← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22928

التبيان في إعراب القرآن

أبو البقاء العكبري

Полный текст (1 313 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وَيُقْرَأُ «صَوْغَ الْمَلِكِ» - بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ; أَيْ مَصُوغَهُ. (قَالُوا جَزَاؤُهُ) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; تَقْدِيرُهُ: جَزَاؤُهُ عِنْدَنَا كَجَزَائِهِ عِنْدَكُمْ، وَالْهَاءُ تَعُودُ عَلَى السَّارِقِ، أَوْ عَلَى السَّرَقِ. وَفِي الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ دَلِيلٌ عَلَيْهِمَا ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: (مَنْ وُجِدَ) : مُبْتَدَأً، وَ «فَهُوَ» مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَ (جَزَاؤُهُ) خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الثَّانِي، وَالْمُبْتَدَأُ الثَّانِي وَخَبَرُهُ خَبَرُ الْأَوَّلِ. وَ (مَنْ) شَرْطِيَّةٌ، وَالْفَاءُ جَوَابُهَا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَدَخَلَتِ الْفَاءُ فِي خَبَرِهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الْإِبْهَامِ، وَالتَّقْدِيرُ: اسْتِعْبَادُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ - أَيِ الِاسْتِعْبَادُ - جَزَاءُ السَّارِقِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي جَزَائِهِ لِلسَّرَقِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ «جَزَاؤُهُ» مُبْتَدَأً، وَ «مَنْ وُجِدَ» خَبَرُهُ، وَالتَّقْدِيرُ: اسْتِعْبَادُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ، وَ «فَهُوَ جَزَاؤُهُ» مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنَى الْأَوَّلِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ جَزَاؤُهُ مُبْتَدَأً، وَمَنْ وُجِدَ: مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَ «فَهُوَ» مُبْتَدَأٌ ثَالِثٌ، وَ «جَزَاؤُهُ» خَبَرُ الثَّالِثِ، وَالْعَائِدُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ الْأَوَّلِ الْهَاءُ الْأَخِيرَةُ، وَعَلَى الثَّانِي هُوَ. (كَذَلِكَ نَجْزِي) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ; أَيْ جَزَاءً مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وِعَاءِ أَخِيهِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الْوَاوِ، وَهُوَ الْأَصْلُ ; لِأَنَّهُ مِنْ: وَعَى يَعِي.

стр. 737

وَيُقْرَأُ بِالْهَمْزَةِ، وَهِيَ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ ; وَهُمَا لُغَتَانِ يُقَالُ: وِعَاءٌ وَإِعَاءٌ، وَوِشَاحٌ وَإِشَاحٌ، وَوِسَادَةٌ وَإِسَادَةٌ ; وَإِنَّمَا فَرُّوا إِلَى الْهَمْزِ لِثِقَلِ الْكَسْرَةِ عَلَى الْوَاوِ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّهَا، وَهِيَ لُغَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: فَاسْتَخْرَجَهَا مِنْهُ، لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ؟ . قِيلَ: لَمْ يُصَرِّحْ بِتَفْتِيشِ وِعَاءِ أَخِيهِ حَتَّى يُعِيدَ ذِكْرَهُ مُضْمَرًا، فَأَظْهَرَهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى الْمَحْذُوفِ، فَتَقْدِيرُهُ: ثُمَّ فَتَّشَ وِعَاءَ أَخِيهِ، فَاسْتَخْرَجَهَا مِنْهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذَلِكَ كِدْنَا) ، وَ (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ) ، وَ (دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ) : كُلُّ ذَلِكَ قَدْ ذُكِرَ. (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) : يُقْرَأُ شَاذًّا «ذِي عَالِمٍ» وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هُوَ مَصْدَرٌ كَالْبَاطِلِ. وَالثَّانِي: ذِي زَائِدَةٌ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الشِّعْرِ، كَقَوْلِ الْكُمَيْتِ: إِلَيْكُمْ ذَوِي آلِ النَّبِيِّ وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ أَضَافَ الِاسْمَ إِلَى الْمُسَمَّى ; وَهُوَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ذِي مُسَمَّى عَالِمٍ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَسَرَّهَا) : الضَّمِيرُ يَعُودُ إِلَى نِسْبَتِهِمْ إِيَّاهُ إِلَى السَّرَقِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ.

стр. 738

وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: قَالَ فِي نَفْسِهِ: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا. وَأَسَرَّهَا ; أَيْ هَذِهِ الْكَلِمَةَ. وَ (مَكَانًا) : تَمْيِيزٌ ; أَيْ شَرٌّ مِنْهُ، أَوْ مِنْهُمَا. قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ) : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ خُذْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى ; أَيِ اجْعَلْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَعَاذَ اللَّهِ) : هُوَ مَصْدَرٌ ; وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ أَنْ نَأْخُذَ. قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (اسْتَيْأَسُوا) : يُقْرَأُ بِيَاءٍ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ، وَهُوَ مِنْ يَئِسَ. وَيُقْرَأُ اسْتَيْأَسُوا - بِأَلِفٍ بَعْدَ التَّاءِ وَقَبْلَ الْيَاءِ، وَهُوَ مَقْلُوبٌ ; يُقَالُ: يَئِسَ وَأَيِسَ، وَالْأَصْلُ تَقْدِيمُ الْيَاءِ، وَعَلَيْهِ تَصَرُّفُ الْكَلِمَةِ ; فَأَمَّا «إِيَاسٌ» اسْمُ رَجُلٍ فَلَيْسَ مَصْدَرَ هَذَا الْفِعْلِ ; بَلْ مَصْدَرُ أَسْتُهُ ; أَيْ أَعْطَيْتُهُ إِلَّا أَنَّ الْهَمْزَةَ فِي الْآيَةِ قُلِبَتْ أَلِفًا تَخْفِيفًا. (نَجِيًّا) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي «خَلَصُوا» ، وَهُوَ وَاحِدٌ فِي مَوْضِعِ الْجَمْعِ ; أَيْ أَنْجِيَةٌ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) [الْحَجُّ: ٥] . وَ (مِنْ قَبْلُ) : أَيْ وَمِنْ قَبْلِ ذَلِكَ. (مَا فَرَّطْتُمْ) : فِي «مَا» وَجْهَانِ ;

стр. 739

أَحَدُهُمَا: هِيَ زَائِدَةٌ وَ «مِنْ» مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفِعْلِ ; أَيْ وَفَرَّطْتُمْ مِنْ قَبْلُ. وَالثَّانِي: هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ وَفِي مَوْضِعِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَ «مِنْ قَبْلُ» خَبَرُهُ ; أَيْ وَتَفْرِيطُكُمْ فِي يُوسُفَ مِنْ قَبْلُ. وَهَذَا ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ «قَبْلُ» إِذَا وَقَعَتْ خَبَرًا أَوْ صِلَةً لَا تُقْطَعُ عَنِ الْإِضَافَةِ لِئَلَّا تَبْقَى نَاقِصَةً. وَالثَّانِي: مَوْضِعُهَا نَصْبٌ عَطْفًا عَلَى مَعْمُولِ تَعْلَمُوا ; تَقْدِيرُهُ: أَلَمْ تَعْرِفُوا أَخْذَ أَبِيكُمْ عَلَيْكُمُ الْمِيثَاقَ وَتَفْرِيطَكُمْ فِي يُوسُفَ. وَالثَّالِثُ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ إِنَّ ; تَقْدِيرُهُ: وَأَنَّ تَفْرِيطَكُمْ مِنْ قَبْلُ فِي يُوسُفَ. وَقِيلَ: هُوَ ضَعِيفٌ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّ فِيهِمَا فَصْلًا بَيْنَ حَرْفِ الْعَطْفِ وَالْمَعْطُوفِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ. فَأَمَّا خَبَرُ إِنَّ عَلَى الْوَجْهِ الْأَخِيرِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي يُوسُفَ ; وَهُوَ الْأَوْلَى لِئَلَّا يُجْعَلَ «مِنْ قَبْلُ» خَبَرًا. (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ) : هُوَ مَفْعُولُ أَبْرَحَ ; أَيْ لَنْ أُفَارِقَ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا. قَالَ تَعَالَى: (ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَرَقَ) : يُقْرَأُ بِالْفَتْحِ وَالتَّخْفِيفِ ; أَيْ فِيمَا ظَهَرَ لَنَا. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ السِّينِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا ; أَيْ نُسِبَ إِلَى السَّرَقِ. قَالَ تَعَالَى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) : أَيْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ ; وَجَازَ حَذْفُ الْمُضَافِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَلْتَبِسُ. فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْعِيرَ الَّتِي. . . (٨٢)) فَيُرَادُ بِهَا الْإِبِلُ ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُضَافُ مَحْذُوفًا أَيْضًا ; أَيْ أَصْحَابَ الْعِيرِ ; وَقِيلَ: الْعِيرُ: الْقَافِلَةُ، وَهُمُ النَّاسُ الرَّاجِعُونَ مِنَ السَّفَرِ فَعَلَى هَذَا لَيْسَ فِيهِ حَذْفٌ.

стр. 740

قَالَ تَعَالَى: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَسَفَى) : الْأَلِفُ مُبْدَلَةٌ مِنْ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْأَصْلُ أَسَفِي فَفُتِحَتِ الْفَاءُ وَصُيِّرَتِ الْيَاءُ أَلِفًا لِيَكُونَ الصَّوْتُ بِهَا أَتَمَّ. وَ (عَلَى) : مُتَعَلِّقَةٌ بِأَسَفَى. قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَفْتَأُ) : أَيْ لَا تَفْتَأُ، فَحُذِفَتْ «لَا» لِلْعِلْمِ بِهَا. وَ (تَذْكُرُ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبِ خَبَرِ تَفْتَأُ. قَالَ تَعَالَى: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ رَوْحِ اللَّهِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الرَّاءِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الرَّحْمَةِ، إِلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْفِعْلِ مِنْهُ قَلِيلٌ، وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ بِالزِّيَادَةِ مِثْلَ أَرَاحَ، وَرَوَّحَ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَهِيَ لُغَةٌ فِيهِ. وَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، مِثْلَ الشَّرْبِ وَالشُّرْبِ. قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُزْجَاةٍ) : أَلِفُهَا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ، أَوْ عَنْ وَاوٍ، لِقَوْلِهِمْ زَجَا الْأَمْرُ يَزْجُو. (فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ) : أَيِ الْمَكِيلَ. قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)) .

стр. 741

قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا) : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ. وَقِيلَ: هِيَ حَالٌ مِنْ يُوسُفَ وَأَخِي ; وَفِيهِ بُعْدٌ لِعَدَمِ الْعَامِلِ فِي الْحَالِ، وَ «أَنَا» لَا يَعْمَلُ فِي الْحَالِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ «هَذَا» لِأَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى وَاحِدٍ، وَ «عَلَيْنَا» رَاجِعٌ إِلَيْهِمَا جَمِيعًا. (مَنْ يَتَّقِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى حَذْفِ الْيَاءِ. وَ «مَنْ» شَرْطٌ، وَالْفَاءُ جَوَابُهُ. وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَشْبَعَ كَسْرَةَ الْقَافِ، فَنَشَأَتِ الْيَاءُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدَّرَ الْحَرَكَةَ عَلَى الْيَاءِ، وَحَذَفَهَا بِالْجَزْمِ، وَجَعَلَ حَرْفَ الْعِلَّةِ كَالصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ جَعَلَ «مَنْ» بِمَعْنَى الَّذِي فَالْفِعْلُ عَلَى هَذَا مَرْفُوعٌ. وَ (يَصْبِرْ) - بِالسُّكُونِ - فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حَذَفَ الضَّمَّةَ لِئَلَّا تَتَوَالَى الْحَرَكَاتُ، أَوْ نَوَى الْوَقْفَ عَلَيْهِ، وَأَجْرَى الْوَصْلَ مَجْرَى الْوَقْفِ. وَالثَّانِي: هُوَ مَجْزُومٌ عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ «مَنْ» هُنَا وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الَّذِي، وَلَكِنَّهَا بِمَعْنَى الشَّرْطِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْعُمُومِ وَالْإِبْهَامِ وَمِنْ هُنَا دَخَلَتِ الْفَاءُ فِي خَبَرِهَا، وَنَظِيرُهُ «فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ» - فِي قِرَاءَةِ مَنْ جَزَمَ. وَالْعَائِدُ مِنَ الْخَبَرِ مَحْذُوفٌ ; تَقْدِيرُهُ: الْمُحْسِنِينَ مِنْهُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ ; أَيْ لَا نُضِيعُ أَجْرَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تَثْرِيبَ) : فِي خَبَرِ «لَا» وَجْهَانِ ;

стр. 742

أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: «عَلَيْكُمُ» فَعَلَى هَذَا يَنْتَصِبُ «الْيَوْمَ» بِالْخَبَرِ. وَقِيلَ: يَنْتَصِبُ الْيَوْمَ بِـ «يَغْفِرُ» . وَالثَّانِي: الْخَبَرُ «الْيَوْمَ» ، وَعَلَيْكُمُ يَتَعَلَّقُ بِالظَّرْفِ أَوْ بِالْعَامِلِ فِي الظَّرْفِ، وَهُوَ الِاسْتِقْرَارُ. وَقِيلَ: هِيَ لِلتَّبْيِينِ كَاللَّامِ فِي قَوْلِهِمْ سَقْيًا لَكَ ; وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ «عَلَى» بِتَثْرِيبٍ، وَلَا نَصْبُ «الْيَوْمَ» بِهِ، لِأَنَّ اسْمَ «لَا» إِذَا عَمِلَ يُنَوَّنُ. قَالَ تَعَالَى: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِقَمِيصِي) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ ; أَيِ احْمِلُوا قَمِيصِي. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا ; أَيِ اذْهَبُوا وَقَمِيصِي مَعَكُمْ. وَ (بَصِيرًا) حَالٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. قَالَ تَعَالَى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (سُجَّدًا) : حَالٌ مُقَدَّرَةٌ ; لِأَنَّ السُّجُودَ يَكُونُ بَعْدَ الْخُرُورِ. (رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ) : الظَّرْفُ حَالٌ مِنْ «رُؤْيَايَ» لِأَنَّ الْمَعْنَى رُؤْيَايَ الَّتِي كَانَتْ مِنْ قَبْلُ ; وَالْعَامِلُ فِيهَا هَذَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلرُّؤْيَا ; أَيْ تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهَا «تَأْوِيلُ» لِأَنَّ التَّأْوِيلَ كَانَ مِنْ حِينِ وُقُوعِهَا هَكَذَا، وَالْآنَ ظَهَرَ لَهُ. وَ (قَدْ جَعَلَهَا) : حَالٌ مُقَدَّرَةٌ ; وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُقَارِنَةً. وَ (حَقًّا) : صِفَةُ مَصْدَرٍ ; أَيْ جَعْلًا حَقًّا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثَانِيًا ; وَجَعَلَ بِمَعْنَى صَيَّرَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا ; أَيْ وَضَعَهَا صَحِيحَةً.

стр. 743

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «حَقًّا» مَصْدَرًا مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الْفِعْلِ ; بَلْ مِنْ مَعْنَاهُ ; لِأَنَّ جَعَلَهَا فِي مَعْنَى حَقَّقَهَا، وَحَقًّا فِي مَعْنَى تَحْقِيقٍ. وَ (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي) : قِيلَ: الْبَاءُ بِمَعْنَى إِلَى. وَقِيلَ: هِيَ عَلَى بَابِهَا، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وَقَدْ أَحْسَنَ صُنْعَهُ بِي. وَ (إِذْ) : ظَرْفٌ لِأَحْسَنَ، أَوْ لِصُنْعِهِ. قَالَ تَعَالَى: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الْمُلْكِ) : وَ «مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ» قِيلَ: الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ عَظِيمًا مِنَ الْمُلْكِ، وَحَظًّا مِنَ التَّأْوِيلِ. وَقِيلَ: هِيَ زَائِدَةٌ. وَقِيلَ: «مِنْ» لِبَيَانِ الْجِنْسِ. قَالَ تَعَالَى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْجَرِّ عَطْفًا عَلَى السَّمَاوَاتِ، وَالضَّمِيرُ فِي «عَلَيْهَا» لِلْآيَةِ. وَقِيلَ: لِلْأَرْضِ ; فَيَكُونُ «يَمُرُّونَ» حَالًا مِنْهَا ; وَقِيلَ: مِنْهَا وَمِنَ السَّمَاوَاتِ. وَمَعْنَى يَمُرُّونَ: يُشَاهِدُونَ، أَوْ يَعْلَمُونَ، وَيُقْرَأُ وَ «الْأَرْضَ» بِالنَّصْبِ ; أَيْ وَيَسْلُكُونَ الْأَرْضَ، وَفَسَّرَهُ «يَمُرُّونَ» . وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ.

стр. 744

وَ (بَغْتَةً) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَ (أَدْعُو إِلَى اللَّهِ) : مُسْتَأْنَفٌ. وَقِيلَ: حَالٌ مِنَ الْيَاءِ. وَ (عَلَى بَصِيرَةٍ) : حَالٌ ; أَيْ مُسْتَيْقِنًا. وَ (وَمَنِ اتَّبَعَنِي) : مَعْطُوفٌ عَلَى ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي أَدْعُوا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً ; أَيْ: وَمَنِ اتَّبَعَنِي كَذَلِكَ. وَ (مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) : صِفَةٌ لِرِجَالٍ، أَوْ حَالٌ مِنَ الْمَجْرُورِ. قَالَ تَعَالَى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ كُذِبُوا) : يُقْرَأُ بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ وَكَسْرِهَا ; أَيْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ نُسِبُوا إِلَى التَّكْذِيبِ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى الْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ ; أَيْ عَلِمَ الْأُمَمُ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَّبُوهُمْ. وَيُقْرَأُ بِتَخْفِيفِ الذَّالِ، وَالْمُرَادُ - عَلَى هَذَا - الْأُمَمُ لَا غَيْرَ. وَيُقْرَأُ بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ ; أَيْ: وَظَنَّ الرُّسُلُ أَنَّ الْأُمَمَ كَذَّبُوهُمْ. وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ ; أَيْ عَلِمَ الرُّسُلُ أَنَّ الْأُمَمَ كَذَبُوا فِيمَا ادَّعَوْا. (فَنُنْجِي) : يُقْرَأُ بِنُونَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ. وَيُقْرَأُ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ عَلَى أَنَّهُ مَاضٍ لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِسُكُونِ الْيَاءِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَبْدَلَ النُّونَ الثَّانِيَةَ جِيمًا وَأَدْغَمَهَا ; وَهُوَ مُسْتَقْبَلٌ عَلَى هَذَا. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا وَسَكَّنَ الْيَاءَ لِثِقَلِهَا بِحَرَكَتِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا.

стр. 745

قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٢١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا كَانَ حَدِيثًا) ; أَيْ مَا كَانَ حَدِيثَ يُوسُفَ، أَوْ مَا كَانَ الْمَتْلُوَّ عَلَيْهِمْ. (وَلَكِنْ تَصْدِيقَ) : قَدْ ذُكِرَ فِي يُونُسَ. (وَهُدًى وَرَحْمَةً) : مَعْطُوفَانِ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 746

سُورَةُ الرَّعْدِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ تَعَالَى: (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (المر) : قَدْ ذُكِرَ حُكْمُهَا فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ. (تِلْكَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَ «آيَاتُ الْكِتَابِ» : خَبَرُهُ. وَأَنْ يَكُونَ خَبَرَ (المر) . وَ «آيَاتُ» بَدَلٌ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ. (وَالَّذِي أُنْزِلَ) : فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَ «الْحَقُّ» : خَبَرُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ «مِنْ رَبِّكَ» وَ «الْحَقُّ» خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ هُوَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أَوْ كِلَاهُمَا خَبَرٌ وَاحِدٌ. وَلَوْ قُرِئَ الْحَقُّ بِالْجَرِّ، لَجَازَ عَلَى أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِرَبِّكَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ «وَالَّذِي» صِفَةً لِلْكِتَابِ، وَأُدْخِلَتِ الْوَاوُ فِي الصِّفَةِ كَمَا أُدْخِلَتْ فِي التَّائِبِينَ وَالطَّيِّبِينَ. وَ (الْحَقُّ) : بِالرَّفْعِ عَلَى هَذَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. قَالَ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِغَيْرِ عَمَدٍ) : الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، تَقْدِيرُهُ: خَالِيَةٌ عَنْ عَمَدٍ. وَالْعَمَدُ: بِالْفَتْحِ: جَمْعُ عِمَادٍ، أَوْ عَمُودٍ، مِثْلَ: أَدِيمٍ وَأَدَمٍ، وَأَفِيقٍ وَأَفَقٍ، وَإِهَابٍ وَأَهَبٍ، وَلَا خَامِسَ لَهَا.

стр. 747

وَيُقْرَأُ بِضَمَّتَيْنِ، وَهُوَ مِثْلُ كِتَابٍ وَكُتُبٍ، وَرَسُولٍ وَرُسُلٍ. (تَرَوْنَهَا) : الضَّمِيرُ الْمَفْعُولُ يَعُودُ عَلَى الْعَمَدِ ; فَيَكُونُ «تَرَوْنَهَا» فِي مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ عَلَى السَّمَاوَاتِ، فَيَكُونُ حَالًا مِنْهَا. (يُدَبِّرُ) ، وَ (يُفَصِّلُ) : يُقْرَآنِ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ، وَمَعْنَاهُمَا ظَاهِرٌ، وَهُمَا مُسْتَأْنَفَانِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي سَخَّرَ، وَالثَّانِي حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «يُدَبِّرُ» . . قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِجَعَلَ الثَّانِيَةِ ; وَالتَّقْدِيرُ: وَجَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنِ اثْنَيْنِ، وَهُوَ صِفَةٌ لَهُ فِي الْأَصْلِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِجَعَلَ الْأُولَى، وَيَكُونُ جَعَلَ الثَّانِي مُسْتَأْنَفًا. (يُغْشِي اللَّيْلَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ فِيمَا يَصِحُّ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي قَبْلَهُ، وَهِيَ: رَفَعَ، وَسَخَّرَ، وَيُدَبِّرُ، وَيُفَصِّلُ، وَمَدَّ، وَجَعَلَ. قَالَ تَعَالَى: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الرَّفْعِ بِالِابْتِدَاءِ أَوْ فَاعِلِ الظَّرْفِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ «قِطَعًا مُتَجَاوِرَاتٍ» ، عَلَى تَقْدِيرِ وَجَعَلَ فِي الْأَرْضِ. وَ (وَجَنَّاتٌ) كَذَلِكَ عَلَى الِاخْتِلَافِ. وَلَمْ يَقْرَأْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَ «زَرْعًا» بِالنَّصْبِ وَلَكِنْ رَفَعَهُ قَوْمٌ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قِطَعٍ ; وَكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ. وَجَرَّهُ آخَرُونَ عَطْفًا عَلَى «أَعْنَابٍ» وَضَعَّفَ قَوْمٌ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ ; لِأَنَّ الزَّرْعَ لَيْسَ مِنَ الْجَنَّاتِ.

стр. 748

وَقَالَ آخَرُونَ: قَدْ يَكُونُ فِي الْجَنَّةِ زَرْعٌ، وَلَكِنْ بَيْنَ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَنَبَاتُ زَرْعٍ، فَعَطَفَهُ عَلَى الْمَعْنَى. وَالصِّنْوَانُ: جَمْعُ صِنْوٍ، مِثْلَ قِنْوٍ وَقِنْوَانٍ، وَيُجْمَعُ فِي الْقِلَّةِ عَلَى أَصْنَاءٍ. وَفِيهِ لُغَتَانِ: كَسْرُ الصَّادِ وَضَمُّهَا وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا. (تُسْقَى) الْجُمْهُورُ عَلَى التَّاءِ، وَالتَّأْنِيثُ لِلْجَمْعِ السَّابِقِ. وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ ; أَيْ يُسْقَى ذَلِكَ. وَ (نُفَضِّلُ) : يُقْرَأُ بِالنُّونِ وَالْيَاءِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَبِالْيَاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ، وَ «بَعْضُهَا» بِالرَّفْعِ ; وَهُوَ بَيِّنٌ. (فِي الْأُكُلِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِنُفَضِّلُ. وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ بَعْضِهَا ; أَيْ نُفَضِّلُ بَعْضَهَا مَأْكُولًا ; أَوْ وَفِيهِ الْأُكْلُ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ) : قَوْلُهُمْ: مُبْتَدَأٌ، وَعَجَبٌ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. وَقِيلَ: الْعَجَبُ هُنَا بِمَعْنَى الْمُعْجِبِ ; فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ «قَوْلُهُمْ» بِهِ. (أَئِذَا كُنَّا) : الْكَلَامُ كُلُّهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلِهِمْ، وَالْعَامِلُ فِي إِذَا فِعْلٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ ; تَقْدِيرُهُ: أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا نُبْعَثُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِكُنَّا ; لِأَنَّ «إِذَا» مُضَافَةٌ إِلَيْهِ ; وَلَا بِجَدِيدٍ ; لِأَنَّ مَا بَعْدَ «إِنَّ» لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)) .

стр. 749

قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَبْلَ الْحَسَنَةِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَسْتَعْجِلُونَكَ ; وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ السَّيِّئَةِ مَقَدَّرَةً. وَ (الْمَثُلَاتُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَضَمِّ الثَّاءِ، وَاحِدَتُهَا كَذَلِكَ. يُقْرَأُ بِإِسْكَانِ التَّاءِ ; وَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْجَمْعِ الْمَضْمُومِ فِرَارًا مِنْ ثِقَلِ الضَّمَّةِ مَعَ تَوَالِي الْحَرَكَاتِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْوَاحِدَ خُفِّفَ ثُمَّ جُمِعَ عَلَى ذَلِكَ. وَيُقْرَأُ بِضَمَّتَيْنِ، وَبِضَمِّ الْأَوَّلِ وَإِسْكَانِ الثَّانِي، وَضَمُّ الْمِيمِ فِيهِ لُغَةٌ، فَأَمَّا ضَمُّ الثَّاءِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لُغَةً فِي الْوَاحِدِ، وَأَنْ يَكُونَ اتْبَاعًا فِي الْجَمْعِ، وَأَمَّا إِسْكَانُهَا فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ. (عَلَى ظُلْمِهِمْ) : حَالٌ مِنَ النَّاسِ، وَالْعَامِلُ الْمَغْفِرَةُ. قَالَ تَعَالَى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: أَنَّهُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ ; أَيْ: وَلِكُلِّ قَوْمٍ نَبِيٌّ هَادٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُبْتَدَأَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وَهُوَ لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ. وَالثَّالِثُ: تَقْدِيرُهُ: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَهَادٍ لِكُلِّ قَوْمٍ ; وَفِي هَذَا فَصْلٌ بَيْنَ حَرْفِ الْعَطْفِ وَالْمَعْطُوفِ، وَقَدْ ذَكَرُوا مِنْهُ قَدْرًا صَالِحًا. قَالَ تَعَالَى: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا تَحْمِلُ) : فِي «مَا» وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَمَوْضِعُهَا نَصْبٌ بِيَعْلَمُ.

стр. 750

وَالثَّانِي: هِيَ اسْتِفْهَامِيَّةٌ ; فَتَكُونُ مَنْصُوبَةً بِتَحْمِلُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. وَمِثْلُهُ: «وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ» . (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «عِنْدَهُ» فِي مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ لِشَيْءٍ، أَوْ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لِكُلِّ، وَالْعَامِلُ فِيهَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَحْذُوفٌ ; وَخَبَرُ «كُلُّ» : بِمِقْدَارٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمِقْدَارٍ، وَأَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَارُّ. قَالَ تَعَالَى: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَالِمُ الْغَيْبِ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هُوَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَ «الْكَبِيرُ» خَبَرُهُ. وَالْجَيِّدُ الْوَقْفُ عَلَى «الْمُتَعَالِ» بِغَيْرِ يَاءٍ ; لِأَنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ الْجَيِّدُ إِثْبَاتَهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿سَوَاء مِنْكُم من أسر القَوْل وَمن جهر بِهِ وَمن هُوَ مستخف بِاللَّيْلِ وسارب بِالنَّهَارِ﴾ قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ) : «مَنْ» مُبْتَدَأٌ، وَ «سَوَاءٌ» خَبَرٌ. فَأَمَّا «مِنْكُمْ» فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «سَوَاءٌ» ; لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ مُسْتَوٍ ; وَمِثْلُهُ: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ) [الْحَدِيدُ: ١٠] . وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ «مِنْكُمْ» حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «أَسَرَّ» وَ «جَهَرَ» ; لِوَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا: تَقْدِيمُ مَا فِي الصِّلَةِ عَلَى الْمَوْصُولِ، أَوِ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوفِ. وَالثَّانِي: تَقْدِيمُ الْخَبَرِ عَلَى «مِنْكُمْ» وَحَقُّهُ أَنْ يَقَعَ بَعْدَهُ. قَالَ تَعَالَى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ) : وَاحِدَتُهَا مُعَقِّبَةٌ، وَالْهَاءُ فِيهَا لِلْمُبَالَغَةِ ; مِثْلَ نَسَّابَةٍ ; أَيْ مَلَكٌ مُعَقِّبٌ.

стр. 751

وَقِيلَ: مُعَقِّبَةٌ: صِفَةٌ لِلْجَمْعِ، ثُمَّ جُمِعَ عَلَى ذَلِكَ. (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُعَقِّبَاتٍ ; وَأَنْ يَكُونَ ظَرْفًا ; وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي فِيهِ ; فَعَلَى هَذَا يَتِمُّ الْكَلَامُ عِنْدَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ «يَحْفَظُونَهُ» أَيْ مُعَقِّبَاتٌ يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمَنْ خَلْفِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «يَحْفَظُونَهُ» صِفَةً لِمُعَقِّبَاتٍ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الظَّرْفُ. (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) : أَيْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فَتَكُونُ «مِنْ» عَلَى بَابِهَا. وَقِيلَ: «مِنْ» بِمَعْنَى الْبَاءِ ; أَيْ بِأَمْرِ اللَّهِ. وَقِيلَ: بِمَعْنَى عَنْ. (وَإِذَا أَرَادَ) : الْعَامِلُ فِي «إِذَا» مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْجَوَابُ ; أَيْ لَمْ يُرَدَّ، أَوْ وَقَعَ. (مِنْ وَالٍ) : يُقْرَأُ بِالْإِمَالَةِ مِنْ أَجْلِ الْكَسْرَةِ، وَلَا مَانِعَ هُنَا. قَالَ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَوْفًا وَطَمَعًا) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ. وَ (السَّحَابَ الثِّقَالَ) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَعْرَافِ. قَالَ تَعَالَى: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) : قِيلَ: هُوَ مَلَكٌ ; فَعَلَى هَذَا قَدْ سُمِّيَ بِالْمَصْدَرِ ; وَقِيلَ: الرَّعْدُ صَوْتُهُ ; وَالتَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا: ذُو الرَّعْدِ، أَوِ الرَّاعِدُ. وَ (بِحَمْدِهِ) قَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ فِي قِصَّةِ آدَمَ ﷺ . وَ (الْمِحَالِ) : فِعَالٌ مِنَ الْمَحْلِ، وَهُوَ الْقُوَّةُ، يُقَالُ: مَحَلَ بِهِ، إِذَا غَلَبَهُ. وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى فَتْحُ الْمِيمِ. قَالَ تَعَالَى: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) : فِيهِ قَوْلَانِ

стр. 752

أَحَدُهُمَا: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْأَصْنَامِ ; أَيْ وَالْأَصْنَامُ الَّذِينَ يَدْعُونَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى عِبَادَتِهِمْ «لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ» : وَجَمَعَهُمْ جَمْعَ مَنْ يَعْقِلُ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ فِيهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَالتَّقْدِيرُ: وَالْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الْأَصْنَامَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ ; أَيْ لَا يُجِيبُونَهُمْ ; أَيْ إِنَّ الْأَصْنَامَ لَا تُجِيبُهُمْ بِشَيْءٍ. (إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ) : التَّقْدِيرُ: إِلَّا اسْتِجَابَةً كَاسْتِجَابَةِ بَاسِطٍ كَفَّيْهِ. وَالْمَصْدَرُ فِي هَذَا التَّقْدِيرِ: مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ) [فُصِّلَتْ: ٤٩] . وَفَاعِلُ هَذَا الْمَصْدَرِ مُضْمَرٌ، وَهُوَ ضَمِيرُ الْمَاءِ ; أَيْ لَا يُجِيبُونَهُمْ إِلَّا كَمَا يُجِيبُ الْمَاءُ بَاسِطَ كَفَّيْهِ إِلَيْهِ، وَالْإِجَابَةُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الِانْقِيَادِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ) - فَاللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِبَاسِطٍ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرُ الْمَاءِ ; أَيْ لِيَبْلُغَ الْمَاءُ فَاهُ. وَ (مَا هُوَ) ; أَيِ الْمَاءُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الْبَاسِطِ عَلَى أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ «بَالِغٍ» مُضْمَرًا ; لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ إِذَا جَرَى عَلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ لَزِمَ إِبْرَازُ الْفَاعِلِ ; فَكَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يَقُولَ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ الْمَاءَ ; فَإِنْ جَعَلْتَ الْهَاءَ فِي «بَالِغِهِ» ضَمِيرَ الْمَاءِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ هُوَ ضَمِيرَ الْبَاسِطِ. وَالْكَافُ فِي «كَبَاسِطِ» إِنْ جَعَلْتَهَا حَرْفًا كَانَ مِنْهَا ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْمَوْصُوفِ الْمَحْذُوفِ، وَإِنْ جَعَلْتَهَا اسْمًا لَمْ يَكُنْ فِيهَا ضَمِيرٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (طَوْعًا وَكَرْهًا) : مَفْعُولٌ لَهُ، أَوْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَ (ظِلَالُهُمْ) : مَعْطُوفٌ عَلَى مَنْ. وَ (بِالْغُدُوِّ) : ظَرْفٌ لِيَسْجُدُ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ هَلْ تَسْتَوِي) :

стр. 753

يُقْرَأُ بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ، وَقَدْ سَبَقَتْ نَظَائِرُهُ. قَالَ تَعَالَى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْدِيَةٌ) : هُوَ جَمْعُ وَادٍ، وَجَمْعُ فَاعِلٍ عَلَى أَفْعِلَةٍ شَاذٌّ، وَلَمْ نَسْمَعْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَرْفِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ فَاعِلًا قَدْ جَاءَ بِمَعْنَى فَعِيلٍ، وَكَمَا جَاءَ فَعِيلٌ وَأَفْعِلَةٌ كَجَرِيبٍ وَأَجْرِبَةٍ، كَذَلِكَ فَاعِلٌ. (بِقَدَرِهَا) : صِفَةٌ لِأَوْدِيَةٍ. (وَمِمَّا يُوقِدُونَ) : بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ. (عَلَيْهِ فِي النَّارِ) : مُتَعَلِّقٌ بِيُوقِدُونَ. وَ (ابْتِغَاءَ) : مَفْعُولٌ لَهُ. (أَوْ مَتَاعٍ) : مَعْطُوفٌ عَلَى حِلْيَةٍ ; وَ «زَبَدٌ» : مُبْتَدَأٌ، وَ «مِثْلُهُ» : صِفَةٌ لَهُ، وَالْخَبَرُ «مِمَّا يُوقِدُونَ» . وَالْمَعْنَى: وَمِنْ جَوَاهِرِ الْأَرْضِ كَالنُّحَاسِ مَا فِيهِ زَبَدٌ - وَهُوَ خُبْثُهُ - مِثْلُهُ ; أَيْ مِثْلُ الزَّبَدِ الَّذِي يَكُونُ عَلَى الْمَاءِ. وَ (جُفَاءً) حَالٌ، وَهَمْزَتُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ. وَقِيلَ: هِيَ أَصْلٌ. قَالَ تَعَالَى: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨)) . (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا) : مُسْتَأْنَفٌ. وَهُوَ خَبَرُ «الْحُسْنَى» . قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُوفُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي.

стр. 754

قَالَ تَعَالَى: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَنَّاتُ عَدْنٍ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ «عُقْبَى» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَ «يَدْخُلُونَهَا» الْخَبَرُ. وَ (وَمَنْ صَلَحَ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلَى ضَمِيرِ الْفَاعِلِ، وَسَاغَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُؤَكَّدْ ; لِأَنَّ ضَمِيرَ الْمَفْعُولِ صَارَ فَاصِلًا كَالتَّوْكِيدِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا بِمَعْنَى مَعَ. قَالَ تَعَالَى: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَلَامٌ) : أَيْ يَقُولُونَ سَلَامٌ. (بِمَا صَبَرْتُمْ) : لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْبَاءُ بِسَلَامٍ ; لِمَا فِيهِ مِنَ الْفَصْلِ بِالْخَبَرِ ; وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِعَلَيْكُمْ، أَوْ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. قَالَ تَعَالَى: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ) : التَّقْدِيرُ فِي جَنْبِ الْآخِرَةِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَا لِلْحَيَاةِ وَلَا لِلدُّنْيَا ; لِأَنَّهُمَا لَا يَقَعَانِ فِي الْآخِرَةِ ; وَإِنَّمَا هُوَ حَالٌ ; وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا الْحَيَاةُ الْقَرِيبَةُ كَائِنَةٌ فِي جَنْبِ الْآخِرَةِ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِذِكْرِ اللَّهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ ; أَيِ الطُّمَأْنِينَةَ بِهِ ; أَيِ الطُّمَأْنِينَةَ تَحْصُلُ لَهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْقُلُوبِ ; أَيْ تَطْمَئِنُّ وَفِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ.

стр. 755

قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) : مُبْتَدَأٌ وَ (طُوبَى لَهُمْ) : مُبْتَدَأٌ ثَانٍ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا ; فَيَكُونُ «طُوبَى» لَهُمْ حَالًا مُقَدَّرَةً، وَالْعَامِلُ فِيهَا آمَنُوا وَعَمِلُوا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «الَّذِينَ» بَدَلًا مِنْ (مَنْ أَنَابَ) [الرَّعْدُ: ٢٧] ، أَوْ بِإِضْمَارِ أَعْنِي. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «طُوبَى» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى تَقْدِيرِ جَعَلَ. وَوَاوُهَا مُبْدَلَةٌ مِنْ يَاءٍ ; لِأَنَّهَا مِنَ الطِّيبِ، أُبْدِلَتْ وَاوًا لِلضَّمَّةِ قَبْلَهَا. وَ (حُسْنُ مَآبٍ) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ النُّونِ وَالْإِضَافَةِ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «طُوبَى» إِذَا جَعَلْتَهَا مُبْتَدَأً. وَقُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْإِضَافَةِ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى طُوبَى فِي وَجْهِ نَصْبِهَا. وَيُقْرَأُ شَاذًّا بِفَتْحِ النُّونِ وَرَفْعِ مَآبٍ، وَ «حَسُنَ» عَلَى هَذَا فِعْلٌ نُقِلَتْ ضَمَّةُ سِينِهِ إِلَى الْحَاءِ ; وَهَذَا جَائِزٌ فِي فَعُلَ إِذَا كَانَ لِلْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ. قَالَ تَعَالَى: (كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذَلِكَ) : التَّقْدِيرُ: الْأَمْرُ كَمَا أَخْبَرْنَاكَ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا) : جَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ ; أَيْ لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنُ.

стр. 756

وَقَالَ الْفَرَّاءُ: جَوَابُهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ ; أَيْ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا، عَلَى الْمُبَالَغَةِ. (أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى) : الْوَجْهُ فِي حَذْفِ التَّاءِ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ مَعَ إِثْبَاتِهَا فِي الْفِعْلَيْنِ قَبْلَهُ أَنَّ الْمَوْتَى يَشْتَمِلُ عَلَى الْمُذَكَّرِ الْحَقِيقِيِّ وَالتَّغْلِيبِ لَهُ ; فَكَانَ حَذْفُ التَّاءِ أَحْسَنَ، وَالْجِبَالُ وَالْأَرْضُ لَيْسَا كَذَلِكَ. (أَنْ لَوْ يَشَاءُ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَيْأَسْ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَفَلَمْ يَتَبَيَّنْ وَيَعْلَمْ؟ . (أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا) : فَاعِلُ «تَحُلُّ» ضَمِيرُ الْقَارِعَةِ. وَقِيلَ: هُوَ لِلْخِطَابِ ; أَيْ أَوْ تَحُلُّ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِنْهُمْ بِالْعُقُوبَةِ ; فَيَكُونُ مَوْضِعُ الْجُمْلَةِ نَصْبًا، عَطْفًا عَلَى تُصِيبُ. قَالَ تَعَالَى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «كَسَبَتْ» ، أَيْ وَبِجَعْلِهِمْ شُرَكَاءَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. (وَصُدُّوا) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الصَّادِ ; أَيْ وَصَدُّوا غَيْرَهُمْ، وَبِضَمِّهَا ; أَيْ وَصَدَّهُمُ الشَّيْطَانُ أَوْ شُرَكَاؤُهُمْ ; وَبِكَسْرِهَا ; وَأَصْلُهَا صُدِدُوا بِضَمِّ الْأَوَّلِ، فَنُقِلَتْ كَسْرَةُ الدَّالِ إِلَى الصَّادِ. قَالَ تَعَالَى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ) : مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ مَثَلُ الْجَنَّةِ ; فَعَلَى هَذَا (تَجْرِي) : حَالٌ مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ فِي «وُعِدَ» أَيْ وُعِدَهَا مُقَدَّرًا جَرَيَانُ أَنْهَارِهَا.

стр. 757

وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْخَبَرُ «تَجْرِي» وَهَذَا عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ خَطَأٌ ; لِأَنَّ الْمَثَلَ لَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِ الْأَنْهَارُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ صِفَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَشُبْهَتُهُ أَنَّ الْمَثَلَ هُنَا بِمَعْنَى الصِّفَةِ ; فَهُوَ كَقَوْلِكَ: صِفَةُ زَيْدٍ أَنَّهُ طَوِيلٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «تَجْرِي» مُسْتَأْنَفًا. (أُكُلُهَا دَائِمٌ) : هُوَ مِثْلُ (تَجْرِي) فِي الْوَجْهَيْنِ. قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَنْقُصُهَا) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ، أَوْ مِنَ الْأَرْضِ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ) : يُقْرَأُ عَلَى الْإِفْرَادِ وَهُوَ جِنْسٌ، وَعَلَى الْجَمْعِ عَلَى الْأَصْلِ. قَالَ تَعَالَى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ عِنْدَهُ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الَّذِي وَفِي مَوْضِعِهِ وَجْهَانِ ;

стр. 758

أَحَدُهُمَا: رُفِعَ عَلَى مَوْضِعِ اسْمِ اللَّهِ ; أَيْ كَفَى اللَّهُ، وَكَفَى مَنْ عِنْدَهُ. وَالثَّانِي: فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى لَفْظِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى ; فَعَلَى هَذَا «عِلْمُ الْكِتَابِـ» مَرْفُوعٌ بِالظَّرْفِ ; لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ بِكَوْنِهِ صِلَةً. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا، وَالْمُبْتَدَأُ «عِلْمُ الْكِتَابِـ» . وَيُقْرَأُ وَمِنْ عِنْدِهِ - بِكَسْرِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّهُ حَرْفٌ ; وَعِلْمُ الْكِتَابِ عَلَى هَذَا مُبْتَدَأٌ، أَوْ فَاعِلُ الظَّرْفِ. وَيُقْرَأُ عُلِمَ الْكِتَابُ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَهُوَ الْعَامِلُ فِي «مَنْ» .

стр. 759

سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ تَعَالَى: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كِتَابٌ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هَذَا كِتَابٌ. وَ «أَنْزَلْنَاهُ» : صِفَةٌ لِلْكِتَابِ وَلَيْسَ بِحَالٍ ; لِأَنَّ كِتَابًا نَكِرَةٌ. (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ إِنْ شِئْتَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ; أَيْ بِسَبَبِ الْإِذْنِ، وَإِنْ شِئْتَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ النَّاسِ ; أَيْ مَأْذُونًا لَهُمْ، أَوْ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ ; أَيْ مَأْذُونًا لَكَ. (إِلَى صِرَاطِ) : هَذَا بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: إِلَى النُّورِ، بِإِعَادَةِ حَرْفِ الْجَرِّ. قَالَ تَعَالَى: (اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (اللَّهِ الَّذِي) : يُقْرَأُ بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرُ. وَالثَّانِي: عَلَى الْخَبَرِ، وَالْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ هُوَ اللَّهُ، وَ «الَّذِي» صِفَةٌ. وَالثَّالِثُ: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ «الَّذِي» صِفَتُهُ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; تَقْدِيرُهُ: اللَّهُ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْعَزِيزُ الْحَمِيدُ، وَحُذِفَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ. وَ (وَيْلٌ) : مُبْتَدَأٌ، وَلِلْكَافِرِينَ خَبَرُهُ. (مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لِـ «وَيْلٌ» بَعْدَ الْخَبَرِ، وَهُوَ جَائِزٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ «وَيْلٌ» مِنْ أَجْلِ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِالْخَبَرِ.

стр. 760

قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ) : فِي مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ لِلْكَافِرِينَ، أَوْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإِضْمَارِ أَعْنِي، أَوْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِإِضْمَارِ «هُمْ» . (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) : قَدْ ذُكِرَ فِي آلِ عِمْرَانَ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ ; أَيْ إِلَّا مُتَكَلِّمًا بِلُغَتِهِمْ. وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ «بِلِسْنِ قَوْمِهِ» - بِكَسْرِ اللَّامِ وَإِسْكَانِ السِّينِ، وَهِيَ بِمَعْنَى اللِّسَانِ. (فَيُضِلُّ) - بِالرَّفْعِ وَلَمْ يَنْتَصِبْ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى «لِيُبَيِّنَ» لِأَنَّ الْعَطْفَ يَجْعَلُ مَعْنَى الْمَعْطُوفِ كَمَعْنَى الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَالرُّسُلُ أُرْسِلُوا لِلْبَيَانِ لَا لِلضَّلَالِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: لَوْ قُرِئَ بِالنَّصْبِ، عَلَى أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لَامَ الْعَاقِبَةِ، جَازَ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ) : أَنْ بِمَعْنَى أَيْ ; فَلَا مَوْضِعَ لَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً ; فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِأَنْ أَخْرِجْ ; وَقَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)) .

стр. 761

قَوْلُهُ تَعَالَى: (نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ) : قَدْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: (إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً) [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٣] . (وَيُذَبِّحُونَ) : حَالٌ أُخْرَى مَعْطُوفَةٌ عَلَى (يَسُومُونَ) . قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى «إِذْ أَنْجَاكُمْ» . قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَوْمِ نُوحٍ) : بَدَلٌ مِنَ «الَّذِينَ» . (وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ) : مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَعْلَمُهُمْ) : حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «مِنْ بَعْدِهِمْ» . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَكَذَلِكَ «جَاءَتْهُمْ» . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ» مُبْتَدَأً، «وَلَا يَعْلَمُهُمْ» : خَبَرُهُ، أَوْ حَالٌ مِنَ الِاسْتِقْرَارِ، وَ «جَاءَتْهُمُ» الْخَبَرُ. (فِي أَفْوَاهِهِمْ) : «فِي» عَلَى بَابِهَا ظَرْفٌ لِرَدُّوا ; وَهُوَ عَلَى الْمَجَازِ ; لِأَنَّهُمْ إِذَا سَكَّتُوهُمْ فَكَأَنَّهُمْ وَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ فَمَنَعُوهُمْ بِهَا مِنَ النُّطْقِ. وَقيل هِيَ بِمَعْنى إِلَى وَقيل بِمَعْنى الْبَاء قَالَ تَعَالَى: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ) : فَاعِلُ الظَّرْفِ ; لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى الْهَمْزَةِ. (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ) : صِفَةٌ، أَوْ بَدَلٌ. (لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) : الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وَ «مِنْ» صِفَةٌ لَهُ ; أَيْ شَيْئًا مِنْ ذُنُوبِكُمْ. وَعِنْدَ الْأَخْفَشِ «مِنْ» زَائِدَةٌ.

стр. 762

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «مِنْ» لِلْبَدَلِ ; أَيْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ بَدَلًا مِنْ عُقُوبَةِ ذُنُوبِكُمْ، كَقَوْلِهِ: (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ) [التَّوْبَةُ: ٣٨] . (تُرِيدُونَ) : صِفَةٌ أُخْرَى لِبَشَرٍ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ) : اسْمُ كَانَ، «وَلَنَا» الْخَبَرُ. وَ (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; وَقَدْ ذُكِرَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ «بِإِذْنِ اللَّهِ» ، «وَلَنَا» تَبْيِينٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلَّا نَتَوَكَّلَ) أَيْ فِي أَنْ لَا نَتَوَكَّلَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا ; أَيْ غَيْرَ مُتَوَكِّلِينَ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاسْتَفْتَحُوا) : وَيُقْرَأُ عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ شَاذًّا. قَالَ تَعَالَى: (يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَتَجَرَّعُهُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَاءٍ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «يُسْقَى» ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. قَالَ تَعَالَى: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) : مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ فِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ.

стр. 763

وَ (أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ) : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِلْمَثَلِ. وَقِيلَ: الْجُمْلَةُ خَبَرُ «مَثَلُ» عَلَى الْمَعْنَى. وَقِيلَ: «مَثَلُ» مُبْتَدَأٌ، أَوْ «أَعْمَالُهُمْ» خَبَرُهُ ; أَيْ مَثَلُهُمْ مَثَلُ أَعْمَالِهِمْ. وَ «كَرَمَادٍ» عَلَى هَذَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هِيَ كَرَمَادٍ. وَقِيلَ: «أَعْمَالُهُمْ» بَدَلٌ مِنْ «مَثَلُ» ، وَكَرَمَادٍ الْخَبَرُ، وَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ، لَجَازَ إِبْدَالُ أَعْمَالِهِمْ مِنَ الَّذِينَ، وَهُوَ بَدَلُ الِاشْتِمَالِ. (فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) ; رِيحُهُ، ثُمَّ حُذِفَ الرِّيحُ، وَجُعِلَتِ الصِّفَةُ لِلْيَوْمِ مَجَازًا. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فِي يَوْمٍ ذِي عُصُوفٍ ; فَهُوَ عَلَى النَّسَبِ، كَقَوْلِهِمْ: نَابِلٌ وَرَامِحٌ. وَقُرِئَ «يَوْمِ عَاصِفٍ» بِالْإِضَافَةِ ; أَيْ يَوْمِ رِيحٍ عَاصِفٍ. (لَا يَقْدِرُونَ) : مُسْتَأْنَفٌ. قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ) : يُقْرَأُ شَاذًّا بِسُكُونِ الرَّاءِ فِي الْوَصْلِ عَلَى أَنَّهُ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْوَقْفِ. (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ) : يُقْرَأُ عَلَى لَفْظِ الْمَاضِي، وَ (خَالِقٌ) عَلَى فَاعِلٍ، وَهُوَ لِلْمَاضِي، فَيَتَعَرَّفُ بِالْإِضَافَةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)) .

стр. 764

قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَبَعًا) : إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ جَمْعَ تَابِعٍ، مِثْلَ خَادِمٍ وَخَدَمٍ، وَغَائِبٍ وَغَيَبٍ، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مَصْدَرَ تَبِعَ ; فَيَكُونُ الْمَصْدَرُ فِي مَوْضِعِ اسْمِ الْفَاعِلِ، أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ذَوِي تَبَعٍ. (مِنْ عَذَابِ اللَّهِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ ; لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ صِفَةٌ لِشَيْءٍ ; تَقْدِيرُهُ: مِنْ شَيْءٍ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَمِنْ زَائِدَةٌ ; أَيْ شَيْئًا كَائِنًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَيَكُونُ الْفِعْلُ مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى ; تَقْدِيرُهُ: هَلْ تَمْنَعُونَ عَنَّا شَيْئًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «شَيْءٍ» وَاقِعًا مَوْقِعَ الْمَصْدَرِ ; أَيْ عَنَاءٍ ; فَيَكُونُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مُتَعَلِّقًا بِمُغْنُونَ. (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا) : قَدْ ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ) : اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ دُعَاءَهُ لَمْ يَكُنْ سُلْطَانًا ; أَيْ حُجَّةً. (بِمُصْرِخِيَّ) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الْيَاءِ، وَهُوَ جَمْعُ مُصْرِخٍ، فَالْيَاءُ الْأُولَى يَاءُ الْجَمْعِ، وَالثَّانِيَةُ ضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ، وَفُتِحَتْ لِئَلَّا تَجْتَمِعَ الْكَسْرَةُ وَالْيَاءُ بَعْدَ كَسْرَتَيْنِ. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِهَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الثِّقَلِ، وَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كُسِرَ عَلَى الْأَصْلِ.

стр. 765

وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مُصْرِخِيِّ وَهِيَ لُغَيَّةٌ، يَقُولُ أَرْبَابُهَا: فِي وَرَمَيْتِيهِ، فَتَتْبَعُ الْكَسْرَةَ الْيَاءُ إِشْبَاعًا، إِلَّا أَنَّهُ فِي الْآيَةِ حَذَفَ الْيَاءَ الْأَخِيرَةَ اكْتِفَاءً بِالْكَسْرَةِ قَبْلَهَا. (بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ) : فِي «مَا» وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي ; فَتَقْدِيرُهُ عَلَى هَذَا: بِالَّذِي أَشْرَكْتُمُونِي بِهِ ; أَيْ بِالصَّنَمِ الَّذِي أَطَعْتُمُونِي كَمَا أَطَعْتُمُوهُ، فَحُذِفَ الْعَائِدُ. وَالثَّانِي: هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ ; أَيْ بِإِشْرَاكِكُمْ إِيَّايَ مَعَ اللَّهِ . وَ (مِنْ قَبْلُ) : يَتَعَلَّقُ بِأَشْرَكْتُمُونِي ; أَيْ كَفَرْتُ الْآنَ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ. وَقِيلَ: هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَفَرْتُ ; أَيْ كَفَرْتُ مِنْ قَبْلِ إِشْرَاكِكُمْ، فَلَا أَنْفَعُكُمْ شَيْئًا. قَالَ تَعَالَى: (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأُدْخِلَ) : يُقْرَأُ عَلَى لَفْظِ الْمَاضِي، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى بَرَزُوا، أَوْ عَلَى: فَقَالَ الضُّعَفَاءُ. وَيُقْرَأُ شَاذًّا بِضَمِّ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ مُضَارِعٌ، وَالْفَاعِلُ اللَّهُ. (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَمَامِ (أُدْخِلَ) ، وَيَكُونَ مِنْ تَمَامِ «خَالِدِينَ» . (تَحِيَّتُهُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُصْدَرُ مُضَافًا إِلَى الْفَاعِلِ ; أَيْ يُحَيِّي بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ. وَأَنْ يَكُونَ مُضَافًا إِلَى الْمَفْعُولِ ; أَيْ يُحَيِّيهِمُ اللَّهُ أَوِ الْمَلَائِكَةُ. قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَلِمَةً) : بَدَلٌ مِنْ «مَثَلًا» . (كَشَجَرَةٍ) : نَعْتٌ لَهَا. وَيُقْرَأُ شَاذًّا: «كَلِمَةٌ» بِالرَّفْعِ، وَكَشَجَرَةٍ خَبَرُهُ.

стр. 766

وَ (تُؤْتِي أُكُلَهَا) : نَعْتٌ لِلشَّجَرَةِ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ مَعْنَى الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ ; أَيْ تَرْتَفِعُ مُؤْتِيَةً أُكُلَهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ) : الْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِشَجَرَةٍ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «اجْتُثَّتْ» . قَالَ تَعَالَى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) : يَتَعَلَّقُ بِيُثَبِّتُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالثَّابِتِ. قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُفْرًا) : مَفْعُولٌ ثَانٍ لِبَدَّلَ. وَ (جَهَنَّمَ) : بَدَلٌ مِنْ دَارِ الْبَوَارِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ يَصْلَوْنَ جَهَنَّمَ، أَوْ يَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ. وَ (يَصْلَوْنَهَا) : تَفْسِيرٌ لَهُ. فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِيَصْلَوْنَهَا مَوْضِعٌ. وَعَلَى الْأَوَّلِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهُ حَالًا مِنْ جَهَنَّمَ، أَوْ مِنَ الدَّارِ، أَوْ مِنْ قَوْمِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: هُوَ جَوَابُ «قُلْ» وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ ; تَقْدِيرُهُ: قُلْ لَهُمْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ يُقِيمُوا ; أَيْ إِنْ تَقُلْ لَهُمْ يُقِيمُوا ; قَالَهُ الْأَخْفَشُ. وَرَدَّهُ قَوْمٌ ; قَالُوا: لِأَنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ لَهُمْ لَا يُوجِبُ أَنْ يُقِيمُوا. وَهَذَا عِنْدِي لَا يُبْطِلُ قَوْلَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْعِبَادِ الْكُفَّارَ بَلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا قَالَ الرَّسُولُ لَهُمْ: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، أَقَامُوهَا ; وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: «لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا» .

стр. 767

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: حُكِيَ عَنِ الْمُبَرِّدِ، وَهُوَ أَنَّ التَّقْدِيرَ: قُلْ لَهُمْ أَقِيمُوا، يُقِيمُوا ; فَيُقِيمُوا الْمُصَرَّحُ جَوَابُ أَقِيمُوا الْمَحْذُوفِ، وَحَكَاهُ جَمَاعَةٌ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِإِفْسَادِهِ ; وَهُوَ فَاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ يُخَالِفُ الشَّرْطَ، إِمَّا فِي الْفِعْلِ أَوْ فِي الْفَاعِلِ أَوْ فِيهِمَا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مِثْلَهُ فِي الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ فَهُوَ خَطَأٌ، كَقَوْلِكَ: قُمْ تَقُمْ، وَالتَّقْدِيرُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْوَجْهِ: إِنْ يُقِيمُوا يُقِيمُوا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْأَمْرَ الْمُقَدَّرَ لِلْمُوَاجَهَةِ، وَيُقِيمُوا عَلَى لَفْظِ الْغَيْبَةِ ; وَهُوَ خَطَأٌ إِذَا كَانَ الْفَاعِلُ وَاحِدًا. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَجْزُومٌ بِلَامٍ مَحْذُوفَةٍ، تَقْدِيرُهُ: لِيُقِيمُوا فَهُوَ أَمْرٌ مُسْتَأْنَفٌ، وَجَازَ حَذْفُ اللَّامِ لِدَلَالَةِ «قُلْ» عَلَى الْأَمْرِ. وَ (يُنْفِقُوا) مِثْلَ يُقِيمُوا. (سِرًّا وَعَلَانِيَةً) : مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. قَالَ تَعَالَى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (دَائِبَيْنِ) : حَالٌ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. قَالَ تَعَالَى: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) : يُقْرَأُ بِإِضَافَةِ «كُلِّ» إِلَى «مَا» فَمِنْ عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ زَائِدَةٌ، وَعَلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ مَا سَأَلْتُمُوهُ. وَ (مَا) يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَنَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وَمَصْدَرِيَّةً، وَيَكُونُ الْمَصْدَرُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ. وَيُقْرَأُ بِتَنْوِينِ «كُلِّ» فَمَا سَأَلْتُمُوهُ عَلَى هَذَا مَفْعُولُ آتَاكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)) .

стр. 768

قَوْلُهُ تَعَالَى: (آمِنًا) : مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَ «الْبَلَدَ» وَصْفُ الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ. وَ (اجْنُبْنِي) : يُقَالُ: جَنَبْتُهُ وَأَجْنَبْتُهُ وَجَنَّبْتُهُ. وَقَدْ قُرِئَ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ النُّونِ. (أَنْ نَعْبُدَ) : أَيْ عَنْ أَنْ نَعْبُدَ، وَقَدْ ذُكِرَ الْخِلَافُ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الْإِعْرَابِ مِرَارًا. قَالَ تَعَالَى: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ عَصَانِي) : شَرْطٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ: «فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ لَهُ، وَقَدْ ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي يُوسُفَ. قَالَ تَعَالَى: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ ذُرِّيَّتِي) : الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ ذَرِّيَّةً مِنْ ذُرِّيَّتِي، وَيُخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ أَنْ تَكُونَ «مِنْ» زَائِدَةً. (عِنْدَ بَيْتِكَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ «وَادٍ» وَأَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْهُ. (لِيُقِيمُوا) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَسْكَنْتُ. وَ (تَهْوِي) : مَفْعُولٌ ثَانٍ لِاجْعَلْ. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْوَاوِ، وَمَاضِيهِ هَوِيَ وَمَصْدَرُهُ الْهَوَى. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَبِالْأَلِفِ بَعْدَهَا، وَمَاضِيهِ هَوِيَ يَهْوَى هَوًى، وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ، إِلَّا أَنَّ هَوَى يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَهَوِيَ يَتَعَدَّى بِإِلَى، إِلَّا أَنَّ الْقِرَاءَةَ الثَّانِيَةَ عُدِّيَتْ بِإِلَى حَمْلًا عَلَى تَمِيلُ.

стр. 769

قَالَ تَعَالَى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَى الْكِبَرِ) : حَالٌ مِنَ الْيَاءِ فِي «وَهَبَ لِي» . قَالَ تَعَالَى: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَفْعُولِ فِي «اجْعَلْنِي» وَالتَّقْدِيرُ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ) : يُقْرَأُ بِالنُّونِ عَلَى التَّعْظِيمِ، وَبِالْيَاءِ لِتَقَدُّمِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى. (لِيَوْمٍ) أَيْ لِأَجْلِ جَزَاءِ يَوْمٍ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى إِلَى. قَالَ تَعَالَى: (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُهْطِعِينَ) : هُوَ حَالٌ مِنَ الْأَبْصَارِ ; وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: تَشْخَصُ فِيهِ أَصْحَابُ الْأَبْصَارِ ; لِأَنَّهُ يُقَالُ: شَخَصَ زَيْدٌ بَصَرَهُ ; أَوْ تَكُونُ الْأَبْصَارُ دَلَّتْ عَلَى أَرْبَابِهَا، فَجَعَلَتِ الْحَالَ مِنَ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: تَرَاهُمْ مُهْطِعِينَ. (مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ) : الْإِضَافَةُ غَيْرُ مَحْضَةٍ ; لِأَنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ أَوْ حَالٌ. (لَا يَرْتَدُّ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي مُقْنِعِي، أَوْ بَدَلٌ مِنْ مُقْنِعِي، وَ (طَرْفُهُمْ) : مَصْدَرٌ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ ; لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَا طَرَفَتْ عَيْنُهُ، وَلَمْ يَبْقَ عَيْنٌ تَطْرُفُ، وَقَدْ جَاءَ مَجْمُوعًا. وَ (

стр. 770

وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ) : جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيْضًا، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِي الْحَالِ «يَرْتَدُّ» أَوْ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْعَوَامِلِ الصَّالِحَةِ لِلْعَمَلِ فِيهَا. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أَفْرَدَ «هَوَاءٌ» ، وَهُوَ خَبَرٌ لِجَمْعٍ؟ . قِيلَ: لَمَّا كَانَ مَعْنَى هَوَاءٍ هَاهُنَا فَارِغَةً مُتَخَرِّفَةً، أُفْرِدَ، كَمَا يَجُوزُ إِفْرَادُ فَارِغَةٍ ; لِأَنَّ تَاءَ التَّأْنِيثِ فِيهَا تَدُلُّ عَلَى تَأْنِيثِ الْجَمْعِ الَّذِي فِي «أَفْئِدَتِهِمْ» وَمِثْلُهُ: أَحْوَالٌ صَعْبَةٌ، وَأَفْعَالٌ فَاسِدَةٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. (يَوْمَ يَأْتِيهِمُ) : هُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِأَنْذِرْ ; وَالتَّقْدِيرُ: وَأَنْذِرْهُمْ عَذَابَ يَوْمٍ ; وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا ; لِأَنَّ الْإِنْذَارَ لَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. قَالَ تَعَالَى: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَبَيَّنَ لَكُمْ) : فَاعِلُهُ مُضْمَرٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ ; أَيْ تَبَيَّنَ لَكُمْ حَالُهُمْ. وَ (كَيْفَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ «فَعَلْنَا» وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلَ «تَبَيَّنَ» لِأَمْرَيْنِ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَا يَعْمَلُ فِيهِ مَا قَبْلَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ كَيْفَ لَا تَكُونُ إِلَّا خَبَرًا، أَوْ ظَرْفًا أَوْ حَالًا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ) : أَيْ عِلْمُ مَكْرِهِمْ، أَوْ جَزَاءُ مَكْرِهِمْ ; فَحُذِفَ الْمُضَافُ. (لِتَزُولَ مِنْهُ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ لَامُ كَيْ، فَعَلَى هَذَا فِي «إِنْ» وَجْهَانِ ;

стр. 771

أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى مَا ; أَيْ مَا كَانَ مَكْرُهُمْ لِإِزَالَةِ الْجِبَالِ ; وَهُوَ تَمْثِيلُ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ مَكَرُوا لِيُزِيلُوا مَا هُوَ كَالْجِبَالِ فِي الثُّبُوتِ، وَمِثْلُ هَذَا الْمَكْرِ بَاطِلٌ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ اللَّامِ الْأُولَى وَضَمِّ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ عَلَى هَذَا مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَاللَّامُ لِلتَّوْكِيدِ. وَقُرِئَ شَاذًّا بِفَتْحِ اللَّامَيْنِ، وَذَلِكَ عَلَى لُغَةِ مَنْ فَتَحَ لَامَ كَيْ ; وَ «كَانَ» هُنَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ التَّامَّةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ النَّاقِصَةَ. قَالَ تَعَالَى: (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) : الرُّسُلُ: مَفْعُولٌ أَوَّلُ، وَالْوَعْدُ: مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَإِضَافَةُ مُخْلِفٍ إِلَى الْوَعْدِ اتِّسَاعٌ ; وَالْأَصْلُ مُخْلِفٌ رُسُلَهُ وَعْدَهُ ; وَلَكِنْ سَاغَ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَفْعُولًا، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: يَا سَارِقَ اللَّيْلَةِ أَهْلَ الدَّارِ قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ) : يَوْمَ هُنَا ظَرْفٌ لِـ «انْتِقَامٍ» أَوْ مَفْعُولُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ ; أَيِ اذْكُرْ يَوْمَ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِمُخْلِفٍ وَلَا لِوَعْدِهِ ; لِأَنَّ مَا قَبْلَ إِنَّ لَا يَعْمَلُ فِيمَا بَعْدَهَا ; وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُلَخَّصَ مِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ مَا يَعْمَلُ فِي الظَّرْفِ ; أَيْ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ يَوْمَ تُبَدَّلُ. (وَالسَّمَاوَاتُ) : تَقْدِيرُهُ: غَيْرُ السَّمَاوَاتِ، فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ. (وَبَرَزُوا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا ; أَيْ وَيَبْرُزُونَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْأَرْضِ، وَ «قَدْ» مَعَهُ مُرَادَةٌ.

стр. 772

قَالَ تَعَالَى: (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْمُجْرِمِينَ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «مُقَرَّنِينَ» . وَالْجُمْهُورُ عَلَى جَعْلِ الْقَطِرَانِ كَلِمَةً وَاحِدَةً. وَيُقْرَأُ «قِطْرٍ آنٍ» كَلِمَتَيْنِ، وَالْقِطْرُ: النُّحَاسُ، وَالْآنِي: الْمُتَنَاهِي الْحَرَارَةِ. وَ (تَغْشَى) : حَالٌ أَيْضًا. قَالَ تَعَالَى: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيَجْزِيَ) : أَيْ فَعَلْنَا ذَلِكَ لِلْجَزَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِبَرَزُوا. قَالَ تَعَالَى: (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِيُنْذَرُوا بِهِ) : الْمَعْنَى: الْقُرْآنُ بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِلْإِنْذَارِ، فَتَتَعَلَّقُ اللَّامُ بِالْبَلَاغِ، أَوْ بِمَحْذُوفٍ إِذَا جَعَلْتَ لِلنَّاسِ صِفَةً. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وَلِيُنْذَرُوا بِهِ أُنْزِلَ أَوْ تَلِيَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 773

سُورَةُ الْحِجْرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ تَعَالَى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) : قَدْ ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الرَّعْدِ. قَالَ تَعَالَى: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (رُبَمَا) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، وَهُمَا لُغَتَانِ. وَفِي «رُبَّ» ثَمَانِ لُغَاتٍ: مِنْهَا الْمَذْكُورَتَانِ، وَالثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ الرَّاءَ مَفْتُوحَةٌ، وَالْأَرْبَعُ الْأُخَرُ مَعَ تَاءِ التَّأْنِيثِ «رُبَّتَ» . فَفِيهَا التَّشْدِيدُ وَالتَّخْفِيفُ، وَضَمُّ الرَّاءِ وَفَتْحُهَا. وَفِي «مَا» وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هِيَ كَافَّةٌ لِرُبَّ حَتَّى يَقَعَ الْفِعْلُ بَعْدَهَا، وَهِيَ حَرْفُ جَرٍّ. وَالثَّانِي: هِيَ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ ; أَيْ رُبَّ شَيْءٍ يَوَدُّهُ الَّذِينَ. . . . . وَ «رُبَّ» : حَرْفُ جَرٍّ لَا يَعْمَلُ فِيهِ إِلَّا مَا بَعْدَهُ، وَالْعَامِلُ هُنَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رُبَّ كَافِرٍ يَوَدُّ الْإِسْلَامَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْذَرْتُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَأَصْلُ رُبَّ أَنْ يَقَعَ لِلتَّقْلِيلِ، وَهِيَ هُنَا لِلتَّكْثِيرِ وَالتَّحْقِيقِ، وَقَدْ جَاءَتْ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي الشِّعْرِ كَثِيرًا، وَأَكْثَرُ مَا يَأْتِي بَعْدَهَا الْفِعْلُ الْمَاضِي، وَلَكِنِ الْمُسْتَقْبَلُ هُنَا لِكَوْنِهِ صِدْقًا قَطْعًا بِمَنْزِلَةِ الْمَاضِي.

стр. 774

قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ) : الْجُمْلَةُ نَعْتٌ لِقَرْيَةٍ ; كَقَوْلِكَ: مَا لَقِيتُ رَجُلًا إِلًّا عَالِمًا وَقَدْ ذَكَرْنَا حَالَ الْوَاوِ فِي مِثْلِ هَذَا فِي الْبَقَرَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [الْبَقَرَةِ: ٢١٦] . قَالَ تَعَالَى: (لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَوْ مَا تَأْتِينَا) : هِيَ بِمَعْنَى لَوْلَا، وَهَلَّا، وَأَلَا، وَكُلُّهَا لِلتَّحْضِيضِ. قَالَ تَعَالَى: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ) : فِيهَا قِرَاءَاتٌ كَثِيرَةٌ كُلُّهَا ظَاهِرَةٌ. (إِلَّا بِالْحَقِّ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِنُنَزِّلُ، وَتَكُونُ بِمَعْنَى الِاسْتِعَانَةِ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَحْنُ نَزَّلْنَا) : نَحْنُ هُنَا لَيْسَتْ فَصْلًا ; لِأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ بَيْنَ اسْمَيْنِ ; بَلْ هِيَ إِمَّا مُبْتَدَأٌ، أَوْ تَأْكِيدٌ لِاسْمِ إِنَّ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَفْعُولِ فِي «يَأْتِيهِمْ» ، وَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِرَسُولٍ عَلَى اللَّفْظِ، أَوِ الْمَوْضِعِ. قَالَ تَعَالَى: (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذَلِكَ) : أَيِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ سُلُوكًا مِثْلَ اسْتِهْزَائِهِمْ. وَالْهَاءُ فِي (نَسْلُكُهُ) تَعُودُ عَلَى الِاسْتِهْزَاءِ، وَالْهَاءُ فِي (بِهِ) لِلرَّسُولِ، أَوْ لِلْقُرْآنِ.

стр. 775

وَقِيلَ: لِلِاسْتِهْزَاءِ أَيْضًا. وَالْمَعْنَى: لَا يُؤْمِنُونَ بِسَبَبِ الِاسْتِهْزَاءِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا ; أَيْ لَا يُؤْمِنُونَ مُسْتَهْزِئِينَ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَظَلُّوا) : الضَّمِيرُ لِلْمَلَائِكَةِ، وَقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ. فَأَمَّا الضَّمِيرُ فِي «قَالُوا» فَلِلْمُشْرِكِينَ أَلْبَتَّةَ. (سُكِّرَتْ) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالضَّمِّ، وَهُوَ مَنْقُولٌ بِالتَّضْعِيفِ ; يُقَالُ: سَكَرَ بَصَرُهُ، وَسَكَّرْتُهُ. وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُتَعَدٍّ مُخَفَّفًا وَمُثَقَّلًا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِثْلُ سُعِدَ ; وَقَدْ ذُكِرَ فِي هُودٍ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْكَافِ ; أَيْ سُدَّتْ وَغُطِّيَتْ كَمَا يُغَطِي السُّكْرُ عَلَى الْعَقْلِ. وَقِيلَ: هُوَ مُطَاوِعُ أَسْكَرْتُ الشَّيْءَ فَسَكِرَ ; أَيِ انْسَدَّ. قَالَ تَعَالَى: (وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ) : فِي مَوْضِعِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: نَصْبٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ. وَالثَّانِي: جَرٌّ عَلَى الْبَدَلِ ; أَيْ إِلَّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ. وَالثَّالِثُ: رَفْعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ. وَ «فَأَتْبَعَهُ» : الْخَبَرُ، وَجَازَ دُخُولُ الْفَاءِ فِيهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ «مَنْ» بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ شَرْطٌ.
следующие страницы →