Полный текст (316 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
مِنَ الْأَدِلَّةِ، قَالَ ﵇:
((الْإِيمَانُ بضعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً؛ أَعْلَاهَا: قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ)) (١) .
ـ[ (وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِمُطْلَقِ الْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ؛ كَمَا يَفْعَلُهُ الْخَوَارَجُ (٢) ؛ بَلِ الأُخُوَّةُ الإِيمَانِيَّةُ ثَابِتَةٌ مَعَ الْمَعَاصِي؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ (٣) : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوف﴾ ِ (٤) ، وَقَالَ: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٥) ، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم﴾ (٦) ) .]ـ الحواشي
(١) رواه البخاري في الإيمان، (باب: أمور الإيمان) (١/٥١-فتح) ، ومسلم في الإيمان (باب: بيان عدد شعب الإيمان) (٢/٣٦٣-نووي) ، وأبو داود في ((السنة)) ، (باب: رد الإرجاء) (١٢/٤٣٢-عون) ، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم.(٢) اعلم أن هناك سماتٍ من اتسم بها أو ببعضها فهو خارجي، أو وقع فيما وقعت فيه الخوارج من الغلو:
١- تكفير صاحب الكبيرة
٢- تكفير من وقع في معصية وأصر عليها.
٣- القول بأن الإيمان شيء واحد لا ينقص، فإذا ذهب بعضه ذهب كله.
٤- جواز الخروج على الحاكم المسلم لجوره وظلمه، وإن لو يُرَ منه كفرٌ بواحٌ. (ووجه كونه خارجية، أنه قد استقر رأي أهل السنة والجماعة على عدم جواز ذلك، وخالفت الخوارج)
٥- عدم العذر بالجهل مطلقاً.
٦- تكفير كل من حكم بغير ما أنزل الله ولو في قضية معينة.
والصواب: التفريق بين التشريع العام وجعله دينًا متبعًا وقانونًا ملزمًا وبين جعل الشريعة الإسلامية هي الدين المُلْزِم، ومخالفتها وعدم الحكم بها في قضية أو قضايا معينة. وانظر (ص٣١٦) .
٧- التسرع في تكفير المعين دون مراعاة لتحقق الشروط وانتفاء الموانع.(٣) زاد في المخطوط والفتاوى: [في آية القصاص] .(٤) البقرة:(١٧٨) .(٥) الحجرات:(٩) .(٦) الحجرات:(١٠) .стр. 247
/ش/ وَمَعَ أَنَّ الْإِيمَانَ الْمُطْلَقَ مركَّب مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ وَالِاعْتِقَادَاتِ؛ فَهِيَ لَيْسَتْ كُلُّهَا بِدَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ؛ بَلِ الْعَقَائِدُ أصلٌ فِي الْإِيمَانِ، فمَن أَنْكَرَ شَيْئًا مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ فِي اللَّهِ أَوْ مَلَائِكَتِهِ أَوْ كُتُبِهِ أَوْ رُسُلِهِ أَوِ الْيَوْمِ الْآخِرِ أَوْ مِمَّا هُوَ معلومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ؛ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَحُرْمَةِ الزِّنَا وَالْقَتْلِ ... إلخ؛ فَهُوَ كافرٌ، قَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِيمَانِ بِهَذَا الْإِنْكَارِ.
ـ[ (وَلاَ يَسْلُبُونَ الْفَاسِقَ الْمِلِّيَّ (١) [اسْمَ الإِيمَانِ] (٢) بِالْكُلِّيَّةِ، وَلاَ يُخَلِّدُونَهُ فِي النَّار؛ كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ. بَلِ الْفَاسِقُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الإيمَانِ (٣) ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ (٤) . وَقَدْ لاَ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الإِيمَانِ الْمُطْلَقِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٥) ، وَقَوْلُهُ ﷺ : ((لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ]ـ الحواشي
(١) أي: الذي على ملة الإسلام.(٢) كذا في المخطوط والفتاوى، وهو أصح كما أوردها الشارح، وفي المطبوع: [الإسلام] .(٣) في النسخ المطبوعة: ((الإيمان المطلق)) ، وهو لا يستقيم هنا.
وفي المخطوط و ((مجموع الفتاوى)) (٣/١٥١) كما أثبتُّه، وبه يصح المعنى.
وقد رجَّح الشريف في تعليقه على الواسطية: ((مطلق الإيمان)) ، ويصح المعنى به أيضًا. والله أعلم.(٤) النساء:(٩٢) .(٥) الانفال:(٢) .стр. 248
ـ[مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَنْتَهِبُ نَهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ)) (١) . [وَيَقُولُونَ] (٢) : هُوَ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الإِيمَانِ، أَوْ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ، فَلاَ يُعْطَى الاسْمَ الْمُطْلَقَ، وَلاَ يُسْلَبُ مُطْلَقَ الاسْمِ) .]ـ
/ش/ وَأَمَّا الْفَاسِقُ المِلِّي الَّذِي يَرْتَكِبُ بَعْضَ الْكَبَائِرِ مَعَ اعْتِقَادِهِ حُرْمَتَهَا؛ فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لَا يَسْلُبُونَ عَنْهُ اسْمَ الْإِيمَانِ بالكلِّيَّة، وَلَا يخلِّدونه فِي النَّارِ؛ كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ، بَلْ هُوَ عِنْدَهُمْ مؤمنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ، قَدْ نَقَصَ مِنْ إِيمَانِهِ بِقَدْرِ مَعْصِيَتِهِ، أَوْ هُوَ مؤمنٌ فاسقٌ، لَا يُعْطُونَهُ اسْمَ الْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ، وَلَا يَسْلُبُونَهُ مُطْلَقَ الْإِيمَانِ.
وأدلَّة الْكِتَابِ والسنَّة دالَّةٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ ﵀ مِنْ ثُبُوتِ مُطْلَقِ الْإِيمَانِ مَعَ الْمَعْصِيَةِ؛ قَالَ تَعَالَى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ (٣) .
فَنَادَاهُمْ بِاسْمِ الْإِيمَانِ، مَعَ وُجُودِ الْمَعْصِيَةِ، وَهِيَ مُوَالَاةُ الْكُفَّارِ الحواشي
(١) رواه البخاري في المظالم، (باب: النهبى بغير إذن صاحبه) (٥/١١٩-فتح) ، وفي الأشربة، والحدود، والمحاربين، ومسلم في الإيمان، (باب: بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبِّس بالمعصية) (٢/٤٠١-نووي) ، ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي.(٢) في المطبوع: [ونقول] .(٣) الممتحنة:(١) .стр. 249
مِنْهُمْ.. إلخ.
فَائِدَةٌ: الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ الشرعيَّان مُتَلَازِمَانِ فِي الْوُجُودِ، فَلَا يُوجَدُ أَحَدُهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ، بَلْ كُلَّمَا وُجِدَ إيمانٌ صحيحٌ معتدٌّ بِهِ، وُجِدَ مَعَهُ إسلامٌ، وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ، وَلِهَذَا قَدْ يُسْتَغْنى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ؛ دَخَلَ فِيهِ الْآخَرُ، وَأَمَّا إِذَا ذُكِرا مَعًا مُقْتَرِنَيْنِ؛ أُريد بِالْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ وَالِاعْتِقَادُ، وأُريد بِالْإِسْلَامِ الِانْقِيَادُ الظَّاهِرِيُّ مِنَ الْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ وَعَمَلِ الْجَوَارِحِ.
وَلَكِنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُطْلَقِ الْإِيمَانِ، أَمَّا الْإِيمَانُ الْمُطْلَقُ؛ فَهُوَ أخصُّ مُطْلَقًا مِنَ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ يُوجَدُ الْإِسْلَامُ بِدُونِهِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (١) .
فَأَخْبَرَ بِإِسْلَامِهِمْ مَعَ نَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ (٢) .
وَفِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ ذِكْرُ الْمَرَاتِبِ الثَّلَاثِ: الْإِسْلَامِ، وَالْإِيمَانِ، وَالْإِحْسَانِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهَا أخصُّ مِمَّا قَبْلَهُ.
ـ[ (فَصْلٌ: وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ سَلاَمَةُ قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ لأَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، كَمَا وَصَفَهُمُ اللهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ]ـ الحواشي
(١) الحجرات:(١٤) .(٢) أي: الإيمان المطلق.стр. 250
ـ[رَّحِيمٌ﴾ (١) ، وَطَاعَةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ((لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهُ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ)) (٢) . وَيَقْبَلُونَ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسَّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ) .]ـ
/ش/ يَقُولُ المؤلِّف: إِنَّ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الَّتِي فَارَقُوا بِهَا مَن عَدَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ أَنَّهُمْ لَا يُزْرون بِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يَطْعَنُونَ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْمِلُونَ لَهُ حِقْدًا وَلَا بُغْضًا وَلَا احْتِقَارًا، فَقُلُوبُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بَرَاءٌ، وَلَا يَقُولُونَ فِيهِمْ إِلَّا مَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ:
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ (٣) الْآيَةَ.
فَهَذَا الدُّعَاءُ الصَّادِرُ ممَّن جَاءَ بَعْدَهُمْ ممَّن اتَّبعوهم بِإِحْسَانٍ يدلُّ عَلَى كَمَالِ محبَّتهم لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَثَنَائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ أَهْلٌ لِذَلِكَ الْحُبِّ وَالتَّكْرِيمِ؛ لِفَضْلِهِمْ، وَسَبْقِهِمْ، وَعَظِيمِ سَابِقَتِهِمْ، وَاخْتِصَاصِهِمْ بِالرَّسُولِ ﷺ ، وَلِإِحْسَانِهِمْ إِلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ هُمْ المبلِّغون لَهُمْ جَمِيعَ مَا جَاءَ بِهِ نبيُّهم ﷺ ، فَمَا وَصَلَ لأحدٍ علمٌ وَلَا خبرٌ إِلَّا الحواشي
(١) الحشر:(١٠) .(٢) رواه البخاري في فضائل الصحابة، (باب: ((لو كنت متخذًا خليلاً)) ) (٧/٢١-فتح) ، ومسلم في فضائل الصحابة، (باب: تحريم سب الصحابة) (١٦/٣٢٦-نووي) .(٣) الحشر:(١٠) .стр. 251
بِوَاسِطَتِهِمْ، وَهُمْ يوقِّرُونهم أَيْضًا طَاعَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ ؛ حَيْثُ نَهَى عَنْ سَبِّهِمْ والغضِّ مِنْهُمْ، وبيَّن أَنَّ الْعَمَلَ الْقَلِيلَ مِنْ أَحَدِ أَصْحَابِهِ يَفْضُلُ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَذَلِكَ لِكَمَالِ إِخْلَاصِهِمْ، وَصَادِقِ إِيمَانِهِمْ (*) .
ـ[ (وَيُفَضِّلُونَ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ ـ وَهُوَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ ـ وَقَاتَلَ عَلَى مَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلَ. وَيُقَدِّمُونَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى الأَنْصَارِ. وَيُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللهَ قَالَ لأَهْلِ بَدْرٍ ـ وَكَانُوا ثَلاثَ مِئَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَـ: ((اعْمَلُوا مَا شِئْتُم. فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)) (١) . وَبِأَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ؛ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ (٢) ، بَلْ لَقَدْ رَضَيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِ مِئَةٍ (٣) .]ـ الحواشي
(١) رواه البخاري في المغازي، (باب: فضل مَن شهد بدرًا) (٧/٣٠٤-فتح) ، ومسلم في فضائل الصحابة، (باب: من فضائل أهل بدر) (١٦/٢٨٧-نووي) .
وانظر قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁.(٢) يشير لما رواه مسلم في فضائل الصحابة، (باب: من فضائل أصحاب الشجرة وأهل بيعة الرضوان) (١٦/٢٩٠-نووي) ، وأبو داود في السنة، والترمذي في المناقب؛ من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ :
((لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها)) .
واللفظ لمسلم.(٣) صح هذا العدد في البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله؛ قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: ((أنتم خير أهل الأرض)) ، وكنا ألفًاوأربع مئة، ولو كنت أبصر اليوم؛ لأريتكم مكان الشجرة. انظر: ((اللؤلؤ والمرجان)) (٢/٢٥٠) .
[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
شرفهم بصحبة النبي ﷺ . إسماعيل الأنصاري. [ص ١٦٦]стр. 252
ـ[وَيَشْهَدُونَ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، كَالْعَشَرَةِ، وَثَابِتِ بْنِ قِيْسِ بنِ شَمَّاسٍ، وَغَيْرِهِم مِّنَ الصَّحَابَةِ) .]ـ
/ش/ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((ويفضِّلون مَن أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ ـ وَهُوَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ ـ وَقَاتَلَ عَلَى مَن أَنْفَقَ مِنْ بَعْدِهِ وَقَاتَلَ)) ؛ فلورود النص القرآن بِذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ:
﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (١) .
وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْفَتْحِ بِصُلْحِ الحُديبية؛ فَذَلِكَ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَدْ صحَّ أَنَّ سُورَةَ الْفَتْحِ نَزَلَتْ عَقِيبَهُ (٢) .
وَسُمِّيَ هَذَا الصُّلْحُ فَتْحًا؛ لِمَا ترتَّب عَلَيْهِ مِنْ نَتَائِجَ بَعِيدَةِ الْمَدَى فِي عزَّة الْإِسْلَامِ، وقوَّته وَانْتِشَارِهِ، وَدُخُولِ النَّاسِ فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((ويقدِّمون الْمُهَاجِرِينَ عَلَى الْأَنْصَارِ)) ؛ فَلِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ جَمَعُوا الْوَصْفَيْنِ: النُّصْرَةَ وَالْهِجْرَةَ، وَلِهَذَا كَانَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَبَقِيَّةُ الْعَشَرَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ بِتَقْدِيمِ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى الْأَنْصارِ فِي الحواشي
(١) الحديد:(١٠) .(٢) لما رواه البخاري في التفسير، (باب: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ) (٨/٥٨٢-فتح) بإسناد ظاهره الإرسال-ووصله الترمذي؛ انظر ((الصحيح المسند)) (ص١٣٩) ، ومسلم في الجهاد والسير، (باب: صلح الحديبية) (١٢/٣٨١-نووي) .стр. 253
سُورَةِ التَّوْبَةِ (١) وَالْحَشْرِ (٢) ، وَهَذَا التَّفْضِيلُ إِنَّمَا هُوَ لِلْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ فِي الْأَنْصَارِ مَن هُوَ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِ الْمُهَاجِرِينَ.
وَقَدْ رُوي عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ:
((نَحْنُ الْمُهَاجِرُونَ، وَأَوَّلُ النَّاسِ إِسْلَامًا، أَسْلَمْنَا قَبْلَكُمْ، وقُدِّمْنا فِي الْقُرْآنِ عَلَيْكُمْ، فَنَحْنُ الْأُمَرَاءُ، وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ)) (٣) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((وَيُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللَّهَ قَالَ لِأَهْلِ بَدْرٍ ... )) إلخ؛ فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا أَرَادَ قَتْلَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بْدَرًا لِكِتَابَتِهِ كِتَابًا إِلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ فِيهِ بِمَسِيرِ الرَّسُولِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ :
((وَمَا يُدريك يَا عُمَرُ؟ لعلَّ اللَّهَ اطَّلع عَلَى أَهْلِ بدرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((وَبِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ أحدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ... )) إلخ؛ فَلِإِخْبَارِهِ ﷺ بِذَلِكَ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَة﴾ ِ (٤) الحواشي
(١) التوبة:(٢٠) ؛ ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ .(٢) الحشر:(٨) ؛ ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ .(٣) صحَّ عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال يوم السقيفة للأنصار: ((نحن الأمراء، وأنتم الوزراء)) . رواه البخاري في فضائل أصحاب النبي ﷺ ، (باب: قول النبي ﷺ : ((لو كنت متخذًا خليلاً)) ) (٧/٢٠-فتح) ، وفي الجنائز، والمغازي.(٤) الفتح:(١٨) .стр. 254
الْآيَةَ
فَهَذَا الرِّضَا مانعٌ مِنْ إِرَادَةِ تَعْذِيبِهِمْ، ومستلزمٌ لِإِكْرَامِهِمْ وَمَثُوبَتِهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((وَيَشْهَدُونَ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ ؛ كَالْعَشَرَةِ، وَثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ)) .
أَمَّا الْعَشَرَةُ؛ فَهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَأَبُو عُبيدة بْنُ الْجَرَّاحِ (١) .
وَأَمَّا غَيْرُهُمْ؛ فَكَثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ (٢) ، وعُكَّاشة بْنِ مِحْصَنٍ (٣) ،
وَعَبْدِ اللَّهِ الحواشي
(١) روى ذلك الترمذي في المناقب، (باب: مناقب عبد الرحمن بن عوف) (١٠/٢٤٩-تحفة٩ عن عبد الرحمن بن عوف، وقال: ((حسن صحيح)) ، وأحمد في ((المسند)) (١/١٨٧) ، وأبو داود في ((السنة)) (باب: في الخلفاء) (١٢/٤٠٠-عون) ؛ عن سعيد بن زيد، ولكنه جعل العاشر رسولَ الله ﷺ بدل أبي عُبيدة بن الجراح. انظر: ((صحيح الجامع)) (رقم٥٠) ، و ((جامع الأصول)) (٨/٥٦٠) .(٢) لما رواه مسلم في الإيمان، (باب: مخافة المؤمن أن يحبط عمله) (٢/٤٩٣-نووي) ، وأحمد في ((المسند)) (٣/١٣٧) :
((لما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ؛ قال ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتُم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ ، فأنا من أهل النار. فذكر ذلك سعدٌ للنبيِّ ﷺ ، فقال: بل هو من أهل الجنة)) .(٣) للحديث المشهور:
((سبقك بها عُكَّاشة)) .
رواه البخاري في الرقاق، (باب: يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب) (١١/٤٠٥-فتح) ، ومسلم في الإيمان، (باب: موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم والبراءة منهم) (٣/٩٠-نووي) .стр. 255
بْنِ سَلَامٍ (١) ، وَكُلِّ مَن وَرَدَ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ (٢) .
ـ[ (وَيُقِرُّونَ بِمَا تَوَاتَرَ بِهِ النَّقْلُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا: أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ. وَيُثَلِّثُونَ بِعُثْمَانَ، وَيُرَبِّعُونَ بِعَلِيٍّ ﵃؛ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثَارُ، وَكَمَا أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ فِي الْبَيْعَةِ. مَعَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ السُّنَّةِ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵄ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ـ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَدَّمَ قَوْمٌ عُثْمَانَ: وَسَكَتُوا، أَوْ رَبَّعُوا بِعَلِيٍّ، وَقَدَّم قَوْمٌ عَلِيًّا، وَقَوْمٌ تَوَقَّفُوا. لَكِنِ اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ، ثُمَّ عَلِيٍّ. وَإِنْ كَانَتْ هَذِه الْمَسْأَلَةُ ـ مَسْأَلَةُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ـ لَيْسَتْ مِنَ]ـ الحواشي
(١) لما رواه البخاري في مناقب الأنصار، (باب: مناقب عبد الله بن سلام) (٧/١٢٨-فتح) ، ومسلم في فضائل الصحابة، (باب: فضائل عبد الله بن سلام) (١٦/٢٧٤-نووي) ، واللفظ له؛ من حديث سعد بن أبي وقَّاص ﵁؛ قال:
((ما سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لحيٍّ يمشي على الأرض: إنه في الجنة؛ إلا لعبد الله بن سلام)) .(٢) مثل خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ﷺ ، والحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب، وبلال بن رباح؛ ﵃ أجمعين.. وغيرهم كثير.стр. 256
ـ[الأُصُولِ الَّتِي يُضَلَّلُ الْمُخَالِفُ فِيهَا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ. [لَكِنِ الَّتِي يُضَلَّلُ فِيهَا: مَسْأَلَةُ] (١) الْخِلاَفَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ. وَمَنْ طَعَنَ فِي خِلاَفَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلاءِ؛ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ) .]ـ
/ش/ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((وَيُؤْمِنُونَ بِمَا تَوَاتَرَ بِهِ النَّقْلُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نبيِّها أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ)) ؛ فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ ذَلِكَ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ، وَسَمِعَهُ مِنْهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ؛ وَكَانَ يَقُولُ:
((مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى عَلِمْنَا أَنَّ أَفْضَلَنَا بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَمَا مَاتَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى عَلِمْنَا أَنَّ أَفْضَلَنَا بَعْدَهُ عُمَرُ)) (٢) . الحواشي
(١) في المخطوط: [لكن المسألة التي يضلل فيها المخالف] ، وقريب منها في ((الفتاوى)) .(٢) رواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٢/٥٧٠) ، وقال الألباني: ((إسناده ضعيف)) ، ولكن صحَّ عنده عنه أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وبعد أبي بكر عمر، ولو شئت أن أسمي لكم الثالث لفعلت)) .
وفي ((صحيح البخاري)) (٧/٥٤-فتح) عن ابن عمر ﵄؛ قال: كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم)) .
وانظر: ((فضائل الصحابة)) (١/٧٦) للإمام أحمد بن حنبل.стр. 257
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((ويُثَلِّثون بِعُثْمَانَ، ويربَّعون بعليٍّ..)) إلخ؛ فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ تَرْتِيبَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فِي الْفَضْلِ عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِهِمْ فِي الْخِلَافَةِ، وَهُمْ لِهَذَا يفضِّلون عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ، محتجِّين بِتَقْدِيمِ الصَّحَابَةِ عُثْمَانَ فِي الْبَيْعَةِ عَلَى عليٍّ.
وَبَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ يفضِّل عَلِيًّا؛ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ مَا وَرَدَ مِنَ الْآثَارِ فِي مَزَايَا عليٍّ وَمَنَاقِبِهِ أَكْثَرُ.
وَبَعْضُهُمْ يتوقَّف فِي ذَلِكَ.
وَعَلَى كُلِّ حالٍ؛ فَمَسْأَلَةُ التَّفْضِيلِ لَيْسَتْ ـ كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ ـ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ الَّتِي يُضلَّل فِيهَا الْمُخَالِفُ، وَإِنَّمَا هِيَ مَسْأَلَةٌ فرعيَّة يتَّسع لَهَا الْخِلَافُ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْخِلَافَةِ؛ فَيَجِبُ الِاعْتِقَادُ بِأَنَّ خِلَافَةَ عُثْمَانَ كَانَتْ صَحِيحَةً؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ بِمَشُورَةٍ مِنَ السِّتَّةِ (١) ، الَّذِينَ عيَّنهم عُمَرُ ﵁ لِيَخْتَارُوا الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِهِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ خِلَافَةَ عُثْمَانَ كَانَتْ بَاطِلَةً، وَأَنَّ عَلِيًّا كَانَ أَحَقَّ بِالْخِلَافَةِ مِنْهُ؛ فَهُوَ مبتدعٌ ضالٌّ يَغْلِبُ عَلَيْهِ التشيُّع؛ مَعَ مَا فِي قَوْلِهِ مِنْ إزراءٍ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.
ـ[ (وَيُحِبُّونَ أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَيَتَوَلَّوْنَهُمْ، وَيَحْفَظُونَ فِيهِمْ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : حَيْثُ قَالَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ:]ـ الحواشي
(١) وهم: علي، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن. ﵃ أجمعين.
انظر: ((صحيح البخاري)) (٧/٦١-فتح) .стр. 258
ـ[ (( [أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي] (١) ) ) (٢) . وَقَالَ أَيْضًا لِلْعَبَّاسِ عَمِّه ـ وَقَدِ اشْتَكَى إِلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ قُرَيْشٍ يَجْفُو بَنِي هَاشِمٍ ـ فَقَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُمْ؛ للهِ وَلِقَرَابَتِي)) (٣) . وَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ اصْطَفَى بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي إسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي]ـ الحواشي
(١) تكرَّرت في المخطوط.(٢) رواه مسلم في فضائل الصحابة، (باب: من فضل علي بن أبي طالب) (١٥/١٨٨-نووي) ، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٢/٦٤٣) .(٣) روى الترمذي في المناقب، (باب: مناقب العباس ﵁ (١٠/٢٦٤-تحفة) عن عبد المطلب بن ربيعة مرفوعًا:
((والذي نفسي بيده؛ لا يدخل قلب رجل إيمانٌ حتى يحبَّكم لله ولرسوله)) .
وقال الترمذي: ((حسن صحيح)) ، ووافقه الأرناؤوط في ((جامع الأصول))(٦٥٤٣) .
ورواه الإمام أحمد بهذا اللفظ (١٧٧٢، و١٧٧٣-شاكر) ، وبلفظ: ((لقرابتي))(١٧٧٧) ، وصحح إسنادهما أحمد شاكر.
وضعَّفه الألباني في ((ضعيف الجامع))(٦١١٢) . لكن رواه الإمام أحمد في ((فضائل الصحابة))(١٧٥٦) بلفظ:
((حتى يحبوكم لله ولقرابتي)) .
بإسناد مرسل ضعيف، ولكن قال محققه وصي الله عباس:
((ووجدته موصولاً في أمالي طرَّاد الزَّينبي (٨٨ب) من طريق سفيان عن أبيه عن أبي الضحى عن ابن عباس؛ قال: قال العباس.. وهذا إسناد موصول صحيح)) . اهـ
والله أعلم.стр. 259
ـ[هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ)) (١) ) .]ـ
/ش/ أَهْلُ بَيْتِهِ ﷺ هُمْ مَن تحرُم عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، وَهُمْ: آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ الْعَبَّاسِ، وَكُلُّهُمْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَيَلْحَقُ بِهِمْ بَنُو الْمُطَّلِبِ؛ لِقَوْلِهِ ﵇:
((إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونَا جاهليَّةً وَلَا إِسْلَامًا)) (٢) .
فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَرْعَوْنَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ وَقَرَابَتَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ كَمَا يُحِبُّونَهُمْ لِإِسْلَامِهِمْ، وَسَبْقِهِمْ، وَحُسْنِ بَلَائِهِمْ فِي نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ الحواشي
(١) رواه مسلم في الفضائل، (باب: فضل نسب النبي ﷺ ) (١٥/٤١-نووي) ، والترمذي في المناقب، (باب: ماجاء في فضل النبي ﷺ ) (١٠/٧٤-تحفة) .(٢) (صحيح) . وتمام الحديث:
((إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، وشبك بين أصابعه)) .
رواه النسائي في قَسْم الفيء (٧/١٣١) ، واللفظ له، وبنحوه رواه أبو داود في الخراج، (باب: في بيان مواضع قَسْم الخمس) (٨/٢٠٢-عون) .
وروى البخاري الجزء الأخير منه فقط: ((إنما بنو هاشم وبنو المطَّلب شيء واحدِ ـ والشاهد فيه أقوى ـ في المغازي، (باب: غزوة خيبر) (٧/٤٨٤-فتح) ، وفي فرض الخمس، (باب: ومن الدليل على أن الخمس للإمام) (٦/٢٤٤-فتح) ، وفي المناقب، (باب: مناقب قريش) (٦/٥٣٣-فتح) .
وهاشم والمطَّلب أخوان؛ أبوهما عبد مناف بن قُصَيٍّ بن كلاب، فبنوهما أبناء عمومة.стр. 260
عَزَّ وَجَلَّ.
وَ ((غَدِيرُ خُم)) ـ بِضَمِّ الْخَاءِ ـ؛ قِيلَ: اسْمُ رَجُلٍ صَبَّاغٍ أُضِيفَ إِلَيْهِ الْغَدِيرُ الَّذِي بَيْنَ مكَّة وَالْمَدِينَةِ بِالْجُحْفَةِ. وَقِيلَ: خُم اسْمُ غَيْضَةٍ هُنَاكَ نُسِب إِلَيْهَا الْغَدِيرُ، والغَيْضَة: الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇ لِعَمِّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يحبُّوكم لِلَّهِ وَلِقَرَابَتِي)) ؛ فَمَعْنَاهُ: لَا يَتِمُّ إِيمَانُ أحدٍ حَتَّى يُحِبَّ أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلَّهِ؛ أَوَّلًا: لِأَنَّهُمْ مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ الَّذِينَ تَجِبُ مَحَبَّتُهُمْ وَمُوَالَاتُهُمْ فِيهِ. وَثَانِيًا: لِمَكَانِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَاتِّصَالِ نَسَبِهِمْ بِهِ.
ـ[ (وَيَتَوَلَّوْنَ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُؤْمِنُونَ بَأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُهُ فِي الآخِرَةِ: خُصُوصًا خَدِيجَةَ ﵂ أُمَّ أَكْثَرِ أَوْلاَدِهِ، وَأَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَعَاَضَدَهُ عَلَى أَمْرِه، وَكَانَ لَهَا مِنْهُ الْمَنْزِلَةُ الْعَالِيَةُ. وَالصِّدِّيقَةَ بِنْتَ الصِّدِّيقِ ﵂، الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ : ((فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ)) (١) ) .]ـ
/ش/ أَزْوَاجُهُ ﷺ هُنَّ مَن تزوجهُنَّ بِنِكَاحٍ، فَأَوَّلُهُنَّ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ الحواشي
(١) رواه البخاري في الأنبياء، (باب: قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَم﴾ (٦/٤٧١-فتح) ، وفي فضائل الصحابة، (باب: فضل عائشة ﵂ (٧/١٠٦-فتح) ، ومسلم في فضائل الصحابة، (باب: فضائل خديجة أم المؤمنين) (١٥/٢٠٨-نووي) ، و (باب: فضل عائشة ﵂ (١٥/٢١٩-نووي) ، والترمذي، والنسائي.стр. 261
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، تزوَّجها بِمَكَّةَ قَبْلَ الْبِعْثَةِ، وَكَانَتْ سِنُّهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَكَانَتْ هِيَ تَكْبُرُهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا، وَلَمْ يتزوَّج عَلَيْهَا حَتَّى توفِّيت، وَقَدْ رُزِقَ مِنْهَا بِكُلِّ أَوْلَادِهِ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَتْ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ، وقوَّاه عَلَى احْتِمَالِ أَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ، وَقَدْ مَاتَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ عَنْ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، فَتَزَوَّجَ بَعْدَهَا سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ ﵂ .
وَعَقَدَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، وَكَانَتْ بِنْتَ سِتِّ سِنِينَ، حَتَّى إِذَا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ.
وَمِنْ زَوْجَاتِهِ أَيْضًا أُمُّ سَلَمَةَ ﵂، تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجِهَا أَبِي سَلَمَةَ.
وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ تَطْلِيقِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ لَهَا، أَوْ عَلَى الْأَصَحِّ زَوَّجَهُ اللَّهُ إِيَّاهَا.
وَجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَصَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، وَحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ، وَكُلُّهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُنَّ أَزْوَاجُهُ ﷺ فِي الْآخِرَةِ، وَأَفْضَلُهُنَّ عَلَى الْإِطْلَاقِ خَدِيجَةُ وَعَائِشَةُ ﵄.
ـ[ (وَيَتَبَرَّؤُونَ مِنْ طَرِيقَةِ الرَّوَافِضِ (١) الَّذِينَ يُبْغِضُونَ الصَّحَابَةَ وَيَسُبُّونَهُمْ. وَطَرِيقَةِ النَّوَاصِبِ (٢) الَّذِينَ يُؤْذُونَ أَهْلَ الْبَيْتِ بِقَوْلٍ [أَوْ] (٣) عَمَلٍ.]ـ الحواشي
(١) سبق التعريف بهم (ص٢٢٥) .(٢) النواصب: هم الذين ناصبوا العداوة لأهل البيت، وطعنوا فيهم، وكفَّروهم، وهم ضد الروافض.(٣) في المخطوط: [و] ؛ بدون تخيير.стр. 262
ـ[ويُمْسِكُونَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ هَذِهِ الآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ فِي مَسَاوِيهِمْ مِنْهَا مَا هُوَ كَذِبٌ، وَمَنْهَا مَا قَدْ زِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ وَغُيِّرَ عَنْ وَجْهِهِ، وَالصَّحِيحُ مِنْهُ هُمْ فِيهِ مَعْذُورُونَ: إِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُصِيبُونَ، وَإِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ. وَهُم مَّعَ ذَلِكَ لاَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعْصُومٌ عَنْ كَبَائِرِ الإِثْمِ وَصَغَائِرِهِ، بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الذُّنُوبُ فِي الْجُمْلَةِ. وَلَهُم مِّنَ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ ـ إِنْ صَدَرَ ـ، [حَتَّى إنَّهُمْ] (١) يُغْفَرُ لَهُم مِّنَ السَّيِّئَاتِ مَا لاَ يُغْفَرُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ؛ لأَنَّ لَهُم مِّنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تَمْحُو السَّيِّئَاتِ مَا لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ، وَأَنَّ الْمُدَّ مِنْ أَحَدِهِمْ إذَا تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا مِمَّن بَعْدَهُمْ. ثُمَّ إِذَا كَانَ قَدْ صَدَرَ مِنْ أَحَدِهِمْ ذَنْبٌ؛ فَيَكُونُ قَدْ تَابَ مِنْهُ، أَوْ أَتَى بَحَسَنَاتٍ تَمْحُوهُ، أَو غُفِرَ لَهُ؛ بِفَضْلِ سَابِقَتِهِ، أَوْ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِشَفَاعَتِهِ، أَوْ ابْتُلِيَ بِبَلاَءٍ فِي الدُّنْيَا كُفِّرَ بِهِ عَنْهُ.]ـ الحواشي
(١) في المخطوط: [على أنه] ، وفي ((الفتاوى)) : [حتى إنه] .стр. 263
ـ[فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الذُّنُوبِ الْمُحَقَّقَةِ؛ فَكَيْفَ [الأُمُورُ] (١) الَّتِي كَانُوا فِيهَا مُجْتَهِدِينَ: إنْ أَصَابُوا؛ فَلَهُمْ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا؛ فَلَهُمْ أَجْرٌ وَاحِدٌ، وَالْخَطَأُ مغْفُورٌ. ثُمَّ إِنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يُنْكَرُ مِنْ فِعْلِ بَعْضِهِمْ قَلِيلٌ نَزْرٌ [مَغْفُورٌ] (٢) فِي جَنْبِ فَضَائِلِ الْقَوْمِ وَمَحَاسِنِهِمْ؛ مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ، وَرَسُولِهِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَالْهِجْرَةِ، وَالنُّصْرَةِ، وَالْعِلْمِ النَّافِعِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَمَن نَّظَرَ فِي سِيرَةِ الْقَوْمِ بِعِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ، وَمَا مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم بِهِ مِنَ الْفَضَائِلِ؛ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّهُمْ خِيْرُ الْخَلْقِ بَعْدَ الأَنْبِيَاءِ، لاَ كَانَ وَلا يَكُونُ مِثْلُهُمْ، وَأَنَّهُمُ الصَّفْوَةُ مِنْ قُرُونِ هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي هِيَ خَيْرُ الأُمَمِ وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ) .]ـ
/ش/ يُرِيدُ أَنَّ أَهْلَ السنة والجماعة يتبرؤون مِنْ طَرِيقَةِ الرَّوَافِضِ الَّتِي هِيَ الْغُلُوُّ فِي عليٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَبُغْضُ مَن عَدَاهُ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، وَسَبُّهُمْ، وَتَكْفِيرُهُمْ.
وَأَوَّلُ مَنْ سَمَّاهُمْ بِذَلِكَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (٣) ﵀ لِأَنَّهُمْ لَمَّا طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ إِمَامَةِ الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ لِيُبَايِعُوهُ أَبَى ذَلِكَ، فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ، فَقَالَ: ((رَفَضْتُمُونِي)) ، فَمِنْ يومئذٍ قِيلَ لَهُمْ: رَافِضَةٌ. الحواشي
(١) في المخطوط: [في الأمور] ، وفي ((الفتاوى)) : [بالأمور] .(٢) في المخطوط: [مغمور] ، وكذا في ((الفتاوى)) .(٣) هو زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵃ أجمعين، وإليه تنسب الزيدية؛ إحدى فرق الشيعة، وهم معتزلة في الأصول، تفرقوا إلى عدة فرق؛ منها من هو أقرب إلى السنة، ومنها ما هو أقرب إلى الرافضة، والمتقدمون منهم أفضل من المتأخرينстр. 264
وَهُمْ فِرَقٌ كَثِيرَةٌ: مِنْهُمُ الْغَالِيَةُ، وَمِنْهُمْ دون ذلك.
ويتبرَّؤُون كَذَلِكَ مِنْ طَرِيقَةِ النَّوَاصِبِ الَّذِينَ ناصَبوا أَهْلَ بَيْتِ النبوَّة الْعَدَاءَ لِأَسْبَابٍ وَأُمُورٍ سِيَاسِيَّةٍ مَعْرُوفَةٍ، وَلَمْ يَعُدْ لِهَؤُلَاءِ وُجُودٌ الْآنَ.
وَيُمْسِكُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَنِ الْخَوْضِ فِيمَا وَقَعَ مِنْ نِزَاعٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃؛ لَا سِيَّمَا مَا وَقَعَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ بَعْدَ
مَقْتَلِ عُثْمَانَ، وَمَا وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَغَيْرِهِمْ، وَيَرَوْنَ أَنَّ الْآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ فِي مَسَاوِئِهِمْ أَكْثَرُهَا كذبٌ أَوْ محرَّفٌ عَنْ وَجْهِهِ، وَأَمَّا الصَّحِيحُ مِنْهَا؛ فَيْعَذِرُونَهُمْ فِيهِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ مُجْتَهِدُونَ.
وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يدَّعون لَهُمُ الْعِصْمَةَ مِنْ كِبَارِ الذُّنُوبِ وَصِغَارِهَا، وَلَكِنَّ مَا لَهُمْ مِنَ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ وَصُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْجِهَادِ مَعَهُ قَدْ يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ مِنْ زَلَّاتٍ؛ فَهُمْ بِشَهَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْرُ الْقُرُونِ، وَأَفْضَلُهَا، ومُدُّ أحدِهم أَوْ نَصِيفه أَفْضَلُ مِنْ جَبَلِ أحدٍ ذَهَبًا يتصدَّق بِهِ مَن بَعْدَهُمْ، فسيِّئاتهم مَغْفُورَةٌ إِلَى جَانِبِ حَسَنَاتِهِمُ الْكَثِيرَةِ.
يُرِيدُ المؤلِّف ﵀ أَنْ يَنْفِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ قَدْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى مَا يُوجِبُ سَخَطَ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ، بَلْ إِذَا كَانَ قَدْ صَدَرَ الذَّنْبُ مِنْ أَحَدِهِمْ فِعْلًا؛ فَلَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي ذَكَرَهَا؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَابَ مِنْهُ قَبْلَ الْمَوْتِ، أَوْ أَتَى بِحَسَنَاتٍ تُذْهِبُهُ وَتَمْحُوهُ، أَوْ غُفر لَهُ بِفَضْلِ سَالِفَتِهِ فِي الْإِسْلَامِ؛ كَمَا غُفِر لِأَهْلِ بَدْرٍ وَأَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، أَوْ بِشَفَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُمْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِهِ، وأحقُّهم بِهَا، أَوِ ابْتُلِيَ بِبَلَاءٍ فِي الدُّنْيَا فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ فَكُفِّر عَنْهُ بِهِ.
стр. 265
فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ مَا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ فِيهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ الْمُحَقَّقَةِ؛ فَكَيْفَ فِي الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ وَالْخَطَأُ فِيهَا مغفورٌ.
ثُمَّ إِذَا قِيس هذا الذي أخطؤوا فِيهِ إلى جانب مالهم مِنْ مَحَاسِنَ وَفَضَائِلَ؛ لَمْ يَعْدُ أَنْ يَكُونَ قَطْرَةً فِي بَحْرٍ.
فَاللَّهُ الَّذِي اخْتَارَ نَبِيَّهُ ﷺ هُوَ الَّذِي اخْتَارَ لَهُ هَؤُلَاءِ الْأَصْحَابَ، فَهُمْ خَيْرُ الْخَلْقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ، وَالصَّفْوَةُ الْمُخْتَارَةُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْأُمَمِ.
ومَن تأمَّل كَلَامَ المؤلِّف ﵀ فِي شَأْنِ الصَّحَابَةِ عَجِبَ أَشَدَّ الْعَجَبِ مِمَّا يَرْمِيهِ بِهِ الْجَهَلَةُ المتعصِّبُون، وادِّعائهم عَلَيْهِ أَنَّهُ يتهجَّم عَلَى أَقْدَارِهِمْ، ويغضُّ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَيَخْرِقُ إِجْمَاعَهُمْ ... إِلَى آخِرِ مَا قَالُوهُ مِنْ مَزَاعِمَ وَمُفْتَرَيَاتٍ.
ـ[ (وَمِنْ أُصًولِ أَهْلِ السُّنَّةِ: التَّصْدِيقُ بِكَرَامَاتَ الأَوْلِيَاءِ وَمَا يُجْرِي اللهُ عَلَى أَيْدِيهِم مِّنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ فِي أَنْوَاعِ الْعُلُومِ وَالْمُكَاشَفَاتِ وَأَنْوَاعِ الْقُدْرَةِ وَالتَّأْثِيرَات (١) ، [كَالْمَأثُورِ] (٢) عَنْ سَالِفِ الأُمَمِ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ وَغَيْرِهَا، وَعَنْ صَدْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ [قُرُونِ] (٣) الأُمَّةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) .]ـ الحواشي
(١) قوله: ((أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات)) ؛ أي أن كرامات الأولياء تنقسم إلى قسمين:(١) علم وكشف.(٢) قدرة وتأثير. أما الأول فكأن يُعلمه الله ويُطلعه ويكشف له ما لا يكشف لغيره يقظة أو منامًا، كما حدث لعمر بن الخطاب ﵁ في قصة: يا سارية الجبل. وأما الثاني؛ فكأن تكون له قدرة وتأثير على الأشياء ليست لغيره، كما وقع لمريم ﵍ وما حدث لأصحاب الكهف.
انظر: ((مجموع الفتاوى)) (١١/٣١٤-٣١٨) .(٢) كذا المخطوط، و ((الفتاوى)) وفي المطبوع: [والمأثور] .(٣) كذا في المخطوط والفتاوى، وفي المطبوع: [فرق] ، والمثبت أصح.стр. 266
/ش/ وَقَدْ تَوَاتَرَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَدَلَّتِ الْوَقَائِعُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى وُقُوعِ كَرَامَاتِ اللَّهِ لِأَوْلِيَائِهِ المتَّبعين لِهَدْيِ أَنْبِيَائِهِمْ.
وَالْكَرَامَةُ أَمْرٌ خارقٌ لِلْعَادَةِ، يُجْرِيهِ اللَّهُ عَلَى يَدِ وليٍّ مِنْ أَوْلِيَائِهِ (١) ؛ مَعُونَةً لَهُ عَلَى أَمْرٍ دينيٍّ أَوْ دنيويٍّ.
ويفرِّق بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُعْجِزَةِ بِأَنَّ الْمُعْجِزَةَ تَكُونُ مَقْرُونَةً بِدَعْوَى الرِّسَالَةِ، بِخِلَافِ الْكَرَامَةِ.
ويتضمَّن وُقُوعُ هذه الكرامات حكم وَمَصَالِحَ كَثِيرَةً؛ أَهَمُّهَا:
أَوَّلًا: أَنَّهَا كَالْمُعْجِزَةِ، تَدُلُّ أَعْظَمَ دَلَالَةٍ عَلَى كَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ، وَنُفُوذِ مَشِيئَتِهِ، وَأَنَّهُ فعَّال لِمَا يُرِيدُ، وَأَنَّ لَهُ فَوْقَ هَذِهِ السُّنَنِ وَالْأَسْبَابِ الْمُعْتَادَةِ سُنَنًا أُخْرَى لَا يَقَعُ عَلَيْهَا عِلْمُ الْبَشَرِ، وَلَا تُدْرِكُهَا أَعْمَالُهُمْ.
فَمِنْ ذَلِكَ قِصَّةُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَالنَّوْمُ الَّذِي أَوْقَعَهُ اللَّهُ بِهِمْ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، مَعَ حِفْظِهِ تَعَالَى لِأَبْدَانِهِمْ مِنَ التَّحَلُّلِ وَالْفَنَاءِ.
وَمِنْهَا مَا أَكْرَمَ اللَّهُ بِهِ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ مِنْ إِيصَالِ الرِّزْقِ إِلَيْهَا وَهِيَ فِي الْمِحْرَابِ؛ حَتَّى عَجِبَ مِنْ ذَلِكَ زَكَرِيَّا ﵇، وَسَأَلَهَا: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ (٢) .
وَكَذَلِكَ حَمْلُهَا بِعِيسَى بِلَا أَبٍ، وَوِلَادَتُهَا إِيَّاهُ، وَكَلَامُهُ فِي الْمَهْدِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ.
ثَانِيًا: أَنَّ وُقُوعَ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مُعْجِزَةٌ لِلْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّ الحواشي
(١) الوليُّ: هو من فعل المأمور، وترك المحظور، وصبر على المقدور، فأحب الله وأحبه، ورضي عنه. انظر: رسالة ((الفرقان)) لشيخ الإسلام ابن تيمية.(٢) آل عمران:(٣٧) .стр. 267
تِلْكَ الْكَرَامَاتِ لَمْ تَحْصُلْ لَهُمْ إِلَّا بِبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمْ، وَسَيْرِهِمْ عَلَى هَدْيِهِمْ.
ثَالِثًا: أَنَّ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ هِيَ الْبُشْرَى الَّتِي عجَّلها اللَّهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْبُشْرَى كُلُّ أَمْرٍ يدلُّ عَلَى وِلَايَتِهِمْ وَحُسْنِ عَاقِبَتِهِمْ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الْكَرَامَاتُ.
هَذَا؛ وَلَمْ تَزَلِ الْكَرَامَاتُ مَوْجُودَةً لَمْ تَنْقَطِعْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، والمشاهدةُ أكبرُ دَلِيلًا.
وَأَنْكَرَتِ الفلاسفةُ (١) كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ كَمَا أَنْكَرُوا مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَكْرَتِ الْكَرَامَاتِ أَيْضًا الْمُعْتَزِلَةُ، وَبَعْضُ الْأَشَاعِرَةِ؛ بِدَعْوَى الْتِبَاسِهَا بِالْمُعْجِزَةِ، وَهِيَ دَعْوَى بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْكَرَامَةَ ـ كَمَا قُلْنَا ـ لَا تَقْتَرِنُ بِدَعْوَى الرِّسَالَةِ.
لَكِنْ يَجِبُ التَّنَبُّهُ إِلَى أَنَّ مَا يَقُومُ بِهِ الدَّجاجلةُ وَالْمُشَعْوِذُونَ مِنْ أَصْحَابِ الطُّرُقِ المُبتدعة الَّذِينَ يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ بالمتصوِّفة مِنْ أَعْمَالٍ وَمَخَارِيقَ شَيْطَانِيَّةٍ؛ كَدُخُولِ النَّارِ، وَضَرْبِ أَنْفُسِهِمْ بِالسِّلَاحِ، وَالْإِمْسَاكِ بِالثَّعَابِينِ، وَالْإِخْبَارِ بِالْغَيْبِ ... إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ؛ لَيْسَ مِنَ الْكَرَامَاتِ فِي شَيْءٍ؛ فَإِنَّ الْكَرَامَةَ إِنَّمَا تَكُونُ لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ بِحَقٍّ، وَهَؤُلَاءِ أَوْلِيَاءُ الشَّيْطَانِ (٢) . الحواشي
(١) الفلسفة باليونانية: محبة الحكمة. والفيلسوف هو: (فيلا) و (سوفا) . و (فيلا) : هو المحب. و (سوفا) : الحكمة؛ أي: هو محب الحكمة.
وفلاسفة العرب: مَن اتبع فلاسفة اليونان في كفرهم وضلالاتهم؛ كأرسطو طاليس، وأفلاطون، وغيرهما، ومن فلاسفة العرب ابن رشد وابن سينا والرازي الطبيب وغيرهم.
وهؤلاء لا يؤمنون بالأنبياء ومعجزاتهم، ولا الأولياء وكراماتهم. وانظر (ص١٢٧) .(٢) وهناك نوعٌ آخر؛ وهو استعانة بعضهم بالجن لقضاء بعض الحاجات يظن بعض العوام أنه من الكرامات؛ وهو نوعٌ من الشعوذة إذا فسدت النيَّات.стр. 268
ـ[ (فَصْلٌ: ثُمَّ مِنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اتِّبَاعُ آثَارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَاتِّبَاعُ سَبِيلِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَاتِّبَاعُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَيثُ قَالَ: ((عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ (١) بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ)) (٢) . وَيَعْلَمُونَ أَنَّ أَصْدَقَ الْكَلامِ كَلامُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَيُؤْثِرُونَ كَلاَمَ اللهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ كَلامِ أَصْنَافِ النَّاسِ، وَيُقَدِّمُونَ هَدْيَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى هَدْيِ كُلِّ أَحَدٍ. وَلِهَذَا سُمُّوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَسُمُّوا أَهْلَ الْجَمَاعَةِ؛ لأَنَّ الْجَمَاعَةَ هِيَ [الاجْتِمَاعُ] (٣) ، وَضِدُّهَا الْفُرْقَةُ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْجَمَاعَةِ قَدْ صَارَ اسْمًا لِنَفْسِ الْقَوْمِ الْمُجْتَمِعِينَ.]ـ الحواشي
(١) في المخطوط والفتاوى: [فإن كل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة] .(٢) (صحيح) . رواه الترمذي في أبواب العلم، (باب: الأخذ بالسنة واجتناب البدعة) (٧/٤٣٨-تحفة) ، وقال: ((حسن صحيح)) ، وأبو داود أول كتاب السنة، (باب: في لزوم السنة) (١٢/٣٥٨-عون) ، وابن ماجه في المقدمة، (باب: اتباع سنة الخلفاء الراشدين) .
انظر: ((السنة)) لابن أبي عاصم (رقم ٥٤-٥٩ مع ظلال الجنة) ، و ((جامع الأصول)) (١/٢٧٨) .(٣) في المطبوع: [الإجماع] .стр. 269
ـ[وَالإِجِمَاعُ هُوَ الأَصْلُ الثَّالِثُ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ وَالدينِ. وَهُمْ يَزِنُونَ بِهَذِه الأُصُولِ الثَّلاثَةِ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَعْمَالٍ بَاطِنَةٍ أَوْ ظَاهِرَةٍ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالدِّينِ. وَالإِجْمَاعِ الَّذِي يَنْضَبِطُ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ؛ إِذْ بَعْدَهُمْ كَثُرَ الاخْتِلاَفُ، [وَانْتَشَرَ فِي الأُمَّةِ] (١) ) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((ثُمَّ مِنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ ... )) إلخ؛ هَذَا بَيَانُ الْمَنْهَجِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ كُلِّهَا، أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا، بَعْدَ طَرِيقَتِهِمْ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ، وَهَذَا الْمَنْهَجُ يَقُومُ عَلَى أُصُولٍ ثَلَاثَةٍ:
أَوَّلُهَا: كِتَابُ اللَّهِ ، الَّذِي هُوَ خَيْرُ الْكَلَامِ وَأَصْدَقُهُ، فَهُمْ لَا يقدِّمون عَلَى كَلَامِ اللَّهِ كَلَامَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ.
وَثَانِيهَا: سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا أُثر عَنْهُ مِنْ هَدْيٍ وَطَرِيقَةٍ، لَا يُقَدِّمُونَ عَلَى ذَلِكَ هَدْيَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ.
وَثَالِثُهَا: مَا وَقَعَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَبْلَ التفرُّق وَالِانْتِشَارِ وَظُهُورِ الْبِدْعَةِ وَالْمَقَالَاتِ، وَمَا جَاءَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّا قَالَهُ النَّاسُ وَذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنَ الْمَقَالَاتِ وَزَنُوهَا بِهَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، فَإِنْ وَافَقَهَا؛ قَبِلُوهُ، وَإِنْ خَالَفَهَا ردُّوه؛ أَيًّا كَانَ قَائِلُهُ. الحواشي
(١) في المخطوط: [وانتشرت الأمة] ، وكذا في ((الفتاوى)) .стр. 270
وَهَذَا هُوَ الْمَنْهَجُ الْوَسَطُ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، الَّذِي لَا يضلُّ سَالِكُهُ، وَلَا يَشْقَى مَن اتَّبعه، وسطٌ بَيْنَ مَن يَتَلَاعَبُ بِالنُّصُوصِ، فيتأوَّل الْكِتَابَ، وَيُنْكِرُ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ، وَلَا يَعْبَأُ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ، وَبَيْنَ مَنْ يَخْبِطُ خَبْطَ عَشْوَاءَ، فَيَتَقَبَّلُ كُلَّ رَأْيٍ، وَيَأْخُذُ بِكُلِّ قَوْلٍ، لَا يُفَرِّقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ غثٍّ وسمينٍ، وصحيحٍ وسقيمٍ.
ـ[ (فَصْلٌ: ثُمَّ هُم مَّعَ هّذِهِ الأُصُولِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ. وَيَرَوْنَ إِقَامَةَ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالْجُمَعِ وَالأَعْيَادِ مَعَ الأُمَرَاءِ أَبْرَارًا كَانُوا أَوْ فُجَّارًا، وَيُحَافِظُونَ عَلَى الْجَمَاعَاتِ. وَيَدِينُونَ بِالنَّصِيحَةِ للأُمَّةِ، وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : ((الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ؛ يَشُدُّ بَعْضَهُ بَعْضًا"، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ (١) ، وَقَوْلِهِ ﷺ : مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ؛ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بُالْحُمَّى وَالسَّهَرِ)) (٢) .]ـ الحواشي
(١) رواه البخاري في المظالم، (باب: نصر المظلوم) (٥/٩٩-فتح) ، ومسلم في البرِّ والصلة والآداب، (باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم) (١٦/٣٧٦-نووي) .(٢) رواه البخاري في الأدب، (باب: رحمة الناس والبهائم) (١٠/٤٣٨-فتح) ، ومسلم في البر والصلة والآداب، (باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم) (١٦/٣٧٦-نووي) .стр. 271
ـ[وَيَأْمُرُونَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلاءِ، وَالشُّكْرِ [عِنْدَ الرَّخَاءِ] (١) وَالرِّضَا بِمُرِّ الْقَضَاءِ. وَيَدْعُونَ إِلَى مَكَارِمِ الأَخْلاقِ، وَمَحَاسِنِ الأَعْمَالِ، وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : ((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا)) (٢) . وَيَنْدُبُونَ إِلَى أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ. وَيَأْمُرُونَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالإِحْسِانِ إلَى الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ. وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْفَخْرِ، وَالْخُيَلاءِ، وَالْبَغْيِ، وَالاسْتِطَالَةِ عَلَى الْخَلْقِ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَيَأْمُرُونَ بِمَعَالِي الأَخْلاَقِ، َوَيَنْهَوْنَ عَنْ سَفْسَافِهَا. وَكُلُّ مَا يَقُولُونَهُ وَيَفْعَلُونَهُ مِنْ هَذَا وَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّمَا هُمْ فِيهِ مُتَّبِعُونَ]ـ الحواشي
(١) زيادة من المخطوط، وهي موجودة في ((الفتاوى)) وطبعة الجامعة الإسلامية.(٢) (حسن أو صحيح) . رواه الترمذي في الرضاع، (باب: ما جاء في حق المرأة على زوجها) (٤/٣٢٥-تحفة) ، وقال: ((هذا حديث حسن صحيح)) ، وأبو داود في السنة، (باب: الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه) (١٢/٤٣٩-عون) .
والحديث حسَّن إسناده الأرناؤوط في ((جامع الأصول))(١٩٧٦) ، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع))(١٢٤١) ، وأورده الحافظ في ((الفتح)) (١٠/٤٥٨) ، وعزاه لأحمد والترمذي والحاكم وأبي يعلى وسكت عنه.
وفي البخاري (١٠/٤٥٦-فتح) مرفوعًا: ((إن خياركم أحسنكم خلقًا)) .стр. 272
ـ[لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَطَرِيقَتُهُمْ هِيَ دِينُ الإسْلاَمِ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ ) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذِهِ الْأُصُولِ ... )) إلخ؛ جَمَعَ الْمُؤَلِّفُ فِي هَذَا الْفَصْلِ جِمَاعَ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي يتخلَّق بِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ؛ وَهُوَ مَا عُرِف حُسْنُه بِالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ؛ وَهُوَ كُلُّ قبيحٍ عَقْلًا وَشَرْعًا؛ عَلَى حَسَبِ مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ مِنْ تِلْكَ الْفَرِيضَةِ؛ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ ﵇:
((مَن رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا؛ فليُغيّره بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؛ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؛ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ)) (١) .
وَمِنْ شُهُودِ الجُمَعِ وَالْجَمَاعَاتِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ مَعَ الْأُمَرَاءِ أَيًّا كَانُوا؛ لِقَوْلِهِ ﵇:
((صَلُّوا خَلْفَ كلِّ برٍّ وفاجرٍ)) (٢) . الحواشي
(١) رواه مسلم في الإيمان، (باب: كون النهي عن المنكر من الإيمان) (٢/٣٨٠-نووي) ، والترمذي في الفتن، (باب: ما جاء في تغيير المنكر باليد) (٦/٣٩٣-تحفة) ، ورواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.(٢) (ضعيف) . رواه الدارقطني (٢/٥٧) من طريق مكحول عن أبي هريرة، وقال: ((مكحول لم يسمع من أبي هريرة)) ، وقد أعلّه الحافظ ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) (٢/٣٥) ، والزيلعي في ((نصب الراية)) (٢/٢٧) بالانقطاع، وانظر: ((ضعيف الجامع))(٣٤٧٨) .
ويغني عنه ما رواه البخاري في الأذان، (باب: إذا لم يُتِمَّ الإمام وأتمَّ من خلفه) (٢/١٨٧-فتح) عن النبي ﷺ أنه قال: ((يصلون لكم ـ يعني: الأئمة الضلاَّل ـ فإن أصابوا؛ فلكم ولهم، وأن أخطؤوا؛ فلكم وعليهم)) .стр. 273
وَمِنَ النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ؛ لِقَوْلِهِ ﵇:
((الدِّينُ النصيحةُ)) (١) .
وَمِنْ فهمٍ صحيحٍ لِمَا تُوجِبُهُ الْأُخُوَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ مِنْ تعاطفٍ وتوادٍّ وتناصرٍ؛ كَمَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يشبِّه فِيهَا الرَّسُولُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ الْمُتَمَاسِكِ اللَّبنات، أَوْ بِالْجَسَدِ الْمُتَرَابِطِ الْأَعْضَاءِ مِنْ دَعْوَةٍ إِلَى الْخَيْرِ، وَإِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَهُمْ يَدْعُونَ إِلَى الصَّبْرِ عَلَى الْمَصَائِبِ، وَالشُّكْرِ عَلَى النَّعْمَاءِ، وَالرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ.. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ.
ـ[ (لَكِنْ لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ أُمَّتَهُ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ كُلُّهَا فِي النَّار؛ إلاَّ وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ (٢) . وَفِي حَدِيثٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ((هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَومَ وَأَصْحَابِي)) (٣) ؛ صَارَ الْمُتَمَسِّكُونَ بِالإسْلامِ الْمَحْضِ الْخَالِصِ عَنِ الشَّوْبِ هُمُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.]ـ الحواشي
(١) رواه مسلم في الإيمان، (باب: بيان أن الدين النصيحة) (٢/٣٩٦-نووي) ، وأبو داود في الأدب، (باب: في النصيحة) (١٣/٢٨٨-عون) ، ورواه النسائي أيضًا.(٢) (صحيح) . رواه أبو داود في أول كتاب ((السنة)) (١٢/٣٤١-عون) ، وابن ماجة، والدارمي. انظر ((السلسلة الصحيحة)) (١/٣٥٨) ، و ((السنة)) لابن أبي عاصم (١/٣٢) ، وانظر (ص٦١) .(٣) (حسن) . تقدم تخريجه (ص٩٣) .стр. 274
ـ[وَفِيهِمُ الصِّدِّيقُونَ، وَالشُّهَدَاءِ، وَالصَّالِحُونَ، وَمِنْهُمُ أَعْلامُ الْهُدَى، وَمَصَابِيحُ الدُّجَى، أُولو الْمَنَاقِبِ [الْمَأْثُورَةِ] (١) ، وَالْفَضَائِلِ الْمَذْكُورَةِ، وَفِيهِمُ الأَبْدَالُ، وَفِيهِمُ [أَئِمَّةُ الدِّينِ] (٢) ، الَّذِينَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ [وَدِرَايَتِهِمْ] (٣) ، وَهُمُ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ : ((لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ مَنْصُورَةً، لاَ يَضُرُّهُم مَّنْ خَالَفَهُمْ، وَلاَ مَنْ خَذَلَهُمْ؛ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ)) (٤) . نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْهُمْ وَأَنْ لاَ يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَأَنْ يَهَبَ لَنَا مِن لَّدُنْهُ رَحْمَةً إِنَّهُ هُوَ الوَهَّابُ. وَاللهُ أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا) .]ـ
/ش/ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((وَفِيهِمُ الصِّدِّيقون ... )) إلخ؛ فالصِّدِّيق صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ مِنَ الصِّدْقِ، يُرَادُ بِهِ الْكَثِيرُ التَّصْدِيقِ، وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ هُوَ الصدِّيق الْأَوَّلُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ. الحواشي
(١) في طبعة الإفتاء: [المجثورة] ، وهو خطأ مطبعي، والذي أثبتُّه هو المثبت في جميع الطبعات.(٢) في المخطوط: [الأئمة] ، وكذا في ((الفتاوى)) ، ولكن بدون لفظ: ((وفيهم)) ، فصارت بدلاً للأبدال.(٣) زيادة من المخطوط، وهي مثبتة في ((الفتاوى)) أيضًا.(٤) (صحيح) . تقدم تخريجه (ص٩٣) .стр. 275
وَأَمَّا الشُّهَدَاءُ؛ فَهُوَ جَمْعُ شَهِيدٍ، وَهُوَ مَن قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ.
وَأَمَّا الْأَبْدَالُ (١) ؛ فَهُمْ جَمْعُ بدْل، وَهُمُ الَّذِينَ يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي تَجْدِيدِ هَذَا الدِّينِ وَالدِّفَاعِ عَنْهُ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ:
((يَبْعَثُ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رأس كل مئة سَنَةٍ مَن يُجَدِّدُ لَهَا أَمْرَ دِينِهَا)) (٢) .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى محمدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وسلَّم تسليمًا كثيرًا. الحواشي
(١) قال الحافظ ابن القيم في ((المنار المنيف)) (ص١٣٦) :
((أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد؛ كلها باطلة على رسول الله ﷺ )) .
يردُّ بهذا على الصوفية الذين يزعمون أن هناك أبدالاً سبعة يتحكَّم كل واحد منهم في قارة من القارات السبع بأمر الغوث والنجباء، أما الأبدال الذين يعنيهم شيخ الإسلام؛ فهم الذين عرَّفهم الشارح.(٢) (صحيح) . رواه أبو داود في الملاحم، (باب: ما يذكر في قرن المئة) (١١/٣٨٥-عون) ، ورواه الحكم، والبيهقي في ((المعرفة)) ، وقوَّى إسناده ووثَّق رجاله الحافظ ابن حجر في ((توالي التأسيس)) (ص٤٩) .
انظر: ((صحيح الجامع))(١٨٧٠) ، و ((جامع الأصول))(٨٨٨١) .
(*) تم الفراغ منه في منتصف شعبان من عام (١٤١٠هـ) ، وتم الانتهاء من مراجعة هذه الطبعة في شهر الله المحرم من عام(١٤٢٢) هـ من هجرة المصطفى ﷺ ، والحمد لله أولاً وآخرًا.стр. 276
ملحق العقيدة الواسطيَّة
بقلم علوي بن عبد القادر السَّقَّاف
مقدمة الملحق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد أشار عليَّ بعض الإخوة الأفاضل أن أضم مع هذا الشرح المبارك أهم مسائل العقيدة التي لم يتطرق لها شيخ الإسلام ابن تيمية في ((العقيدة الواسطية)) ، وكذلك شارحها الشيخ محمد خليل هرَّاس، وذلك تسهيلاً لمن يُدَرِّسُ أو يَدْرُسُ هذه العقيدة.
وبعد تفكير طويل استجبت لرغبة الإخوة؛ بعد أن علمت أن كثيرًا ممن يدرسون ((العقيدة الواسطية)) يضطرون إلى أن يفتشوا في غيرها من كتب العقيدة ليستخرجوا منها ما لم يذكره شيخ الإسلام من مسائل مهمَّة في العقيدة، فأردت بهذه الزيادة (الملحق) إتمام أبواب العقيدة؛ بحيث يجد الباحث أو المدرس لهذه المادة جميع أبواب العقيدة التي يحسن دراستها وتدريسها للناس، وجعلتها في ملحق خاص آخر الكتاب.
عملي في الملحق:
نظرت في المطبوع من كتب العقيدة التي بين أيدينا, وطفقت أبحث عن مسائل العقيدة التي لم يذكرها شيخ الإسلام في ((الواسطية)) ، فوجدتها لا تزيد عن تسع مسائل؛ كلها ذكرها أبو جعفر الطحاوي ﵀ في ((متنه)) المشهور، أو ذكرها شارحه ابن أبي العز، وهي كالتالي (١) :
١- الجماعة والفرقة.
٢- الموالاة والمعاداة.
٣- الحكم بغير ما أنزل الله.
٤- عدم الخروج على الأئمة.
٥- الميثاق.
٦- الإسراء والمعراج.
٧- أشراط الساعة.
٨- الجنة والنار.
٩- ذم الكلام ووجوب التسليم لنصوص الكتاب والسنة.
ولما كانت هذه المسائل التسع أهم المسائل التي عدها من كتب في العقيدة من أبواب العقيدة، ولما كانت كلها موجودة كما أسلفت في ((شرح)) ابن أبي العز لـ ((العقيدة الطحاوية)) ؛ فقد سِرتُ على طريقة تشبه طريقة شيخ الإسلام في ((الواسطية)) وشارحها الهراس؛ من حيث الاختصار والإيجاز، وذلك على النحو التالي:
أ - أذكر متن الطحاوي.
ب- أذكر في الهامش الموضع الذي ذكر فيه المتن من ((شرح الطحاوية)) ؛ لابن أبي العز الحنفي (تحقيق الألباني، الطبعة الثامنة) ، والموضع الذي ذكر فيه شيخ الإسلام نحو كلام الطحاوي في أيٍ من كتبه.
ج - أذكر شرح ابن أبي العز لكلام الطحاوي مختصرًا مع ذكر الصفحة.
د- علقت تعليقات يسيرة، وخرَّجت الأحاديث؛ متبعًا الطريقة نفسها في أصل الشرح.
هـ- أدخلت الآيات والأحاديث والمراجع وغيرها في مواضعها من الفهارس العامة.
هذا؛ وأسأل الله أن أكون قد وفقت في عملي هذا، وأن يكون هذا العمل نافعًا ومفيدًا للأساتذة والمربين الذين نذروا أنفسهم لتعليم الناس عقيدة السلف أهل السنة والجماعة.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المؤلِّف الحواشي
(١) لم أذكر في هذا الملحق المسائل المتعلقة بالتوحيد وأقسامه، والشرك وأنواعه؛ لأن هذه المسائل مظانُّها كتب التوحيد وشروحها، وبذكرها يتضاعف الكتاب ويخرج عن أصله. فليعلم.стр. 277
فصل في أنواع التوحيد (*)
قال الطحاوي رحمه الله تعالى: (نقول في تَوْحيدِ اللهِ، مُعْتَقِدينَ بِتَوْفيقِ اللهِ: إنَّ اللهَ وَحْدَهُ لا شَريكَ لهُ) (**) .
الشرح: التوحيد يتضمّنُ ثلائة أنواع:
أحدها: الكلام في الصفات.
والثاني: توحيد الربوبية، وبيان أن الله وحدَه خالق كل شيء.
والثالث: توحيد- الإلهية، وهو استحقاقه أن يُعْبَدَ وحدَه لا شريك له (١) .
أما الأول: (. . . . . .) (٢) . الحواشي
(١) يسمى النوع الأول والثاني توحيد المعرفة والإثبات، ويسمى النوع الثالث توحيد الطلب والقصد.(٢) ذكر هنا ﵀ توحيد الأسماء والصفات، وهو موجود في شرح الهراس لـ " الواسطية".стр. 278
وأما الثاني: وهو توحيد الربوبيّة؟ كالِإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس للعالَم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال. وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الِإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الِإقرار بغيره من الموجودات؟ كما قالت الرسل فيما حكى اللهُ عنهم: (قَالَتْ رُسُلُهُم أَفِي اللهِ شَك فاطِرِ السماواتِ والأرْضِ) (١) ؟!
وأمَّا الثالث: وهو توحيد الِإلهية، المتضمن توحيد الربوبية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له.
فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأنَّ خالق السماوات والأرض واحد؟ كما أخبر تعالى عنهم بقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَن ْخَلَقَ السماواتِ والأرْضَ لَيَقولُنَّ اللهُ) (٢) ، (قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَن فِيها إِنْ كنْتمْ تَعْلَمونَ. سَيَقولونَ للهِ قلْ أفَلا تَذَكرونَ) (٣) . . . ومثل هذا كثير في القرآن.
ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كما أخبر عنهم تعالى بقوله: (والذينَ اتَخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَأ لِيُقَرِّبونا إلى اللهِ زُلْفى) (٤) ، (ويَعْبُدُون مِن دُونِ اللهِ ما الحواشي
(١) إبراهيم: ١٠.(٢) لقمان: ٢٥.(٣) المؤمنون: ٨٤ - ٨٥.(٤) الزمر: ٣.стр. 279
لا يَضرّهُمْ ولا يَنْفَعُهُمْ ويَقولونَ هُؤلاءِ شفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قلْ أَتنَبئونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ في السماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكونَ) (١) .
فَعُلم أن التوحيد المطلوب هو توحيد الِإلهية، الذي يتضمن توحيد الربوبية. стр. 280
فصل في الجماعة والفرقة
قال الطحاوي رحمه الله تعالى:
(وَنَرَى الْجَمَاعَةَ حَقًّا وَصَوَابًا، وَالْفُرْقَةَ زَيْغًا وَعَذَابًا) (١) .
الشرح: قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ (٢) .
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ (٤) .
وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ (٥) ، فجعل الحواشي
(١) انظر: ((شرح العقيدة الطحاوية)) (ص٥١٢-٥١٧) ، و ((مجموع الفتاوى)) (١/١٢-١٩ قاعدة في الجماعة والفُرقة وسبب ذلك ونتيجته) .(٢) آل عمران:(١٠٣) .(٣) آل عمران:(١٠٥) .(٤) الأنعام:(١٥٩) .(٥) هود: (١١٨، ١١٩) .стр. 281
أهل الرحمة مستثنين من الاختلاف.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (١) .
وقال ﵌:
((إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين مِلّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثٍ وسبعين مِلّة (يعني: الأهواء) ، كلها في النار؛ إلا واحدة، وهي الجماعة)) (٢) . وفي رواية: قالوا: مَن هي يا رسول الله؟ قال: ((ما أنا عليه وأصحابي)) (٣) .
والأمورُ التي تتنازع فيها الأمة في الأصول والفروع، إذا لم تُردَّ إلى الله تعالى والرسول ﵌؛ لم يتبيَّن فيها الحقُّ، بل يصير فيها المتنازعون على غير بيِّنة من أمرهم: فإن ﵏؛ أقرَّ بعضُهم بعضًا، ولم يبغِ بَعضُهم على بعضٍ؛ كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد، فيُقر بعضهم بعضًا، ولا يَعتدِي، ولا يُعتدَى عليه. وإن لم يُرحَمُوا؛ وقعَ بينهم الاختلافُ المذموم، فبغَى بعضهم على بعض: إمّا بالقول؛ مثل تكفيره وتفسيقه، وإمّا بالفعل؛ مثل حبسه وضربه وقتله.
فالناس إذا خفي عليهم بعض ما بعث الله به الرسول: إمّا عادلون، وإمّا ظالمون؛ فالعادل فيهم: الذي يعمل بما وصل إليه من آثار الأنبياء ولا يظلم غيره، والظالم: الذي يعتدي على غيره. الحواشي
(١) البقرة:(١٧٦) .(٢) تقدم تخريجه (ص٩٣) .(٣) تقدم تخريجه (ص٩٣) .стр. 282
وأكثرهم إنما يظلمون، مع علمهم بأنهم يظلمون؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (١) .
وإلاَّ؛ فلو سلكوا ما علموه من العدل؛ أقرَّ بعضُهم بعضًا؛ كالمقلِّدين لأئمة العلم، الذين يعرفون من أنفسهم أنهم عاجزون عن معرفة حكم الله ورسوله في تلك المسائل، فجعلوا أئمتهم نوابًا عن الرسول ﵌، وقالوا: هذه غاية ما قدرنا عليه؛ فالعادل منهم لا يظلم الآخر ولا يعتدي عليه بقولٍ ولا فعلٍ؛ مثل أن يدَّعي أن قول مقلَّده هو الصحيح بلا حجة يبديها، ويذم من خالفه مع أنّه معذور. اهـ الحواشي
(١) آل عمران:(١٩) .стр. 283
فصل في الموالاة والمعاداة
قال الطحاوي رحمه الله تعالى:
(وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ أَوْلِيَاءُ الرَّحْمَنِ، وَأَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللهِ أَطْوَعُهُمْ وَأَتْبَعُهُمْ لِلْقُرْآنِ) (١) .
الشرح: قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ - الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ (٢) .
الوليُّ: من الوَلاية ـ بفتح الواو ـ التي هي ضِدُّ العداوة؛ فالمؤمنون أولياء الله، والله تعالى وليُّهم:
قال الله تعالى:
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَات ِ﴾ (٣) . الحواشي
(١) انظر: ((شرح العقيدة الطحاوية)) (ص٣٥٧-٣٦٢) ، والفصل الأول من كتاب ((الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)) لشيخ الإسلام ابن تيمية.(٢) يونس: (٦٢، ٦٣) .(٣) البقرة:(٢٥٧) .стр. 284
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (١) .
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض﴾ (٢) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ - وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٣) .
فهذه النصوص كلها ثبت فيها موالاة المؤمنين بعضهم لبعض، وأنهم أولياء الله، وأن الله وليهم ومولاهم.
فالله يتولى عبادَه المؤمنين؛ فيحبُّهم ويحبُّونه، ويرضى عنهم ويرضون عنه، ومن عادى له وليًّا؛ فقد بارزه بالمحاربة.
وهذه الوَلاية من رحمته وإحسانه، ليست كوَلاية المخلوق للمخلوق لحاجة إليه.
قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ (٤) .
فالله تعالى ليس له وليٌّ من الذُّلِّ، بل لله العزَّة جميعًا؛ خلاف الملوك وغيرهم، ممَّن يتولاَّه لذلِّه وحاجته إلى وليٍّ ينصره. الحواشي
(١) محمد:(١١) .(٢) التوبة:(٧١) .(٣) المائدة: (٥٥، ٥٦) .(٤) الإسراء:(١١١) .стр. 285
والولاية أيضًا نظير الإيمان، وتكون كاملةً وناقصةً؛ فالكاملة تكون للمؤمنين المتقين؛ كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ - الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ - لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة﴾ (١) .
فالوَلاية لمن كان من الذين آمنوا وكانوا يتقون، وهم أهل الوعد المذكور في الآيات الثلاث، وهي عبارة عن موافقة الولي الحميد في مَحابِّهِ ومَساخِطِهِ.
فوليُّ الله: هو مَن والى اللهَ بموافقته في محبوباته والتقرُّب إليه بمرضاته، وهؤلاء كما قال تعالى فيهم: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (٢) ؛ فَالمتَّقُون يجعلُ اللهُ لهم مخرجًا مِما ضاق على الناس، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون، فيدفع الله عنهم المضارّ، ويجلب لهم المنافع، ويُعطيهم الله أشياءَ يطولُ شرحها.
وقوله: ((وأكرمُهم عندَ اللهِ أطوعُهم وأتبعهم للقرآن)) : أراد: أكرم المؤمنين هو الأطوعُ لله، والأتبع للقرآن، وهو الأتقى، والأتقى هو الأكرم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم﴾ (٣) .
وعن النبي ﷺ أنه قال: ((لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض؛ إلا بالتقوى، الحواشي
(١) يونس: (٦٢-٦٤) .(٢) الطلاق: (٢-٣) .(٣) الحجرات:(١٣) .следующие страницы →