Полный текст (1 313 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
(مِمَّا تَصِفُونَ) : حَالٌ ; أَيْ وَلَكُمُ الْوَيْلُ وَاقِعًا.
وَ «مَا» : بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ عِنْدَهُ) : فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ «مَنْ» مَعْطُوفَةً عَلَى «مَنْ» الْأُولَى، وَالْأُولَى مُبْتَدَأٌ، وَ «لَهُ» الْخَبَرُ ; أَوْ هِيَ مَرْفُوعَةٌ بِالظَّرْفِ ; فَعَلَى هَذَا «لَا يَسْتَكْبِرُونَ» : حَالٌ ; إِمَّا مِنْ «مَنْ» الْأُولَى، أَوِ الثَّانِيَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ رَفَعَ بِالظَّرْفِ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الظَّرْفِ الَّذِي هُوَ الْخَبَرُ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي عِنْدَهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ «مَنْ» الثَّانِيَةُ مُبْتَدَأً، وَ «لَا يَسْتَكْبِرُونَ» الْخَبَرُ.
قَالَ تَعَالَى: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُسَبِّحُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ قَبْلَهَا.
وَ (لَا يَفْتُرُونَ) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي «يُسَبِّحُونَ» .
قَالَ تَعَالَى: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الْأَرْضِ) : هُوَ صِفَةٌ لِآلِهَةٍ ; أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِاتَّخَذُوا، عَلَى مَعْنَى ابْتِدَاءِ غَايَةِ الِاتِّخَاذِ.
قَالَ تَعَالَى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا اللَّهُ) : الرَّفْعُ عَلَى أَنْ «إِلَّا» صِفَةً بِمَعْنَى غَيْرِ ; وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ إِلَى قَوْلِكَ: لَوْ كَانَ فِيهِمَا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ; أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ: مَا جَاءَنِي قَوْمُكَ إِلَّا زَيْدٌ، عَلَى الْبَدَلِ لَكَانَ الْمَعْنَى: جَاءَنِي زَيْدٌ وَحْدَهُ.
стр. 912
وَقِيلَ: يَمْتَنِعُ الْبَدَلُ، لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا إِيجَابٌ ; وَلَا يَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ لِوَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ فَاسِدٌ فِي الْمَعْنَى ; وَذَلِكَ أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: لَوْ جَاءَنِي الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا لَقَتَلْتُهُمْ - كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَتْلَ لِكَوْنِ زَيْدٍ مَعَ الْقَوْمِ، فَلَوْ نَصَبْتَ فِي الْآيَةِ لَكَانَ الْمَعْنَى إِنَّ فَسَادَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ امْتَنَعَ لِوُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ الْآلِهَةِ، وَفِي ذَلِكَ إِثْبَاتُ إِلَهٍ مَعَ اللَّهِ.
وَإِذَا رَفَعْتَ عَلَى الْوَصْفِ لَا يَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا غَيْرُ اللَّهِ لَفَسَدَتَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ آلِهَةً هُنَا نَكِرَةٌ ; وَالْجَمْعُ إِذَا كَانَ نَكِرَةً لَمْ يُسْتَثْنَ مِنْهُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ ; لِأَنَّهُ لَا عُمُومَ لَهُ بِحَيْثُ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُسْتَثْنَى لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ.
قَالَ تَعَالَى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْإِضَافَةِ.
وَقُرِئَ بِالتَّنْوِينِ عَلَى أَنْ تَكُونَ «مَنْ» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالْمَصْدَرِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى إِقَامَةِ الْمَصْدَرِ مَقَامَ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ.
وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ. وَالتَّقْدِيرُ: هَذَا ذِكْرٌ مِنْ كِتَابٍ مَعِي، وَمِنْ كِتَابٍ قَبْلِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ فَحُذِفَ الْمَوْصُوفُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْحَقَّ) : الْجُمْهُورُ عَلَى النَّصْبِ بِالْفِعْلِ قَبْلَهُ.
وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُبْتَدَأٍ.
стр. 913
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَلْ عِبَادٌ) : أَيْ هُمْ عِبَادٌ.
(مُكْرَمُونَ) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ.
وَ (يَسْبِقُونَهُ) : صِفَةٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَذَلِكَ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ.
وَقِيلَ: فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ «نَجْزِيهِ» وَالْجُمْلَةُ جَوَابُ الشَّرْطِ.
وَ (كَذَلِكَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ «نَجْزِي» أَيْ جَزَاءً مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوَلَمْ) : يُقْرَأُ بِالْوَاوِ وَبِحَذْفِهَا، وَقَدْ ذُكِرَ نَظِيرُهُ فِي الْبَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ) .
(كَانَتَا) : الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْجِنْسَيْنِ.
وَ (رَتْقًا) : بِسُكُونِ التَّاءِ ; أَيْ ذَاتَيْ رَتْقٍ، أَوْ مَرْتُوقَتَيْنِ، كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ.
وَيُقْرَأُ بِفَتْحِهَا، وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَرْتُوقِ، كَالْقَبْضِ وَالنَّقْضِ.
(وَجَعَلْنَا) أَيْ وَخَلَقْنَا، وَالْمَفْعُولُ «كُلَّ شَيْءٍ» ، وَ «حَيٍّ» صِفَةٌ، وَ «مِنْ» لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ.
стр. 914
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِكُلٍّ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فَصَارَ حَالًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ بِمَعْنَى: صَيَّرَ ; فَيَكُونُ «مِنَ الْمَاءِ» مَفْعُولًا ثَانِيًا.
وَيُقْرَأُ «حَيًّا» عَلَى أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ «كُلَّ» ، أَوْ مَفْعُولًا ثَانِيًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَمِيدَ) : أَيْ مَخَافَةَ أَنْ تَمِيدَ، أَوْ لِئَلَّا تَمِيدَ.
وَ (فِجَاجًا) : حَالٌ مِنْ «سُبُلًا» . وَقِيلَ: سُبُلًا بَدَلٌ ; أَيْ سُبُلًا «فِجَاجًا» كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى.
قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلٌّ) : أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ مِنْهَا، وَيَعُودُ إِلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ.
وَ (يَسْبَحُونَ) : خَبَرُ «كُلٌّ» عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا إِذَا سَبَحَ فَكُلُّهَا تَسْبَحُ.
وَقِيلَ: «يَسْبَحُونَ» عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَالٌ، وَالْخَبَرُ: «فِي فَلَكٍ» .
وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: كُلُّهَا، وَالْخَبَرُ: «يَسْبَحُونَ» ، وَأَتَى بِضَمِيرِ الْجَمْعِ عَلَى مَعْنَى «كُلٌّ» ، وَذَكَّرَهُ كَضَمِيرِ مَنْ يَعْقِلُ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالسِّبَاحَةِ، وَهِيَ مِنْ صِفَاتِ مَنْ يَعْقِلُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفَإِنْ مِتَّ) : قَدْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ) [آلِ عِمْرَانَ: ١٤٤] .
قَالَ تَعَالَى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥))
стр. 915
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِتْنَةً) : مَصْدَرٌ مَفْعُولٌ لَهُ ; أَوْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيْ فَاتِنِينَ، أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ بِمَعْنَى نَبْلُوكُمْ ; أَيْ نَفْتِنُكُمْ بِهِمَا فِتْنَةً.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا هُزُوًا) : أَيْ مَهْزُوًّا بِهِ، وَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَأَعَادَ ذِكْرَهُمْ تَوْكِيدًا.
قَالَ تَعَالَى: (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ عَجَلٍ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِخُلِقَ عَلَى الْمَجَازِ، كَمَا تَقُولُ: خُلِقَ مِنْ طِينٍ.
وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ ; أَيْ عَجِلًا. وَجَوَابُ «لَوْ» مَحْذُوفٌ. وَ «حِينَ» مَفْعُولٌ بِهِ لَا ظَرْفَ، وَ «بَغْتَةً» : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الرَّحْمَنِ) : أَيْ مِنْ أَمْرِ الرَّحْمَنِ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَكْلَؤُكُمْ، وَنَظِيرُهُ: (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [الرَّعْدِ: ١١] .
قَالَ تَعَالَى: (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَسْتَطِيعُونَ) : هُوَ مُسْتَأْنَفٌ.
قَالَ تَعَالَى: (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) : قَدْ ذُكِرَ فِي الرَّعْدِ [الرَّعْدِ: ٤١] .
стр. 916
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا يَسْمَعُ) : فِيهِ قِرَاءَاتٌ وُجُوهُهَا ظَاهِرَةٌ.
وَ (إِذَا) : مَنْصُوبَةٌ بِيَسْمَعُ، أَوْ بِالدُّعَاءِ ; فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ الْمَصْدَرُ الْمُعَرَّفُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ عَامِلًا بِنَفْسِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ عَذَابِ) : صِفَةٌ لِ «نَفْحَةٌ» ، أَوْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَسَّتْهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْقِسْطَ) : إِنَّمَا أُفْرِدَ وَهُوَ صِفَةٌ لِجَمْعٍ ; لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ.
وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: التَّقْدِيرُ: ذَوَاتِ الْقِسْطِ.
(لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) : أَيْ لِأَجْلِهِ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى فِي.
وَ (شَيْئًا) : بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ.
وَ (مِثْقَالَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ ; أَيْ وَإِنْ كَانَ الظُّلْمُ أَوِ الْعَمَلُ.
وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنْ تَكُونَ «كَانَ» تَامَّةً.
وَ (مِنْ خَرْدَلٍ) : صِفَةٌ لِحَبَّةٍ، أَوْ لِـ «مِثْقَالَ» .
وَ (أَتَيْنَا) : بِالْقَصْرِ: جِئْنَا. وَيُقْرَأُ بِمَعْنَى جَازَيْنَا بِهَا ; فَهُوَ يَقْرُبُ مِنْ مَعْنَى أَعْطَيْنَا ; لِأَنَّ الْجَزَاءَ إِعْطَاءٌ ; وَلَيْسَ مَنْقُولًا مِنْ أَتَيْنَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَضِيَاءً) : قِيلَ: دَخَلَتِ الْوَاوُ عَلَى الصِّفَةِ، كَمَا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الْكَرِيمِ وَالْعَالِمِ ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حَالًا ; أَيِ الْفُرْقَانَ مُضِيئًا. وَقِيلَ: هِيَ عَاطِفَةٌ ; أَيْ آتَيْنَاهُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: الْفَرْقَانَ، وَالضِّيَاءَ، وَالذِّكْرَ.
стр. 917
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى الصِّفَةِ، أَوْ نَصْبٍ بِإِضْمَارِ أَعْنِي.
أَوْ رَفْعٍ عَلَى إِضْمَارِ «هُمْ» . وَ «بِالْغَيْبِ» حَالٌ.
قَالَ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ) : «إِذْ» ظَرْفٌ لِعَالِمِينَ، أَوْ لِرُشْدِهِ، أَوْ لِآتَيْنَا. . .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ مَوْضِعِ «مِنْ قَبْلُ» .
وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِإِضْمَارِ أَعْنِي، أَوْ بِإِضْمَارِ اذْكُرْ.
(لَهَا عَاكِفُونَ) : قِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى، كَقَوْلِهِ: (لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ) [طه: ٩١] وَقِيلَ: هِيَ عَلَى بَابِهَا ; إِذِ الْمَعْنَى: لَهَا عَابِدُونَ. وَقِيلَ: أَفَادَتْ مَعْنَى الِاخْتِصَاصِ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَى ذَلِكُمْ) : لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ «بِالشَّاهِدِينَ» لِمَا يَلْزَمُ مِنْ تَقْدِيمِ الصِّلَةِ عَلَى الْمَوْصُولِ، فَيَكُونُ عَلَى التَّبْيِينِ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي مَوَاضِعَ.
قَالَ تَعَالَى: (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (جُذَاذًا) : يُقْرَأُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ ; وَهِيَ لُغَاتٌ. وَقِيلَ: الضَّمُّ عَلَى أَنَّ وَاحِدَهُ جُذَاذَةٌ ; وَالْكَسْرُ عَلَى أَنَّ وَاحِدَهُ جِذَاذَةٌ بِالْكَسْرِ، وَالْفَتْحُ عَلَى الْمَصْدَرِ كَالْحَصَادِ ; وَالتَّقْدِيرُ: ذَوِي جُذَاذٍ.
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْجِيمِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَوَاحِدُهُ جُذَّةٌ، كَقُبَّةٍ وَقُبَبٍ.
стр. 918
وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِضَمِّ الذَّالِ الْأُولَى، وَوَاحِدُهُ جَذِيذٌ. كَقَلِيبٍ وَقَلْبٍ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ فَعَلَ هَذَا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مَنْ» اسْتِفْهَامًا ; فَيَكُونُ «إِنَّهُ» اسْتِئْنَافًا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي ; فَيَكُونُ «إِنَّهُ» وَمَا بَعْدَهُ الْخَبَرَ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَذْكُرُهُمْ) : مَفْعُولٌ ثَانٍ لِسَمِعْنَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا مَسْمُوعًا ; كَقَوْلِكَ: سَمِعْتُ زَيْدًا يَقُولُ كَذَا ; وَالْمَعْنَى: سَمِعْتُ قَوْلَ زَيْدٍ.
وَ (يُقَالُ) : صِفَةٌ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا. وَفِي ارْتِفَاعِ «إِبْرَاهِيمَ» ﵇ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هُوَ، أَوْ هَذَا. وَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ إِبْرَاهِيمُ فَاعِلُ ذَلِكَ، وَالْجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ. وَالثَّانِي: هُوَ مُنَادًى مُفْرَدٌ فَضَمَّتُهُ بِنَاءٌ. وَالثَّالِثُ: هُوَ مَفْعُولُ (يُقَالُ) لِأَنَّ الْمَعْنَى: يُذْكَرُ إِبْرَاهِيمُ فِي تَسْمِيَتِهِ فَالْمُرَادُ الِاسْمُ لَا الْمُسَمَّى.
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيْ عَلَى رُؤْيَتِهِمْ ; أَيْ ظَاهِرًا لَهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَلْ فَعَلَهُ) : الْفَاعِلُ «كَبِيرُهُمْ» .
(هَذَا) : وَصْفٌ، أَوْ بَدَلٌ. وَقِيلَ: الْوَقْفُ عَلَى «فَعَلَهُ» ، وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ فَعَلَهُ مَنْ فَعَلَهُ ; وَهَذَا بَعِيدٌ ; لِأَنَّ حَذْفَ الْفَاعِلِ لَا يَسُوغُ.
стр. 919
قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَى رُءُوسِهِمْ) : مُتَعَلِّقَةٌ بِنُكِسُوا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ.
(مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ) : الْجُمْلَةُ تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ «عَلِمْتَ» ; كَقَوْلِهِ: (وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) [فُصِّلَتْ: ٤٨] .
وَ (شَيْئًا) : فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ ; أَيْ نَفْعًا.
(أُفٍّ لَكُمْ) : قَدْ ذُكِرَ فِي سُبْحَانَ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَرْدًا) : أَيْ ذَاتَ بَرْدٍ.
وَ (عَلَى) : يَتَعَلَّقُ بِسَلَامًا، أَوْ هِيَ صِفَةٌ لَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَافِلَةً) : حَالٌ مِنْ يَعْقُوبَ.
وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ، كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى «وَهَبْنَا» .
وَ (كُلًّا) : الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ لِـ «جَعَلْنَا» .
(وَإِقَامَ الصَّلَاةِ) : الْأَصْلُ فِيهِ: إِقَامَةَ، وَهِيَ عِوَضٌ مِنْ حَذْفِ إِحْدَى الْأَلِفَيْنِ، وَجَعَلَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ بَدَلًا مِنَ الْهَاءِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلُوطًا) : أَيْ وَآتَيْنَا لُوطًا.
وَ (آتَيْنَاهُ) : مُفَسِّرٌ لِلْمَحْذُوفِ، وَمِثْلُهُ: وَنُوحًا وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈.
стр. 920
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَاذْكُرْ لُوطًا ; وَالتَّقْدِيرُ: وَاذْكُرْ خَبَرَ لُوطٍ ; وَالْخَبَرُ الْمَحْذُوفُ هُوَ الْعَامِلُ فِي «إِذْ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَنَصَرْنَاهُ) : أَيْ مَنَعْنَاهُ مِنْ أَذَاهُمْ.
وَقِيلَ: «مِنْ» بِمَعْنَى عَلَى.
وَ (إِذْ نَفَشَتْ) : ظَرْفٌ لِيَحْكُمَانِ.
وَ (لِحُكْمِهِمْ) يَعْنِي الَّذِينَ اخْتَصَمُوا فِي الْحَرْثِ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لَهُمْ، وَلِدَاوُدَ، وَسُلَيْمَانَ. وَقِيلَ: هُوَ لِدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ خَاصَّةً، وَجُمِعَ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ جَمْعٌ.
قَالَ تَعَالَى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ) : الْعَامِلُ فِي «مَعَ» : «يُسَبِّحْنَ» وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) [سَبَأٌ: ١٠] .
وَيُسَبِّحْنَ: حَالٌ مِنَ الْجِبَالِ.
(وَالطَّيْرَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الْجِبَالِ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى مَعَ.
وَيُقْرَأُ شَاذًّا بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي «يُسَبِّحْنَ» .
وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَالطَّيْرُ كَذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِلَبُوسٍ، وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِعَلَّمْنَا، أَوْ بِصَنْعَةِ.
стр. 921
(لِتُحْصِنَكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ لَكُمْ، بِإِعَادَةِ الْجَارِّ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِعَلَّمْنَا ; أَيْ لِأَجْلِ تَحْصِينِكُمْ.
وَيُحْصِنَكُمْ - بِالْيَاءِ عَلَى أَنَّ الْفَاعِلَ اللَّهُ ، أَوْ دَاوُدُ ﵇، أَوِ الصُّنْعُ، أَوِ التَّعْلِيمُ، أَوِ اللَّبُوسُ ; وَبِالتَّاءِ ; أَيِ الصَّنْعَةُ، أَوِ الدُّرُوعُ. وَبِالنُّونِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى التَّعْظِيمِ.
وَيُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ.
وَ (الرِّيحَ) : نُصِبَ عَلَى تَقْدِيرِ: وَسَخَّرْنَا لِسُلَيْمَانَ ; وَدَلَّ عَلَيْهِ وَ «سَخَّرْنَا» الْأُولَى.
وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.
وَ (عَاصِفَةً) : حَالٌ، وَ «تَجْرِي» : حَالٌ أُخْرَى ; إِمَّا بَدَلًا مِنْ عَاصِفَةً، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهَا.
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ) : «مَنْ» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى الرِّيَاحِ أَوْ رُفِعَ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَهِيَ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى مَعْنَاهَا.
وَ (دُونَ ذَلِكَ) : صِفَةٌ لِعَمَلًا.
قَالَ تَعَالَى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَحْمَةً) وَ (ذِكْرَى) : مَفْعُولٌ لَهُ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ ; أَيْ وَرَحِمْنَاهُ.
وَ (مُغَاضِبًا) : حَالٌ.
قَالَ تَعَالَى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)) .
стр. 922
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نُنْجِي) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ النُّونَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ. وَيُقْرَأُ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، وَسَكَّنَ الْيَاءَ إِيثَارًا لِلتَّخْفِيفِ، وَالْقَائِمُ مَقَامَ الْفَاعِلِ الْمَصْدَرُ ; أَيْ نَجَّى النَّجَاءُ. وَهُوَ ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَسْكِينُ آخَرِ الْمَاضِي. وَالثَّانِي: إِقَامَةُ الْمَصْدَرِ مَقَامَ الْفَاعِلِ مَعَ وُجُودِ الْمَفْعُولِ الصَّحِيحِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ قُلِبَتْ مِنْهُ النُّونُ الثَّانِيَةُ جِيمًا وَأُدْغِمَتْ ; وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ أَصْلَهُ نُنَجِّي - بِفَتْحِ النُّونِ الثَّانِيَةِ، وَلَكِنَّهَا حُذِفَتْ كَمَا حُذِفَتِ التَّاءُ الثَّانِيَةُ فِي (تَظَاهَرُونَ) [الْأَحْزَابِ: ٤] وَهَذَا ضَعِيفٌ أَيْضًا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النُّونَ الثَّانِيَةَ أَصْلٌ وَهِيَ فَاءُ الْكَلِمَةِ، فَحَذْفُهَا يَبْعُدُ جِدًّا. وَالثَّانِي: أَنَّ حَرَكَتَهَا غَيْرُ حَرَكَةِ النُّونِ الْأُولَى، فَلَا يُسْتَثْقَلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ «تُظَاهِرُونَ» ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ: تُتَحَامَى الْمَظَالِمُ، لَمْ يَسُغْ حَذْفُ التَّاءِ الثَّانِيَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَغَبًا وَرَهَبًا) : مَفْعُولٌ لَهُ، أَوْ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَوْ مَصْدَرٌ عَلَى الْمَعْنَى.
قَالَ تَعَالَى: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ) : أَيْ وَاذْكُرِ الَّتِي.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ ; أَيْ: وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكَ خَبَرُ الَّتِي.
стр. 923
وَ (فِيهَا) : يَعُودُ عَلَى مَرْيَمَ.
وَ (آيَةً) : مَفْعُولٌ ثَانٍ. وَفِي الْإِفْرَادِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَرْيَمَ وَابْنَهَا ﵉ جَمِيعًا آيَةٌ وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّ الْعَجَبَ مِنْهُمَا كَمُلَ. وَالثَّانِي: أَنَّ تَقْدِيرَهُ: وَجَعَلْنَاهَا آيَةً وَابْنُهَا كَذَلِكَ، فَآيَةً مَفْعُولُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: الْمَحْذُوفُ هُوَ الْأَوَّلُ وَآيَةً الْمَذْكُورُ لِلِابْنِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُمَّتُكُمْ) بِالرَّفْعِ: عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ إِنَّ ; وَبِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ.
وَ (أُمَّةً) بِالنَّصْبِ: حَالٌ، وَبِالرَّفْعِ بَدَلٌ مِنْ «أُمَّتُكُمْ» ; أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ) : أَيْ فِي أَمْرِهِمْ ; أَيْ تَفَرَّقُوا. وَقِيلَ: عُدِّيَ تَقَطَّعُوا بِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ بِمَعْنَى قَطَّعُوا ; أَيْ فَرَّقُوا. وَقِيلَ: هُوَ تَمْيِيزٌ ; أَيْ تَقَطَّعَ أَمْرُهُمْ.
وَ (لَهُ) : أَيْ لِلسَّعْيِ. وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى مَنْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَحَرَامٌ) : يُقْرَأُ بِالْأَلِفِ وَبِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَبِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ. وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ ; وَفِي الْخَبَرِ وَجْهَانِ:
стр. 924
أَحَدُهُمَا: هُوَ «أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ» وَ «لَا» زَائِدَةٌ ; أَيْ مُمْتَنَعٌ رُجُوعُهُمْ إِلَى الدُّنْيَا. وَقِيلَ: لَيْسَتْ زَائِدَةً ; أَيْ مُمْتَنَعٌ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِمْ.
وَالْجَيِّدُ أَنْ يَكُونَ «أَنَّهُمْ» فَاعِلًا سَدَّ مَسَدَّ الْخَبَرِ.
وَالثَّانِي: الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: تَوْبَتُهُمْ، أَوْ رَجَاءُ بَعْثِهِمْ، إِذَا جَعَلْتَ «لَا» زَائِدَةً.
وَقِيلَ: «حَرَامٌ» خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ حَرَامٌ ; وَحَرَامٌ وَحِرْمٌ لُغَتَانِ مِثْلَ حَلَالٍ وَحِلٍّ، وَمَنْ فَتَحَ الْحَاءَ وَكَسَرَ الرَّاءَ كَانَ اسْمَ فَاعِلٍ مِنْ حَرِمَ ; أَيِ امْتَنَعَ مِثْلَ فَلِقَ، وَمِنْهُ:
يَقُولُ لَا غَائِبٌ مَالِي وَلَا حَرِمٌ
أَيْ مُمْتَنَعٌ.
وَيُقْرَأُ «حَرُمَ» عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا. وَ (أَنَّهُمْ) بِالْفَتْحِ عَلَى أَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَبِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.
وَ (حَتَّى) : مُتَعَلِّقَةٌ فِي الْمَعْنَى بِحَرَامٍ ; أَيْ يَسْتَمِرُّ الِامْتِنَاعُ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ، وَلَا عَمَلَ لَهَا فِي «إِذَا» .
وَيُقْرَأُ «مِنْ كُلِّ جَدَثٍ» بِالْجِيمِ وَالثَّاءِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْحَدَبِ.
وَ (يَنْسِلُونَ) بِكَسْرِ السِّينِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ، وَجَوَابُ إِذَا: «فَإِذَا هِيَ» . وَقِيلَ: جَوَابُهَا: قَالُوا يَا وَيْلَنَا وَقِيلَ: وَاقْتَرَبَ، وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)) .
стр. 925
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِذَا هِيَ) : «إِذَا» لِلْمُفَاجَأَةِ، وَهِيَ مَكَانٌ، وَالْعَامِلُ فِيهَا «شَاخِصَةٌ» وَهِيَ ضَمِيرُ الْقِصَّةِ.
وَ (أَبْصَارُ الَّذِينَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «شَاخِصَةٌ» : خَبَرُهُ.
(يَاوَيْلَنَا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَالُوا الْمُقَدَّرِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ ; فَيَكُونُ حَالًا.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَصَبُ جَهَنَّمَ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الصَّادِ، وَهُوَ مَا تُوقَدُ بِهِ، وَبِسُكُونِهَا، وَهُوَ مَصْدَرُ حَصَبْتَهَا: أَوْقَدْتَهَا ; فَيَكُونُ بِمَعْنَى الْمَحْصُوبِ.
وَيُقْرَأُ بِالضَّادِ مُحَرَّكَةً وَسَاكِنَةً، وَبِالطَّاءِ ; وَهُمَا بِمَعْنًى.
(أَنْتُمْ لَهَا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ «حَصَبُ جَهَنَّمَ» وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «جَهَنَّمَ» .
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَّا) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ «سَبَقَتْ» ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ «الْحُسْنَى» .
وَ (لَا يَسْمَعُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ «مُبْعَدُونَ» وَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «مُبْعَدُونَ» .
(هَذَا يَوْمُكُمُ) : أَيْ يَقُولُونَ.
قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ نَطْوِي) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ مِنْ قَوْلِهِ: «تُوعَدُونَ» أَوْ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي ; أَوْ ظَرْفًا لِـ «لَا يَحْزُنُهُمُ» ، أَوْ بِإِضْمَارِ اذْكُرْ.
وَنَطْوِي - بِالنُّونِ - عَلَى التَّعْظِيمِ، وَبِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ، وَبِالتَّاءِ وَتَرْكِ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ.
стр. 926
وَ (السَّمَاءَ) بِالرَّفْعِ. وَالتَّقْدِيرُ: طَيًّا كَطَيِّ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ إِنْ قُلْنَا: السِّجِلُّ: الْقِرْطَاسُ.
وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ مَلَكٍ أَوْ كَاتِبٍ، فَيَكُونُ مُضَافًا إِلَى الْفَاعِلِ.
وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ السِّينِ وَالْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ.
وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ.
وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ، وَبِضَمِّ السِّينِ وَالْجِيمِ مُخَفَّفًا وَمُشَدَّدًا ; وَهِيَ لُغَاتٌ فِيهِ.
وَاللَّامُ فِي «لِلْكِتَابِ» زَائِدَةٌ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى عَلَى. وَقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بَطَيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمَا بَدَأْنَا) : الْكَافُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ نُعِيدُهُ عَوْدًا مِثْلَ بَدْئِهِ. وَفِي نَصْبِ «أَوَّلَ» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَنْصُوبٌ بِبَدَأْنَا ; أَيْ خَلَقْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ. وَالثَّانِي: هُوَ حَالٌ مِنَ الْهَاءِ فِي نُعِيدُهُ. وَالْمَعْنَى: مِثْلَ أَوَّلِ خَلْقِهِ.
(وَعْدًا) : مَصْدَرٌ ; أَيْ وَعَدْنَا ذَلِكَ وَعْدًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِكَتَبْنَا، وَأَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلزَّبُورِ ; لِأَنَّ الزَّبُورَ بِمَعْنَى الْمَزْبُورِ ; أَيِ الْمَكْتُوبِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا رَحْمَةً) : هُوَ مَفْعُولٌ لَهُ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا ; أَيْ ذَا رَحْمَةٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا) [التَّوْبَةِ: ٦١] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى رَاحِمٍ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا) : «أَنَّ» مَصْدَرِيَّةٌ، وَ «مَا» الْكَافَّةُ لَا تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَالتَّقْدِيرُ: يُوحَى إِلَيَّ وَحْدَانِيَّةُ إِلَهِي.
стр. 927
(فَهَلْ أَنْتُمْ) : هَلْ هَاهُنَا، عَلَى لَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ، وَالْمَعْنَى: عَلَى التَّحْرِيضِ ; أَيْ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ بَعْدَ هَذَا، فَهُوَ لِلْمُسْتَقْبَلِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَى سَوَاءٍ) : حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ وَالْفَاعِلِ ; أَيْ مُسْتَوِينَ فِي الْعِلْمِ بِمَا أَعْلَمْتُكُمْ بِهِ.
(وَإِنْ أَدْرِي) : بِإِسْكَانِ الْيَاءِ، وَهُوَ عَلَى الْأَصْلِ، وَقَدْ حُكِيَ فِي الشَّاذِّ فَتْحُهَا ; قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: هُوَ غَلَطٌ ; لِأَنَّ «إِنْ» بِمَعْنَى مَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: أُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى الْيَاءِ، فَتَحَرَّكَتْ وَبَقِيَتِ الْهَمْزَةُ سَاكِنَةً، فَأُبْدِلَتْ أَلِفًا لِانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، ثُمَّ أُبْدِلَتْ هَمْزَةً مُتَحَرِّكَةً ; لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمُبْتَدَأِ بِهَا، وَالِابْتِدَاءُ بِالسَّاكِنِ مُحَالٌ.
وَ (أَقَرِيبٌ) : مُبْتَدَأٌ، وَ (مَا تُوعَدُونَ) : فَاعِلٌ لَهُ ; لِأَنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ عَلَى الْهَمْزَةِ ; وَيُخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ الْبَصْرِيِّينَ أَنْ يَرْتَفِعَ بِبَعِيدٍ ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ.
وَ (مِنَ الْقَوْلِ) : حَالٌ مِنَ الْجَهْرِ ; أَيِ الْمَجْهُورِ مِنَ الْقَوْلِ.
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَالَ رَبِّ) : يُقْرَأُ عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ، وَعَلَى لَفْظِ الْمَاضِي. وَ «احْكُمْ» عَلَى الْأَمْرِ.
وَيُقْرَأُ: رَبِّي احْكُمْ، عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ.
وَ (تَصِفُونَ) : بِالتَّاءِ وَالْيَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 928
سُورَةُ الْحَجِّ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ) : الزَّلْزَلَةُ مَصْدَرٌ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْفِعْلِ اللَّازِمِ، أَيْ تَزَلْزَلَ السَّاعَةَ شَيْءٌ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا ; أَيْ إِنَّ زِلْزَالَ السَّاعَةِ النَّاسَ ; فَيَكُونُ الْمَصْدَرُ مُضَافًا إِلَى الْفَاعِلِ فِي الْوَجْهَيْنِ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَصْدَرُ مُضَافًا إِلَى الظَّرْفِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا) : هُوَ مَنْصُوبٌ بِـ «تَذْهَلُ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ السَّاعَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ بَنَاهُ، أَوْ ظَرْفًا لِعَظِيمٌ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ اذْكُرْ ; فَعَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ يَكُونُ «تَذْهَلُ» حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ تَذْهَلُ فِيهَا. . . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلزَّلْزَلَةِ ; لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ قَدْ أُخْبِرَ عَنْهُ.
وَ (الْمُرْضِعَةُ) : جَاءَ عَلَى الْفِعْلِ، وَلَوْ جَاءَ عَلَى النَّسَبِ لَقَالَ: مُرْضِعٌ.
وَ (مَا) : بِمَعْنَى مَنْ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً.
وَ (تَرَى النَّاسَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْخِطَابِ وَتَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ.
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ التَّاءِ ; أَيْ وَتَرَى أَنْتَ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ، أَوْ يَا مُحَمَّدُ ﷺ .
وَيُقْرَأُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِرَفْعِ «النَّاسُ» وَالتَّأْنِيثِ عَلَى مَعْنَى الْجَمَاعَةِ.
وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ ; أَيْ وَيَرَى النَّاسُ ; أَيْ يُبْصِرُونَ.
стр. 929
وَ (سُكَارَى) : حَالٌ عَلَى الْأَوْجُهِ كُلِّهَا ; وَالضَّمُّ وَالْفَتْحُ فِيهِ لُغَتَانِ قَدْ قُرِئَ بِهِمَا، وَسَكْرَى مِثْلَ مَرْضَى، الْوَاحِدُ سَكْرَانُ، أَوْ سَكِرٌ، مِثْلَ زَمِنٍ وَزَمْنَى.
وَيُقْرَأُ (سُكْرَى) مِثْلَ حُبْلَى ; قِيلَ: هُوَ مَحْذُوفٌ مِنْ سُكَارَى ; وَقِيلَ: هُوَ وَاحِدٌ مِثْلَ حُبْلَى ; كَأَنَّهُ قَالَ تَرَى الْأُمَّةُ سُكْرَى.
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ يُجَادِلُ) : هِيَ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ.
وَ (بِغَيْرِ عِلْمٍ) : فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ، أَوْ حَالٌ.
قَالَ تَعَالَى: (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنَّهُ) : هِيَ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِكُتِبَ.
وَيُقْرَأُ كَتَبَ - بِالْفَتْحِ ; أَيْ كَتَبَ اللَّهُ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ.
وَ (مَنْ تَوَلَّاهُ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ. وَ «مَنْ» شَرْطٌ، وَجَوَابُهُ «فَإِنَّهُ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَ «فَأَنَّهُ» الْخَبَرُ، وَدَخَلَتْ فِيهِ الْفَاءُ لِمَا فِي الَّذِي مِنْ مَعْنَى الْمُجَازَاةِ، وَفُتِحَتْ «أَنَّ» الثَّانِيَةُ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: فَشَأْنُهُ أَنَّهُ، وَفِيهَا كَلَامٌ آخَرُ قَدْ ذَكَرْنَا مِثْلَهُ فِي (أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ) [التَّوْبَةِ: ٦٣] .
وَقُرِئَ بِالْكَسْرِ فِيهَا حَمْلًا عَلَى مَعْنَى: قِيلَ لَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)) .
стр. 930
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الْبَعْثِ) : فِي مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ لِرَيْبٍ ; أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِرَيْبٍ.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ: الْبَعَثِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَهِيَ لُغَةٌ.
(وَنُقِرُّ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الضَّمِّ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ ; إِذْ لَيْسَ الْمَعْنَى: خَلَقْنَاكُمْ لِنُقِرَّ.
وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا فِي اللَّفْظِ. وَالْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ ; لِأَنَّ اللَّامَ فِي «لِنُبَيِّنَ» لِلتَّعْلِيلِ، وَاللَّامُ الْمُقَدَّرَةُ مَعَ نُقِرُّ لِلصَّيْرُورَةِ.
وَقُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّ الْقَافِ وَالرَّاءِ ; أَيْ نُسْكِنُ.
وَ (طِفْلًا) : حَالٌ، وَهُوَ وَاحِدٌ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: نُخْرِجُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ طِفْلًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ) [النُّورِ: ٤] . أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ فِي الْأَصْلِ ; فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ. (مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) : قَدْ ذُكِرَ فِي النَّحْلِ [النَّحْلِ: ٧٠] .
(وَرَبَتْ) : بِغَيْرِ هَمْزٍ، مِنْ رَبَا يَرْبُو، إِذَا زَادَ.
وَقُرِئَ بِالْهَمْزِ ; وَهُوَ مِنْ رَبَأَ لِلْقَوْمِ وَهُوَ الرَّبِيئَةُ، إِذَا ارْتَفَعَ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ لِيَنْظُرَ لَهُمْ ; فَالْمَعْنَى: ارْتَفَعَتْ.
(وَأَنْبَتَتْ) : أَيْ أَشْيَاءَ، أَوْ أَلْوَانًا، أَوْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ زَوْجًا، فَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ. وَعِنْدَ الْأَخْفَشِ: «مِنْ» زَائِدَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «بِأَنَّ اللَّهَ» الْخَبَرُ.
стр. 931
وَقِيلَ: الْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ ; أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ; أَيْ فَعَلْنَا ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) : حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي «يُجَادِلُ» .
وَ (ثَانِيَ عِطْفِهِ) : حَالٌ أَيْضًا ; وَالْإِضَافَةُ غَيْرُ مَحْضَةٍ ; أَيْ مُعْرِضًا.
(لِيُضِلَّ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِثَانِيَ، وَبِيُجَادِلُ.
(لَهُ فِي الدُّنْيَا: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مُقَدَّرَةً، وَأَنْ تَكُونَ مُقَارَنَةً ; أَيْ مُسْتَحِقًّا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَى حَرْفٍ) : هُوَ حَالٌ ; أَيْ مُضْطَرِبًا مُتَزَلْزِلًا.
(خَسِرَ الدُّنْيَا) : هُوَ حَالٌ ; أَيِ انْقَلَبَ قَدْ خَسِرَ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.
وَيُقْرَأُ: خَاسِرَ الدُّنْيَا، وَ «خَسِرَ الدُّنْيَا» عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ، وَهُوَ حَالٌ أَيْضًا، وَ «الْآخِرَةِ» عَلَى هَذَا بِالْجَرِّ.
قَالَ تَعَالَى: (يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ) : هَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ آرَاءُ النُّحَاةِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّامَ تُعَلِّقُ الْفِعْلَ الَّذِي قَبْلَهَا عَنِ الْعَمَلِ إِذَا كَانَ مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ، وَيَدْعُو لَيْسَ مِنْهَا. وَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى طَرِيقَيْنِ ; أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ «يَدْعُو» غَيْرَ عَامِلٍ فِيمَا بَعْدَهُ لَا لَفْظًا وَلَا تَقْدِيرًا، وَفِيهِ عَلَى هَذَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ;
стр. 932
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا لِـ «يَدْعُو» الْأُولَى، فَلَا يَكُونُ لَهُ مَعْمُولٌ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ «ذَلِكَ» بِمَعْنَى الَّذِي فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَدْعُو ; أَيْ يَدْعُو الَّذِي هُوَ الضَّلَالُ، وَلَكِنَّهُ قَدَّمَ الْمَفْعُولَ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ ذَا مَعَ غَيْرِ الِاسْتِفْهَامِ بِمَعْنَى الَّذِي.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ يَدْعُو ; فَذَلِكَ: مُبْتَدَأٌ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، أَوْ بَدَلٌ، أَوْ عِمَادٌ، وَالضَّلَالُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، وَيَدْعُو: حَالٌ ; وَالتَّقْدِيرُ: مَدْعُوًّا. وَفِيهِ ضَعْفٌ.
وَعَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ الْكَلَامُ بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ، وَ «مَنْ» : مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ: «لَبِئْسَ الْمَوْلَى» .
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي أَنَّ «يَدْعُو» مُتَّصِلٌ بِمَا بَعْدَهُ، وَفِيهِ عَلَى هَذَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: أَنَّ «يَدْعُو» يُشْبِهُ أَفْعَالَ الْقُلُوبِ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ: يُسَمِّي مَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ إِلَهًا، وَلَا يَصْدُرُ ذَلِكَ إِلَّا عَنِ اعْتِقَادٍ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يَظُنُّ، وَالْأَحْسَنُ أَنَّ تَقْدِيرَهُ: يَزْعُمُ ; لِأَنَّ يَزْعُمُ قَوْلٌ مَعَ اعْتِقَادٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ «يَدْعُو» بِمَعْنَى: يَقُولُ، وَ «مَنْ» مُبْتَدَأٌ ; وَ «ضَرُّهُ» ; مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَ «أَقْرَبُ» خَبَرُهُ ; وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ «مَنْ» وَخَبَرُ مَنْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إِلَهٌ أَوْ إِلَهِي، وَمَوْضِعُ الْجُمْلَةِ نَصْبٌ بِالْقَوْلِ، وَ «لَبِئْسَ» مُسْتَأْنَفٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ دُخُولُهُ فِي الْحِكَايَةِ ; لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَقُولُونَ عَنْ أَصْنَامِهِمْ: لَبِئْسَ الْمَوْلَى.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ قَوْلُ الْفَرَّاءِ وَهُوَ أَنَّ التَّقْدِيرَ: يَدْعُو مَنْ لَضَرُّهُ ; ثُمَّ قَدَّمَ اللَّامَ عَلَى مَوْضِعِهَا، وَهَذَا بِعِيدٌ ; لِأَنَّ «مَا» فِي صِلَةِ الَّذِي لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا.
قَالَ تَعَالَى: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ كَانَ) : هُوَ شَرْطٌ، وَالْجَوَابُ فَلْيَمْدُدْ.
стр. 933
وَ (هَلْ يُذْهِبَنَّ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ «يَنْظُرْ» .
وَالْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ اللَّامِ فِي «لِيَقْطَعْ» . وَقُرِئَ بِإِسْكَانِهَا عَلَى تَشْبِيهِ «ثُمَّ» بِالْوَاوِ وَالْفَاءِ لِكَوْنِ الْجَمِيعِ عَوَاطِفَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي) : أَيْ وَأَنْزَلْنَا أَنَّ اللَّهَ يَهْدِي ; وَالتَّقْدِيرُ: ذَكِّرْ أَنَّ اللَّهَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَلِأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي بِالْآيَاتِ مَنْ يَشَاءُ أَنْزَلْنَاهَا.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) خَبَرُ «إِنَّ» : إِنَّ الثَّانِيَةُ وَاسْمُهَا وَخَبَرُهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: «إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ» وَقِيلَ: «إِنَّ» الثَّانِيَةَ تَكْرِيرٌ لِلْأُولَى. وَقِيلَ: الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مُفْتَرِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَالْمَذْكُورُ تَفْسِيرٌ لَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالدَّوَابُّ) : يُقْرَأُ بِتَخْفِيفِ الْبَاءِ ; وَهُوَ بَعِيدٌ ; لِأَنَّهُ مِنَ الدَّبِيبِ، وَوَجْهُهَا أَنَّهُ حَذَفَ الْبَاءَ الْأُولَى كَرَاهِيَةَ التَّضْعِيفِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ.
وَ (
стр. 934
كَثِيرٌ) : مُبْتَدَأٌ.
وَ (مِنَ النَّاسِ) : صِفَةٌ لَهُ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; تَقْدِيرُهُ: مُطِيعُونَ، أَوْ مُثَابُونَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) وَالتَّقْدِيرُ: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَلَا يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: «مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ» لِأَنَّ النَّاسَ دَاخِلُونَ فِيهِ.
وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَكُرِّرَ لِلتَّفْصِيلِ.
(مِنْ مُكْرِمٍ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْإِكْرَامِ.
قَالَ تَعَالَى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَصْمَانِ) : هُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ، وَقَدْ وُصِفَ بِهِ، وَأَكْثَرُ الِاسْتِعْمَالِ تَوْحِيدُهُ: فَمَنْ ثَنَّاهُ وَجَمَعَهُ حَمَلَهُ عَلَى الصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءِ.
وَ (اخْتَصَمُوا) : إِنَّمَا جُمِعَ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ كُلَّ خَصْمٍ فَرِيقٌ فِيهِ أَشْخَاصٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُصَبُّ) : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا، وَأَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «لَهُمْ» .
(يُصْهَرُ) بِالتَّخْفِيفِ. وَقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ «الْحَمِيمُ» .
قَالَ تَعَالَى: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلَّمَا) : الْعَامِلُ فِيهَا «أُعِيدُوا» .
وَ «مِنْ غَمٍّ» : بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْخَافِضِ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ. وَقِيلَ: الْأُولَى لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَالثَّانِيَةُ بِمَعْنَى: مِنْ أَجْلِ.
وَ (ذُوقُوا) أَيْ: وَقِيلَ لَهُمْ، فَحُذِفَ الْقَوْلُ.
стр. 935
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُحَلَّوْنَ) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّحْلِيَةِ بِالْحُلِيِّ.
وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ مِنْ قَوْلِكَ: أُحْلِيَ: أُلْبِسَ الْحُلِيَّ، وَهُوَ مِنْ حَلِيَتِ الْمَرْأَةُ تَحْلَى ; إِذَا لَبِسَتِ الْحُلِيَّ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَلِيَ بِعَيْنَيَّ كَذَا ; إِذَا حَسُنَ. وَتَكُونُ «مِنْ» زَائِدَةٌ، أَوْ يَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا.
وَ (مِنْ أَسَاوِرَ) : نَعْتٌ لَهُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ حَلَيْتُ بِكَذَا، إِذَا ظَفِرْتُ بِهِ.
وَ (مِنْ ذَهَبٍ) : نَعْتٌ لِأَسَاوِرَ.
(وَلُؤْلُؤًا) : مَعْطُوفٌ عَلَى أَسَاوِرَ، لَا عَلَى ذَهَبٍ ; لِأَنَّ السُّوَارَ لَا يَكُونُ مِنْ لُؤْلُؤٍ فِي الْعَادَةِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ حُلِيًّا.
وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ مِنْ أَسَاوِرَ.
وَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وَيُعْطَوْنَ لُؤْلُؤًا.
وَالْهَمْزُ أَوْ تَرْكُهُ لُغَتَانِ قَدْ قُرِئَ بِهِمَا.
قَالَ تَعَالَى: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الْقَوْلِ) : هُوَ حَالٌ مِنَ الطَّيِّبِ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَصُدُّونَ) : حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي «كَفَرُوا» وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَعْنَى ; إِذِ التَّقْدِيرُ: يَكْفُرُونَ وَيَصُدُّونَ، أَوْ كَفَرُوا وَصَدُّوا ;
стр. 936
وَالْخَبَرُ عَلَى هَذَيْنِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مُعَذَّبُونَ، دَلَّ عَلَيْهِ آخِرُ الْآيَةِ. وَقِيلَ: الْوَاوُ زَائِدَةٌ، وَهُوَ الْخَبَرُ.
وَ (جَعَلْنَاهُ) : يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ ; فَالضَّمِيرُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَفِي الثَّانِي ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: «لِلنَّاسِ» وَقَوْلُهُ تَعَالَى: «سَوَاءً» خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَمَا بَعْدَهُ الْمُبْتَدَأُ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ إِمَّا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي هُوَ الْهَاءُ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ «لِلنَّاسِ» حَالًا، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي «سَوَاءً» عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ نَصَبَ، وَ «الْعَاكِفُ» : فَاعِلُ «سَوَاءً» .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «جَعَلَ» مُتَعَدِّيًا إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ ; وَ «لِلنَّاسِ» حَالٌ، أَوْ مَفْعُولٌ تَعَدَّى إِلَيْهِ بِحَرْفِ الْجَرِّ.
وَقُرِئَ «الْعَاكِفِ» بِالْجَرِّ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ النَّاسِ، وَ «سَوَاءً» عَلَى هَذَا نَصْبٌ لَا غَيْرَ.
وَ (مَنْ يُرِدْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِرَادَةِ.
وَيُقْرَأُ شَاذًّا بِفَتْحِهَا مِنَ الْوُرُودِ ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «بِإِلْحَادٍ» حَالًا ; أَيْ مُتَلَبِّسًا بِإِلْحَادٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ تَكُونُ الْبَاءُ زَائِدَةً. وَقِيلَ: الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ تَعَديا بإلحاد
و ﴿بظُلْم﴾ بدل بِإِعَادَة الْجَار وَقيل هُوَ حَال أَيْضا أَيْ إِلْحَادًا ظَالِمًا. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إِلْحَادًا بِسَبَبِ الظُّلْمِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا) : أَيِ اذْكُرْ، وَ «مَكَانَ الْبَيْتِ» : ظَرْفٌ ; وَاللَّامُ فِي لِإِبْرَاهِيمَ زَائِدَةٌ ; أَيْ أَنْزَلْنَاهُ مَكَانَ الْبَيْتِ ; وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) [يُونُسَ: ٩٣] وَقِيلَ: اللَّامُ غَيْرُ زَائِدَةٍ، وَالْمَعْنَى: هَيَّأْنَا.
стр. 937
(أَلَّا تُشْرِكْ) : تَقْدِيرُهُ: قَائِلِينَ لَهُ: لَا تُشْرِكْ ; فَأَنْ: مُفَسِّرَةٌ لِلْقَوْلِ. وَقِيلَ: هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ ; أَيْ فَعَلْنَا ذَلِكَ لِئَلَّا تُشْرِكَ، وَجَعَلَ النَّهْيَ صِلَةً ; وَقَوَّى ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ.
وَ (الْقَائِمِينَ) أَيِ الْمُقِيمِينَ. وَقِيلَ: أَرَادَ الْمُصَلِّينَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَذِّنْ) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ وَالْمَدِّ ; أَيْ أَعْلَمِ النَّاسَ بِالْحَجِّ.
(رِجَالًا) : حَالٌ، وَهُوَ جَمْعُ رَاجِلٍ.
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الرَّاءِ مَعَ التَّخْفِيفِ، وَهُوَ قَلِيلٌ فِي الْجَمْعِ.
وَيُقْرَأُ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ، مِثْلَ صَائِمٍ وَصُوَّامٍ. وَيُقْرَأُ رُجَالَى: مِثْلَ عُجَالَى.
(وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْضًا ; أَيْ وَرُكْبَانًا. وَ «ضَامِرٍ» بِغَيْرِ هَاءٍ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ.
وَ (يَأْتِينَ) : مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، وَالْمَعْنَى: وَرُكْبَانًا عَلَى ضَوَامِرَ يَأْتِينَ ; فَهُوَ صِفَةٌ لِضَامِرٍ.
وَقُرِئَ شَاذًّا «يَأْتُونَ» أَيْ يَأْتُونَ عَلَى كُلِّ ضَامِرٍ. وَقِيلَ: «يَأْتُونَ» مُسْتَأْنَفٌ.
وَ (مِنْ كُلِّ فَجٍّ) : يَتَعَلَّقُ بِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيَشْهَدُوا) : يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ اللَّامُ بِأَذِّنْ، وَأَنْ تَتَعَلَّقَ بِيَأْتُوكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) : أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ.
(فَهُوَ خَيْرٌ) : هُوَ ضَمِيرُ التَّعْظِيمِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ يُعَظِّمُ.
стр. 938
(إِلَّا مَا يُتْلَى) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا ; لِأَنَّ بَهِيمَةَ الْأَنْعَامِ لَيْسَ فِيهَا مُحَرَّمٌ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا وَيُصْرَفَ إِلَى مَا حُرِّمَ مِنْهَا بِسَبَبٍ عَارِضٍ ; كَالْمَوْتِ وَنَحْوِهِ.
(مِنَ الْأَوْثَانِ) : «مِنْ» لِبَيَانِ الْجِنْسِ ; أَيِ اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَهُوَ بِمَعْنَى ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ هُنَا.
قَالَ تَعَالَى: (حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (حُنَفَاءَ) : هُوَ حَالٌ. «غَيْرَ مُشْرِكِينَ» كَذَلِكَ.
(فَكَأَنَّمَا خَرَّ) : أَيْ يَخِرُّ، وَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: «تَخْطَفُهُ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَهُوَ يَخْطَفُهُ ; فَيَكُونُ عَطَفَ الْجُمْلَةَ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَفِيهَا قِرَاءَاتٌ قَدْ ذُكِرَتْ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) : فِي الضَّمِيرِ الْمُؤَنَّثِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: هُوَ ضَمِيرُ الشَّعَائِرِ، وَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإِنَّ تَعْظِيمَهَا، وَالْعَائِدُ عَلَى «مِنْ» مَحْذُوفٌ: أَيْ فَإِنَّ تَعْظِيمَهَا مِنْهُ، أَوْ مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ مِنْهُمْ. وَيُخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: مِنْ تَقْوَى قُلُوبِهِمْ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ مَصْدَرٍ مُؤَنَّثٍ، تَقْدِيرُهُ: فَإِنَّ الْعَظَمَةَ أَوِ الْحُرْمَةَ أَوِ الْخَصْلَةَ. وَتَقْدِيرُ الْعَائِدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ تَعَالَى: (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَكُمْ فِيهَا) : الضَّمِيرُ لِبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ.
وَ (الْمَنْسَكُ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ. وَقِيلَ: الْفَتْحُ لِلْمَصْدَرِ، وَالْكَسْرُ لِلْمَكَانِ.
стр. 939
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى الصِّفَةِ، أَوِ الْبَدَلِ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي. وَأَنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلَى تَقْدِيرِهِ: «هُمْ»
وَ (وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْجَرِّ بِالْإِضَافَةِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ بِالنَّصْبِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَالْمُقِيمِينَ، فَحَذَفَ النُّونَ تَخْفِيفًا لَا لِلْإِضَافَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْبُدْنَ) : هُوَ جَمْعُ بَدَنٍ، وَوَاحِدَتُهُ بَدَنَةٌ، مِثْلَ خَشَبَةٍ وَخَشَبٍ ; وَيُقَالُ هُوَ جَمْعُ بَدَنَةٍ، مِثْلَ ثَمَرَةٍ وَثَمَرٍ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الدَّالِ مِثْلَ ثُمُرٍ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى النَّصْبِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ وَجَعَلْنَا الْبُدْنَ. وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ.
وَ (لَكُمْ) أَيْ مِنْ أَجْلِكُمْ، فَيَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ.
وَ (مِنْ شَعَائِرِ) : الْمَفْعُولُ الثَّانِي.
(لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ.
(صَوَافَّ) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ ; أَيْ بَعْضُهَا إِلَى جَنْبِ بَعْضٍ.
وَيُقْرَأُ «صَوَافِنَ» وَاحِدُهُ صَافِنٌ ; وَهُوَ الَّذِي يَقُومُ عَلَى ثَلَاثٍ، وَعَلَى سُنْبُكِ الرَّابِعَةِ، وَذَلِكَ يَكُونُ إِذَا عُقِلَتِ الْبَدَنَةُ.
стр. 940
وَيَقْرَأُ «صَوَافِيَ» أَيْ خَوَالِصَ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَيُقْرَأُ بِتَسْكِينِ الْيَاءِ ; وَهُوَ مِمَّا سُكِّنَ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ مِنَ الْمَنْقُوصِ.
(الْقَانِعَ) : بِالْأَلِفِ، مِنْ قَوْلِكَ: قَنِعَ بِهِ ; إِذَا رَضِيَ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ.
وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ أَلِفٍ، مِنْ قَوْلِكَ: قَنَعَ قُنُوعًا ; إِذَا سَأَلَ.
وَ (الْمُعْتَرَّ) : الْمُعْتَرِضُ. وَيُقْرَأُ الْمُعْتَرِيَ بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَهُوَ فِي مَعْنَاهُ يُقَالُ: عَرَّهُمْ وَاعْتَرَّهُمْ وَعَرَاهُمْ وَاعْتَرَاهُمْ ; إِذَا تَعَرَّضَ بِهِمْ لِلطَّلَبِ.
(كَذَلِكَ) : الْكَافُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: سَخَّرْنَاهُمْ تَسْخِيرًا مِثْلَ مَا ذَكَرْنَا.
قَالَ تَعَالَى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْيَاءِ ; لِأَنَّ اللُّحُومَ وَالدِّمَاءَ جَمْعُ تَكْسِيرٍ ; فَتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَالْفَصْلُ بَيْنَهُمَا حَاصِلٌ.
وَيُقْرَأُ بِالتَّاءِ ; وَكَذَلِكَ «يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ» .
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ) : يُقْرَأُ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَبِالْأَلِفِ ; وَهُمَا سَوَاءٌ.
وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَلِفَ تَدَلُّ عَلَى أَنَّ الْمُدَافَعَةَ تَكُونُ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ مَنْ يَقْصِدُ أَذَى الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ تَعَالَى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أُذِنَ) : يُقْرَأُ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَعَلَى تَرْكِ تَسْمِيَتِهِ، وَكَذَلِكَ «يُقَاتَلُونَ» وَالتَّقْدِيرُ: أُذِنَ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ بِسَبَبِ تَوْجِيهِ الظُّلْمِ إِلَيْهِمْ.
стр. 941
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا) : هُوَ نَعْتٌ لِلَّذِينِ الْأَوَّلِ، أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ، أَوْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأَعْنِي، أَوْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى إِضْمَارِ «هُمْ» .
(إِلَّا أَنْ يَقُولُوا) : هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، تَقْدِيرُهُ: إِلَّا بِقَوْلِهِمْ رَبُّنَا اللَّهُ.
وَ (دَفْعُ اللَّهِ) : وَدِفَاعُهُ: قَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ.
(صَلَوَاتٌ) : أَيْ وَمَوَاضِعُ صَلَوَاتٍ.
وَيُقْرَأُ بِسُكُونِ اللَّامِ مَعَ فَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا.
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الصَّادِ وَاللَّامِ، وَبِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ اللَّامِ. وَبِسُكُونِ اللَّامِ كَمَا جَاءَ فِي «حُجْرَةٍ» بِاللُّغَاتِ الثَّلَاثِ.
وَيُقْرَأُ: صُلُوتٌ - بِضَمِّ الصَّادِ وَاللَّامِ،مثل صلب وصلوب
وَيقْرَأ «صَلْويثا» بِفَتْح الصَّاد وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَيَاءٍ بَعْدَ الْوَاوِ وَثَاءٍ مُعْجَمَةٍ بِثَلَاثٍ.
وَيُقْرَأُ: «صَلُوتَا» بِفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّ اللَّامِ، وَهُوَ اسْمٌ عَرَبِيٌّ.
وَالضَّمِيرُ فِي «فِيهَا» يَعُودُ عَلَى الْمَوَاضِعِ الْمَذْكُورَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ) : هُوَ مِثْلَ (الَّذِينَ أُخْرِجُوا) [الْحَجُّ: ٤٠] .
(نَكِيرِ) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْإِنْكَارِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)) .
стр. 942
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَكَأَيِّنْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ «أَهْلَكْنَاهَا» وَأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ.
(أَهْلَكْنَاهَا) : وَأَهْلَكْتُهَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى.
وَ (بِئْرٍ) : مَعْطُوفَةٌ عَلَى قَرْيَةٍ.
قَالَ تَعَالَى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنَّهَا) : الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهَا مُفَسِّرَةٌ لَهَا.
وَ (الَّتِي فِي الصُّدُورِ) : صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُعَجِّزِينَ) : حَالٌ. وَيُقْرَأُ «مُعَاجِزِينَ» بِالْأَلِفِ وَالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْمُشَدَّدِ، مِثْلَ عَاهَدَ وَعَهَّدَ ; وَقِيلَ: عَاجَزَ: سَابَقَ، وَعَجَّزَ: سَبَقَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا إِذَا تَمَنَّى) : قِيلَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ. وَقِيلَ: الْكَلَامُ كُلُّهُ فِي مَوْضِعِ صِفَةٍ لِنَبِيٍّ.
وَ (الْقَاسِيَةِ) : الْأَلِفُ وَاللَّامُ بِمَعْنَى الَّذِي، وَالضَّمِيرُ فِي «قُلُوبِهِمْ» الْعَائِدُ عَلَيْهَا، وَ «قُلُوبِهِمْ» مَرْفُوعٌ بِاسْمِ الْفَاعِلِ ; وَأُنِّثَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَوْضِعَهُ الْفِعْلُ لَلَحِقَتْهُ تَاءُ التَّأْنِيثِ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الَّذِينَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)) .
стр. 943
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَيُؤْمِنُوا) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «لِيَعْلَمَ» ، وَكَذَلِكَ «فَتُخْبِتَ» .
(لَهَادِي الَّذِينَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْإِضَافَةِ وَيُقْرَأُ: لَهَادٍ بِالتَّنْوِينِ، وَ «الَّذِينَ» نَصْبٌ بِهِ.
(فِي مِرْيَةٍ) : بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ، وَهُمَا لُغَتَانِ.
قَالَ تَعَالَى: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَئِذٍ) : مَنْصُوبٌ بِقَوْلِهِ: «لِلَّهِ» ; وَ «لِلَّهِ» الْخَبَرُ.
وَ (يَحْكُمُ) : مُسْتَأْنَفٌ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعَامِلُ فِيهِ الْجَارُّ.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأُولَئِكَ) : الْجُمْلَةُ خَبَرُ الَّذِينَ ; وَدَخَلَتِ الْفَاءُ لِمَعْنَى الْجَزَاءِ.
وَ (قُتِلُوا) : بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، وَ «لَيَرْزُقَنَّهُمُ» : الْخَبَرُ. وَ «رِزْقًا» مَفْعُولٌ ثَانٍ ; وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا.
قَالَ تَعَالَى: (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَيُدْخِلَنَّهُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ لَيَرْزُقَنَّهُمْ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.
وَ (مُدْخَلًا) بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي النِّسَاءِ.
قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) : أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ، وَمَا بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ.
(بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ) : الْبَاءُ فِيهَا بِمَعْنَى السَّبَبِ، لَا بِمَعْنَى الْآلَةِ ; وَ «لَيَنْصُرَنَّهُ» : خَبَرُ مَنْ.
стр. 944
قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُوَ الْحَقُّ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «هُوَ» تَوْكِيدًا، وَفَصْلًا، وَمُبْتَدَأً.
وَ (يَدْعُونَ) بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ، وَالْمَعْنَى ظَاهِرٌ.
قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ) : إِنَّمَا رَفَعَ الْفِعْلَ هُنَا وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهَامِ لِأَمْرَيْنِ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ ; أَيْ قَدْ رَأَيْتَ، فَلَا يَكُونُ لَهُ جَوَابٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ مَا بَعْدَ الْفَاءِ يَنْتَصِبُ إِذَا كَانَ الْمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ سَبَبًا لَهُ ; وَرُؤْيَتُهُ لِإِنْزَالِ الْمَاءِ لَا يُوجِبُ اخْضِرَارَ الْأَرْضِ ; وَإِنَّمَا يَجِبُ عَنِ الْمَاءِ ; وَالتَّقْدِيرُ: فَهِيَ ; أَيِ الْقِصَّةُ، وَ «تُصْبِحُ» : الْخَبَرُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «فَتُصْبِحُ» بِمَعْنَى أَصْبَحَتْ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى أَنْزَلَ، فَلَا مَوْضِعَ لَهُ إِذًا.
(مُخْضَرَّةً) : حَالٌ، وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ.
وَقُرِئَ شَاذًّا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الضَّادِ مِثْلَ مَبْقَلَةٍ وَمَجْزَرَةٍ ; أَيْ ذَاتَ خُضْرَةٍ.
قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْفُلْكَ) : فِي نَصْبِهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هُوَ مَنْصُوبٌ بِسَخَّرَ مَعْطُوفٌ عَلَى «مَا» وَالثَّانِي: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ إِنَّ.
وَ (تَجْرِي) : حَالٌ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَخَبَرٌ عَلَى الثَّانِي.
стр. 945
وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ، وَ «تَجْرِي» : الْخَبَرُ. (أَنْ تَقَعَ) : مَفْعُولٌ لَهُ، أَيْ كَرَاهَةَ أَنْ تَقَعَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ ; أَيْ مِنْ أَنْ تَقَعَ.
وَقِيلَ: فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى بَدَلِ الِاشْتِمَالِ ; أَيْ وَيُمْسِكُ وُقُوعَ السَّمَاءِ ; أَيْ يَمْنَعُهُ.
قَالَ تَعَالَى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَا يُنَازِعُنَّكَ) وَيُقْرَأُ «يَنْزِعُنَّكَ» بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَإِسْكَانِ النُّونِ ; أَيْ لَا يُخْرِجُنَّكَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَكَادُونَ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الَّذِينَ، أَوْ مِنَ الْوُجُوهِ ; لِأَنَّهُ يُعَبَّرُ بِالْوُجُوهِ عَنْ أَصْحَابِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) ثُمَّ قَالَ (أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) [عَبَسَ: ٤٢] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (النَّارُ) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ. وَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَ «وَعَدَهَا» : الْخَبَرُ. وَالثَّانِي: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هُوَ النَّارُ ; أَيِ الشَّرُّ، وَ «وَعَدَهَا» عَلَى هَذَا مُسْتَأْنَفٌ ; إِذْ لَيْسَ فِي الْجُمْلَةِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْحَالِ.
وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي، أَوْ بِـ «وَعَدَ» الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ «وَعَدَهَا» .
وَيُقْرَأُ بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ شَرٍّ.
стр. 946
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَسْلُبْهُمُ) : يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ ; وَ «شَيْئًا» هُوَ الثَّانِي.
قَالَ تَعَالَى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنَ النَّاسِ) ; أَيْ وَمِنَ النَّاسِ رُسُلًا.
قَالَ تَعَالَى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَقَّ جِهَادِهِ) : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ جِهَادًا حَقَّ جِهَادِهِ.
(مِلَّةَ أَبِيكُمْ) : أَيِ اتَّبِعُوا مِلَّةَ أَبِيكُمْ. وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: مِثْلَ مِلَّةِ. . . ; لِأَنَّ الْمَعْنَى: سَهَّلَ عَلَيْكُمُ الدِّينَ مِثْلَ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ. (هُوَ سَمَّاكُمُ) : قِيلَ: الضَّمِيرُ لِإِبْرَاهِيمَ ; فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ: وَ «فِي هَذَا» أَيْ وَفِي هَذَا الْقُرْآنِ سَمَّاكُمْ ; أَيْ بِسَبَبِهِ سُمِّيتُمْ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعَالَى. (لِيَكُونَ الرَّسُولُ) : يَتَعَلَّقُ بِسَمَّاكُمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 947
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ تَعَالَى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ أَفْلَحَ) : مَنْ أَلْقَى حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ عَلَى الدَّالِ وَحَذَفَهَا فَعِلَّتُهُ أَنَّ الْهَمْزَةَ بَعْدَ حَذْفِ حَرَكَتِهَا صُيِّرَتْ أَلِفًا، ثُمَّ حُذِفَتْ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ الدَّالِ قَبْلَهَا فِي الْأَصْلِ ; وَلَا يُعْتَدُّ بِحَرَكَةِ الدَّالِ ; لِأَنَّهَا عَارِضَةٌ. .
قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ «حَافِظُونَ» عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمَعْنَى صَانُوهَا عَنْ كُلِّ فَرْجٍ إِلَّا عَنْ فُرُوجِ أَزْوَاجِهِمْ.
وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ ; أَيْ حَفِظُوهَا فِي كُلِّ حَالٍ إِلَّا فِي هَذِهِ الْحَالِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ «مَلُومِينَ» لِأَمْرَيْنِ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا بَعْدَ «إِنَّ» لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُضَافَ إِلَيْهِ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهُ.
وَإِنَّمَا تَعَلَّقَتْ «عَلَى» بِحَافِظُونَ عَلَى الْمَعْنَى، وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ «مَلُومِينَ» أَيْ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ لَا يُلَامُونَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِأَمَانَاتِهِمْ) : يُقْرَأُ بِالْجَمْعِ ; لِأَنَّهَا كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) [النِّسَاءِ: ٥٨]
стр. 948
وَعَلَى الْإِفْرَادِ ; لِأَنَّهَا جِنْسٌ ; فَهِيَ فِي الْإِفْرَادِ كَعَهْدِهِمْ ; وَمِثْلُهُ (صَلَوَاتِهِمْ) فِي الْإِفْرَادِ وَالْجَمْعِ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ، إِمَّا مِنَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ سُلَالَةٍ) : يَتَعَلَّقُ بِخَلَقْنَا. وَ (مِنْ طِينٍ) : بِمَحْذُوفٍ ; لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِسُلَالَةٍ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَعْنَى سُلَالَةٍ ; لِأَنَّهَا بِمَعْنَى مَسْلُولَةٍ.
قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً) : «خَلَقْنَا» بِمَعْنَى: صَيَّرْنَا ; فَلِذَلِكَ نَصَبَ مَفْعُولَيْنِ.
(الْعِظَامَ) : بِالْجَمْعِ عَلَى الْأَصْلِ، وَبِالْإِفْرَادِ ; لِأَنَّهُ جِنْسٌ.
(أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) : بَدَلٌ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; وَلَيْسَ بِصِفَةٍ ; لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ وَإِنْ أُضِيفَ ; لِأَنَّ الْمُضَافَ إِلَيْهِ عِوَضٌ عَنْ «مِنْ» ، وَهَكَذَا جَمِيعُ بَابِ «أَفْعَلَ مِنْكَ» .
قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَعْدَ ذَلِكَ) : الْعَامِلُ فِيهِ «مَيِّتُونَ» وَاللَّامُ هَاهُنَا لَا تَمْنَعُ الْعَمَلَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِهِ) : مُتَعَلِّقٌ بِذَهَابٍ. وَ «عَلَى» مُتَعَلِّقَةٌ بِـ «قَادِرُونَ» .
стр. 949
قَالَ تَعَالَى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَشَجَرَةً) : أَيْ وَأَنْشَأْنَا شَجَرَةً ; فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «جَنَّاتٍ» .
(سَيْنَاءَ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ السِّينِ، وَالْهَمْزَةُ عَلَى هَذَا أَصْلٌ، مِثْلَ حِمْلَاقٍ، وَلَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ ; إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مِثْلَ سَنَا - سَيَا ; وَلَمْ يَنْصَرِفْ ; لِأَنَّهُ اسْمُ بُقْعَةٍ ; فَفِيهِ التَّعْرِيفُ وَالتَّأْنِيثُ ; وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِيهِ الْعُجْمَةُ أَيْضًا.
وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ السِّينِ، وَالْهَمْزَةُ عَلَى هَذَا لِلتَّأْنِيثِ ; إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فَعْلَالٌ بِالْفَتْحِ. وَمَا حَكَى الْفَرَّاءُ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَاقَةٌ فِيهَا خَزْعَالٌ، لَا يَثْبُتُ، وَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ شَاذٌّ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَنْبُتُ) : يُقْرَأُ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ. وَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هُوَ مُتَعَدٍّ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: تُنْبِتُ ثَمَرَهَا أَوْ جَنَاهَا ; وَالْبَاءُ عَلَى هَذَا حَالٌ مِنَ الْمَحْذُوفِ ; أَيْ وَفِيهِ الدُّهْنُ ; كَقَوْلِكَ: خَرَجَ زَيْدٌ بِثِيَابِهِ. وَقِيلَ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ، فَلَا حَذْفَ إِذًا، بَلِ الْمَفْعُولُ الدُّهْنُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ لَازِمٌ، يُقَالُ: نَبَتَ الْبَقْلُ، وَأَنْبَتَ بِمَعْنًى، فَعَلَى هَذَا الْبَاءُ حَالٌ، وَقِيلَ: هِيَ مَفْعُولٌ ; أَيْ تُنْبِتُ بِسَبَبِ الدُّهْنِ.
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ.
وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْبَاءِ، وَهُوَ كَالْوَجْهِ الثَّانِي الْمَذْكُورِ.
(وَصِبْغٍ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الدُّهْنِ.
وَقُرِئَ - فِي الشَّاذِّ - بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ بِالدُّهْنِ.
стр. 950
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نُسْقِيكُمْ) : يُقْرَأُ بِالنُّونِ ; وَقَدْ ذُكِرَ فِي النَّحْلِ، وَبِالتَّاءِ، وَفِيهِ ضَمِيرُ الْأَنْعَامِ، وَهُوَ مُسْتَأْنَفٌ.
قَالَ تَعَالَى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِأَعْيُنِنَا) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيْ مَحْفُوظَةً.
وَ (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) : قَدْ ذُكِرَ فِي هُودٍ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُنْزَلًا) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ ; وَهُوَ مَكَانٌ، أَوْ مَصْدَرُ نَزَّلَ، وَهُوَ مُطَاوِعُ أَنْزَلْتُهُ.
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْإِنْزَالِ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَكَانًا، كَقَوْلِكَ: أَنْزِلُ الْمَكَانَ، فَهُوَ مُنْزَلٌ.
(وَإِنْ كُنَّا) : أَيْ إِنَّا كُنَّا ; فَهِيَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
قَالَ تَعَالَى: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مُتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ) : فِي إِعْرَابِ هَذِهِ الْآيَةِ أَوْجُهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ اسْمَ «أَنَّ» الْأُولَى مَحْذُوفٌ أُقِيمَ مَقَامَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أَنَّ إِخْرَاجَكُمْ. وَ «إِذَا» هُوَ الْخَبَرُ، وَ «أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ» تَكْرِيرٌ ; لِأَنَّ «أَنَّ» وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ لِلتَّوْكِيدِ، أَوْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَحْذُوفِ. وَالثَّانِي: أَنَّ اسْمَ «أَنَّ» الْكَافُ وَالْمِيمُ، وَ «إِذَا» شَرْطٌ، وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ،
следующие страницы →