← Акыда

Акыда · id 22934

شرح العقيدة الواسطية - الهراس

محمد خليل هراس

Полный текст (316 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بِذَاتِهِ، وَقَادِرٌ بِذَاتِهِ.. إلخ، وَمِنْهُمْ مَن فَسَّرَ أَسْمَاءَهُ بمعانٍ سَلْبِيَّةٍ، فَقَالَ: عَلِيمٌ؛ مَعْنَاهُ: لَا يَجْهَلُ. وقادرٌ؛ مَعْنَاهُ: لَا يَعْجِزُ.. إلخ. وَهَذِهِ الْآيَاتُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ أَخْبَرَ فِيهَا سُبْحَانَهُ عَنْ إِحَاطَةِ عِلْمِهِ بِحَمْلِ كُلِّ أُنْثَى وَوَضْعِهَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَالْكَيْفِ؛ كَمَا أَخْبَر عَنْ عُمُومِ قُدْرَتِهِ، وَتَعَلُّقِهَا بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وَعَنْ إِحَاطَةِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ (١) فِي كِتَابِهِ ((الْحِيدَةِ)) لِبِشْرٍ المَرِيسِيِّ (٢) الْمُعْتَزِلِيِّ وَهُوَ يُنَاظِرُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْعِلْمِ: ((إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَمْدَحْ فِي كِتَابِهِ [مَلَكًا مقرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا] (٣) وَلَا مُؤْمِنًا تَقِيًّا بِنَفْيِ الْجَهْلِ عَنْهُ؛ لِيَدُلَّ عَلَى إِثْبَاتِ الْعِلْمِ لَهُ، وَإِنَّمَا مَدَحَهُمْ بِإِثْبَاتِ الْعِلْمِ لَهُمْ، فَنَفَى بِذَلِكَ الْجَهْلَ عَنْهُمْ ... فمَن أَثْبَتَ الْعِلْمَ نَفَى الْجَهْلَ، ومَن نَفَى الْجَهْلَ لَمْ يُثْبِتِ الْعِلْمَ)) (٤) . وَالدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ عَلَى عِلْمِهِ تَعَالَى أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ إِيْجَادُهُ الْأَشْيَاءَ مَعَ الْجَهْلِ؛ لِأَنَّ إِيجَادَهُ الْأَشْيَاءَ بِإِرَادَتِهِ، وَالْإِرَادَةُ تَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بالمُراد، وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ:

стр. 107

﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١) . وَلِأَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ فِيهَا مِنَ الْإِحْكَامِ وَالْإِتْقَانِ وَعَجِيبِ الصَّنْعَةِ وَدَقِيقِ الْخِلْقَةِ مَا يَشْهَدُ بِعِلْمِ الْفَاعِلِ لَهَا؛ لِامْتِنَاعِ صُدُورِ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ. وَلِأَنَّ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ مَنْ هُوَ عالِمٌ، وَالْعِلْمُ صِفَةُ كَمَالٍ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ عَالِمًا؛ لَكَانَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مَن هُوَ أَكْمَلُ مِنْهُ. وَكُلُّ عِلْمٍ فِي الْمَخْلُوقِ إِنَّمَا اسْتَفَادَهُ مِنْ خَالِقِهِ، وَوَاهِبُ الْكَمالِ أَحَقُّ بِهِ، وَفَاقِدُ الشَّيْءِ لَا يُعْطِيهِ. وَأَنْكَرَتِ الْفَلَاسِفَةُ (٢) عِلْمَهُ تَعَالَى بِالْجُزْئِيَّاتِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ عَلَى وَجْهٍ كليٍّ ثابتٍ، وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا فِي الْخَارِجِ هُوَ جُزْئِيٌّ. كَمَا أَنْكَرَ الغُلاة مِنَ القدَرِيَّة (٣) عِلْمَهُ تَعَالَى بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ حَتَّى يَعْمَلُوهَا؛ توهُّمًا مِنْهُمْ أَنَّ عِلْمَهُ بِهَا يُفْضِي إِلَى الْجَبْرِ، وَقَوْلُهُمْ مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ بِالضَّرُورَةِ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ.

стр. 108

ـ[ (وَقَوْله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (١)) .]ـ /ش/ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ ... ﴾ إِلَخْ؛ تضمَّنَتْ إِثْبَاتَ اسْمِهِ الرَّزَّاق، وَهُوَ مُبَالَغَةٌ مِنَ الرِّزْقِ، وَمَعْنَاهُ: الَّذِي يَرْزُقُ عِبَادَهُ رِزْقًا بَعْدَ رِزْقٍ فِي إِكْثَارٍ وَسَعَةٍ. وَكُلُّ مَا وَصَلَ مِنْهُ سُبْحَانَهُ مِنْ نفعٍ إِلَى عِبَادِهِ فَهُوَ رزقٌ؛ مُبَاحًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُبَاحٍ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ قَدْ جَعَلَهُ لَهُمْ قُوتًا وَمَعَاشًا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِزْقًا لِّلْعِبَاد﴾ (٢) . وَقَالَ: ﴿وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون﴾ (٣) . إِلَّا أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ مَأْذُونًا فِي تَنَاوُلِهِ؛ فَهُوَ حلالٌ حُكْمًا، وَإِلَّا كَانَ حَرَامًا، وَجَمِيعُ ذَلِكَ رزقٌ. وَتَعْرِيفُ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وَالْإِتْيَانُ فِيهَا بِضَمِيرِ الْفَصْلِ؛ لِإِفَادَةِ اخْتِصَاصِهِ سُبْحَانَهُ بِإِيصَالِ الرِّزْقِ إِلَى عِبَادِهِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: ((أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)) (٤) .

стр. 109

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ذُو الْقُوَّة﴾ ؛ أَيْ صَاحِبُ الْقُوَّةِ؛ فَهُوَ بِمَعْنَى اسْمِهِ الْقَوِيِّ؛ إِلَّا أَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَعْنَى، فَهُوَ يدلُّ عَلَى أَنَّ قُوَّتَهُ سُبْحَانَهُ [لَا تَتَنَاقَصُ فيَهِنُ أَوْ يَفتُرُ] (١) . وأما ﴿الْمَتِينُ الثاني؛ فَهُوَ اسْمٌ لَهُ مِنَ الْمَتَانَةِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِـ: ((الشَّدِيدِ)) (٢) . ـ[ (وَقَوْله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ?﴾ (٣) . وَقَوْله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٤)) .]ـ /ش/ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ... ﴾ إِلَخْ؛ دلَّ إثباتُ صِفَتَيِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ لَهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ نَفْيِ الْمِثْلِ عَنْهُ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ نَفْيِ الْمِثْلِ نَفْيَ الصِّفَاتِ؛ كَمَا يدَّعي ذَلِكَ المعطِّلة، وَيَحْتَجُّونَ بِهِ بَاطِلًا، بَلِ الْمُرَادُ إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ مَعَ نَفْيِ مُمَاثَلَتِهَا لِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ. قَالَ العلاَّمة ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀: ((قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ... ﴾ إِنَّمَا قَصَدَ بِهِ نَفْيَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شريكٌ أَوْ معبودٌ يستحقُّ الْعِبَادَةَ وَالتَّعْظِيمَ؛ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُشَبِّهُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، وَلَمْ

стр. 110

يَقْصِدْ بِهِ نَفْيَ صِفَاتِ: كَمَالِهِ، وعلوِّه عَلَى خَلْقِهِ، وَتَكَلُّمِهِ بِكُتُبِهِ، وَتَكَلُّمِهِ لِرُسُلِهِ، وَرُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ جَهْرَةً بِأَبْصَارِهِمْ كَمَا تَرَى الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ فِي الصَّحْوِ ... )) اهـ. وَمَعْنَى ﴿السَّمِيعُ﴾ : الْمُدْرِكُ لِجَميعِ الْأَصْوَاتِ مَهْمَا خَفَتَتْ، فَهُوَ يَسْمَعُ السِّرَّ وَالنَّجْوَى بِسَمْعٍ هُوَ صِفَةٌ لَا يُمَاثِلُ أَسْمَاعَ خَلْقِهِ. وَمَعْنَى ﴿البَصِيرُ?﴾ : الْمُدْرِكُ لِجَمِيعِ الْمَرْئِيَّاتِ مِنَ الْأَشْخَاصِ وَالْأَلْوَانِ مَهْمَا لَطُفَتْ أَوْ بَعُدَتْ، فَلَا تُؤَثِّرُ عَلَى رُؤْيَتِهِ الْحَوَاجِزُ وَالْأَسْتَارُ، وَهُوَ مِنْ فَعِيلٍ بِمَعْنَى مُفْعِل، وَهُوَ دالٌّ عَلَى ثُبُوتِ صِفَةِ الْبَصَرِ لَهُ سُبْحَانَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ. رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي ((سُنَنِهِ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (١) ، فَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنَيْهِ (٢) . وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَسْمَعُ بِسَمْعٍ، وَيَرَى بِعَيْنٍ، فَهُوَ حُجَّةٌ

стр. 111

عَلَى بَعْضِ الْأَشَاعِرَةِ (١) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ سَمْعَهُ عِلْمَهُ بِالْمَسْمُوعَاتِ، وَبَصَرَهُ عِلْمَهُ بِالْمُبْصَرَاتِ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ خَاطِئٌ؛ فَإِنَّ الْأَعْمَى يَعْلَمُ بِوُجُودِ السَّمَاءِ وَلَا يَرَاهَا، وَالْأَصَمَّ يَعْلَمُ بِوُجُودِ الْأَصْوَاتِ وَلَا يَسْمَعُهَا. ـ[ (وَقَوْله: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ (٢) ، وَقَوْله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (٣) ، وَقَوْله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (٤) ، وَقَوْله: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ (٥)) (٦) .]ـ /ش/ قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ ... ﴾ إِلَخْ. هَذِهِ الْآيَاتُ دلَّت عَلَى إِثْبَاتِ

стр. 112

صِفَتَيِ الْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ، وَالنُّصُوصُ فِي ذَلِكَ لَا تُحْصَى كَثْرَةً. وَالْأَشَاعِرَةُ يُثْبِتُونَ إِرَادَةً وَاحِدَةً قَدِيمَةً تعلَّقت فِي الْأَزَلِ بِكُلِّ الْمُرَادَاتِ، فَيَلْزَمُهُمْ تخلُّف الْمُرَادِ عَنِ الْإِرَادَةِ. وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ؛ فَعَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ لَا يُثْبِتُونَ صِفَةَ الْإِرَادَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ يُرِيدُ بِإِرَادَةٍ حَادِثَةٍ لَا فِي مَحَلٍّ، فَيَلْزَمُهُمْ قِيَامُ الصِّفَةِ بِنَفْسِهَا، وَهُوَ مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ. وَأَمَّا أَهْلُ الْحَقِّ؛ فَيَقُولُونَ: إِنَّ الْإِرَادَةَ عَلَى نَوْعَيْنِ: ١- إِرَادَةٌ كَوْنِيَّةٌ تُرَادِفُهَا الْمَشِيئَةُ، وَهُمَا تتعلَّقان بِكُلِّ مَا يَشَاءُ اللَّهُ فِعْلَهُ وَإِحْدَاثَهُ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا وَشَاءَهُ؛ كَانَ عَقِبَ إِرَادَتِهِ لَهُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ((مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ)) (٢) . ٢- وَإِرَادَةٌ شَرْعِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ مِمَّا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 113

﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١) . وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْإِرَادَتَيْنِ؛ بَلْ قَدْ تتعلَّق كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأُخْرَى، فَبَيْنَهُمَا عمومٌ وخصوصٌ مِنْ وَجْهٍ. فَالْإِرَادَةُ الْكَوْنِيَّةُ أعمُّ مِنْ جِهَةِ تعلُّقها بِمَا لَا يحبُّه اللَّهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي، وأخصُّ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ بِمِثْلِ إِيمَانِ الْكَافِرِ وَطَاعَةِ الْفَاسِقِ. وَالْإِرَادَةُ الشَّرْعِيَّةُ أعمُّ مِنْ جِهَةِ تعلُّقها بِكُلِّ مَأْمُورٍ بِهِ وَاقِعًا كَانَ أَوْ غَيْرَ وَاقِعٍ، وأخصُّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْوَاقِعَ بِالْإِرَادَةِ الْكَوْنِيَّةِ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَأْمُورٍ بِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِرَادَتَيْنِ قَدْ تَجْتَمِعَانِ مَعًا فِي مِثْلِ إِيمَانِ الْمُؤْمِنِ، وَطَاعَةِ الْمُطِيعِ. وَتَنْفَرِدُ الْكَوْنِيَّةُ فِي مِثْلِ كُفْرِ الْكَافِرِ، وَمَعْصِيَةِ الْعَاصِي. وَتَنْفَرِدُ الشَّرْعِيَّةُ فِي مِثْلِ إِيمَانِ الْكَافِرِ، وَطَاعَةِ الْعَاصِي. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ ... ﴾ الْآيَةَ؛ هَذَا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ حِكَايَةً عَنِ الرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ لِزَمِيلِهِ الْكَافِرِ صَاحِبِ الجنَّتين؛ يَعِظُهُ بِهِ أَنْ يَشْكُرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ، ويردَّها إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وَيَبْرَأَ مِنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ ... ﴾ الْآيَةَ؛ إخبارٌ عَمَّا وَقَعَ بَيْنَ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ مِنْ بَعْدِهِمْ: مِنَ التَّنَازُعِ، وَالتَّعَادِي بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَحَسَدًا، وأنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ، وَلَوْ شَاءَ عَدَمَ حُصُولِهِ مَا حَصَلَ، وَلَكِنَّهُ

стр. 114

شَاءَهُ فَوَقَعَ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ ... ﴾ إِلَخْ؛ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الْهِدَايَةِ وَالضَّلَالِ بِخَلْقِ اللَّهِ ، فَمَنْ يُرِدْ هِدَايَتَهُ أَيْ: إِلْهَامَهُ وَتَوْفِيقَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ، بِأَنْ يَقْذِفَ فِي قَلْبِهِ نُورًا، فَيَتَّسِعَ لَهُ، وَيَنْبَسِطَ؛ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَمَنْ يُرِدْ إِضْلَالَهُ وَخِذْلَانَهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ فِي غَايَةِ الضِّيقِ وَالْحَرَجِ، فَلَا يَنْفُذُ إِلَيْهِ نُورُ الْإِيمَانِ، وشبَّه ذَلِكَ بِمَنْ يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ. ـ[ (وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) ، ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٢) ، ﴿فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣) ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٤) ، وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٥) ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٦) ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (٧)) .]ـ

стр. 115

/ش/ تضمَّنت هَذِهِ الْآيَاتُ إِثْبَاتَ أفعالٍ لَهُ تَعَالَى نَاشِئَةٍ عَنْ صِفَةِ الْمَحَبَّةِ، وَمَحَبَّةُ اللَّهِ لِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ صِفَةٌ لَهُ قَائِمَةٌ بِهِ، وَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ، فَهُوَ يحبُّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ دُونَ بَعْضٍ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ. وَيَنْفِي الْأَشَاعِرَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ صِفَةَ الْمَحَبَّةِ؛ بِدَعْوَى أَنَّهَا تُوهِمُ نَقْصًا؛ إِذِ الْمَحَبَّةُ فِي الْمَخْلُوقِ مَعْنَاهَا مَيْلُهُ إِلَى مَا يُنَاسِبُهُ أَوْ يستلذُّه. فَأَمَّا الْأَشَاعِرَةُ؛ فيُرجعونها إِلَى صِفَةِ الْإِرَادَةِ، فَيَقُولُونَ: إِنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ لَا مَعْنَى لَهَا إِلَّا إِرَادَتُهُ لِإِكْرَامِهِ وَمَثُوبَتِهِ. وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي صِفَاتِ الرِّضَا وَالْغَضَبِ وَالْكَرَاهِيَةِ وَالسَّخَطِ؛ كُلُّهَا عِنْدَهُمْ بِمَعْنَى إِرَادَةِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ؛ فَلِأَنَّهُمْ لَا يُثْبِتُونَ إِرَادَةً قَائِمَةً بِهِ، فَيُفَسِّرُونَ الْمَحَبَّةَ بِأَنَّهَا نَفْسُ الثَّوَابِ الْوَاجِبِ عِنْدَهُمْ عَلَى اللَّهِ لِهَؤُلَاءِ؛ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي وُجُوبِ إِثَابَةِ الْمُطِيعِ وَعِقَابِ الْعَاصِي. وَأَمَّا أَهْلُ الْحَقِّ؛ فَيُثْبِتُونَ الْمَحَبَّةَ صِفَةً حَقِيقِيَّةً لِلَّهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، فَلَا تَقْتَضِي عِنْدَهُمْ نَقْصًا وَلَا تَشْبِيهًا. كَمَا يُثْبِتُونَ لَازِمَ تِلْكَ الْمَحَبَّةِ، وَهِيَ إِرَادَتُهُ سُبْحَانَهُ إِكْرَامَ مَنْ يُحِبُّهُ وَإِثَابَتَهُ (١) . وَلَيْتَ شِعْرِي بِمَاذَا يُجِيبُ النَّافُونَ للمحبَّة عَنْ مِثْلِ قَوْلِهِ ﵇ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((إِنَّ اللَّهَ إِذَا أحبَّ عَبْدًا؛ قَالَ لِجِبْرِيلَ ﵇: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فأحبَّه. قَالَ: فَيَقُولُ جِبْرِيلُ ﵇ لِأَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ رَبَّكُمْ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ. قَالَ: فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَيُوضَعُ لَهُ

стр. 116

الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَهُ فَمَثِيلُ ذَلِكَ)) (١) ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ؟! وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُولَى: ﴿وَأَحْسِنُواْ﴾ أمرٌ بِالْإِحْسَانِ الْعَامِّ فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ لَا سِيَّمَا فِي النَّفَقَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَالْإِحْسَانُ فِيهَا يَكُونُ بِالْبَذْلِ وَعَدَمِ الْإِمْسَاكِ، أَوْ بِالتَّوَسُّطِ بَيْنَ التَّقْتِيرِ وَالتَّبْذِيرِ، وَهُوَ الْقَوَامُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ (٢) . رَوَى مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وليحدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ)) (٣) . وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فَهُوَ تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالْإِحْسَانِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا عَلِمُوا أَنَّ الْإِحْسَانَ موجبٌ لمحبَّته؛ سَارَعُوا إِلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ بِهِ.

стр. 117

وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ ؛ فَهُوَ أمرٌ بِالْإِقْسَاطِ، وَهُوَ الْعَدْلُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُتَنَازِعَتَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ مِنْ قَسَطَ؛ إِذَا جَارَ، فَالْهَمْزَةُ فِيهِ لِلسَّلْبِ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: المُقْسِط. وَفِي الْآيَةِ الْحَثُّ عَلَى الْعَدْلِ وَفَضْلُهُ، وَأَنَّهُ سَبَبٌ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾ ؛ فَمَعْنَاهُ: إِذَا كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أحدٍ عهدٌ كَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَاهَدْتُمُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ عَلَى عَهْدِهِمْ مُدَّةَ اسْتِقَامَتِهِمْ لَكُمْ، فَـ (مَا) هُنَا مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ. ثُمَّ علَّل ذَلِكَ الْأَمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ؛ أَيْ: يحبُّ الَّذِينَ يتَّقون اللَّهَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَمِنْهُ عَدَمُ نَقْضِ الْعُهُودِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ... ﴾ إِلَخْ؛ فَهُوَ إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ مَحَبَّتِهِ لِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ مِنْ عِبَادِهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَهُمُ التَّوَّابون؛ أَيْ: الَّذِينَ يُكْثِرُونَ التَّوْبَةَ وَالرُّجُوعَ إِلَى اللَّهِ بِالِاسْتِغْفَارِ مِمَّا أَلَمُّوا بِهِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الْمُبَالَغَةِ، فَهُمْ بِكَثْرَةِ التَّوْبَةِ قَدْ تطهَّروا مِنَ الْأَقْذَارِ وَالنَّجَاسَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ الذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي. وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُمُ الْمُتَطَهِّرُونَ؛ الَّذِينَ يُبَالِغُونَ فِي التَّطَهُّرِ، وَهُوَ التَّنْظِيفُ بِالْوُضُوءِ أَوْ بِالْغُسْلِ مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالنَّجَاسَاتِ الْحِسِّيَّةِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمُتَطَهِّرِينَ هُنَا الَّذِينَ يَتَنَزَّهُونَ مِنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ أَوْ فِي أَدْبَارِهِنَّ، وَالْحَمْلُ عَلَى الْعُمُومِ أَوْلَى.

стр. 118

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا أَنَّ قَوْمًا ادَّعوا أَنَّهُمْ يحبِّون اللَّهَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ مِحْنَةً لَهُمْ (١) . وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ قَدْ شَرَطَ اللَّهُ لمحبَّته اتِّبَاعَ نَبِيِّهِ ﷺ ، فَلَا يَنَالُ تِلْكَ الْمَحَبَّةَ؛ إِلَّا مَنْ أَحْسَنَ الِاتِّبَاعَ وَالِاسْتِمْسَاكَ بِهَدْيِهِ ﵇. ـ[ (وَقَوْلهُ: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ (٢) ، وَقَوْلهُ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ، ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (٣) ، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (٤) ، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٥) ، ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٦) ، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٧) ، ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٨)) .]ـ

стр. 119

/ش/ قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ ... ﴾ إِلَخْ؛ تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ إِثْبَاتَ اسْمَيْنِ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَهُمَا: الْغَفُورُ، وَالْوَدُودُ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي الْغَفْرِ، وَمَعْنَاهُ الَّذِي يَكْثُرُ مِنْهُ السَّتْرُ عَلَى الْمُذْنِبِينَ مِنْ عِبَادِهِ، وَالتَّجَاوُزُ عَنْ مُؤَاخَذَتِهِمْ. وَأَصْلُ الْغَفْرِ: السَّتْرُ، وَمِنْهُ يُقَالُ: الصَّبْغُ أَغْفَرُ لِلْوَسَخِ. وَمِنْهُ: الْمِغْفَرُ لِسُتْرَةِ الرَّأْسِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُوَ مِنَ الودِّ الَّذِي هُوَ خَالِصُ الْحُبِّ وَأَلْطَفُهُ، وَهُوَ إِمَّا مِنْ فَعُولٍ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: الْكَثِيرُ الْوُدِّ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ، وَالْمُتَقَرِّبُ إِلَيْهِمْ بِنَصْرِهِ لَهُمْ وَمَعُونَتِهِ. وَإِمَّا مِنْ فَعُولٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: الْمَوْدُودُ لِكَثْرَةِ إِحْسَانِهِ، المستَحِقُّ لِأَنْ يَوَدَّه خَلْقُهُ فَيَعْبُدُوهُ وَيَحْمَدُوهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْآيَاتِ؛ فَقَدْ تَضَمَّنَتْ إِثْبَاتَ اسْمَيْهِ الرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ، وَ إِثْبَاتَ صِفَتَيِ الرَّحْمَةِ وَالْعِلْمِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الْكَلَامُ عَلَى هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ، وَبَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ أَوَّلَهُمَا دالٌّ عَلَى صِفَةِ الذَّاتِ وَالثَّانِيَ دالٌّ عَلَى صِفَةِ الْفِعْلِ. وَقَدْ أَنْكَرَتِ الْأَشَاعِرَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ صِفَةَ الرَّحْمَةِ بِدَعْوَى أَنَّهَا فِي الْمَخْلُوقِ ضعفٌ وخَوَرٌ وتألُّم لِلْمَرْحُومِ، وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْجَهْلِ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ إِنَّمَا تَكُونُ مِنَ الْأَقْوِيَاءِ لِلضُّعَفَاءِ، فلَا تَسْتَلْزِمُ ضَعْفًا وَلَا خَوَرًا؛ بَلْ قَدْ تَكُونُ مَعَ غَايَةِ الْعِزَّةِ وَالْقُدْرَةِ، فَالْإِنْسَانُ الْقَوِيُّ يَرْحَمُ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ وَأَبَوَيْهِ الْكَبِيرَيْنِ ومَن هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ، وَأَيْنَ الضَّعْفُ وَالْخَوَرُ ـ وَهُمَا مِنْ أَذَمِّ الصِّفَاتِ ـ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِهَا، وَأَثْنَى عَلَى أَوْلِيَائِهِ الْمُتَصِّفِينَ بِهَا،

стр. 120

وَأَمَرَهُمْ أَنْ يتواصَوْا بِهَا؟! وَقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ ... ﴾ إِلَخْ؛ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ حِكَايَةً عَنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَالَّذِينَ حَوْلَهُ، يتوسَّلون إِلَى اللَّهِ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَسَعَةِ عِلْمِهِ وَرَحْمَتِهِ فِي دُعَائِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ التوسُّلات الَّتِي يُرْجَى مَعَهَا الْإِجَابَةُ. وَنَصَبَ قَوْلَهُ: ﴿رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ عَلَى التَّمْيِيزِ المحوَّل عَنِ الْفَاعِلِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَسِعَتْ رحمتُك وعلمُك كُلَّ شَيْءٍ. فَرَحْمَتُهُ سُبْحَانَهُ وَسِعَتْ فِي الدُّنْيَا الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ وَالْبَرَّ وَالْفَاجِرَ، وَلَكِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَكُونُ خَاصَّةً بالمتَّقين؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ... ﴾ الْآيَةَ (١) . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٢) ؛ أَيْ: أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ تفضُّلاً وَإِحْسَانًا، وَلَمْ يُوجِبْهَا عَلَيْهِ أحدٌ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) : ((إِنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ كَتَبَ كِتَابًا، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ ـ أَوْ تَسْبِقُ ـ غَضَبِي)) (٣) .

стр. 121

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ ؛ فَالْحَافِظُ وَالْحَفِيظُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِفْظِ، وَهُوَ الصِّيَانَةُ، وَمَعْنَاهُ: الَّذِي يَحْفَظُ عِبَادَهُ بِالْحِفْظِ الْعَامِّ، فَيُيَسِّرُ لَهُمْ أَقْوَاتَهُمْ، وَيَقِيهِمْ أَسْبَابَ الْهَلَاكِ وَالْعَطَبِ، وَكَذَلِكَ يَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ، وَيُحْصِي أَقْوَالَهُمْ، وَيَحْفَظُ أَوْلِيَاءَهُ بِالْحِفْظِ الْخَاصِّ، فَيَعْصِمُهُمْ عَنْ مُوَاقَعَةِ الذُّنُوبِ، وَيَحْرُسُهُمْ مِنْ مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ، وَعَنْ كُلِّ مَا يضرُّهم فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. وَانْتَصَبَ ﴿حَافِظًا﴾ تَمْيِيزًا لِـ ﴿خَيْر﴾ الَّذِي هُوَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ. ـ[ (قوله: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ (١) ، ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ (٢) ، وَقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ (٣) ، ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (٤) ،وَقوله: ﴿وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ (٥) ، وَقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (٦)) .]ـ /ش/ قَوْلُهُ: ﴿﵃ ... ﴾ إِلَخْ؛ تضمَّنت هَذِهِ الْآيَاتُ إِثْبَاتَ بَعْضِ صِفَاتِ الْفِعْلِ مِنَ الرِّضى لِلَّهِ، والغَضَب، واللَّعنُ، وَالكُرهِ،

стр. 122

والسَّخْط، والمَقْت، والأَسَف. وَهِيَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ صِفَاتٌ حَقِيقِيَّةٌ لِلَّهِ ، عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، وَلَا تُشْبِهُ مَا يَتَّصِفُ بِهِ الْمَخْلُوقُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا مَا يَلْزَمُ فِي الْمَخْلُوقِ. فَلَا حُجَّةَ لِلْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ عَلَى نَفْيِهَا، وَلَكِنَّهُمْ ظنُّوا أَنَّ اتِّصَافَ اللَّهِ بِهَا يَلْزَمُهُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصِّفَاتُ فِيهِ عَلَى نَحْوِ مَا هِيَ فِي الْمَخْلُوقِ، وَهَذَا الظنُّ الَّذِي ظَنُّوهُ فِي رَبِّهِمْ أَرْدَاهُمْ فَأَوْقَعَهُمْ فِي حَمْأَةِ النَّفْيِ وَالتَّعْطِيلِ. وَالْأَشَاعِرَةُ يُرْجعون هَذِهِ الصِّفَاتِ كُلِّهَا إِلَى الْإِرَادَةِ؛ كَمَا عَلِمْتَ سَابِقًا، فَالرِّضَا عِنْدَهُمْ إِرَادَةُ الثَّوَابِ، وَالْغَضَبُ وَالسَّخَطُ.. إِلَخْ إِرَادَةُ الْعِقَابِ. وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ؛ فَيُرْجِعُونَهَا إِلَى نَفْسِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ إخبارٌ عمَّا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَوْلِيَائِهِ مِنْ تَبَادُلِ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ. أَمَّا رِضَاهُ عَنْهُمْ؛ فَهُوَ أَعْظَمُ وأجلُّ مِنْ كُلِّ مَا أُعطوا مِنَ النَّعِيمِ؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (١) . وَأَمَّا رِضَاهُمْ عَنْهُ؛ فَهُوَ رِضَا كُلٍّ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَتِهِ مَهْمَا كَانَ، وَسُرُورُهُ بِهَا؛ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّهُ لَمْ يُؤْتَ أحدٌ خَيْرًا ممَّا أُوتي، وَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ الْآيَةَ؛ فَقَدِ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ:

стр. 123

﴿مُؤْمِنًا﴾ عَنْ قَتْلِ الْكَافِرِ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿مُّتَعَمِّدًا﴾ - أَيْ: قَاصِدًا لِذَلِكَ، بِأَنْ يَقْصِدَ مَن يَعْلَمُهُ آدَمِيًّا مَعْصُومًا، فَيَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ - عَنِ الْقَتْلِ الْخَطَأِ. وَقَوْلُهُ: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ ؛ أَيْ: مُقِيمًا عَلَى جِهَةِ التَّأْبِيدِ، وَقِيلَ الْخُلُودُ: الْمُكْثُ الطَّوِيلُ. وَاللَّعْنُ: هُوَ الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَاللَّعِينُ وَالْمَلْعُونُ: مَنْ حَقَّت عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، أَوْ دُعِي عَلَيْهِ بِهَا. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تدلُّ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا لَا تَوْبَةَ لَهُ، وَأَنَّهُ مخلَّد فِي النَّارِ، وَهَذَا معارضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ (١) . وَقَدْ أَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِعِدَّةِ أَجْوِبَةٍ؛ مِنْهَا: أَنَّ هَذَا الْجَزَاءَ لِمَنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا قَتْلَ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا. أَنَّ هَذَا هُوَ الْجَزَاءُ الَّذِي يستحقُّه لَوْ جُوزِيَ، مع إمكان أن لا يُجَازَى، بِأَنْ يَتُوبَ أَوْ يَعْمَلَ صَالِحًا يَرْجَحُ بِعَمَلِهِ السَّيِّئِ. أَنَّ الْآيَةَ وَارِدَةٌ مَوْرِدَ التَّغْلِيظِ وَالزَّجْرِ. أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخُلُودِ الْمُكْثُ الطَّوِيلُ كَمَا قَدَّمْنَا. وَقَدْ ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا لَا تَوْبَةَ لَهُ، حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ((إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ، وَلَمْ يَنْسَخْهَا شيءٌ)) (٢) .

стр. 124

وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَى الْقَاتِلِ حُقُوقًا ثَلَاثَةً: حَقًّا لِلَّهِ، وَحَقًّا لِلْوَرَثَةِ، وَحَقًّا لِلْقَتِيلِ.. فَحَقُّ اللَّهِ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ. وَحَقُّ الْوَرَثَةِ يَسْقُطُ بِالِاسْتِيفَاءِ فِي الدُّنيا أَوِ الْعَفْوِ. وَأَمَّا حَقُّ الْقَتِيلِ؛ فَلَا يَسْقُطُ حَتَّى يَجْتَمِعَ بِقَاتِلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَأْتِيَ رَأْسُهُ فِي يَدِهِ، وَيَقُولُ: يَا رَبِّ! سَلْ هَذَا فيمَ قَتَلَنِي؟ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا ... ﴾ إِلَخْ؛ فَالْأَسَفُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى شِدَّةِ الْحُزْنِ، وَبِمَعْنَى شِدَّةِ الْغَضَبِ وَالسَّخَطِ، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ. وَالِانْتِقَامُ: الْمُجَازَاةُ بِالْعُقُوبَةِ، مَأْخُوذٌ مِنَ النِّقْمَةِ، وَهِيَ شِدَّةُ الْكَرَاهَةِ وَالسَّخَطِ. ـ[ (وَقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ (١) ، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (٢) ، ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٣) ، ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ]ـ

стр. 125

ـ[وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً﴾ (١) .]ـ /ش/ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ ... ﴾ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ إِثْبَاتُ صِفَتَيْنِ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ لَهُ سُبْحَانَهُ، وَهُمَا صِفَتَا الْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الْإِيمَانُ بِذَلِكَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالِابْتِعَادُ عَنِ التَّأْوِيلِ الَّذِي هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ إلحادٌ وَتَعْطِيلٌ. ولعلَّ مِنَ الْمُنَاسِبِ أَنْ نَنْقُلَ إِلَى الْقَارِئِ هُنَا مَا كَتَبَهُ حَامِلُ لِوَاءِ التجهُّم وَالتَّعْطِيلِ فِي هَذَا الْعَصْرِ، وَهُوَ الْمَدْعُو بِزَاهِدٍ الْكَوْثَرِيِّ (٢) ؛ قَالَ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى كِتَابِ ((الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ)) لِلْبَيْهَقِيِّ (٣) مَا نَصُّهُ: ((قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (٤) مَا مَعْنَاهُ: إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بعذابٍ فِي الْغَمَامِ الَّذِي يُنْتَظَرُ مِنْهُ الرَّحْمَةُ، فَيَكُونُ مَجِيءُ الْعَذَابِ مِنْ حَيْثُ تُنتظر الرَّحْمَةُ أَفْظَعَ وَأَهْوَلَ. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي مَعْنَى الْبَاءِ كَمَا سَبَقَ. وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: أَنْ يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ)) . اهـ فَأَنْتَ تَرَى مِنْ نَقْلِ هَذَا الرَّجُلِ عَنْ أَسْلَافِهِ فِي التَّعْطِيلِ مَدَى اضْطِرَابِهِمْ فِي التَّخْرِيجِ وَالتَّأْوِيلِ.

стр. 126

عَلَى أَنَّ الْآيَاتِ صَرِيحَةٌ فِي بَابِهَا، لَا تَقْبَلُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ التَّأْوِيلَاتِ.. فَالْآيَةُ الْأُولَى تتوعَّد هَؤُلَاءِ المصِرِّين عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَاتِّبَاعِهِمْ لِلشَّيْطَانِ بِأَنَّهُمْ مَا يَنْتَظِرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ أَشَدُّ صَرَاحَةً؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُ الْإِتْيَانِ فِيهَا بِأَنَّهُ إِتْيَانُ الْأَمْرِ أَوِ الْعَذَابِ؛ لِأَنَّهُ ردَّد فِيهَا بَيْنَ إِتْيَانِ الْمَلَائِكَةِ وَإِتْيَانِ الرَّبِّ، وَإِتْيَانِ بَعْضِ آيَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ (*) . وَقَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى مَجِيءِ الْعَذَابِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مَجِيئُهُ سُبْحَانَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، وَالْمَلَائِكَةُ صُفُوفٌ؛ إِجْلَالًا وَتَعْظِيمًا لَهُ، وَعِنْدَ مَجِيئِهِ تَنْشَقُّ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ؛ كَمَا أَفَادَتْهُ الْآيَةُ الْأَخِيرَةُ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَجِيءُ وَيَأْتِي وَيَنْزِلُ وَيَدْنُو وَهُوَ فَوْقَ عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ. فَهَذِهِ كُلُّهَا أَفْعَالٌ لَهُ سُبْحَانَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَدَعْوَى الْمَجَازِ تعطيلٌ لَهُ عَنْ فِعْلِهِ، واعتقادُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَجِيءَ وَالْإِتْيَانَ مِنْ جِنْسِ مَجِيءِ الْمَخْلُوقِينَ وَإِتْيَانِهِمْ نزوعٌ إِلَى التَّشْبِيهِ يُفْضِي إِلَى الْإِنْكَارِ وَالتَّعْطِيلِ. ـ[ (وَقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (١) ، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ (٢)) .]ـ

стр. 127

/ش/ قَوْلُهُ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ إلخ، تضمَّنت هَاتَانِ الْآيَتَانِ إِثْبَاتَ صِفَةِ الْوَجْهِ لِلَّهِ . وَالنُّصُوصُ فِي إِثْبَاتِ الْوَجْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا تُحصى كَثْرَةً، وَكُلُّهَا تَنْفِي تَأْوِيلَ المعطِّلة الَّذِينَ يُفَسِّرُونَ الْوَجْهَ بِالْجِهَةِ أَوِ الثَّوَابِ أَوِ الذَّاتِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَقِّ أَنَّ الْوَجْهَ صفةٌ غيرُ الذَّاتِ، وَلَا يَقْتَضِي إِثْبَاتُهُ كَوْنَهُ تَعَالَى مُرَكَبًّا مِنْ أَعْضَاءٍ، كَمَا يَقُولُهُ المجسِّمة، بَلْ هُوَ صِفَةٌ لِلَّهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، فَلَا يُشْبِهُ وَجْهًا وَلَا يُشْبِهُهُ وَجْهٌ. واستدلَّت المعطِّلة بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْهِ الذَّاتُ؛ إِذْ لَا خُصُوصَ لِلْوَجْهِ فِي الْبَقَاءِ وَعَدَمِ الْهَلَاكِ. وَنَحْنُ نُعَارِضُ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ وجهٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَمَا جَاءَ اسْتِعْمَالُ هَذَا اللَّفْظِ فِي مَعْنَى الذَّاتِ؛ فَإِنَّ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ لِمَعْنًى لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي مَعْنًى آخَرَ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ ثَابِتًا لِلْمَوْصُوفِ، حَتَّى يُمْكِنُ لِلذِّهْنِ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الْمَلْزُومِ إِلَى لَازِمِهِ. عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُ مَجَازِهِمْ بِطَرِيقٍ آخَرَ؛ فَيُقَالُ: إِنَّهُ أَسْنَدَ الْبَقَاءَ إِلَى الْوَجْهِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ بَقَاءُ الذَّاتِ؛ بَدَلًا مِنْ أَنْ يُقَالَ: أَطْلَقَ الْوَجْهَ وَأَرَادَ الذَّاتَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ نَقْلًا عَنِ الْخَطَّابِيِّ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَضَافَ الْوَجْهَ إِلَى الذَّاتِ، وَأَضَافَ النَّعْتَ إِلَى الْوَجْهِ، فَقَالَ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَام﴾ ؛ دلَّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْوَجْهِ [لَيْسَ بِصِلَةٍ] (١) ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَام﴾ صفةٌ لِلْوَجْهِ، وَالْوَجْهُ صفةٌ للذَّات. وَكَيْفَ يُمْكِنُ تَأْوِيلُ الْوَجْهِ بِالذَّاتِ أَوْ بِغَيْرِهَا فِي مِثْلِ قَوْلِهِ ﵇ فِي حَدِيثِ الطَّائِفِ: ((أعوذُ بنورِ وجهِكَ الَّذِي أشرقتْ لَهُ الظُّلُمات ... ))

стр. 128

إلَخْ (١) ، وَقَوْلِهِ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: ((حِجَابُهُ النُّورُ أَوِ النَّارُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَات وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ)) (٢) ؟! ـ[ (وَقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٣) ، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ (٤)) .]ـ /ش/ قَوْلُهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ إِلَخْ؛ تضمَّنَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ إِثْبَاتَ الْيَدَيْنِ صِفَةً حَقِيقِيَّةً لَهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، فَهُوَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى يُوَبِّخُ إِبْلِيسَ عَلَى امْتِنَاعِهِ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ الَّذِي خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ. وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْيَدَيْنِ هُنَا عَلَى الْقُدْرَةِ؛ فَإِنَّ الْأَشْيَاءَ جَمِيعًا ـ حَتَّى إِبْلِيسَ ـ خَلَقَهَا اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ، فَلَا يَبْقَى لِآدَمَ خُصُوصِيَّةٌ يَتَمَيَّزُ بِهَا. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: ((إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ بِيَدِهِ: خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ

стр. 129

التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، وَغَرَسَ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ)) (١) . فَتَخْصِيصُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِالذِّكْرِ مَعَ مُشَارَكَتِهَا لِبَقِيَّةِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي وُقُوعِهَا بِالْقُدْرَةِ دالٌّ عَلَى اخْتِصَاصِهَا بِأَمْرٍ زَائِدٍ. وَأَيْضًا؛ فَلَفْظُ الْيَدَيْنِ بِالتَّثْنِيَةِ لَمْ يُعرف اسْتِعْمَالُهُ إِلَّا فِي الْيَدِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَلَمْ يَرِدْ قَطُّ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ أَوِ النِّعْمَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ: خَلَقَهُ اللَّهُ بِقُدْرَتَيْنِ أَوْ بِنِعْمَتَيْنِ. عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ الْيَدَيْنِ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ أَوِ الْقُدْرَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا إِلَّا فِي حَقِّ مَنِ اتَّصَفَ بِالْيَدَيْنِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلِذَلِكَ لَا يُقَالُ: لِلرِّيحِ يَدٌ، وَلَا لِلْمَاءِ يَدٌ. وَأَمَّا احْتِجَاجُ المعطِّلة بِأَنَّ الْيَدَ قَدْ أُفْرِدَتْ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ، وَجَاءَتْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فِي بَعْضِهَا؛ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ؛ فَإِنَّ مَا يُصْنَعُ بِالِاثْنَيْنِ قَدْ يُنسب إِلَى الْوَاحِدِ؛ تَقُولُ: رَأَيْتُ بِعَيْنِي، وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي، وَالْمُرَادُ: عَيْنَايَ، وَأُذُنَايَ. وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ يَأْتِي بِمَعْنَى الْمُثَنَّى أَحْيَانًا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 130

﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (١) ، وَالْمُرَادُ: قَلْبَاكُمَا. وَكَيْفَ يتأتَّى حملُ الْيَدِ عَلَى الْقُدْرَةِ أَوِ النِّعْمَةِ؛ مَعَ مَا وَرَدَ مِنْ إِثْبَاتِ الْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ وَالْيَمِينِ وَالشِّمَالِ وَالْقَبْضِ وَالْبَسْطِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْيَدِ الحقيقيَّة؟! وَفِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ يَحْكِي اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَقَالَةَ الْيَهُودِ قبَّحهم اللَّهُ فِي رَبِّهِمْ، وَوَصْفَهُمْ إِيَّاهُ ـ حَاشَاهُ ـ بِأَنَّ يَدَهُ مَغْلُولَةٌ؛ أَيْ: مُمْسِكَةٌ عَنِ الْإِنْفَاقِ. ثُمَّ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ سُبْحَانَهُ عَكْسَ مَا قَالُوا، وَهُوَ أَنَّ يَدَيْهِ مَبْسُوطَتَانِ بِالْعَطَاءِ؛ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ؛ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: ((إِنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلْأَى سحَّاء الليلَ والنهارَ؛ لَا تَغيضُها نَفَقةٌ)) (٢) . تُرَى لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ يَدَانِ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ هَلْ كَانَ يَحْسُنُ هَذَا التَّعْبِيرُ بِبَسْطِ الْيَدَيْنِ؟! أَلَا شاهَتْ وُجوهُ المتأوِّلين!!

стр. 131

ـ[ (وَقَوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (١) ، ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ (٢) ، ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (٣)) .]ـ /ش/ قَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ ... إِلَخْ؛ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ يُثْبِتُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِنَفْسِهِ عَيْنًا يَرَى بِهَا جَمِيعَ الْمَرْئِيَّاتِ، وَهِيَ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِلَّهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، فَلَا يَقْتَضِي إِثْبَاتُهَا كَوْنَهَا جَارِحَةً مركَّبة مِنْ شَحْمٍ وَعَصَبٍ وَغَيْرِهِمَا. وَتَفْسِيرُ المعطِّلة لَهَا بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِالْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ نفيٌ وتعطيلٌ. وَأَمَّا إِفْرَادُهَا فِي بَعْضِ النُّصُوصِ وَجَمْعُهَا فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ؛ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ عَلَى نَفْيِهَا؛ فَإِنَّ لُغَةَ الْعَرَبِ تَتَّسِعُ لِذَلِكَ، فَقَدْ يعبَّر فِيهَا عَنِ الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَيَقُومُ فِيهَا الْوَاحِدُ مَقَامَ الِاثْنَيْنِ كَمَا قدَّمنا فِي الْيَدَيْنِ. عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْعَيْنِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرُوهَا إِلَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لَهُ عَيْنٌ حَقِيقِيَّةٌ. فَهَلْ يُرِيدُ هَؤُلَاءِ المعطَّلة أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ يتمدَّح بِمَا لَيْسَ فِيهِ، فَيُثْبِتُ لِنَفْسِهِ عَيْنًا وَهُوَ عاطلٌ عَنْهَا؟! وَهَلْ يُرِيدُونَ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ رُؤْيَتَهُ لِلْأَشْيَاءِ لَا تَقَعُ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ بِهَا؛ بَلْ هُوَ يَرَاهَا بِذَاتِهِ كُلِّهَا ـ كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ: إِنَّهُ قَادِرٌ بِذَاتِهِ، مُرِيدٌ بِذَاتِهِ ... إلخ؟!

стр. 132

وَفِي الْآيَةِ الْأُولَى يَأْمُرُ اللَّهُ نبيَّه ﷺ بِالصَّبْرِ لِحُكْمِهِ، وَالِاحْتِمَالِ لِمَا يَلْقَاهُ مِنْ أَذَى قَوْمِهِ، ويعلِّل ذَلِكَ الْأَمْرَ بِأَنَّهُ بِمَرْأًى مِنْهُ، وَفِي كِلَاءَتِهِ وَحِفْظِهِ. وَفِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ يُخْبِرُ اللَّهُ عَنْ نبيِّه نوحٍ ﵇ أَنَّهُ لَمَّا كذَّبه قَوْمُهُ، وحقَّت عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ، وَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِالطُّوفَانِ؛ حَمَلَهُ هُوَ ومَن مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى سَفِينَةٍ ذَاتِ ألواحٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الْخَشَبِ ودُسُرٍ؛ أَيْ: مَسَامِيرَ، جَمْعُ دِسَار، تُشَدُّ بِهَا الْأَلْوَاحُ، وَأَنَّهَا كَانَتْ تَجْرِي بِعَيْنِ اللَّهِ وَحِرَاسَتِهِ. وَفِي الْآيَةِ الثَّالِثَةِ خطابٌ مِنَ اللَّهِ لنبيِّه مُوسَى ﵇ بِأَنَّهُ أَلْقَى عَلَيْهِ محبَّةً مِنْهُ؛ يَعْنِي: أَحَبَّهُ هُوَ سُبْحَانَهُ وحبَّبه إِلَى خَلْقِهِ، وَأَنَّهُ صَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ، وربَّاه تَرْبِيَةً اسْتَعَدَّ بِهَا لِلْقِيَامِ بِمَا حَمَّلَهُ مِنْ رِسَالَةٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ. ـ[ (وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (١) ، وَقَوْلُهُ: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ (٢) ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٣) ، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٤) ، ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (٥) ،]ـ

стр. 133

ـ[ ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١) ، ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢) .]ـ /ش/ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ... ﴾ إِلَخْ؛ هَذِهِ الْآيَاتُ سَاقَهَا الْمُؤَلِّفُ لِإِثْبَاتِ صِفَاتِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالرُّؤْيَةِ. أَمَّا السَّمْعُ؛ فَقَدْ عبَّرت عَنْهُ الْآيَاتُ بِكُلِّ صِيَغِ الِاشْتِقَاقِ، وَهِيَ: سَمِعَ، ويَسْمَعُ، وسميعٌ، ونَسْمَعُ، وَأسمَعُ، فَهُوَ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِلَّهِ، يُدْرِكُ بِهَا الْأَصْوَاتَ؛ كَمَا قَدَّمْنَا. وَأَمَّا الْبَصَرُ؛ فَهُوَ الصِّفَةُ الَّتِي يُدْرِكُ بِهَا الْأَشْخَاصَ وَالْأَلْوَانَ، وَالرُّؤْيَةُ لَازِمَةٌ لَهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: ((يَا أيها الناس لِلَّهِ أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أصمَّ وَلَا غَائِبًا، وَلَكِنْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا، إنَّ الَّذِي تَدْعُونَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ)) (٣) . وكلٌّ مِنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ صِفَةُ كَمَالٍ، وَقَدْ عَابَ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ

стр. 134

عِبَادَتَهُمْ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ. وَقَدْ نَزَلَتِ الْأُولَى فِي شَأْنِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ حِينَ ظَاهَرَ مِنْهَا زَوْجُهَا، فَجَاءَتْ تَشْكُو إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتحاوِرُهُ، وَهُوَ يَقُولُ لَهَا: ((مَا أَرَاكِ إِلَّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ)) (١) . أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتِ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وسعَ سمعُهُ الأصواتَ؛ لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ تَشْكُو إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا فِي ناحيةٍ مِنَ البيتِ مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ... ﴾ الْآيَاتِ)) (٢) . وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ؛ فَقَدْ نَزَلَتْ فِي فِنْحَاصَ الْيَهُودِيِّ الْخَبِيثِ، حِينَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ لَمَّا دَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ: وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا بِنَا إِلَى اللَّهِ مِنْ حَاجَةٍ مِنْ فَقْرٍ، وَإِنَّهُ إِلَيْنَا لَفَقِيرٌ، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا مَا استَقْرَضَنا (٣) !

стр. 135

وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّالِثَةُ؛ فَـ (أَمْ) بِمَعْنَى (بَلْ) ، وَالْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ، فَهِيَ (أَمِ) الْمُنْقَطِعَةُ، وَالِاسْتِفْهَامُ انكاريٌّ يتضمَّن مَعْنَى التَّوْبِيخِ، وَالْمَعْنَى: بَلْ أيظنُّ هَؤُلَاءِ فِي تخفِّيهِم وَاسْتِتَارِهِمْ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنْجْوَاهُمْ؛ بَلَى نَسْمَعُ ذَلِكَ، وَحَفَظَتُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ مَا يَقُولُونَ وَمَا يَفْعَلُونَ. وَأَمَّا الْآيَةُ الرَّابِعَةُ؛ فَهِيَ خطابٌ مِنَ اللَّهِ لِمُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ شَكَوْا إِلَى اللَّهِ خَوْفَهُمَا مِنْ بَطْشِ فِرْعَوْنَ بِهِمَا، فَقَالَ لَهُمَا: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ وَأَمَّا الْآيَةُ الْخَامِسَةُ؛ فَقَدْ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ أَبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ حِينَ نَهَى النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْبَيْتِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ إِلَخِ السُّورَةِ (١) . ـ[ (وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (٢) ،وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٣) ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا]ـ

стр. 136

ـ[يَشْعُرُونَ﴾ (١) ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ (٢)) .]ـ /ش/ وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَال ... ﴾ إِلَخْ؛ تضمَّنت هَذِهِ الْآيَاتُ إِثْبَاتَ صِفَتَيِ الْمَكْرِ وَالْكَيْدِ (*) ، وَهُمَا مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيَّةِ. وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يشتقَّ لَهُ مِنْ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ اسْمٌ، فَيُقَالَ: مَاكِرٌ، وَكَائِدٌ؛ بَلْ يُوقَفُ عِنْدَ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ مِنْ أَنَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، وَأَنَّهُ يَكِيدُ لِأَعْدَائِهِ الْكَافِرِينَ. أَمَّا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَال﴾ ِ؛ فَمَعْنَاهُ: شَدِيدُ الْأَخْذِ بِالْعُقُوبَةِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ (٣) ، ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٤) . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ((مَعْنَاهُ: شَدِيدُ الحَوْل)) . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ((شَدِيدُ القوَّة)) . وَالْأَقْوَالُ مُتَقَارِبَةٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ؛ فَمَعْنَاهُ: أَنْفَذُهُمْ وَأَسْرَعُهُمْ

стр. 137

مَكْرًا. وَقَدْ فسَّر بَعْضُ السَّلَفِ مَكْرَ اللَّهِ بِعِبَادِهِ بِأَنَّهُ اسْتِدْرَاجُهُمْ بالنِّعم مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ، فَكُلَّمَا أَحْدَثُوا ذَنْبًا أَحْدَثَ لَهُمْ نِعْمَةً؛ وَفِي الْحَدِيثِ: ((إِذَا رأيتَ اللَّهَ يُعطي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا مَا يحبُّ وَهُوَ مقيمٌ عَلَى مَعْصِيَتِهِ؛ فَاعْلَمْ أَنَّمَا ذَلِكَ مِنْهُ اسْتِدْرَاجٌ)) (١) . وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي شَأْنِ عِيسَى ﵇ حِينَ أَرَادَ الْيَهُودُ قَتْلَهُ، فَدَخَلَ بَيْتًا فِيهِ كوَّةٌ، وَقَدْ أيَّده اللَّهُ بِجِبْرِيلَ ﵇، فَرَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ مِنَ الْكُوَّةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ يَهُوذَا؛ ليدلَّهم عَلَيْهِ فَيَقْتُلُوهُ، فَأَلْقَى اللَّهُ شبهَ عِيسَى عَلَى ذَلِكَ الْخَائِنِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ عِيسَى؛ خَرَجَ إِلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: مَا فِي الْبَيْتِ أحدٌ. فَقَتَلُوهُ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهُ عِيسَى، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (٢) . وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا ... ﴾ إِلَخْ؛ فَهِيَ فِي شَأْنِ الرَّهْطِ

стр. 138

التِّسْعَةِ مِنْ قَوْمِ صَالِحٍ ﵇ حِينَ ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أَيْ: لَيَقْتُلُنَّه بَيَاتًا هُوَ وَأَهْلَهُ، ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ ، فكانَ عاقبةُ هَذَا الْمَكْرِ مِنْهُمْ أَنْ مَكَرَ اللَّهُ بِهِمْ فدمَّرهم وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (١) . ـ[ (وَقَوْلُهُ: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (٢) ، ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣)) .]ـ /ش/ قَوْلُهُ: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْرًا ... ﴾ إِلَخْ؛ هَذِهِ الْآيَاتُ تضمَّنت إِثْبَاتَ صِفَاتِ الْعَفْوِ وَالْقُدْرَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعِزَّةِ وَالتَّبَارُكِ وَالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. فالعَفُوُّ الَّذِي هُوَ اسْمُهُ تَعَالَى؛ مَعْنَاهُ: الْمُتَجَاوِزُ عَنْ عُقُوبَةِ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ تَابُوا إِلَيْهِ وَأَنَابُوا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَات﴾ (٤) . وَلَمَّا كَانَ أَكْمَلُ الْعَفْوِ هُوَ مَا كَانَ عَنْ قُدْرَةٍ تامَّة عَلَى الِانْتِقَامِ وَالْمُؤَاخَذَةِ؛ جَاءَ هَذَانِ الِاسْمَانِ الْكَرِيمَانِ: العَفُوُّ وَالْقَدِيرُ مُقْتَرِنَيْنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَفِي غَيْرِهَا. وَأَمَّا الْقُدْرَةُ؛ فَهِيَ الصِّفَةُ الَّتِي تتعلَّق بِالْمُمْكِنَاتِ إِيجَادًا وَإِعْدَامًا،

стр. 139

فكلُّ مَا كَانَ وَوَقَعَ مِنَ الْكَائِنَاتِ وَاقِعٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: ((مَا شَاءَ اللَّهُ كانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ)) (١) . وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ... ﴾ الْآيَةَ؛ فَقَدْ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ حِينَ حَلَفَ لَا يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ، وَكَانَ ممَّن خَاضُوا فِي الْإِفْكِ، وَكَانَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ بِنْتَ خَالَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: ((وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي)) ، وَوَصَلَ مِسْطَحًا (٢) . ـ[ (وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) ، وَقَوْلُهُ عَنْ إِبْلِيسَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤)) .]ـ /ش/ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ فَقَدْ [نَزَلَتْ فِي شَأْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيِّ ابْنِ سَلُولَ رَئِيسِ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ قَدْ أَقْسَمَ ليخرجنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُوَ وَأَصْحَابَهُ مِنَ المدينة، فنزل قول تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ ؛ يَقْصِدُ

стр. 140

بِالْأَعَزِّ ـ قبَّحه اللَّهُ ـ نَفْسَهُ وَأَصْحَابَهُ، وَيَقْصِدُ بِالْأَذَلِّ رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ] (١) . والعزَّة صفةٌ أثبتها لله لِنَفْسِهِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) . وَقَالَ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (٣) . وَأَقْسَمَ بِهَا سُبْحَانَهُ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: ((وعزَّتي وكِبْريائي وَعَظَمَتِي؛ لأخرجنَّ مِنْهَا مَن قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)) (٤) . وَأَخْبَرَ عَنْ إِبْلِيسَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٥) . وَفِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((بَيْنَمَا أيُّوب ﵇ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ ربُّه: يَا أيُّوب! أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟

стр. 141

قَالَ: بَلَى؛ وعزَّتك، وَلَكِنْ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ)) (١) . وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ الَّذِي علَّمه النبيُّ ﷺ لِمَنْ كَانَ بِهِ وَجَعٌ: ((أَعُوذُ بعزَّة اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شرِّ مَا أَجِدُ وأُحاذر)) (٢) . وَالْعِزَّةُ تَأْتِي بِمَعْنَى الْغَلَبَةِ وَالْقَهْرِ؛ مِنْ عزَّ يعُزُّ ـ بِضَمِّ الْعَيْنِ فِي الْمُضَارِعِ ـ يُقَالُ: عزَّه؛ إِذَا غَلَبَهُ. وَتَأْتِي بِمَعْنَى الْقُوَّةِ وَالصَّلَابَةِ؛ مِنْ عزَّ يعَزُّ ـ بِفَتْحِهَا ـ، وَمِنْهُ أَرْضٌ عَزَازٌ؛ لِلصَّلْبَةِ الشَّدِيدَةِ. وَتَأْتِي بِمَعْنَى علوِّ الْقَدْرِ وَالِامْتِنَاعِ عَنِ الْأَعْدَاءِ؛مِنْ: عزَّ يَعِزُّ - بِكَسْرِهَا -. وَهَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا ثَابِتَةٌ لِلَّهِ . ـ[ (وَقَوْلُهُ: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٣)) .]ـ /ش/ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ... ﴾ فَإِنَّهُ مِنَ الْبَرَكَةِ بِمَعْنَى

стр. 142

دَوَامِ الْخَيْرِ وَكَثْرَتِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿ذِي الْجَلالِ﴾ ؛ أَيْ: صَاحِبِ الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ سُبْحَانَهُ، الَّذِي لَا شَيْءَ أجلَّ وَلَا أَعْظَمُ مِنْهُ. وَ ﴿وَالإِكْرَامِ﴾ : الَّذِي يَكْرُمُ (١) عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَقِيلَ: الَّذِي يُكْرِمُ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ بِأَنْوَاعِ الْكَرَامَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ـ[ (وَقَوْلُهُ: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٢) ، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٣) ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) ، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ِ (٥) ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ (٦) ، ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٧) ، وَقَوْلُهُ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ]ـ

стр. 143

ـ[لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (١) ، وَقَوْلُهُ: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ *عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) ، ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) ، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٤)) .]ـ /ش/ قَوْلُهُ: ﴿فَاعْبُدْهُ ... ﴾ إِلَخْ؛ تضمَّنت هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ جُمْلَةً مِنْ صِفَاتِ السُّلُوبِ ، وَهِيَ نَفْيُ السَّمِيِّ وَالْكُفْءِ والنِّد وَالْوَلَدِ وَالشَّرِيكِ وَالْوَلِيِّ مِنْ ذلٍّ وَحَاجَةٍ؛ كَمَا تضمَّنت بَعْضَ صِفَاتِ الْإِثْبَاتِ؛ مِنَ: الْمُلْكِ، وَالْحَمْدِ، وَالْقُدْرَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، وَالتَّبَارُكِ. أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ؛ فَقَدْ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: ((قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ؛ أَيْ: نَظِيرًا استحقَّ مِثْلَ اسْمِهِ، وَيُقَالُ: مُسَامِيًا يُسَامِيهِ. وَهَذَا مَعْنَى مَا يُرْوَى عَنِ ابن عباس:

стр. 144

الثاني هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ؛ مَثَلًا أَوْ شَبِيهًا)) (١) . وَالِاسْتِفْهَامُ فِي الْآيَةِ إِنْكَارِيٌّ، مَعْنَاهُ النَّفْيُ؛ أَيْ: لَا تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ؛ فَالْمُرَادُ بِالْكُفْءِ: الْمُكَافِئُ الْمُسَاوِي. فَهَذِهِ الْآيَةُ تَنْفِي عَنْهُ سُبْحَانَهُ النَّظِيرَ وَالشَّبِيهَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ ﴿أَحَدٌ﴾ وَقَعَ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَيَعُمُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَفْسِيرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ كُلِّهَا، فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً ... ﴾ إلخ. فَالْأَنْدَادُ جَمْعُ نِدٍّ، وَمَعَنْاهُ ـ كَمَا قِيلَ ـ: النَّظِيرُ الْمُنَاوِئُ. وَيُقَالُ: لَيْسَ لِلَّهِ ندٌّ وَلَا ضدٌّ، وَالْمُرَادُ نَفْيُ مَا يُكَافِئُهُ وَيُنَاوِئُهُ، وَنَفْيُ مَا يُضَادُّهُ وَيُنَافِيهِ. وَجُمْلَةُ: ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وَقَعَتْ حَالًا مِنَ الْوَاوِ فِي ﴿تَجْعَلُواْ﴾ ، وَالْمَعْنَى: إِذَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ وَحْدَهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ، وَأَنَّ هَذِهِ الْآلِهَةَ الَّتِي جَعَلْتُمُوهَا لَهُ نُظَرَاءَ وَأَمْثَالًا وَسَاوَيْتُمُوهَا بِهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِبَادَةِ لَا تَخْلُقُ شَيْئًا، بَلْ هِيَ مَخْلُوقَةٌ، وَلَا تَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا؛ فَاتْرُكُوا عِبَادَتَهَا، وأفرِدوه سُبْحَانَهُ بِالْعِبَادَةِ وَالتَّعْظِيمِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ ... ﴾ إِلَخْ؛ فَهُوَ إخبارٌ مِنَ اللَّهِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّهُمْ يحبُّون آلِهَتَهُمْ كَحُبِّهِمْ لِلَّهِ ؛ يَعْنِي: يَجْعَلُونَهَا

стр. 145

مُسَاوِيَةً لَهُ فِي الْحُبِّ. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾ مِنْ حُبِّ الْمُشْرِكِينَ لِآلِهَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَخْلَصُوا لَهُ الْحُبَّ، وَأَفْرَدُوهُ بِهِ، أَمَّا حُبُّ الْمُشْرِكِينَ لِآلِهَتِهِمْ؛ فَهُوَ موزَّعٌ بَيْنَهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الحبَّ إِذَا كَانَ لِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ أَمْكَنَ وَأَقْوَى. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يحبُّون آلِهَتَهُمْ كَحُبِّ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ، وَالَّذِينَ آمَنُوا أشدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِنَ الْكُفَّارِ لِأَنْدَادِهِمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ... ﴾ الْآيَةَ؛ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي مَعْنَى الْحَمْدِ (١) ، وَأَنَّهُ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى النِّعْمَةِ وَغَيْرِهَا، وَقُلْنَا: إِنَّ إِثْبَاتَ الْحَمْدِ لَهُ سُبْحَانَهُ متضمِّنٌ لِإِثْبَاتِ جَمِيعِ الْكَمَالَاتِ الَّتِي لَا يستحقُّ الْحَمْدَ الْمُطْلَقَ إِلَّا مَنْ بَلَغَ غَايَتَهَا. ثُمَّ نَفَى سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ مَا يُنَافِي كَمَالَ الْحَمْدِ مِنَ الْوَلَدِ وَالشَّرِيكِ وَالْوَلِيِّ مِنَ الذلِّ ـ أَيْ: مِنْ فَقْرٍ وَحَاجَةٍ ـ، فَهُو سُبْحَانَهُ لَا يُوَالِي أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ مِنْ أَجْلِ ذِلَّةٍ وَحَاجَةٍ إِلَيْهِ. ثُمَّ أَمَرَ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ أَنْ يُكَبِّرَهُ تَكْبِيرًا؛ أَيْ: يُعَظِّمَهُ تَعْظِيمًا ويُنَزِّهَهُ عَنْ كُلِّ صِفَةِ نَقْصٍ وَصَفَهُ بِهَا أَعْدَاؤُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّه ... ِ﴾ إِلَخْ؛ فَالتَّسْبِيحُ هُوَ التَّنْزِيهُ وَالْإِبْعَادُ عَنِ السُّوءِ؛ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَا شَكَّ أَنَّ جَمِيعَ الأشياء في السموات وفي الْأَرْضِ تسبِّح بِحَمْدِ رَبِّهَا، وَتَشْهَدُ لَهُ بِكَمَالِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ والعزَّة وَالْحِكْمَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالرَّحْمَةِ؛ قَالَ
следующие страницы →