Полный текст (316 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
قَالَ: بَلَى؛ وعزَّتك، وَلَكِنْ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ)) (١) .
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ الَّذِي علَّمه النبيُّ ﷺ لِمَنْ كَانَ بِهِ وَجَعٌ: ((أَعُوذُ بعزَّة اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شرِّ مَا أَجِدُ وأُحاذر)) (٢) .
وَالْعِزَّةُ تَأْتِي بِمَعْنَى الْغَلَبَةِ وَالْقَهْرِ؛ مِنْ عزَّ يعُزُّ ـ بِضَمِّ الْعَيْنِ فِي الْمُضَارِعِ ـ يُقَالُ: عزَّه؛ إِذَا غَلَبَهُ.
وَتَأْتِي بِمَعْنَى الْقُوَّةِ وَالصَّلَابَةِ؛ مِنْ عزَّ يعَزُّ ـ بِفَتْحِهَا ـ، وَمِنْهُ أَرْضٌ عَزَازٌ؛ لِلصَّلْبَةِ الشَّدِيدَةِ.
وَتَأْتِي بِمَعْنَى علوِّ الْقَدْرِ وَالِامْتِنَاعِ عَنِ الْأَعْدَاءِ؛مِنْ: عزَّ يَعِزُّ - بِكَسْرِهَا -.
وَهَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا ثَابِتَةٌ لِلَّهِ .
ـ[ (وَقَوْلُهُ: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٣)) .]ـ
/ش/ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ... ﴾ فَإِنَّهُ مِنَ الْبَرَكَةِ بِمَعْنَى стр. 142
دَوَامِ الْخَيْرِ وَكَثْرَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ذِي الْجَلالِ﴾ ؛ أَيْ: صَاحِبِ الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ سُبْحَانَهُ، الَّذِي لَا شَيْءَ أجلَّ وَلَا أَعْظَمُ مِنْهُ.
وَ ﴿وَالإِكْرَامِ﴾ : الَّذِي يَكْرُمُ (١) عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَقِيلَ: الَّذِي يُكْرِمُ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ بِأَنْوَاعِ الْكَرَامَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ـ[ (وَقَوْلُهُ: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٢) ، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٣) ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) ، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ِ (٥) ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ (٦) ، ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٧) ، وَقَوْلُهُ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ]ـ стр. 143
ـ[لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (١) ، وَقَوْلُهُ: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ *عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) ، ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) ، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٤)) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ﴿فَاعْبُدْهُ ... ﴾ إِلَخْ؛ تضمَّنت هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ جُمْلَةً مِنْ صِفَاتِ السُّلُوبِ ، وَهِيَ نَفْيُ السَّمِيِّ وَالْكُفْءِ والنِّد وَالْوَلَدِ وَالشَّرِيكِ وَالْوَلِيِّ مِنْ ذلٍّ وَحَاجَةٍ؛ كَمَا تضمَّنت بَعْضَ صِفَاتِ الْإِثْبَاتِ؛ مِنَ: الْمُلْكِ، وَالْحَمْدِ، وَالْقُدْرَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، وَالتَّبَارُكِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ؛ فَقَدْ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: ((قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ؛ أَيْ: نَظِيرًا استحقَّ مِثْلَ اسْمِهِ، وَيُقَالُ: مُسَامِيًا يُسَامِيهِ. وَهَذَا مَعْنَى مَا يُرْوَى عَنِ ابن عباس: стр. 144
الثاني هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ؛ مَثَلًا أَوْ شَبِيهًا)) (١) .
وَالِاسْتِفْهَامُ فِي الْآيَةِ إِنْكَارِيٌّ، مَعْنَاهُ النَّفْيُ؛ أَيْ: لَا تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ؛ فَالْمُرَادُ بِالْكُفْءِ: الْمُكَافِئُ الْمُسَاوِي.
فَهَذِهِ الْآيَةُ تَنْفِي عَنْهُ سُبْحَانَهُ النَّظِيرَ وَالشَّبِيهَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ ﴿أَحَدٌ﴾ وَقَعَ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَيَعُمُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَفْسِيرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ كُلِّهَا، فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً ... ﴾ إلخ. فَالْأَنْدَادُ جَمْعُ نِدٍّ، وَمَعَنْاهُ ـ كَمَا قِيلَ ـ: النَّظِيرُ الْمُنَاوِئُ. وَيُقَالُ: لَيْسَ لِلَّهِ ندٌّ وَلَا ضدٌّ، وَالْمُرَادُ نَفْيُ مَا يُكَافِئُهُ وَيُنَاوِئُهُ، وَنَفْيُ مَا يُضَادُّهُ وَيُنَافِيهِ.
وَجُمْلَةُ: ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وَقَعَتْ حَالًا مِنَ الْوَاوِ فِي ﴿تَجْعَلُواْ﴾ ، وَالْمَعْنَى: إِذَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ وَحْدَهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ، وَأَنَّ هَذِهِ الْآلِهَةَ الَّتِي جَعَلْتُمُوهَا لَهُ نُظَرَاءَ وَأَمْثَالًا وَسَاوَيْتُمُوهَا بِهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِبَادَةِ لَا تَخْلُقُ شَيْئًا، بَلْ هِيَ مَخْلُوقَةٌ، وَلَا تَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا؛ فَاتْرُكُوا عِبَادَتَهَا، وأفرِدوه سُبْحَانَهُ بِالْعِبَادَةِ وَالتَّعْظِيمِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ ... ﴾ إِلَخْ؛ فَهُوَ إخبارٌ مِنَ اللَّهِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّهُمْ يحبُّون آلِهَتَهُمْ كَحُبِّهِمْ لِلَّهِ ؛ يَعْنِي: يَجْعَلُونَهَا стр. 145
مُسَاوِيَةً لَهُ فِي الْحُبِّ. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾ مِنْ حُبِّ الْمُشْرِكِينَ لِآلِهَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَخْلَصُوا لَهُ الْحُبَّ، وَأَفْرَدُوهُ بِهِ، أَمَّا حُبُّ الْمُشْرِكِينَ لِآلِهَتِهِمْ؛ فَهُوَ موزَّعٌ بَيْنَهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الحبَّ إِذَا كَانَ لِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ أَمْكَنَ وَأَقْوَى.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يحبُّون آلِهَتَهُمْ كَحُبِّ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ، وَالَّذِينَ آمَنُوا أشدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِنَ الْكُفَّارِ لِأَنْدَادِهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ... ﴾ الْآيَةَ؛ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي مَعْنَى الْحَمْدِ (١) ، وَأَنَّهُ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى النِّعْمَةِ وَغَيْرِهَا، وَقُلْنَا: إِنَّ إِثْبَاتَ الْحَمْدِ لَهُ سُبْحَانَهُ متضمِّنٌ لِإِثْبَاتِ جَمِيعِ الْكَمَالَاتِ الَّتِي لَا يستحقُّ الْحَمْدَ الْمُطْلَقَ إِلَّا مَنْ بَلَغَ غَايَتَهَا.
ثُمَّ نَفَى سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ مَا يُنَافِي كَمَالَ الْحَمْدِ مِنَ الْوَلَدِ وَالشَّرِيكِ وَالْوَلِيِّ مِنَ الذلِّ ـ أَيْ: مِنْ فَقْرٍ وَحَاجَةٍ ـ، فَهُو سُبْحَانَهُ لَا يُوَالِي أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ مِنْ أَجْلِ ذِلَّةٍ وَحَاجَةٍ إِلَيْهِ.
ثُمَّ أَمَرَ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ أَنْ يُكَبِّرَهُ تَكْبِيرًا؛ أَيْ: يُعَظِّمَهُ تَعْظِيمًا ويُنَزِّهَهُ عَنْ كُلِّ صِفَةِ نَقْصٍ وَصَفَهُ بِهَا أَعْدَاؤُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّه ... ِ﴾ إِلَخْ؛ فَالتَّسْبِيحُ هُوَ التَّنْزِيهُ وَالْإِبْعَادُ عَنِ السُّوءِ؛ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ جَمِيعَ الأشياء في السموات وفي الْأَرْضِ تسبِّح بِحَمْدِ رَبِّهَا، وَتَشْهَدُ لَهُ بِكَمَالِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ والعزَّة وَالْحِكْمَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالرَّحْمَةِ؛ قَالَ стр. 146
تَعَالَى:
﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم﴾ (١) .
وَقَدِ اختُلف فِي تَسْبِيحِ الْجَمَادَاتِ الَّتِي لَا تَنْطِقُ؛ هَلْ هُوَ بِلِسَانِ الْحَالِ أَوْ بِلِسَانِ الْمَقَالِ؟ وَعِنْدِي أَنَّ الثَّانِيَ أَرْجَحُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم﴾ ؛ إِذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ تَسْبِيحَهَا بِلِسَانِ الْحَالِ؛ لَكَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا، فَلَا يصحُّ الِاسْتِدْرَاكُ.
وَقَدْ قالَ تَعَالَى خَبَرًا عَنْ داودَ ﵇:
﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٢) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي ... ﴾ إِلَخْ؛ فَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ مَعْنَى ﴿تَبَارَكَ﴾ مِنَ الْبَرَكَةِ؛ وَهِيَ دَوَامُ الْخَيْرِ وَكَثْرَتُهُ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ سَبْقُ النَّقْصِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ تجدُّد الْكَمَالَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ التَّابِعَةِ لِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَإِنَّهَا تتجدَّد فِي ذَاتِهِ عَلَى وَفْقِ حِكْمَتِهِ، فالخلوُّ عَنْهَا قَبْلَ اقْتِضَاءِ الْحِكْمَةِ لَهَا لَا يعتبرُ نَقْصًا (٣) (*) .
وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّبَارُكُ بِالثَّبَاتِ وَعَدَمِ التغيُّر، وَمِنْهُ سمِّيت البِرْكَة؛ لِثُبُوتِ مَائِهَا. وَهُوَ بَعِيدٌ. стр. 147
وَالْمُرَادُ بِـ ﴿الْفُرْقَانَ﴾ الْقُرْآنُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لقوَّة تَفْرِقَتِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ.
وَالتَّعْبِيرُ بِـ ﴿نَزَّلَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ؛ لِإِفَادَةِ التدرُّج فِي النُّزُولِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ جُمْلَةً وَاحِدَةً.
وَالْمُرَادُ بِـ ﴿عَبْدِه﴾ ِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَقَبِ الْعُبُودِيَّةِ لِلتَّشْرِيفِ ـ كَمَا سَبَقَ ـ.
وَ ﴿اِلْعَالَمِينَ﴾ ؛ جَمْعُ عالَم، وَهُوَ جَمْعٌ لِمَا يَعْقِلُ، واختُلِف فِي الْمُرَادِ بِهِ، فَقِيلَ: الْإِنْسُ. وَقِيلَ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ. وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مرسلٌ إِلَى الْجِنِّ أَيْضًا، وَأَنَّهُ يَجْتَمِعُ بِهِمْ، وَيَقْرَأُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، وَأَنَّ مِنْهُمْ نَفَرًا أَسْلَمَ حِينَ سَمِعَ الْقُرْآنَ وَذَهَبَ يُنْذِرُ قَوْمَهُ بِهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ (١) .
وَالنَّذِيرُ وَالْمُنْذِرُ هُوَ مَنْ يُعْلِم بِالشَّيْءِ مَعَ التَّخْوِيفِ، وَضِدُّهُ الْبَشِيرُ أَوِ المبشِّر، وهوَ مَنْ يُخْبِرُكَ بِمَا يسرُّك.
وَقَوْلُهُ: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَد ... ﴾ إِلَخْ؛ تضمَّنت هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَيْضًا جُمْلَةً مِنْ صِفَاتِ التَّنْزِيهِ الَّتِي يُراد بِهَا نَفْيُ مَا لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ عَنْهُ، فَقَدْ نزَّه سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ فِيهَا عَنِ اتِّخاذ الْوَلَدِ وَعَنْ وُجُودِ إِلَهٍ خالقٍ مَعَهُ، وعمَّا وَصَفَهُ بِهِ الْمُفْتَرُونَ الكذَّابون؛ كَمَا نَهَى عَنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ لَهُ، وَالْإِشْرَاكِ بِهِ بِلَا حُجَّةٍ وَلَا بُرْهَانٍ، وَالْقَوْلِ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِلَا عِلْمٍ وَلَا دَلِيلٍ. стр. 148
فَهَذِهِ الْآيَةُ تضمَّنت إِثْبَاتَ تَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ، وَإِثْبَاتَ تَوْحِيدِ الرُّبوبية، فَإِنَّ اللَّهَ بَعْدَمَا أَخْبَر عَنْ نَفْسِهِ بِعَدَمِ وُجُودِ إِلَهٍ مَعَهُ أَوْضَحَ ذَلِكَ بِالْبُرْهَانِ الْقَاطِعِ وَالْحُجَّةِ الْبَاهِرَةِ، فَقَالَ: ﴿إِذًا﴾ ؛ أَيْ: إِذْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلهةٌ كَمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ؛ ﴿لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض﴾ ٍ.
وَتَوْضِيحُ هَذَا الدَّلِيلِ أَنْ يُقَالَ: إِذَا تعدَّدت الْآلِهَةُ؛ فَلَا بدَّ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ خَلْقٌ وَفِعْلٌ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى التَّعَاوُنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ ضروريٌّ، كَمَا أَنَّ التَّعَاوُنَ بَيْنَهُمْ فِي الْخَلْقِ يَقْتَضِي عَجْزَ كُلٍّ مِنْهُمْ عِنْدَ الِانْفِرَادِ، وَالْعَاجِزُ لَا يَصْلُحُ إِلَهًا، فَلَا بُدَّ أَنْ يستقلَّ كلٌّ مِنْهُمْ بِخَلْقِهِ وَفِعْلِهِ، وحينئذٍ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا مُتَكَافِئِينَ فِي الْقُدْرَةِ، لَا يَسْتَطِيعُ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنْ يَقْهَرَ الْآخَرِينَ وَيَغْلِبَهُمْ، فَيَذْهَبَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِمَا خَلَقَ، وَيَخْتَصَّ بِمُلْكِهِ؛ كَمَا يَفْعَلُ مُلُوكُ الدُّنْيَا مِنَ انْفِرَادِ كُلٍّ بِمَمْلَكَتِهِ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا لِقَهْرِ الْآخَرِينَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ أَقْوَى مِنَ الْآخَرِينَ، فَيَغْلِبَهُمْ، وَيَقْهَرَهُمْ، وَيَنْفَرِدَ دُونَهُمْ بِالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ، فَلَا بُدَّ إِذًا مَعَ تعدُّد الْآلِهَةِ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا ذَهَابُ كُلٍّ بِمَا خَلَقَ، أَوْ عُلُوُّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.
وَذَهَابُ كلٍّ بِمَا خَلَقَ غَيْرُ وَاقِعٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي التَّنَافُرَ وَالِانْفِصَالَ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ، مَعَ أَنَّ الْمُشَاهَدَةَ تُثْبِتُ أَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ كَجِسْمٍ وَاحِدٍ مُتَرَابِطِ الْأَجْزَاءِ، متَّسق الْأَنْحَاءِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا أَثَرًا لِإِلَهٍ وَاحِدٍ.
وَعُلُوُّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْإِلَهُ هُوَ الْعَالِيَ وَحْدَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ﴾ ؛ فَهُوَ نهيٌ لَهُمْ أَنْ يشبِّهوه بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى الَّذِي لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ مَخْلُوقٌ.
وَقَدْ قدَّمنا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي حَقِّهِ مِنَ الْأَقْيِسَةِ مَا يَقْتَضِي
стр. 149
الْمُمَاثَلَةَ أَوِ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ كَقِيَاسِ التَّمْثِيلِ وَقِيَاسِ الشُّمُولِ.
وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ قِيَاسُ الْأَوْلَى الَّذِي مَضْمُونُهُ أَنَّ كُلَّ كمالٍ وجوديٍّ غيرِ مستلزمٍ لِلْعَدَمِ وَلَا لِلنَّقْصِ بوجهٍ مِنَ الْوُجُوهِ اتَّصف بِهِ الْمَخْلُوقُ فَالْخَالِقُ أَوْلَى أَنْ يتَّصف بِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَهَبَ الْمَخْلُوقَ ذَلِكَ الْكَمَالَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يتَّصف بِذَلِكَ الْكَمَالِ ـ مَعَ إِمْكَانِ أَنْ يُتَّصف بِهِ ـ لَكَانَ فِي الْمُمْكِنَاتِ مَنْ هُوَ أَكْمَلُ مِنْهُ، وَهُوَ محالٌ، وَكَذَلِكَ كُلُّ نقصٍ يتنزَّه عَنْهُ الْمَخْلُوقُ، فَالْخَالِقُ أَوْلَى بالتنزُّه عَنْهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿قلْ إِنَّمَا حَرَّمَ ... ﴾ إِلَخْ؛ فَـ ﴿إِنَّمَا﴾ أَدَاةُ حصرٍ تُفِيدُ اخْتِصَاصَ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ بِالْحُرْمَةِ، فَيُفْهِمُ أَنَّ مَن عَدَاهَا مِنَ الطَّيِّبات فَهُوَ مباحٌ لَا حَرَجَ فِيهِ؛ كَمَا أَفَادَتْهُ الْآيَةُ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَ ﴿الْفَوَاحِشَ﴾ جَمْعُ فَاحِشَةٍ؛ وَهِيَ الْفِعْلَةُ الْمُتَنَاهِيَةُ فِي الْقُبْحِ، وخصَّها بَعْضُهُمْ بِمَا تضمَّن شَهْوَةً وَلَذَّةً مِنَ الْمَعَاصِي؛ كَالزِّنَا، وَاللِّوَاطِ، وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْفَوَاحِشِ الظَّاهِرَةِ، وَكَالْكِبْرِ وَالْعَجَبِ وَحُبِّ الرِّيَاسَةِ مِنَ الْفَوَاحِشِ الْبَاطِنَةِ.
وَأَمَّا ﴿وَالإِثْمَ﴾ ؛ فَمِنْهُمْ مَن فَسَّرَهُ بِمُطْلَقِ الْمَعْصِيَةِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْهُ مَا دُونَ الْفَاحِشَةِ، وَمِنْهُمْ مَن خصَّه بِالْخَمْرِ؛ فَإِنَّهَا جِماع الْإِثْمِ.
وَأَمَّا ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ؛ فَهُوَ التسلُّط وَالِاعْتِدَاءُ عَلَى النَّاسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْقِصَاصِ وَالْمُمَاثَلَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ ، وحرَّم أَنْ تَعْبُدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، وتتقرَّبوا إِلَيْهِ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ وَالْقُرُبَاتِ؛ كَالدُّعَاءِ، وَالنَّذْرِ، وَالذَّبْحِ، وَالْخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُخْلِص فِيهِ
стр. 150
العبدُ قلبَه ويُسْلِمَ وجهَه لِلَّهِ، وحرَّم أَنْ تتَّخذوا مِنْ دُونِهِ سُبْحَانَهُ أَوْلِيَاءَ يشرِّعون لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ فِي عِبَادَاتِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ؛ كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْكِتَابِ مَعَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ؛ حَيْثُ اتَّخذوهم أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فِي التَّشْرِيعِ، فأحلُّوا مَا حرَّم اللَّهُ، وحرَّمُوا مَا أحلَّ اللَّهُ، فاتَّبعوهم فِي ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ قيدٌ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا عُبِدَ أَوِ اتُّبِعَ أَوْ أُطيع مِنْ دُونِ اللَّهِ قَدْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ سُلْطَانٍ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ؛ فَهُوَ بابٌ واسعٌ جِدًّا يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ خَبَرٍ عَنِ اللَّهِ بِلَا دَلِيلٍ وَلَا حُجَّةٍ؛ كَنَفْيِ مَا أَثْبَتَهُ، أَوْ إِثْبَاتِ مَا نَفَاهُ، أَوِ الْإِلْحَادِ فِي آيَاتِهِ بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ.
قَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ ((إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ)) (١) : ((وَقَدْ حرَّم اللَّهُ الْقَوْلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فِي الْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ وَجَعَلَهُ مِنْ أَعْظَمِ المحرَّمات؛ بَلْ جَعَلَهُ فِي الْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا مِنْهَا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿قلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ... ﴾ الْآيَةَ، فرتَّب الْمُحَرَّمَاتِ أَرْبَعَ مَرَاتِبَ، وَبَدَأ بِأَسْهَلِهَا، وَهُوَ الْفَوَاحِشُ، وَثَنَّى بِمَا هُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْهُ، وَهُوَ الْإِثْمُ وَالظُّلْمُ، ثُمَّ ثلَّث بِمَا هُوَ أَعْظَمُ تَحْرِيمًا مِنْهُمَا، وَهُوَ الشِّرْكُ بِهِ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ ربَّع بِمَا هُوَ أَعْظَمُ تَحْرِيمًا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُوَ الْقَوْلُ عَلَيْهِ بِلَا عِلْمٍ، وَهَذَا يعمُّ الْقَوْلَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِلَا عِلْمٍ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَفِي دِينِهِ وَشَرْعِهِ)) .
ـ[ (وَقَوْلُهُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فِي [سَبْعَةِ] (٢) مَوَاضِعَ:]ـ стр. 151
ـ[[فِي سُورَةِ الأَعْرَافِ؛ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١) . وَقَالَ فِي سُورَةِ يُونُسَ ﵇: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) . وَقَالَ فَي سُورَةِِ الرَّعْدِِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٣) . وَقَالَ فِي سُورَةِ طَهَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٤) . وَقَالَ فِي سُورَةِ الْفُرْقَان ِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ (٥) . وَقَالَ فِي سُورَةِ آلم السَّجْدَةِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ (٦) ، وَقَالَ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٧) ] (٨)) .]ـ стр. 152
/ش/ وَقَوْلُهُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ... ﴾ إلخ؛ هَذِهِ هِيَ الْمَوَاضِعُ السَّبْعَةُ الَّتِي أَخْبَرَ فِيهَا سُبْحَانَهُ بِاسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ، وَكُلُّهَا قَطْعِيَّةُ الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَلَا يَمْلِكُ الجهميُّ المعطِّل لَهَا رَدًّا وَلَا إِنْكَارًا، كَمَا أَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي بَابِهَا، لَا تَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا، فَإِنَّ لَفْظَ: ﴿اسْتَوَى﴾ فِي اللُّغَةِ إِذَا عُدِّي بِـ (عَلَى) لَا يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ إِلَّا الْعُلُوُّ وَالِارْتِفَاعُ، وَلِهَذَا لَمْ تَخْرُجْ تَفْسِيرَاتُ السَّلَفِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ أَرْبَعِ عِبَارَاتٍ؛ ذَكَرَهَا العلاَّمة ابْنُ الْقَيِّمِ فِي ((النُّونية)) (١) ؛ حَيْثُ قَالَ:
فَلَهُمْ عِبَارَاتٌ عَلَيْهَا أَرْبَعٌ ... قَدْ حُصِّلَتْ لِلْفَارِسِ الطَّعَّانِ
وَهِيَ اسْتَقَرَّ وَقَدْ عَلاَ وَكَذلِكَ ارْ ... تَفَعَ الَّذِي مَا فِيهِ مِن نُّكْرَانِ
وَكَذَاكَ قَدْ صَعِدَ الَّذِي هُوَ رَابِعٌ ... وَأَبُو عُبَيْدَةَ صَاحِبُ الشِّيبَانِي
يَخْتَارُ هَذَا القَوْلَ فِي تَفْسِيرِهِ ... أَدْرَى مِنَ الْجَهْمِيِّ بِالْقُرآنِ
فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يُؤْمِنُونَ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ أَنَّهُ مستوٍ عَلَى عَرْشِهِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ بِالْكَيْفِيَّةِ الَّتِي يَعْلَمُهَا هُوَ جلَّ شَأْنُهُ؛ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ:
((الِاسْتِوَاءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولُ)) (٢) . стр. 153
وَأَمَّا مَا يشغِّب بِهِ أَهْلُ التَّعْطِيلِ مِنْ إِيرَادِ اللَّوَازِمِ الْفَاسِدَةِ عَلَى تَقْرِيرِ الِاسْتِوَاءِ؛ فَهِيَ لَا تَلْزَمُنَا؛ لِأَنَّنَا لَا نَقُولُ بِأَنَّ فوقيَّتَهُ عَلَى الْعَرْشِ كفوقِيَّة الْمَخْلُوقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ.
وَأَمَّا مَا يُحَاوِلُونَ بِهِ صَرْفَ هَذِهِ الْآيَاتِ الصَّرِيحَةِ عَنْ ظَوَاهِرِهَا بِالتَّأْوِيلَاتِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي تدُلُّ عَلَى حِيرَتِهِمْ وَاضْطِرَابِهِمْ؛ كَتَفْسِيرِهِمُ: ﴿اسْتَوَى﴾ بِـ (اسْتَوْلَى) ، أَوْ حَمْلِهِمْ ﴿عَلَى﴾ عَلَى مَعْنَى (إِلَى) ، وَ ﴿اسْتَوَى﴾ ؛ بِمَعْنَى: (قَصَدَ) ... إِلَى آخِرِ مَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ حَامِلُ لِوَاءِ التجهُّم وَالتَّعْطِيلِ زَاهِدٌ الْكَوْثَرِيُّ (١) ؛ فَكُلُّهَا تشغيبٌ بِالْبَاطِلِ، وتغييرٌ فِي وَجْهِ الْحَقِّ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ فِي قليلٍ وَلَا كثيرٍ.
وَلَيْتَ شِعْرِي! مَاذَا يُرِيدُ هَؤُلَاءِ المعطِّلة أَنْ يَقُولُوا؟!
أَيُرِيدُونَ أَنْ يَقُولُوا: لَيْسَ فِي السَّمَاءِ ربٌّ يُقْصَدُ، وَلَا فَوْقَ الْعَرْشِ إِلَهٌ يُعْبَدُ؟!
فَأَيْنَ يَكُونُ إِذَنْ؟!
ولعلَّهم يَضْحَكُونَ مِنَّا حِينَ نَسْأَلُ عَنْهُ بِـ (أَيْنَ) ! وَنَسُوا أَنَّ أَكْمَلَ الْخَلْقِ وَأَعْلَمَهُمْ بِرَبِّهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ قَدْ سَأَلَ عَنْهُ بِـ (أَيْنَ) حِينَ قَالَ لِلْجَارِيَةِ: ((أَيْنَ اللَّهُ؟)) .وَرَضِيَ جَوَابَهَا حِينَ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ (٢) .
وَقَدْ أَجَابَ كَذَلِكَ مَن سَأَلَهُ بِـ: أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أن يخلق السموات стр. 154
وَالْأَرْضَ؟ بِأَنَّهُ كَانَ فِي عَمَاءٍ.. الْحَدِيثَ (١) .
وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ أَنَّهُ زَجَرَ السَّائِلَ، وَلَا قَالَ لَهُ: إِنَّكَ غَلَطْتَ فِي السُّؤَالِ.
إِنَّ قُصَارَى مَا يَقُولُهُ الْمُتَحَذْلِقُ مِنْهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ وَلَا مَكَانَ، ثُمَّ خَلَقَ الْمَكَانَ، وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْمَكَانِ.
فَمَاذَا يَعْنِي هَذَا المُخَرِّف بِالْمَكَانِ الَّذِي كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ؟!
هَلْ يَعْنِي بِهِ تِلْكَ الْأَمْكِنَةَ الْوُجُودِيَّةَ الَّتِي هِيَ دَاخِلُ مُحِيطِ الْعَالَمِ؟!
فَهَذِهِ أَمْكِنَةٌ حَادِثَةٌ، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِوُجُودِ اللَّهِ فِي شيءٍ مِنْهَا؛ إِذْ لَا يَحْصُرُهُ وَلَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ.
وَأَمَّا إِذَا أَرَادَ بِهَا الْمَكَانَ العَدَميَّ الَّذِي هُوَ خلاءٌ محضٌ لَا وُجُودَ فِيهِ؛ فَهَذَا لَا يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ خَلْقٌ؛ إِذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْخَلْقُ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ عدميٌّ، فَإِذَا قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ فِي مَكَانٍ بِهَذَا الْمَعْنَى؛ كَمَا دلَّت عَلَيْهِ الْآيَاتُ стр. 155
وَالْأَحَادِيثُ؛ فَأَيُّ محذورٍ فِي هَذَا؟!
بَلِ الْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، ثم خلق السموات وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، وَثُمَّ هُنَا لِلتَّرْتِيبِ الزَّمَانِيِّ لَا لمجرَّد الْعَطْفِ.
ـ[ (وَقَوْلُهُ: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (١) ، ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (٢) ، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٣) ، ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ* أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ (٤) ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (٥)) .]ـ
/ش/ وَقَوْلُهُ: ﴿يَا عِيسَى ... ﴾ إلخ؛ هَذِهِ الْآيَاتُ جَاءَتْ مؤيِّدة لِمَا دلَّت عَلَيْهِ الْآيَاتُ السَّابِقَةُ مِنْ علوِّه تَعَالَى وَارْتِفَاعِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ مُبَايِنًا لِلْخَلْقِ، وَنَاعِيَةً عَلَى المعطِّلة جُحُودَهُمْ وَإِنْكَارَهُمْ لِذَلِكَ، تَعَالَى اللَّهُ عمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
فَفِي الْآيَةِ الْأُولَى يُنَادِي اللَّهُ رَسُولَهُ وَكَلِمَتَهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ стр. 156
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بأنَّه متوفِّيه وَرَافِعُهُ إِلَيْهِ حِينَ دبَّر الْيَهُودَ قَتْلَهُ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَيَّ﴾ هُوَ ضَمِيرُ الرَّبِّ جلَّ شَأْنُهُ، لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَتَأْوِيلُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ: إِلَى مَحَلِّ رَحْمَتِي، أَوْ مَكَانِ مَلَائِكَتِي ... إلخ لَا مَعْنَى لَهُ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ يُقَالُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ رَدًّا عَلَى مَا ادَّعاه الْيَهُودُ مِنْ قَتْلِ عِيسَى وَصَلْبِهِ: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ .
وَقَدِ اختُلِفَ فِي الْمُرَادِ بالتوفِّي الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ، فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمَوْتِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّوْمُ، وَلَفْظُ المتوفَّى يُسْتَعْمَل فِيهِ؛ قَالَ تَعَالَى:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَار﴾ ِ (١) .
وَمِنْهُمْ مَن زَعَمَ أنَّ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، وأنَّ التَّقْدِيرَ: إنِّي رَافِعُكَ وَمُتَوَفِّيكَ؛ أَيْ: مُمِيتُكَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَالْحَقُّ أنَّه ﵇ رُفع حَيًّا، وأنَّه سَيَنْزِلُ قُرْبَ قِيَامِ السَّاعَةِ؛ لصحَّة الْحَدِيثِ بِذَلِكَ (٢) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ؛ فَهُوَ صريحٌ أَيْضًا فِي صُعُودِ أَقْوَالِ الْعِبَادِ وَأَعْمَالِهِمْ إِلَى اللَّهِ ، يَصْعَدُ بِهَا الْكِرَامُ стр. 157
الْكَاتِبُونَ كُلَّ يَوْمٍ عَقِبَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَعَقِبَ صَلَاةِ الْفَجْرِ؛ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ:
((فَيَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ ـ وَهُوَ أَعْلَمُ ـ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا! أَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يصلُّون, وَتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يصلُّون)) (١) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ حِكَايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿يَا هَامَانُ ... ﴾ إلخ؛ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أنَّ مُوسَى ﵇ أَخْبَرَ فِرْعَوْنَ الطَّاغِيَةَ بأنَّ إِلَهَهُ فِي السَّمَاءِ، فَأَرَادَ أنْ يتلمَّس الْأَسْبَابَ لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ تَمْوِيهًا عَلَى قَوْمِهِ، فَأَمَرَ وَزِيرَهُ هَامَانَ أنْ يَبْنِيَ لَهُ الصَّرْحَ، ثُمَّ عقَّب عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ﴾ ؛ أَيْ: مُوسَى ﴿كَاذِبًا﴾ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ كَوْنِ إِلَهِهِ فِي السَّمَاءِ، فمَن إِذًا أَشْبَهُ بِفِرْعَوْنَ وَأَقْرَبُ إِلَيْهِ نَسَبًا؛ نحنُ أَمْ هَؤُلَاءِ المعطِّلة؟! إنَّ فرعونَ كَذَّبَ مُوسَى فِي كَوْنِ إِلَهِهِ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ نَفْسُ مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ.
قوله: ﴿أَأَمِنتُم ... ﴾ الثاني إلخ؛ هَاتَانِ الْآيَتَانِ فِيهِمَا التَّصْرِيحُ بأنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى أنَّ الْمُرَادَ بِهِ: الْعَذَابُ، أَوِ الْأَمْرُ، أَوِ المَلَك؛ كَمَا يَفْعَلُ الْمُعَطِّلَةُ؛ لأنَّه قَالَ: ﴿مَّن﴾ ، وَهِيَ [لِلْعَاقِلِ] (٢) ، وحَمْلُها عَلَى المَلَك إخراجُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِلَا قَرِينَةٍ تُوجِبُ ذَلِكَ. стр. 158
وَلَا يَجُوزُ أنْ يُفهم مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فِي السَّمَاء﴾ أنَّ السَّمَاءَ ظرفٌ لَهُ سُبْحَانَهُ؛ بَلْ إنْ أُريد بِالسَّمَاءِ هَذِهِ الْمَعْرُوفَةُ؛ فِـ ﴿فِي﴾ بِمَعْنَى عَلَى؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْل﴾ ِ (١) ، وإنْ أُرِيدَ بِهَا جِهَةُ الْعُلُوِّ؛ فِـ ﴿فِي﴾ عَلَى حَقِيْقَتِهَا؛ فإنَّه سُبْحَانَهُ فِي أَعْلَى العلوِّ.
ـ[ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢) ، وَقَوْلُهُ: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) ، ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٤) ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٥) ، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (٦) ، ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٧) ، ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ]ـ стр. 159
ـ[الصَّابِرِينَ﴾ (١)) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات ... ﴾ ِ إلخ؛ تضمَّنت هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ إِثْبَاتَ صِفَةِ المعيَّة لَهُ ، وَهِيَ عَلَى نَوْعَيْنِ.
١٧- معيَّة عامَّة: شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ بِعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَقَهْرِهِ وَإِحَاطَتِهِ، لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يُعْجِزُهُ، وَهَذِهِ المعيَّة الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ.
فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ هُوَ وَحْدَهُ الذي خلق السموات وَالْأَرْضَ ـ يَعْنِي: أَوْجَدَهُمَا عَلَى تَقْدِيرٍ وَتَرْتِيبٍ سَابِقٍ فِي مُدَّةِ سِتَّةِ أَيَّامٍ ـ، ثُمَّ عَلَا بَعْدَ ذَلِكَ وَارْتَفَعَ عَلَى عَرْشِهِ؛ لِتَدْبِيرِ أُمُورِ خَلْقِهِ. وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ لَا يَغِيبُ عَنْهُ شيءٌ مِنَ العالَمَيْن العُلويِّ والسُّفليِّ؛ فَهُوَ ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾ ؛ أَيْ: يَدْخُلُ ﴿فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ﴾ ؛ أَيْ: يَصْعَدُ ﴿فِيهَا﴾ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَن كَانَ عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ محيطَيْن بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ؛ فَهُوَ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ... ﴾ إلخ؛ يُثْبِتُ سُبْحَانَهُ شُمُولَ عِلْمِهِ وَإِحَاطَتَهُ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ نَجْوَى الْمُتَنَاجِينَ، وَأَنَّهُ شهيدٌ عَلَى الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، مطَّلِع عَلَيْهَا.
وَإِضَافَةُ ﴿نَّجْوَى﴾ إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ، وَالتَّقْدِيرُ: مَا يَكُونُ مِنْ ثَلَاثَةٍ نَجْوَى؛ أَيْ: مُتَنَاجِينَ. стр. 160
٢- وَأَمَّا الْآيَاتُ الْبَاقِيَةُ؛ فَهِيَ فِي إِثْبَاتِ المعيَّة الخاصَّة الَّتِي هِيَ معيَّتُه لِرُسُلِهِ تَعَالَى وَأَوْلِيَائِهِ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَالْمَحَبَّةِ وَالتَّوْفِيقِ وَالْإِلْهَامِ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ حكايةٌ عَمَّا قَالَهُ ﵊ لِأَبِي بكرٍ الصدِّيق وَهُمَا فِي الْغَارِ، فَقَدْ أَحَاطَ الْمُشْرِكُونَ بِفَمِ الْغَارِ عِنْدَمَا خَرَجُوا فِي طَلَبِهِ ﵇، فَلَمَّا رَأَى أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ انْزَعَجَ، وَقَالَ:
((وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ نَظَرَ أَحَدُهُمْ تَحْتَ قَدَمِهِ لَأَبْصَرَنَا)) .
فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ مَا حَكَاهُ اللَّهُ هُنَا:
﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (١) .
فَالْمُرَادُ بالمعيَّة هُنَا مَعِيَّةُ النَّصْرِ وَالْعِصْمَةِ مِنَ الْأَعْدَاءِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ؛ فَقَدْ تقدَّم الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وأنَّها خطابٌ لِمُوسَى وَهَارُونَ ﵉ أن لا يَخَافَا بَطْشَ فِرْعَوْنَ بِهِمَا؛ لأنَّ اللَّهَ مَعَهُمَا بِنَصْرِهِ وَتَأْيِيدِهِ.
وَكَذَلِكَ بقيَّة الْآيَاتِ يُخْبِرُ اللَّهُ فِيهَا عَنْ مَعِيَّتِهِ للمتَّقين الَّذِينَ يُرَاقِبُونَ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَيَحْفَظُونَ حُدُودَهُ، وَلِلْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يَلْتَزِمُونَ الْإِحْسَانَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَالْإِحْسَانُ يَكُونُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، فَهُوَ فِي الْعِبَادَةِ ـ مَثَلًا ـ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَراكَ؛ كَمَا جَاءَ стр. 161
فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ ﵇ (١) .
وَكَذَلِكَ يُخْبِرُ عَنْ معيَّته للصابرين الذي يَحْبِسُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُ، ويتحمَّلون المشاقَّ وَالْأَذَى فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْتِغَاءَ وَجْهِهِ؛ صَبْرًا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَصَبْرًا عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَصَبْرًا عَلَى قَضَائِهِ.
ـ[ (وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (٢) ، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ (٣) ، ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (٤) ، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً﴾ (٥) ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ، ﴿مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ (٦) ، ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (٧) ، ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (٨) ، وَقَوْله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٩) ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ]ـ стр. 162
ـ[أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ (١) ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢)) (٣) .]ـ
/ش/ تضمَّنت هَذِهِ الْآيَاتُ إِثْبَاتَ صِفَةِ الْكَلَامِ لِلَّهِ .
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ حَوْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نِزَاعًا كَبِيرًا:
فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ كَلَامَهُ سُبْحَانَهُ مَخْلُوقًا مُنْفَصِلًا مِنْهُ، وَقَالَ: إِنَّ مَعْنَى (متكلِّم) : خالقٌ لِلْكَلَامِ. وَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ لَازِمًا لِذَاتِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا، لَا يتعلَّق بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَنَفَى عَنْهُ الْحَرْفَ وَالصَّوْتَ، وَقَالَ: إِنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ فِي الْأَزَلِ. وَهُمُ الكُلاَّبيَّة (٤) وَالْأَشْعَرِيَّةُ.
وَمِنْهُمْ مَن زَعَمَ أَنَّهُ حروفٌ وأصواتٌ قديمةٌ لَازِمَةٌ للذَّات، وَقَالَ: إِنَّهَا مُقْتَرِنَةٌ فِي الْأَزَلِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وَهُمْ بَعْضُ الْغُلَاةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ حَادِثًا قَائِمًا بِذَاتِهِ تَعَالَى، ومتعلِّقًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلَكِنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ ابْتِدَاءً فِي ذَاتِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ متكلِّمًا فِي الْأَزَلِ. وَهُمُ стр. 163
الكرَّامية (١) .
وَيَطُولُ بِنَا الْقَوْلُ لَوِ اشْتَغَلْنَا بمناقشة هذه الأقول وَإِفْسَادِهَا، عَلَى أَنَّ فَسَادَهَا بيِّنٌ لِكُلِّ ذِي فهمٍ سليمٍ، ونظرٍ مستقيمٍ.
وخلاصةُ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ متكلِّمًا إِذَا شَاءَ، وَأَنَّ الْكَلَامَ صِفَةٌ لَهُ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ، يتكلَّم بِهَا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَهُوَ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ متكلِّمًا إِذَا شَاءَ، وَمَا تكلَّم اللَّهُ بِهِ فَهُوَ قائمٌ بِهِ لَيْسَ مَخْلُوقًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ؛ كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَلَا لَازِمًا لِذَاتِهِ لُزُومَ الْحَيَاةِ لَهَا؛ كَمَا تَقُولُ الْأَشَاعِرَةُ؛ بَلْ هُوَ تابعٌ لِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ نَادَى مُوسَى بصوتٍ، وَنَادَى آدَمَ وَحَوَّاءَ بصوتٍ، وَيُنَادِي عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بصوتٍ، ويتكلَّم بِالْوَحْيِ بصوتٍ، وَلَكِنَّ الْحُرُوفَ وَالْأَصْوَاتَ الَّتِي تكلَّم اللَّهُ بِهَا صِفَةٌ لَهُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَلَا تُشْبِهُ أَصْوَاتَ الْمَخْلُوقِينَ وَحُرُوفَهُمْ؛ كَمَا أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ الْقَائِمَ بِذَاتِهِ لَيْسَ مِثْلَ عِلْمِ عِبَادِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُمَاثِلُ الْمَخْلُوقِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ.
وَالْآيَتَانِ الْأُولَيَانِ هُنَا ـ وَهُمَا مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ ـ تَنْفِيَانِ أَنْ يَكُونَ أحدٌ أصدقَ حَدِيثًا وَقَوْلًا مِنَ اللَّهِ ، بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ أَصْدَقُ مِنْ كُلِّ أحدٍ فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عِلْمَهُ بِالْحَقَائِقِ المخبَرِ عَنْهَا أَشْمَلُ وَأَضْبَطُ، فَهُوَ يَعْلَمُهَا عَلَى مَا هِيَ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَعِلْمُ غَيْرِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى....﴾ إلخ؛ فَهُوَ حكايةٌ لِمَا стр. 164
سَيَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سُؤَالِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ وَكَلِمَتِهِ عِيسَى عمَّا نَسَبَهُ إِلَيْهِ الَّذين ألَّهوه وَأُمَّهُ مِنَ النَّصَارَى مِنْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِأَنْ يتَّخِذوه وأمَّه إلهينِ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وَهَذَا السُّؤَالُ لِإِظْهَارِ بَرَاءَةِ عِيسَى ﵇، وَتَسْجِيلِ الْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ عَلَى هَؤُلَاءِ الضالِّين الْأَغْبِيَاءِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً﴾ ؛ فَالْمُرَادُ صِدْقًا فِي أَخْبَارِهِ، وَعَدْلًا فِي أَحْكَامِهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ تَعَالَى إِمَّا أَخْبَارٌ، وَهِيَ كُلُّهَا فِي غَايَةِ الصِّدْقِ، وَإِمَّا أَمْرٌ وَنَهْيٌ، وَكُلُّهَا فِي غَايَةِ الْعَدْلِ الَّذِي لَا جَوْرَ فِيهِ؛ لِابْتِنَائِهَا عَلَى الْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ.
وَالْمُرَادُ بِالْكَلِمَةِ هُنَا الْكَلِمَاتُ؛ لِأَنَّهَا أُضيفت إِلَى مَعْرِفَةٍ، فَتُفِيدُ مَعْنَى الْجَمْعِ؛ كَمَا فِي قَوْلِنَا: رَحْمَةُ اللَّهِ وَنِعْمَةُ اللَّهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ نَادَى مُوسَى وَكَلَّمَهُ تَكْلِيمًا، وَنَاجَاهُ حَقِيقِةً مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَبِلَا وَاسِطَةِ ملَكٍ؛ فَهِيَ تردُّ عَلَى الْأَشَاعِرَةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ الْكَلَامَ مَعْنًى قَائِمًا بِالنَّفْسِ؛ بِلَا حَرْفٍ، وَلَا صَوْتٍ!
فَيُقَالُ لَهُمْ: كَيْفَ سَمِعَ مُوسَى هَذَا الكلامَ النفسيَّ؟
فَإِنْ قَالُوا: أَلْقَى اللَّهُ فِي قَلْبِهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِالْمَعَانِي الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يكلِّمَه بِهَا؛ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خُصُوصِيَّةٌ لِمُوسَى فِي ذَلِكَ.
وَإِنْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ كَلَامًا فِي الشَّجَرَةِ أَوْ فِي الْهَوَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الشَّجَرَةُ هِيَ الَّتِي قَالَتْ لِمُوسَى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ .
وَكَذَلِكَ تردُّ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي جَعْلِهِمُ الْكَلَامَ مَعْنًى وَاحِدًا فِي
стр. 165
الْأَزَلِ، لَا يَحْدُثُ مِنْهُ فِي ذَاتِهِ شيءٌ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ ؛ فَهِيَ تُفِيدُ حُدُوثَ الْكَلَامِ عِنْدَ مَجِيءِ مُوسَى لِلْمِيقَاتِ، وَيَقُولُ: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ ؛ فَهَذَا يَدُلُّ حُدُوثِ النِّدَاءِ عِنْدَ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ.
وَالنِّدَاءُ لَا يَكُونُ إِلَّا صَوْتًا مَسْمُوعًا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ آدَمَ وَحَوَّاءَ: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا ... ﴾ الْآيَةَ؛ فَإِنَّ هَذَا النِّدَاءَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بَعْدَ الْوُقُوعِ فِي الْخَطِيئَةِ، فَهُوَ حَادِثٌ قَطْعًا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ ... ﴾ إلخ؛ فَإِنَّ هَذَا النِّدَاءَ وَالْقَوْلَ سَيَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ:
((مَا مِنْ عبدٍ إلاَّ سيكلِّمُهُ اللَّهُ يومَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بينَهُ وبينَه تَرجمان)) (١) .
ـ[ ( ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ﴾ (٢) ، ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ]ـ стр. 166
ـ[مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) ، ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ (٢) ، ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (٣) ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٤) ، ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ (٥) ، ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (٦) ، ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ (٧)) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ... ﴾ إلخ؛ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ تُفِيدُ أَنَّ الْقُرْآنَ الْمَتْلُوَّ الْمَسْمُوعَ الْمَكْتُوبَ بَيْنَ دفَّتي الْمُصْحَفِ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلَيْسَ فَقَطْ عِبَارَةً أَوْ حِكَايَةً عَنْ كَلَامِ اللَّهِ؛ كَمَا تَقُولُ الأشعريَّة. стр. 167
وَإِضَافَتُهُ إِلَى اللَّهِ تدلُّ عَلَى أَنَّهُ صفةٌ لَهُ قَائِمَةٌ بِهِ، وَلَيْسَتْ كَإِضَافَةِ الْبَيْتِ أَوِ النَّاقَةِ؛ فَإِنَّهَا إِضَافَةُ مَعْنًى إِلَى الذَّاتِ، تدلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْمَعْنَى لِتِلْكَ الذَّاتِ؛ بِخِلَافِ إِضَافَةِ الْبَيْتِ أَوِ النَّاقَةِ؛ فإنَّها إِضَافَةُ أَعْيَانٍ، وَهَذَا يردُّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ منفصلٌ عَنِ اللَّهِ.
ودلَّت هَذِهِ الْآيَاتُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ منزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تكلَّم بِهِ بصوتٍ سَمِعَهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَنَزَلَ بِهِ، وأدَّاه إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَمِعَهُ مِنَ الربِّ جَلَّ شَأْنُهُ.
وَخُلَاصَةُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ كَلَامُ اللَّهِ، منزَّلٌ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَاللَّهُ تكلَّم بِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَهُوَ كَلَامُهُ حَقِيقَةً لَا كَلَامُ غَيْرِهِ، وَإِذَا قَرَأَ النَّاسُ الْقُرْآنَ أَوْ كَتَبُوهُ فِي الْمَصَاحِفِ لَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إِلَى مَن قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لَا إِلَى مَن بَلَّغَهُ مؤدِّيًا، وَاللَّهُ تكلَّم بِحُرُوفِهِ وَمَعَانِيهِ بِلَفْظِ نَفْسِهِ، لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُ كَلَامًا لِغَيْرِهِ، لَا لِجِبْرِيلَ، وَلَا لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِغَيْرِهِمَا، وَاللَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ أَيْضًا بِصَوْتِ نَفْسِهِ، فَإِذَا قرأه العباد قرؤوه بِصَوْتِ أَنْفُسِهِمْ، فَإِذَا قَالَ الْقَارِئُ مَثَلًا: ﴿الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ ؛كَانَ هَذَا الْكَلَامُ الْمَسْمُوعُ مِنْهُ كَلَامَ اللَّهِ، لَا كلَامَ نَفْسِهِ، وَكَانَ هُوَ قَرَأَهُ بِصَوْتِ نَفْسِهِ لَا بِصَوْتِ اللَّهِ.
وَكَمَا أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ هُوَ كِتَابُهُ؛ لِأَنَّهُ كَتَبَهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَلِأَنَّهُ مكتوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ؛ قَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ (١) . стр. 168
وَقَالَ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ (١) .
وَقَالَ: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٢) .
وَالْقُرْآنُ فِي الْأَصْلِ مصدرٌ كَالْقِرَاءَةِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٣) .
وَيُرَادُ بِهِ هُنَا أَنْ يكونَ عَلَمًا عَلَى هَذَا المنزَّل مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، الْمَكْتُوبِ بَيْنَ دفَّتي الْمُصْحَفِ، المتعبَّد بِتِلَاوَتِهِ، المتحدَّى بِأَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقّ الثاني يدلُّ أَنَّ ابْتِدَاءَ نُزُولِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَأَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ جِبْرِيلَ ﵇ تلقَّاه عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بالكيفيَّة الَّتِي يَعْلَمُهَا.
ـ[ (وَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٤) ، ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ (٥) ، ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٦) ، وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (٧) ، وَهَذَا الْبَابُ فِي كِتَابِ اللهِ]ـ стр. 169
ـ[كَثِيرٌ، مَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ طَالِبًا لِلْهُدَى مِنْهُ؛ تَبَيَّنَ لَهُ طَرُيقُ الْحَقِّ) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ... ﴾ إلخ؛ هَذِهِ الْآيَاتُ تُثْبِتُ رُؤْيَةَ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ.
وَقَدْ نَفَاهَا الْمُعْتَزِلَةُ؛ بِنَاءً عَلَى نَفْيِهِمُ الْجِهَةَ عَنِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْمَرْئِيَّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي جِهَةٍ مِنَ الرَّائِي، وَمَا دَامَتِ الْجِهَةُ مُسْتَحِيلَةً، وَهِيَ شَرْطٌ فِي الرُّؤْيَةِ؛ فَالرُّؤْيَةُ كَذَلِكَ مُسْتَحِيلَةٌ.
واحتجُّوا مِنَ النَّقْلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ (١) ، وَقَوْلُهُ لِمُوسَى ﵇ حِينَ سَأَلَهُ الرُّؤْيَةَ: ﴿لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ (٢) .
وَأَمَّا الْأَشَاعِرَةُ؛ فَهُمْ مَعَ نَفْيِهِمُ الْجِهَةَ كَالْمُعْتَزِلَةِ يُثْبِتُونَ الرّؤْيَةَ، وَلِذَلِكَ حَارُوا فِي تَفْسِيرِ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ، فَمِنْهُمْ مَن قَالَ: يَرَوْنَهُ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا رُؤْيَةً بِالْبَصِيرَةِ لَا بِالْبَصَرِ، وَقَالَ: الْمَقْصُودُ زِيَادَةُ الِانْكِشَافِ وَالتَّجَلِّي حَتَّى كَأَنَّهَا رُؤْيَةُ عَيْنٍ.
وَهَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي أَوْرَدَهَا المؤلِّف حُجَّةٌ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي نَفْيِهِمُ الرُّؤْيَةَ؛ فَإِنَّ الْآيَةَ الْأُولَى عُدِّي النَّظَرُ فِيهَا بِـ ﴿إِلَى﴾ ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى الْإِبْصَارِ؛ يُقَالُ: نظرتُ إِلَيْهِ وأبصرتُه بِمَعْنًى، ومتعلِّق النَّظَرِ هُوَ الرَّبُّ جَلَّ شَأْنُهُ.
وَأَمَّا مَا يتكلَّفه الْمُعْتَزِلَةُ مِنْ جَعْلِهِمْ ﴿نَاظِرَةٌ﴾ بِمَعْنَى مُنْتَظِرَةٍ، стр. 170
وَ ﴿إِلَى﴾ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ. وَالتَّقْدِيرُ: ثَوَابَ رَبِّهَا مُنْتَظِرَةٌ؛ فَهُوَ تَأْوِيلٌ مُضْحِكٌ.
وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ؛ فَتُفِيدُ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ، وَهُمْ عَلَى أَرَائِكِهِمْ ـ يَعْنِي: أَسِرَّتَهم، جَمْعُ أَرِيكَةٍ ـ يَنْظُرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ.
وَأَمَّا الْآيَتَانِ الْأَخِيرَتَانِ؛ فَقَدْ صحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَفْسِيرُ الزِّيَادَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ (١) .
وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي حَقِّ الْكُفَّارِ: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ (٢) ، فدلَّ حَجْبُ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ أولياءَه يَرَوْنَهُ.
وَأَحَادِيثُ الرُّؤْيَةِ مُتَوَاتِرَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، لَا يُنْكِرُهَا إِلَّا مُلْحِدٌ زِنْدِيقٌ.
وَأَمَّا مَا احتجَّ بِهِ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ؛﴾ ؛ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْإِدْرَاكِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ، فَالْمُرَادُ أَنَّ الْأَبْصَارَ تَرَاهُ، وَلَكِنْ لَا تُحِيطُ بِهِ رُؤْيَةٌ؛ كَمَا أَنَّ الْعُقُولَ تَعْلَمُهُ وَلَكِنْ لَا تُحِيطُ بِهِ عِلْمًا؛ لِأَنَّ الْإِدْرَاكَ هُوَ الرُّؤْيَةُ عَلَى جِهَةِ الْإِحَاطَةِ، فَهُوَ رُؤْيَةٌ خَاصَّةٌ، وَنَفْيُ الْخَاصِّ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مُطْلَقِ الرُّؤْيَةِ. стр. 171
وَكَذَلِكَ اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى لِمُوسَى ﵇: ﴿لَن تَرَانِي﴾ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا، بَلِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى الرُّؤْيَةِ مِنْ وجوهٍ كثيرةٍ؛ مِنْهَا:
١- وُقُوعُ السُّؤَالِ مِنْ مُوسَى، وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِيمُهُ، وَهُوَ أعلمُ بِمَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّ اللَّهِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُعْتَزِلَةِ، فَلَوْ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ مُمْتَنِعَةً لَمَا طَلَبَهَا.
٢- أَنَّ اللَّهَ عَلَّقَ الرُّؤْيَةَ عَلَى اسْتِقْرَارِ الْجَبَلِ حَالَ التجلِّي وَهُوَ ممكنٌ، والمعلَّق عَلَى الْمُمْكِنِ ممكنٌ.
٣- أَنَّ اللَّهَ تجلَّى لِلْجَبَلِ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ جمادٌ، فَلَا يَمْتَنِعُ إِذًا أَنْ يتجلَّى لِأَهْلِ محبَّته وَأَصْفِيَائِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ ﴿لَن﴾ ، لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ، وَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ أَصْلًا؛ فَهُوَ كَذِبٌ عَلَى اللُّغَةِ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْكُفَّارِ: ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ (١) ، ثُمَّ قال: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (٢) ، فَأَخْبَرَ عَنْ عَدَمِ تمنِّيهم لِلْمَوْتِ بِـ ﴿لَن﴾ ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ تمنِّيهم لَهُ وَهُمْ فِي النَّارِ.
وَإِذًا؛ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَن تَرَانِي﴾ : لَنْ تَسْتَطِيعَ رُؤْيَتِي فِي الدُّنْيَا؛ لِضَعْفِ قُوَى الْبَشَرِ فِيهَا عَنْ رُؤْيَتِهِ سُبْحَانَهُ، وَلَوْ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ مُمْتَنِعَةً لِذَاتِهَا؛ لَقَالَ: إنِّي لَا أُرى، أَوْ لَا يَجُوزُ رُؤْيَتِي، أَوْ لَسْتُ بمرئيٍّ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. стр. 172
مباحث عامَّة حول آيات الصفات
إِنَّ النَّاظِرَ فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ الَّتِي سَاقَهَا المؤلِّف ﵀ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَنْبِطَ مِنْهَا قواعدَ وَأُصُولًا هامَّة يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا فِي هَذَا الْبَابِ:
الْأَصْلُ الأوَّل: اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَمَا دلَّت عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ، وَمَا يَنْشَأُ عَنْهَا مِنَ الْأَفْعَالِ.
مِثَالُ ذَلِكَ الْقُدْرَةُ مَثَلًا، يَجِبُ الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَالْإِيمَانُ بِكَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَالْإِيمَانُ بِأَنَّ قُدْرَتَهُ نَشَأَتْ عَنْهَا جَمِيعُ الْكَائِنَاتِ..
وَهَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى عَلَى هَذَا النَّمَطِ.
وَعَلَى هَذَا؛ فَمَا وَرَدَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي سَاقَهَا المصنِّف مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى؛ فَإِنَّهَا داخلةٌ فِي الْإِيمَانِ بِالِاسْمِ.
وَمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ الصِّفَاتِ؛ مِثْلِ: عزَّة اللَّهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَعِلْمِهِ، وَحِكْمَتِهِ، وَإِرَادَتِهِ، وَمَشِيئَتِهِ، فَإِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْإِيمَانِ بِالصِّفَاتِ.
وَمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ الْأَفْعَالِ الْمُطَلَقَةِ والمقيَّدة، مِثْلِ: يَعْلَمُ كَذَا، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَيَرَى، وَيَسْمَعُ، وَيُنَادِي، وَيُنَاجِي، وكلَّم، ويكلِّم؛ فَإِنَّهَا داخلةٌ فِي الْإِيمَانِ بِالْأَفْعَالِ.
الْأَصْلُ الثَّانِي: دلَّت هَذِهِ النُّصُوصُ الْقُرْآنِيَّةُ عَلَى أَنَّ صِفَاتِ الْبَارِي قِسْمَانِ:
١- صِفَاتٌ ذاتيَّة لَا تنفكُّ عَنْهَا الذَّاتُ، بَلْ هِيَ لَازِمَةٌ لَهَا أَزَلًا وَأَبَدًا، وَلَا تتعلَّق بِهَا مَشِيئَتُهُ تَعَالَى وَقُدْرَتُهُ، وَذَلِكَ كَصِفَاتِ: الْحَيَاةِ، وَالْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، وَالْقُوَّةِ، والعزَّة، وَالْمُلْكِ، وَالْعَظَمَةِ، وَالْكِبْرِيَاءِ، وَالْمَجْدِ، وَالْجَلَالِ إلخ.
стр. 173
٢- صِفَاتٌ فعليَّة تَتَعَلَّقُ بِهَا مَشِيئَتُهُ وَقُدْرَتُهُ كُلَّ وَقْتٍ وَآنٍ، وَتَحْدُثُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ آحَادُ تِلْكَ الصِّفَاتِ مِنَ الْأَفْعَالِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهَا، بِمَعْنَى أَنَّ نَوْعَهَا قَدِيمٌ، وَأَفْرَادَهَا حَادِثَةٌ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَزَلْ فَعَّالًا لِمَا يُرِيدُ، وَلَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ يَقُولُ ويتكلَّم وَيَخْلُقُ ويدبِّر الْأُمُورَ، وَأَفْعَالُهُ تَقَعُ شَيْئًا فَشَيْئًا، تَبَعًا لِحِكْمَتِهِ وَإِرَادَتِهِ.
فَعَلَى الْمُؤْمِنِ الإيمان بكل مانسبه اللَّهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْأَفْعَالِ المتعلِّقة بِذَاتِهِ؛ كَالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ، وَالْمَجِيءِ، وَالْإِتْيَانِ، وَالنُّزُولِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَالضَّحِكِ، وَالرِّضَى، وَالْغَضَبِ، وَالْكَرَاهِيَةِ، وَالْمَحَبَّةِ. والمتعلِّقة بِخَلْقِهِ؛ كَالْخَلْقِ, وَالرِّزْقِ، وَالْإِحْيَاءِ، وَالْإِمَاتَةِ، وَأَنْوَاعِ التَّدْبِيرِ الْمُخْتَلِفَةِ.
الْأَصْلُ الثَّالِثُ: إِثْبَاتُ تفرُّد الربِّ جلَّ شَأْنُهُ بِكُلِّ صِفَةِ كَمَالٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ أَوْ مثيلٌ فِي شيءٍ مِنْهَا.
وَمَا وَرَدَ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ مِنْ إِثْبَاتِ الْمَثَلِ الْأَعْلَى لَهُ وَحْدَهُ، وَنَفْيِ النِّدِّ وَالْمِثْلِ وَالْكُفْءِ وَالسَّمِيِّ وَالشَّرِيكِ عَنْهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ كَمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ منزَّه عَنْ كُلِّ نقصٍ وعيبٍ وآفةٍ.
الْأَصْلُ الرَّابِعُ: إِثْبَاتُ جَمِيعِ مَا وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنَ الصِّفَاتِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ الذَّاتِيَّةِ مِنْهَا؛ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْحَيَاةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَنْحَوِهَا، وَالْفِعْلِيَّةِ؛ كَالرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ وَالْغَضَبِ وَالْكَرَاهَةِ، وَكَذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ إِثْبَاتِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، وَبَيْنَ الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ وَالنُّزُولِ، فَكُلُّهَا مِمَّا اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَى إِثْبَاتِهِ بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَبِلَا تَشْبِيهٍ وَتَمْثِيلٍ.
وَالْمُخَالِفُ فِي هَذَا الْأَصْلِ فَرِيقَانِ:
١- الجهميَّة: يَنْفُونَ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ جَمِيعًا.
стр. 174
٢- الْمُعْتَزِلَةُ: فَإِنَّهُمْ يَنْفُونَ جَمِيعَ الصِّفَاتِ، وَيُثْبِتُونَ الْأَسْمَاءَ وَالْأَحْكَامَ، فَيَقُولُونَ: عَلِيمٌ بِلَا عِلْمٍ، وَقَدِيرٌ بِلَا قُدْرَةٍ، وحيٌّ بِلَا حَيَاةٍ ... إلخ.
وَهَذَا الْقَوْلُ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ فَإِنَّ إِثْبَاتَ مَوْصُوفٍ بِلَا صِفَةٍ، وَإِثْبَاتَ مَا لِلصِّفَةِ لِلذَّاتِ المجرَّدة محالٌ فِي الْعَقْلِ؛ كَمَا هُوَ باطلٌ فِي الشَّرْعِ.
أَمَّا الْأَشْعَرِيَّةُ ومَن تَبِعَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ يُوَافِقُونَ أَهْلَ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ سَبْعِ صِفَاتٍ يُسَمُّونَهَا صِفَاتِ الْمَعَانِي، ويدَّعون ثُبُوتَهَا بِالْعَقْلِ، وَهِيَ: الْحَيَاةُ، وَالْعِلْمُ، وَالْقُدْرَةُ، وَالْإِرَادَةُ، وَالسَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالْكَلَامُ.
وَلَكِنَّهُمْ وَافَقُوا الْمُعَتَزِلَةَ فِي نَفْيِ مَا عَدَا هَذِهِ السَّبْعَ مِنَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ الَّتِي صحَّ بِهَا الْخَبَرُ.
وَالْكُلُّ مَحْجُوجُونَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالْقُرُونِ المفضَّلة عَلَى الْإِثْبَاتِ الْعَامِّ.
ـ[ (فَصْلٌ: ثُمَّ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ الْقُرآنَ، وتُبَيِّنُهُ، وتَدُلُّ عَلَيْهِ، وتُعَبِّرُ عَنْهُ، وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ رَبَّهُ مِنَ الأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْقَبُولِ؛ وَجَبَ الإيمَانُ بِهَا كَذَلِكَ) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((ثُمَّ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ)) عطفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا تقدَّم (١) : ((وَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ ... إلخ)) ؛ يَعْنِى: وَدَخَلَ فِيهَا مَا وَصَفَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ربَّه فِيمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ. стр. 175
والسنَّة هِيَ الْأَصْلُ الثَّانِي الَّذِي يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، والتَّعويل عَلَيْهِ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ ؛ قَالَ تَعَالَى:
﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (١) .
وَالْمُرَادُ بِالْحِكْمَةِ: السُّنَّةُ.
وَقَالَ: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٢) .
وَقَالَ آمِرًا لِنِسَاءِ نبيِّه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٣) .
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (٤) .
وَقَالَ صلواتُ اللَّهِ وسلامُهُ عليهِ وَآلِهِ: ((أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ)) (٥) .
وَحُكْمُ السُّنَّةِ حُكْمُ الْقُرْآنِ فِي ثُبُوتِ الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ وَالِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ؛ فَإِنَّ السُّنَّةَ تَوْضِيحٌ لِلْقُرْآنِ، وبيانٌ لِلْمُرَادِ مِنْهُ: تفصِّل مُجْمَلَهُ، وتقيِّد مُطْلَقَهُ, وتخصِّص عُمُومَهُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٦) . стр. 176
وَأَهْلُ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ بِإِزَاءِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فَرِيقَانِ:
١- فريقٌ لَا يتورَّع عَنْ رَدِّهَا وَإِنْكَارِهَا إِذَا وَرَدَتْ بِمَا يُخَالِفُ مَذْهَبَهُ؛ بِدَعْوَى أَنَّهَا أَحَادِيثُ آحَادٍ لَا تُفِيدُ إلاَّ الظنَّ، وَالْوَاجِبُ فِي بَابِ الِاعْتِقَادِ الْيَقِينُ، وَهُؤَلَاءِ هُمُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْفَلَاسِفَةُ.
٢- وَفَرِيقٌ يُثبتها وَيْعْتَقِدُ بِصِحَّةِ النَّقْلِ، وَلَكِنَّهُ يَشْتَغِلُ بِتَأْوِيلِهَا؛ كَمَا يَشْتَغِلُ بِتَأْوِيلِ آيَاتِ الْكِتَابِ، حَتَّى يخرِجَها عَنْ مَعَانِيهَا الظَّاهِرَةِ إِلَى مَا يُرِيدُهُ مِنْ معانٍ بِالْإِلْحَادِ وَالتَّحْرِيفِ، وهؤلاء هم متأخِّرو الْأَشْعَرِيَّةِ، وَأَكْثَرُهُمْ توسُّعًا فِي هَذَا الْبَابِ الْغَزَالِيُّ (١) ، والرَّازي (٢) .
قَوْلُهُ: ((وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ ... )) إلخ؛ يَعْنِي: أَنَّهُ كَمَا وَجَبَ الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ تحريفٍ وَلَا تعطيلٍ وَلَا تكييفٍ وَلَا تمثيلٍ؛ كَذَلِكَ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا وَصَفَهُ بِهِ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِرَبِّهِ وَبِمَا يَجِبُ لَهُ، وَهُوَ رَسُولُهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.
قَوْلُهُ: ((كَذَلِكَ)) ؛ أَيْ: إِيمَانًا مِثْلَ ذَلِكَ الْإِيمَانِ، خَالِيًا مِنَ التَّحْرِيفِ стр. 177
وَالتَّعْطِيلِ، وَمِنَ التَّكْيِيفِ وَالتَّمْثِيلِ بَلْ إِثْبَاتٌ لَهَا عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِعَظَمَةِ الرَّبِّ جَلَّ شَأْنُهُ.
ـ[ (فَمِنْ ذَلِكَ: مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ : ((يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟)) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((فَمِنْ ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ ... )) إلخ؛ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ جِهَتَيْنِ:
الْأُولَى: صحَّته مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ؛ وَقَدْ ذَكَرَ المؤلِّف ﵀ أَنَّهُ متَّفق عَلَيْهِ. وَيَقُولُ الذَّهَبِيُّ فِي كِتَابِهِ ((الْعُلُوُّ للعليِّ الْغَفَّارِ)) (٢) :
((إِنَّ أَحَادِيثَ النُّزُولِ مُتَوَاتِرَةٌ، تُفِيدُ الْقَطْعَ)) .
وَعَلَى هَذَا؛ فَلَا مَجَالَ لِإِنْكَارٍ أَوْ جُحُودٍ.
الثَّانِيَةُ: مَا يُفِيدُهُ هَذَا الْحَدِيثُ؛ وَهُوَ إِخْبَارُهُ ﷺ بِنُزُولِ الربِّ ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ ... إلخ. стр. 178
وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ النُّزُولَ صِفَةٌ لِلَّهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، فَهُوَ لَا يُمَاثِلُ نُزُولَ الْخَلْقِ؛ كَمَا أَنَّ اسْتِوَاءَهُ لَا يُمَاثِلُ اسْتِوَاءَ الْخَلْقِ.
يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ:
((فالربُّ سُبْحَانَهُ إِذَا وَصَفَهُ رَسُولُهُ بِأَنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ، وَأَنَّهُ يَدْنُو عَشِيَّةَ عَرَفَةَ إِلَى الْحُجَّاجِ، وَأَنَّهُ كلَّم مُوسَى بِالْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّهُ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دخانٌ، فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا؛ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَفْعَالُ مِنْ جِنْسِ مَا نُشَاهِدُهُ مِنْ نُزُولِ هَذِهِ الْأَعْيَانِ الْمَشْهُودَةِ حَتَّى يُقال: ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَفْرِيغَ مَكَانٍ وَشَغْلَ آخَرَ)) (١) .
فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يُؤْمِنُونَ بِالنُّزُولِ صِفَةً حَقِيقِيَّةً لِلَّهِ ، عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي يَشَاءُ، فَيُثْبِتُونَ النُّزُولَ كَمَا يُثْبِتُونَ جَمِيعَ الصِّفَاتِ الَّتِي ثَبَتَتْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيَقِفُونَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَا يكيِّفون وَلَا يمثِّلون وَلَا يَنْفُونَ وَلَا يعطِّلون، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الرَّسُولَ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ يَنْزِلُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُخْبِرْنَا كَيْفَ يَنْزِلُ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ فعَّال لِمَا يُرِيدُ، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَلِهَذَا تَرَى خواصَّ الْمُؤْمِنِينَ يتعرَّضون فِي هَذَا الْوَقْتِ الْجَلِيلِ لِأَلْطَافِ رَبِّهِمْ وَمَوَاهِبِهِ، فَيَقُومُونَ لِعُبُودِيَّتِهِ؛ خَاضِعِينَ خَاشِعِينَ، دَاعِينَ متضرِّعين، يَرْجُونَ مِنْهُ حُصُولَ مَطَالِبِهِمُ الَّتِي وَعَدَهُمْ بِهَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ .
ـ[ (وَقَوْلُهُ ﷺ : ((لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ التَّائِبِ مِنْ أَحَدِكُمْ]ـ стр. 179
ـ[بِرَاحِلَتِهِ)) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا ... )) إلخ؛ تَتِمَّةُ هَذَا الْحَدِيثِ؛ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ:
((لَلَّهُ أشدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ دويَّة مَهْلَكَةٍ وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَزَلَ عَنْهَا، فَنَامَ وَرَاحِلَتُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَذَهَبَ فِي طَلَبِهَا، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، حَتَّى أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَرْجِعَنَّ فَلَأَمُوتَنَّ حَيْثُ كَانَ رَحْلِي، فَرَجَعَ، فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ: اللهمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ)) (٢) .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ صِفَةِ الْفَرَحِ لِلَّهِ ، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الصِّفَاتِ: أَنَّهُ صِفَةٌ حَقِيقَةٌ لِلَّهِ ، عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ التَّابِعَةِ لِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ، فيَحْدُث لَهُ هَذَا الْمَعْنَى المعبَّر عَنْهُ بِالْفَرَحِ عِنْدَمَا يُحدِثُ عبدُه التوبةَ والإنابةَ إِلَيْهِ، وَهُوَ مستلزمٌ لِرِضَاهُ عَنْ عَبْدِهِ التَّائِبِ، وَقَبُولِهِ تَوْبَتَهُ.
وَإِذَا كَانَ الْفَرَحُ فِي الْمَخْلُوقِ عَلَى أَنْوَاعٍ؛ فَقَدْ يَكُونُ فَرَحَ خِفَّةٍ وَسُرُورٍ وَطَرَبٍ، وَقَدْ يَكُونُ فَرَحَ أشرٍ وبطرٍ؛ فَاللَّهُ منزَّه عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، ففرحهُ لَا يُشْبِهُ فَرَحَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، لَا فِي ذَاتِهِ، وَلَا فِي أَسْبَابِهِ، وَلَا فِي غَايَاتِهِ، стр. 180
فَسَبَبُهُ كَمَالُ رَحْمَتِهِ وَإِحْسَانُهُ الَّتِي يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يتعرَّضوا لَهَا، وَغَايَتُهُ إِتْمَامُ نِعْمَتِهِ عَلَى التَّائِبِينَ الْمْنِيبِينَ.
وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْفَرَحِ بِلَازِمِهِ، وَهُوَ الرِّضَا، وَتَفْسِيرُ الرِّضَا بِإِرَادَةِ الثَّوَابِ؛ فكلُّ ذَلِكَ نفيٌ وتعطيلٌ لِفَرَحِهِ وَرِضَاهُ سُبْحَانَهُ، أَوْجَبَهُ سوءُ ظنِّ هَؤُلَاءِ المعطِّلة بِرَبِّهِمْ، حَيْثُ توهَّموا أَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ تَكُونُ فِيهِ كَمَا هِيَ فِي الْمَخْلُوقِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ تَشْبِيهِهِمْ وَتَعْطِيلِهِمْ.
ـ[ (وَقَوْلُهُ: ﷺ : ((يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ؛ كِلاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ)) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ ... )) إلخ؛ يُثْبِتُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الضَّحِكَ لِلَّهِ كَمَا أَفَادَهُ هَذَا الْحَدِيثُ وَغَيْرُهُ ـ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ، وَالَّذِي لَا يُشْبِهُهُ ضَحِكُ الْمَخْلُوقِينَ عِنْدَمَا يستخفُّهم الْفَرَحُ، أَوْ يستفزُّهم الطَّرَبُ؛ بَلْ هُوَ مَعْنًى يَحْدُثُ فِي ذَاتِهِ عِنْدَ وُجُودِ مُقْتَضِيهِ، وَإِنَّمَا يَحْدُثُ بِمَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ؛ فَإِنَّ الضَّحِكَ إِنَّمَا يَنْشَأُ فِي الْمَخْلُوقِ عِنْدَ إِدْرَاكِهِ لأمرٍ عجيبٍ يَخْرُجُ عَنْ نَظَائِرِهِ، وَهَذِهِ الْحَالَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ تَسْلِيطَ الْكَافِرِ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ مَدعاةٌ فِي следующие страницы →