرْكٍ، فَحُذِفَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمُضَافُ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ) (١٩٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَدَعَوْتُمُوهُمْ) : قَدْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ) [الْبَقَرَةِ: ٦] .

стр. 609

وَ (أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ) : جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ فِي مَوْضِعِ الْفِعْلِيَّةِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ صَمَتُّمْ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (١٩٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى تَشْدِيدِ النُّونِ؛ وَ (عِبَادٌ) : خَبَرُ إِنَّ. وَ (أَمْثَالُكُمْ) : نَعْتٌ لَهُ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: تَدْعُو بِهِمْ، وَيُقْرَأُ: «عِبَادًا» ، وَهُوَ حَالٌ مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ، وَأَمْثَالُكُمُ الْخَبَرُ، وَيُقْرَأُ «إِنْ» بِالتَّخْفِيفِ، وَهِيَ بِمَعْنَى «مَا» ، وَعِبَادًا خَبَرُهَا، وَ «أَمْثَالَكُمْ» يُقْرَأُ بِالنَّصْبِ نَعْتًا لِعِبَادًا، وَقَدْ قُرِئَ أَيْضًا: «أَمْثَالُكُمْ» بِالرَّفْعِ عَلَى أَنْ يَكُونَ عِبَادًا حَالًا مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ، «وَأَمْثَالُكُمْ» الْخَبَرُ، وَإِنْ بِمَعْنَى «مَا» لَا تَعْمَلُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَتَعْمَلُ عِنْدَ الْمُبَرِّدِ. قَالَ تَعَالَى: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ) (١٩٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلِ ادْعُوا) : يُقْرَأُ بِضَمِّ اللَّامِ وَكَسْرِهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (فَمَنِ اضْطُرَّ) [الْبَقَرَةِ: ١٧٣] . قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) (١٩٦) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى تَشْدِيدِ الْيَاءِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ الْأَصْلُ، وَيُقْرَأُ بِحَذْفِ الثَّانِيَةِ فِي اللَّفْظِ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ مَا بَعْدَهَا، وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْأُولَى، وَلَا يَاءَ بَعْدَهَا، وَحَذْفِ الثَّانِيَةِ مِنَ اللَّفْظِ تَخْفِيفًا.

стр. 610

قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (٢٠١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (طَيْفٌ) : يُقْرَأُ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَصْلُهُ طَيِّفٌ، مِثْلُ مَيِّتٍ، فَخُفِّفَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَصْدَرُ طَافَ يَطِيفُ، إِذَا أَحَاطَ بِالشَّيْءِ. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرُ يَطُوفُ، قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً، وَإِنْ كَانَتْ سَاكِنَةً، كَمَا قُلِبَتْ فِي أَيْدٍ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَيُقْرَأُ طَائِفٌ عَلَى فَاعِلٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ) (٢٠٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَمُدُّونَهُمْ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْمِيمِ، مِنْ مَدَّ يَمُدُّ، مِثْلَ قَوْلِهِ: (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ) [الْبَقَرَةِ: ١٥] وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ مِنْ أَمَدَّهُ إِمْدَادًا. (فِي الْغَيِّ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْفِعْلِ الْمَذْكُورِ، وَيَجُوزَ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ، أَوْ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (٢٠٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاسْتَمِعُوا لَهُ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ بِمَعْنَى لِلَّهِ؛ أَيْ: لِأَجْلِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً؛ أَيْ: فَاسْتَمِعُوهُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى إِلَى. قَالَ تَعَالَى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) (٢٠٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَضَرُّعًا وَخِيفَةً) : مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ،

стр. 611

وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مِنْ غَيْرِ الْمُذَكَّرِ بَلْ مِنْ مَعْنَاهُ. (وَدُونَ الْجَهْرِ) : مَعْطُوفٌ عَلَى تَضَرُّعٍ، وَالتَّقْدِيرُ: مُقْتَصِدِينَ. (بِالْغُدُوِّ) : مُتَعَلِّقٌ بِاذْكُرْ. (وَالْآصَالِ) : جَمْعُ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ أَصِيلٌ، وَفَعِيلٌ لَا يُجْمَعُ عَلَى أَفْعَالٍ، بَلْ عَلَى فُعُلٍ، ثُمَّ فُعُلٌ عَلَى أَفْعَالٍ، وَالْأَصْلُ أَصِيلٌ وَأَصْلٌ، ثُمَّ آصَالٌ. وَيُقْرَأُ شَاذًّا وَالْإِيصَالُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَيَاءٍ بَعْدَهَا، وَهُوَ مَصْدَرُ آصَلْنَا إِذَا دَخَلْنَا فِي الْأَصِيلِ.

стр. 612

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. رب يسر سُورَةُ الْأَنْفَالِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَنِ الْأَنْفَالِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى إِظْهَارِ النُّونِ، وَيُقْرَأُ بِإِدْغَامِهَا فِي اللَّامِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: عَنِ الْأَهِلَّةِ [الْبَقَرَةِ: ١٨٩] . وَ (ذَاتَ بَيْنِكُمْ) : قَدْ ذُكِرَ فِي آلِ عِمْرَانَ عِنْدَ قَوْلِهِ: (بِذَاتِ الصُّدُورِ) [آلِ عِمْرَانَ: ١٥٤] . قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجِلَتْ) : مُسْتَقْبَلُهُ تَوْجَلُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَهِيَ اللُّغَةُ الْجَيِّدَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْلِبُ الْوَاوَ أَلِفًا تَخْفِيفًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْلِبُهَا يَاءً بَعْدَ كَسْرِ التَّاءِ، وَهُوَ عَلَى لُغَةٍ مَنْ كَسَرَ حَرْفَ الْمُضَارَعَةِ، وَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُ التَّاءَ مَعَ سُكُونِ الْيَاءِ، فَتُرَكَّبُ مِنَ اللُّغَتَيْنِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ، فَتُفْتَحُ الْأَوَّلُ عَلَى اللُّغَةِ الْفَاشِيَةِ، وَتُقْلَبُ الْوَاوُ يَاءً عَلَى الْأُخْرَى. (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ فِي زَادَتْهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.

стр. 613

قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَقًّا) : قَدْ ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي النِّسَاءِ. وَ (عِنْدَ رَبِّهِمْ) : ظَرْفٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرَارُ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ دَرَجَاتٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأُجُورُ. قَالَ تَعَالَى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) (٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمَا أَخْرَجَكَ) : فِي مَوْضِعِ الْكَافِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، ثُمَّ فِي ذَلِكَ الْمَصْدَرِ أَوْجُهٌ، تَقْدِيرُهُ: ثَابِتَةٌ لِلَّهِ ثُبُوتًا كَمَا أَخْرَجَكَ. وَالثَّانِي: وَأَصْلَحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ إِصْلَاحًا، كَمَا أَخْرَجَكَ، وَفِي هَذَا رُجُوعٌ مِنْ خِطَابِ الْجَمْعِ إِلَى خِطَابِ الْوَاحِدِ. وَالثَّالِثُ تَقْدِيرُهُ: وَأَطِيعُوا اللَّهَ طَاعَةً كَمَا أَخْرَجَكَ، وَالْمَعْنَى طَاعَةً مُحَقَّقَةً. وَالرَّابِعُ تَقْدِيرُهُ: يَتَوَكَّلُونَ تَوَكُّلًا كَمَا أَخْرَجَكَ. وَالْخَامِسُ: هُوَ صِفَةٌ لِحَقٍّ تَقْدِيرُهُ: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا؛ مِثْلُ مَا أَخْرَجَكَ. وَالسَّادِسُ تَقْدِيرُهُ: يُجَادِلُونَكَ جِدَالًا كَمَا أَخْرَجَكَ. وَالسَّابِعُ تَقْدِيرُهُ: وَهُمْ كَارِهُونَ كَرَاهِيَةً كَمَا أَخْرَجَكَ؛ أَيْ: كَكَرَاهِيَتِهِمْ، أَوْ كَرَاهِيَتِكَ لِإِخْرَاجِكَ. وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْكَافَ بِمَعْنَى الْوَاوِ الَّتِي لِلْقَسَمِ، وَهُوَ بَعِيدٌ. وَ «مَا» مَصْدَرِيَّةٌ وَ «بِالْحَقِّ» حَالٌ وَقَدْ ذُكِرَ نَظَائِرُهُ. (وَإِنَّ فَرِيقًا) : الْوَاوُ هُنَا وَاوُ الْحَالِ.

стр. 614

قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) (٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ) : إِذْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أَيْ: وَاذْكُرُوا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الدَّالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَكِّنُهَا تَخْفِيفًا لَتَوَالِي الْحَرَكَاتِ. وَ (إِحْدَى) : مَفْعُولٌ ثَانٍ. وَ (أَنَّهَا لَكُمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِنْ إِحْدَى بَدَلَ الِاشْتِمَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ مَلَكَةَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) (٩) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ «إِذْ» الْأُولَى، وَأَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: اذْكُرُوا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِتَوَدُّونَ. (بِأَلْفٍ) : الْجُمْهُورُ عَلَى إِفْرَادِ لَفْظَةِ الْأَلْفِ. وَيُقْرَأُ «بِآلُفٍ» عَلَى أَفْعُلٍ مِثْلَ أَفْلُسٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (بِخَمْسَةِ آلَافٍ) [آلِ عِمْرَانَ: ١٢٥] . (مُرْدِفِينَ) : يُقْرَأُ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَكَسْرِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ، وَفِعْلُهُ «أَرْدَفَ» ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: مُرْدِفِينَ أَمْثَالَهُمْ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الدَّالِّ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ؛ أَيْ: أُرْدَفُوا بِأَمْثَالِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرْدَفُونَ مَنْ جَاءَ بَعْدَ الْأَوَائِلِ؛ أَيْ: جُعِلُوا رِدْفًا لِلْأَوَائِلِ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَكَسْرِ الدَّالِ، وَتَشْدِيدِهَا وَعَلَى هَذَا فِي الرَّاءِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:

стр. 615

الْفَتْحُ، وَأَصْلُهَا مُرْتَدِفِينَ، فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ التَّاءِ إِلَى الرَّاءِ، وَأُبْدِلَتْ دَالًا لِيَصِحَّ إِدْغَامُهَا فِي الدَّالِ، وَكَانَ تَغْيِيرُ التَّاءِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا مَهْمُوسَةٌ، وَالدَّالُ مَجْهُورَةٌ، وَتَغْيِيرُ الضَّعِيفِ إِلَى الْقَوِيِّ أَوْلَى. وَالثَّانِي: كَسْرُ الرَّاءِ عَلَى إِتْبَاعِهَا لِكَسْرَةِ الدَّالِ، أَوْ عَلَى الْأَصْلِ فِي الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَالثَّالِثُ: الضَّمُّ إِتْبَاعًا لِضَمَّةِ الْمِيمِ. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ عَلَى إِتْبَاعِ الْمِيمِ الرَّاءَ. وَقِيلَ: مَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ فَهُوَ مِنْ رَدَّفَ بِتَضْعِيفِ الْعَيْنِ لِلتَّكْثِيرِ، أَوْ أَنَّ التَّشْدِيدَ بَدَلٌ مِنَ الْهَمْزَةِ كَأَفْرَجْتُهُ وَفَرَّجْتُهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (١٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ) : الْهَاءُ هُنَا مِثْلَ الْهَاءِ الَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ) (١١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ) : «إِذْ» مِثْلُ: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ) ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ (عَزِيزٌ حَكِيمٌ) . وَيُقْرَأُ: «يَغْشَاكُمْ» بِالتَّخْفِيفِ وَالْأَلِفِ. وَ (النُّعَاسَ) : فَاعِلُهُ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ وَيَاءٍ بَعْدَهَا، وَ «النُّعَاسَ» بِالنَّصْبِ؛ أَيْ: يُغَشِّيكُمُ اللَّهُ النُّعَاسَ. وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ. وَ (أَمَنَةً) : مَذْكُورٌ فِي آلِ عِمْرَانَ.

стр. 616

(مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْمَدِّ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ صِفَةٌ لَهُ. وَيُقْرَأُ شَاذًّا بِالْقَصْرِ، وَهِيَ بِمَعْنَى الَّذِي. (رِجْزَ الشَّيْطَانِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الزَّايِ، وَيُرَادُ بِهِ هُنَا الْوَسْوَاسُ، وَجَازَ أَنْ يُسَمَّى رِجْزًا؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلرِّجْزِ وَهُوَ الْعَذَابُ. وَقُرِئَ بِالسِّينِ، وَأَصْلُ الرِّجْسِ الشَّيْءُ الْقَذِرُ، فَجُعِلَ مَا يُفْضِي إِلَى الْعَذَابِ رِجْسًا اسْتِقْذَارًا لَهُ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (١٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَوْقَ الْأَعْنَاقِ) : هُوَ ظَرْفُ ضَرَبُوا، وَفَوْقَ الْعُنُقِ الرَّأْسُ. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ. وَقِيلَ: فَوْقَ زَائِدَةٌ. (مِنْهُمْ) : حَالٌ مِنْ «كُلَّ بَنَانٍ» ؛ أَيْ: كُلَّ بَنَانٍ كَائِنًا مِنْهُمْ. وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ بَنَانٍ، إِذْ فِيهِ تَقْدِيمُ حَالِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُضَافِ. قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (١٣) . (ذَلِكَ) : أَيِ الْأَمْرُ، وَقِيلَ: ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ. وَ (بِأَنَّهُمْ) : الْخَبَرُ؛ أَيْ: ذَلِكَ مُسْتَحَقٌّ بِشِقَاقِهِمْ. (وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ) : إِنَّمَا لَمْ يُدْغَمْ؛ لِأَنَّ الْقَافَ الثَّانِيَةَ سَاكِنَةٌ فِي الْأَصْلِ، وَحَرَكَتُهَا هُنَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، فَهِيَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا. قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ) (١٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ) : أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكُمْ، أَوْ ذَلِكُمْ وَاقِعٌ، أَوْ مُسْتَحَقٌّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أَيْ: ذُوقُوا ذَلِكُمْ، وَجُعِلَ الْفِعْلُ الَّذِي بَعْدَهُ مُفَسِّرًا لَهُ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: بَاشِرُوا ذَلِكُمْ فَذُقُوهُ لِتَكُونَ الْفَاءُ عَاطِفَةً. (

стр. 617

وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ) : أَيْ: وَالْأَمْرُ أَنَّ لِلْكَافِرِينَ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ) (١٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (زَحْفًا) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ لِلْحَالِ الْمَحْذُوفَةِ؛ أَيْ: تَزْحَفُونَ زَحْفًا. وَ (الْأَدْبَارَ) : مَفْعُولٌ ثَانٍ لِتَوَلُّوهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (١٦) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُتَحَرِّفًا) ، (أَوْ مُتَحَيِّزًا) : حَالَانِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي يُوَلِّهِمْ. قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ) (١٨) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكُمْ) : أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكُمْ، «وَ» الْأَمْرُ «أَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ» بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ وَتَخْفِيفِهَا، وَبِالْإِضَافَةِ وَالتَّنْوِينِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. قَالَ تَعَالَى: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) (١٩) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) : يُقْرَأُ بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَبِالْفَتْحِ عَلَى تَقْدِيرِ: وَالْأَمْرُ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ شَرَ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) (٢٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ) : إِنَّمَا جَمَعَ الصُّمَّ، وَهُوَ خَبَرُ «شَرَّ» ؛ لِأَنَّ شَرًّا هُنَا يُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةُ، فَجَمَعَ الْخَبَرَ عَلَى الْمَعْنَى، وَلَوْ قَالَ الْأَصَمَّ لَكَانَ الْإِفْرَادُ عَلَى اللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى عَلَى الْجَمْعِ.

стр. 618

قَالَ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تُصِيبَنَّ) : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ، وَهُوَ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: وَاللَّهِ لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا خَاصَّةً؛ بَلْ تَعُمُّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَهْيٌ، وَالْكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، كَمَا تَقُولُ لَا أَرَيَنَّكَ هَاهُنَا؛ أَيْ: لَا تَكُنْ هَاهُنَا فَإِنَّ مَنْ يَكُونُ هَاهُنَا أَرَاهُ، وَكَذَلِكَ الْمَعْنَى هُنَا؛ إِذِ الْمَعْنَى: لَا تَدْخُلُوا فِي الْفِتْنَةِ، فَإِنَّ مَنْ يَدْخُلْ فِيهَا تَنْزِلْ بِهِ عُقُوبَةٌ عَامَّةٌ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ جَوَابُ الْأَمْرِ، وَأَكَّدَ بِالنُّونِ مُبَالَغَةً، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ مُتَرَدِّدٌ، فَلَا يَلِيقُ بِهِ التَّوْكِيدُ. وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ: (لَتُصِيبَنَّ) : بِغَيْرِ أَلِفٍ. قَالَ ابْنُ جِنِّي: الْأَشْبَهُ أَنْ تَكُونَ الْأَلِفُ مَحْذُوفَةً، كَمَا حُذِفَتْ فِي أَمَ وَاللَّهِ. وَقِيلَ: فِي قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ إِنَّ الْجُمْلَةَ صِفَةٌ لِفِتْنَةٍ، وَدَخَلَتِ النُّونُ عَلَى الْمَنْفِيِّ فِي غَيْرِ الْقَسَمِ عَلَى الشُّذُوذِ. قَالَ تَعَالَى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٢٦) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَخَافُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ كَالَّذِي قَبْلَهُ؛ أَيْ: خَائِفُونَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «مُسْتَضْعَفُونَ» .

стр. 619

قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٢٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلَى الْفِعْلِ الْأَوَّلِ، وَأَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى الْجَوَابِ بِالْوَاوِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (٣٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ يَمْكُرُ) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ) . قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (٣٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُوَ الْحَقَّ) : الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ بِالنَّصْبِ، وَ «هُوَ» هَاهُنَا فَصْلٌ. وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ «هُوَ» مُبْتَدَأٌ، وَالْحَقُّ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ كَانَ. وَ (مِنْ عِنْدِكَ) : حَالٌ مِنْ مَعْنَى الْحَقِّ؛ أَيِ: الثَّابِتِ مِنْ عِنْدِكَ. (مِنَ السَّمَاءِ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بَأَمْطَرَ، وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً لِحِجَارَةٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (٣٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ) : أَيْ: فِي أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَوْ جَرٍّ عَلَى الِاخْتِلَافِ. وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ «أَنْ» تُخَلِّصَ الْفِعْلَ لِلِاسْتِقْبَالِ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) (٣٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى رَفْعِ الصَّلَاةِ وَنَصْبِ الْمُكَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ بِالْعَكْسِ، وَهِيَ ضَعِيفَةٌ، وَوَجْهُهَا أَنَّ الْمُكَاءَ وَالصَّلَاةَ مَصْدَرَانِ،

стр. 620

وَالْمَصْدَرُ جِنْسٌ، وَمَعْرِفَةُ الْجِنْسِ قَرِيبَةٌ مِنْ نَكِرَتِهِ، وَنَكِرَتُهُ قَرِيبَةٌ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ خَرَجْتُ فَإِذَا الْأَسَدُ، أَوْ فَإِذَا أَسَدٌ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّ الْكَلَامَ قَدْ دَخَلَهُ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ، وَقَدْ يَحْسُنُ فِي ذَلِكَ مَا لَا يَحْسُنُ فِي الْإِثْبَاتِ الْمَحْضِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحْسُنُ: كَانَ رَجُلٌ خَيْرًا مِنْكَ، وَيَحْسُنُ: مَا كَانَ رَجُلٌ إِلَّا خَيْرًا مِنْكَ. وَهَمْزَةُ الْمُكَاءِ مُبَدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ، لِقَوْلِهِمْ مَكَا يَمْكُو. وَالْأَصْلُ فِي التَّصْدِيَةِ تَصْدِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الصَّدِّ، فَأُبْدِلَتِ الدَّالُ الْأَخِيرَةُ يَاءً لِثِقَلِ التَّضْعِيفِ. وَقِيلَ: هِيَ أَصْلٌ، وَهُوَ مِنَ الصَّدَى الَّذِي هُوَ الصَّوْتُ. قَالَ تَعَالَى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (٣٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيَمِيزَ) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي آلِ عِمْرَانَ. وَ (بَعْضَهُ) : بَدَلٌ مِنَ الْخَبِيثِ بَدَلَ الْبَعْضِ؛ أَيْ: بَعْضَ الْخَبِيثِ عَلَى بَعْضٍ. وَ (يَجْعَلُ) : هُنَا مُتَعَدِّيَةٌ إِلَى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهَا، وَإِلَى الثَّانِي بِحَرْفِ الْجَرِّ. وَقِيلَ: الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ حَالٌ؛ تَقْدِيرُهُ: وَيَجْعَلُ بَعْضَ الْخَبِيثِ عَالِيًا عَلَى بَعْضٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (٤٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (نِعْمَ الْمَوْلَى) : الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: نِعْمَ الْمَوْلَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٤٦) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنَّمَا غَنِمْتُمْ) : «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ. وَ (مِنْ شَيْءٍ) : حَالٌ مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ، تَقْدِيرُهُ: مَا غَنِمْتُمُوهُ قَلِيلًا وَكَثِيرًا. (فَأَنَّ لِلَّهِ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَفِي الْفَاءِ وَجْهَانِ:

стр. 621

أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا دَخَلَتْ فِي خَبَرِ الَّذِي لِمَا فِي الَّذِي مِنْ مَعْنَى الْمُجَازَاةِ. وَ «أَنَّ» وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: فَالْحُكْمُ أَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْفَاءَ زَائِدَةٌ، وَ (أَنَّ) : بَدَلٌ مِنَ الْأُولَى. وَقِيلَ: «مَا» مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْمَصْدَرُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ؛ أَيْ: وَاعْلَمُوا أَنَّ غَنِيمَتَكُمْ؛ أَيْ: مَغْنُومَكُمْ. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فِي «إِنَّ» الثَّانِيَةِ عَلَى أَنْ تَكُونَ «إِنَّ» وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا فِي مَوْضِعِ خَبَرِ الْأُولَى، وَالْخُمُسِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِهَا لُغَتَانِ، قَدْ قُرِئَ بِهِمَا. (يَوْمَ الْفُرْقَانِ) : ظَرْفٌ لِأَنْزَلْنَا أَوْ لِآمَنْتُمْ. (يَوْمَ الْتَقَى) : بَدَلٌ مِنْ «يَوْمَ» الْأَوَّلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْفُرْقَانِ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّفْرِيقِ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٤٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ أَنْتُمْ) : «إِذْ» بَدَلٌ مِنْ «يَوْمَ» أَيْضًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِقَدِيرٍ، وَالْعُدْوَةُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ لُغَتَانِ، قَدْ قُرِئَ بِهِمَا. (الْقُصْوَى) : بِالْوَاوِ، وَهِيَ خَارِجَةٌ عَلَى الْأَصْلِ، وَأَصْلُهَا مِنَ الْوَاوِ، وَقِيَاسُ الِاسْتِعْمَالِ

стр. 622

أَنْ تَكُونَ الْقِصْيَا؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ كَالدُّنْيَا، وَالْعُلْيَا، وَفُعْلَى إِذَا كَانَتْ صِفَةً قُلِبَتْ وَاوُهَا يَاءً فَرْقًا بَيْنَ الِاسْمِ وَالصِّفَةِ. (وَالرَّكْبُ) : جَمْعُ رَاكِبٍ فِي الْمَعْنَى، وَلَيْسَ بِجَمْعٍ فِي اللَّفْظِ، وَلِذَلِكَ تَقُولُ فِي التَّصْغِيرِ رُكَيْبٌ، كَمَا تَقُولُ فُرَيْخٌ. وَ (أَسْفَلَ مِنْكُمْ) : ظَرْفٌ؛ أَيْ: وَالرَّكْبُ فِي مَكَانٍ أَسْفَلَ مِنْكُمْ؛ أَيْ: أَشَدَّ تَسَفُّلًا، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الظَّرْفِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى أَنْتُمْ؛ أَيْ: وَإِذَا الرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ. (لِيَقْضِيَ اللَّهُ) : أَيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَقْضِيَ. (لِيَهْلِكَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ لِيَقْضِيَ بِإِعَادَةِ الْحَرْفِ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ «يَقْضِيَ» أَوْ بِـ «مَفْعُولًا» . (مَنْ هَلَكَ) : الْمَاضِي هُنَا بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لِيَهْلِكَ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ مَنْ هَلَكَ فِي الدُّنْيَا مِنْهُمْ بِالْقَتْلِ. (مَنْ حَيَّ) : يُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهُوَ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّ الْحَرْفَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ مُتَحَرِّكَانِ، فَهُوَ مِثْلُ شَدَّ وَمَدَّ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُبَيْدٍ: عَيُّوا بِأَمْرِهِمُ كَمَا عَيَّتْ بِبَيْضَتِهَا الْحَمَامَهْ. وَيُقْرَأُ بِالْإِظْهَارِ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَاضِيَ حُمِلَ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ يَحْيَا فَكَمَا لَمْ يُدْغَمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَمْ يُدْغَمْ فِي الْمَاضِي، وَلَيْسَ كَذَلِكَ شَدَّ وَمَدَّ فَإِنَّهُ يُدْغَمُ فِيهِمَا جَمِيعًا.

стр. 623

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ حَرَكَةَ الْحَرْفَيْنِ مُخْتَلِفَةٌ فَالْأُولَى مَكْسُورَةٌ، وَالثَّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ، وَاخْتِلَافُ الْحَرَكَتَيْنِ كَاخْتِلَافِ الْحَرْفَيْنِ، وَلِذَلِكَ أَجَازُوا فِي الِاخْتِيَارِ لَحِحَتْ عَيْنُهُ، وَضَبِبَ الْبَلَدُ، إِذَا كَثُرَ ضَبُّهُ. وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّ الْحَرَكَةَ الثَّانِيَةَ عَارِضَةٌ فَكَأَنَّ الْيَاءَ الثَّانِيَةَ سَاكِنَةً، وَلَوْ سُكِّنَتْ لَمْ يَلْزَمِ الْإِدْغَامُ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ فِي تَقْدِيرِ السَّاكِنِ، وَالْيَاءَانِ أَصْلٌ، وَلَيْسَتِ الثَّانِيَةُ بَدَلًا مِنْ وَاوٍ، فَأَمَّا الْحَيَوَانُ فَالْوَاوُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الْيَاءِ، وَأَمَّا الْحِوَاءُ فَلَيْسَ مِنْ لَفْظِ الْحَيَّةِ، بَلْ مِنْ حَوَى يَحْوِي إِذَا جَمَعَ. وَ (عَنْ بَيِّنَةٍ) : فِي الْمَوْضِعَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ الْأَوَّلِ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (٤٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ يُرِيكَهُمُ) : أَيِ: اذْكُرُوا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ (عَلِيمٌ) . قَالَ تَعَالَى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (٤٦) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَتَفْشَلُوا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ، وَكَذَلِكَ «وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ» . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَتَفْشَلُوا جَزْمًا عَطْفًا عَلَى النَّهْيِ، وَلِذَلِكَ قُرِئَ «وَيَذْهَبْ رِيحُكُمْ» . قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (٤٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، أَوْ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. (وَيَصُدُّونَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى مَعْنَى الْمَصْدَرِ.

стр. 624

قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (٤٨) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ) : «غَالِبَ» هُنَا مَبْنِيَّةٌ، وَلَكُمْ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ «لَا» ، وَالْيَوْمَ مَعْمُولُ الْخَبَرِ. وَ (مِنَ النَّاسِ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي لَكُمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «الْيَوْمَ» مَنْصُوبًا بِـ «غَالِبَ» ، وَلَا مِنَ النَّاسِ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «غَالِبَ» ؛ لِأَنَّ اسْمَ «لَا» إِذَا عَمِلَ فِيمَا بَعْدَهُ لَا يَجُوزُ بِنَاؤُهُ. وَالْأَلِفُ فِي «جَارٌ» بَدَلٌ مِنْ وَاوٍ لِقَوْلِكَ جَاوَرْتُهُ. وَ (عَلَى عَقِبَيْهِ) : حَالٌ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (٤٩) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ) : أَيِ: اذْكُرُوا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَزَيَّنَ، أَوْ لِفِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ مِمَّا يَصِحُّ بِهِ الْمَعْنَى. قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) (٥٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَتَوَفَّى) : يُقْرَأُ بِالْيَاءِ، وَفِي الْفَاعِلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: «الْمَلَائِكَةُ» ، وَلَمْ يُؤَنَّثْ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّ تَأْنِيثَ الْمَلَائِكَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ» حَالًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ حَالًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ لِأَنَّ فِيهَا ضَمِيرًا يَعُودُ عَلَيْهِمَا. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ مُضْمَرًا؛ أَيْ: إِذْ يَتَوَفَّى اللَّهُ، وَالْمَلَائِكَةُ عَلَى هَذَا مُبْتَدَأٌ،

стр. 625

وَيَضْرِبُونَ الْخَبَرُ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْوَاوِ لِأَجْلِ الضَّمِيرِ؛ أَيْ: يَتَوَفَّاهُمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ، وَيُقْرَأُ بِالتَّاءِ وَالْفَاعِلُ الْمَلَائِكَةُ. قَالَ تَعَالَى: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (٥٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَدَأْبِ) : قَدْ ذُكِرَ فِي آلِ عِمْرَانَ مَا يَصِحُّ مِنْهُ إِعْرَابُ هَذَا الْمَوْضِعِ. قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٥٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ؛ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا، وَبِأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ، وَيُقْرَأُ بِكَسْرِهَا عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ) (٥٦) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ عَاهَدْتَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ الْأُولَى، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: هُمُ الَّذِينَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي، وَ: مِنْهُمْ حَالٌ مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ. قَالَ تَعَالَى: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (٥٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ) : إِذَا أُكِّدَتْ «إِنِ» الشَّرْطِيَّةُ بِـ «مَا» أُكِّدَ فِعْلُ الشَّرْطِ بِالنُّونِ لِيَتَنَاسَبَ الْمَعْنَى.

стр. 626

(فَشَرِّدْ بِهِمْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الدَّالِ، وَهُوَ الْأَصْلُ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ بِالذَّالِ، وَهُوَ بَدَلٌ مِنَ الدَّالِ، كَمَا قَالُوا خَرَادِيلُ وَخَزَاذِيلُ. وَقِيلَ: هُوَ مَقْلُوبٌ مِنْ شَذَّرَ بِمَعْنَى فَرَّقَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: تَفَرَّقُوا شَذَرَ مَذَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ شَذَرَ فِي مَقَالِهِ إِذَا أَكْثَرَ فِيهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَعَسُّفٌ بَعِيدٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (٥٨) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ) : أَيْ عَهْدَهُمْ، فَحُذِفَ الْمَفْعُولُ. وَ (عَلَى سَوَاءٍ) : حَالٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ) (٥٩) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ) : يُقْرَأُ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي «سَبَقُوا» . وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ، وَفِي الْفَاعِلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مُضْمَرٌ؛ أَيْ: يَحْسَبَنَّ مَنْ خَلْفَهُمْ، أَوْ لَا يَحْسَبَنَّ أَحَدٌ، فَالْإِعْرَابُ عَلَى هَذَا كَإِعْرَابِ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى.

стр. 627

وَالثَّانِي: أَنَّ الْفَاعِلَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي «سَبَقُوا» وَالْأَوَّلُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: أَنْفُسَهُمْ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: أَنْ سَبَقُوا، وَأَنْ هُنَا مَصْدَرِيَّةٌ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، حُكِيَ عَنِ الْفَرَّاءِ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ «أَنْ» الْمَصْدَرِيَّةَ مَوْصُولَةٌ، وَحَذْفُ الْمَوْصُولِ ضَعِيفٌ فِي الْقِيَاسِ، شَاذٌّ فِي الِاسْتِعْمَالِ. (إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ) : أَيْ: لَا يَحْسَبُوا ذَلِكَ لِهَذَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِتَحْسَبُ، إِمَّا مَفْعُولٌ، أَوْ بَدَلٌ مِنْ سَبَقُوا، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ تَكُونُ لَا زَائِدَةً، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: زِيَادَةُ لَا. وَالثَّانِي: أَنَّ مَفْعُولَ حَسِبْتُ إِذَا كَانَ جُمْلَةً وَكَانَ مَفْعُولًا ثَانِيًا كَانَتْ فِيهِ إِنَّ مَكْسُورَةً؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) (٦٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ قُوَّةٍ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ «مَا» أَوْ مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ فِي «اسْتَطَعْتُمْ» . (تُرْهِبُونَ بِهِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ فِي اعْدِلُوا، أَوْ مِنَ الْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّ فِي الْجُمْلَةِ ضَمِيرَيْنِ يَعُودَانِ إِلَيْهِمَا. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (٦١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِلسَّلْمِ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ بِمَعْنَى إِلَى؛ لِأَنَّ جَنَحَ بِمَعْنَى مَالَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُعَدِّيَّةً لِلْفِعْلِ بِنَفْسِهَا، وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ، وَ «السَّلْمِ» بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ: «فَاجْنَحْ لَهَا» .

стр. 628

قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٦٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَسْبُكَ اللَّهُ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَقَالَ قَوْمٌ حَسْبُكَ مُبْتَدَأٌ، وَاللَّهُ فَاعِلُهُ؛ أَيْ: يَكْفِيكَ اللَّهُ. (وَمَنِ اتَّبَعَكَ) : فِي «مَنْ» ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: جَرٌّ عَطْفًا عَلَى الْكَافِ فِي حَسْبُكَ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الْجَارِّ لَا يَجُوزُ. وَالثَّانِي: مَوْضِعُهُ نَصْبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ تَقْدِيرُهُ: وَيَكْفِي مَنِ اتَّبَعَكَ. وَالثَّالِثُ: مَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ اللَّهِ فَيَكُونُ خَبَرًا آخَرَ؛ كَقَوْلِكَ الْقَائِمَانِ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، وَلَمْ يُثَنِّ حَسْبُكَ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ. وَقَالَ قَوْمٌ: هَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ، وَلَا يَحْسُنُ هَاهُنَا كَمَا لَمْ يَحْسُنْ فِي قَوْلِهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، وَثُمَّ هُنَا أَوْلَى. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وَحَسْبُكَ مَنِ اتَّبَعَكَ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) (٦٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ يَكُنْ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ التَّامَّةَ، فَيَكُونُ الْفَاعِلُ «عِشْرُونَ» ، وَ (مِنْكُمْ) : حَالٌ مِنْهَا، أَوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِيكُونَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ النَّاقِصَةَ فَيَكُونَ عِشْرُونَ اسْمُهَا، «وَمِنْكُمْ» الْخَبَرُ.

стр. 629

قَالَ تَعَالَى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (٦٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَسْرَى) : فِيهِ قِرَاءَاتٌ قَدْ ذُكِرَتْ فِي الْبَقَرَةِ. (وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى نَصْبِ الْآخِرَةِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَقُرِئَ شَاذًّا بِالْجَرِّ، تَقْدِيرُهُ: وَاللَّهُ يُرِيدُ عَرَضَ الْآخِرَةِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَبَقِيَ عَمَلُهُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارًا. ؛ أَيْ: وَكُلِّ نَارٍ. قَالَ تَعَالَى: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (٦٨) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَوْلَا كِتَابٌ) : كِتَابٌ مُبْتَدَأٌ، وَ «سَبَقَ» صِفَةٌ لَهُ. وَ (مِنَ اللَّهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً أَيْضًا، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِسَبَقَ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: تَدَارَكَكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٦٩) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَلَالًا طَيِّبًا) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٧١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (خِيَانَتَكَ) : مَصْدَرُ خَانَ يَخُونُ، وَأَصْلُ الْيَاءِ الْوَاوُ، فَقُلِبَتْ لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، وَوَقَعَ الْأَلِفُ بَعْدَهَا.

стр. 630

قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (٧٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ وَلَايَتِهِمْ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسِرَهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَقِيلَ: هِيَ بِالْكَسْرِ: الْإِمَارَةُ، وَبِالْفَتْحِ مِنْ مُوَالَاةِ النُّصْرَةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (٧٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا تَفْعَلُوهُ) : الْهَاءُ تَعُودُ عَلَى النَّصْرِ. وَقِيلَ: عَلَى الْوَلَاءِ وَالتَّآمُرِ. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٧٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي كِتَابِ اللَّهِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (أَوْلَى) ؛ أَيْ: يَثْبُتُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ.

стр. 631

سُورَةُ التَّوْبَةِ . قَالَ تَعَالَى: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ) (٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَرَاءَةٌ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: هَذَا بَرَاءَةٌ أَوْ هَذِهِ، وَ «مِنَ اللَّهِ» نَعْتٌ لَهُ. وَ «إِلَى الَّذِينَ» مُتَعَلِّقَةٌ بِبَرَاءَةٍ كَمَا تَقُولُ بَرِئْتُ إِلَيْكَ مِنْ كَذَا. وَالثَّانِي: أَنَّهَا مُبْتَدَأٌ، وَ «مِنَ اللَّهِ» نَعَتٌ لَهَا، وَ «إِلَى الَّذِينَ» الْخَبَرُ. وَقُرِئَ شَاذًّا «مِنَ اللَّهِ» بِكَسْرِ النُّونِ عَلَى أَصْلِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَ (أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) : ظَرْفٌ لِفَسِيحُوا. قَالَ تَعَالَى: (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَذَانٌ) : مِثْلُ «بَرَاءَةٌ» . وَ «إِلَى النَّاسِ» مُتَعَلِّقٌ بِأَذَانٍ أَوْ خَبَرٌ لَهُ. (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ) : الْمَشْهُورُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ خَبَرُ الْأَذَانِ؛ أَيِ: الْإِعْلَامُ مِنَ اللَّهِ بَرَاءَتُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَالثَّانِي: هُوَ صِفَةٌ؛ أَيْ: وَأَذَانٌ كَائِنٌ بِالْبَرَاءَةِ، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: وَإِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ بِالْبَرَاءَةِ، فَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الْمَصْدَرِ. (وَرَسُولِهِ) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي بَرِيءٌ، وَمَا بَيْنَهُمَا يَجْرِي مَجْرَى التَّوْكِيدِ، فَلِذَلِكَ سَاغَ الْعَطْفُ. وَالثَّانِي: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: وَرَسُولُهُ بَرِيءٌ.

стр. 632

وَالثَّالِثُ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ الِابْتِدَاءِ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ الْمَفْتُوحَةَ لَهَا مَوْضِعٌ غَيْرُ الِابْتِدَاءِ بِخِلَافِ الْمَكْسُورَةِ، وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى اسْمِ إِنَّ. وَيُقْرَأُ بِالْجَرِّ شَاذًّا، وَهُوَ عَلَى الْقَسَمِ، وَلَا يَكُونُ عَطْفًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ. قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ فَأَتِمُّوا. (يَنْقُصُوكُمْ) : الْجُمْهُورُ بِالصَّادِ، وَقُرِئَ بِالضَّادِ؛ أَيْ: يَنْقُضُوا عُهُودَكُمْ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ. وَ (شَيْئًا) : فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ. قَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) : الْمَرْصَدُ مَفْعَلٌ مِنْ رَصَدْتُ، وَهُوَ هُنَا مَكَانٌ، وَ «كُلَّ» ظَرْفٌ لِاقْعُدُوا. وَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ؛ أَيْ: عَلَى كُلِّ مَرْصَدٍ أَوْ بِكُلِّ. . .

стр. 633

قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) (٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ أَحَدٌ) : هُوَ فَاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ. وَ (حَتَّى يَسْمَعَ) : أَيْ: إِلَى أَنْ يَسْمَعَ، أَوْ كَيْ يَسْمَعَ. وَ «مَأْمَنَ» مَفْعَلَ مِنَ الْأَمْنِ، وَهُوَ مَكَانٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، وَيَكُونَ التَّقْدِيرُ: ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَوْضِعَ مَأْمَنِهِ. قَالَ تَعَالَى: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَيْفَ يَكُونُ) : اسْمُ يَكُونُ «عَهْدٌ» ، وَفِي الْخَبَرِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: كَيْفَ، وَقُدِّمَ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ) [النَّمْلِ: ٥١] . وَالثَّانِي: أَنَّهُ «لِلْمُشْرِكِينَ» وَ «عِنْدَ» عَلَى هَذَيْنِ ظَرْفٌ لِلْعَهْدِ، أَوْ لِيَكُونَ، أَوْ لِلْجَارِّ، أَوْ هِيَ وَصْفٌ لِلْعَهْدِ. وَالثَّالِثُ: الْخَبَرُ «عِنْدَ اللَّهِ» ، وَ «لِلْمُشْرِكِينَ» تَبْيِينٌ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِيكُونُ، وَكَيْفَ حَالٌ مِنَ الْعَهْدِ. (فَمَا اسْتَقَامُوا) : فِي «مَا» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ زَمَانِيَّةٌ، وَهِيَ الْمَصْدَرِيَّةُ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ مُدَّةَ اسْتِقَامَتِهِمْ لَكُمْ. وَالثَّانِي: هِيَ شَرْطِيَّةٌ كَقَوْلِهِ: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ) [فَاطِرٍ: ٢] وَالْمَعْنَى إِنِ اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا. وَلَا تَكُونُ نَافِيَةً؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَفْسُدُ؛ إِذْ يَصِيرُ الْمَعْنَى اسْتَقِيمُوا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَقِيمُوا لَكُمْ.

стр. 634

قَالَ تَعَالَى: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) (٨) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا) : الْمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهُمْ عَهْدٌ أَوْ كَيْفَ تَطْمَئِنُّونَ إِلَيْهِمْ. (إِلَّا) : الْجُمْهُورُ بِلَامٍ مُشَدَّدَةٍ مِنْ غَيْرِ يَاءٍ. وَقُرِئَ: «إِيلًا» ، مِثْلُ رِيحٍ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَبْدَلَ اللَّامَ الْأُولَى يَاءً لِثِقَلِ التَّضْعِيفِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ آلَ يَئُولُ إِذَا سَاسَ، أَوْ مِنْ آلَ يَئُولُ إِذَا صَارَ إِلَى آخِرِ الْأَمْرِ، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِسُكُونِهَا، وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا. (يُرْضُونَكُمْ) : حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي «لَا يَرْقُبُوا» عِنْدَ قَوْمٍ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُمْ بَعْدَ ظُهُورِهِمْ لَا يُرْضُونَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَأْنَفٌ. قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (١١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِخْوَانُكُمْ) : أَيْ فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ. وَ (فِي الدِّينِ) : مُتَعَلِّقٌ بِإِخْوَانِكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) (١٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) : هُوَ جَمْعُ إِمَامٍ، وَأَصْلُهُ أَئِمَّةٌ، مِثْلُ خِبَاءٍ وَأَخْبِيَةٍ، فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الْمِيمِ الْأُولَى إِلَى الْهَمْزَةِ السَّاكِنَةِ، وَأُدْغِمَتْ فِي الْمِيمِ الْأُخْرَى، فَمَنْ حَقَّقَ الْهَمْزَتَيْنِ أَخْرَجَهُمَا عَلَى الْأَصْلِ، وَمَنْ قَلَبَ الثَّانِيَةَ يَاءً فَلِكَسْرَتِهَا الْمَنْقُولَةِ إِلَيْهَا، وَلَا يَجُوزُ هُنَا أَنْ تُجْعَلَ

стр. 635

بَيْنَ بَيْنَ كَمَا جُعِلَتْ هَمْزَةُ أَئِذَا؛ لِأَنَّ الْكَسْرَةَ هُنَا مَنْقُولَةٌ، وَهُنَاكَ أَصْلِيَّةٌ، وَلَوْ خُفِّفَتِ الْهَمْزَةُ الثَّانِيَةُ هُنَا عَلَى الْقِيَاسِ لَكَانَتْ أَلِفًا لِانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، وَلَكِنْ تُرِكَ ذَلِكَ لِتَتَحَرَّكَ بِحَرَكَةِ الْمِيمِ فِي الْأَصْلِ. قَالَ تَعَالَى: (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (١٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوَّلَ مَرَّةٍ) : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ. (فَاللَّهُ أَحَقُّ) : مُبْتَدَأٌ، وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ «أَحَقُّ» وَ «أَنْ تَخْشَوْهُ» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَوْ جَرٍّ؛ أَيْ: بِأَنْ تَخْشَوْهُ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ؛ أَيْ: أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ تَخْشَوْهُ، أَوْ أَنْ تَخْشَوْهُ مُبْتَدَأٌ بَدَلٌ مِنِ اسْمِ اللَّهِ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ، وَأَحَقُّ الْخَبَرُ، وَالتَّقْدِيرُ: خَشْيَةُ اللَّهِ أَحَقُّ. وَالثَّانِي: أَنَّ «أَنْ تَخْشَوْهُ» مُبْتَدَأٌ، وَأَحَقُّ خَبَرُهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ اللَّهِ. قَالَ تَعَالَى: (وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (١٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَتُوبُ اللَّهُ) : مُسْتَأْنَفٌ، وَلَمْ يُجْزَمْ؛ لِأَنَّ تَوْبَتَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ لَيْسَتْ جَزَاءً عَلَى قِتَالِ الْكُفَّارِ. وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلَى إِضْمَارِ أَنْ. قَالَ تَعَالَى: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ) (١٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (شَاهِدِينَ) : حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي «يَعْمُرُوا» . قَوْلُهُ تَعَالَى: (
следующие страницы →