← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22928

التبيان في إعراب القرآن

أبو البقاء العكبري

Полный текст (1 313 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَسْلُبْهُمُ) : يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ ; وَ «شَيْئًا» هُوَ الثَّانِي. قَالَ تَعَالَى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنَ النَّاسِ) ; أَيْ وَمِنَ النَّاسِ رُسُلًا. قَالَ تَعَالَى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَقَّ جِهَادِهِ) : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ جِهَادًا حَقَّ جِهَادِهِ. (مِلَّةَ أَبِيكُمْ) : أَيِ اتَّبِعُوا مِلَّةَ أَبِيكُمْ. وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: مِثْلَ مِلَّةِ. . . ; لِأَنَّ الْمَعْنَى: سَهَّلَ عَلَيْكُمُ الدِّينَ مِثْلَ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ. (هُوَ سَمَّاكُمُ) : قِيلَ: الضَّمِيرُ لِإِبْرَاهِيمَ ; فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ: وَ «فِي هَذَا» أَيْ وَفِي هَذَا الْقُرْآنِ سَمَّاكُمْ ; أَيْ بِسَبَبِهِ سُمِّيتُمْ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعَالَى. (لِيَكُونَ الرَّسُولُ) : يَتَعَلَّقُ بِسَمَّاكُمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 947

سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ تَعَالَى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ أَفْلَحَ) : مَنْ أَلْقَى حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ عَلَى الدَّالِ وَحَذَفَهَا فَعِلَّتُهُ أَنَّ الْهَمْزَةَ بَعْدَ حَذْفِ حَرَكَتِهَا صُيِّرَتْ أَلِفًا، ثُمَّ حُذِفَتْ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ الدَّالِ قَبْلَهَا فِي الْأَصْلِ ; وَلَا يُعْتَدُّ بِحَرَكَةِ الدَّالِ ; لِأَنَّهَا عَارِضَةٌ. . قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ «حَافِظُونَ» عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمَعْنَى صَانُوهَا عَنْ كُلِّ فَرْجٍ إِلَّا عَنْ فُرُوجِ أَزْوَاجِهِمْ. وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ ; أَيْ حَفِظُوهَا فِي كُلِّ حَالٍ إِلَّا فِي هَذِهِ الْحَالِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ «مَلُومِينَ» لِأَمْرَيْنِ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا بَعْدَ «إِنَّ» لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُضَافَ إِلَيْهِ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهُ. وَإِنَّمَا تَعَلَّقَتْ «عَلَى» بِحَافِظُونَ عَلَى الْمَعْنَى، وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ «مَلُومِينَ» أَيْ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ لَا يُلَامُونَ. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِأَمَانَاتِهِمْ) : يُقْرَأُ بِالْجَمْعِ ; لِأَنَّهَا كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) [النِّسَاءِ: ٥٨]

стр. 948

وَعَلَى الْإِفْرَادِ ; لِأَنَّهَا جِنْسٌ ; فَهِيَ فِي الْإِفْرَادِ كَعَهْدِهِمْ ; وَمِثْلُهُ (صَلَوَاتِهِمْ) فِي الْإِفْرَادِ وَالْجَمْعِ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ، إِمَّا مِنَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ سُلَالَةٍ) : يَتَعَلَّقُ بِخَلَقْنَا. وَ (مِنْ طِينٍ) : بِمَحْذُوفٍ ; لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِسُلَالَةٍ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَعْنَى سُلَالَةٍ ; لِأَنَّهَا بِمَعْنَى مَسْلُولَةٍ. قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً) : «خَلَقْنَا» بِمَعْنَى: صَيَّرْنَا ; فَلِذَلِكَ نَصَبَ مَفْعُولَيْنِ. (الْعِظَامَ) : بِالْجَمْعِ عَلَى الْأَصْلِ، وَبِالْإِفْرَادِ ; لِأَنَّهُ جِنْسٌ. (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) : بَدَلٌ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; وَلَيْسَ بِصِفَةٍ ; لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ وَإِنْ أُضِيفَ ; لِأَنَّ الْمُضَافَ إِلَيْهِ عِوَضٌ عَنْ «مِنْ» ، وَهَكَذَا جَمِيعُ بَابِ «أَفْعَلَ مِنْكَ» . قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَعْدَ ذَلِكَ) : الْعَامِلُ فِيهِ «مَيِّتُونَ» وَاللَّامُ هَاهُنَا لَا تَمْنَعُ الْعَمَلَ. قَالَ تَعَالَى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِهِ) : مُتَعَلِّقٌ بِذَهَابٍ. وَ «عَلَى» مُتَعَلِّقَةٌ بِـ «قَادِرُونَ» .

стр. 949

قَالَ تَعَالَى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَشَجَرَةً) : أَيْ وَأَنْشَأْنَا شَجَرَةً ; فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «جَنَّاتٍ» . (سَيْنَاءَ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ السِّينِ، وَالْهَمْزَةُ عَلَى هَذَا أَصْلٌ، مِثْلَ حِمْلَاقٍ، وَلَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ ; إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مِثْلَ سَنَا - سَيَا ; وَلَمْ يَنْصَرِفْ ; لِأَنَّهُ اسْمُ بُقْعَةٍ ; فَفِيهِ التَّعْرِيفُ وَالتَّأْنِيثُ ; وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِيهِ الْعُجْمَةُ أَيْضًا. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ السِّينِ، وَالْهَمْزَةُ عَلَى هَذَا لِلتَّأْنِيثِ ; إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فَعْلَالٌ بِالْفَتْحِ. وَمَا حَكَى الْفَرَّاءُ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَاقَةٌ فِيهَا خَزْعَالٌ، لَا يَثْبُتُ، وَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ شَاذٌّ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَنْبُتُ) : يُقْرَأُ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ. وَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هُوَ مُتَعَدٍّ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: تُنْبِتُ ثَمَرَهَا أَوْ جَنَاهَا ; وَالْبَاءُ عَلَى هَذَا حَالٌ مِنَ الْمَحْذُوفِ ; أَيْ وَفِيهِ الدُّهْنُ ; كَقَوْلِكَ: خَرَجَ زَيْدٌ بِثِيَابِهِ. وَقِيلَ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ، فَلَا حَذْفَ إِذًا، بَلِ الْمَفْعُولُ الدُّهْنُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ لَازِمٌ، يُقَالُ: نَبَتَ الْبَقْلُ، وَأَنْبَتَ بِمَعْنًى، فَعَلَى هَذَا الْبَاءُ حَالٌ، وَقِيلَ: هِيَ مَفْعُولٌ ; أَيْ تُنْبِتُ بِسَبَبِ الدُّهْنِ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْبَاءِ، وَهُوَ كَالْوَجْهِ الثَّانِي الْمَذْكُورِ. (وَصِبْغٍ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الدُّهْنِ. وَقُرِئَ - فِي الشَّاذِّ - بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ بِالدُّهْنِ.

стр. 950

قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (نُسْقِيكُمْ) : يُقْرَأُ بِالنُّونِ ; وَقَدْ ذُكِرَ فِي النَّحْلِ، وَبِالتَّاءِ، وَفِيهِ ضَمِيرُ الْأَنْعَامِ، وَهُوَ مُسْتَأْنَفٌ. قَالَ تَعَالَى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِأَعْيُنِنَا) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; أَيْ مَحْفُوظَةً. وَ (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) : قَدْ ذُكِرَ فِي هُودٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُنْزَلًا) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ ; وَهُوَ مَكَانٌ، أَوْ مَصْدَرُ نَزَّلَ، وَهُوَ مُطَاوِعُ أَنْزَلْتُهُ. وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْإِنْزَالِ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَكَانًا، كَقَوْلِكَ: أَنْزِلُ الْمَكَانَ، فَهُوَ مُنْزَلٌ. (وَإِنْ كُنَّا) : أَيْ إِنَّا كُنَّا ; فَهِيَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. قَالَ تَعَالَى: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مُتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ) : فِي إِعْرَابِ هَذِهِ الْآيَةِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ اسْمَ «أَنَّ» الْأُولَى مَحْذُوفٌ أُقِيمَ مَقَامَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أَنَّ إِخْرَاجَكُمْ. وَ «إِذَا» هُوَ الْخَبَرُ، وَ «أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ» تَكْرِيرٌ ; لِأَنَّ «أَنَّ» وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ لِلتَّوْكِيدِ، أَوْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَحْذُوفِ. وَالثَّانِي: أَنَّ اسْمَ «أَنَّ» الْكَافُ وَالْمِيمُ، وَ «إِذَا» شَرْطٌ، وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ،

стр. 951

تَقْدِيرُهُ: أَنَّكُمْ إِذَا مُتُّمْ يَحْدُثُ أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ، فَأَنَّكُمُ الثَّانِيَةُ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ فَاعِلُ جَوَابِ إِذَا، وَالْجُمْلَةُ كُلُّهَا خَبَرُ أَنَّ الْأُولَى. وَالثَّالِثُ: أَنَّ خَبَرَ الْأُولَى مُخْرَجُونَ. وَأَنَّ الثَّانِيَةَ مُكَرَّرَةٌ وَحْدَهَا تَوْكِيدًا، وَجَازَ ذَلِكَ لَمَّا طَالَ الْكَلَامُ، كَمَا جَازَ ذَلِكَ فِي الْمَكْسُورَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا) [النَّحْلِ: ١١٠] وَ (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ) [النَّحْلِ: ١١٩] وَقَدْ ذُكِرَ فِي النَّحْلِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ خَبَرَ «أَنَّ» الْأُولَى مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ خَبَرِ الثَّانِيَةِ عَلَيْهِ ; وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «إِذَا» خَبَرَ الْأُولَى ; لِأَنَّهَا ظَرْفُ زَمَانٍ، وَاسْمُهَا جُثَّةٌ. وَأَمَّا الْعَامِلُ فِي «إِذَا» فَمَحْذُوفٌ ; فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَكُونُ الْمُقَدَّرُ مِنَ الِاسْتِقْرَارِ ; وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: يَعْمَلُ فِيهَا جَوَابُهَا الْمَحْذُوفُ، وَعَلَى الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ يَعْمَلُ فِيهَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ الثَّانِيَةِ، وَلَا يَعْمَلُ فِيهَا «مُتُّمْ» لِإِضَافَتِهَا إِلَيْهِ. قَالَ تَعَالَى: (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَيْهَاتَ) : هُوَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ، وَهُوَ خَبَرٌ وَاقِعٌ مَوْقِعَ بَعُدَ. وَفِي فَاعِلِهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هُوَ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: بَعُدَ التَّصْدِيقُ لِمَا تُوعَدُونَ، أَوِ الصِّحَّةُ، أَوِ الْوُقُوعُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: فَاعِلُهُ «مَا» ، وَاللَّامُ زَائِدَةٌ ; أَيْ بَعُدَ مَا تُوعَدُونَ مِنَ الْبَعْثِ. وَقَالَ قَوْمٌ «هَيْهَاتَ» بِمَعْنَى الْبُعْدِ ; فَمَوْضِعُهُ مُبْتَدَأٌ، وَ «لِمَا تُوعَدُونَ» الْخَبَرُ ; وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَ «هَيْهَاتَ» عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا مَوْضِعَ لَهَا، وَفِيهَا عِدَّةُ قِرَاءَاتٍ: الْفَتْحُ بِلَا تَنْوِينٍ، عَلَى أَنَّهُ مُفْرَدٌ. وَبِالتَّنْوِينِ عَلَى إِرَادَةِ التَّكْثِيرِ، وَبِالْكَسْرِ بِلَا تَنْوِينٍ، وَبِتَنْوِينٍ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ تَأْنِيثٍ، وَالضَّمُّ بِالْوَجْهَيْنِ، شُبِّهَ بِقَبْلُ وَبَعْدُ.

стр. 952

وَيُقْرَأُ - هَيْهَاهُ - بِالْهَاءِ وَقْفًا وَوَصْلًا. وَيُقْرَأُ ; أَيْهَاهُ - بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ مِنَ الْهَاءِ الْأُولَى. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَمَّا قَلِيلٍ) : «مَا» زَائِدَةٌ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى شَيْءٍ، أَوْ زَمَنٍ. وَقِيلَ: بَدَلٌ مِنْهَا. وَفِي الْكَلَامِ قَسَمٌ مَحْذُوفٌ جَوَابُهُ: «لَيُصْبِحُنَّ» وَ «عَنْ» يَتَعَلَّقُ بِيُصْبِحُنَّ، لَمْ تَمْنَعِ اللَّامُ ذَلِكَ كَمَا مَنَعَتْهَا لَامُ الِابْتِدَاءِ، وَأَجَازُوا: زَيْدٌ لَأَضْرِبَنَّ ; لِأَنَّ اللَّامَ لِلتَّوْكِيدِ ; فَهِيَ مِثْلَ قَدْ، وَمِثْلَ لَامِ التَّوْكِيدِ فِي خَبَرِ إِنَّ ; كَقَوْلِهِ: (بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ) [الرُّومِ: ٨] . وَقِيلَ: اللَّامُ هُنَا تَمْنَعُ مِنَ التَّقْدِيمِ إِلَّا فِي الظُّرُوفِ، فَإِنَّهُ يُتَوَسَّعُ فِيهَا. قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَتْرَى) : التَّاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْمُوَاتَرَةِ، وَهِيَ الْمُتَابَعَةُ ; وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَاءُوا عَلَى وَتِيرَةٍ ; أَيْ طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ ; أَيْ مُتَتَابِعِينَ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَقِيلَ: هُوَ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ إِرْسَالًا مُتَوَاتِرًا. وَفِي أَلِفِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: هِيَ لِلْإِلْحَاقِ بِجَعْفَرٍ، كَالْأَلِفِ فِي أَرْطَى ; وَلِذَلِكَ تُؤَنَّثُ فِي قَوْلِ مَنْ صَرَفَهَا. وَالثَّانِي: هِيَ بَدَلٌ مِنَ التَّنْوِينِ. وَالثَّالِثُ: هِيَ لِلتَّأْنِيثِ، مِثْلَ سَكْرَى ; وَلِذَلِكَ لَا تُنَوَّنُ عَلَى قَوْلِ مَنْ مَنَعَ الصَّرْفَ. قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَارُونَ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ «أَخَاهُ» .

стр. 953

قَالَ تَعَالَى: (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِثْلِنَا) : إِنَّمَا لَمْ يُثَنَّ لِأَنَّ «مِثْلًا» فِي حُكْمِ الْمَصْدَرِ، وَقَدْ جَاءَتْ تَثْنِيَتُهُ وَجَمْعُهُ فِي قَوْلِهِ: (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ) [آلِ عِمْرَانَ: ١٣] وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) [مُحَمَّدٍ: ٣٨] . وَقِيلَ: إِنَّمَا وَحَّدَ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْمُمَاثِلَةُ فِي الْبَشَرِيَّةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْكَمِّيَّةَ. وَقِيلَ: اكْتَفَى بِالْوَاحِدِ عَنِ الِاثْنَيْنِ. قَالَ تَعَالَى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأُمَّهُ آيَةً) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَنْبِيَاءِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَعِينٍ) : فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هُوَ فَعِيلٌ مِنَ الْمَعْنِ، وَهُوَ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ، وَمِنْهُ الْمَاعُونُ. وَقِيلَ: الْمَاعُونُ: الْمَاءُ، فَالْمِيمُ أَصْلٌ. وَالثَّانِي: الْمِيمُ زَائِدَةٌ، وَهُوَ مِنْ عِنْتُهُ إِذَا أَبْصَرْتَهُ بِعَيْنِكَ، وَأَصْلُهُ مَعْيُونٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنَّ هَذِهِ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ. وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: تَقْدِيرُهُ: وَلِأَنَّ، وَاللَّامُ الْمُقَدَّرَةُ تَتَعَلَّقُ بِـ «فَاتَّقُونِ» أَيْ فَاتَّقُونِ لِأَنَّ هَذِهِ. . . . وَمَوْضِعُ أَنَّ نَصْبٌ، أَوْ جَرٌّ عَلَى مَا حَكَيْنَا مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ، تَقْدِيرُهُ: إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَبِأَنَّ هَذِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا ; أَيْ وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ. وَيُقْرَأُ بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وَهِيَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ.

стр. 954

وَيُقْرَأُ بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. وَ (أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَنْبِيَاءِ، وَكَذَلِكَ: «فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ» وَ (زُبُرًا) بِضَمَّتَيْنِ: جَمْعُ زَبُورٍ، مِثْلَ رَسُولٍ وَرُسُلٍ. وَيُقْرَأُ بِالتَّسْكِينِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَهُوَ جَمْعُ زُبْرَةٍ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ أَوِ الْفِرْقَةُ ; وَالنَّصْبُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ عَلَى الْحَالِ مِنْ «أَمْرَهُمْ» أَيْ مِثْلَ كُتُبٍ. وَقِيلَ: مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِتَقَطَّعُوا ; وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: هُوَ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ. قَالَ تَعَالَى: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنَّمَا) : بِمَعْنَى الَّذِي، وَخَبَرُ أَنَّ: «نُسَارِعُ لَهُمْ» وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ نُسَارِعُ لَهُمْ، أَيْ فِيهِ ; وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ «مِنْ مَالٍ» لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ «مِنْ مَالٍ» فَلَا يُعَابُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ ; وَإِنَّمَا يُعَابُ عَلَيْهِمِ اعْتِقَادُهُمْ أَنَّ تِلْكَ الْأَمْوَالَ خَيْرٌ لَهُمْ. وَيُقْرَأُ نُسَارِعُ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ، وَعَلَى تَرْكِ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَنُسْرِعُ بِغَيْرِ أَلِفٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا آتَوْا) : «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ يُعْطُونَ مَا يُعْطُونَ. وَيُقْرَأُ: أَتَوْا - بِالْقَصْرِ ; أَيْ مَا جَاءُوهُ.

стр. 955

(أَنَّهُمْ. . .) أَيْ وَجِلَةٌ مِنْ رُجُوعِهِمْ إِلَى رَبِّهِمْ، فَحُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ. قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُمْ لَهَا) ; أَيْ لِأَجْلِهَا. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَهُمْ يُسَابِقُونَهَا ; أَيْ يُبَادِرُونَهَا ; فَهِيَ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ ; وَمِثْلُهُ: (هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) [الْمُؤْمِنُونَ: ٦٣] أَيْ لِأَجْلِهَا وَإِيَّاهَا يَعْمَلُونَ. قَالَ تَعَالَى: (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذَا) هِيَ لِلْمُفَاجَأَةِ، وَقَدْ ذُكِرَ حُكْمُهَا. قَالَ تَعَالَى: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَى أَعْقَابِكُمْ) : هُوَ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي «تَنْكِصُونَ» وَقَوْلُهُ تَعَالَى: «مُسْتَكْبِرِينَ» : حَالٌ أُخْرَى. وَالْهَاءُ فِي «بِهِ» لِلْقُرْآنِ الْعَظِيمِ. وَقِيلَ: لِلنَّبِيِّ ﵊. وَقِيلَ: لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ; وَقِيلَ: لِلْبَيْتِ ; فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِـ «سَامِرًا» أَيْ تَسْمُرُونَ حَوْلَ الْبَيْتِ. وَقِيلَ: بِالْقُرْآنِ. وَسَامِرًا حَالٌ أَيْضًا، وَهُوَ مَصْدَرٌ، كَقَوْلِهِمْ: قُمْ قَائِمًا، وَقَدْ جَاءَ مِنَ الْمَصْدَرِ عَلَى لَفْظِ اسْمِ الْفَاعِلِ نَحْوَ الْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ. وَقِيلَ: هُوَ وَاحِدٌ فِي مَوْضِعِ الْجَمْعِ. وَقُرِئَ: (سُمَّرًا) جَمْعُ سَامِرٍ، مِثْلَ شَاهِدٍ وَشُهَّدٍ. وَ (تَهْجُرُونَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي سَامِرًا. وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ التَّاءِ، مِنْ قَوْلِكَ: هَجَرَ يَهْجُرُ، إِذَا هَذَى. وَقِيلَ: يَهْجُرُونَ الْقُرْآنَ.

стр. 956

وَيُقْرَأُ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، مِنْ أَهْجَرَ ; إِذَا جَاءَ بِالْهُجْرِ، وَهُوَ الْفُحْشُ. وَيُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْمُخَفَّفِ. قَالَ تَعَالَى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَرْجًا) : يُقْرَأُ بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي الْأَوَّلِ، وَبِأَلِفٍ فِي الثَّانِي. وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ أَلِفٍ فِيهِمَا، وَبِأَلِفٍ فِيهِمَا، وَهُمَا بِمَعْنًى. وَقِيلَ: الْخَرْجُ: الْأُجْرَةُ، وَالْخَرَاجُ: مَا يُضْرَبُ عَلَى الْأَرْضِ وَالرِّقَابِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَنِ الصِّرَاطِ) : يَتَعَلَّقُ بِـ «نَاكِبُونَ» وَلَا تَمْنَعُ اللَّامُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَا اسْتَكَانُوا) : [آلِ عِمْرَانَ: ١٤٦] قَدْ ذُكِرَ فِي آلِ عِمْرَانَ بِمَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ. قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) : [الْأَعْرَافِ: ١٠] قَدْ ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْأَعْرَافِ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) : الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ بِاللَّامِ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ جَوَابُ مَا فِيهِ اللَّامِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِمَنِ الْأَرْضُ) وَهُوَ مُطَابِقٌ لِلَّفْظِ وَالْمَعْنَى.

стр. 957

وَقُرِئَ بِغَيْرِ لَامٍ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ مَعْنَى «لِمَنِ الْأَرْضُ» : مَنْ رَبُّ الْأَرْضِ؟ فَيَكُونُ الْجَوَابُ: اللَّهُ ; أَيْ هُوَ اللَّهُ. وَأَمَّا الْمَوْضِعَانِ الْآخَرَانِ فَيُقْرَآنِ بِغَيْرِ لَامٍ حَمْلًا عَلَى اللَّفْظِ ; وَهُوَ جَوَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ) . «مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ» بِاللَّامِ عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: «مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ» لِمَنِ السَّمَاوَاتُ؟ . قَالَ تَعَالَى: (عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَالِمِ الْغَيْبِ) : يُقْرَأُ بِالْجَرِّ عَلَى الصِّفَةِ، أَوِ الْبَدَلِ، مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَهُ ; وَبِالرَّفْعِ: أَيْ هُوَ عَالِمٌ. قَالَ تَعَالَى: (رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَا تَجْعَلْنِي) : الْفَاءُ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِمَّا تُرِيَنِّي) وَالنِّدَاءُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُمَا. وَ (عَلَى) : تَتَعَلَّقُ بِـ «قَادِرُونَ» . قَالَ تَعَالَى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ارْجِعُونِ) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: أَنَّهُ جُمِعَ عَلَى التَّعْظِيمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) [الْحِجْرِ: ٩] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا) [فَاطِرٍ: ٢٧] . وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ يَا مَلَائِكَةَ رَبِّي ارْجِعُونِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ دَلَّ بِلَفْظِ الْجَمْعِ عَلَى تَكْرِيرِ الْقَوْلِ ; فَكَأَنَّهُ قَالَ ارْجِعْنِي ارْجِعْنِي. قَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَئِذٍ) : الْعَامِلُ فِي ظَرْفِ الزَّمَانِ: الْعَامِلُ فِي «بَيْنَهُمْ» وَهُوَ الْمَحْذُوفُ ; وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ أَنْسَابَ ; لِأَنَّ اسْمَ «لَا» إِذَا بُنِيَ لَمْ يَعْمَلْ.

стр. 958

قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (شِقْوَتُنَا) : يُقْرَأُ بِالْكَسْرِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَبِالْفَتْحِ مَعَ الْأَلِفِ، وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قَالَ تَعَالَى: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (سِخْرِيًّا) : هُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَالْكَسْرُ وَالضَّمُّ لُغَتَانِ ; وَقِيلَ: الْكَسْرُ بِمَعْنَى الْهَزْلِ، وَالضَّمُّ بِمَعْنَى الْإِذْلَالِ مِنَ التَّسْخِيرِ، وَقِيلَ: بِعَكْسِ ذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنَّهُمْ) : يُقْرَأُ بِالْفَتْحِ عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ فِي مَوْضِعِ مَفْعُولٍ ثَانٍ ; لِأَنَّ «جَزَى» يَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً) [الْإِنْسَانِ: ١٢] . وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ; وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى تَقْدِيرِ: لِأَنَّهُمْ أَوْ بِأَنَّهُمْ ; أَيْ جَزَاهُمْ بِالْفَوْزِ عَلَى صَبْرِهِمْ. وَيُقْرَأُ بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. قَالَ تَعَالَى: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ) : يُقْرَأُ عَلَى لَفْظِ الْمَاضِي ; أَيْ قَالَ السَّائِلُ لَهُمْ. وَعَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ ; أَيْ يَقُولُ اللَّهُ لِلسَّائِلِ: قُلْ لَهُمْ. وَ (كَمْ) : ظَرْفٌ لَلَبِثْتُمْ ; أَيْ كَمْ سَنَةً أَوْ نَحْوَهَا. وَ (عَدَدَ) : بَدَلٌ مِنْ «كَمْ» وَيُقْرَأُ شَاذًّا عَدَدًا، بِالتَّنْوِينِ.

стр. 959

وَ (سِنِينَ) : بَدَلٌ مِنْهُ. وَ (الْعَادِّينَ) بِالتَّشْدِيدِ ; مِنَ الْعَدَدِ، وَبِالتَّخْفِيفِ عَلَى مَعْنَى الْعَادِينَ ; أَيِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَقَوْلِكَ: هَذِهِ بِئْرٌ عَادِيَةٌ ; أَيْ سَلْ مَنْ تَقَدَّمَنَا، وَحَذَفَ إِحْدَى يَاءَيِ النَّسَبِ، كَمَا قَالُوا: الْأَشْعَرُونَ، وَحُذِفَتِ الْأُخْرَى لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. (إِلَّا قَلِيلًا) أَيْ زَمَنًا قَلِيلًا، أَوْ لَبِثَا قَلِيلًا. وَجَوَابُ «لَوْ» مَحْذُوفٌ ; أَيْ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مِقْدَارَ لُبْثِكُمْ مِنَ الطُّولِ لَمَا أَجَبْتُمْ بِهَذِهِ الْمُدَّةِ. وَ (عَبَثًا) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَوْ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ. قَالَ تَعَالَى: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) : مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْبَقَرَةِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [الْبَقَرَةِ: ١٦٣] وَقَدْ ذُكِرَ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) : صِفَةٌ لِإِلَهٍ، وَالْجَوَابُ «فَإِنَّمَا حِسَابُهُ» . وَقَوْلُهُ: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ) بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَبِالْفَتْحِ عَلَى تَقْدِيرِ بِأَنَّهُ ; أَيْ يُجَازَى بِعَدَمِ الْفَلَاحِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 960

سُورَةُ النُّورِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ تَعَالَى: (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (سُورَةٌ) : بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ: هَذِهِ سُورَةٌ، أَوْ مِمَّا يُتْلَى عَلَيْكَ سُورَةٌ. وَلَا يَكُونُ سُورَةٌ مُبْتَدَأً ; لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ. وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ: أَنْزَلْنَا سُورَةً، وَلَا مَوْضِعَ لِـ «أَنْزَلْنَاهَا» عَلَى هَذَا ; لِأَنَّهُ مُفَسِّرٌ لِمَا لَا مَوْضِعَ لَهُ، فَلَا مَوْضِعَ لَهُ. وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ اذْكُرْ سُورَةً، فَيَكُونُ مَوْضِعُ «أَنْزَلْنَاهَا» نَصْبًا، وَمَوْضِعُهَا عَلَى الرَّفْعِ رَفْعٌ. (وَفَرَضْنَاهَا) بِالتَّشْدِيدِ بِأَنَّهُ تَكْثِيرُ مَا فِيهَا مِنَ الْفَرَائِضِ، أَوْ عَلَى تَأْكِيدِ إِيجَابِ الْعَمَلِ بِمَا فِيهَا، وَبِالتَّخْفِيفِ عَلَى مَعْنَى فَرَضْنَا الْعَمَلَ بِمَا فِيهَا. قَالَ تَعَالَى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ (١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) : فِي رَفْعِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ; فَعَلَى هَذَا: (فَاجْلِدُوا) : مُسْتَأْنَفٌ. وَالثَّانِي: الْخَبَرُ (فَاجْلِدُوا) .

стр. 961

وَقَدْ قُرِئَ بِالنَّصْبِ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ (فَاجْلِدُوا) وَقَدِ اسْتَوْفَيْنَا ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ) [النِّسَاءِ: ١٦] . وُ (مِائَةَ) ، (وَثَمَانِينَ) يَنْتَصِبَانِ انْتِصَابَ الْمَصَادِرِ. . (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا) : لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْبَاءُ بِـ (رَأْفَةً) لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ مَعْمُولُهُ ; وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِتَأْخُذْ ; أَيْ: وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِسَبَبِهِمَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلَى الْبَيَانِ أَيْ أَعْنِي بِهِمَا ; أَيْ لَا تَرْأَفُوا بِهِمَا، وَيُفَسِّرُهُ الْمَصْدَرُ. وَالرَّأْفَةُ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: إِسْكَانُ الْهَمْزَةِ وَفَتْحُهَا، وَإِبْدَالُهَا أَلِفًا، وَزِيَادَةُ أَلِفٍ بَعْدَهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ لُغَاتٌ قَدْ قُرِئَ بِهِ. وَ (فِي) : يَتَعَلَّقُ بِتَأْخُذْكُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) : فِي مَوْضِعِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الرَّفْعُ، وَالْآخَرُ النَّصْبُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) (فَاجْلِدُوهُمْ) أَيْ فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ. (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا. قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَهَا عِنْدَ جَمَاعَةٍ، وَمِنَ الْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهَا عِنْدَ آخَرِينَ، وَمَوْضِعُ الْمُسْتَثْنَى نَصْبٌ عَلَى أَصْلِ الْبَابِ. وَقِيلَ: مَوْضِعُهُ جَرٌّ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «لَهُمْ» . وَقِيلَ: مَوْضِعُهُ رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ «فَإِنَّ اللَّهَ» وَفِي الْخَبَرِ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ ; أَيْ غَفُورٌ لَهُمْ.

стр. 962

قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا أَنْفُسُهُمْ) : هُوَ نَعْتٌ لِشُهَدَاءُ، أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ. وَلَوْ قُرِئَ بِالنَّصْبِ لَجَازَ عَلَى أَنْ يَكُونَ خَبَرَ كَانَ، أَوْ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ. وَإِنَّمَا كَانَ الرَّفْعُ أَقْوَى ; لِأَنَّ «إِلَّا» هُنَا صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٢] . (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ) : الْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ. وَفِي رَفْعِهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ فَالْوَاجِبُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ. وَالثَّانِي: هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ فَعَلَيْهِمْ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ. وَ (أَرْبَعَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ ; أَيْ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمْ أَرْبَعَ. وَ (بِاللَّهِ) : يَتَعَلَّقُ بِشَهَادَاتٍ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ ; وَبِـ «شَهَادَةُ» عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْعَامِلَيْنِ. وَ (إِنَّهُ) وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ: مَعْمُولُ شَهَادَاتٍ، أَوْ شَهَادَةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ; أَيْ يَشْهَدُ عَلَى أَنَّهُ صَادِقٌ ; وَلَكِنَّ الْعَامِلَ عُلِّقَ مِنْ أَجْلِ اللَّامِ فِي الْخَبَرِ ; وَلِذَلِكَ كُسِرَتْ إِنَّ. وَمَوْضِعُهُ إِمَّا نَصْبٌ، أَوْ جَرٌّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذْهَبَيْنِ فِي «أَنَّ» إِذَا حُذِفَ مِنْهُ الْجَارُّ. وَيُقْرَأُ «أَرْبَعُ» بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَبْقَى لِلْمُبْتَدَأِ عَمَلٌ فِيمَا بَعْدَ الْخَبَرِ، لِئَلَّا يُفْصَلَ بَيْنَ الصِّلَةِ وَالْمَوْصُولِ ; فَيَتَعَيَّنُ أَنْ تَعْمَلَ شَهَادَاتٍ فِيمَا بَعْدَهَا. قَالَ تَعَالَى: (وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْخَامِسَةُ) أَيْ وَالشَّهَادَةُ الْخَامِسَةُ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ «أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ» .

стр. 963

وَيُقْرَأُ بِتَخْفِيفِ «أَنَّ» وَهِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَاسْمُهَا مَحْذُوفٌ. وَ (مِنَ الْكَاذِبِينَ) : خَبَرُ «أَنَّ» عَلَى قِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ، وَخَبَرُ «لَعْنَةُ» عَلَى قِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ. وَيُقْرَأُ «وَالْخَامِسَةَ» - بِالنَّصْبِ - عَلَى تَقْدِيرِ: وَيَشْهَدُ الْخَامِسَةَ ; وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِأَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الْخَامِسَةِ. قَالَ تَعَالَى: (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَشْهَدَ) : هُوَ فَاعِلُ يَدْرَأُ. وَ (بِاللَّهِ) : يَتَعَلَّقُ بِشَهَادَاتٍ، أَوْ بِأَنْ تَشْهَدَ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْأُولَى. قَالَ تَعَالَى: (وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا) : هُوَ مِثْلَ الْخَامِسَةِ الْأُولَى، وَيُقْرَأُ «أَنَّ» بِالتَّشْدِيدِ، وَ «أَنْ» بِالتَّخْفِيفِ، وَ «غَضَبُ» بِالرَّفْعِ ; وَيُقْرَأُ غَضِبَ، عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ) : جَوَابُ «لَوْلَا» مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَهَلَكْتُمْ، أَوْ لَخَرَجْتُمْ، وَمِثْلُهُ رَأْسُ الْعِشْرِينَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) : هِيَ خَبَرُ «إِنَّ» وَمِنْكُمْ نَعْتٌ لَهَا، وَبِهِ أَفَادَ الْخَبَرُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تَحْسَبُوهُ) : مُسْتَأْنَفٌ، وَالْهَاءُ ضَمِيرُ الْإِفْكِ، أَوِ الْقَذْفِ.

стр. 964

وَ (كِبْرَهُ) بِالْكَسْرِ بِمَعْنَى مُعْظَمِهِ، وَبِالضَّمِّ مِنْ قَوْلِهِمْ: الْوَلَاءُ لِلْكُبْرِ، وَهُوَ أَكْبَرُ وَلَدِ الرَّجُلِ ; أَيْ تَوَلَّى أَكْبَرَهُ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ) : الْعَامِلُ فِي «إِذْ» مَسَّكُمْ، أَوْ أَفَضْتُمْ. وَيُقْرَأُ: تُلْقُونَهُ بِضَمِّ التَّاءِ، مِنْ أَلْقَيْتُ الشَّيْءَ إِذَا طَرَحْتُهُ. وَتَلِقُونَهُ، بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَضَمِّ الْقَافِ وَتَخْفِيفِهَا ; أَيْ تُسْرِعُونَ فِيهِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْوَلَقِ ; وَهُوَ الْجُنُونُ. وَيُقْرَأُ: تَقَفَّوْنَهُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْقَافِ وَفَاءٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةً بَعْدَهَا، وَأَصْلُهُ تَتَقَفَّوْنَ ; أَيْ تَتْبَعُونَ. قَالَ تَعَالَى: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَعُودُوا) : أَيْ كَرَاهَةَ أَنْ تَعُودُوا، فَهُوَ مَفْعُولٌ لَهُ. وَقِيلَ: حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ حَمْلًا عَلَى مَعْنَى يَعِظُكُمْ ; أَيْ يَزْجُرُكُمْ عَنِ الْعَوْدِ. قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنَّهُ يَأْمُرُ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ الشَّيْطَانِ، أَوْ ضَمِيرُ مَنْ. وَ (زَكَا) : يُمَالُ حَمْلًا عَلَى تَصَرُّفِ الْفِعْلِ، وَمَنْ لَمْ يُمِلْ قَالَ: الْأَلِفُ مِنَ الْوَاوِ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)) .

стр. 965

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا يَأْتَلِ) : هُوَ يَفْتَعِلُ، مِنْ أَلَيْتُ، أَيْ حَلَفْتُ. وَيَقْرَأُ: يَتَأَلَّ عَلَى يَتَفَعَّلُ، وَهُوَ مِنَ الْأَلِيَّةِ أَيْضًا. قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ تَشْهَدُ) : الْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَهُمْ عَذَابٌ) [النُّورِ: ٢٣] وَلَا يَعْمَلُ عَذَابٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ وُصِفَ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ. وَتَشْهَدُ بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَئِذٍ) الْعَامِلُ فِيهِ «يُوَفِّيهِمُ» وَ (الْحَقَّ) بِالنَّصْبِ: صِفَةٌ لِلدِّينِ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى الصِّفَةِ لِلَّهِ، وَلَمْ يُحْتَفَلْ بِالْفَصْلِ. وَقَدْ ذُكِرَ نَظِيرُهُ فِي الْكَهْفِ. قَالَ تَعَالَى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. قَالَ تَعَالَى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَدْخُلُوا) أَيْ فِي أَنْ تَدْخُلُوا. وَقَدْ ذُكِرَ. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ أَبْصَارِهِمْ) : «مِنْ» هَاهُنَا بِمَعْنَى التَّبْعِيضِ ; أَيْ لَا يَلْزَمُهُ غَضُّ الْبَصَرِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَقِيلَ: هِيَ زَائِدَةٌ. وَقِيلَ: هِيَ لِبَيَانِ الْجِنْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 966

قَالَ تَعَالَى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ) بِالْجَرِّ عَلَى الصِّفَةِ أَوِ الْبَدَلِ ; وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ أَوِ الِاسْتِثْنَاءِ وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْفَاتِحَةِ. وَ (مِنَ الرِّجَالِ) : نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ. وَإِفْرَادُ «الطِّفْلِ» قَدْ ذُكِرَ فِي الْحَجِّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ زِينَتِهِنَّ) : حَالٌ. (أَيُّهَا) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الْهَاءِ فِي الْوَصْلِ ; لِأَنَّ بَعْدَهَا أَلِفًا فِي التَّقْدِيرِ. وَقُرِئَ بِضَمِّ الْهَاءِ إِتْبَاعًا لِلضَّمَّةِ قَبْلَهَا فِي اللَّفْظِ وَهُوَ بَعِيدٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ) : رَفْعٌ، أَوْ نَصْبٌ، كَمَا ذُكِرَ فِي (الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) [النُّورِ: ٤] . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) : أَيْ غَفُورٌ ; أَيْ لَهُنَّ. قَالَ تَعَالَى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ) : تَقْدِيرُهُ: صَاحِبُ نُورِ السَّمَاوَاتِ. وَقِيلَ: الْمَصْدَرُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ ; أَيْ مُنَوِّرُ السَّمَاوَاتِ. (فِيهَا مِصْبَاحٌ) : صِفَةٌ لِمِشْكَاةٍ.

стр. 967

قَوْلُهُ تَعَالَى: (دُرِّيٌّ) : يُقْرَأُ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الدُّرِّ ; شُبِّهَ بِهِ لِصَفَائِهِ وَإِضَاءَتِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ الْهَمْزُ، وَلَكِنْ خُفِّفَتِ الْهَمْزَةُ وَأُدْغِمَتْ ; وَهُوَ فَعِيلٌ مِنَ الدَّرْءِ، وَهُوَ دَفْعُ الظُّلْمَةِ بِضَوْئِهِ. وَيُقْرَأُ بِالْكَسْرِ عَلَى مَعْنَى الْوَجْهِ الثَّانِي، وَيَكُونُ عَلَى فِعِّيلٍ، كَسِكِّيتٍ وَصِدِّيقٍ. وَيُقْرَأُ بِالْفَتْحِ عَلَى فَعِّيلٍ ; وَهُوَ بَعِيدٌ. (تَوَقَّدَ) : بِالتَّاءِ وَالْفَتْحِ عَلَى أَنَّهُ مَاضٍ، وَتُوقَدُ عَلَى أَنَّهُ مُضَارِعٌ، وَالتَّاءُ لِتَأْنِيثِ الزُّجَاجَةِ، وَالْيَاءُ عَلَى مَعْنَى الْمِصْبَاحِ. وَ (زَيْتُونَةٍ) : بَدَلٌ مِنْ شَجَرَةٍ. وَ (لَا شَرْقِيَّةٍ) : نَعْتٌ. (يَكَادُ زَيْتُهَا) : الْجُمْلَةُ نَعْتٌ لِزَيْتُونَةٍ. (نُورٌ عَلَى نُورٍ) : أَيْ ذَلِكَ نُورٌ. قَالَ تَعَالَى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي بُيُوتٍ) : فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا صِفَةٌ لِزُجَاجَةٍ فِي قَوْلِهِ: (الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ) فِي بُيُوتٍ. وَالثَّانِي: هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِتُوقَدُ ; أَيْ تُوجَدُ فِي الْمَسَاجِدِ.

стр. 968

وَالثَّالِثُ: هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُسَبِّحُ، وَ «فِيهَا» الَّتِي بَعْدَ «يُسَبِّحُ» مُكَرَّرٌ، مِثْلَ قَوْلِهِ: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا) [هُودٍ: ١٠٨] وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِيُذْكَرَ ; لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى «تُرْفَعَ» وَهُوَ فِي صِلَةِ «أَنْ» فَلَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهُ. وَ (يُسَبِّحُ) بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَالْفَاعِلُ (رِجَالٌ) وَبِالْفَتْحِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْقَائِمُ مَقَامَ الْفَاعِلِ لَهُ أَوْ فِيهَا. وَرِجَالٌ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَنْ يُسَبِّحُهُ؟ فَقَالَ رِجَالٌ ; أَيْ يُسَبِّحُهُ رِجَالٌ. وَقِيلَ: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ; أَيِ الْمُسَبِّحُ رِجَالٌ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فِيهَا رِجَالٌ. (وَإِقَامِ الصَّلَاةِ) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَنْبِيَاءِ ; أَيْ: وَعَنْ إِقَامِ الصَّلَاةِ. (يَخَافُونَ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «تُلْهِيهِمْ» وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً أُخْرَى لِرِجَالٍ. قَالَ تَعَالَى: (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيَجْزِيَهُمْ) : يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ اللَّامُ بِيُسَبِّحُ، وَبِـ «لَا تُلْهِيهِمْ» ، وَبِيَخَافُونَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَامَ الصَّيْرُورَةِ، كَالَّتِي فِي قَوْلِهِ: (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) [الْقَصَصِ: ٨] وَمَوْضِعُهَا حَالٌ ; وَالتَّقْدِيرُ: يَخَافُونَ مُلْهِينَ لِيَجْزِيَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِقِيعَةٍ) : فِي مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ لِسَرَابٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْكَافُ الَّتِي هِيَ الْخَبَرُ. وَالْيَاءُ فِي «قِيعَةٍ» بَدَلٌ مِنْ وَاوٍ لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا ; لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَاعٍ: أَقْوَاعٌ.

стр. 969

وَيُقْرَأُ قِيعَاتٍ، وَهُوَ جَمْعُ قِيعَةٍ؛ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأَلِفُ زَائِدَةً كَأَلِفِ سِعْلَاةٍ، فَيَكُونُ مُفْرَدًا وَ (يَحْسَبُهُ) : صِفَةٌ لِسَرَابٍ أَيْضًا. وَ (شَيْئًا) : فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ؛ أَيْ لَمْ يَجِدْهُ وُجْدَانًا، وَقِيلَ: «شَيْئًا» هُنَا بِمَعْنَى مَاءٍ عَلَى مَا ظَنَّ. (وَوَجَدَ اللَّهَ) : أَيْ قَدَرَ اللَّهِ، أَوْ إِمَاتَةَ اللَّهِ. قَالَ تَعَالَى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «كَسَرَابٍ» ، وَفِي التَّقْدِيرِ: وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَقْدِيرُهُ: أَوْ كَأَعْمَالِ ذِي ظُلُمَاتٍ؛ فَيُقَدَّرُ «ذِي» لِيَعُودَ الضَّمِيرُ مِنْ قَوْلِهِ: «إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ» إِلَيْهِ، وَتُقَدَّرُ أَعْمَالٌ لِيَصِحَّ تَشْبِيهُ أَعْمَالِ الْكُفَّارِ بِأَعْمَالِ صَاحِبِ الظُّلْمَةِ؛ إِذْ لَا مَعْنَى لِتَشْبِيهِ الْعَمَلِ بِصَاحِبِ الظُّلُمَاتِ. وَالثَّانِي: لَا حَذْفَ فِيهِ؛ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ شَبَّهَ أَعْمَالَ الْكُفَّارِ بِالظُّلْمَةِ فِي حَيْلُولَتِهَا بَيْنَ الْقَلْبِ وَبَيْنَ مَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ. فَأَمَّا الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ) فَيَعُودُ إِلَى مَذْكُورٍ حُذِفَ اعْتِمَادًا عَلَى الْمَعْنَى؛ تَقْدِيرُهُ: إِذَا أَخْرَجَ مَنْ فِيهَا يَدَهُ.

стр. 970

(فِي بَحْرٍ) : صِفَةٌ لِظُلُمَاتٍ. وَ (لُجِّيٍّ) : نِسْبَةٌ إِلَى اللُّجِّ، وَهُوَ فِي مَعْنَى ذِي لُجَّةٍ. وَ (يَغْشَاهُ) : صِفَةٌ أُخْرَى. وَ (مِنْ فَوْقِهِ) : صِفَةٌ لِمَوْجٍ. وَمَوْجٌ الثَّانِي مَرْفُوعٌ بِالظَّرْفِ لِأَنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالظَّرْفُ خَبَرُهُ. وَ (مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ) : نَعْتٌ لِمَوْجٍ الثَّانِي. وَ (ظُلُمَاتٌ) بِالرَّفْعِ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ هَذِهِ ظُلُمَاتٌ. وَيُقْرَأُ سَحَابُ ظُلُمَاتٍ بِالْإِضَافَةِ وَالْجَرِّ على جعل الموج المتراكم بِمَنْزِلَة السَّحَاب وَيقْرَأ سَحَاب بِالرَّفْع والتنوين، وَظُلُمَاتٍ بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ ظُلُمَاتٍ الْأُولَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا) : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْكَلَامِ؛ وَمَنْشَأُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ أَنَّ مَوْضِعَ «كَادَ» إِذَا نَفَيْتَ وُقُوعَ الْفِعْلِ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَرَى يَدَهُ؛ فَعَلَى هَذَا فِي التَّقْدِيرِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ التَّقْدِيرَ: لَمْ يَرَهَا وَلَمْ يَكَدْ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ؛ وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَمْ يَرَهَا، جَزْمٌ بِنَفْيِ الرُّؤْيَةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: «لَمْ يَكَدْ» إِذَا أَخْرَجَهَا عَنْ مُقْتَضَى الْبَابِ كَانَ التَّقْدِيرُ: وَلَمْ يَكَدْ يَرَاهَا، كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْآيَةِ؛ فَإِنْ أَرَادَ هَذَا الْقَائِلُ: «لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا» وَأَنَّهُ رَآهَا بَعْدَ جُهْدٍ، تَنَاقَضَ؛ لِأَنَّهُ نَفَى الرُّؤْيَةَ ثُمَّ أَثْبَتَهَا. وَإِنْ كَانَ مَعْنَى: «لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا» لَمْ يَرَهَا أَلْبَتَّةَ عَلَى خِلَافِ الْأَكْثَرِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَدِّرَ: لَمْ يَرَهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «كَادَ» زَائِدَةٌ، وَهُوَ بَعِيدٌ.

стр. 971

وَالثَّالِثُ: أَنَّ كَادَ أُخْرِجَتْ هَاهُنَا عَلَى مَعْنَى قَارَبَ. وَالْمَعْنَى: لَمْ يُقَارِبْ رُؤْيَتَهَا، وَإِذَا لَمْ يُقَارِبْهَا بَاعَدَهَا، وَعَلَيْهِ جَاءَ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: إِذَا غَيَّرَ النَّأْيُ الْمُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ... رَسِيسُ الْهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ أَيْ لَمْ يُقَارِبِ الْبَرَاحَ، وَمِنْ هَاهُنَا حُكِيَ عَنْ ذِي الرُّمَّةِ أَنَّهُ رُوجِعَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ بَدَلًا مِنْ لَمْ يَكَدْ. وَالْمَعْنَى الثَّانِي: جَهَدَ أَنَّهُ رَآهَا بَعْدُ؛ وَالتَّشْبِيهُ عَلَى هَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مَعَ شِدَّةِ الظُّلْمَةِ إِذَا أَحَدَّ نَظَرَهُ إِلَى يَدِهِ وَقَرَّبَهَا مِنْ عَيْنِهِ رَآهَا. قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالطَّيْرُ) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «مَنْ» وَ «صَافَّاتٍ» : حَالٌ مِنَ الطَّيْرِ. (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ) : ضَمِيرُ الْفَاعِلِ فِي عَلِمَ: اسْمُ اللَّهِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَعِنْدَ آخَرِينَ: هُوَ ضَمِيرُ كُلٍّ؛ وَهُوَ الْأَقْوَى؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِرَفْعِ كُلٍّ عَلَى الِابْتِدَاءِ، فَيَرْجِعُ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ لَكَانَ الْأَوْلَى نَصْبَ كُلٍّ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي بَعْدَهَا قَدْ نَصَبَ مَا هُوَ مِنْ سَبَبِهَا؛ فَيَصِيرُ كَقَوْلِكَ: زَيْدًا ضَرَبَ عَمْرٌو غُلَامَهُ، فَتَنْصِبُ زَيْدًا بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ؛ وَهُوَ أَقْوَى مِنَ الرَّفْعِ، وَالْآخَرُ جَائِزٌ. قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ) : إِنَّمَا جَازَ دُخُولُ بَيْنَ عَلَى الْمُفْرَدِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى بَيْنَ كُلِّ قِطْعَةٍ وَقِطْعَةٍ سَحَابَةٌ، وَالسَّحَابُ جِنْسٌ لَهَا. (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ) : (مِنَ) هَاهُنَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ؛ فَأَمَّا (مِنْ جِبَالٍ) فَفِي (مِنْ) وَجْهَانِ:

стр. 972

أَحَدُهُمَا: هِيَ زَائِدَةٌ، هَذَا عَلَى رَأْيِ الْأَخْفَشِ. وَالثَّانِي: لَيْسَتْ زَائِدَةً. ثُمَّ فِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ بَدَلٌ مِنَ الْأُولَى عَلَى إِعَادَةِ الْجَارِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَيُنَزِّلُ مِنْ جِبَالِ السَّمَاءِ؛ أَيْ مِنْ جِبَالٍ فِي السَّمَاءِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «مِنْ بَرَدٍ» زَائِدَةً عِنْدَ قَوْمٍ، وَغَيْرَ زَائِدَةٍ عِنْدَ آخَرِينَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ التَّقْدِيرَ: شَيْئًا مِنْ جِبَالٍ، فَحَذَفَ الْمَوْصُوفَ وَاكْتَفَى بِالصِّفَةِ. وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: «فِيهَا مِنْ بَرَدٍ» يُحْوِجُكَ إِلَى مَفْعُولٍ يَعُودُ الضَّمِيرُ إِلَيْهِ؛ فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: وَيُنَزِّلُ مِنْ جِبَالِ السَّمَاءِ جِبَالًا فِيهَا بَرَدٌ، وَفِي ذَلِكَ زِيَادَةُ حَذْفٍ وَتَقْدِيرُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ. وَأَمَّا «مِنْ» الثَّانِيَةُ فَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ زَائِدَةٌ. وَالثَّانِي: لِلتَّبْعِيضِ. قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ) وَ (مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ) : «مَنْ» فِيهِمَا لِمَا لَا يَعْقِلُ؛ لِأَنَّهَا صَحِبَتْ مَنْ لِمَنْ يَعْقِلُ؛ فَكَانَ الْأَحْسَنُ اتِّفَاقَ لَفْظِهِمَا. وَقِيلَ: لَمَّا وَصَفَ هَذَيْنِ بِالْمَشْيِ وَالِاخْتِيَارِ حَمَلَهُ عَلَى مَنْ يَعْقِلُ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذَا فَرِيقٌ) : هِيَ لِلْمُفَاجَأَةِ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي مَوَاضِعَ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ) : يُقْرَأُ بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ، وَقَدْ ذُكِرَ نَظِيرُهُ فِي مَوَاضِعَ.

стр. 973

قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَتَّقْهِ) : قَدْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) [آلِ عِمْرَانَ: ٧٥] . قَالَ تَعَالَى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (طَاعَةٌ) : مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ أَمْثَلُ مِنْ غَيْرِهَا؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا وَالْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ أَمْرُنَا طَاعَةٌ. وَلَوْ قُرِئَ بِالنَّصْبِ لَكَانَ جَائِزًا فِي الْعَرَبِيَّةِ؛ وَذَلِكَ عَلَى الْمَصْدَرِ؛ أَيْ أَطِيعُوا طَاعَةً، وَقُولُوا قَوْلًا، أَوِ اتَّخِذُوا طَاعَةً وَقَوْلًا، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَهَا: «قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ» . قَالَ تَعَالَى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَمَا اسْتَخْلَفَ) : نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيِ اسْتِخْلَافًا كَمَا اسْتَخْلَفَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَعْبُدُونَنِي) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي «لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ» أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «لَيُبَدِّلَنَّهُمْ» . (لَا يُشْرِكُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا بَدَلًا مِنَ الْحَالِ الْأُولَى، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ فِي «يَعْبُدُونَنِي» أَيْ يَعْبُدُونَنِي مُوَحِّدِينَ. قَالَ تَعَالَى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ) : يُقْرَأُ بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ، وَقَدْ ذُكِرَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْأَنْفَالِ.

стр. 974

قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) : مَرَّةٌ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ، وَقَدِ اسْتُعْمِلَتْ ظَرْفًا؛ فَعَلَى هَذَا يَنْتَصِبُ «ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» عَلَى الظَّرْفِ، وَالْعَامِلُ لِيَسْتَأْذِنْ؛ وَعَلَى هَذَا فِي مَوْضِعِ «مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ» ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: نَصْبٌ بَدَلًا مِنْ ثَلَاثٍ. وَالثَّانِي: جَرٌّ بَدَلًا مِنْ مَرَّاتٍ. وَالثَّالِثُ: رَفْعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ هِيَ مِنْ قَبْلِ، وَتَمَامُ الثَّلَاثِ مَعْطُوفٌ عَلَى هَذَا. (مِنَ الظَّهِيرَةِ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ من لبَيَان الْجِنْس أَي حِين ذَلِك من وَقت الظهيرة وَأَن تَكُونَ بِمَعْنَى فِي. وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ حَرِّ الظَّهِيرَةِ. وَ (حِينَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ «مِنْ قَبْلِ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: (ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ؛ أَيْ هِيَ أَوْقَاتُ ثَلَاثِ عَوْرَاتٍ، فَحُذِفَ الْمُبْتَدَأُ وَالْمُضَافُ. وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْ مِنْ «ثَلَاثَ» الْأُولَى، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي. قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَعْدَهُنَّ) : التَّقْدِيرُ: بَعْدَ اسْتِئْذَانِهِنَّ فِيهِنَّ، ثُمَّ حَذَفَ حَرْفَ الْجَرِّ وَالْفَاعِلَ، فَيَبْقَى بَعْدَ اسْتِئْذَانِهِ، ثُمَّ حَذَفَ الْمَصْدَرَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ) : أَيْ هُمْ طَوَّافُونَ.

стр. 975

قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ) : أَيْ بَعْضُكُمْ يَطُوفُ عَلَى بَعْضٍ؛ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ بَدَلًا مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا. وَأَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً مُؤَكِّدَةً. قَالَ تَعَالَى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْقَوَاعِدُ) : وَاحِدَتُهُنَّ قَاعِدٌ، هَذَا إِذَا كَانَتْ كَبِيرَةً؛ أَيْ قَاعِدَةً عَنِ النِّكَاحِ. وَمِنَ الْقُعُودِ: قَاعِدَةٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ. وَ (مِنَ النِّسَاءِ) : حَالٌ، وَ «اللَّاتِي» صِفَةٌ. وَالْخَبَرُ: «فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ» وَدَخَلَتِ الْفَاءُ لِمَا فِي الْمُبْتَدَأِ مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ بِمَعْنَى الَّذِي. (غَيْرَ) : حَالٌ. قَالَ تَعَالَى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ مَا مَلَكْتُمْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى التَّخْفِيفِ. وَيُقْرَأُ «مُلِّكْتُمْ» بِالتَّشْدِيدِ، عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَالْمَفَاتِحُ: جَمْعُ مِفْتَحٍ، قِيلَ: هُوَ نَفْسُ الشَّيْءِ الَّذِي يُفْتَحُ بِهِ. وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ مَفْتَحٍ، وَهُوَ الْمَصْدَرُ كَالْفَتْحِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَحِيَّةً) : مَصْدَرٌ مِنْ مَعْنَى سَلِّمُوا، لِأَنَّ سَلَّمَ وَحَيَّا بِمَعْنًى. قَالَ تَعَالَى: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)) .

стр. 976

قَوْلُهُ تَعَالَى: (دُعَاءَ الرَّسُولِ) : الْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ؛ أَيْ دُعَاءَكُمُ الرَّسُولَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا إِلَى الْفَاعِلِ؛ أَيْ لَا تُهْمِلُوا دُعَاءَهُ إِيَّاكُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِوَاذًا) : هُوَ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِيَتَسَلَّلُونَ عَلَى الْمَعْنَى؛ أَيْ يُلَاوِذُونَ لِوَاذًا، أَوْ يَتَسَلَّلُونَ تَسَلُّلًا؛ وَإِنَّمَا صَحَّتِ الْوَاوُ فِي «لِوَاذًا» مَعَ انْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهَا تَصِحُّ فِي الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ لَاوَذَ، وَلَوْ كَانَ مَصْدَرَ لَاذَ، لَكَانَ لِيَاذًا، مِثْلَ صَامَ صِيَامًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَنْ أَمْرِهِ) : الْكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى يُخَالِفُونَ: يَمِيلُونَ وَيَعْدِلُونَ. (أَنْ تُصِيبَهُمْ) مَفْعُولُ يَحْذَرُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 977

سُورَةُ الْفُرْقَانِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ تَعَالَى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيَكُونَ) : فِي اسْمِ كَانَ ثَلَاثَةُ أَوْجَهٍ؛ أَحَدُهَا: الْفَرْقَانُ. وَالثَّانِي: الْعَبْدُ. وَالثَّالِثُ: اللَّهُ تَعَالَى. وَقُرِئَ شَاذًّا: عَلَى عِبَادِهِ، فَلَا يَعُودُ الضَّمِيرُ إِلَيْهِ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِي لَهُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ «الَّذِي» الْأُولَى، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (افْتَرَاهُ) : الْهَاءُ تَعُودُ عَلَى «عَبْدِهِ» فِي أَوَّلِ السُّورَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (ظُلْمًا) : مَفْعُولُ جَاءُوا؛ أَيْ أَتَوْا ظُلْمًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَالْأَسَاطِيرُ قَدْ ذُكِرَتْ فِي الْأَنْعَامِ. (اكْتَتَبَهَا) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْأَسَاطِيرِ؛ أَيْ قَالُوا هَذِهِ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ مُكْتَتَبَةً. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)) .

стр. 978

قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَأْكُلُ الطَّعَامَ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا الْعَامِلُ فِي «لِهَذَا» أَوْ نَفْسُ الظَّرْفِ. (فَيَكُونَ) : مَنْصُوبٌ عَلَى جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ، أَوِ التَّحْضِيضِ. (أَوْ يُلْقَى) - (أَوْ تَكُونُ) : مَعْطُوفٌ عَلَى أُنْزِلَ، لِأَنَّ أُنْزِلَ بِمَعْنَى يُنْزَلُ، أَوْ يُلْقَى بِمَعْنَى أُلْقَى. وَ (يَأْكُلُ) بِالْيَاءِ وَالنُّونِ، وَالْمَعْنَى فِيهِمَا ظَاهِرٌ. قَالَ تَعَالَى: (تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَنَّاتٍ) : بَدَلٌ مِنْ «خَيْرًا» . (وَيَجْعَلْ لَكَ) : بِالْجَزْمِ عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ «جَعَلَ» الَّذِي هُوَ جَوَابُ الشَّرْطِ؛ وَبِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ جَزَمَ سَكَّنَ الْمَرْفُوعَ تَخْفِيفًا وَأَدْغَمَ. قَالَ تَعَالَى: (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذَا رَأَتْهُمْ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ: فِي مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ لِسَعِيرٍ. وَ (ضَيِّقًا) بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ: قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَنْعَامِ. وَ (مَكَانًا) : ظَرْفٌ، وَ «مِنْهَا» حَالٌ مِنْهُ؛ أَيْ مَكَانًا مِنْهَا. وَ (ثُبُورًا) : مَفْعُولٌ بِهِ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِنْ مَعْنَى دَعَوْا. قَالَ تَعَالَى: (لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (خَالِدِينَ) : هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «يَشَاءُونَ» أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «لَهُمْ» .

стр. 979

(كَانَ عَلَى رَبِّكَ) : الضَّمِيرُ فِي «كَانَ» يَعُودُ عَلَى «مَا» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: كَانَ الْوَعْدُ وَعْدًا، وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْمَصْدَرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَعْدًا» وَقَوْلُهُ: «لَهُمْ فِيهَا» وَخَبَرُ كَانَ: «وَعْدًا» أَوْ «عَلَى رَبِّكَ» . قَالَ تَعَالَى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ) : أَيْ وَاذْكُرْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا أَرْسَلْنَا) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ عَاطِفَةً، وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى مَعَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَؤُلَاءِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ عِبَادِي، وَأَنْ يَكُونَ نَعْتًا. قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ نَتَّخِذَ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ؛ وَ «مِنْ أَوْلِيَاءَ» هُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، وَ «مِنْ دُونِكَ» الثَّانِي؛ وَجَازَ دُخُولُ «مِنْ» لِأَنَّهُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ) [الْمُؤْمِنُونَ: ٩١] . وَيُقْرَأُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْخَاءِ عَلَى عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ مُضْمَرٌ، وَ «مِنْ أَوْلِيَاءَ» الثَّانِي. وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ؛ لِأَنَّ «مِنْ» لَا تُزَادُ فِي الْمَفْعُولِ الثَّانِي؛ بَلْ فِي الْأَوَّلِ؛ كَقَوْلِكَ: مَا اتَّخَذْتُ مِنْ أَحَدٍ وَلِيًّا؛ وَلَا يَجُوزُ: مَا اتَّخَذْتُ أَحَدًا مِنْ وَلِيٍّ؛ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ: فَمَا مِنْكُمْ أَحَدٌ عَنْهُ مِنْ حَاجِزِينَ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مِنْ دُونِكَ» حَالًا مِنْ أَوْلِيَاءَ.

стр. 980

قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا أَنَّهُمْ) : كُسِرَتْ «إِنَّ» لِأَجْلِ اللَّامِ فِي الْخَبَرِ. وَقِيلَ: لَوْ لَمْ تَكُنِ اللَّامُ لَكُسِرَتْ أَيْضًا؛ لَأَنَّ الْجُمْلَةَ حَالِيَّةٌ؛ إِذِ الْمَعْنَى: إِلَّا وَهُمْ يَأْكُلُونَ. وَقُرِئَ بِالْفَتْحِ عَلَى أَنَّ اللَّامَ زَائِدَةٌ، وَتَكُونُ أَنْ مَصْدَرِيَّةً، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إِلَّا أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ؛ أَيْ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ رُسُلًا إِلَى النَّاسِ إِلَّا لِكَوْنِهِمْ مِثْلَهُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَيَكُونَ التَّقْدِيرُ: إِنَّهُمْ ذَوُو أَكْلٍ. قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ يَرَوْنَ) : فِي الْعَامِلِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: اذْكُرْ يَوْمَ. وَالثَّانِي: يُعَذَّبُونَ يَوْمَ، وَالْكَلَامُ الَّذِي بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَالثَّالِثُ: لَا يُبَشَّرُونَ يَوْمَ يَرَوْنَ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَعْمَلَ فِيهِ الْبُشْرَى لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَنْفِيَّ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَ لَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَئِذٍ) : فِيهِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: هُوَ تَكْرِيرٌ لِيَوْمٍ الْأَوَّلِ. وَالثَّانِي: هُوَ خَبَرُ بُشْرَى، فَيَعْمَلُ فِيهِ الْمَحْذُوفُ؛ وَ «لِلْمُجْرِمِينَ» : تَبْيِينٌ، أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ «لِلْمُجْرِمِينَ» وَالْعَامِلُ فِي يَوْمَئِذٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللَّامُ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ «بُشْرَى» إِذَا قَدَّرْتَ أَنَّهَا مُنَوَّنَةٌ غَيْرُ مَبْنِيَّةٍ مَعَ لَا، وَيَكُونُ الْخَبَرُ «

стр. 981

لِلْمُجْرِمِينَ» ، وَسَقَطَ التَّنْوِينُ لِعَدَمِ الصَّرْفِ؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ «بُشْرَى» إِذَا بَنَيْتَهَا مَعَ «لَا» . قَوْلُهُ تَعَالَى: (حِجْرًا مَحْجُورًا) : هُوَ مَصْدَرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: حِجْرُنَا حِجْرًا. وَالْفَتْحُ وَالْكَسْرُ لُغَتَانِ؛ وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا. قَالَ تَعَالَى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، وَالْأَصْلُ تَنْشَقُّ، وَهَذَا الْفِعْلُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْحَالُ وَالِاسْتِقْبَالُ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَاضِي؛ وَقَدْ حُكِيَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عُطِفَ عَلَيْهِ: وَ «نُزِّلَ» وَهُوَ مَاضٍ، وَذُكِرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: «وَيَقُولُونَ حِجْرًا» وَهَذَا يَكُونُ بَعْدَ تَشَقُّقِ السَّمَاءِ. وَأَمَّا انْتِصَابُ «يَوْمَ» فَعَلَى تَقْدِيرِ: اذْكُرْ، أَوْ عَلَى مَعْنَى: وَيَنْفَرِدُ اللَّهُ بِالْمُلْكِ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ. (وَنُزِّلَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى التَّشْدِيدِ. وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ وَالْفَتْحِ. وَ (تَنْزِيلًا) - عَلَى هَذَا: مَصْدَرٌ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الْفِعْلِ؛ وَالتَّقْدِيرُ: نُزِّلُوا تَنْزِيلًا فَنَزَلُوا. قَالَ تَعَالَى: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْمُلْكُ) : مُبْتَدَأٌ، وَفِي الْخَبَرِ أَوْجُهٌ ثَلَاثَةٌ؛ أَحَدُهَا: «لِلرَّحْمَنِ» فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «الْحَقُّ» نَعْتًا لِـ «الْمُلْكُ» وَ «يَوْمئِذٍ» مَعْمُولُ الْمُلْكِ، أَوْ مَعْمُولُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللَّامُ؛ وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ «الْحَقُّ» لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ.

стр. 982

وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ: «الْحَقُّ» وَ «لِلرَّحْمَنِ» تَبْيِينٌ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الْحَقِّ؛ أَيْ يَثْبُتُ لِلرَّحْمَنِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ «يَوْمَئِذٍ» وَالْحَقُّ نَعْتٌ لِلرَّحْمَنِ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَوْم يعَض الظَّالِم على يَدَيْهِ يَقُول يَا لَيْتَني اتَّخذت مَعَ الرَّسُول سَبِيلا﴾ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي) : الْجُمْلَةُ حَالٌ. وَفِي «يَا» هَاهُنَا وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ) [النِّسَاءِ: ٧٣] . قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَهْجُورًا) : هُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لَاتَّخَذُوا؛ أَيْ صَيَّرُوا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا بِإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (جُمْلَةً) : هُوَ حَالٌ مِنَ الْقُرْآنِ؛ أَيْ مُجْتَمِعًا. (كَذَلِكَ) : أَيْ أُنْزِلَ كَذَلِكَ؛ فَالْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، أَوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. وَاللَّامُ فِي «لِنُثَبِّثَ» يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ) : أَيْ بِالْمَثَلِ الْحَقِّ، أَوْ بِمَثَلٍ أَحْسَنَ تَفْسِيرًا مِنْ تَفْسِيرِ مَثَلِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)) .

стр. 983

قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ، أَوْ أَعْنِي الَّذِينَ. وَ (أُولَئِكَ) : مُسْتَأْنِفٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «الَّذِينَ» مُبْتَدَأٌ، وَ «أُولَئِكَ» خَبَرُهُ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَارُونَ) : هُوَ بَدَلٌ. قَالَ تَعَالَى: (فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَدَمَّرْنَاهُمْ) : يُقْرَأُ: «فَدَمَّرْنَاهُمْ» وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى اذْهَبَا، وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَذَهَبَا فَأَنْذَرَا فَكَذَّبُوهُمَا فَدَمَّرْنَاهُمْ. (وَقَوْمَ نُوحٍ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ؛ أَيْ وَدَمَّرْنَا قَوْمَ نُوحٍ. وَ (أَغْرَقْنَاهُمْ) : تَبْيِينٌ لِلتَّدْمِيرِ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَأَغْرَقْنَا قَوْمَ نُوحٍ. (وَعَادًا) : أَيْ وَدَمَّرْنَا، أَوْ أَهْلَكْنَا عَادًا. (وَكُلًّا) : مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَذَكَرْنَا كُلًّا؛ لِأَنَّ «ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ» فِي مَعْنَاهُ. وَأَمَّا (كُلًّا) الثَّانِيَةُ فَمَنْصُوبَةٌ بِـ (تَبَّرْنَا) لَا غَيْرَ. قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَطَرَ السَّوْءِ) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ ثَانِيًا؛ وَالْأَصْلُ أُمْطِرَتِ الْقَرْيَةُ مَطَرًا؛ أَيْ أَوْلَيْتُهَا أَوْ أَعْطَيْتُهَا.

стр. 984

وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مَحْذُوفَ الزَّوَائِدِ؛ أَيْ إِمْطَارَ السَّوْءٍ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَحْذُوفٍ؛ أَيْ إِمْطَارًا مِثْلَ مَطَرِ السَّوْءِ. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (هُزُوًا) أَيْ مَهْزُوًّا بِهِ؛ وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ «أَهَذَا» وَالْمَحْذُوفُ حَالٌ، وَالْعَائِدُ إِلَى «الَّذِي» مَحْذُوفٌ؛ أَيْ بَعَثَهُ. وَ (رَسُولًا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى: «مُرْسَلٍ» وَأَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا حُذِفَ مِنْهُ الْمُضَافُ؛ أَيْ ذَا رَسُولٍ، وَهُوَ الرِّسَالَةُ. قَالَ تَعَالَى: (إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ كَادَ) : هِيَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، قَدْ ذُكِرَ الْخِلَافُ فِيهَا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ أَضَلُّ) : هُوَ اسْتِفْهَامٌ. قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)) . وَ (نُشُورًا) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَعْرَافِ. قَالَ تَعَالَى: (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)) قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِنُحْيِيَ بِهِ) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَنْزَلْنَا، وَيَضْعُفُ تَعَلُّقُهَا بِطَهُورٍ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مَا طَهُرَ لِنُحْيِيَ. (مِمَّا خَلَقْنَا) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ «أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ» وَالتَّقْدِيرُ: أَنْعَامًا مِمَّا خَلَقْنَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ «مِنْ» بِـ «نُسْقِيَهُ» لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، كَقَوْلِكَ: أَخَذْتُ مِنْ زَيْدٍ مَالًا؛ فَإِنَّهُمْ أَجَازُوا فِيهِ الْوَجْهَيْنِ.

стр. 985

وَأَنَاسِيَّ: أَصْلُهُ أَنَاسِينَ، جَمْعُ إِنْسَانٍ، كَسَرْحَانَ وَسَرَاحِينَ، فَأُبْدِلَتِ النُّونُ فِيهِ يَاءً وَأُدْغِمَتْ. وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ إِنْسِيٍّ عَلَى الْقِيَاسِ. وَالْهَاءُ فِي «صَرَّفْنَاهُ» لِلْمَاءِ. وَالْهَاءُ فِي «بِهِ» لِلْقُرْآنِ. قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِلْحٌ) : الْمَشْهُورُ عَلَى الْقِيَاسِ يُقَالُ: مَاءٌ مِلْحٌ؛ وَقُرِئَ «مَلِحٍ» بِكَسْرِ اللَّامِ، وَأَصْلُهُ: مَالِحٌ، عَلَى هَذَا، وَقَدْ جَاءَ فِي الشُّذُوذِ؛ فَحُذِفَتِ الْأَلِفُ كَمَا قَالُوا فِي بَارِدٍ بَرِدٌ. وَالتَّاءُ فِي «فُرَاتٌ» أَصْلِيَّةٌ، وَوَزْنُهُ فُعَالٌ. وَ (بَيْنَهُمَا) : ظَرْفٌ لِجَعَلَ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ بَرْزَخٍ. قَالَ تَعَالَى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَى رَبِّهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ كَانَ. وَ «ظَهِيرًا» حَالٌ، أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِ (ظَهِيرًا) ؛ وَهُوَ الْأَقْوَى. قَالَ تَعَالَى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا مَنْ شَاءَ) : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ. قَالَ تَعَالَى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِذُنُوبِ) : هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِـ «خَبِيرًا» أَيْ كَفَى اللَّهُ خَبِيرًا بِذُنُوبِهِمْ.
следующие страницы →