← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22928

التبيان في إعراب القرآن

أبو البقاء العكبري

Полный текст (1 313 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

سُورَةُ التَّوْبَةِ . قَالَ تَعَالَى: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ) (٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَرَاءَةٌ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: هَذَا بَرَاءَةٌ أَوْ هَذِهِ، وَ «مِنَ اللَّهِ» نَعْتٌ لَهُ. وَ «إِلَى الَّذِينَ» مُتَعَلِّقَةٌ بِبَرَاءَةٍ كَمَا تَقُولُ بَرِئْتُ إِلَيْكَ مِنْ كَذَا. وَالثَّانِي: أَنَّهَا مُبْتَدَأٌ، وَ «مِنَ اللَّهِ» نَعَتٌ لَهَا، وَ «إِلَى الَّذِينَ» الْخَبَرُ. وَقُرِئَ شَاذًّا «مِنَ اللَّهِ» بِكَسْرِ النُّونِ عَلَى أَصْلِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَ (أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) : ظَرْفٌ لِفَسِيحُوا. قَالَ تَعَالَى: (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَذَانٌ) : مِثْلُ «بَرَاءَةٌ» . وَ «إِلَى النَّاسِ» مُتَعَلِّقٌ بِأَذَانٍ أَوْ خَبَرٌ لَهُ. (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ) : الْمَشْهُورُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ خَبَرُ الْأَذَانِ؛ أَيِ: الْإِعْلَامُ مِنَ اللَّهِ بَرَاءَتُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَالثَّانِي: هُوَ صِفَةٌ؛ أَيْ: وَأَذَانٌ كَائِنٌ بِالْبَرَاءَةِ، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: وَإِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ بِالْبَرَاءَةِ، فَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الْمَصْدَرِ. (وَرَسُولِهِ) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي بَرِيءٌ، وَمَا بَيْنَهُمَا يَجْرِي مَجْرَى التَّوْكِيدِ، فَلِذَلِكَ سَاغَ الْعَطْفُ. وَالثَّانِي: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: وَرَسُولُهُ بَرِيءٌ.

стр. 632

وَالثَّالِثُ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ الِابْتِدَاءِ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ الْمَفْتُوحَةَ لَهَا مَوْضِعٌ غَيْرُ الِابْتِدَاءِ بِخِلَافِ الْمَكْسُورَةِ، وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى اسْمِ إِنَّ. وَيُقْرَأُ بِالْجَرِّ شَاذًّا، وَهُوَ عَلَى الْقَسَمِ، وَلَا يَكُونُ عَطْفًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ. قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ فَأَتِمُّوا. (يَنْقُصُوكُمْ) : الْجُمْهُورُ بِالصَّادِ، وَقُرِئَ بِالضَّادِ؛ أَيْ: يَنْقُضُوا عُهُودَكُمْ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ. وَ (شَيْئًا) : فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ. قَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) : الْمَرْصَدُ مَفْعَلٌ مِنْ رَصَدْتُ، وَهُوَ هُنَا مَكَانٌ، وَ «كُلَّ» ظَرْفٌ لِاقْعُدُوا. وَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ؛ أَيْ: عَلَى كُلِّ مَرْصَدٍ أَوْ بِكُلِّ. . .

стр. 633

قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) (٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ أَحَدٌ) : هُوَ فَاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ. وَ (حَتَّى يَسْمَعَ) : أَيْ: إِلَى أَنْ يَسْمَعَ، أَوْ كَيْ يَسْمَعَ. وَ «مَأْمَنَ» مَفْعَلَ مِنَ الْأَمْنِ، وَهُوَ مَكَانٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، وَيَكُونَ التَّقْدِيرُ: ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَوْضِعَ مَأْمَنِهِ. قَالَ تَعَالَى: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَيْفَ يَكُونُ) : اسْمُ يَكُونُ «عَهْدٌ» ، وَفِي الْخَبَرِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: كَيْفَ، وَقُدِّمَ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ) [النَّمْلِ: ٥١] . وَالثَّانِي: أَنَّهُ «لِلْمُشْرِكِينَ» وَ «عِنْدَ» عَلَى هَذَيْنِ ظَرْفٌ لِلْعَهْدِ، أَوْ لِيَكُونَ، أَوْ لِلْجَارِّ، أَوْ هِيَ وَصْفٌ لِلْعَهْدِ. وَالثَّالِثُ: الْخَبَرُ «عِنْدَ اللَّهِ» ، وَ «لِلْمُشْرِكِينَ» تَبْيِينٌ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِيكُونُ، وَكَيْفَ حَالٌ مِنَ الْعَهْدِ. (فَمَا اسْتَقَامُوا) : فِي «مَا» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ زَمَانِيَّةٌ، وَهِيَ الْمَصْدَرِيَّةُ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ مُدَّةَ اسْتِقَامَتِهِمْ لَكُمْ. وَالثَّانِي: هِيَ شَرْطِيَّةٌ كَقَوْلِهِ: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ) [فَاطِرٍ: ٢] وَالْمَعْنَى إِنِ اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا. وَلَا تَكُونُ نَافِيَةً؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَفْسُدُ؛ إِذْ يَصِيرُ الْمَعْنَى اسْتَقِيمُوا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَقِيمُوا لَكُمْ.

стр. 634

قَالَ تَعَالَى: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) (٨) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا) : الْمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهُمْ عَهْدٌ أَوْ كَيْفَ تَطْمَئِنُّونَ إِلَيْهِمْ. (إِلَّا) : الْجُمْهُورُ بِلَامٍ مُشَدَّدَةٍ مِنْ غَيْرِ يَاءٍ. وَقُرِئَ: «إِيلًا» ، مِثْلُ رِيحٍ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَبْدَلَ اللَّامَ الْأُولَى يَاءً لِثِقَلِ التَّضْعِيفِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ آلَ يَئُولُ إِذَا سَاسَ، أَوْ مِنْ آلَ يَئُولُ إِذَا صَارَ إِلَى آخِرِ الْأَمْرِ، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِسُكُونِهَا، وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا. (يُرْضُونَكُمْ) : حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي «لَا يَرْقُبُوا» عِنْدَ قَوْمٍ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُمْ بَعْدَ ظُهُورِهِمْ لَا يُرْضُونَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَأْنَفٌ. قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (١١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِخْوَانُكُمْ) : أَيْ فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ. وَ (فِي الدِّينِ) : مُتَعَلِّقٌ بِإِخْوَانِكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) (١٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) : هُوَ جَمْعُ إِمَامٍ، وَأَصْلُهُ أَئِمَّةٌ، مِثْلُ خِبَاءٍ وَأَخْبِيَةٍ، فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الْمِيمِ الْأُولَى إِلَى الْهَمْزَةِ السَّاكِنَةِ، وَأُدْغِمَتْ فِي الْمِيمِ الْأُخْرَى، فَمَنْ حَقَّقَ الْهَمْزَتَيْنِ أَخْرَجَهُمَا عَلَى الْأَصْلِ، وَمَنْ قَلَبَ الثَّانِيَةَ يَاءً فَلِكَسْرَتِهَا الْمَنْقُولَةِ إِلَيْهَا، وَلَا يَجُوزُ هُنَا أَنْ تُجْعَلَ

стр. 635

بَيْنَ بَيْنَ كَمَا جُعِلَتْ هَمْزَةُ أَئِذَا؛ لِأَنَّ الْكَسْرَةَ هُنَا مَنْقُولَةٌ، وَهُنَاكَ أَصْلِيَّةٌ، وَلَوْ خُفِّفَتِ الْهَمْزَةُ الثَّانِيَةُ هُنَا عَلَى الْقِيَاسِ لَكَانَتْ أَلِفًا لِانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، وَلَكِنْ تُرِكَ ذَلِكَ لِتَتَحَرَّكَ بِحَرَكَةِ الْمِيمِ فِي الْأَصْلِ. قَالَ تَعَالَى: (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (١٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوَّلَ مَرَّةٍ) : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ. (فَاللَّهُ أَحَقُّ) : مُبْتَدَأٌ، وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ «أَحَقُّ» وَ «أَنْ تَخْشَوْهُ» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَوْ جَرٍّ؛ أَيْ: بِأَنْ تَخْشَوْهُ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ؛ أَيْ: أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ تَخْشَوْهُ، أَوْ أَنْ تَخْشَوْهُ مُبْتَدَأٌ بَدَلٌ مِنِ اسْمِ اللَّهِ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ، وَأَحَقُّ الْخَبَرُ، وَالتَّقْدِيرُ: خَشْيَةُ اللَّهِ أَحَقُّ. وَالثَّانِي: أَنَّ «أَنْ تَخْشَوْهُ» مُبْتَدَأٌ، وَأَحَقُّ خَبَرُهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ اللَّهِ. قَالَ تَعَالَى: (وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (١٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَتُوبُ اللَّهُ) : مُسْتَأْنَفٌ، وَلَمْ يُجْزَمْ؛ لِأَنَّ تَوْبَتَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ لَيْسَتْ جَزَاءً عَلَى قِتَالِ الْكُفَّارِ. وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلَى إِضْمَارِ أَنْ. قَالَ تَعَالَى: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ) (١٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (شَاهِدِينَ) : حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي «يَعْمُرُوا» . قَوْلُهُ تَعَالَى: (

стр. 636

وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ) : أَيْ وَهُمْ خَالِدُونَ فِي النَّارِ، وَقَدْ وَقَعَ الظَّرْفُ بَيْنَ حَرْفِ الْعَطْفِ وَالْمَعْطُوفِ. قَالَ تَعَالَى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١٩) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (سِقَايَةَ الْحَاجِّ) : الْجُمْهُورُ عَلَى سِقَايَةٍ بِالْيَاءِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِثْلُ الْعِمَارَةِ، صَحَّتِ الْيَاءُ لَمَّا كَانَتْ بَعْدَهَا تَاءُ التَّأْنِيثِ؛ وَالتَّقْدِيرُ: أَجَعَلْتُمْ أَصْحَابَ سِقَايَةِ الْحَاجِّ، أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: كَإِيمَانِ مَنْ آمَنَ؛ لِيَكُونَ الْأَوَّلُ هُوَ الثَّانِي. وَقُرِئَ: «سُقَاةَ الْحَاجِّ وَعُمْرَةَ الْمَسْجِدِ» عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ سَاقٍ وَعَامِرٍ. (لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ) : مُسْتَأْنَفٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي؛ وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: سَوَّيْتُمْ بَيْنَهُمْ فِي حَالِ تَفَاوُتِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ) (٢١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ) : الضَّمِيرُ كِنَايَةٌ عَنِ الرَّحْمَةِ وَالْجَنَّاتِ. قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) (٢٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ «فِي مَوَاطِنَ» . وَ (إِذْ) : بَدَلٌ مِنْ «يَوْمَ» . قَالَ تَعَالَى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (٢٩) .

стр. 637

قَوْلُهُ تَعَالَى: (دِينَ الْحَقِّ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرَ «يَدِينُونَ» وَأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، وَ «يَدِينُونَ» بِمَعْنَى يَعْتَقِدُونَ. (عَنْ يَدٍ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ: يُعْطُوا الْجِزْيَةَ أَذِلَّةً. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (٣٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) : يُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ عَلَى أَنَّ عُزَيْرًا مُبْتَدَأٌ، وَ «ابْنُ» خَبَرُهُ، وَلَمْ يُحْذَفِ التَّنْوِينُ إِيذَانًا بِأَنَّ الْأَوَّلَ مُبْتَدَأٌ، وَأَنَّ مَا بَعْدَهُ خَبَرٌ، وَلَيْسَ بِصِفَةٍ، وَيُقْرَأُ بِحَذْفِ التَّنْوِينِ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَيْضًا، وَفِي حَذْفِ التَّنْوِينِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حُذِفَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيفِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ عَرَبِيٌّ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ، وَلِأَنَّ مُكَبَّرَهُ يَنْصَرِفُ لِسُكُونِ أَوْسَطِهِ، فَصَرْفُهُ فِي التَّصْغِيرِ أَوْلَى. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ عُزَيْرًا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: نَبِيُّنَا، أَوْ صَاحِبُنَا، أَوْ مَعْبُودُنَا، وَ «ابْنُ» صِفَةٌ، أَوْ يَكُونُ عُزَيْرٌ مُبْتَدَأٌ، وَ «ابْنُ» صِفَةٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ صَاحِبُنَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّ ابْنًا بَدَلٌ مِنْ عُزَيْرٍ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ، وَ «عُزَيْرٌ» عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَحُذِفَ التَّنْوِينُ فِي الصِّفَةِ؛ لِأَنَّهَا مَعَ الْمَوْصُوفِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ. (ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ (قَوْلِهِمْ) : خَبَرُهُ. وَ (بِأَفْواهِهِمْ) : حَالٌ. وَالْعَامِلُ فِيهِ الْقَوْلُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ مَعْنَى الْإِشَارَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْبَاءُ بِيُضَاهِئُونَ. فَأَمَّا: (يُضَاهِئُونَ) : فَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الْهَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَالْأَصْلُ ضَاهَى، وَالْأَلِفُ

стр. 638

مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ، وَحُذِفَتْ مِنْ أَجْلِ الْوَاوِ، وَقُرِئَ بِكَسْرِ الْهَاءِ، وَهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَهَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ لُغَةً فِي ضَاهَى، وَلَيْسَ مُشْتَقًّا مِنْ قَوْلِهِمُ: امْرَأَةٌ ضَهْيَاءُ؛ لِأَنَّ الْيَاءَ أَصْلٌ وَالْهَمْزَةَ زَائِدَةٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْيَاءُ زَائِدَةً؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فَعِيلٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ. قَالَ تَعَالَى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (٣١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْمَسِيحَ) : أَيْ: وَاتَّخَذُوا الْمَسِيحَ رَبًّا، فَحُذِفَ الْفِعْلُ، وَأَحَدُ الْمَفْعُولَيْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَعَبَدُوا الْمَسِيحَ. (إِلَّا لِيَعْبُدُوا) : قَدْ تَقَدَّمَ نَظَائِرُهُ. قَالَ تَعَالَى: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (٣٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) ، يَأْبَى بِمَعْنَى يَكْرَهُ، وَيَكْرَهُ بِمَعْنَى يَمْنَعُ، فَلِذَلِكَ اسْتَثْنَى لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى النَّفْيِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَأْبَى كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا إِتْمَامَ نُورِهِ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (٣٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ) : مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ (فَبَشِّرْهُمْ) . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا تَقْدِيرُهُ: بَشِّرِ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ. (يُنْفِقُونَهَا) : الضَّمِيرُ الْمُؤَنَّثُ يَعُودُ عَلَى الْأَمْوَالِ، أَوْ عَلَى الْكُنُوزِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهَا بِالْفِعْلِ، أَوْ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ، وَلَهُمَا أَنْوَاعٌ، فَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْمَعْنَى، أَوْ عَلَى الْفِضَّةِ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ، وَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى إِرَادَةِ الذَّهَبِ. وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى الذَّهَبِ وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ.

стр. 639

قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) (٣٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ يُحْمَى) : ظَرْفٌ عَلَى الْمَعْنَى؛ أَيْ: يُعَذِّبُهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: «عَذَابِ يَوْمِ» ، وَ «عَذَابِ» بَدَلٌ مِنَ الْأَوَّلِ، فَلَمَّا حُذِفَ الْمُضَافُ أَقَامَ الْيَوْمَ مَقَامَهُ، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ. وَ (عَلَيْهَا) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْفَاعِلِ، وَقِيلَ: الْقَائِمُ مَقَامَ الْفَاعِلِ مُضْمَرٌ؛ أَيْ: يُحْمَى الْوَقُودُ، أَوِ الْجَمْرُ. (بِهَا) : أَيْ بِالْكُنُوزِ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى فِيهَا؛ أَيْ فِي جَهَنَّمَ. وَقِيلَ: «يَوْمَ» ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا يُقَالُ لَهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (٣٦) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ) : «عِدَّةَ» مَصْدَرٌ مِثْلُ الْعَدَدِ. وَ (عِنْدَ) : مَعْمُولٌ لَهُ. وَ «فِي كِتَابِ اللَّهِ» صِفَةٌ لَاثْنَيْ عَشَرَ، وَلَيْسَ بِمَعْمُولٍ لِعِدَّةٍ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ إِذَا أُخْبِرَ عَنْهُ لَا يَعْمَلُ فِيمَا بَعْدَ الْخَبَرِ. وَ (يَوْمَ خَلَقَ) : مَعْمُولٌ لِكِتَابٍ عَلَى أَنَّ «كِتَابًا» هُنَا مَصْدَرٌ لَا جُثَّةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جُثَّةً، وَيَكُونَ الْعَامِلُ فِي مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ. وَقِيلَ: «فِي كِتَابِ اللَّهِ» بَدَلٌ مِنْ عِنْدَ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّكَ قَدْ فَصَلْتَ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ بِخَبَرِ الْعَامِلِ فِي الْمُبْدَلِ. (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِاثْنَى عَشَرَ، وَأَنْ تَكُونَ حَالًا مِنِ اسْتِقْرَارٍ، وَأَنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً.

стр. 640

(فِيهِنَّ) : ضَمِيرُ الْأَرْبَعَةِ. وَقِيلَ ضَمِيرُ اثْنَيْ عَشَرَ. وَ (كَافَّةً) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، أَوْ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي «قَاتِلُوا» . قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (٣٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ) : يُقْرَأُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْيَاءِ، وَهُوَ فَعِيلٌ مَصْدَرٌ مِثْلُ النَّذِيرِ وَالنَّكِيرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ أَيْ: إِنَّمَا الْمَنْسُوءُ، وَفِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: إِنَّ نَسْءَ النَّسِيءِ، أَوْ إِنَّ النَّسِيءَ ذُو زِيَادَةٍ. وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ عَلَى قَلْبِ الْهَمْزَةِ يَاءً. وَيُقْرَأُ بِسُكُونِ السِّينِ، وَهَمْزَةٍ بَعْدَهَا، وَهُوَ مَصْدَرُ نَسَأْتُ. وَيُقْرَأُ بِسُكُونِ السِّينِ، وَيَاءٍ مُخَفَّفَةٍ بَعْدَهَا عَلَى الْإِبْدَالِ أَيْضًا. (يُضِلُّ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ، وَالْفَاعِلُ «الَّذِينَ» . وَيُقْرَأُ بِفَتْحِهِمَا وَهِيَ لُغَةٌ، وَالْمَاضِي ضَلَلْتُ بِفَتْحِ اللَّامِ الْأُولَى وَكَسْرِهَا، فَمَنْ فَتَحَهَا فِي الْمَاضِي كَسَرَ الضَّادَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَمَنْ كَسَرَهَا فِي الْمَاضِي فَتَحَ الضَّادَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ؛ أَيْ: يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا أَتْبَاعَهُمْ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ مُضْمَرًا؛ أَيْ: يُضِلُّ اللَّهُ أَوِ الشَّيْطَانُ.

стр. 641

(يُحِلُّونَهُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُفَسِّرًا لِلضَّلَالِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ مَوْضِعٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) (٣٨) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (اثَّاقَلْتُمْ) : الْكَلَامُ فِيهَا مِثْلُ الْكَلَامِ فِي ادَّارَأْتُمْ، وَالْمَاضِي هُنَا بِمَعْنَى الْمُضَارِعِ؛ أَيْ: مَا لَكُمْ تَتَثَاقَلُونَ. وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ؛ أَيْ: أَيَّ شَيْءٍ لَكُمْ فِي التَّثَاقُلِ، أَوْ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى رَأْيِ الْخَلِيلِ. وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ؛ أَيْ: مَا لَكُمْ مُتَثَاقِلِينَ. (مِنَ الْآخِرَةِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ أَيْ: بَدَلًا مِنَ الْآخِرَةِ. قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (٤٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثَانِيَ اثْنَيْنِ) : هُوَ حَالٌ مِنَ الْهَاءِ؛ أَيْ: أَحَدَ اثْنَيْنِ. وَيُقْرَأُ بِسُكُونِ الْيَاءِ، وَحَقُّهَا التَّحْرِيكُ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الضَّرُورَةِ فِي الشِّعْرِ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ بِضَرُورَةٍ، وَلِذَلِكَ أَجَازُوهُ فِي الْقُرْآنِ. (إِذْ هُمَا) : ظَرْفٌ لِنَصَرَهُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ «إِذْ» الْأُولَى، وَمَنْ قَالَ الْعَامِلُ فِي الْبَدَلِ غَيْرُ الْعَامِلِ فِي الْمُبْدَلِ قَدَّرَ هُنَا فِعْلًا آخَرَ؛ أَيْ: نَصْرَهُ إِذْ هُمَا. (إِذْ يَقُولُ) : بَدَلٌ أَيْضًا، وَقِيلَ: «إِذْ هُمَا» ظَرْفٌ لِثَانِي. (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ) : هِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مُفَعِّلَةٍ؛ أَيْ: أَنْزَلَ عَلَيْهِ مَا يُسْكِنُهُ.

стр. 642

وَالْهَاءُ فِي: «عَلَيْهِ» تَعُودُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ لِأَنَّهُ كَانَ مُنْزَعِجًا. وَالْهَاءُ فِي: «أَيَّدَهُ» لِلنَّبِيِّ ﷺ . (وَكَلِمَةُ اللَّهِ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ. وَ (هِيَ الْعُلْيَا) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، أَوْ تَكُونُ هِيَ فَضْلًا، وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ أَيْ: وَجَعَلَ كَلِمَةَ اللَّهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ فِيهِ وَضْعَ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ؛ إِذِ الْوَجْهُ أَنْ تَقُولَ: كَلِمَتُهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ كَانَتْ سُفْلَى، فَصَارَتْ عُلْيَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ تَوْكِيدَ مِثْلِ ذَلِكَ بَهِيٌّ بَعِيدٌ؛ إِذِ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ إِيَّاهَا. قَالَ تَعَالَى: (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (٤٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا) : اسْمُ «كَانَ» مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: وَلَوْ كَانَ مَا دَعَوْتُمْ إِلَيْهِ. (لَوِ اسْتَطَعْنَا) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الْوَاوِ عَلَى الْأَصْلِ. وَقُرِئَ بِضَمِّهَا؛ تَشْبِيهًا لِلْوَاوِ الْأَصْلِيَّةِ بِوَاوِ الضَّمِيرِ، نَحْوَ: (اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ) [الْبَقَرَةِ: ١٦] . (يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «يَحْلِفُونَ» . قَالَ تَعَالَى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (٤٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ) : حَتَّى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ تَقْدِيرُهُ: هَلَّا أَخَّرْتَهُمْ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ أَوْ لِيَتَبَيَّنَ، وَقَوْلُهُ: «لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ» يَدُلُّ عَلَى الْمَحْذُوفِ.

стр. 643

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ «حَتَّى» بِأَذِنْتَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ أَذِنَ لَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، أَوْ لِأَجْلِ التَّبْيِينِ، وَهَذَا لَا يُعَاتَبُ عَلَيْهِ. قَالَ تَعَالَى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (٤٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (خِلَالَكُمْ) : ظَرْفٌ لَأَوْضَعُوا؛ أَيْ: أَسْرَعُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ. (يَبْغُونَكُمُ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «أَوْضَعُوا» . قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) (٤٩) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَقُولُ ائْذَنْ لِي) : هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: (ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) [الْأَعْرَافِ: ٧٠] وَقَدْ ذُكِرَ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) (٥٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَلْ تَرَبَّصُونَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى تَسْكِينِ اللَّامِ، وَتَخْفِيفِ التَّاءِ. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ اللَّامِ، وَتَشْدِيدِ التَّاءِ، وَوَصْلِهَا، وَالْأَصْلُ «تَتَرَبَّصُونَ» ، فَسَكَّنَ التَّاءَ الْأُولَى، وَأَدْغَمَهَا وَوَصَلَهَا بِمَا قَبْلَهَا، وَكُسِرَتِ اللَّامُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَمِثْلُهُ: (نَارًا تَلَظَّى) [اللَّيْلِ: ١٤] وَلَهُ نَظَائِرُ. (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ) : مَفْعُولُ نَتَرَبَّصُ، وَبِكُمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَتَرَبَّصُ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) (٥٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تُقْبَلَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِنَ الْمَفْعُولِ فِي مَنَعَهُمْ.

стр. 644

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: مِنْ أَنْ تُقْبَلَ. وَ (أَنَّهُمْ كَفَرُوا) : فِي مَوْضِعِ الْفَاعِلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ مَنَعَ «اللَّهُ» وَأَنَّهُمْ كَفَرُوا مَفْعُولٌ لَهُ؛ أَيْ: إِلَّا لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا. قَالَ تَعَالَى: (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ) (٥٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ مُدَّخَلًا) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ، وَضَمِّ الْمِيمِ، وَهُوَ مُفْتَعَلٌ مِنَ الدُّخُولِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْخَاءِ مِنْ غَيْرِ تَشْدِيدٍ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِهِمَا، وَهُمَا مَكَانَانِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ الْمَغَارَةُ، وَهِيَ وَاحِدُ مَغَارَاتٍ، وَقِيلَ: الْمَلْجَأُ، وَمَا بَعْدَهُ مَصَادِرُ؛ أَيْ: لَوْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ لَمَالُوا إِلَيْهِ. قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) (٥٨) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَلْمِزُكَ) : يَجُوزُ كَسْرُ الْمِيمِ وَضَمُّهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، قَدْ قُرِئَ بِهِمَا. (إِذَا هُمْ) : إِذَا هُنَا لِلْمُفَاجَأَةِ، وَهِيَ ظَرْفُ مَكَانٍ، وَجُعِلَتْ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ كَالْفَاءِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْمُفَاجَأَةِ، وَمَا بَعْدَهَا ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَالْعَامِلُ فِي إِذَا: «يَسْخَطُونَ» . قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٦٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَرِيضَةً) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْفُقَرَاءِ؛ أَيْ: مَفْرُوضَةً. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ، وَالْمَعْنَى فَرَضَ اللَّهُ ذَلِكَ فَرْضًا.

стр. 645

قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (٦١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ) : أُذُنُ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: هُوَ. وَيُقْرَأُ بِالْإِضَافَةِ؛ أَيْ: مُسْتَمِعُ خَبَرٍ، وَيُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ وَرَفْعِ خَيْرٍ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِأُذُنٍ، وَالتَّقْدِيرُ: أُذُنٌ ذُو خَيْرٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «خَيْرٍ» بِمَعْنَى أَفْعَلَ؛ أَيْ: أُذُنٌ أَكْثَرُ خَيْرًا لَكُمْ. (يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ أَيْضًا، وَاللَّامُ فِي: «لِلْمُؤْمِنِينَ» زَائِدَةٌ دَخَلَتْ لِتُفَرِّقَ بَيْنَ يُؤْمِنُ بِمَعْنَى يُصَدِّقُ، وَيُؤْمِنُ بِمَعْنَى يُثْبِتُ الْأَمَانَ. (وَرَحْمَةٌ) : بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى «أُذُنُ» ؛ أَيْ: هُوَ أُذُنٌ وَرَحْمَةٌ، وَيُقْرَأُ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى خَيْرٍ فِيمَنْ جَرَّ خَيْرًا. قَالَ تَعَالَى: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ) (٦٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ) : مُبْتَدَأٌ، وَ (أَحَقُّ) : خَبَرُهُ، وَالرَّسُولُ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ الْأَوَّلِ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: أَحَقُّ خَبَرُ الرَّسُولِ، وَخَبَرُ الْأَوَّلِ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ أَقْوَى إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَخَبَرِهِ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ خَبَرُ الْأَقْرَبِ إِلَيْهِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْـ ... ـدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ. وَقِيلَ: «أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ» خَبَرٌ عَنِ الِاسْمَيْنِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الرَّسُولِ تَابِعٌ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى،

стр. 646

وَلِأَنَّ الرَّسُولَ قَائِمٌ مَقَامَ اللَّهِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) [الْفَتْحِ: ١٠] ، وَقِيلَ: أُفْرِدَ الضَّمِيرُ وَهُوَ فِي مَوْضِعِ التَّثْنِيَةِ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: أَنْ تُرْضُوهُ أَحَقُّ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: (فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ) [التَّوْبَةِ: ١٣] . وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: أَحَقُّ بِالْإِرْضَاءِ. قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ) (٦٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمُتَعَدِّيَةَ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَتَكُونَ «أَنَّهُ» وَخَبَرُهَا سَدَّ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمُتَعَدِّيَةَ إِلَى وَاحِدٍ. وَ «مِنْ» شَرْطِيَّةٌ مَوْضِعُ مُبْتَدَأٍ، وَالْفَاءُ جَوَابُ الشَّرْطِ؛ فَأَمَّا «أَنَّ» الثَّانِيَةُ فَالْمَشْهُورُ فَتْحُهَا، وَفِيهَا أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا بَدَلٌ مِنَ الْأُولَى، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْفَاءَ الَّتِي مَعَهَا تَمَنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَالْحُكْمُ بِزِيَادَتِهَا ضَعِيفٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ جَعْلَهَا بَدَلًا يُوجِبُ سُقُوطَ جَوَابِ «مَنْ» مِنَ الْكَلَامِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا كُرِّرَتْ تَوْكِيدًا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) [النَّحْلِ: ١١٩] ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا» ، وَالْفَاءُ عَلَى هَذَا جَوَابُ الشَّرْطِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ «أَنَّ» هَاهُنَا مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: فَلَهُمْ أَنَّ لَهُمْ. وَالرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ فَجَزَاؤُهُمْ أَنَّ لَهُمْ، أَوْ فَالْوَاجِبُ لَهُمْ، وَيُقْرَأُ بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.

стр. 647

قَالَ تَعَالَى: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ) (٦٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تُنَزَّلَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَحْذَرُ عَلَى أَنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ بِنَفْسِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِحَرْفِ الْجَرِّ؛ أَيْ: مِنْ أَنْ تُنَزَّلَ، فَيَكُونُ مَوْضِعُهُ نَصْبًا، أَوْ جَرًّا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنِ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) (٦٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَبِاللَّهِ) : الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ «تَسْتَهْزِئُونَ» ، وَقَدْ قُدِّمَ مَعْمُولُ خَبَرِ كَانَ عَلَيْهَا، فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ خَبَرِهَا عَلَيْهَا. قَالَ تَعَالَى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (٦٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ؛ أَيْ: بَعْضُهُمْ مِنْ جِنْسِ بَعْضٍ فِي النِّفَاقِ. (يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ) : مُسْتَأْنَفٌ مُفَسِّرٌ لِمَا قَبْلَهَا. قَالَ تَعَالَى: (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (٦٩) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَالَّذِينَ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبِ نَعْتٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ مُضَافٌ تَقْدِيرُهُ: وَعْدًا كَوَعْدِ الَّذِينَ. (كَمَا اسْتَمْتَعَ) : أَيِ اسْتِمْتَاعًا كَاسْتِمْتَاعِهِمْ. (كَالَّذِي خَاضُوا) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْضًا. وَفِي «الَّذِي» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جِنْسٌ، وَالتَّقْدِيرُ: خَوْضًا كَخَوْضِ الَّذِينَ خَاضُوا، وَقَدْ ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ) [الْبَقَرَةِ: ١٧] .

стр. 648

وَالثَّانِي: أَنَّ «الَّذِي» هُنَا مَصْدَرِيَّةٌ؛ أَيْ: كَخَوْضِهِمْ، وَهُوَ نَادِرٌ. قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (٧٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَوْمِ نُوحٍ) : هُوَ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ. قَالَ تَعَالَى: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (٧٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ) : مُبْتَدَأٌ، وَ (أَكْبَرُ) : خَبَرُهُ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (٧٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) : إِنْ قِيلَ: كَيْفَ حَسُنَتِ الْوَاوُ هُنَا، وَالْفَاءُ أَشْبَهُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ؟ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا وَاوُ الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: افْعَلْ ذَلِكَ فِي حَالِ اسْتِحْقَاقِهِمْ جَهَنَّمَ، وَتِلْكَ الْحَالُ حَالُ كَفْرِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْوَاوَ جِيءَ بِهَا تَنْبِيهًا عَلَى إِرَادَةِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْكَلَامَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ لَهُمْ عَذَابُ الدُّنْيَا بِالْجِهَادِ وَالْغِلْظَةِ وَعَذَابُ الْآخِرَةِ بِجَعْلِ جَهَنَّمَ مَأْوًى لَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) (٧٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا قَالُوا) : هُوَ جَوَابُ قَسَمٍ، وَيَحْلِفُونَ قَائِمٌ مَقَامَ الْقَسَمِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ) : أَنْ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ مَفْعُولُ «نَقَمُوا» ؛ أَيْ: وَمَا كَرِهُوا إِلَّا إِغْنَاءَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَالْمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: مَا كَرِهُوا الْإِيمَانَ إِلَّا لِيَغْنَوْا.

стр. 649

قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ) (٧٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَقْدِيرُهُ: عَاهَدَ، فَقَالَ لَئِنْ آتَانَا. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ «عَاهَدَ» بِمَعْنَى «قَالَ» ، إِذِ الْعَهْدُ قَوْلٌ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (٧٩) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ) : مُبْتَدَأٌ. وَ (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «الْمُطَّوِّعِينَ» . وَ (فِي الصَّدَقَاتِ) : مُتَعَلِّقٌ بِيَلْمِزُونَ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُطَّوِّعِينَ لِئَلَّا يُفْصَلَ بَيْنَهُمَا بِأَجْنَبِيٍّ. (وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الَّذِينَ يَلْمِزُونَ. وَقِيلَ: عَلَى الْمُطَّوِّعِينَ؛ أَيْ: وَيَلْمِزُونَ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ. وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَخَبَرُ الْأَوَّلِ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا «فَيَسْخَرُونَ» وَدَخَلَتِ الْفَاءُ لِمَا فِي الَّذِينَ مِنَ الشُّبَهِ بِالشَّرْطِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَبَرَ «سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ» وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ سَخِرَ تَقْدِيرُهُ: عَابَ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ. وَقِيلَ: الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِنْهُمُ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ. قَالَ تَعَالَى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (٨٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَبْعِينَ مَرَّةً) : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَالْعَدَدُ يَقُومُ مَقَامَ الْمَصْدَرِ؛ كَقَوْلِهِمْ ضَرَبْتُهُ عِشْرِينَ ضَرْبَةً.

стр. 650

قَالَ تَعَالَى: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) (٨١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِمَقْعَدِهِمْ) : أَيْ: بِقُعُودِهِمْ. وَ (خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ) : ظَرْفٌ بِمَعْنَى خَلْفَ؛ أَيْ: بَعْدَهُ، وَالْعَامِلُ فِيهِ «مَقْعَدِ» . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ «فَرِحَ» . وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ؛ فَعَلَى هَذَا هُوَ مَصْدَرٌ؛ أَيْ: لِمُخَالَفَتِهِ، وَالْعَامِلُ الْمَقْعَدُ أَوْ فَرِحَ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ؛ لِأَنَّ مَقْعَدَهُمْ عَنْهُ تَخَلَّفَ. قَالَ تَعَالَى: (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (٨٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَلِيلًا) : أَيْ: ضِحْكًا قَلِيلًا، أَوْ زَمَنًا قَلِيلًا. وَ (جَزَاءً) : مَفْعُولٌ لَهُ أَوْ مَصْدَرٌ عَلَى الْمَعْنَى. قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) (٨٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ) : هِيَ مُتَعَدِّيَةٌ بِنَفْسِهَا، وَمَصْدَرُهَا رَجَعَ، وَتَأْتِي لَازِمَةً، وَمَصْدَرُهَا الرُّجُوعُ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) (٨٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْهُمْ) : صِفَةٌ لِأَحَدٍ، وَ «مَاتَ» صِفَةٌ أُخْرَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مِنْهُمْ» حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي مَاتَ. (أَبَدًا) : ظَرْفٌ لِـ «تُصَلِّ» . قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ) (٨٦) .

стр. 651

قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ آمِنُوا) : أَيْ آمِنُوا؛ وَالتَّقْدِيرُ: يُقَالُ فِيهَا آمِنُوا. وَقِيلَ: إِنَّ هُنَا مَصْدَرِيَّةٌ؛ تَقْدِيرُهُ: أُنْزِلَتْ بِأَنْ آمِنُوا؛ أَيْ: بِالْإِيمَانِ. قَالَ تَعَالَى: (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ) (٨٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَعَ الْخَوَالِفِ) : هُوَ جَمْعُ خَالِفَةٍ، وَهِيَ الْمَرْأَةُ، وَقَدْ يُقَالُ لِلرَّجُلِ خَالِفٌ وَخَالِفَةٌ، وَلَا يُجْمَعُ الْمُذَكَّرُ عَلَى خَوَالِفَ. قَالَ تَعَالَى: (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (٩٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ) : يُقْرَأُ عَلَى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي قَوْلِهِ: (بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) [الْأَنْفَالِ: ٩] . قَالَ تَعَالَى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٩١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذَا نَصَحُوا) : الْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى الْكَلَامِ؛ أَيْ: لَا يَخْرُجُونَ حِينَئِذٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) (٩٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الضُّعَفَاءِ، فَيَدْخُلُ فِي خَبَرِ لَيْسَ، وَإِنْ شِئْتَ عَطَفْتَهُ عَلَى الْمُحْسِنِينَ، فَيَكُونُ الْمُبْتَدَأُ مِنْ سَبِيلٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفًا؛ أَيْ: وَلَا عَلَى الَّذِينَ. . . إِلَى تَمَامِ الصِّلَةِ حَرَجٌ أَوْ سَبِيلٌ، وَجَوَابُ إِذَا: «تَوَلَّوْا» ، وَفِيهِ كَلَامٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا) [آلِ عِمْرَانَ: ٣٧] .

стр. 652

(وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَ (مِنَ الدَّمْعِ) : مِثْلُ الَّذِي فِي الْمَائِدَةِ. وَ (حَزَنًا) : مَفْعُولٌ لَهُ، أَوْ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَوْ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ. (أَلَّا يَجِدُوا) : يَتَعَلَّقُ بِحَزَنٍ، وَحَرْفُ الْجَرِّ مَحْذُوفٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِتَفِيضُ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (٩٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَضُوا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا، وَقَدْ مَعَهُ مُرَادَةٌ. قَالَ تَعَالَى: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٩٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ) : هَذَا الْفِعْلُ قَدْ يَتَعَدَّى إِلَى ثَلَاثَةٍ، أَوَّلُهَا «نَا» وَالِاثْنَانِ الْآخَرَانِ مَحْذُوفَانِ تَقْدِيرُهُمَا: أَخْبَارًا مِنْ أَخْبَارِكُمْ مُثْبَتَةً. وَ (مِنْ أَخْبَارِكُمْ) : تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَحْذُوفِ، وَلَيْسَتْ «مِنْ» زَائِدَةً؛ إِذْ لَوْ كَانَتْ زَائِدَةً، لَكَانَتْ مَفْعُولًا ثَانِيًا، وَالْمَفْعُولُ الثَّالِثُ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ إِذَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَابِ لَزِمَ ذِكْرُ الثَّالِثِ. وَقِيلَ: «مِنْ» بِمَعْنَى عَنْ. قَالَ تَعَالَى: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (٩٥) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَزَاءً) : مَصْدَرٌ؛ أَيْ: يُجْزَوْنَ بِذَلِكَ جَزَاءً، أَوْ هُوَ مَفْعُولٌ لَهُ.

стр. 653

قَالَ تَعَالَى: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٩٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَجْدَرُ أَنْ لَا يَعْلَمُوا) : أَيْ: بِأَنْ يَعْلَمُوا. قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ) (٩٨) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِكُمُ الدَّوَائِرَ) : يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْبَاءُ بِـ (يَتَرَبَّصُ) وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الدَّوَائِرِ. (دَائِرَةُ السَّوْءِ) : يُقْرَأُ بِضَمِّ السِّينِ، وَهُوَ الضَّرَرُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ فِي الْحَقِيقَةِ يُقَالُ سُؤْتُهُ سُوءًا وَمَسَاءَةً وَمَسَائِيَةً. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ السِّينِ وَهُوَ الْفَسَادُ وَالرَّدَاءَةُ. قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٩٩) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُرُبَاتٍ) : هُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِـ «يَتَّخِذُ» .. وَ (عِنْدَ اللَّهِ) : صِفَةٌ لِقُرُبَاتٍ، أَوْ ظَرْفٌ لِـ «يَتَّخِذُ» ، أَوْ لِقُرُبَاتٍ. (وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ) : مَعْطُوفٌ عَلَى مَا يُنْفِقُ تَقْدِيرُهُ: وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ قُرُبَاتٍ. وَ: قُرْبَةٌ بِسُكُونِ الرَّاءِ، وَقُرِئَ بِضَمِّهَا عَلَى الْإِتْبَاعِ. قَالَ تَعَالَى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (١٠٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالسَّابِقُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ «مَنْ يُؤْمِنُ» تَقْدِيرُهُ: وَمِنْهُمُ السَّابِقُونَ.

стр. 654

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَفِي الْخَبَرِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: «الْأَوَّلُونَ» وَالْمَعْنَى: وَالسَّابِقُونَ إِلَى الْهِجْرَةِ الْأَوَّلُونَ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ، أَوْ وَالسَّابِقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ الْأَوَّلُونَ إِلَى الْهِجْرَةِ. وَالثَّانِي: الْخَبَرُ «مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ» وَالْمَعْنَى فِيهِ الْإِعْلَامُ بِأَنَّ السَّابِقِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ هُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْخَبَرَ «﵃» وَيُقْرَأُ «وَالْأَنْصَارُ» بِالرَّفْعِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى «السَّابِقُونَ» ، أَوْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ «﵃» وَذَلِكَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ. وَبِإِحْسَانٍ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي «اتَّبَعُوهُمْ» . (تَجْرِي تَحْتَهَا) : وَ «مِنْ تَحْتِهَا» وَالْمَعْنَى فِيهِمَا وَاضِحٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) (١٠١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِمَّنْ) : مَنْ بِمَعْنَى الَّذِي، وَ (مُنَافِقُونَ) : مُبْتَدَأٌ، وَمَا قَبْلَهُ الْخَبَرُ. وَ (مَرَدُوا) : صِفَةٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ مَرَدُوا. وَقِيلَ: مَرَدُوا صِفَةٌ لَمُنَافِقُونَ، وَقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا، وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ كَذَلِكَ. (لَا تَعْلَمُهُمْ) : صِفَةُ أُخْرَى، مِثْلُ مَرَدُوا. وَ (نَعْلَمُهُمْ) : بِمَعْنَى نَعْرِفُهُمْ، فَهِيَ تَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٠٢) .

стр. 655

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُنَافِقُونَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَاعْتَرَفُوا صِفَتَهُ؛ وَ «خَلَطُوا» خَبَرَهُ. (وَآخَرَ سَيِّئًا) : مَعْطُوفٌ عَلَى «عَمَلًا» وَلَوْ كَانَ بِالْبَاءِ جَازَ أَنْ تَقُولَ خَلَطْتُ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ، وَخَلَطْتُ الْحِنْطَةَ بِالشَّعِيرِ. (عَسَى اللَّهُ) : الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ؛ وَقِيلَ: خَلَطُوا حَالٌ وَقَدْ مَعَهُ مُرَادَةٌ؛ أَيِ: اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ قَدْ خَلَطُوا، «وَعَسَى اللَّهُ» خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ. قَالَ تَعَالَى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (١٠٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مِنْ» مُتَعَلِّقَةً بِخُذْ، وَأَنْ تَكُونَ حَالًا مِنْ «صَدَقَةً» . (تُطَهِّرُهُمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةً لِصَدَقَةٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَالتَّاءُ لِلْخِطَابِ؛ أَيْ: تُطَهِّرُهُمْ أَنْتَ. (وَتُزَكِّيهِمْ) : التَّاءُ لِلْخَطَابِ لَا غَيْرَ لِقَوْلِهِ: «بِهَا» ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةً لِصَدَقَةٍ مَعَ قَوْلِنَا إِنَّ التَّاءَ فِيهِمَا لِلْخِطَابِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: «تُطَهِّرُهُمْ» تَقْدِيرُهُ: بِهَا، وَدَلَّ عَلَيْهِ «بِهَا» الثَّانِيَةُ، وَإِذَا كَانَ فِيهِمَا ضَمِيرُ الصَّدَقَةِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لَهَا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي «خُذْ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ صَلَاتَكَ) : يُقْرَأُ بِالْإِفْرَادِ، وَالْجَمْعِ، وَهُمَا ظَاهِرَانِ.

стр. 656

وَ (سَكَنٌ) : بِمَعْنَى مَسْكُونٌ إِلَيْهَا؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤَنِّثْهُ، وَهُوَ مِثْلُ الْقَبْضِ بِمَعْنَى الْمَقْبُوضِ. قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (١٠٤) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُوَ يَقْبَلُ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَيَقْبَلُ الْخَبَرُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «هُوَ» فَصْلًا؛ لِأَنَّ يَقْبَلُ لَيْسَ بِمَعْرِفَةٍ وَلَا قَرِيبٍ مِنْهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (١٠٦) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى: «وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا» ، وَمُرْجَوْنَ بِالْهَمْزَةِ عَلَى الْأَصْلِ، وَبِغَيْرِ هَمْزٍ، وَقَدْ ذُكِرَ أَصْلُهُ فِي الْأَعْرَافِ. (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) : إِمَّا هَاهُنَا: لِلشَّكِّ؛ وَالشَّكُّ رَاجِعٌ إِلَى الْمَخْلُوقِ، وَإِذَا كَانَتْ إِمَّا لِلشَّكِّ جَازَ أَنْ يَلِيَهَا الِاسْمُ، وَجَازَ أَنْ يَلِيَهَا الْفِعْلُ، فَإِنْ كَانَتْ لِلتَّخْيِيرِ، وَوَقَعَ الْفِعْلُ بَعْدَهَا، كَانَتْ مَعَهُ أَنْ؛ كَقَوْلِهِ: (إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ) [الْأَعْرَافِ: ١١٥] وَقَدْ ذُكِرَ. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (١٠٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا) : يُقْرَأُ بِالْوَاوِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ» ؛ أَيْ: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا.

стр. 657

وَالثَّانِي: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ) ؛ أَيْ: مِنْهُمْ، فَحُذِفَ الْعَائِدُ لِلْعِلْمِ بِهِ. وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ وَاوٍ؛ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ (أَفَمَنْ أَسَّسَ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (ضِرَارًا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثَانِيًا لِاتَّخَذُوا، وَكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ، وَهَذِهِ الْمَصَادِرُ كُلُّهَا وَاقِعَةٌ مَوْضِعَ اسْمِ الْفَاعِلِ؛ أَيْ: مُضِرًّا وَمُفْتَرِقًا، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا مَفْعُولًا لَهُ. قَالَ تَعَالَى: (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) (١٠٨) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَمَسْجِدٌ) : اللَّامُ لَامُ الِابْتِدَاءِ، وَقِيلَ: جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وَ «أَسَّسَ» نَعْتٌ لَهُ. وَ (مِنْ أَوَّلِ) : يَتَعَلَّق ُ بِأَسَّسَ؛ وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ: مِنْ تَأْسِيسِ أَوَّلِ يَوْمٍ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ «مِنْ» لَا تَدْخُلُ عَلَى الزَّمَانِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمُنْذُ، وَهَذَا ضَعِيفٌ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ التَّأْسِيسَ الْمُقَدَّرَ لَيْسَ بِمَكَانٍ حَتَّى تَكُونَ «مِنْ» لِابْتِدَاءِ غَايَتِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ دُخُولِ «مِنْ» عَلَى الزَّمَانِ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ دُخُولِهَا عَلَى «قَبْلَ» الَّتِي يُرَادُ بِهَا الزَّمَانُ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ. وَالْخَبَرُ: (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ) وَ «فِيهِ» الْأُولَى تَتَعَلَّقُ بِـ «تَقُومَ» ، وَالتَّاءُ لِخِطَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (فِيهِ رِجَالٌ) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ صِفَةٌ لِمَسْجِدٍ جَاءَتْ بَعْدَ الْخَبَرِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْجُمْلَةَ حَالٌ مِنَ الْهَاءِ فِي «فِيهِ» الْأُولَى، وَالْعَامِلُ فِيهِ «تَقُومَ» . وَالثَّالِثُ: هِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ. قَالَ تَعَالَى: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١٠٩) .

стр. 658

قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَى تَقْوَى) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «أَسَّسَ» ؛ أَيْ: عَلَى قَصْدِ التَّقْوَى؛ وَالتَّقْدِيرُ: قَاصِدًا بِبُنْيَانِهِ التَّقْوَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأَسَّسَ. (جُرُفٍ) : بِالضَّمِّ وَالْإِسْكَانِ، وَهُمَا لُغَتَانِ. وَفِي (هَارٍ) : وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَصْلُهُ «هَوَرَ» أَوْ «هَيَرَ» عَلَى فَعَلَ، فَلَمَّا تَحَرَّكَ حَرْفُ الْعِلَّةِ، وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهُ قُلِبَ أَلِفًا؛ وَهَذَا يُعْرَفُ بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ وَالْجَرِّ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: كَبْشٌ صَافٌ؛ أَيْ: صَوِفٌ، وَيَوْمٌ رَاحٌ؛ أَيْ: ذُو رُوحٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ هَاوِرًا، أَوْ هَايِرًا، ثُمَّ أُخِّرَتْ عَيْنُ الْكَلِمَةِ فَصَارَتْ بَعْدَ الرَّاءِ، وَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، ثُمَّ حُذِفَتْ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ التَّنْوِينِ، فَوَزْنُهُ بَعْدَ [الْقَلْبِ] فَالِعٌ، وَبَعْدَ الْحَذْفِ فَالٌ، وَعَيْنُ الْكَلِمَةِ وَاوٌ، أَوْ يَاءٌ؛ يُقَالُ: تَهَوَّرَ الْبِنَاءُ وَتَهَيَّرَ. (فَانْهَارَ بِهِ) : بِهِ هُنَا حَالٌ؛ أَيْ: فَانْهَارَ وَهُوَ مَعَهُ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (١١١) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) : الْبَاءُ هُنَا لِلْمُقَابَلَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: بِاسْتِحْقَاقِهِمُ الْجَنَّةَ. (يُقَاتِلُونَ) : مُسْتَأْنَفٌ. (فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) : هُوَ مِثْلُ الَّذِي فِي آخِرِ آلِ عِمْرَانَ فِي وُجُوهِ الْقِرَاءَةِ. (وَعْدًا) : مَصْدَرٌ؛ أَيْ: وَعَدَهُمْ بِذَلِكَ وَعْدًا، وَ (حَقًّا) : صِفَتُهُ.

стр. 659

قَالَ تَعَالَى: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (١١٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (التَّائِبُونَ) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ؛ أَيْ: هُمُ التَّائِبُونَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ: الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي، أَوْ أَمْدَحُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا صِفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. (وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) : إِنَّمَا دَخَلَتِ الْوَاوُ فِي الصِّفَةِ الثَّامِنَةِ إِيذَانًا بِأَنَّ السَّبْعَةَ عِنْدَهُمْ عَدَدٌ تَامٌّ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: سَبْعٌ فِي ثَمَانِيَةٍ؛ أَيْ: سَبْعُ أَذْرُعٍ فِي ثَمَانِيَةِ أَشْبَارٍ، وَإِنَّمَا دَلَّتِ الْوَاوُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ تُؤْذِنُ بِأَنَّ مَا بَعْدَهَا غَيْرُ مَا قَبْلَهَا، وَلِذَلِكَ دَخَلَتْ فِي بَابِ عَطْفِ النَّسَقِ. قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (١١٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) : فِي فَاعِلِ كَادَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. وَالثَّانِي: فَاعِلُهُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ الْقَوْمُ، وَالْعَائِدُ عَلَى هَذَا الضَّمِيرِ فِي مِنْهُمْ. وَالثَّالِثُ: فَاعِلُهَا الْقُلُوبُ، وَيَزِيغُ فِي نِيَّةِ التَّأْخِيرِ، وَفِيهِ ضَمِيرُ فَاعِلٍ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ ذَلِكَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالتَّاءِ، فَأَمَّا عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالْيَاءِ فَيَضْعُفُ، عَلَى أَنَّ أَصْلَ هَذَا التَّقْدِيرِ ضَعِيفٌ، وَقَدْ بَيَّنَاهُ فِي قَوْلِهِ: (مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ) [الْأَعْرَافِ: ١٣٧] . قَالَ تَعَالَى: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (١١٨) .

стр. 660

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ) : إِنْ شِئْتَ عَطَفْتَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَيْ: تَابَ عَلَى النَّبِيِّ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ شِئْتَ عَلَى «عَلَيْهِمْ» ؛ أَيْ: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ. (لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ) : خَبَرُ «لَا» : «مِنَ اللَّهِ» . (إِلَّا إِلَيْهِ) : اسْتِثْنَاءٌ مِثْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ تَعَالَى: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (١٢٠) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَوْطِئًا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَكَانًا، فَيَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِثْلَ الْمَوْعِدِ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (١٢٢) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِرْقَةٍ مِنْهُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مِنْهُمْ» صِفَةً لِفِرْقَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ: «طَائِفَةٌ» . قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (١٢٣) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (غِلْظَةً) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّهَا، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) (١٢٧) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَلْ يَرَاكُمْ) : تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ: هَلْ يَرَاكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (١٢٨) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ صِفَةٌ لِرَسُولٍ، وَ «مَا» مَصْدَرِيَّةٌ، مَوْضِعُهَا رَفْعٌ بِعَزِيزٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ «مَا غَنِمْتُمْ» مُبْتَدَأٌ، وَ «عَزِيزٌ عَلَيْهِ» خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِـ «رَسُولٌ» . (بِالْمُؤْمِنِينَ) : يَتَعَلَّقُ بِـ «رَءُوفٌ» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

стр. 661

سُورَةُ يُونُسَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ تَعَالَى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)) . قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ، وَالْأَعْرَافِ، وَيُقَاسُ الْبَاقِي عَلَيْهِمَا. وَ (الْحَكِيمِ) : بِمَعْنَى الْمُحْكَمِ. وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْحَاكِمِ. قَالَ تَعَالَى: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا) : اسْمُ كَانَ. وَخَبَرُهَا عَجَبًا، وَ (لِلنَّاسِ) : حَالٌ مِنْ عَجَبٍ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ أَكَانَ عَجَبًا لِلنَّاسِ. وَقِيلَ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بَكَانَ. وَقِيلَ: هُوَ يَتَعَلَّقُ بِعَجَبٍ عَلَى التَّبْيِينِ. وَقِيلَ: (عَجَبٌ) : هُنَا بِمَعْنَى مُعْجِبٍ ; وَالْمَصْدَرُ إِذَا وَقَعَ مَوْقِعَ اسْمِ مَفْعُولٍ أَوْ فَاعِلٍ، جَازَ أَنْ يَتَقَدَّمَ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ كَاسْمِ الْمَفْعُولِ. (أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَنْ مَصْدَرِيَّةً، فَيَكُونَ مَوْضِعُهَا نَصْبًا بِأَوْحَيْنَا، وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى أَيْ، فَلَا يَكُونُ لَهَا مَوْضِعٌ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا.

стр. 662

قَالَ تَعَالَى: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَعْدَ اللَّهِ) : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ) ; لِأَنَّ هَذَا وَعْدٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ بِالْبَعْثِ. وَ (حَقًّا) : مَصْدَرٌ آخَرُ، تَقْدِيرُهُ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا. (إِنَّهُ يَبْدَأُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ ; وَقُرِئَ بِفَتْحِهَا; وَالتَّقْدِيرُ: حَقَّ أَنَّهُ يَبْدَأُ، فَهُوَ فَاعِلٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لِأَنَّهُ يَبْدَأُ. وَمَاضِي يَبْدَأُ: بَدَأَ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى: أَبْدَأَ. (بِمَا كَانُوا) : فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ أُخْرَى لِعَذَابٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قَالَ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً) : مَفْعُولَانِ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (ضِيَاءً) حَالًا، وَجَعَلَ بِمَعْنَى خَلَقَ، وَالتَّقْدِيرُ: ذَاتَ ضِيَاءٍ. وَقِيلَ الشَّمْسُ هِيَ الضِّيَاءُ. وَالْيَاءُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ، لِقَوْلِكَ ضَوْءٌ، وَالْهَمْزَةُ أَصْلٌ. وَيُقْرَأُ بِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ. وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَخَّرَ الْيَاءَ وَقَدَّمَ الْهَمْزَةَ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْيَاءُ طَرَفًا بَعْدَ أَلِفٍ زَائِدَةٍ قُلِبَتْ هَمْزَةً عِنْدَ قَوْمٍ، وَعِنْدَ آخَرِينَ أَلِفًا، ثُمَّ قُلِبَتِ الْأَلِفُ هَمْزَةً لِئَلَّا يَجْتَمِعَ أَلِفَانِ. (وَالْقَمَرَ نُورًا) : أَيْ ذَا نُورٍ. وَقِيلَ الْمَصْدَرُ بِمَعْنَى فَاعِلٍ ; أَيْ مُنِيرًا. (

стр. 663

وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ) : أَيْ وَقَدَّرَ لَهُ، فَحَذَفَ حَرْفَ الْجَرِّ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: قَدَّرَهُ ذَا مَنَازِلَ. «وَقَدَّرَ» عَلَى هَذَا مُتَعَدِّيَةٌ إِلَى مَفْعُولَيْنِ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ جَعَلَ وَصَيَّرَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدَّرَ مُتَعَدِّيًا إِلَى وَاحِدٍ بِمَعْنَى خَلَقَ. وَمَنَازِلَ: حَالٌ، أَيْ مُنْتَقِلًا. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ) : خَبَرُ إِنَّ: (أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ) ; فَأُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ، وَمَأْوَاهُمْ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَالنَّارُ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ أُولَئِكَ. (بِمَا كَانُوا) : الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ ; أَيْ جُوزُوا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأَنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ فِي يَهْدِيهِمْ. وَالْمَعْنَى: يَهْدِيهِمْ فِي الْجَنَّةِ إِلَى مُرَادَاتِهِمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ. (فِي جَنَّاتِ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِتَجْرِي، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْأَنْهَارِ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِيَهْدِي، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ فِي يَهْدِي، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا لِإِنَّ. قَالَ تَعَالَى: (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (دَعْوَاهُمْ) : مُبْتَدَأٌ. (سُبْحَانَكَ) : مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ الدَّعْوَى ; لِأَنَّ الْمَعْنَى: قَوْلُهُمْ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ. وَ: (فِيهَا) : مُتَعَلِّقٌ بِتَحِيَّةٍ. (أَنِ الْحَمْدُ) : أَنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ.

стр. 664

وَيُقْرَأُ «أَنَّ» بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وَهِيَ مَصْدَرِيَّةٌ. وَالتَّقْدِيرُ: آخِرُ دَعْوَاهُمْ حَمْدُ اللَّهِ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الشَّرَّ) : هُوَ مَفْعُولُ يُعَجِّلُ. وَ (اسْتِعْجَالَهُمْ) : تَقْدِيرُهُ تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجَالِهِمْ ; فَحَذَفَ الْمَصْدَرَ وَصِفَتَهُ الْمُضَافَةَ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُمَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ ; أَيْ كَاسْتِعْجَالِهِمْ ; وَهُوَ بَعِيدٌ ; إِذْ لَوْ جَازَ ذَلِكَ، لَجَازَ زَيْدٌ غُلَامَ عَمْرٍو ; وَبِهَذَا ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ. وَلَيْسَ بِتَضْعِيفٍ صَحِيحٍ ; إِذْ لَيْسَ فِي الْمِثَالِ الَّذِي ذُكِرَ فِعْلٌ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ عِنْدَ حَذْفِ الْجَارِّ ; وَفِي الْآيَةِ فِعْلٌ يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ ; وَهُوَ قَوْلُهُ: «يُعَجِّلُ» . (فَنَذَرُ) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وَلَكِنْ نُمْهِلُهُمْ فَنَذَرُ ; وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى (يُعَجِّلُ) ; إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَدَخَلَ فِي الِامْتِنَاعِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ (لَوْ) وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ التَّعْجِيلَ لَمْ يَقَعْ، وَتَرْكَهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ وَقَعَ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِجَنْبِهِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيْ دَعَانَا مُضْطَجِعًا. وَمِثْلُهُ (قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا) : وَقِيلَ: الْعَامِلُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ مَسَّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَالَ عَلَى هَذَا وَاقِعَةٌ بَعْدَ جَوَابِ إِذَا وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ.

стр. 665

وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى كَثْرَةُ دُعَائِهِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ، لَا عَلَى أَنَّ الضُّرَّ يُصِيبُهُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ ;وَعَلَيْهِ جَاءَتْ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ. (كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ فِي «مَرَّ» . (إِلَى ضُرٍّ) : أَيْ إِلَى كَشْفِ ضُرٍّ. وَاللَّامُ فِي لِجَنْبِهِ عَلَى أَصْلِهَا عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَالتَّقْدِيرُ دَعَانَا مُلْقِيًا لِجَنْبِهِ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ قَبْلِكُمْ) : مُتَعَلِّقٌ بِأَهْلَكْنَا وَلَيْسَ بِحَالٍ مِنَ الْقُرُونِ ; لِأَنَّهُ زَمَانٌ. وَ (وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا ; أَيْ وَقَدْ جَاءَتْهُمْ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى ظَلَمُوا. قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِنَنْظُرَ) : يُقْرَأُ فِي الشَّاذِّ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ وَتَشْدِيدِ الظَّاءِ، وَوَجْهُهَا أَنَّ النُّونَ الثَّانِيَةَ قُلِبَتْ ظَاءً وَأُدْغِمَتْ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ) : هُوَ فِعْلٌ مَاضٍ، مِنْ دَرَيْتَ، وَالتَّقْدِيرُ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَمَا أَعْلَمَكُمْ بِالْقُرْآنِ. وَيُقْرَأُ وَلَأَدْرَاكُمْ بِهِ عَلَى الْإِثْبَاتِ ; وَالْمَعْنَى وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْلَمِكُمْ بِهِ بِلَا وَاسِطَةٍ.

стр. 666

وَيُقْرَأُ فِي الشَّاذِّ «وَلَا أَدْرَأَكُمْ بِهِ» بِالْهَمْزَةِ مَكَانَ الْأَلِفِ قِيلَ: هِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ يَقْلِبُونَ الْأَلِفَ الْمُبْدَلَةَ مِنْ يَاءٍ هَمْزَةً. وَقِيلَ هُوَ غَلَطٌ ; لِأَنَّ قَارِئَهَا ظَنَّ أَنَّهُ مِنَ الدَّرْءِ، وَهُوَ الدَّفْعُ. وَقِيلَ لَيْسَ بِغَلَطٍ وَالْمَعْنَى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَدَفَعَكُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ. (عُمُرًا) : يَنْتَصِبُ نَصْبَ الظُّرُوفِ ; أَيْ مِقْدَارَ عُمُرٍ، أَوْ مُدَّةَ عُمُرٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا لَا يَضُرُّهُمْ) : (مَا) بِمَعْنَى الَّذِي، وَيُرَادُ بِهَا الْأَصْنَامُ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: «هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا» : فَجَمَعَ حَمْلًا عَلَى مَعْنَى (مَا) . قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذَا أَذَقْنَا) : جَوَابُ (إِذَا) الْأُولَى (إِذَا) الثَّانِيَةُ. وَالثَّانِيَةُ لِلْمُفَاجَأَةِ، وَالْعَامِلُ فِي الثَّانِيَةِ الِاسْتِقْرَارُ الَّذِي فِي (لَهُمْ) ، وَقِيلَ «إِذَا» الثَّانِيَةُ زَمَانِيَّةٌ أَيْضًا ; وَالثَّانِيَةُ وَمَا بَعْدَهَا جَوَابُ الْأُولَى. قَالَ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُسَيِّرُكُمْ) : يُقْرَأُ بِالسِّينِ مِنَ السَّيْرِ، وَ (يَنْشُرُكُمْ) مِنَ النَّشْرِ ; أَيْ يُصَرِّفُكُمْ وَيَبُثُّكُمْ. (

стр. 667

وَجَرَيْنَ بِهِمْ) : ضَمِيرُ الْغَائِبِ، وَهُوَ رُجُوعٌ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ ; وَلَوْ قَالَ «بِكُمْ» لَكَانَ مُوَافِقًا لِكُنْتُمْ، وَكَذَلِكَ «فَرِحُوا» وَمَا بَعْدَهُ. (جَاءَتْهَا) : الضَّمِيرُ لِلْفُلْكِ. وَقِيلَ: لِلرِّيحِ. قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذَا هُمْ) : هُوَ جَوَابٌ (لِمَا) ، وَهِيَ لِلْمُفَاجَأَةِ كَالَّتِي يُجَابُ بِهَا الشَّرْطُ. (بَغْيُكُمْ) مُبْتَدَأٌ. وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا. «عَلَى أَنْفُسِكُمْ» ، وَعَلَى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ ; أَيْ كَائِنٌ ; لَا بِالْمَصْدَرِ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُبْتَدَأِ. فَـ «مَتَاعُ» عَلَى هَذَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هُوَ مَتَاعٌ، أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَبَرَ مَتَاعٌ، وَعَلَى أَنْفُسِكُمْ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَصْدَرِ، وَيُقْرَأُ «مَتَاعَ» بِالنَّصْبِ ; فَعَلَى هَذَا «عَلَى أَنْفُسِكُمْ» خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، «وَمَتَاعَ» مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ ; أَيْ مَتَّعَكُمْ بِذَلِكَ مَتَاع. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ بَغْيُكُمْ، وَيَكُونُ الْبَغْيُ هُنَا بِمَعْنَى الطَّلَبِ ; أَيْ طَلَبُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ; فَعَلَى هَذَا «عَلَى أَنْفُسِكُمْ» لَيْسَ بِخَبَرٍ ; لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَعْمَلُ فِيمَا بَعْدَ خَبَرِهِ، بَلْ «عَلَى أَنْفُسِكُمْ» مُتَعَلِّقٌ بِالْمَصْدَرِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; تَقْدِيرُهُ: طَلَبُكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ضَلَالٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَيُقْرَأُ مَتَاعِ: بِالْجَرِّ، عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِلْأَنْفُسِ، وَالتَّقْدِيرُ: ذَوَاتِ مَتَاعٍ.

стр. 668

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَصْدَرُ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ ; أَيْ مُمَتِّعَاتِ الدُّنْيَا، وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا ; إِذْ قَدْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ صِفَةً. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ) : الْبَاءُ لِلسَّبَبِ ; أَيِ اخْتَلَطَ النَّبَاتُ بِسَبَبِ اتِّصَالِ الْمَاءِ بِهِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى خَالَطَهُ نَبَاتُ الْأَرْضِ ; أَيِ اتَّصَلَ بِهِ فَرَبَّاهُ، وَ «مِمَّا يَأْكُلُ» حَالٌ مِنَ النَّبَاتِ. (وَازَّيَّنَتْ) : أَصْلُهُ تَزَيَّنَتْ، ثُمَّ عُمِلَ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا فِي (فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا) : [الْبَقَرَةِ: ٧٢] . وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَيَاءٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا، خَفِيفَةَ النُّونِ وَالْيَاءِ ; أَيْ صَارَتْ ذَاتَ زِينَةٍ ; كَقَوْلِكَ: أَجْرَبَ الرَّجُلُ إِذَا صَارَ ذَا إِبِلٍ جَرْبَى. وَصَحَّحَ الْيَاءَ، وَالْقِيَاسُ أَنْ تُقْلَبَ أَلِفًا وَلَكِنْ جَاءَ مُصَحَّحًا كَمَا جَاءَ اسْتَحْوَذَ. وَيُقْرَأُ «وَازْيَأَنَّتْ» بِزَايٍ سَاكِنَةٍ خَفِيفَةٍ بَعْدَهَا يَاءٌ مَفْتُوحَةٌ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ بَعْدَهَا نُونٌ مُشَدَّدَةٌ وَالْأَصْلُ: وَازْيَانَّتْ، مِثْلُ احْمَارَّتْ، وَلَكِنْ حَرَّكَ الْأَلِفَ فَانْقَلَبَتْ هَمْزَةً كَمَا ذَكَرْنَا فِي «الضَّالِّينَ» . (تَغْنَ بِالْأَمْسِ) : قُرِئَ فِي الشَّاذِّ. «تَتَغَنَّ» - بِتَاءَيْنِ، وَهُوَ فِي الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ.

стр. 669

وَ «الْأَمْس» هُنَا يُرَادُ بِهِ الزَّمَانُ الْمَاضِي لَا حَقِيقَةُ أَمْسٍ الَّذِي قَبْلَ يَوْمِكَ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ كَانَ مُعْرَبًا ; وَكَانَ بِلَا أَلِفٍ وَلَامٍ وَلَا إِضَافَةٍ، نَكِرَةً. قَالَ تَعَالَى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ) : الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، وَالْعَامِلُ فِيهَا الِاسْتِقْرَارُ فِي «لِلَّذِينَ» ; أَيِ اسْتَقَرَّتْ لَهُمُ الْحُسْنَى مَضْمُونًا لَهُمُ السَّلَامَةُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الْحُسْنَى ; لِأَنَّ الْفِعْلَ إِذَا عُطِفَ عَلَى الْمَصْدَرِ احْتَاجَ إِلَى «أَنْ» ذِكْرًا أَوْ تَقْدِيرًا وَ «أَنْ» غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ مَرْفُوعٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا) : مُبْتَدَأٌ، وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ قَوْلُهُ: «مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ» أَوْ قَوْلُهُ: (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ) : أَوْ قَوْلُهُ: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ) ، وَيَكُونُ (جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا) مُعْتَرِضًا بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَخَبَرِهِ. وَالثَّانِي: الْخَبَرُ (جَزَاءُ سَيِّئَةٍ) . وَجَزَاءُ مُبْتَدَأٌ. وَفِي خَبَرِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: بِمِثْلِهَا، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) [الشُّورَى: ٤٠] وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ زَائِدَةٍ، وَالتَّقْدِيرُ: جَزَاءُ سَيِّئَةٍ مُقَدَّرٌ بِمِثْلِهَا. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةً بِجَزَاءٍ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَاقِعٌ. (وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) : قِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى كَسَبُوا وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْمُسْتَقْبَلَ لَا يُعْطَفُ عَلَى الْمَاضِي ; وَإِنْ قِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْمَاضِي فَضَعِيفٌ أَيْضًا. وَقِيلَ: الْجُمْلَةُ حَالٌ. (

стр. 670

قِطَعًا) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الطَّاءِ، وَهُوَ جَمْعُ قِطْعَةٍ، وَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ «لِأُغْشِيَتْ» . وَ (مِنَ اللَّيْلِ) : صِفَةٌ لِقِطَعٍ. وَ (مُظْلِمًا) حَالٌ مِنَ اللَّيْلِ ; وَقِيلَ: مِنْ «قِطَعٍ» ، أَوْ صِفَةٌ لِـ «قِطَعٍ» وَذَكَّرَهُ لِأَنَّ الْقِطَعَ فِي مَعْنَى الْكَثِيرِ. وَيُقْرَأُ بِسُكُونِ الطَّاءِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «مُظْلِمًا» صِفَةً لِقِطَعٍ، أَوْ حَالًا مِنْهُ، أَوْ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «مِنَ اللَّيْلِ» أَوْ حَالًا مِنَ «اللَّيْلِ» . قَالَ تَعَالَى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَكَانَكُمْ) : هُوَ ظَرْفٌ مَبْنِيٌّ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ الْأَمْرِ ; أَيِ الْزَمُوا ; وَفِيهِ ضَمِيرٌ فَاعِلٌ. وَ (أَنْتُمْ) تَوْكِيدٌ لَهُ، «وَالْكَافُ وَالْمِيمُ» فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عِنْدَ قَوْمٍ، وَعِنْدَ آخَرِينَ: الْكَافُ لِلْخِطَابِ لَا مَوْضِعَ لَهَا، كَالْكَافِ فِي إِيَّاكُمْ. (وَشُرَكَاؤُكُمْ) عَطْفٌ عَلَى الْفَاعِلِ. (فَزَيَّلْنَا) : عَيْنُ الْكَلِمَةِ وَاوٌ، لِأَنَّهُ مِنْ زَالَ يَزُولُ ; وَإِنَّمَا قُلِبَتْ يَاءً ; لِأَنَّ وَزْنَ الْكَلِمَةِ فَيْعَلَ ; أَيْ زَيْوَلْنَا، مِثْلَ بَيْطَرَ وَبَيْقَرَ ; فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْيَاءُ وَالْوَاوُ عَلَى الشَّرْطِ الْمَعْرُوفِ، قُلِبَتْ يَاءً. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ زِلْتُ الشَّيْءَ، أَزِيلُهُ، فَعَيْنُهُ عَلَى هَذَا يَاءٌ، فَيُحْتَمَلُ عَلَى هَذَا أَنْ تَكُونَ فَعَّلْنَا وَفَيْعَلْنَا. قَالَ تَعَالَى: (هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)) .
следующие страницы →