Полный текст (316 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ـ[مُنَزَّلٌ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَأَنَّ اللهَ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً، وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ هُوَ كَلامُ اللهِ حَقِيقَةً، لاَ كَلامَ غَيْرِهِ. وَلا يَجُوزُ إِطْلاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلاَمِ اللهِ، أَوْ عِبَارَةٌ، بَلْ إِذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي الْمَصَاحِفِ؛ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلامَ اللهِ تَعَالَى حَقِيقَةً، فَإِنَّ الْكَلاَمَ إِنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لاَ إلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا. وَهُوَ كَلامُ اللهِ؛ حُرُوفُهُ، ومَعَانِيهِ، لَيْسَ كَلامُ اللهِ الْحُرُوفَ دُونَ الْمَعَانِي، وَلاَ الْمَعَانِيَ دُونَ الْحُرُوفِ) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((وَمِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ ... )) إلخ. جَعَلَ المصنِّف الْإِيمَانَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ دَاخِلًا فِي الْإِيمَانِ بِاللَّهِ؛ لِأَنَّهُ صفةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، فَلَا يتمُّ الْإِيمَانُ بِهِ سُبْحَانَهُ إِلَّا بِهَا، إِذِ الْكَلَامُ لَا يَكُونُ إِلَّا صِفَةً للمتكلِّم، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ موصوفٌ بِأَنَّهُ متكلِّم بِمَا شَاءَ مَتَى شَاءَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ يتكلَّم؛ بِمَعْنَى أَنَّ نَوْعَ كَلَامِهِ قديمٌ وَإِنْ كَانَتْ آحَادُهُ لَا تَزَالُ تَقَعُ شَيْئًا بَعْدَ شيءٍ بِحَسَبِ حِكْمَتِهِ.
وَقَدْ قُلْنَا فِيمَا سَبَقَ: إِنَّ الْإِضَافَةَ فِي قَوْلِنَا: القْرُآنُ كَلَامُ اللَّهِ؛ هِيَ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، فَتُفِيدُ أَنَّ الْقُرْآنَ صِفَةُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّهُ تَكَلَّمَ
стр. 212
بِهِ حَقِيقَةً بِأَلْفَاظِهِ وَمَعاِنيهِ، بِصَوْتِ نَفْسِهِ.
فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مخلوقٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ؛ فَقَدْ أَعْظَمَ الفِرية عَلَى اللَّهِ، وَنَفَى كَلَامَ اللَّهِ عَنِ اللَّهِ وَصْفًا، وَجَعَلَهُ وَصْفًا لِمَخْلُوقٍ، وَكَانَ أَيْضًا متجنِّيًا عَلَى اللُّغَةِ، فَلَيْسَ فِيهَا متكلِّم بِمَعْنَى خَالِقٍ لِلْكَلَامِ.
ومَن زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ الْمَوْجُودَ بَيْنَنَا حِكَايَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ؛ كَمَا تَقُولُهُ الكُلاَّبية، أَوْ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْهُ؛ كَمَا تَقُولُهُ الْأَشْعَرِيَّةُ؛ فَقَدْ قَالَ بِنِصْفِ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ؛ حَيْثُ فرَّق بَيْنَ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي، فَجَعَلَ الْأَلْفَاظَ مَخْلُوقَةً، وَالْمَعَانِيَ عِبَارَةً عَنِ الصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ؛ كَمَا أَنَّهُ ضَاهَى النَّصَارَى فِي قَوْلِهِمْ بِحُلُولِ اللَّاهُوتِ ـ وَهُوَ الْكَلِمَةُ ـ فِي النَّاسُوتِ ـ وَهُوَ جَسَدُ عِيسَى ﵇؛ إِذْ قَالَ بِحُلُولِ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ الصِّفَةُ الْقَدِيمَةُ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمَخْلُوقَةِ، فَجَعَلَ الْأَلْفَاظَ نَاسُوتًا لَهَا.
وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ؛ حَيْثُ تصرَّف، فَمَهْمَا كَتَبْنَاهُ فِي الْمَصَاحِفِ، أَوْ تَلَوْنَاهُ بِالْأَلْسِنَةِ؛ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ ـ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ ـ إِنَّمَا يُضَافُ إِلَى مَن قَالَهُ مُبْتَدِئًا؛ لَا إِلَى مَن قَالَهُ مبلِّغًا مؤدِّيًا.
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِ السَّلَفِ: ((مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ)) ؛ فَهُوَ مِنَ الْبَدْءِ؛ يَعْنِي: أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي تكلَّم بِهِ ابْتِدَاءً، لَمْ يُبْتَدَأْ مِنْ غَيْرِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ البُدُو؛ بِمَعْنَى الظُّهُورِ؛ يَعْنِي أَنَّهُ هُوَ الَّذِي تكلَّم بِهِ وَظَهَرَ مِنْهُ، لَمْ يَظْهَرْ مِنْ غَيْرِهِ.
وَمَعْنَى: ((إِلَيْهِ يَعُودُ)) ؛ أَيْ: يَرْجِعُ إِلَيْهِ وَصْفًا؛ لِأَنَّهُ وَصْفُهُ الْقَائِمُ بِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَعُودُ إِلَيْهِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، حِينَ يُرْفَعُ مِنَ الْمَصَاحِفِ وَالصُّدُورِ؛
стр. 213
كَمَا وَرَدَ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ (١) .
وَأَمَّا كَوْنُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ دَاخِلًا فِي الْإِيمَانِ بِالْكُتُبِ؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِهَا إِيمَانًا صَحِيحًا يَقْتَضِي إِيمَانَ الْعَبْدِ بِأَنَّ اللَّهَ تكلَّم بِهَا بِأَلْفَاظِهَا وَمَعانِيهَا، وَأَنَّهَا جَمِيعًا كَلَامُهُ هُوَ؛ لَا كَلَامُ غَيْرِهِ، فَهُوَ الَّذِي تكلَّم بِالتَّوْرَاةِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَبِالْإِنْجِيلِ بِالسُّرْيَانِيَّةِ، وَبِالْقُرْآنِ بِلِسَانٍ عربيٍّ مُبِينٍ.
ـ[ (وَقَد دَّخَلَ أيْضًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الإِيمَانِ بِهِ وَبِكُتُبِهِ وَبِمَلاَئِكَتَهِ وَبِرُسُلِهِ: الإيمَانُ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَيَانًا بِأَبْصَارِهِمْ كَمَا يَرَوْنَ الشَّمْسَ صَحْوًا لَيْسَ [بِهَا] (٢) سَحَابٌ، وَكَمَا يَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لاَ يُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ.]ـ стр. 214
ـ[يَرَوْنَهُ سُبْحَانَهَ وَهُمْ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَرَوْنَهُ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ؛ كَمَا يَشَاءُ اللهُ تَعَالَى) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((وَقَدْ دَخَلَ أَيْضًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ ... )) إلخ؛ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لربِّهم فِي الْجَنَّةِ؛ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الصَّرِيحَةُ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى إِعَادَةِ الْكَلَامِ فِيهَا.
غَيْرَ أَنَّ قَوْلَهُ: ((يَرَوْنَهُ سُبْحَانَهُ وَهُمْ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ)) قَدْ يُوهِمُ أَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ أَيْضًا خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّهَا عامَّة لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ؛ حِينَ يَجِيءُ الرَّبُّ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ (١) ؛ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ (٢) الْآيَةَ.
والعَرَصَات: جَمْعُ عَرَصة، وَهِيَ كُلُّ مَوْضِعٍ وَاسِعٍ لَا بِنَاءَ فِيهِ.
ـ[ (فَصْلٌ: وَمِنَ الإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الآخِرِ الإيمَانُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَيُؤْمِنُونَ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ. فَأَمَّا الْفِتْنَةُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ [يُمْتَحَنُونَ] (٣) فِي قُبُورِهِمْ، فَيُقَالُ]ـ стр. 215
ـ[للرِّجُلِ: مَن رَّبُكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَ [مَن] (١) نَّبِيُّك؟ فيُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ، فَيَقُولُ الْمؤْمِنُ: [رَبِّيَ اللهُ] (٢) ، وَالإِسْلاَمُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ ﷺ نَبِيِّي. وَأَمَّا الْمُرْتَابُ؛ فَيَقُولُ: هَاه هَاه؛ لاَ أَدْري، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ، فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَةٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ؛ إلاَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ؛ لَصَعِقَ (٣) . ثُمَّ بَعْدَ هّذِهِ الْفِتْنَةِ إمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا عَذَابٌ، إِلَى أَنْ تَقُومَ الْقِيَامَةُ الْكُبْرى، فَتُعَادُ الأَرْوَاحُ إِلَى الأجْسَادِ) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((وَمِنَ الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ... )) إلخ؛ إِذَا كَانَ الْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ أَحَدَ الْأَرْكَانِ السِّتَّةِ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا الْإِيمَانُ؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِهِ إِيمَانًا تَامًّا كَامِلًا لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا إِذَا آمَنَ الْعَبْدُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النبيُّ ﷺ مِنْ أُمُورِ الْغَيْبِ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ. стр. 216
وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا أمورٌ ممكنةٌ أَخْبَرَ بِهَا الصَّادِقُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ وآلِه، وَكُلُّ مُمْكِنٍ أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِوُقُوعِهِ كَمَا أَخْبَرَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا تُسْتَفَادُ إِلَّا مِنْ خَبَرِ الرَّسُولِ، فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْمُرُوقِ وَالْإِلْحَادِ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ؛ فَيُنْكِرُونَ هَذِهِ الْأُمُورَ؛ مِنْ سُؤَالِ الْقَبْرِ، وَمِنْ نَعِيمِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِهِ، وَالصِّرَاطِ، وَالْمِيزَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ بِدَعْوَى أَنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ بِالْعَقْلِ، وَالْعَقْلُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْحَاكِمُ الأوَّل الَّذِي لَا يَجُوزُ الْإِيمَانُ بِشَيْءٍ إلاَّ عَنْ طَرِيقِهِ، وَهُمْ يردُّون الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ بِدَعْوَى أَنَّهَا أَحَادِيثُ آحَادٍ لَا تُقبل فِي بَابِ الِاعْتِقَادِ، وَأَمَّا الْآيَاتُ، فيؤوِّلونها بِمَا يَصْرِفُهَا عَنْ مَعَانِيهَا.
وَالْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ: ((بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ)) عَلَى مَعْنَى فِي؛ أَيْ: بِالْفِتْنَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْقَبْرِ.
وَأَصْلُ الْفِتْنَةِ وَضْعُ الذَّهَبِ وَنَحْوِهِ عَلَى النَّارِ لِتَخْلِيصِهِ مِنَ الْأَوْضَارِ وَالْعَنَاصِرِ الْغَرِيبَةِ، ثُمَّ استُعْمِلَتْ فِي الِاخْتِبَارِ وَالِامْتِحَانِ.
وَأَمَّا عَذَابُ الْقَبْرِ وَنَعِيمُهُ؛ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي حقِّ آلِ فِرْعَوْنَ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (١) ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ (٢) ، وَقَوْلُهُ ﵊: ((الْقَبْرُ إِمَّا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ)) (٣) . стр. 217
والمِرْزَبَة ـ بِالتَّخْفِيفِ ـ: الْمِطْرَقَةُ الْكَبِيرَةُ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: إِرْزَبَّة؛ بِالْهَمْزَةِ وَالتَّشْدِيدِ.
ـ[ (وَتَقُومُ الْقِيَامَةُ الَّتِي أَخْبَرَ اللهُ بِهَا فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهُ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ. فَيَقُومُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً، وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، وَيُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ. فَتُنْصَبُ الْمَوَازِينُ، فَتُوزَنُ بِهَا أَعْمَالُ الْعِبَادِ، ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (١) . وَتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ، وَهِيَ صَحَائِفُ الأَعْمَالِ، فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ أَوْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ؛ كَمَا قَالَ : ﴿وَكُلَّ]ـ стр. 218
ـ[إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (١)) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((وَتَقُومُ الْقِيَامَةُ..)) إلخ؛ يَعْنِي: الْقِيَامَةَ الْكُبْرَى، وَهَذَا الْوَصْفُ لِلتَّخْصِيصِ، احْتَرَزَ بِهِ عَنِ الْقِيَامَةِ الصُّغْرَى الَّتِي تَكُونُ عِنْدَ الْمَوْتِ؛ كَمَا فِي الْخَبَرِ:
((مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ)) (٢) .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَذِنَ بِانْقِضَاءِ هَذِهِ الدُّنْيَا؛ أَمَرَ إِسْرَافِيلَ ﵇ أَنْ يَنْفُخَ فِي الصُّورِ النَّفْخَةَ الْأُولَى، فيَصْعَقُ كُلُّ من في السموات ومن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ، وَتُصْبِحُ الْأَرْضُ صَعِيدًا جُرُزًا، وَالْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا، وَيَحْدُثُ كُلُّ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، لَا سِيَّمَا فِي سُورَتَيِ التَّكْوِيرِ وَالِانْفِطَارِ، وَهَذَا هُوَ آخِرُ أَيَّامِ الدُّنْيَا.
ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ السَّمَاءَ، فَتُمْطِرُ مَطَرًا كمنيِّ الرِّجَالِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَيَنْبُتُ стр. 219
مِنْهُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ مِنْ عَجْبِ أَذْنَابِهِمْ، وَكُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلَى إلاَّ عَجْبَ الذَّنَبِ (١) .
حَتَّى إِذَا تمَّ خلقُهُم وتركيبُهم؛ أَمَرَ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ بِأَنْ يَنْفُخَ فِي الصُّورِ النَّفْخَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَقُومُ النَّاسُ مِنَ الْأَجْدَاثِ أَحْيَاءً، فَيَقُولُ الْكُفَّارُ والمنافقون حينئذ: ﴿يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ ، وَيَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٢) . (*)
ثُمَّ تَحْشُرُهُمُ الْمَلَائِكَةُ إِلَى الْمَوْقْفِ حُفَاةً غَيْرَ مُنْتَعلين، عُراةً غَيْرَ مُكْتَسِينَ، غُرلاً غَيْرَ مُخْتَتِنِينَ؛ جَمْعُ أَغْرَلَ، وَهُوَ الْأَقْلَفُ، والغُرلة: القَلَفة.
وَأَوَّلُ مَنْ يَكْتَسِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ (٣) . стр. 220
وَهُنَاكَ فِي الْمَوْقِفِ تَدْنُو الشمس من رؤوس الْخَلَائِقِ، ويُلْجِمُهم الْعَرَقُ، فَمِنْهُمْ مَن يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَن يَبْلُغُ ثَدْيَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ تَرْقُوَتَهُ؛ كلٌّ عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِ، وَيَكُونُ أناسٌ فِي ظلِّ اللَّهِ .
فَإِذَا اشتدَّ بِهِمُ الْأَمْرُ، وعظُمَ الْكَرْبُ؛ اسْتَشْفَعُوا إِلَى اللَّهِ بِالرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ أَنْ يُنْقِذَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ، وكلُّ رسولٍ يُحِيلُهُمْ عَلَى مَن بَعْدَهُ؛ حَتَّى يَأْتُوا نَبِيَّنَا ﷺ ، فَيَقُولُ: ((أَنَا لَهَا)) ، وَيَشْفَعُ فِيهِمْ، فَيَنْصَرِفُونَ إِلَى فَصْلِ الْقَضَاءِ.
وَهُنَاكَ تُنْصَبُ الْمَوَازِينُ، فتوزَنُ بِهَا أَعْمَالُ الْعِبَادِ، وَهِيَ مَوَازِينُ حَقِيقِيَّةٌ، كُلُّ مِيزَانٍ مِنْهَا لَهُ لسانٌ وكفَّتان، ويقلِبُ اللَّهُ أَعْمَالَ الْعِبَادِ ـ وَهِيَ أعراضٌ ـ أَجْسَامًا؛ لَهَا ثقلٌ، فَتُوضَعُ الْحَسَنَاتُ فِي كِفَّةٍ، وَالسَّيِّئَاتُ فِي كِفَّةٍ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (١) .
ثُمَّ تُنْشَر الدَّوَاوِينُ، وَهِيَ صَحَائِفُ الْأَعْمَالِ، فَأَمَّا مَن أُوتي كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ؛ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا، [وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ أَوْ (*) مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ] (٢) ، فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا، وَيَصْلَى سَعِيرًا، стр. 221
وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي لَمْ أوتَ كِتَابِيَهْ، وَلَمْ أدرِ مَا حِسَابِيَهْ؛ قَالَ تَعَالَى:
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (١) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ ؛ فَقَدْ قَالَ الرَّاغِبُ:
((أَيْ: عَمَلَهُ الَّذِي طَارَ عَنْهُ مِنْ خيرٍ وشرٍّ)) (٢) .
وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّائِرِ هُنَا نَصِيبُهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَمَا كُتِب لَهُ فِيهَا مِنْ رِزْقٍ وَعَمَلٍ (٣) ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ﴾ (٤) .
يَعْنِي: مَا كُتِبَ عَلَيْهِمْ فِيهِ.
ـ[ (وَيُحَاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ، وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ؛ كَمَا وُصِفَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَأَمَّا الْكُفَّارُ؛ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؛ فَإِنَّهُ لاَ حَسَنَاتَ لَهُمْ، وَلَكِنْ تُعَدُّ أَعْمَالُهُمْ، فَتُحْصَى، فَيُوقَفُونَ]ـ стр. 222
ـ[عَلَيْهَا وَيُقَرَّرُونَ بِهَا (١)) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((وَيُحَاسِبُ اللَّهُ الخلائقَ ... )) إلخ؛ الْمُرَادُ بِتِلْكَ الْمُحَاسَبَةِ تَذْكِيرُهُمْ وَإِنْبَاؤُهُمْ بِمَا قدَّموه مِنْ خَيْرٍ وشرٍّ أحصَاه اللَّهُ وَنَسُوهُ؛ قَالَ تَعَالَى:
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٢) .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ:
((مَن نوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّب)) .
فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ ؟
فَقَالَ: ((إنَّما ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَن نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ)) (٣) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ)) ؛ فَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ اللَّهَ يُدني مِنْهُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَه، وَيُحَاسِبُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، ويقرِّره بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: أَلَمْ تَفْعَلْ كَذَا يَوْمَ كَذَا؟ أَلَمْ تَفْعَلْ كَذَا يَوْمَ كَذَا؟ حَتَّى إِذَا قرَّره بِذُنُوبِهِ، وَأَيَقْنَ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ؛ قَالَ لَهُ: سترتُها عَلَيْكَ فِي الدِّنيا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ (٤) . стр. 223
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((فَإِنَّهُ لَا حَسَنَاتِ لَهُمْ)) ؛ يَعْنِي: الْكُفَّارَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ (١) ،
وَقَوْلِهِ: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ﴾ (٢) .
وَالصَّحِيحُ [أَنَّ] (٣) أَعْمَالَ الْخَيْرِ الَّتِي يَعْمَلُهَا الْكَافِرُ يُجَازَى بِهَا فِي الدُّنْيَا فَقَطْ، حَتَّى إِذَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجَدَ صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ بَيْضَاءَ.
وَقِيلَ: يخفَّف بِهَا عَنْهُ مِنْ عَذَابِ غَيْرِ الْكُفْرِ.
ـ[ (وَفِي [عَرَصَاتِ] (٤) الْقِيَامَةِ الْحَوضُ الْمَوْرُودُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، ماؤُه أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، طُولُهُ شَهْرٌ، وَعَرْضُهُ شَهْرٌ، مَن يَّشْرَبُ مِنْهُ شَرْبَةً؛ لاَ يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا (٥)) .]ـ
/ش/ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((فِي عَرَصَات الْقِيَامَةِ ... )) ؛ فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذِكْرِ الْحَوْضِ تَبْلُغُ حدَّ التَّوَاتُرِ، رَوَاهَا مِنَ الصَّحَابَةِ بضعٌ وَثَلَاثُونَ صَحَابِيًّا (٦) ، стр. 224
فمَن أَنْكَرَهُ؛ فأَخْلِق بِهِ أَنْ يُحالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وُرُودِهِ يَوْمَ الْعَطَشِ الْأَكْبَرِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي أَحَادِيثَ:
((إِنَّ لِكُلِّ نبيٍّ حَوْضًا)) (١) .
وَلَكِنَّ حَوْضَ نبيِّنا ﷺ أَعْظَمُهَا وَأَحْلَاهَا وَأَكْثَرُهَا وَارِدًا.
جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ.
ـ[ (وَالصِّرَاطُ مَنْصُوبٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ، وَهُوَ الْجِسْرُ الَّذِي بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَمُرُّ النَّاسُ [عَلَيْهِ] (٢) عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِم ْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، وَمِنْهُم مَن يَمُرُّ كَالْبَرْقِ، وَمِنْهُم مَن يَمُرُّ كَالرِّيحِ، ومِنْهُم]ـ стр. 225
ـ[مَن يَمُرُّ كَالْفَرَسِ الْجَوَادِ، وَمِنْهُم مَن يَمُرُّ كَرِكَابِ الإِبِلِ، ومِنْهُم مَن يَعْدُو عَدْوًا، وَمِنْهُم مَن يَمْشِي مَشْيًا، وَمِنْهُم مَن يَزْحَفُ زَحْفًا، وَمَنْهُم مَن يُخْطَفُ خَطْفًا وَيُلْقَى فِي جَهَنَّمَ؛ فَإِنَّ الْجِسرَ عَلَيْهِ كَلاَلِيبُ تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِم، فَمَنْ مَرَّ عَلَى الصِّرَاطِ؛ دَخَلَ الْجَنَّةَ. فَإِذَا عَبَرُوا عَلَيْهِ؛ وَقَفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِم مِّن بَعْضٍ، فَإِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا؛ أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ (١)) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((وَالصِّرَاطُ منصوبٌ ... )) إلخ. أَصْلُ الصِّرَاطِ الطَّرِيقُ الْوَاسِعُ؛ قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَسْتَرِطُ السَّابِلَةَ؛ أَيْ: يَبْتَلِعُهُمْ إِذَا سَلَكُوهُ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الطَّرِيقِ الْمَعْنَوِيِّ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٢) .
وَالصِّرَاطُ الْأُخْرَوِيُّ الَّذِي هُوَ الْجِسْرُ الْمَمْدُودُ عَلَى ظَهْرِ جهنَّم بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ (٣) حقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ؛ لِوُرُودِ خَبَرِ الصَّادِقِ بِهِ، ومَن اسْتَقَامَ عَلَى صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ دِينُهُ الْحَقُّ فِي الدُّنْيَا اسْتَقَامَ عَلَى هَذَا الصِّرَاطِ فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي وَصْفِهِ أَنَّهُ: ((أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وأحدُّ مِنَ السَّيْفِ)) (٤) . стр. 226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 227
ـ[ (وَأَوَّلُ مَن يَّسْتَفْتِحُ بَابَ الْجَنَّةِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَأَوَّلُ مَن يَّدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنَ الأُمَمِ أُمَّتُهُ) .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ((وَأَوَّلُ مَنْ يَسْتَفْتِحُ بَابَ الْجَنَّةِ مُحَمَّدٌ ﷺ )) ؛ يَعْنِي: أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حَلَقَهَا طَالِبًا أَنْ يُفْتَح لَهُ بَابُهَا؛ كَمَا قَالَ ﵇:
((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أوَّل مَن تنشقُّ عَنه الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أوَّل مَنْ يحرِّك حلَق الْجَنَّةِ، فَأَدْخُلُهَا وَيَدْخُلُهَا مَعِي فُقَرَاءُ أمَّتي)) (١) .
يَعْنِي: بَعْدَ دُخُولِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَكُونُ فُقَرَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَ النَّاسِ دُخُولًا الْجَنَّةَ. стр. 228
ـ[ (وَلَه ﷺ فِي الْقِيَامَةِ ثَلاثُ شَفَاعَاتٍ: أَمَّا الشَّفَاعَةُ الأُوْلَى؛ فَيَشفَعُ فَي أَهْلِ الْمَوْقِفِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَهُمْ بَعْدَ أَنْ يَتَرَاجَعَ الأَنْبِيَاءُ؛ آدَمُ، وَنُوحٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَمُوسَى، وَعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَنِ الشَّفَاعَةِ حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَيْهِ. وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الثَّانِيَةُ؛ فَيَشْفَعُ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ أَن يَّدْخُلُوا الْجَنَّة. وَهَاتَانَ الشَّفَاعَتَانِ خَاصَّتَانِ لَهُ. وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الثَّالِثَةُ؛ فَيَشْفَعُ فِيمَنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ، وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ لَهُ وَلِسَائِرِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَغَيْرِهِمْ، فَيَشْفَعُ فِيمَنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ أَن لاَّ يَدْخُلَهَا، وَيَشْفَعُ فِيمَنْ دَخَلَهَا أَن يَّخْرُجَ مِنْهَا. وَيُخْرِجُ اللهُ مِنَ النَّارِ أَقْوَامًا بِغِيرِ شَفَاعَةٍ؛ بَلْ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَيَبْقَى فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ عَمَّنْ دَخَلَهَا مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، فَيُنْشِئُ اللهُ لَهَا أَقْوَامًا فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ) (١) .]ـ
/ش/ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((وَلَهُ ﷺ فِي الْقِيَامَةِ ثَلَاثُ شَفَاعَاتٍ)) ؛ فَأَصْلُ الشَّفَاعَةِ مِنْ قَوْلِنَا: شَفَعَ كَذَا بِكَذَا إِذَا ضَمَّهُ إِلَيْهِ، وُسِمِّيَ الشَّافِعُ شَافِعًا لِأَنَّهُ يضمُّ طَلَبَهُ وَرَجَاءَهُ إِلَى طَلَبِ الْمَشْفُوعِ لَهُ.
وَالشَّفَاعَةُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي ثَبَتَتْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَحَادِيثُهَا مُتَوَاتِرَةٌ؛ стр. 229
قَالَ تَعَالَى:
﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾
فَنَفْيُ الشَّفَاعَةِ بِلَا إِذْنٍ إثباتٌ لِلشَّفَاعَةِ مِنْ بَعْدِ الْإِذْنِ.
قَالَ تَعَالَى عَنِ الْمَلَائِكَةِ:
﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾ (١) .
فبيَّن اللَّهُ الشَّفَاعَةَ الصَّحِيحَةَ، وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ بِإِذْنِهِ، وَلِمَنْ يَرْتَضِي قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ.
وَأَمَّا مَا يتمسَّك بِهِ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ فِي نَفْيِ الشَّفَاعَةِ مِنْ مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (٢) ، ﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ (٣) ، ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾ (٤) .. إلخ؛ فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ المنفيَّة هُنَا هِيَ الشَّفَاعَةُ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ، وَكَذَلِكَ الشَّفَاعَةُ الشِّرْكِيَّةُ الَّتِي يُثْبِتُهَا الْمُشْرِكُونَ لِأَصْنَامِهِمْ، وَيُثْبِتُهَا النَّصَارَى لِلْمَسِيحِ وَالرُّهْبَانِ، وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ بِغَيْرِ إِذْنِ اللَّهِ وَرِضَاهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((أَمَّا الشَّفَاعَةُ الْأُولَى؛ فَيَشْفَعُ فِي أَهْلِ الْمَوْقِفِ حَتَّى يُقضى بَيْنَهُمْ)) ؛ فَهَذِهِ هِيَ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى، وَهِيَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ النبيُّون، وَالَّذِي وَعَدَهُ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُ إِيَّاهُ بِقَوْلِهِ: стр. 230
﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (١) .
يَعْنِي: يَحْمَدُهُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَوْقِفِ جَمِيعًا.
وَقَدْ أَمَرَنَا نبيُّنا ﷺ إِذَا سَمِعْنَا النِّدَاءَ أَنْ نَقُولَ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ:
((اللَّهُمَّ ربَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّة، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وعدتَه)) (٢) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الثَّانِيَةُ؛ فَيَشْفَعُ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ)) ؛ يَعْنِي: أَنَّهُمْ ـ وَقَدِ استحقُّوا دُخُولَ الْجَنَّةِ ـ لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ بِدُخُولِهَا إِلَّا بَعْدَ شَفَاعَتِهِ (٣) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((وَهَاتَانِ الشَّفَاعَتَانِ خاصَّتان لَهُ)) ؛ يَعْنِي: الشَّفَاعَةَ فِي أَهْلِ الْمَوْقِفِ، وَالشَّفَاعَةَ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلُوهَا.
وتنضمُّ إِلَيْهِمَا ثَالِثَةٌ، وَهِيَ شَفَاعَتُهُ فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَنْ بَعْضِ الْمُشْرِكِينَ؛ كَمَا فِي شَفَاعَتِهِ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، فَيَكُونُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ؛ стр. 231
كَمَا وَرَدَ بِذَلِكَ الْحَدِيثُ (١) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الثَّالِثَةُ؛ فَيَشْفَعُ فِيمَنِ استحقَّ النَّارَ ... )) إلخ. وَهَذِهِ هِيَ الشَّفَاعَةُ الَّتِي يُنْكِرُهَا الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ؛ فَإِنَّ مَذْهَبَهُمْ أَنَّ مَن استحقَّ النَّارَ؛ لَا بدَّ أَنْ يدخُلَها، وَمَنْ دَخَلَهَا؛ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا لَا بِشَفَاعَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا.
وَالْأَحَادِيثُ الْمُسْتَفِيضَةُ الْمُتَوَاتِرَةُ تردُّ عَلَى زَعْمِهِمْ وَتُبْطِلُهُ (٢) .
ـ[ (وَأَصْنَافُ مَا تَضَمَّنَتْهُ الدَّارُ الآخِرَةُ مِنَ الْحِسَابِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَتَفَاصِيلُ ذَلِكَ مَذْكُورَةٌ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ السَّمَاءِ، وَالآثَارِ مِنَ الْعِلْمِ الْمَأْثُورِ عَنِ الأَنْبِيَاءِ، وَفِي الْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشْفِي وَيَكْفِي، فَمَنِ ابْتَغَاهُ وَجَدَهُ) .]ـ
/ش/ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((وَأَصْنَافُ مَا تضمَّنَتْهُ الدَّارُ الْآخِرَةُ مِنَ الْحِسَابِ ... )) إلخ؛ فَاعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا ثابتٌ بِالْعَقْلِ كَمَا هُوَ ثابتٌ بِالسَّمْعِ، وَقَدْ نبَّه اللَّهُ الْعُقُولَ إِلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ؛ стр. 232
مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (١) ، ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ (٢) .
فَإِنَّهُ لَا يَلِيقُ فِي حِكْمَةِ الْحَكِيمِ أَنْ يَتْرُكَ النَّاسَ سُدًى مهمَلين، وَلَا يُؤْمَرُونَ، وَلَا يُنْهَون، وَلَا يُثابون وَلَا يُعاقبون؛ كَمَا لَا يَلِيقُ بِعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (٣) .
فَإِنَّ الْعُقُولَ الصَّحِيحَةَ تَأْبَى ذَلِكَ وَتُنْكِرُهُ أشدَّ الْإِنْكَارِ.
وَكَذَلِكَ نبَّههُم اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ بِمَا أَوْقَعَهُ مِنْ أَيَّامِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ إِكْرَامِ الطَّائِعِينَ، وَخِذْلَانِ الطَّاغِينَ.
وَأَمَّا تَفَاصِيلُ الْأَجْزِيَةِ وَمَقادِيرُهَا؛ فَلَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالسَّمْعِ وَالنُّقُولِ الصَّحِيحَةِ عَنِ الْمَعْصُومِ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ.
ـ[ (وَتُؤْمِنُ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. وَالإِيمَانُ بِالْقَدَرِ عَلَى دَرَجَتَينِ؛ كُلُّ دَرَجَةٍ تَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ) .]ـ стр. 233
/ش/ وَ الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنَ اللَّهِ ﵎ أحدُ الْأَرْكَانِ الستَّة الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا فَلَكُ الْإِيمَانِ؛ كَمَا دلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ وَغَيْرُهُ، وَكَمَا دلَّت عَلَيْهِ الْآيَاتُ الصَّرِيحَةُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ .
وَقَدْ ذَكَرَ المؤلِّف هُنَا أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ عَلَى دَرَجَتَيْنِ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ:
ـ[ (فَالدَّرَجَةُ الأُولَى: الإيمَانُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى [عَلِيمٌ بِالْخَلْقِ وَهُمْ] (١) عَامِلُونَ بِعِلْمِهِ الْقَدِيمِ الَّذِي هُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ أَزَلاً وَأَبَدًا، وَعَلِمَ جَمِيعَ أَحْوَالِهِم مِّنَ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي وَالأَرْزَاقِ وَالآجَالِ، ثُمَّ كَتَبَ اللهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ. فَأَوَّلَ (٢) مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمَ (٣) قَالَ لَهُ: اكْتُبْ. قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَمَا أَصَابَ الإِنْسَانَ لَمْ يَكُن لِّيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُن لِّيُصِيبَهُ، جَفَّتِ الأَقْلاَمُ، وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٤) ، وَقَالَ: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٥) .]ـ стр. 234
ـ[وَهَذَا التَّقْدِيرُ التَّابِعُ لِعِلْمِهِ سُبْحَانَهُ يَكُونُ فِي مَوَاضِعَ جُمْلَةً وَتَفْصيِلاً: فَقَدْ كَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَا شَاءَ. وَإِذَا خَلَقَ جَسَدَ الْجَنِينِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ؛ بَعَثَ إِلَيْهِ مَلَكًا، فَيُؤْمَرُ بِأْرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ: رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ. وَنَحْوَ ذَلِكَ ... فَهَذَا التَّقْدِيرُ قَدْ كَانَ يُنْكِرُهُ غُلاةُ الْقَدَرِيَّةِ قَدِيمًا، وَمُنْكِرُهُ الْيَوْمَ قَلِيلٌ) (١) .]ـ
/ش/ فَالدَّرَجَةُ الْأُولَى تتضمَّن:
أَوَّلاً: الْإِيمَانُ بِعِلْمِهِ الْقَدِيمِ الْمُحِيطِ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى عَلم بِهَذَا الْعِلْمِ الْقَدِيمِ الْمَوْصُوفِ بِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا كلَّ مَا سَيَعْمَلُهُ الْخَلْقُ فِيمَا لَا يَزَالُ، وَعَلِمَ بِهِ جَمِيعَ أَحْوَالِهِمْ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي وَالْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ.
فَكُلُّ مَا يُوجَدُ مِنْ أَعْيَانٍ وَأَوْصَافٍ وَيَقَعُ مِنْ أَفْعَالٍ وَأَحْدَاثٍ فَهُوَ مطابقٌ لِمَا عَلِمَهُ اللَّهُ أَزَلًا.
ثَانِيًا: أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ ذَلِكَ كُلَّهُ وسجَّله فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَمَا عَلِمَ اللَّهُ كَوْنَهُ وَوُقُوعَهُ مِنْ مَقَادِيرِ الْخَلَائِقِ وَأَصْنَافِ الْمَوْجُودَاتِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ стр. 235
الْأَحْوَالِ وَالْأَوْصَافِ وَالْأَفْعَالِ وَدَقِيقِ الْأُمُورِ وَجَلِيلِهَا قَدْ أَمَرَ الْقَلَمُ بِكِتَابَتِهِ؛ كَمَا قَالَ ﷺ :
((قدَّر اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أن يخلق السموات وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)) (١) .
وَكَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ:
((إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ؛ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ. قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) (٢) .
وَ (أولَ) هُنَا بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ (قَالَ) ؛ أَيْ: قَالَ لَهُ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا خَلَقَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ الْقَلَمُ.
وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعَرْشِ وَالْقَلَمِ؛ أَيُّهُمَا خُلَقَ أَوَّلًا (٣) .
وَحَكَى الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، وَاخْتَارَ أَنَّ الْعَرْشَ مخلوقٌ قَبْلَ الْقَلَمِ. стр. 236
قَالَ فِي ((النُّونِيَّةِ)) (١) :
((وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِي الْقَلَمِ الَّذي ... كُتِبَ الْقَضَاءُ بِهِ مِنَ الدَّيَّانِ
هَلْ كَانَ قَبْلَ الْعَرْشِ أَوْ هُوَ بَعْدَهُ ... قَوْلانِ عِنْدَ أَبِي الْعَلاَ الْهَمَدَانِي
وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَرْشَ قَبْلُ لأَنَّهُ ... [وَقْتَ] (٢) الْكِتَابَةِ كَانَ ذَا أَرْكَانِ
وَكَتَابَةُ الْقَلَمِ الشَّرِيفِ تَعَقَّبَتْ ... إِيجَادَهُ مِنْ غَيْرِ فَصْلِ زَمَانِ))
وَإِذَا كَانَ الْقَلَمُ قَدْ جَرَى بكلِّ مَا هُوَ كائنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِكُلِّ مَا يَقَعُ مِنْ كَائِنَاتٍ وَأَحْدَاثٍ؛ فَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا كُتِبَ فِيهِ، فَمَا أَصَابَ الْإِنْسَانَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ؛ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَغَيْرِهِ (٣) .
وَهَذَا التَّقْدِيرُ التَّابِعُ لِلْعِلْمِ الْقَدِيمِ تَارَةً يَكُونُ جُمْلَةً؛ كَمَا فِي اللَّوْحِ стр. 237
الْمَحْفُوظِ؛ فَإِنَّ فِيهِ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ، وَيَكُونُ فِي مَوَاضِعَ تَفْصِيلًا يخصُّ كُلَّ فردٍ؛ كَمَا فِي الْكَلِمَاتِ الْأَرْبَعِ الَّتِي يُؤْمَرُ الْمَلَكُ بِكِتَابَتِهَا عِنْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِي الْجَنِينِ؛ يَكْتُبُ رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وشقيٌّ أَمْ سَعِيدٌ (١) .
فَهَذَا تقديرٌ خاصٌّ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ السَّابِقُ عَلَى وُجُودِ الْأَشْيَاءِ قَدْ كَانَ يُنْكِرُهُ غُلَاةُ الْقَدَرِيَّةِ قَدِيمًا؛ مِثْلُ: مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ (٢) ، وغَيلان الدِّمشقي (٣) ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ.
وَمُنْكِرُ هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الْقَدَرِ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
ـ[ (وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ؛ فَهِيَ مَشِيئَةُ اللهِ النَّافِذَةُ، وَقُدْرَتُهُ الشَّامِلَةُ،]ـ стр. 238
ـ[وَهُوَ: الإِيمَانُ بِأَنَّ مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ حَرَكَةٍ وَلاَ سُكُونٍ؛ إلاَّ بِمَشِيئَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، [لاَ يَكُونُ فِي مُلْكِهِ مَا لاَ يُرِيدُ] (١) ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ، فَمَا مِنْ مَخْلُوقٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ إلاَّ اللهُ خَالِقُهُ سُبْحَانَهُ، لا خَالِقَ غَيْرُهُ، وَلاَ رَبَّ سِوَاهُ. وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ أَمَرَ الْعِبَادَ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رُسُلِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ وَالْمُقْسِطِينَ، وَيَرْضَى عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَلا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ، وَلاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ، وَلاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهُ الْكُفْرَ، وَلاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ) .]ـ
/ش/قَوْلُهُ: ((وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ الْقَدَرِ..)) إلخ؛ فَهِيَ تَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ أَيْضًا:
أَوَّلُهُمَا: الْإِيمَانُ بِعُمُومِ مَشِيئَتِهِ تَعَالَى، وَأَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ، وَأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي وَاقِعَةٌ بِتِلْكَ الْمَشِيئَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي لَا يَخْرُجُ عَنْهَا كائنٌ؛ سَوَاءٌ كَانَ стр. 239
مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ أَمْ لَا.
وَثَانِيهُمَا: الْإِيمَانُ بِأَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ وَاقِعَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لَهُ؛ لَا خَالِقَ لَهَا سِوَاهُ، لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَغَيْرِهَا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١) .
ويجبُ الْإِيمَانُ بِالْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كلَّف الْعِبَادَ، فَأَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رُسُلِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.
وَلَا مُنَافَاةَ أَصْلًا بَيْنَ مَا ثَبَتَ مِنْ عُمُومِ مَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ لجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَبَيْنَ تَكْلِيفِهِ الْعِبَادَ بِمَا شَاءَ مِنْ أَمْرٍ ونهيٍ؛ فَإِنَّ تِلْكَ الْمَشِيئَةَ لَا تُنَافِي حُرِّيَّةَ الْعَبْدِ وَاخْتِيَارَهُ لِلْفِعْلِ، وَلِهَذَا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ الْمَشِيئَتَيْنِ بِقَوْلِهِ:
﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) .
كَمَا أَنَّهُ لَا تلازمَ بَيْنَ تِلْكَ الْمَشِيئَةِ وَبَيْنَ الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ المتعلِّق بِمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ، فَقَدْ يَشَاءُ اللَّهُ مَا لَا يحبُّه، ويحبُّ مَا لَا يَشَاءُ كَوْنَهُ:
فَالْأَوَّلُ: كَمَشِيئَتِهِ وُجُودَ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ.
وَالثَّانِي: كَمَحَبَّةِ إِيمَانِ الْكُفَّارِ، وَطَاعَاتِ الفجَّار، وَعَدْلِ الظَّالِمِينَ، وَتَوْبَةِ الْفَاسِقِينَ، وَلَوْ شَاءَ ذَلِكَ؛ لَوُجِدَ كُلُّهُ؛ فَإِنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. стр. 240
ـ[ (وَالْعِبَادُ فَاعِلُونَ حَقِيقَةً، وَاللَّهُ [خَلَقَ] (١) أَفْعَالَهُمْ. وَالْعَبْدُ هُوَ: الْمُؤْمِنُ، وَالْكَافِرُ، وَالْبَرُّ، وَالْفَاجِرُ، وَالْمُصَلِّي، وَالصَّائِمُ. وِلِلْعِبَادِ قُدْرَةٌ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، [وَلَهُمْ إِرَادَةٌ، وَاللهُ خَالِقُهُمْ وَقُدْرَتِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ] (٢) ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣)) .]ـ
/ش/ وَكَذَلِكَ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ عُمُومِ خَلْقِهِ تَعَالَى لِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَبَيْنَ كَوْنِ الْعَبْدِ فَاعِلًا لِفِعْلِهِ؛ فَالْعَبْدُ هُوَ الَّذِي يوصَفُ بِفِعْلِهِ، فَهُوَ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ، وَالْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَالْمُصَلِّي وَالصَّائِمُ، وَاللَّهُ خَالِقُهُ، وَخَالِقُ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ فِيهِ الْقُدْرَةَ وَالْإِرَادَةَ اللَّتَيْنِ بِهِمَا يَفْعَلُ.
يَقُولُ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ آلُ سَعْدِيٍّ (٤) غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَأَجْزَلَ مَثُوبَتَهُ:
((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا صلَّى، وَصَامَ، وَفَعَلَ الْخَيْرَ، أَوْ عَمِلَ شَيْئًا مِنَ الْمَعَاصِي؛ كَانَ هُوَ الْفَاعِلَ لِذَلِكَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وذلك العمل السيء, стр. 241
وَفِعْلُهُ الْمَذْكُورُ بِلَا رَيْبٍ قَدْ وَقَعَ بِاخْتِيَارِهِ، وَهُوَ يحسُّ ضَرُورَةً أَنَّهُ غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلَى الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ، وَأَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ، وَكَانَ هَذَا هُوَ الْوَاقِعَ؛ فَهُوَ الَّذِي نصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ، ونصَّ عَلَيْهِ رَسُولُهُ؛ حَيْثُ أَضَافَ الْأَعْمَالَ صَالِحَهَا وَسَيِّئَهَا إِلَى الْعِبَادِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمُ الْفَاعِلُونَ لَهَا، وَأَنَّهُمْ مَمْدُوحُونَ عَلَيْهَا ـ إِنْ كَانَتْ صَالِحَةً ـ وَمُثَابُونَ، وَمَلُومُونَ عَلَيْهَا ـ إِنْ كَانَتْ سَيِّئَةً ـ وَمُعَاقَبُونَ عَلَيْهَا.
فَقَدْ تبيَّن بِلَا رَيْبٍ أَنَّهَا وَاقِعَةٌ مِنْهُمْ بِاخْتِيَارِهِمْ، وَأَنَّهُمْ إِذَا شاؤوا فعلوا، وإذا شاؤوا تَرَكُوا، وَأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ ثَابِتٌ عَقْلًا وَحِسًّا وَشَرْعًا وَمُشَاهَدَةً.
وَمَعَ ذَلِكَ؛ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ وَاقَعِةً مِنْهُمْ كَيْفَ تَكُونُ دَاخِلَةً فِي الْقَدَرِ، وَكَيْفَ تَشْمَلُهَا الْمَشِيئَةُ؟! فَيُقَالُ: بِأَيِّ شَيْءٍ وَقَعَتْ هَذِهِ الْأَعْمَالُ الصَّادِرَةُ مِنَ الْعِبَادِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا؟ فَيُقَالُ: بِقُدْرَتِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ؛ هَذَا يَعْتَرِفُ بِهِ كُلُّ أَحَدٍ. فَيُقَالُ: وَمَنْ خَلَقَ قُدْرَتَهُمْ وَإِرَادَتَهُمْ وَمَشِيئَتَهُمْ؟ فَالْجَوَابُ الَّذِي يَعْتَرِفُ بِهِ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ قُدْرَتَهُمْ وَإِرَادَتَهُمْ، وَالَّذِي خَلَقَ مَا بِهِ تَقَعُ الْأَفْعَالُ هُوَ الْخَالِقُ لِلْأَفْعَالِ.
فَهَذَا هُوَ الَّذِي يحلُّ الْإِشْكَالَ، ويتمكَّن الْعَبْدُ أَنْ يَعْقِلَ بِقَلْبِهِ اجْتِمَاعَ الْقَدَرِ وَالْقَضَاءِ وَالِاخْتِيَارِ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ تَعَالَى أمدَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَسْبَابٍ وَأَلْطَافٍ وَإِعَانَاتٍ متنوِّعة وَصَرَفَ عَنْهُمُ الْمَوَانِعَ؛ كَمَا قَالَ ﷺ :
((أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ؛ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ)) (١) .
وَكَذَلِكَ خَذَلَ الْفَاسِقِينَ، وَوَكَلَهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، стр. 242
وَلَمْ يتوكَّلوا عَلَيْهِ، فولاَّهم مَا تولَّوا لِأَنْفُسِهِمْ)) . اهـ
وَ خُلَاصَةُ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي الْقَدَرِ وَأَفْعَالِ الْعِبَادِ مَا دلَّت عَلَيْهِ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْأَوْصَافِ وَالْأَفْعَالِ وَغَيْرِهَا، وَأَنَّ مَشِيئَتَهُ تَعَالَى عَامَّةٌ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ، فَلَا يَقَعُ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا بِتِلْكَ الْمَشِيئَةِ، وَأَنَّ خَلْقَهُ سُبْحَانَهُ الْأَشْيَاءَ بِمَشِيئَتِهِ إِنَّمَا يَكُونُ وَفْقًا لِمَا عَلِمَهُ مِنْهَا بِعِلْمِهِ الْقَدِيمِ، وَلِمَا كَتَبَهُ وقدَّره فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَأَنَّ لِلْعِبَادِ قُدْرَةً وَإِرَادَةً تَقَعُ بِهَا أَفْعَالُهُمْ، وَأَنَّهُمُ الْفَاعِلُونَ حَقِيقَةً لِهَذِهِ الْأَفْعَالِ بِمَحْضِ اخْتِيَارِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لِهَذَا يستحقُّون عَلَيْهَا الْجَزَاءَ: إِمَّا بِالْمَدْحِ وَالْمَثُوبَةِ، وَإِمَّا بِالذَّمِّ وَالْعُقُوبَةِ، وَأَنَّ نِسْبَةَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ إِلَى الْعِبَادِ فِعْلًا لَا يُنَافِي نِسْبَتَهَا إِلَى اللَّهِ إِيجَادًا وَخَلْقًا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْخَالِقُ لِجَمِيعِ الْأَسْبَابِ الَّتِي وَقَعَتْ بِهَا.
ـ[ (وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ مِنَ الْقَدَرِ يُكَذِّبُ بِهَا عَامَّةُ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : مَجُوسَِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَيَغْلُو فِيهَا قَومٌ مِنْ أَهْلِ الإثْبَاتِ، حَتَّى سَلَبُوا الْعَبْدَ قُدْرَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ، وَيُخرِجُونَ عَنْ أَفْعَالِ اللهِ وَأَحْكَامِهِ حُكْمَهَا وَمَصَالِحَهَا) .]ـ
/ش/ وضلَّ فِي الْقَدَرِ طَائِفَتَانِ؛ كَمَا تَقَدَّمَ:
الطَّائِفَةُ الْأُولَى: الْقَدَرِيَّةُ نُفَاةُ الْقَدَرِ، الَّذِينَ هُمْ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا (١) ،
وَهَؤُلَاءِ ضلُّوا بِالتَّفْرِيطِ стр. 243
وَإِنْكَارِ الْقَدَرِ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا هُوَ ثَابِتٌ بِالضَّرُورَةِ مِنِ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ في فعله ومسؤوليته عَنْهُ، وَبَيْنَ مَا دلَّت عَلَيْهِ النُّصُوصُ مِنْ عُمُومِ خَلْقِهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ؛ لأِنَّ ذَلِكَ الْعُمُومَ فِي زعمهم إبطال لمسؤولية الْعَبْدِ عَنْ فِعْلِهِ، وهدمٌ لِلتَّكَالِيفِ، فَرَجَّحُوا جَانِبَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وخصَّصوا النُّصُوصَ الدَّالة عَلَى عُمُومِ الْخَلْقِ وَالْمَشِيئَةِ بِمَا عَدَا أْفَعَالِ الْعِبَادِ، وَأَثْبَتُوا أَنَّ الْعَبْدَ خَالِقٌ لِفِعْلِهِ بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَأَثْبَتُوا خَالِقِينَ غَيْرَ اللَّهِ، وَلِهَذَا سمُّوا مَجُوسَ هَذِهِ الْأُمّْةِ؛ لِأَنَّ الْمَجُوسَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَخْلُقُ الشَّرَّ وَالْأَشْيَاءَ الْمُؤْذِيَةَ، فَجَعَلُوهُ خَالِقًا مَعَ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ جَعَلُوا الْعِبَادَ خَالِقِينَ مَعَ اللَّهِ.
وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: يُقَالُ لَهَا: الْجَبْرِيَّةُ، وَهَؤُلَاءِ غَلَوا فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ، حَتَّى أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ فِعْلٌ حَقِيقَةً، بَلْ هُوَ فِي زَعْمِهِمْ لَا حُرِّيَّةَ لَهُ، وَلَا اخْتِيَارَ، وَلَا فِعْلَ؛ كَالرِّيشَةِ فِي مهبِّ الرِّيَاحِ، وَإِنَّمَا تُسْنَدُ الْأَفْعَالُ إِلَيْهِ مَجَازًا، فَيُقَالُ: صَلَّى، وَصَامَ، وَقَتَلَ، وَسَرَقَ؛ كَمَا يُقَالُ: طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَجَرَتِ الرِّيحُ، وَنَزَلَ الْمَطَرُ، فَاتَّهَمُوا رَبَّهُمْ بِالظُّلْمِ وَتَكْلِيفِ الْعِبَادِ بِمَا لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَيْهِ، وَمُجَازَاتِهِمْ عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَاتَّهَمُوهُ بِالْعَبَثِ فِي تَكْلِيفِ الْعِبَادِ، وَأَبْطَلُوا الْحِكْمَةَ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ.
стр. 244
ـ[ (فَصْلٌ: وَ مِنْ أُصُولِ [أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ] (١) أَنَّ الدِّينَ وَالإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، قَوْلٌ الْقَلْبِ (٢) وَاللِّسَانِ (٣) ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ (٤) وَاللِّسَانِ (٥) وَالْجَوَارِحِ (٦) . وَأَنَّ الإيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَة) (٧) .]ـ
/ش/ سَبَقَ أَنْ ذَكَرْنَا فِي مَسْأَلَةِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَاعْتِقَادٌ بِالْجَنَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ، وَأَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ.
فَالْإِيمَانُ الْمُطْلَقُ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الدِّينِ: ظاهرُه وباطنُه، أصولُه وفروعُه، فَلَا يستحقُّ اسْمَ الْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ إِلَّا مَنْ جَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْئًا.
وَلَمَّا كَانَتِ الْأَعْمَالُ وَالْأَقْوَالُ دَاخِلَةً فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ؛ كَانَ الإيمانُ قَابِلًا لِلزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، فَهُوَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ؛ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْأَدِلَّةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَكَمَا هُوَ ظاهرٌ مشاهدٌ مِنْ تَفَاوُتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي عَقَائِدِهِمْ وَأَعْمَالِ قُلُوبِهِمْ وَأَعْمَالِ جَوَارِحِهِمْ. стр. 245
وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنَقْصِهِ أَنَّ اللَّهَ قَسَّمَ الْمُؤْمِنِينَ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١) .
فَالسَّابِقُونَ بِالْخَيْرَاتِ هُمُ الَّذِينَ أدَّوا الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ وَتَرَكُوا المحرَّمات وَالْمَكْرُوهَاتِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ المقرَّبون.
وَالْمُقْتَصِدُونَ هُمُ الَّذِينَ اقْتَصَرُوا عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ المحرَّمات.
وَالظَّالِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ هم الذين اجترؤوا عَلَى بَعْضِ المحرَّمات وقصَّروا بِبَعْضِ الْوَاجِبَاتِ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ الْإِيمَانِ مَعَهُمْ.
وَمِنْ وُجُوهِ زِيَادَتِهِ وَنَقْصِهِ كَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُتَفَاوِتُونَ فِي عُلُومِ الْإِيمَانِ، فَمِنْهُمْ مَنْ وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ تَفَاصِيلِهِ وَعَقَائِدِهِ خيرٌ كثيرٌ، فَازْدَادَ بِهِ إِيمَانُهُ، وتمَّ يقينُه، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ دُونَ ذَلِكَ، حَتَّى يَبْلُغَ الحالُ ببعضهم أن لا يَكُونَ مَعَهُ إِلَّا إيمانٌ إجماليٌّ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ مِنَ التَّفَاصِيلِ شَيْءٌ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ.
وَكَذَلِكَ هُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَالْجَوَارِحِ، وَكَثْرَةِ الطَّاعَاتِ وَقِلَّتِهَا.
وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ مجرَّد التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلزِّيَادَةِ أَوِ النَّقْصِ؛ كَمَا يُروى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ؛ فَهُوَ محجوجٌ بِمَا ذَكَرْنَا стр. 246
مِنَ الْأَدِلَّةِ، قَالَ ﵇:
((الْإِيمَانُ بضعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً؛ أَعْلَاهَا: قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ)) (١) .
ـ[ (وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِمُطْلَقِ الْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ؛ كَمَا يَفْعَلُهُ الْخَوَارَجُ (٢) ؛ بَلِ الأُخُوَّةُ الإِيمَانِيَّةُ ثَابِتَةٌ مَعَ الْمَعَاصِي؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ (٣) : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوف﴾ ِ (٤) ، وَقَالَ: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٥) ، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم﴾ (٦)) .]ـ стр. 247
/ش/ وَمَعَ أَنَّ الْإِيمَانَ الْمُطْلَقَ مركَّب مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ وَالِاعْتِقَادَاتِ؛ فَهِيَ لَيْسَتْ كُلُّهَا بِدَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ؛ بَلِ الْعَقَائِدُ أصلٌ فِي الْإِيمَانِ، فمَن أَنْكَرَ شَيْئًا مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ فِي اللَّهِ أَوْ مَلَائِكَتِهِ أَوْ كُتُبِهِ أَوْ رُسُلِهِ أَوِ الْيَوْمِ الْآخِرِ أَوْ مِمَّا هُوَ معلومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ؛ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَحُرْمَةِ الزِّنَا وَالْقَتْلِ ... إلخ؛ فَهُوَ كافرٌ، قَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِيمَانِ بِهَذَا الْإِنْكَارِ.
ـ[ (وَلاَ يَسْلُبُونَ الْفَاسِقَ الْمِلِّيَّ (١) [اسْمَ الإِيمَانِ] (٢) بِالْكُلِّيَّةِ، وَلاَ يُخَلِّدُونَهُ فِي النَّار؛ كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ. بَلِ الْفَاسِقُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الإيمَانِ (٣) ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ (٤) . وَقَدْ لاَ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الإِيمَانِ الْمُطْلَقِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٥) ، وَقَوْلُهُ ﷺ : ((لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ]ـ стр. 248
ـ[مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَنْتَهِبُ نَهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ)) (١) . [وَيَقُولُونَ] (٢) : هُوَ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الإِيمَانِ، أَوْ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ، فَلاَ يُعْطَى الاسْمَ الْمُطْلَقَ، وَلاَ يُسْلَبُ مُطْلَقَ الاسْمِ) .]ـ
/ش/ وَأَمَّا الْفَاسِقُ المِلِّي الَّذِي يَرْتَكِبُ بَعْضَ الْكَبَائِرِ مَعَ اعْتِقَادِهِ حُرْمَتَهَا؛ فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لَا يَسْلُبُونَ عَنْهُ اسْمَ الْإِيمَانِ بالكلِّيَّة، وَلَا يخلِّدونه فِي النَّارِ؛ كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ، بَلْ هُوَ عِنْدَهُمْ مؤمنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ، قَدْ نَقَصَ مِنْ إِيمَانِهِ بِقَدْرِ مَعْصِيَتِهِ، أَوْ هُوَ مؤمنٌ فاسقٌ، لَا يُعْطُونَهُ اسْمَ الْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ، وَلَا يَسْلُبُونَهُ مُطْلَقَ الْإِيمَانِ.
وأدلَّة الْكِتَابِ والسنَّة دالَّةٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ ﵀ مِنْ ثُبُوتِ مُطْلَقِ الْإِيمَانِ مَعَ الْمَعْصِيَةِ؛ قَالَ تَعَالَى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ (٣) .
فَنَادَاهُمْ بِاسْمِ الْإِيمَانِ، مَعَ وُجُودِ الْمَعْصِيَةِ، وَهِيَ مُوَالَاةُ الْكُفَّارِ стр. 249
مِنْهُمْ.. إلخ.
فَائِدَةٌ: الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ الشرعيَّان مُتَلَازِمَانِ فِي الْوُجُودِ، فَلَا يُوجَدُ أَحَدُهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ، بَلْ كُلَّمَا وُجِدَ إيمانٌ صحيحٌ معتدٌّ بِهِ، وُجِدَ مَعَهُ إسلامٌ، وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ، وَلِهَذَا قَدْ يُسْتَغْنى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ؛ دَخَلَ فِيهِ الْآخَرُ، وَأَمَّا إِذَا ذُكِرا مَعًا مُقْتَرِنَيْنِ؛ أُريد بِالْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ وَالِاعْتِقَادُ، وأُريد بِالْإِسْلَامِ الِانْقِيَادُ الظَّاهِرِيُّ مِنَ الْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ وَعَمَلِ الْجَوَارِحِ.
وَلَكِنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُطْلَقِ الْإِيمَانِ، أَمَّا الْإِيمَانُ الْمُطْلَقُ؛ فَهُوَ أخصُّ مُطْلَقًا مِنَ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ يُوجَدُ الْإِسْلَامُ بِدُونِهِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (١) .
فَأَخْبَرَ بِإِسْلَامِهِمْ مَعَ نَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ (٢) .
وَفِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ ذِكْرُ الْمَرَاتِبِ الثَّلَاثِ: الْإِسْلَامِ، وَالْإِيمَانِ، وَالْإِحْسَانِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهَا أخصُّ مِمَّا قَبْلَهُ.
ـ[ (فَصْلٌ: وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ سَلاَمَةُ قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ لأَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، كَمَا وَصَفَهُمُ اللهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ]ـ стр. 250
ـ[رَّحِيمٌ﴾ (١) ، وَطَاعَةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ((لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهُ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ)) (٢) . وَيَقْبَلُونَ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسَّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ) .]ـ
/ش/ يَقُولُ المؤلِّف: إِنَّ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الَّتِي فَارَقُوا بِهَا مَن عَدَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ أَنَّهُمْ لَا يُزْرون بِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يَطْعَنُونَ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْمِلُونَ لَهُ حِقْدًا وَلَا بُغْضًا وَلَا احْتِقَارًا، فَقُلُوبُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بَرَاءٌ، وَلَا يَقُولُونَ فِيهِمْ إِلَّا مَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ:
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ (٣) الْآيَةَ.
فَهَذَا الدُّعَاءُ الصَّادِرُ ممَّن جَاءَ بَعْدَهُمْ ممَّن اتَّبعوهم بِإِحْسَانٍ يدلُّ عَلَى كَمَالِ محبَّتهم لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَثَنَائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ أَهْلٌ لِذَلِكَ الْحُبِّ وَالتَّكْرِيمِ؛ لِفَضْلِهِمْ، وَسَبْقِهِمْ، وَعَظِيمِ سَابِقَتِهِمْ، وَاخْتِصَاصِهِمْ بِالرَّسُولِ ﷺ ، وَلِإِحْسَانِهِمْ إِلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ هُمْ المبلِّغون لَهُمْ جَمِيعَ مَا جَاءَ بِهِ نبيُّهم ﷺ ، فَمَا وَصَلَ لأحدٍ علمٌ وَلَا خبرٌ إِلَّا следующие страницы →