Полный текст (1 313 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا) : أَيْ تَتَوَلَّوْا، فَحَذَفَ التَّاءَ الثَّانِيَةَ.
(يَسْتَخْلِفُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الضَّمِّ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْجَوَابِ بِالْفَاءِ.
وَقَدْ سَكَّنَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمَوْضِعِ، أَوْ عَلَى التَّخْفِيفِ لِتَوَالِي الْحَرَكَاتِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَفَرُوا رَبَّهُمْ) : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى ; أَيْ جَحَدُوا رَبَّهُمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ انْتَصَبَ لَمَّا حَذَفَ الْبَاءَ وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: كَفَرُوا نِعْمَةَ رَبِّهِمْ ; أَيْ بَطَرُوهَا.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (غَيْرَ تَخْسِيرٍ) : الْأَقْوَى فِي الْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ «غَيْرَ» هُنَا اسْتِثْنَاءً فِي الْمَعْنَى ; وَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِتَزِيدُونَنِي ; أَيْ فَمَا تَزِيدُونَنِي إِلَّا تَخْسِيرًا. وَيَضْعُفُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ ; إِذِ التَّقْدِيرُ: فَمَا تَزِيدُونَنِي شَيْئًا غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وَهُوَ ضِدُّ الْمَعْنَى.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّهُ مُعْرَبٌ، وَانْجِرَارُهُ بِالْإِضَافَةِ. وَبِفَتْحِهَا عَلَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ مَعَ «إِذْ» لِأَنَّ «إِذْ» مَبْنِيٌّ، وَظَرْفُ الزَّمَانِ إِذَا أُضِيفَ إِلَى مَبْنِيٍّ جَازَ أَنْ يُبْنَى لِمَا فِي الظُّرُوفِ مِنَ الْإِبْهَامِ ; وَلِأَنَّ الْمُضَافَ يَكْتَسِبُ كَثِيرًا مِنْ أَحْوَالِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ ; كَالتَّعْرِيفِ، وَالِاسْتِفْهَامِ، وَالْعُمُومِ، وَالْجَزَاءِ.
وَأَمَّا «إِذْ» فَقَدَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.
стр. 702
قَالَ تَعَالَى: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) : فِي حَذْفِ التَّاءِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ. وَالثَّانِي: أَنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الصَّيْحَةَ بِمَعْنَى الصِّيَاحِ، فَحُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى.
قَالَ تَعَالَى: (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَعْرَافِ.
(لِثَمُودَ) : يُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ ; لِأَنَّهُ مُذَكَّرٌ، وَهُوَ حَيٌّ، أَوْ أَبُو الْقَبِيلَةِ. وَبِحَذْفِ التَّنْوِينِ غَيْرَ مَصْرُوفٍ عَلَى أَنَّهَا الْقَبِيلَةُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالْبُشْرَى) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الرُّسُلِ.
(قَالُوا سَلَامًا) : فِي نَصْبِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ عَلَى الْمَعْنَى كَأَنَّهُ قَالَ: ذَكَرُوا سَلَامًا. وَالثَّانِي: هُوَ مَصْدَرٌ: أَسْلِمُوا سَلَامًا.
وَأَمَّا (سَلَامٌ) الثَّانِي فَمَرْفُوعٌ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ أَمْرِي سَلَامٌ، أَوْ جَوَابِي، أَوْ قَوْلِي. وَالثَّانِي: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ.
стр. 703
وَقَدْ قُرِئَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ بِشَيْءٍ هُوَ ظَاهِرٌ فِي الْإِعْرَابِ.
(أَنْ جَاءَ) : فِي مَوْضِعِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: جَرٌّ، تَقْدِيرُهُ: عَنْ أَنْ جَاءَ ; لِأَنَّ لَبِثَ بِمَعْنَى تَأَخَّرَ. وَالثَّانِي: نَصْبٌ، وَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا حَذَفَ حَرْفَ الْجَرِّ وَصَلَ الْفِعْلُ بِنَفْسِهِ، وَالثَّانِي: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى ; أَيْ لَمْ يَتْرُكِ الْإِتْيَانَ بِعِجْلٍ. وَالثَّالِثُ: رَفْعٌ عَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا ; أَحَدُهُمَا: فَاعِلُ لَبِثَ ; أَيْ فَمَا أَبْطَأَ مَجِيئُهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ «أَنْ جَاءَ» خَبَرُهُ ; تَقْدِيرُهُ: وَالَّذِي لَبِثَهُ إِبْرَاهِيمُ ﵇ قَدْرُ مَجِيئِهِ، أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ ; أَيْ لُبْثُهُ مِقْدَارُ مَجِيئِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي «أَرْسَلْنَا»
(فَضَحِكَتْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الْحَاءِ. وَقُرِئَ بِفَتْحِهَا ; وَالْمَعْنَى: حَاضَتْ، يُقَالُ: ضَحَكَتِ الْأَرْنَبُ بِفَتْحِ الْحَاءِ.
(وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ ; وَفِيهِ وَجْهَانِ:
стр. 704
أَحَدُهُمَا هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَمَا قَبْلَهُ الْخَبَرُ. وَالثَّانِي: هُوَ مَرْفُوعٌ بِالظَّرْفِ.
وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْفَتْحَةَ هُنَا لِلنَّصْبِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ «بِإِسْحَاقَ» . وَالثَّانِي: هُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ تَقْدِيرُهُ: وَوَهَبَنَا لَهُ مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْفَتْحَةَ لِلْجَرِّ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى لَفْظِ إِسْحَاقَ ; أَيْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. وَفِي وَجْهَيِ الْعَطْفِ قَدْ فُصِلَ بَيْنَ يَعْقُوبَ وَبَيْنَ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ بِالظَّرْفِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ قَوْمٍ ; وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا) : هَذَا مُبْتَدَأٌ، وَبَعْلِي خَبَرُهُ، وَشَيْخًا: حَالٌ مِنْ «بَعْلِي» مُؤَكِّدَةٌ ; إِذْ لَيْسَ الْغَرَضُ الْإِعْلَامَ بِأَنَّهُ بَعْلُهَا فِي حَالِ شَيْخُوخَتِهِ دُونَ غَيْرِهَا، وَالْعَامِلُ فِي الْحَالِ مَعْنَى الْإِشَارَةِ وَالتَّنْبِيهِ، أَوْ أَحَدُهُمَا.
وَيُقْرَأُ «شَيْخٌ» بِالرَّفْعِ. وَفِيهِ عِدَّةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ «هَذَا» مُبْتَدَأً، وَ «بَعْلِي» بَدَلًا مِنْهُ، وَ «شَيْخٌ» الْخَبَرُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ «بَعْلِي» عَطْفَ بَيَانٍ، وَ «شَيْخٌ» الْخَبَرُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ «بَعْلِي» مُبْتَدَأً ثَانِيًا، وَ «شَيْخٌ» خَبَرُهُ ; وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ هَذَا. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ «بَعْلِي» خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ، وَ «شَيْخٌ» خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هُوَ شَيْخٌ. وَالْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ «شَيْخٌ» خَبَرًا ثَانِيًا. وَالسَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ «بَعْلِي» وَ «شَيْخٌ» جَمِيعًا خَبَرًا وَاحِدًا، كَمَا نَقُولُ: هَذَا حُلْوٌ حَامِضٌ.
стр. 705
وَالسَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ «شَيْخٌ» بَدَلًا مِنْ بَعْلِي.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَهْلَ الْبَيْتِ) : تَقْدِيرُهُ: يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، أَوْ يَكُونُ مَنْصُوبًا عَلَى التَّعْظِيمِ وَالتَّخْصِيصِ ; أَيْ أَعْنِي.
وَلَا يَجُوزُ فِي الْكَلَامِ جَرُّ مِثْلِ هَذَا عَلَى الْبَدَلِ ; لِأَنَّ ضَمِيرَ الْمُخَاطَبِ لَا يُبْدَلُ مِنْهُ إِذَا كَانَ فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «ذَهَبَ» .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَ «قَدْ» مُرَادَةٌ.
فَأَمَّا جَوَابُ «لَمَّا» فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هُوَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أَقْبَلَ يُجَادِلُنَا، وَيُجَادِلُنَا - عَلَى هَذَا - حَالٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُجَادِلُنَا، وَهُوَ مُسْتَقْبَلٌ بِمَعْنَى الْمَاضِي ; أَيْ جَادَلَنَا.
وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ «جَاءَتْهُ الْبُشْرَى» ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ زِيَادَةَ الْوَاوِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)) .
(أَوَّاهٌ) فَعَّالٌ مِنَ التَّأَوُّهِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (آتِيهِمْ) هُوَ خَبَرُ إِنَّ، وَ «عَذَابٌ» : مَرْفُوعٌ بِهِ. وَقِيلَ: «عَذَابٌ» مُبْتَدَأٌ، وَ «آتِيهِمْ» خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ; وَجَوَّزَ ذَلِكَ أَنَّ عَذَابًا وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً فَقَدْ وُصِفَ بِقَوْلِهِ: «غَيْرُ مَرْدُودٍ» وَأَنَّ إِضَافَةَ اسْمِ الْفَاعِلِ هَاهُنَا لَا تُفِيدُهُ التَّعْرِيفَ ; إِذِ الْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِقْبَالُ.
стр. 706
قَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (سِيءَ بِهِمْ) : الْقَائِمُ مَقَامَ الْفَاعِلِ ضَمِيرُ لُوطٍ. وَ «ذَرْعًا» : تَمْيِيزٌ.
وَ (يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) : حَالٌ، وَالْمَاضِي مِنْهُ أَهْرَعَ.
(هَؤُلَاءِ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «بَنَاتِي» عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ بَدَلٌ، وَ «هُنَّ» : فَصْلٌ، وَ «أَطْهَرُ» الْخَبَرُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُنَّ مُبْتَدَأً ثَانِيًا، وَأَطْهَرُ خَبَرُهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «بَنَاتِي» خَبَرًا، وَ «هُنَّ أَطْهَرُ» مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ.
وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ «أَطْهَرَ» - بِالنَّصْبِ ; وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ «بَنَاتِي» خَبَرًا، وَ «هُنَّ» فَصْلًا وَ «أَطْهَرَ» حَالًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ «هُنَّ» مُبْتَدَأً، وَ «لَكُمْ» خَبَرٌ، وَ «أَطْهَرَ» حَالٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَا فِي «هُنَّ» مِنْ مَعْنَى التَّوْكِيدِ بِتَكْرِيرِ الْمَعْنَى. وَقِيلَ: الْعَامِلُ «لَكُمْ» لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ.
وَ «الضَّيْفُ» مَصْدَرٌ فِي الْأَصْلِ وُصِفَ بِهِ ; فَلِذَلِكَ لَمْ يُثَنَّ وَلَمْ يُجْمَعْ، وَقَدْ جَاءَ مَجْمُوعًا ; يُقَالُ: أَضْيَافٌ، وَضُيُوفٌ، وَضِيفَانٌ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا نُرِيدُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، فَتَكُونُ نَصْبًا بِتَعْلَمُ، وَهُوَ بِمَعْنَى تَعْرِفُ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اسْتِفْهَامًا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنُرِيدُ. وَ «عَلِمْتَ» مُعَلَّقَةٌ.
стр. 707
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ آوِي) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ «أَنَّ» عَلَى الْمَعْنَى ; تَقْدِيرُهُ: أَوْ أَنَّى آوِي.
وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قُوَّةٍ ; إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ مَنْصُوبًا بِإِضْمَارِ أَنْ.
وَقَدْ قُرِئَ بِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَوْ أَنْ آوِيَ.
وَ (بِكُمْ) حَالٌ مِنْ «قُوَّةٍ» وَلَيْسَ مَعْمُولًا لَهَا، لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) : يُقْرَأُ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَوَصْلِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ ; يُقَالُ: أَسْرَى، وَسَرَى.
(إِلَّا امْرَأَتَكَ) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ أَحَدٍ، وَالنَّهْيُ فِي اللَّفْظِ لِأَحَدٍ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى لِلُوطٍ ; أَيْ لَا تُمَكِّنْ أَحَدًا مِنْهُمْ مِنَ الِالْتِفَاتِ، إِلَّا امْرَأَتَكَ.
وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ أَحَدٍ أَوْ مِنْ أَهْلٍ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَعَلْنَا عَالِيَهَا) : مَفْعُولٌ أَوَّلُ، وَ «سَافِلَهَا» ثَانٍ.
(مِنْ سِجِّيلٍ) : صِفَةٌ لِحِجَارَةٍ، وَ «مَنْضُودٍ» نَعْتٌ لِسِجِّيلٍ.
стр. 708
وَ (مُسَوَّمَةً) : نَعْتٌ لِحِجَارَةٍ.
وَ (عِنْدَ) : مَعْمُولُ مُسَوَّمَةٍ، أَوْ نَعْتٌ لَهَا.
وَ (هِيَ) : ضَمِيرُ الْعُقُوبَةِ.
وَ (بِعِيدٍ) : نَعْتٌ لِـ «مَكَانٍ» مَحْذُوفٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ هِيَ، وَلَمْ تُؤَنَّثْ ; لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ وَالْعِقَابَ بِمَعْنًى ; أَيْ وَمَا الْعِقَابُ بَعِيدًا مِنَ الظَّالِمِينَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَخَاهُمْ) مَفْعُولُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ وَأَرْسَلْنَا إِلَى مَدْيَنَ. وَ (شُعَيْبًا) : بَدَلٌ.
وَ (تَنْقُصُوا) : يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ بِنَفْسِهِ، وَإِلَى آخَرَ تَارَةً بِنَفْسِهِ وَتَارَةً بِحَرْفِ جَرٍّ ; تَقُولُ: نَقَصْتُ زَيْدًا حَقَّهُ ; وَمِنْ حَقِّهِ ; وَهُوَ هَاهُنَا كَذَلِكَ ; أَيْ لَا تَنْقُصُوا النَّاسَ مِنَ الْمِكْيَالِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُنَا مُتَعَدِيًّا إِلَى وَاحِدٍ عَلَى الْمَعْنَى ; أَيْ لَا تُقَلِّلُوا وَتُطَفِّفُوا.
وَ (مُحِيطٍ) : نَعْتٌ لِيَوْمٍ فِي اللَّفْظِ، وَلِلْعَذَابِ فِي الْمَعْنَى.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ: عَذَابُ يَوْمٍ مُحِيطٍ عَذَابُهُ ; وَهُوَ بَعِيدٌ ; لِأَنَّ مُحِيطًا قَدْ جَرَى عَلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ؛ فَيَجِبُ إِبْرَازُ فَاعِلِهِ مُضَافًا إِلَى ضَمِيرِ الْمَوْصُوفِ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى «مَا يَعْبُدُ» وَالتَّقْدِيرُ: أَصَلَوَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، أَوْ أَنْ نَتْرُكَ أَنْ نَفْعَلَ، وَلَيْسَ بِمَعْطُوفٍ عَلَى
стр. 709
أَنْ نَتْرُكَ ; إِذْ لَيْسَ الْمَعْنَى: أَصَلَوَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا.
قَالَ تَعَالَى: (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْمَائِدَةِ، وَفَاعِلُهُ «شِقَاقِي» وَ «أَنْ يُصِيبَكُمْ» : مَفْعُولُهُ الثَّانِي.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاتَّخَذْتُمُوهُ) : هِيَ الْمُتَعَدِّيَةُ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَ «ظِهْرِيًّا» الْمَفْعُولُ الثَّانِي.
وَ (وَرَاءَكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَاتَّخَذْتُمْ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ظِهْرِيًّا.
قَالَ تَعَالَى: (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ) : هُوَ مِثْلُ الَّذِي فِي قِصَّةِ نُوحٍ ﵇.
قَالَ تَعَالَى ﴿كَأَن لم يغنوا فِيهَا أَلا بعدا لمدين كَمَا بَعدت ثَمُود﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمَا بَعِدَتْ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَمُسْتَقْبَلُهُ يَبْعَدُ، وَالْمَصْدَرُ بَعَدًا بِفَتْحِ الْعَيْنِ فِيهِمَا ; أَيْ هَلَكَ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَمَصْدَرُهُ الْبُعْدُ ; وَهُوَ مِنَ الْبُعْدِ فِي الْمَكَانِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ) : هُوَ مُسْتَأْنَفٌ لَا مَوْضِعَ لَهُ.
стр. 710
(فَأَوْرَدَهُمُ) تَقْدِيرُهُ: فَيُورِدُهُمْ. وَفَاعِلُ (بِئْسَ) : (الْوِرْدُ) . وَالْمَوْرُودُ نَعْتٌ لَهُ، وَالْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: بِئْسَ الْوِرْدُ النَّارُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْرُودُ هُوَ الْمَخْصُوصَ بِالذَّمِّ.
قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى) : ابْتِدَاءٌ، وَخَبَرٌ. وَ (نَقُصُّهُ) حَالٌ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «ذَلِكَ» مَفْعُولًا بِهِ، وَالنَّاصِبُ لَهُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ وَنَقُصُّ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى وَفِيهِ أَوْجُهٌ أُخَرُ قَدْ ذُكِرَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ) فِي آلِ عِمْرَانَ.
(مِنْهَا قَائِمٌ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْحَالِ مِنَ الْهَاءِ فِي نَقُصُّهُ.
وَ (حَصِيدٌ) : مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ وَمِنْهَا حَصِيدٌ، وَهُوَ بِمَعْنَى مَحْصُودٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذَا أَخَذَ) : ظَرْفٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ «أَخْذُ رَبِّكَ» .
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ. وَ «يَوْمٌ» خَبَرُهُ، وَ «مَجْمُوعٌ» : صِفَةُ يَوْمٍ.
وَ (النَّاسُ) مَرْفُوعٌ بِمَجْمُوعٍ.
قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ يَأْتِ) : «يَوْمَ» ظَرْفٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ «تَكَلَّمُ» مُقَدَّرَةٌ ; وَالتَّقْدِيرُ: لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ «نَفْسٌ» وَهُوَ أَجْوَدُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ ; أَيِ اذْكُرُوا يَوْمَ يَأْتِي، وَيَكُونُ «تَكَلَّمُ» صِفَةً لَهُ. وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ لَا تَكَلَّمُ فِيهِ، أَوْ لَا تَكَلَّمُهُ.
стр. 711
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي.
وَأَمَّا فَاعِلُ «يَأْتِي» فَضَمِيرٌ يَرْجِعُ عَلَى قَوْلِهِ: (يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ) : وَلَا يَرْجِعُ عَلَى «يَوْمَ» الْمُضَافِ إِلَى يَأْتِي ; لِأَنَّ الْمُضَافَ إِلَيْهِ كَجُزْءٍ مِنَ الْمُضَافِ ; فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ بَعْضَ الْكَلِمَةِ ; إِذْ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ ; وَالْجَيِّدُ إِثْبَاتُ الْيَاءِ ; إِذْ لَا عِلَّةَ تُوجِبُ حَذْفَهَا، وَقَدْ حَذَفَهَا بَعْضُهُمُ اكْتِفَاءً بِالْكَسْرَةِ عَنْهَا، وَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالْفَوَاصِلِ ; وَنَظِيرُ ذَلِكَ (مَا كُنَّا نَبْغِ) [الْكَهْفِ: ٦٤]- (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ) [الْفَجْرِ: ٤] .
(إِلَّا بِإِذْنِهِ) : قَدْ ذُكِرَ نَظِيرُهُ فِي آيَةِ الْكُرْسِيِّ.
قَالَ تَعَالَى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا الِاسْتِقْرَارُ الَّذِي فِي «فَفِي النَّارِ» أَوْ نَفْسُ الظَّرْفِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ النَّارِ.
(خَالِدِينَ فِيهَا) : خَالِدِينَ: حَالٌ، وَالْعَامِلُ فِيهَا «لَهُمْ» أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.
(مَا دَامَتِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ; أَيْ مُدَّةَ دَوَامِ السَّمَاوَاتِ. وَ «دَامَ» هُنَا تَامَّةٌ.
(إِلَّا مَا شَاءَ) : فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: هُوَ مُنْقَطِعٌ. وَالثَّانِي: هُوَ مُتَّصِلٌ.
ثُمَّ فِي «مَا» وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى «مَنْ» وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّ الْأَشْقِيَاءَ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي النَّارِ، وَالْخَارِجُ مِنْهُمْ مِنْهَا الْمُوَحِّدُونَ.
стр. 712
وَفِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ يُرَادُ بِالسُّعَدَاءِ الْمُوَحِّدُونَ، وَلَكِنْ يَدْخُلُ مِنْهُمُ النَّارَ الْعُصَاةُ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهَا. فَمُقْتَضَى أَوَّلِ الْآيَةِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ الْمُوَحِّدِينَ فِي الْجَنَّةِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ. ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْعُمُومِ الْعُصَاةَ ; فَإِنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَهَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «مَا» عَلَى بَابِهَا ; وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْأَشْقِيَاءَ يَسْتَحِقُّونَ النَّارَ مِنْ حِينِ قِيَامِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ يُؤَخَّرُونَ عَنْ إِدْخَالِهَا مُدَّةَ الْمَوْقِفِ. وَالسُّعَدَاءُ يَسْتَحِقُّونَ الْجَنَّةَ وَيُؤَخَّرُونَ عَنْهَا مُدَّةَ الْمَوْقِفِ، وَ (خَالِدِينَ) عَلَى هَذَا حَالٌ مُقَدَّرَةٌ ; وَفِيهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ تَكْرِيرٌ عِنْدَ قَوْمٍ ; إِذِ الْكَلَامُ يَسْتَقِلُّ بِدُونِهَا.
وَقَالَ قَوْمٌ «فِيهَا» يَتَعَلَّقُ بِخَالِدِينَ، وَلَيْسَتْ تَكْرِيرًا وَفِي الْأُولَى يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وَ (عَطَاءً) : اسْمُ مَصْدَرٍ ; أَيْ إِعْطَاءً لِذَلِكَ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ; لِأَنَّ الْعَطَاءَ بِمَعْنَى الْمُعْطَى.
(سُعِدُوا) : بِفَتْحِ السِّينِ وَهُوَ الْجَيِّدُ ; وَقُرِئَ بِضَمِّهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَدْ ذُكِرَ فِيهَا وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ الزِّيَادَةِ ; أَيْ أُسْعِدُوا، وَأَسَّسَهُ قَوْلُهُمْ: رَجُلُ مَسْعُودٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِمَّا لَازِمُهُ وَمُتَعَدِّيهِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، مِثْلَ شَحَا فَاهُ، وَشَحَا فُوهُ، وَكَذَلِكَ سَعِدُوا وَسَعَدْتُهُ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي اللُّغَةِ، وَلَا هُوَ مَقِيسٌ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (غَيْرَ مَنْقُوصٍ) : حَالٌ ; أَيْ وَافِيًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)) .
стр. 713
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنَّ كُلًّا) : يُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَنَصْبِ كُلٍّ، وَهُوَ الْأَصْلُ.
وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ وَالنَّصْبِ، وَهُوَ جَيِّدٌ ; لِأَنَّ «إِنَّ» مَحْمُولَةٌ عَلَى الْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ يَعْمَلُ بَعْدَ الْحَذْفِ كَمَا يَعْمَلُ قَبْلَ الْحَذْفِ ; نَحْوَ لَمْ يَكُنْ، وَلَمْ يَكُ.
وَفِي خَبَرِ (إِنَّ) عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: «لَيُوَفِّيَنَّهُمْ» .
وَ «مَا» خَفِيفَةٌ زَائِدَةٌ لِتَكُونَ فَاصِلَةً بَيْنَ لَامِ إِنَّ وَلَامِ الْقَسَمِ كَرَاهِيَةَ تَوَالِيهِمَا، كَمَا فَصَلُوا بِالْأَلِفِ بَيْنِ النُّونَاتِ فِي قَوْلِهِمْ: أَحْسِنَانَّ عَنِّي. وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَبَرَ «مَا» وَهِيَ نَكِرَةٌ ; أَيْ لِخَلْقٍ، أَوْ جَمْعٍ.
وَيُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ مَعَ نَصْبِ كُلٍّ، وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَصْلَ: لَمَنْ مَا
بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى، وَإِنْ شِئْتَ بِفَتْحِهَا ; فَأُبْدِلَتِ النُّونُ مِيمًا وَأُدْغِمَتْ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْمِيمُ الْأُولَى كَرَاهِيَةَ التَّكْرِيرِ ; وَجَازَ حَذْفُ الْأُولَى وَإِبْقَاءُ السَّاكِنَةِ لِاتِّصَالِ اللَّامِ بِهَا، وَهِيَ الْخَبَرُ عَلَى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَصْدَرُ لَمَّ يَلُمُّ، إِذَا جَمَعَ، لَكِنَّهُ أَجْرَى الْوَصْلَ مَجْرَى الْوَقْفِ، وَقَدْ نَوَّنَهُ قَوْمٌ، وَانْتِصَابُهُ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ فِي «لَيُوَفِّيَنَّهُمْ» وَهُوَ ضَعِيفٌ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ شَدَّدَ مِيمَ «مَا» كَمَا يُشَدَّدُ الْحَرْفُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ.
وَيُقْرَأُ: وَ «إِنْ» بِتَخْفِيفِ النُّونِ «كُلٌّ» بِالرَّفْعِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا الْمُخَفَّفَةُ،
стр. 714
وَاسْمُهَا مَحْذُوفٌ، وَكُلٌّ وَخَبَرُهَا خَبَرُ إِنَّ، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ «لَمَّا» نَكِرَةً ; أَيْ خَلْقٌ أَوْ جَمْعٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي قِرَاءَةِ النَّصْبِ. وَالثَّانِي: أَنَّ «إِنْ» بِمَعْنَى «مَا» وَ «لَمَّا» بِمَعْنَى «إِلَّا» أَيْ مَا كُلٌّ إِلَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ.
وَقَدْ قُرِئَ بِهِ شَاذًّا ; وَمَنْ شَدَّدَ فَهُوَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ; وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «لَمَّا» بِالتَّشْدِيدِ حَرْفَ جَزْمٍ، وَلَا حِينًا لِفَسَادِ الْمَعْنَى.
قَالَ تَعَالَى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ تَابَ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلَى الْفَاعِلِ فِي «اسْتَقِمْ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا مَفْعُولًا مَعَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا تَرْكَنُوا) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْكَافِ، وَمَاضِيهِ عَلَى هَذَا رَكِنَ بِكَسْرِهَا، وَهِيَ لُغَةٌ. وَقِيلَ: مَاضِيهِ عَلَى هَذَا بِفَتْحِ الْكَافِ، وَلَكِنَّهُ جَاءَ عَلَى فَعَلَ يَفْعَلُ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا، وَهُوَ شَاذٌّ. وَقِيلَ: اللُّغَتَانِ مُتَدَاخِلَتَانِ، وَذَاكَ أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ لُغَتُهُ الْفَتْحُ [فِي الْمَاضِي]- فَتْحَهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى لُغَةِ غَيْرِهِ، فَنَطَقَ بِهَا عَلَى ذَلِكَ.
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْكَافِ وَمَاضِيهِ رَكَنَ، بِفَتْحِهَا.
(فَتَمَسَّكُمُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ التَّاءِ.
وَقُرِئَ بِكَسْرِهَا، وَهِيَ لُغَةٌ، وَقِيلَ: هِيَ لُغَةٌ فِي كُلِّ مَا عَيْنُ مَاضِيهِ مَكْسُورَةٌ وَلَامُهُ كَعَيْنِهِ ; نَحْوَ مَسَّ، أَصْلُهُ مَسِسْتُ وَكَسَرَ أَوَّلَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلَى ذَلِكَ.
стр. 715
قَالَ تَعَالَى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (طَرَفَيِ النَّهَارِ) : ظَرْفٌ لِأَقِمْ.
(وَزُلَفًا) : بِفَتْحِ اللَّامِ جَمْعُ زُلْفَةٍ، مِثْلَ ظُلْمَةٍ وَظُلَمٍ.
وَيُقْرَأُ بِضَمِّهَا وَفِيهِ وَجْهَانِ ;
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَمْعُ زُلْفَةٍ أَيْضًا، وَكَانَتِ اللَّامُ سَاكِنَةً مِثْلَ بُسْرَةٍ وَبُسْرٍ، وَلَكِنَّهُ أَتْبَعَ الضَّمَّ الضَّمَّ. وَالثَّانِي: هُوَ جَمْعُ زَلِيفٍ، وَقَدْ نُطِقَ بِهِ.
وَيُقْرَأُ بِسُكُونِ اللَّامِ، وَهُوَ جَمْعُ زُلْفَةٍ عَلَى الْأَصْلِ ; نَحْوَ بُسْرَةٍ وَبُسْرٍ ; أَوْ هُوَ مُخَفَّفٌ مِنْ جَمْعِ زَلِيفٍ
قَالَ تَعَالَى: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُولُو بَقِيَّةٍ) : الْجُمْهُورُ عَلَى تَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهُوَ الْأَصْلُ.
وَقُرِئَ بِتَخْفِيفِهَا، وَهُوَ مَصْدَرُ بَقِيَ يَبْقَى بَقْيَةً، كَلَقِيتُهُ لَقْيَةً ; فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَابِهِ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنَى فَعِيلٍ، وَهُوَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ.
(فِي الْأَرْضِ) : حَالٌ مِنَ الْفَسَادِ.
(وَاتَّبَعَ) الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا هَمْزَةُ وَصْلٍ وَفَتْحِ التَّاءِ وَالْبَاءِ ; أَيِ اتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ.
وَقُرِئَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَقَطْعِهَا وَسُكُونِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ: جَزَاءُ مَا أُتْرِفُوا.
قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ) : هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي «يَزَالُونَ» «وَذَلِكَ» يَعُودُ عَلَى الرَّحْمَةِ. وَقِيلَ: الِاخْتِلَافُ.
стр. 716
قَالَ تَعَالَى: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكُلًّا) : هُوَ مَنْصُوبٌ بِـ «نَقُصُّ» .
وَ (مِنْ أَنْبَاءِ) : صِفَةٌ لِكُلٍّ، وَ «مَا نُثَبِّتُ» : بَدَلٌ مِنْ كُلٍّ، أَوْ هُوَ رَفْعٌ بِإِضْمَارِ هُوَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ «نَقُصُّ» وَيَكُونُ «كُلًّا» حَالًا مِنْ «مَا» أَوْ مِنَ الْهَاءِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ أَجَازَ تَقْدِيمَ حَالِ الْمَجْرُورِ عَلَيْهِ، أَوْ مِنْ «أَنْبَاءِ» عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ أَيْضًا، وَيَكُونُ كُلًّا بِمَعْنَى «جَمِيعًا» .
«فِي هَذِهِ» قِيلَ: فِي الدُّنْيَا وَقِيلَ: فِي هَذِهِ السُّورَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 717
سُورَةُ يُوسُفَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ تَعَالَى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) : قَدْ ذُكِرَ فِي أَوَّلِ يُونُسَ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُرْآنًا) : فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَوْطِئَةٌ لِلْحَالِ الَّتِي هِيَ «عَرَبِيًّا» وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَالٌ، وَهُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ ; أَيْ مَجْمُوعًا أَوْ مُجْتَمَعًا، وَ «عَرَبِيًّا» صِفَةٌ لَهُ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَصِفُ الصِّفَةَ، أَوْ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي الْمَصْدَرِ عَلَى رَأْيِ مَنْ قَالَ: يَحْتَمِلُ الضَّمِيرَ إِذَا وَقَعَ مَوْقِعَ مَا يَحْتَمِلُ الضَّمِيرَ.
قَالَ تَعَالَى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَحْسَنَ) : يَنْتَصِبُ انْتِصَابَ الْمَصْدَرِ.
(بِمَا أَوْحَيْنَا) : «مَا» مَصْدَرِيَّةٌ، وَ «هَذَا» مَفْعُولُ (أَوْحَيْنَا) ، وَ (الْقُرْآنَ) : نَعْتٌ لَهُ أَوْ بَيَانٌ.
وَيَجُوزُ فِي الْعَرَبِيَّةِ جَرُّهُ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ «مَا» وَرَفْعُهُ عَلَى إِضْمَارِ هُوَ. وَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَقُصُّ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ أَحْسَنَ.
وَالْهَاءُ فِي «قَبْلِهِ» تَرْجِعُ عَلَى الْقُرْآنِ ; أَوْ عَلَى هَذَا، أَوْ عَلَى الْإِيحَاءِ.
стр. 718
قَالَ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ) : أَيِ اذْكُرْ إِذْ. وَفِي (يُوسُفُ) سِتُّ لُغَاتٍ: ضَمُّ السِّينِ، وَفَتْحُهَا، وَكَسْرُهَا بِغَيْرِ هَمْزٍ فِيهِنَّ، وَبِالْهَمْزِ فِيهِنَّ، وَمِثْلُهُ يُونُسُ.
(يَا أَبَتِ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ التَّاءِ، وَالتَّاءُ فِيهِ زَائِدَةٌ عِوَضًا مِنْ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ، وَهَذَا فِي النِّدَاءِ خَاصَّةً، وَكُسِرَتِ التَّاءُ لِتَدُلَّ عَلَى الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ ; وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، لِئَلَّا يُجْمَعَ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ.
وَيُقْرَأُ بِفَتْحِهَا، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: أَنَّهُ حَذَفَ التَّاءَ الَّتِي هِيَ عِوَضٌ مِنَ الْيَاءِ، كَمَا تُحْذَفُ تَاءُ طَلْحَةَ فِي التَّرْخِيمِ، وَزِيدَتْ بَدَلَهَا تَاءٌ أُخْرَى وَحُرِّكَتْ بِحَرَكَةِ مَا قَبْلَهَا، كَمَا قَالُوا: يَا طَلْحَةَ أَقْبِلْ، بِالْفَتْحِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَبْدَلَ مِنَ الْكَسْرَةِ فَتْحَةً كَمَا يُبْدَلُ مِنَ الْيَاءِ أَلِفٌ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ أَرَادَ يَا «أَبَتَا» كَمَا جَاءَ فِي الشِّعْرِ:
يَا أَبَتَا عَلَّكَ أَوْ عَسَاكَا
فَحُذِفَتِ الْأَلِفُ تَخْفِيفًا.
وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ ضَمَّ التَّاءِ لِشَبَهِهَا بِتَاءِ التَّأْنِيثِ.
فَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى هَذَا الِاسْمِ فَبِالتَّاءِ عِنْدَ قَوْمٍ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ، فَيَبْقَى لَفْظُهَا دَلِيلًا عَلَى الْمَحْذُوفِ. وَبِالْهَاءِ عِنْدَ آخَرِينَ شَبَّهُوهَا بِهَاءِ التَّأْنِيثِ. وَقِيلَ: الْهَاءُ بَدَلٌ مِنَ الْأَلِفِ الْمُبْدَلَةِ مِنَ الْيَاءِ. وَقِيلَ: هِيَ زَائِدَةٌ لِبَيَانِ الْحَرَكَةِ.
стр. 719
وَ (أَحَدَ عَشَرَ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ، وَبِإِسْكَانِهَا عَلَى التَّخْفِيفِ فِرَارًا مِنْ تَوَالِي الْحَرَكَاتِ، وَإِيذَانًا بِشِدَّةِ الِامْتِزَاجِ.
وَكَرَّرَ «رَأَيْتُ» تَفْخِيمًا لِطُولِ الْكَلَامِ ; وَجَعَلَ الضَّمِيرَ عَلَى لَفْظِ الْمُذَكَّرِ ; لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِصِفَاتِ مَنْ يَعْقِلُ، مِنَ السُّجُودِ وَالطَّاعَةِ ; وَلِذَلِكَ جَمَعَ الصِّفَةَ جَمْعَ السَّلَامَةِ.
وَ (سَاجِدِينَ) حَالٌ ; لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (رُؤْيَاكَ) : الْأَصْلُ الْهَمْزُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقُرِئَ بِوَاوٍ مَكَانَ الْهَمْزِ، لِانْضِمَامِ مَا قَبْلَهَا. وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُدْغِمُ، فَيَقُولُ رُيَّاكَ، فَأَجْرَى الْمُخَفَّفَةَ مَجْرَى الْأَصْلِيَّةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرُ الرَّاءَ لِتُنَاسِبَ الْيَاءَ. (فَيَكِيدُوا) : جَوَابُ النَّهْيِ. (كَيْدًا) فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْمَعْنَى: فَيَضَعُونَ لَكَ أَمْرًا يَكِيدُكَ، وَهُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الِاسْمِ ; وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ) : [طه: ٦٤] أَيْ مَا تَكِيدُونَ بِهِ ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي اللَّامِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِكَ. وَالثَّانِي: هِيَ صِفَةٌ قُدِّمَتْ فَصَارَتْ حَالًا. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا ; وَعَلَى هَذَا فِي اللَّامِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
مِنْهَا الِاثْنَانِ الْمَاضِيَانِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً ; لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ، وَمِنْهُ: ﴿فَإِن كَانَ لكم كيد فكيدون﴾
وَنَظِير زيادتها هُنَا (رَدِفَ لَكُمْ) [النَّمْلِ: ٧٢] .
قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)) .
стр. 720
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبِ نَعْتٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيِ اجْتِبَاءً مِثْلَ ذَلِكَ.
(إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ) : بَدَلَانِ مِنْ أَبَوَيْكَ.
قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (آيَاتٌ) : يُقْرَأُ عَلَى الْجَمْعِ ; لِأَنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِمَّا جَرَى آيَةٌ.
وَيُقْرَأُ عَلَى الْإِفْرَادِ ; لِأَنَّ جَمِيعَهَا يَجْرِي مَجْرَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ.
وَقِيلَ: وُضِعَ الْوَاحِدُ مَوْضِعَ الْجَمْعِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَصْلَ الْآيَةِ فِي الْبَقَرَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَرْضًا) : ظَرْفٌ لِاطْرَحُوهُ ; وَلَيْسَ بِمَفْعُولٍ بِهِ ; لِأَنَّ طَرَحَ لَا يَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ ; لِأَنَّ اطْرَحُوهُ بِمَعْنَى أَنْزِلُوهُ، وَأَنْتَ تَقُولُ: أَنْزَلْتُ زَيْدًا الدَّارَ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (غَيَابَةِ الْجُبِّ) : يُقْرَأُ بِأَلِفٍ بَعْدَ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَخْفَى مَنْ فِيهِ.
стр. 721
وَيُقْرَأُ عَلَى الْجَمْعِ ; إِمَّا أَنْ يَكُونَ جَمْعُهَا بِمَا حَوْلَهَا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
يَزِلُّ الْغُلَامُ الْخِفُّ عَنْ صَهَوَاتِهِ أَوْ أَنْ يَكُونَ فِي الْجُبِّ مَوَاضِعُ عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهِ قِرَاءَاتٌ أُخَرُ ظَاهِرَةٌ لَمْ نُطِلْ بِذِكْرِهَا.
(يَلْتَقِطْهُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْيَاءِ حَمْلًا عَلَى لَفْظِ بَعْضٍ.
وَيُقْرَأُ بِالتَّاءِ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى ; إِذْ بَعْضُ السَّيَّارَةِ سَيَّارَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: ذَهَبَتْ بَعْضُ أَصَابِعِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تَأْمَنَّا) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْإِشَارَةِ إِلَى ضَمَّةِ النُّونِ الْأُولَى ; فَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَلِسُ الضَّمَّةَ بِحَيْثُ يُدْرِكُهَا السَّمْعُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَدُلُّ عَلَيْهَا بِضَمِّ الشَّفَةِ فَلَا يُدْرِكُهَا السَّمْعُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُدْغِمُهَا مِنْ غَيْرِ إِضْمَامٍ، وَفِي الشَّاذِّ مَنْ يُظْهِرُ النُّونَ ; وَهُوَ الْقِيَاسُ.
قَالَ تَعَالَى: (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَرْتَعْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْعَيْنَ آخِرُ الْفِعْلِ، وَمَاضِيهِ رَتَعَ ; فَمِنْهُمْ مَنْ يُسَكِّنُهَا عَلَى الْجَوَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَضُمُّهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ حَالًا مُقَدَّرَةً. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْرَؤُهَا بِالنُّونِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْرَؤُهَا بِالْيَاءِ.
وَيُقْرَأُ نَرْتَعِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَهُوَ يَفْتَعِلُ مِنْ رَعَى ; أَيْ تَرْعَى مَاشِيَتُنَا، أَوْ نَأْكُلُ نَحْنُ.
стр. 722
قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنِّي ليحزنني أَن تذْهبُوا بِهِ وأخاف أَن يَأْكُلهُ الذِّئْب وَأَنْتُم عَنهُ غافلون﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) : الْأَصْلُ فِي الذِّئْبِ الْهَمْزُ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: تَذَأَّبَتِ الرِّيحُ ; إِذَا جَاءَتْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ; كَمَا أَنَّ الذِّئْبَ كَذَلِكَ.
وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ عَلَى التَّخْفِيفِ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ.
وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ «عُصْبَةً» بِالنَّصْبِ ; وَهُوَ بَعِيدٌ. وَوَجْهُهُ أَنْ يَكُونَ حَذَفَ الْخَبَرَ وَنَصَبَ هَذَا عَلَى الْحَالِ ; أَيْ: وَنَحْنُ نَتَعَصَّبُ، أَوْ نَجْتَمِعُ عُصْبَةً.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَمَّا ذَهَبُوا) : جَوَابُ «لَمَّا» مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَرَّفْنَاهُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ; وَعَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ الْجَوَابُ: «أَوْحَيْنَا» وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ.
وَ (أَجْمَعُوا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مَعَهُ «قَدْ» مُرَادَةٌ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عِشَاءً) : فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: هُوَ ظَرْفٌ ; أَيْ وَقْتَ الْعِشَاءِ، وَ «يَبْكُونَ» حَالٌ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ جَمْعَ عَاشٍ، كَقَائِمٍ وَقِيَامٍ.
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْعَيْنِ ; وَالْأَصْلُ عُشَاةٌ، مِثْلَ غَازٍ وَغُزَاةٍ، فَحُذِفَتِ الْهَاءُ وَزِيدَتِ الْأَلِفُ عِوَضًا مِنْهَا، ثُمَّ قُلِبَتِ الْأَلِفُ هَمْزَةً.
стр. 723
وَفِيهِ كَلَامٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي آلِ عِمْرَانَ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ (أَوْ كَانُوا غُزًّى) [آلِ عِمْرَانَ: ١٥٦] .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمَعَ فَاعِلًا عَلَى فِعَالٍ، كَمَا جُمِعَ فَعِيلٌ عَلَى فِعَالٍ لِقُرْبِ مَا بَيْنَ الْكَسْرِ وَالضَّمِّ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَتُؤَامٍ وَرُبَابٍ، وَهُوَ شَاذٌّ.
قَالَ تَعَالَى: (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَى قَمِيصِهِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ حَالًا مِنَ الدَّمِ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: جَاءُوا بِدَمٍ كَذِبٍ عَلَى قَمِيصِهِ. وَ (كَذِبٍ) : بِمَعْنَى ذِي كَذِبٍ. وَيُقْرَأُ فِي الشَّاذِّ بِالدَّالِ، وَالْكَدَبُ: النُّقَطُ الْخَارِجَةُ عَلَى أَطْرَافِ الْأَحْدَاثِ، فَشَبَّهَ الدَّمَ اللَّاصِقَ عَلَى الْقَمِيصِ بِهَا.
وَقِيلَ: الْكَدَبُ: الطَّرِيُّ.
(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) : أَيْ فَشَأْنِي، فَحَذَفَ الْمُبْتَدَأَ ; وَإِنْ شِئْتَ كَانَ الْمَحْذُوفُ الْخَبَرَ ; أَيْ فَلِي، أَوْ عِنْدِي.
قَالَ تَعَالَى: (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بُشْرَايَ) : يُقْرَأُ بِيَاءٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الْأَلِفِ، مِثْلَ: عَصَايَ ; وَإِنَّمَا فُتِحَتِ الْيَاءُ مِنْ أَجْلِ الْأَلِفِ.
وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَعَلَى الْأَلِفِ ضَمَّةٌ مُقَدَّرَةٌ ; لِأَنَّهُ مُنَادًى مَقْصُودٌ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا مِثْلَ قَوْلِهِ: (يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) [يس: ٣٠] .
стр. 724
وَيُقْرَأُ بُشْرِيَّ بِيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (هُدًى) [الْبَقَرَةُ: ٢] فِي الْبَقَرَةِ، وَالْمَعْنَى: يَا بِشَارَةُ، احْضُرِي فَهَذَا أَوَانُكِ.
(أَسَرُّوهُ) : الْفَاعِلُ ضَمِيرُ الْإِخْوَةِ. وَقِيلَ: السَّيَّارَةُ. وَ «بِضَاعَةً» حَالٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَخْسٍ) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ ; أَيْ مَبْخُوسٍ ; أَوْ ذِي بَخْسٍ. وَ (دَرَاهِمَ) بَدَلٌ مِنْ ثَمَنٍ.
وَ (وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) : قَدْ ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) [الْبَقَرَةِ: ١٣٠] (وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) [الْمَائِدَةِ: ١١٣] .
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ مِصْرَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالْفِعْلِ ; كَقَوْلِكَ: اشْتَرَيْتُ مِنْ بَغْدَادَ ; أَيْ فِيهَا، أَوْ بِهَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ «الَّذِي» أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «اشْتَرَى» فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ.
(وَلِنُعَلِّمَهُ) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ; أَيْ وَلِنُعَلِّمَهُ مَكَّنَّاهُ. وَقَدْ ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) [الْبَقَرَةِ: ١٨٥] وَغَيْرِهِ. وَالْهَاءُ فِي (أَمْرِهِ) : يَجُوزُ أَنْ تَعُودَ عَلَى اللَّهِ ، وَأَنْ تَعُودَ عَلَى يُوسُفَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)) .
стр. 725
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَيْتَ لَكَ) : فِيهِ قِرَاءَاتٌ ; إِحْدَاهَا: فَتْحُ الْهَاءِ وَالتَّاءِ، وَيَاءٌ بَيْنَهُمَا. وَالثَّانِيَةُ: كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ بِكَسْرِ التَّاءِ. وَالثَّالِثَةُ: كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ بِضَمِّهَا ; وَهِيَ لُغَاتٌ فِيهَا.
وَالْكَلِمَةُ اسْمٌ لِلْفِعْلِ ; فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ خَبَرٌ مَعْنَاهُ تَهَيَّأْتُ، وَبُنِيَ كَمَا بُنِيَ شَتَّانَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ اسْمٌ لِلْأَمْرِ ; أَيْ أَقْبِلْ وَهَلُمَّ. فَمَنْ فَتَحَ طَلَبَ الْخِفَّةَ، وَمَنْ كَسَرَ فَعَلَى الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، مِثْلَ جَيْرِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ ضَمَّ، شَبَّهُهُ بِحَيْثُ. وَاللَّامُ عَلَى هَذَا لِلتَّبْيِينِ مِثْلَ الَّتِي فِي قَوْلِهِمْ: سُقْيًا لَكَ.
وَالْقِرَاءَةُ الرَّابِعَةُ: بِكَسْرِ الْهَاءِ وَهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَضَمِّ التَّاءِ ; وَهُوَ عَلَى هَذَا فِعْلٌ مِنْ هَاءَ يَهَاءُ مِثْلَ: شَاءَ يَشَاءُ، وَيَهِيءُ مِثْلَ: فَاءَ يَفِيءُ. وَالْمَعْنَى: تَهَيَّأْتُ لَكَ، أَوْ خُلِقْتُ ذَا هَيْئَةٍ لَكَ، وَاللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفِعْلِ.
وَالْقِرَاءَةُ الْخَامِسَةُ: هُيِّئْتُ لَكَ، وَهِيَ غَرِيبَةٌ.
وَالسَّادِسَةُ: بِكَسْرِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ التَّاءِ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ بَدَلًا مِنَ الْيَاءِ، أَوْ تَكُونَ لُغَةً فِي الْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ ; وَلَيْسَتْ فِعْلًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِيُوسُفَ ﵇، وَهُوَ فَاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهَا، وَإِنَّمَا هِيَ تَهَيَّأَتْ لَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ «لَكَ» وَلَوْ أَرَادَ الْخِطَابَ لَكَانَ «هِئْتَ لِي» .
(قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ) : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ ; يُقَالُ: عُذْتُ بِهِ عَوْذًا، وَعِيَاذًا، وَعِيَاذَةً، وَمَعَاذًا.
(إِنَّهُ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ الْخَبَرُ.
стр. 726
قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَوْلَا أَنْ رَأَى) : جَوَابُ «لَوْلَا» مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَهَمَّ بِهَا، وَالْوَقْفُ عَلَى هَذَا: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَمْ يَهِمَّ بِهَا.
وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لَوْلَا أَنْ رَأَى الْبُرْهَانَ لَوَاقَعَ الْمَعْصِيَةَ.
(كَذَلِكَ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ ; أَيْ الْأَمر كَذَلِك
وَقيل فِي مَوضِع نصب أَي رُؤْيَةٌ كَذَلِكَ.
وَاللَّامُ فِي «لِنَصْرِفَ» مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَحْذُوفِ.
وَ (الْمُخْلَصِينَ) بِكَسْرِ اللَّامِ ; أَيِ الْمُخْلِصِينَ أَعْمَالَهُمْ. وَبِفَتْحِهَا ; أَيْ أَخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِطَاعَتِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ دُبُرٍ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ.
وَقُرِئَ فِي الشَّوَاذِّ بِثَلَاثِ ضَمَّاتٍ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ ; وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ ; لِأَنَّهُ قُطِعَ عَنِ الْإِضَافَةِ ; وَالْأَصْلُ مِنْ دُبُرِهِ وَقُبُلِهِ، ثُمَّ فُعِلَ فِيهِ مَا فُعِلَ فِي قَبْلُ وَبَعْدُ ; وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لَا تَلْزَمُهُ كَمَا تَلْزَمُ الظُّرُوفُ الْمَبْنِيَّةُ لِقَطْعِهَا عَنِ الْإِضَافَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُوسُفُ أَعْرِضْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الْفَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَا يُوسُفُ.
وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ بِالْفَتْحِ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ أَخْرَجَهُ عَلَى أَصْلِ الْمُنَادَى، كَمَا جَاءَ فِي الشِّعْرِ: يَا عَدِيًّا لَقَدْ وَقَتْكَ الْأَوَاقِي
стр. 727
وَقِيلَ: لَمْ تُضْبَطْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ وَقَفَ عَلَى الْكَلِمَةِ ثُمَّ وَصَلَ، وَأَجْرَى الْوَصْلَ مَجْرَى الْوَقْفِ، فَأَلْقَى حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ عَلَى الْفَاءِ وَحَذَفَهَا ; فَصَارَ اللَّفْظُ بِهَا (يُوسُفَ اعْرِضْ) . وَهَذَا كَمَا حُكِيَ: اللَّهُ أَكْبَرَ اشْهَدُ أَنْ لَا. . . - بِالْوَصْلِ وَالْفَتْحِ.
وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ أَيْضًا بِضَمِّ الْفَاءِ، وَأَعْرِضْ عَلَى لَفْظِ الْمَاضِي ; وَفِيهِ ضَعْفٌ، لِقَوْلِهِ: «وَاسْتَغْفِرِي» وَكَانَ الْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ بِالْفَاءِ فَاسْتَغْفِرِي.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نِسْوَةٌ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ النُّونِ، وَضَمِّهَا ; وَهُمَا لُغَتَانِ.
وَأَلِفُ «الْفَتَى» مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ، لِقَوْلِهِمْ فَتَيَانِ، وَالْفُتُوَّةُ شَاذٌّ.
(قَدْ شَغَفَهَا) : يُقْرَأُ بِالْغَيْنِ، وَهُوَ مِنْ شَغَافِ الْقَلْبِ، وَهُوَ غِلَافُهُ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ أَصَابَ شَغَافَ قَلْبِهَا، وَأَنَّ حُبَّهُ صَارَ مُحْتَوِيًا عَلَى قَلْبِهَا كَاحْتِوَاءِ الشَّغَافِ عَلَيْهِ.
وَيُقْرَأُ بِالْعَيْنِ ; وَهُوَ مِنْ قَوْلِكَ: فُلَانٌ مَشْعُوفٌ بِكَذَا ; أَيْ مُغْرَمٌ بِهِ وَمُولَعٌ.
وَ (حُبًّا) تَمْيِيزٌ، وَالْأَصْلُ قَدْ شَغَفَهَا حُبُّهُ، وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «تُرَاوِدُ» أَوْ مِنَ «الْفَتَى» .
قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَعْتَدَتْ) : هُوَ مِنَ الْعَتَادِ، وَهُوَ الشَّيْءُ الْمُهَيَّأُ لِلْأَمْرِ.
(مُتَّكَأً) : الْجُمْهُورُ عَلَى تَشْدِيدِ التَّاءِ وَالْهَمْزِ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ، وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ مُوتَكَأً ; مِنْ تَوَكَّأْتُ، وَيُرَادُ بِهِ الْمَجْلِسُ الَّذِي يُتَّكَأُ فِيهِ ; فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ تَاءً وَأُدْغِمَتْ.
стр. 728
وَقُرِئَ شَاذًّا بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ، وَالْأَلِفُ فِيهِ نَاشِئَةٌ عَنْ إِشْبَاعِ الْفَتْحَةِ.
وَيُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ أَلِفًا ثُمَّ حَذَفَهَا لِلتَّنْوِينِ.
وَقَالَ ابْنُ جِنِّي: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَوْكَيْتُ السِّقَاءَ ; فَتَكُونُ الْأَلِفُ بَدَلًا مِنَ الْيَاءِ، وَوَزْنُهُ مُفْتَعَلٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَيُقْرَأُ بِتَخْفِيفِ التَّاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَيُقَالُ: الْمُتْكُ: الْأُتْرُجُّ.
(حَاشَى لِلَّهِ) : يُقْرَأُ بِأَلِفَيْنِ وَهُوَ الْأَصْلُ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ هُنَا فِعْلٌ، وَقَدْ قَالُوا مِنْهُ أُحَاشِي، وَأَيَّدَ ذَلِكَ دُخُولُ اللَّامِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ كَانَ حَرْفَ جَرٍّ لَمَا دَخَلَ عَلَى حَرْفِ جَرٍّ. وَفَاعِلُهُ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: حَاشَى يُوسُفُ ; أَيْ بَعُدَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ لِخَوْفِ اللَّهِ.
وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ مِنْ حَاشَيْتُ الشَّيْءَ، فَحَاشَى: صَارَ فِي حَاشِيَةٍ ; أَيْ نَاحِيَةٍ.
وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ أَلِفٍ بَعْدَ الشِّينِ، حُذِفَتْ تَخْفِيفًا وَاتُّبِعَ فِي ذَلِكَ الْمُصْحَفُ، وَحَسَّنَ ذَلِكَ كَثْرَةُ اسْتِعْمَالِهَا.
وَقُرِئَ شَاذًّا «حَشَا لِلَّهِ» بِغَيْرِ أَلِفٍ بَعْدَ الْحَاءِ، وَهُوَ مُخَفَّفٌ مِنْهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ حَرْفُ جَرٍّ، وَاللَّامُ زَائِدَةٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ مَوْضِعَ مِثْلِ هَذَا ضَرُورَةُ الشِّعْرِ.
(مَا هَذَا بَشَرًا) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْبَاءِ ; أَيْ إِنْسَانًا ; بَلْ هُوَ مَلَكٌ.
وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْبَاءِ مِنَ الشِّرَاءِ ; أَيْ لَمْ يَحْصُلْ هَذَا بِثَمَنٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ ; أَيْ بِمُشْتَرًى، وَعَلَى هَذَا قُرِئَ بِكَسْرِ اللَّامِ فِي «مَلِكٌ» .
стр. 729
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَبِّ السِّجْنُ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ السِّينِ وَضَمِّ النُّونِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ «أَحَبُّ» : خَبَرُهُ. وَالْمُرَادُ الْمَحْبِسُ ; وَالتَّقْدِيرُ: سُكْنَى السِّجْنِ.
وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ السِّينِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ.
وَيُقْرَأُ «رَبُّ» بِضَمِّ الْبَاءِ مِنْ غَيْرِ يَاءٍ، «وَالسِّجْنُ» بِكَسْرِ السِّينِ، وَالْجَرِّ عَلَى الْإِضَافَةِ ; أَيْ صَاحِبُ السِّجْنِ. وَالتَّقْدِيرُ: لِقَاؤُهُ أَوْ مُقَاسَاتُهُ.
قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَدَا لَهُمْ) : فِي فَاعِلِ «بَدَا» ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: هُوَ مَحْذُوفٌ، وَ (لَيَسْجُنُنَّهُ) : قَائِمٌ مَقَامَهُ ; أَيْ بَدَا لَهُمُ السِّجْنُ، فَحُذِفَ وَأُقِيمَتِ الْجُمْلَةُ مَقَامَهُ، وَلَيْسَتِ الْجُمْلَةُ فَاعِلًا ; لِأَنَّ الْجُمَلَ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْفَاعِلَ مُضْمَرٌ، وَهُوَ مَصْدَرُ بَدَا ; أَيْ بَدَا لَهُمْ بِدَاءٌ، فَأُضْمِرَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْفَاعِلَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ ; أَيْ بَدَا لَهُمْ رَأَىٌ ; أَيْ فَأُضْمِرَ أَيْضًا. وَ (حَتَّى) : مُتَعَلِّقَةٌ بِيَسْجُنُنَّهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ السِّينِ، وَقُرِئَ بِفَتْحِهَا ; وَالتَّقْدِيرُ: مَوْضِعَ السِّجْنِ، أَوْ فِي السِّجْنِ.
وَ (قَالَ) : مُسْتَأْنَفٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ الْمَنَامَ حَالَ دُخُولِهِ، وَلَا هُوَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ ; لِأَنَّ الدُّخُولَ لَا يُؤَدِّي إِلَى الْمَنَامِ.
(فَوْقَ رَأْسِي) : ظَرْفٌ لِأَحْمِلُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْخُبْزِ. وَ «تَأْكُلُ» : صِفَةٌ لَهُ.
стр. 730
قَالَ تَعَالَى: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ) : «أَمْ» هُنَا مُتَّصِلَةٌ.
(سَمَّيْتُمُوهَا) : يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَقَدْ حُذِفَ الثَّانِي ; أَيْ سَمَّيْتُمُوهَا آلِهَةً.
وَ «أَسْمَاءً» هُنَا بِمَعْنَى مُسَمَّيَاتٍ، أَوْ ذَوِي أَسْمَاءٍ ; لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يُعْبَدُ.
(أَمَرَ أَلَّا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا، وَ (قَدْ) مَعَهُ مُرَادَةٌ ; وَهُوَ ضَعِيفٌ لِضَعْفِ الْعَامِلِ فِيهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْهُمَا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِنَاجٍ ; وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الَّذِي ; وَلَا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِنَاجٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَعْنَى عَلَيْهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (سِمَانٍ) : صِفَةٌ لِبَقَرَاتٍ. وَيَجُوزُ فِي الْكَلَامِ نَصْبُهُ نَعْتًا لِسَبْعٍ.
وَ (يَأْكُلُهُنَّ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ، أَوْ نَصْبٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَمِثْلُهُ «خُضْرٍ» .
(لِلرُّؤْيَا) : اللَّامُ فِيهِ زَائِدَةٌ تَقْوِيَةً لِلْفِعْلِ لَمَّا تَقَدَّمَ مَفْعُولُهُ عَلَيْهِ ; وَيَجُوزُ حَذْفُهَا فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ ; لِأَنَّهُ يُقَالُ: عَبَّرْتُ الرُّؤْيَا.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ) : أَيْ هَذِهِ.
(بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ) : أَيْ بِتَأْوِيلِ أَضْغَاثِ الْأَحْلَامِ ; لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَدَّعُوا الْجَهْلَ بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا.
стр. 731
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَجَا مِنْهُمَا) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ ; وَلَيْسَ بِمَفْعُولٍ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ «الَّذِي» .
وَ (ادَّكَرَ) : أَصْلُهُ اذْتَكَرَ، فَأُبْدِلَتِ الذَّالُ دَالًا وَالتَّاءُ دَالًا، وَأُدْغِمَتِ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ، لِيَتَقَارَبَ الْحَرْفَانِ.
وَيُقْرَأُ شَاذًّا بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ مُشَدَّدَةٍ ; وَوَجْهُهَا أَنَّهُ قَلَبَ التَّاءَ ذَالًا وَأَدْغَمَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَعْدَ أُمَّةٍ) : يُقْرَأُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِكَسْرِهَا ; أَيْ نِعْمَةٍ، وَهِيَ خَلَاصُهُ مِنَ السِّجْنِ ; وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى حِينٍ.
وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ وَهَاءٍ مُنَوَّنَةٍ ; وَهُوَ النِّسْيَانُ، يُقَالُ: أَمِهَ يَأْمَهُ أَمَهًا.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (دَأَبًا) : مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ ; أَيْ تَدْأَبُونَ ; وَدَلَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
وَيُقْرَأُ بِإِسْكَانِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا ; وَالْفِعْلُ مِنْهُ دَأَبَ دَأْبًا، وَدَئِبَ دَأْبًا.
وَيُقْرَأُ بِأَلِفٍ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ عَلَى التَّخْفِيفِ.
قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَعْصِرُونَ) : يُقْرَأُ بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ وَالْفَتْحِ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ يَعْصِرُونَ الْعِنَبَ لِكَثْرَةِ الْخِصْبِ.
стр. 732
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ ; أَيْ تُمْطَرُونَ ; وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ: (مِنَ الْمُعْصِرَاتِ) [النَّبَأِ: ١٤] .
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ رَاوَدْتُنَّ) : الْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ: خَطْبُكُنَّ ; وَهُوَ مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ، وَيَعْمَلُ بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ: مَا أَرَدْتُنَّ، أَوْ مَا فَعَلْتُنَّ.
قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ) : أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ، وَاللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أَظْهَرَ اللَّهُ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) : فِي «مَا» وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ، وَمَوْضِعُهَا نَصْبٌ ; وَالتَّقْدِيرُ: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا وَقْتَ رَحْمَةِ رَبِّي ; وَنَظِيرُهُ: وَ (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) [النِّسَاءِ: ٢] وَقَدْ ذَكَرُوا انْتِصَابَهُ عَلَى الظَّرْفِ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ: مَا قُمْتُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمْعَةِ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ تَكُونَ «مَا» بِمَعْنَى مَنْ ; وَالتَّقْدِيرُ إِنَّ النَّفْسَ لَتَأْمُرُ بِالسُّوءِ إِلَّا لِمَنْ رَحِمَ رَبِّي ; أَوْ إِلَّا نَفْسًا رَحِمَهَا رَبِّي فَإِنَّهَا لَا تَأْمُرُ بِالسُّوءِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ) : حَيْثُ: ظَرْفٌ لِيَتَبَوَّأُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا
стр. 733
بِهِ، وَمِنْهَا يَتَعَلَّقُ بِيَتَبَوَّأُ ; وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «حَيْثُ» لِأَنَّ حَيْثُ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَتَقْدِيمُ الْحَالِ عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ لَا يَجُوزُ.
وَ (يَشَاءُ) بِالْيَاءِ، وَفَاعِلُهُ ضَمِيرُ يُوسُفَ. وَبِالنُّونِ ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَى التَّعْظِيمِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ ضَمِيرَ يُوسُفَ ; لِأَنَّ مَشِيئَتَهُ مِنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ.
وَاللَّامُ فِي «لِيُوسُفَ» زَائِدَةٌ ; أَيْ مَكَّنَا يُوسُفَ.
وَيَجُوزُ أَنْ لَا تَكُونَ زَائِدَةً، وَيَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا ; أَيْ مَكَّنَا لِيُوسُفَ الْأُمُورَ.
وَ (يَتَبَوَّأُ) : حَالٌ مِنْ يُوسُفَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِفِتْيَتِهِ) : يُقْرَأُ بِالتَّاءِ عَلَى فِعْلَةٍ، وَهُوَ جَمْعُ قِلَّةٍ مِثْلَ صِبْيَةٍ. وَبِالنُّونِ مِثْلَ غِلْمَانٍ، وَهُوَ مِنْ جُمُوعِ الْكَثْرَةِ ; وَعَلَى هَذَا يَكُونُ وَاقِعًا مَوْقِعَ جَمْعِ الْقِلَّةِ.
(إِذَا انْقَلَبُوا) : الْعَامِلُ فِي إِذَا: «يَعْرِفُونَهَا» .
قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَكْتَلْ) : يُقْرَأُ بِالنُّونِ ; لِأَنَّ إِرْسَالَهُ سَبَبٌ فِي الْكَيْلِ لِلْجَمَاعَةِ. وَبِالْيَاءِ عَلَى أَنَّ الْفَاعِلَ هُوَ الْأَخُ ; وَلَمَا كَانَ هُوَ السَّبَبَ نُسِبَ الْفِعْلُ إِلَيْهِ ; فَكَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَكِيلُ لِلْجَمَاعَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)) .
стр. 734
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْمَصْدَرِ ; أَيْ أَمْنًا كَأَمْنِي إِيَّاكُمْ عَلَى أَخِيهِ.
(خَيْرٌ حَافِظًا) : يُقْرَأُ بِالْأَلِفِ، وَهُوَ تَمْيِيزٌ ; وَمِثْلُ هَذَا يَجُوزُ إِضَافَتُهُ، وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ.
وَيُقْرَأُ «حِفْظًا» وَهُوَ تَمْيِيزٌ لَا غَيْرَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (رُدَّتْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الرَّاءِ، وَهُوَ الْأَصْلُ.
وَيُقْرَأُ بِكَسْرِهَا ; وَوَجْهُهُ أَنَّهُ نَقَلَ كَسْرَةَ الْعَيْنِ إِلَى الْفَاءِ، كَمَا فَعَلَ فِي قِيلَ وَبِيعَ، وَالْمُضَاعَفُ يُشْبِهُ الْمُعْتَلَّ.
(مَا نَبْغِي) : «مَا» : اسْتِفْهَامٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَبْغِي. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَافِيَةً ; وَيَكُونُ فِي (نَبْغِي) وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى نَطْلُبُ ; فَيَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا ; أَيْ مَا نَطْلُبُ الظُّلْمَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لَازِمًا بِمَعْنَى: مَا نَتَعَدَّى.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَتَأْتُنَّنِي بِهِ) : هُوَ جَوَابُ قَسَمٍ عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمِيثَاقَ بِمَعْنَى الْيَمِينِ.
(إِلَّا أَنْ يُحَاطَ) : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْجِنْسِ ; وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلَّا فِي حَالِ الْإِحَاطَةِ بِكُمْ.
стр. 735
قَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ) فِي جَوَابِ «لَمَّا» وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: هُوَ آوَى، وَهُوَ جَوَابُ «لَمَّا» الْأُولَى، وَالثَّانِيَةُ ; كَقَوْلِكَ: لَمَّا جِئْتُكَ وَلَمَّا كَلَّمْتُكَ أَجَبْتَنِي، وَحَسَّنَ ذَلِكَ أَنَّ دُخُولَهُمْ عَلَى يُوسُفَ يَعْقُبُ دُخُولَهُمْ مِنَ الْأَبْوَابِ.
وَالثَّانِي: هُوَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: امْتَثَلُوا أَوْ قَضَوْا حَاجَةَ أَبِيهِمْ وَنَحْوُهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مَعْنَى «مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ» .
وَ (حَاجَةً) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَفَاعِلُ يُغْنِي «التَّفَرُّقُ» .
قَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَالَ إِنِّي أَنَا) : هُوَ مُسْتَأْنَفٌ، وَهَكَذَا كُلُّ مَا اقْتَضَى جَوَابًا وَذُكِرَ جَوَابُهُ ثُمَّ جَاءَتْ بَعْدَهُ «قَالَ» فَهِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (صُوَاعَ الْمَلِكِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الصَّادِ، وَأَلِفٍ بَعْدِ الْوَاوِ.
وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ أَلِفٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَضُمُّ الصَّادَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُهَا.
وَيُقْرَأُ «صَاعَ الْمَلِكِ» . وَكُلُّ ذَلِكَ لُغَاتٌ فِيهِ، وَهُوَ الْإِنَاءُ الَّذِي يُشْرَبُ بِهِ.
стр. 736
وَيُقْرَأُ «صَوْغَ الْمَلِكِ» - بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ; أَيْ مَصُوغَهُ.
(قَالُوا جَزَاؤُهُ) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; تَقْدِيرُهُ: جَزَاؤُهُ عِنْدَنَا كَجَزَائِهِ عِنْدَكُمْ، وَالْهَاءُ تَعُودُ عَلَى السَّارِقِ، أَوْ عَلَى السَّرَقِ. وَفِي الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ دَلِيلٌ عَلَيْهِمَا ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: (مَنْ وُجِدَ) : مُبْتَدَأً، وَ «فَهُوَ» مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَ (جَزَاؤُهُ) خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الثَّانِي، وَالْمُبْتَدَأُ الثَّانِي وَخَبَرُهُ خَبَرُ الْأَوَّلِ.
وَ (مَنْ) شَرْطِيَّةٌ، وَالْفَاءُ جَوَابُهَا.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَدَخَلَتِ الْفَاءُ فِي خَبَرِهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الْإِبْهَامِ، وَالتَّقْدِيرُ: اسْتِعْبَادُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ - أَيِ الِاسْتِعْبَادُ - جَزَاءُ السَّارِقِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي جَزَائِهِ لِلسَّرَقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ «جَزَاؤُهُ» مُبْتَدَأً، وَ «مَنْ وُجِدَ» خَبَرُهُ، وَالتَّقْدِيرُ: اسْتِعْبَادُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ، وَ «فَهُوَ جَزَاؤُهُ» مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنَى الْأَوَّلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ جَزَاؤُهُ مُبْتَدَأً، وَمَنْ وُجِدَ: مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَ «فَهُوَ» مُبْتَدَأٌ ثَالِثٌ، وَ «جَزَاؤُهُ» خَبَرُ الثَّالِثِ، وَالْعَائِدُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ الْأَوَّلِ الْهَاءُ الْأَخِيرَةُ، وَعَلَى الثَّانِي هُوَ.
(كَذَلِكَ نَجْزِي) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ; أَيْ جَزَاءً مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وِعَاءِ أَخِيهِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الْوَاوِ، وَهُوَ الْأَصْلُ ; لِأَنَّهُ مِنْ: وَعَى يَعِي.
стр. 737
وَيُقْرَأُ بِالْهَمْزَةِ، وَهِيَ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ ; وَهُمَا لُغَتَانِ يُقَالُ: وِعَاءٌ وَإِعَاءٌ، وَوِشَاحٌ وَإِشَاحٌ، وَوِسَادَةٌ وَإِسَادَةٌ ; وَإِنَّمَا فَرُّوا إِلَى الْهَمْزِ لِثِقَلِ الْكَسْرَةِ عَلَى الْوَاوِ.
وَيُقْرَأُ بِضَمِّهَا، وَهِيَ لُغَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: فَاسْتَخْرَجَهَا مِنْهُ، لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ؟ . قِيلَ: لَمْ يُصَرِّحْ بِتَفْتِيشِ وِعَاءِ أَخِيهِ حَتَّى يُعِيدَ ذِكْرَهُ مُضْمَرًا، فَأَظْهَرَهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى الْمَحْذُوفِ، فَتَقْدِيرُهُ: ثُمَّ فَتَّشَ وِعَاءَ أَخِيهِ، فَاسْتَخْرَجَهَا مِنْهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذَلِكَ كِدْنَا) ، وَ (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ) ، وَ (دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ) : كُلُّ ذَلِكَ قَدْ ذُكِرَ.
(وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) : يُقْرَأُ شَاذًّا «ذِي عَالِمٍ» وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: هُوَ مَصْدَرٌ كَالْبَاطِلِ. وَالثَّانِي: ذِي زَائِدَةٌ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الشِّعْرِ، كَقَوْلِ الْكُمَيْتِ:
إِلَيْكُمْ ذَوِي آلِ النَّبِيِّ
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ أَضَافَ الِاسْمَ إِلَى الْمُسَمَّى ; وَهُوَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ذِي مُسَمَّى عَالِمٍ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَسَرَّهَا) : الضَّمِيرُ يَعُودُ إِلَى نِسْبَتِهِمْ إِيَّاهُ إِلَى السَّرَقِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ.
стр. 738
وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: قَالَ فِي نَفْسِهِ: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا. وَأَسَرَّهَا ; أَيْ هَذِهِ الْكَلِمَةَ.
وَ (مَكَانًا) : تَمْيِيزٌ ; أَيْ شَرٌّ مِنْهُ، أَوْ مِنْهُمَا.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ) : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ خُذْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى ; أَيِ اجْعَلْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَعَاذَ اللَّهِ) : هُوَ مَصْدَرٌ ; وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ أَنْ نَأْخُذَ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (اسْتَيْأَسُوا) : يُقْرَأُ بِيَاءٍ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ، وَهُوَ مِنْ يَئِسَ.
وَيُقْرَأُ اسْتَيْأَسُوا - بِأَلِفٍ بَعْدَ التَّاءِ وَقَبْلَ الْيَاءِ، وَهُوَ مَقْلُوبٌ ; يُقَالُ: يَئِسَ وَأَيِسَ، وَالْأَصْلُ تَقْدِيمُ الْيَاءِ، وَعَلَيْهِ تَصَرُّفُ الْكَلِمَةِ ; فَأَمَّا «إِيَاسٌ» اسْمُ رَجُلٍ فَلَيْسَ مَصْدَرَ هَذَا الْفِعْلِ ; بَلْ مَصْدَرُ أَسْتُهُ ; أَيْ أَعْطَيْتُهُ إِلَّا أَنَّ الْهَمْزَةَ فِي الْآيَةِ قُلِبَتْ أَلِفًا تَخْفِيفًا.
(نَجِيًّا) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي «خَلَصُوا» ، وَهُوَ وَاحِدٌ فِي مَوْضِعِ الْجَمْعِ ; أَيْ أَنْجِيَةٌ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) [الْحَجُّ: ٥] .
وَ (مِنْ قَبْلُ) : أَيْ وَمِنْ قَبْلِ ذَلِكَ.
(مَا فَرَّطْتُمْ) : فِي «مَا» وَجْهَانِ ;
стр. 739
أَحَدُهُمَا: هِيَ زَائِدَةٌ وَ «مِنْ» مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفِعْلِ ; أَيْ وَفَرَّطْتُمْ مِنْ قَبْلُ. وَالثَّانِي: هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ وَفِي مَوْضِعِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَ «مِنْ قَبْلُ» خَبَرُهُ ; أَيْ وَتَفْرِيطُكُمْ فِي يُوسُفَ مِنْ قَبْلُ. وَهَذَا ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ «قَبْلُ» إِذَا وَقَعَتْ خَبَرًا أَوْ صِلَةً لَا تُقْطَعُ عَنِ الْإِضَافَةِ لِئَلَّا تَبْقَى نَاقِصَةً. وَالثَّانِي: مَوْضِعُهَا نَصْبٌ عَطْفًا عَلَى مَعْمُولِ تَعْلَمُوا ; تَقْدِيرُهُ: أَلَمْ تَعْرِفُوا أَخْذَ أَبِيكُمْ عَلَيْكُمُ الْمِيثَاقَ وَتَفْرِيطَكُمْ فِي يُوسُفَ. وَالثَّالِثُ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ إِنَّ ; تَقْدِيرُهُ: وَأَنَّ تَفْرِيطَكُمْ مِنْ قَبْلُ فِي يُوسُفَ.
وَقِيلَ: هُوَ ضَعِيفٌ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّ فِيهِمَا فَصْلًا بَيْنَ حَرْفِ الْعَطْفِ وَالْمَعْطُوفِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ.
فَأَمَّا خَبَرُ إِنَّ عَلَى الْوَجْهِ الْأَخِيرِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي يُوسُفَ ; وَهُوَ الْأَوْلَى لِئَلَّا يُجْعَلَ «مِنْ قَبْلُ» خَبَرًا.
(فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ) : هُوَ مَفْعُولُ أَبْرَحَ ; أَيْ لَنْ أُفَارِقَ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا.
قَالَ تَعَالَى: (ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَرَقَ) : يُقْرَأُ بِالْفَتْحِ وَالتَّخْفِيفِ ; أَيْ فِيمَا ظَهَرَ لَنَا.
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ السِّينِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا ; أَيْ نُسِبَ إِلَى السَّرَقِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) : أَيْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ ; وَجَازَ حَذْفُ الْمُضَافِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَلْتَبِسُ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْعِيرَ الَّتِي. . . (٨٢)) فَيُرَادُ بِهَا الْإِبِلُ ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُضَافُ مَحْذُوفًا أَيْضًا ; أَيْ أَصْحَابَ الْعِيرِ ; وَقِيلَ: الْعِيرُ: الْقَافِلَةُ، وَهُمُ النَّاسُ الرَّاجِعُونَ مِنَ السَّفَرِ فَعَلَى هَذَا لَيْسَ فِيهِ حَذْفٌ.
стр. 740
قَالَ تَعَالَى: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَسَفَى) : الْأَلِفُ مُبْدَلَةٌ مِنْ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْأَصْلُ أَسَفِي فَفُتِحَتِ الْفَاءُ وَصُيِّرَتِ الْيَاءُ أَلِفًا لِيَكُونَ الصَّوْتُ بِهَا أَتَمَّ.
وَ (عَلَى) : مُتَعَلِّقَةٌ بِأَسَفَى.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَفْتَأُ) : أَيْ لَا تَفْتَأُ، فَحُذِفَتْ «لَا» لِلْعِلْمِ بِهَا.
وَ (تَذْكُرُ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبِ خَبَرِ تَفْتَأُ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ رَوْحِ اللَّهِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الرَّاءِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الرَّحْمَةِ، إِلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْفِعْلِ مِنْهُ قَلِيلٌ، وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ بِالزِّيَادَةِ مِثْلَ أَرَاحَ، وَرَوَّحَ.
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَهِيَ لُغَةٌ فِيهِ. وَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، مِثْلَ الشَّرْبِ وَالشُّرْبِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُزْجَاةٍ) : أَلِفُهَا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ، أَوْ عَنْ وَاوٍ، لِقَوْلِهِمْ زَجَا الْأَمْرُ يَزْجُو.
(فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ) : أَيِ الْمَكِيلَ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)) .
следующие страницы →