← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 229

تحفة المودود بأحكام المولود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (505 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

النقصانُ في الخِلْقَة عند نقصانِه، كما يوجد ذلك في الجَزْرِ والمَدِّ، فينسبونَ النقصانَ الذي حصلَ في القُلْفَة إلى نقصانِ القمرِ. قال: وقد وَردَ في حديثٍ رواه سيف بنُ محمَّد ابنُ أختِ سفيانَ الثَّوريّ، عن هشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ عن النبيِّ ﷺ قال: «ابنُ صيَّاد وُلِد مسرورًا مختونًا» (١). وسيفٌ مطعونٌ في حَديثهِ. وقيل: إنَّ قَيْصَرَ مَلِكَ الرُّومِ الذي وَرَدَ عليه امْرُؤ القَيس وُلِدَ كذلك، ودخل عليه امْرُؤ القَيس الحمّامَ فرآه كذلك، فقال يهجوه: إنِّي حَلَفْتُ يَمِيْنًا غَيْرَ كَاذِبَةٍ ... لَأَنْتَ أَغْلَفُ إلّا مَا جَنَى الْقَمَرُ (٢) يعيِّره أنه لم يختتنْ، وجعل ولادته كذلك نقصًا. وقيل إنَّ هذا البيتَ أحدُ الأسبابِ الباعثةِ لِقَيْصَرَ على أنْ سَمَّ امرأ القَيْس فمات. وأنشد ابنُ الأعْرَابيّ فيمن وُلدَ بلا قُلْفَةٍ (٣): فَذَاكَ نِكْسٌ لا يَبِضُّ حَجَرُهْ ... مُخَرَّقُ العِرْضِ حَدِيدٌ مَنْظَرُهْ فِي لَيْلِ كَانُون شَدِيدٍ خَصَرُهْ ... عَضَّ بِأَطْرَافِ الزُّبَانَى قَمَرُهْ

стр. 352

يقول: هو أقْلَف، ليس بمختونٍ إلا ما قلَّصَ منه القمرُ، وشبَّه قُلْفتَه بالزُّبانى: وهي قَرْنَا العقرب، وكانت العرب لا تعتدُّ بصورة الختان من غير ختان، وترى الفضيلةَ في الختانِ نفسِه، وتَفْخَرُ بهِ. قال: وقد بعثَ اللهُ نبيَّنا ﷺ مِن صَمِيْمِ العَربِ، وخصَّه بصفاتِ الكمالِ من الخَلْق والنَّسبِ، فكيف يجوز أن يكونَ ما ذَكَرَهُ من كَوْنِه مختونًا مما يتميَّز به النبيُّ ﷺ ويخصَّصُ. وقيل: إنَّ الختانَ من الكلماتِ التي ابتلى اللهُ بها خلِيْلَه ﷺ فأتمهنَّ وأكملهنَّ (١)، وأشدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثلُ فالأمثل. وقد عدَّ النبيّ ﷺ الختان من الفطرة، ومن المعلوم أن الابتلاء به مع الصبر مما يُضاعَف ثوابُ المبتلَى به وأجْرُهُ، والأَلْيَقُ بحال النبيِّ ﷺ أن لا يُسْلَب هذه الفضيلةَ، وأن يُكرمَه الله بها كما أكرمَ خليلَهُ، فإنَّ خصائصَه أعظمُ من خصائصِ غيرِه من النبيّينَ وأعْلَى. وخَتْن الملَك إيَّاه ـ كما رُوِّيناه ـ أجْدَرُ مِن أن يكونَ من خصائصِه وأوْلَى». هذا كلُّه كلامُ ابنِ العَدِيْمِ. ويريد بختن الملك، ما رواه من طريق الخطيب، عن أبي بكرة، أن جبريل ختن النبيّ ﷺ حين طهَّر قلبه (٢).

стр. 353

وهو مع كونه موقوفًا على أبي بكرة، لا يصح إسناده، فإنَّ الخطيبَ قال فيه: أنبأنا أبو القاسم عبد الواحد بن عثمان بن محمَّد البَجَلِيّ، أنبأنا جعفر بن محمَّد بن نصير، حدّثنا محمَّد بن عبد الله بن سليمان، حدّثنا عبد الرَّحمن بن عُيَيْنَة البصري، حدّثنا عليُّ بنُ محمَّدٍ المدائنيُّ، حدّثنا مَسْلمةُ بنُ مُحارِب بن سليم بن زيادٍ، عن أبيه، عن أبي بَكْرَةَ. وليس هذا الإسنادُ مما يُحتجُّ به. وحديثُ شَقِّ الملَكِ قلْبَهُ ﷺ ، قد رُوِي من وجوهٍ متعدِّدةٍ مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ ، وليس في شيء منها أنَّ جبريل ختنه، إلا في هذا الحديث، فهو شاذٌّ غريبٌ. قال ابنُ العَدِيْمِ: «وقد جاء في بعض الرِّوايَاتِ: أن جدَّه عبدَ المطَّلب خَتَنَهُ في اليومِ السَّابع» (١). قال: «وهو ـ على ما فيه ـ أشبه بالصواب، وأقرب إلى الواقع».

стр. 354

ثم ساق من طريق ابنِ عبد البَرِّ (١): «حدّثنا أبُو عَمرو أَحْمَد بن محمَّد بن أَحْمَد قراءة مني عليه، أن محمَّد بن عيسى حدَّثه قال: حدّثنا يحيى بن أيوب بن زياد العلاف، حدّثنا محمَّد بن أبي السري العسقلاني، حدّثنا الوليد بن مُسْلِم، عن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة، عن عطاء الخُرَاسَانيّ، عن عِكْرِمَة (٢) عن ابن عبَّاس: أنَّ عبدَ المطَّلبِ ختنَ النبيَّ ﷺ يومَ سابعِه، وجعل له مَأْدُبَةً، وسمَّاه محمَّدًا. قال يحيى بنُ أيُّوب: ما وجدنا هذا الحديثَ عند أحدٍ إلا عند ابنِ أبي السّريّ، وهو محمَّد بن المتوكِّل بن أبي السّري». والله أعلم.

стр. 355

الفصل الرابع عشر في الحِكمة التي لأجْلِها يُعادُ بَنو آدمَ غُرْلًا لما وعد اللهُ سبحانه ـ وهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده ـ أنَّه يُعيدُ الخَلْقَ كما بَدَأَهُمْ أوَّلَ مرة، كان مِن صِدْق وَعْدِه أن يُعيدَه على الحالةِ التي بدأه عليها من تمام أعضائِه وكمالِها. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ (١) كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء/ ١٠٤]. وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف/ ٢٩]. وأيضًا: فإنَّ الختانَ إنما شُرِع في الدنيا لتكميلِ الطهارةِ والتنزُّهِ من البول، وأهلُ الجنَّة لا يبولون ولا يتغوَّطُونَ، فليس هناك نجاسةٌ تصيب الغُرْلةَ فيحتاج إلى التحرُّز منها، والقُلْفَةُ لا تمنع لَذَّة الجماع ولا تعوقُه. هذا إن قُدِّر استمرارُهم على تلك الحالة (التي بُعِثُوا عليها) (٢)، وإلَّا فلا يلزمُ من كَوْنِهمْ يُبعثون كذلك أن يستمرُّوا على تلك الحالةِ، فإنهم يُبعَثُونَ حُفَاةً عُراةً بُهْمًا، ثم يُكْسَوْنَ، ويُمَدُّ خَلْقُهم، ويُزَاد فيه بعد ذلك،

стр. 356

يُزاد في خَلْق أهل الجنة والنار وإلا فوقت قيامِهم من القبور يكونونَ على صورتِهم التي كانوا عليها في الدُّنيا، وعلى صِفاتِهم وهيئاتِهم وأحوالِهم، فيُبعث كلُّ عبدٍ على ما مات عليه، ثم يُنْشِئُهم الله سبحانه كما يشاء. وهل تبقى تلك الغُرْلة التي كملت خلقهم في القبور أو تزول؟ يمكن هذا وهذا، ولا يُعلَمُ إلا بخبرٍ يجب المصير إليه، والله ــ ــ أعلم.

стр. 357

الباب العاشر في حُكمِ ثَقبِ أُذنِ الصَّبيِّ والبنتِ (١) أمَّا أُذُن البنتِ، فيجوز ثَقْبُها للزِّينة. نصَّ عليه الإمام أَحْمَد، ونصَّ على كراهته في حقِّ الصبيِّ (٢). والفرق بينهما: أنَّ الأنثَى محتاجةٌ (٣) للحِلْيَة، فثَقْبُ الأذُن مصلحةٌ في حقِّها، بخلاف الصبيِّ، وقد قال النبيّ ﷺ لعَائِشَةَ في حديث أمِّ زَرْعِ: «كنتُ لكِ كأَبي زَرْعٍ لأمِّ زَرْعٍ» (٤). مع قولها: أَنَاسَ من حُلِيٍّ أُذنيَّ، أي ملأها من الحلي، حتى صار ينوس فيها، أي: يتحرك ويجول. وفي «الصحيحين» لما حرَّض النبيّ ﷺ النساء على الصدقة، جعلت المرأة تلقي خُرْصَهَا ... الحديث (٥). و «الخُرْصُ»: هو الحَلْقة

стр. 358

الموضوعة في الأذن. ويكفي في جوازه علْمُ اللهِ ورسولِهِ (١) بفعل الناس له، وإقرارُهم على ذلك، فلو كان مما ينهى عنه لنهى عنه القرآن أو السنَّة. فإن قيل: فقد أخبر الله ـ سبحانه ـ عن عدوه إبليس، أنه قال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ [النساء/ ١١٩] أي يقطعونها. وهذا يدلُّ على أنَّ قَطْعَ الأُذُنِ وشقَّهَا وثَقْبَها من أمر الشيطان، فإنَّ «البَتْك»: هو القَطْعُ، وثَقْبُ الأذنِ قطعٌ لها، فهذا مُلْحَقٌ بقَطْعِ أذُنِ الأنعامِ. قيل: هذا من أفسد القياس، فإنَّ الذي أمرهم به الشيطانُ أنَّهم كانوا إذا وَلَدَتْ لهم الناقةُ خمسةَ أبْطُن فكان البطنُ السَّادسُ ذكرًا، شقُّوا أذُنَ الناقةِ، وحرَّموا ركوبَها والانتفاعَ بها، ولم تُطْرَدْ عن ماء ولا عن مَرْعَى، وقالوا: هذه بَحِيرَةٌ، فَشرَعَ لهم الشيطانُ في ذلك شريعةً من عنده. فأين هذا من نَخْسِ (٢) أذُنِ الصَّبِيَّة ليوضع فيها الحِلْيةُ التي أباحَ اللهُ لها أن تتحلَّى بها؟

стр. 359

وأما ثَقْبُ أذُنِ الصَّبِيِّ (١)، فلا مصلحةَ له فيه، وهو قطعُ عضوٍ من أعضائهِ، لا لمصلحةٍ دينيةٍ ولا دنيويةٍ، فلا يجوزُ. ومن أعجب ما في هذا الباب، ما قال الخطيبُ في «تاريخه»: أخبرنا الحَسَنُ بنُ عليّ الجَوْهَرِيُّ، حدَّثنا محمَّد بنُ العبَّاسِ الخزَّازُ، حدّثنا أبُو عَمرو عثمانُ بنُ جعفر المعروف بابن اللبَّان (٢)، حدّثنا أبو الحَسَنِ بنُ عليّ بنِ إسْحَاقَ بنِ راهُويَه، قال: ولد أبي من بطن أمِّه مثقوبَ الأذنين، قال: فمضى جدِّي رَاهُويَه إلى الفضل بن موسى السِّينانيّ، فسأله عن ذلك، وقال: ولد لي ولدٌ خرجَ من بطن أُمِّه مثقوبَ الأذنين. فقال: يكونُ ابنُك رأسًا إمَّا في الخير، وإمَّا في الشرِّ (٣). فكأنَّ الفضل بنَ موسى ـ والله أعلم ـ تفرَّسَ فيه، أنَّه لما تفرَّد عن المولُودِيْنَ كلِّهم بهذه الخاصة أن يَنْفَرِدَ عنهم بالرئاسة في الدِّين أو الدُّنيا. وقد كان ﵀ رأس أهل زمانه في العلم والحديث والتفسير والسنَّة، والجلالة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكَسْرِ الجَهْمِيَّة وأهل البِدَعِ ببلاد خُرَاسَان، وهو الذي نشر السنَّة في بلاد خراسان، وعنه انتشرت هناك، وقد كان له مقاماتٌ محمودة عند

стр. 360

السلطان، يُظْفِرُه الله فيها بأعدائه ويخزيهم على يديه حتى تعجَّب منه السلطان والحاضرون، حتى قال محمَّد بن أَسْلَمَ الطُّوسيُّ: لو كان الثَوْري حيًّا لاحتاج إلى إسْحَاق. فأُخبر بذلك أَحْمَد بنُ سعيد الرّباطيّ فقال: والله لو كان الثَوْري، وابن عُيَيْنَة، والحمَّادان في الحياة، لاحتاجوا إلى إسْحَاق. فأُخبر بذلك محمَّد بن يحيى الصفَّار فقال: والله، لو كان الحَسَنُ البصريُّ حيًّا لاحتاج إلى إسْحَاق في أشياء كثيرة (١). وكان الإمام أَحْمَد يسمِّيه أميرَ المؤمنين. وسنذكر هذا وأمثاله في كتاب نُفْرِدُه لمناقبه إن شاء الله تعالى. (٢) ونذكر حكاية عجيبة يُستدلُّ بها على أنه كان رأس أهل زمانه: قال الحاكم أبو عبد الله في «تاريخ نيسابور» أخبرني أبو محمَّد بن زياد قال: سمعت أبا العبَّاس الأزْهَرِيَّ قال: قال سمعت عليَّ بن سلَمَةَ يقول: كان إسْحَاق عند عبد الله بن طاهر وعنده إبراهيم بن أبي صالح، فسأل عبدُالله بن طاهر إسْحَاقَ عن مسألة. فقال إسْحَاق: السنَّة فيها كذا وكذا، وأما النُّعمان وأصحابه فيقولون بخلاف هذا. فقال إبراهيم: لم يقل النعمان بخلاف هذا.

стр. 361

فقال إسْحَاق: حفظتُه من كتاب جدِّك، وأنا وهو في كُتَّاب واحدٍ. فقال إبراهيم للأمير: أصلحك الله، كذبَ إسْحَاقُ (١) على جَدِّي. فقال إسْحَاق: يبعثُ الأميرُ إلى جزء كذا وكذا من «الجامع» فَلْيُحْضِرْهُ، فأُتي بالكتاب، فجعل الأمير يقلِّب الكتاب. فقال إسْحَاق: عُدَّ مِنْ أوَّلِ الكتابِ إحدى وعشرين ورقةً، ثمَّ عُدَّ تسعةَ أسطرٍ. ففعلَ، فإذا المسألةُ على ما قال إسْحَاقُ. فقال عبد الله بن طاهر: ليس العَجَبُ مِنْ حفظك إنَّما العجبُ بمثل هذه المشاهدة. فقال إسْحَاق: ليومٍ مثل هذا، لكي يخزي الله على يدي عدوًا للسنَّة مثل هذا (٢). وقال له عبد الله بن طاهر: قيل لي إنك تحفظ مائة ألف حديث! فقال له: مائة ألف، لا أدري ما هو، ولكني ما سمعتُ شيئًا قط إلا حفظتُه، ولا حفظتُ شيئًا قط فنسيته (٣). والمقصود: صحَّة فراسةِ الفضل بن موسى فيه وأنَّه يكون رأسًا في الخير. والله أعلم.

стр. 362

الباب الحادي عشر في حُكمِ بولِ الغُلام والجارِية قَبلَ أن يأكُلا الطَّعام (١) ثبت في «الصَّحَيحَينِ» و «السُّنَنِ» و «المَسَانِيدِ» عن أمِّ قَيْسِ بنتِ مِحْصَنٍ، أنَّها أتتْ بابنٍ لها صغيرٍ لم يأكُلِ الطَّعَامَ إلى رسولِ الله ﷺ فبَالَ على ثَوبهِ، فدَعَا بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ عَليهِ، ولم يَغْسِلْهُ (٢). وعن عليّ بنِ أَبي طالبٍ ﵁، أن النبيَّ ﷺ قال: «بَوْلُ الغُلامِ الرَّضيعِ يُنْضَحُ، وبَولُ الجَارِيَةِ يُغْسَلُ». قال قَتادة: هذا ما لم يَطْعَما، فإذا طَعِما غُسِلَا جميعًا (٣).

стр. 363

رواه الإمام أَحْمَد، والتّرْمذِيّ وقال: حديث حسنٌ، وصحَّحهُ الحاكمُ وقال: هو على شرط الشَّيخين (١). وعن عَائِشَةَ ﵂ قالت: أُتي رسولُ الله ﷺ بصبيٍّ يُحنِّكُه، فبالَ عليه، فأتبعه الماءَ. رواه البُخَاريّ ومُسْلِم، وزاد مُسلم (٢): «ولم يغسله» (٣). وعن أمِّ كُرْزٍ الخُزَاعِيَّةِ قالت: أُتي النبيُّ ﷺ بغلامٍ فبالَ عليه، فأمر به

стр. 364

فنُضِحَ، وأُتي بجاريةٍ فبالتْ عليه، فأمَرَ به فغُسِلَ. رواه الإمام أَحْمَد (١). وفي «سنن ابن ماجه» من حديث عَمْرو بن شُعَيْب (٢)، عن أمِّ كُرْزٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «بَوْلُ الغُلام يُنْضَحُ، وبَولُ الجَارِيَة يُغسَل» (٣). وعن أمِّ الفَضْلِ، لُبابةَ بنتِ الحارثِ قالت: بالَ الحُسَيْن بنُ عليٍّ في حِجْرِ النبيِّ ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ الله أعطني ثوبَك والْبَسْ ثوبًا غيره حتى أَغْسِلَهُ. فقال: «إنَّما يُنضَحُ من بَوْلِ الذَّكَرِ، ويُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الأُنْثَى». رواه الإمام أَحْمَد، وأبو داود، وقال الحاكم: هو صحيح (٤).

стр. 365

وفي «صحيح الحاكم» (١) من حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ مَهْدِيّ، حدّثنا يحيى بنُ الوليدِ، حدّثني مُحِلّ (٢) بنُ خليفةَ، حدّثني أبو السَّمْح، قال: كنت خادمَ النبيِّ ﷺ ، فجيء بالحَسَنِ والحُسَيْن، فبالا على صدره، فأرادوا أن يغسلوه، فقال: «رُشُّوهُ رشًّا، فإنه يُغْسَل بول الجَارِيَة ويُرَشُّ بَولُ الغُلامِ». قال الحاكم: هو صحيح. ورواه أهل السنن (٣).

стр. 366

وذهب إلى القولِ بهذه الأحاديثِ جمهورُ أهلِ العلمِ من أهل الحديثِ والفقهِ، حتى ذهب داود إلى طهارةِ بولِ الغُلامِ. قال: لأنّ النّصَّ إنَّما ورد بنَضْحِه ورشِّه دون غَسله، والنَّضْحُ والرشُّ لا يُزيلُه (١). وقال فقهاء العراق: لا يجزئُ فيه إلا الغَسْلُ فيهما جميعاً. هذا قولُ النَّخْعِيِّ، والثَوْريِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابهِ؛ لعموم الأحاديث الواردة بغَسْل البول، وقياسًا على سائر النجاسات، وقياسًا لبول الغُلام على بول الجَارِيَة (٢). والسنَّة قد فرقت بين البَوْلَين صريحًا، فلا يجوز التَّسويةُ بينَ ما صرَّحَتْ به السُّنَّةُ بالفَرْق بيْنَهُما. وقالت طائفة؛ منهم الأوْزَاعِيُّ، ومالكٌ ـ في رواية الوليد بن مُسْلِم عنه ـ: يُنضح بولُ الغُلام والجَارِيَة دفعًا للمشقَّة؛ لعموم الابتلاء بالتَّربية

стр. 367

والحمل لهما (١). وهذا القول يُقَابِل قَوْلَ (٢) مَنْ قال: يغسلان. والتفريق هو الصواب الذي دلَّتْ عليه السنَّةُ الصحيحةُ الصريحةُ (٣). قال أبو البركات ابن تيميَّة: «والتفريق بين البَوْلين إجماع الصحابة.

стр. 368

رواه أبو داود عن عليّ بن أبي طالب. ورواه سعيد بن منصور عن أم سلَمَةَ، وقال إسْحَاق بن راهُويه: مضتِ السنّةُ عن رسول الله ﷺ بأن يُرَشَّ بولُ الصبيِّ الذي لم يَطْعَمِ الطعامَ، ويُغْسَلَ بَوْلُ الجَارِيَة طعمت أو لم تطعم. قال: وعلى ذلك كان أهل العلم من الصحابة ومَنْ بعدهم. قال: ولم يُسمع عن النبيّ ﷺ ، ولا عمَّن بعده إلى زمان التَّابعِين أنَّ أحدًا سوَّى بين بول الغُلامَ والجَارِية». انتهى كلامه (١). والقياس في مقابلة السنَّة مردودٌ. وقد فُرِّق بين الغُلامِ والجَارِيَة في المعنى بعدَّةِ فُرُوقٍ: (أحدها): أنّ بول الغُلام يتطاير وينتشر هاهنا وهاهنا، فيشقُّ غَسْلُه، وبولُ الجارِيةِ يقع في موضعٍ واحد فلا يشقُّ غَسْله. (الثاني): أنّ بَولَ الجَارِيَة أنتنُ من بول الغُلام، لأنَّ حرارةَ الذَّكَرِ أَقوى، وهي تؤثِّر في إنضاج البول وتخفيفِ رائحتهِ. (الثالث): أنَّ حَمْلَ الغُلام أكثر من حمْل الجَارِيَة لتعلُّق القلوب به، كما تدلُّ عليه المشاهدة. فإن صحَّت هذه الفروق، وإلا فالمعوَّل على تفريق السنَّة. قال الأصحابُ وغيرهم: النَّضْحُ: أن يغرقه بالماء وإن لم يزل عنه (٢).

стр. 369

وليس هذا بشرطٍ، بل النَّضْحُ: الرشُّ، كما صرَّح به في اللفظ الآخر، بحيث يُكاثَرُ البول بالماء. ولا يَبطلُ حكم النَّضْح بتَلْعِيقِ (١) العسل والشراب والتحنيك ونحوه، لئلا تتعطَّل الرُّخْصَة؛ فإنَّه لا يخلو من ذلك مولودٌ غالبًا، ولأن النبيَّ ﷺ ، كان مِن عادته تحنيك الأطفالِ بالتمر عند ولادتهم، وإنمَّا يزول حُكْمُ النَّضْحِ إذا أكلَ الطعامَ وأرادهُ واشتهاهُ تغذِّيًا به. والله أعلم.

стр. 370

الباب الثاني عشر في حُكم رِيقهِ ولُعَابهِ هذه المسألة ممَّا تعمُّ به البَلْوَى، وقد عَلِم الشارعُ أنّ الطفل يَقِيءُ كثيرًا، ولا يمكن غَسْلُ فَمِهِ، ولا يزال ريقُهُ ولعابُه يسيلُ على من يربّيه ويحملُه، ولم يأمرِ الشارعُ بغَسْل الثياب من ذلك، ولا مَنَعَ من الصلاة فيها، ولا أَمرَ بالتحرُّز من رِيْق الطفل (١). فقالت طائفة من الفقهاء: هذا من النجاسة التي يُعفَى عنها للمشقَّة والحاجةِ، كطِيْنِ الشَّوارع، والنجاسةِ بعد الاسْتِجْمَار، ونجاسةِ أسفل الخُفِّ والحذاء بعد دَلْكِهِمَا بالأرض. وقال شيخنا وغيره من الأصحاب (٢): بل رِيْقُ الطفل يطهِّر فمَه

стр. 371

للحاجة، كما كان ريقُ الهرَّة مطهِّرًا لفمها، وقد أخبر النبيّ ﷺ أنّها ليستْ بِنَجَسٍ، مع علمه بأكلها الفأر وغيره. وقد فَهِمَ من ذلك أبو قَتَادَةَ طهارةَ فمِها وريقِها، وكذلك أصْغَى لها الإناءَ حتى شربتْ (١). وأَخبرت عَائِشَةُ ﵂، أنَّ النبيّ ﷺ كان يُصْغِي إلى الهرة ماء حتى تشربَ (٢)، ثم يتوضأُ بفَضْلِها. واحتمالُ ورودها على ماء كثير فوق القُلَّتَيْن في المدينة في غاية البُعْد، حتى ولو كانت بين مياهٍ كثيرة لم يكن هذا الاحتمال مُزيلًا لما عُلم من نجاسة فمِها لولا تطهيرُ الرِّيق له، فالريقُ مطهِّر فمَ الهرة وفمَ الطفل للحاجة، وهو أولى بالتطهير مِنَ

стр. 372

الحَجَرِ في محلِّ الاسْتِجْمَار، ومِنَ التراب لأسفلِ الخُفِّ والحذاءِ والرِّجْل الحافِيَة على أحد القولين في مذهب مالك وأَحْمَد، وأولى بالتَّطهير من الشمس والرِّيح، وأَوْلى بالتَّطهير من الخَلِّ (١) وغيره من المائعات عند من يقول بذلك، وأَوْلى بالتَّطهير من مَسْحِ السَّيفِ والمرآة والسِّكّينِ ونحوها من الأجسام الصَّقِيلة بالخِرْقة (٢) ونحوها، كما كان الصحابة يمسحون سيوفهم، ولا يغسلونها بالماء ويصلُّون فيها، ولو غُسِلت السيوفُ لصَدِئَتْ وذهب نَفْعُها (٣). وقد نظر النبيُّ ﷺ في سَيْفَي ابنَي عَفْراءَ، فاستدلَّ بالأثر الذي فيهما على اشتراكهما في قتل أبي جهل ـ لعنه الله تعالى ـ ولم يأمُرْهُمَا بغَسْلِ سيفَيهِما، وقد عَلِم أنهما يصلِّيان فيهما (٤). والله أعلم.

стр. 373

الباب الثالث عشر في جوازِ حَمْل الأطفالِ في الصَّلاةِ وإنْ لم يُعلم حالُ ثيابهم ثبت في «الصحيحين» عن أبي قَتَادَةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصلّي، وهو حاملٌ أمامةَ بنتَ زينبَ بنتِ رسولِ الله ﷺ ، وهي لأبي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ، فإذا قام حمَلَهَا، وإذا سجدَ وضعَها (١). ولمُسْلِمٍ: حملها على عُنُقِهِ (٢). ولأبي داود: بينما نحن ننتظرُ رسولَ الله ﷺ في الظُّهر أو العصر، وقد دعَاه بلالٌ إلى الصَّلاة (٣)، إذْ خرج إلينا، وأمامةُ بنتُ أبي العَاصِ، بنتُ بنتِه (٤)، على عُنُقِهِ، فقام رسولُ الله ﷺ في مُصَلَّاهُ، وقُمْنا خَلْفَهُ، وهي في مَكانِهَا الذي هي فيه، فكبَّر (٥)، فكبَّرْنَا، حتى إذا أراد رسولُ الله ﷺ

стр. 374

أنْ يركعَ أخذَها فوضَعَها، ثمَّ ركعَ وسجَدَ حتى إذا فرغَ من سُجودِهِ ثمَّ قامَ، أخذَها فردَّها في مكانها، فما زال رسولُ الله ﷺ يصنعُ بها ذلك في كلِّ رَكعةٍ، حتى فرغَ من صلاتِه ﷺ (١). وهذا صريحٌ أنه كان في الفريضة، وفيه ردٌّ على أهل الوَسْوَاسِ، وفيه أنَّ العمل المتفرِّقَ في الصلاة لا يُبْطِلُها إذا كان للحاجة، وفيه الرحمةُ بالأطفال، وفيه تعليمُ التَّواضُعِ ومكارمِ الأخلاقِ، وفيه أنَّ مسَّ الصغيرةِ (٢) لا ينقضُ الوضوءَ (٣).

стр. 375

الباب الرابع عشر في استحبابِ تَقبيلِ الأَطفالِ في «الصحيحين» من حديث أبي هُرَيْرَةَ قال: قبَّل رسولُ الله ﷺ الحَسَنَ بنَ عليٍّ، وعنده الأقرعُ بنُ حابِسٍ التَّمِيمِيُّ جالسٌ، فقال الأقرع: إنَّ لي عَشْرةً من الولد ما قبَّلت أحدًا منهم، فنظر إليه رسولُ الله ﷺ ، فقال: «مَنْ لا يَرْحَم لا يُرْحَم» (١). وفي «الصحيحين» أيضًا: من حديث عائِشَةَ ﵂ قالتْ: قَدِمَ ناسٌ مِنَ الأعرابِ على رسولِ الله ﷺ ، فقالوا: تقبِّلون صبيانَكُمْ؟ فقالوا: نعم، فقالوا: والله لكنَّا ما نقبِّلُ، فقال: «أوَ أمْلِكُ إنْ كان اللهُ نَزَعَ من قُلوبِكُمُ الرَّحمةَ» (٢). وفي «المسند» من حديث أم سلَمَةَ قالتْ: بينما رسولُ الله ﷺ في بيتي يومًا، إذْ قالتِ الخادمُ: إنَّ فاطمةَ وعليًّا ﵄ بالسُّدَّةِ، قالت: فقال لي: «قُومِي فَتَنَحَّي عَن أهْلِ بَيتي»، قالت: فقمتُ فتنحَّيْت

стр. 376

في البيت قريبًا، فدخل عليٌّ وفاطمة، ومعهما الحَسَنُ والحُسَيْن، وهما صَبِيَّان صغيران، فأخذ الصبيَّيْن فوضعهما في حجره فقبَّلهما، واعتنقَ عليًّا بإحدى يديه، وفاطمةَ باليد الأُخرى، فقبَّل فاطمةَ، وقبَّل عليًّا، وأغدفَ عليهما (١) خمَيصَةً سوداءَ، وقال: «اللهمَّ إليكَ لا إلى النَّار، أنا وأهلَ بيتي». قالت: فقلت: وأنا يا رسولَ الله فقال: «وأنتِ» (٢). وفي طريق أخرى نحوه، وقال: «إنَّكِ إلى خَيْرٍ» (٣).

стр. 377

الباب الخامس عشر في وجوبِ تأديبِ الأَولادِ، وتَعليمِهم، والعَدْلِ بَينَهم قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم/ ٦]. قال عليٌّ ﵁: علِّموهم وأدِّبُوهُمْ (١). وقال الحَسَن: مُرُوهُمْ بطاعة الله وعلِّموهم الخير (٢). وفي «المسند» و «سنن أبي داود» من حديث عَمْرو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: قال رسول الله ﷺ : «مُرُوا أبناءَكم بالصَّلاةِ لسبعٍ، واضْرِبُوهُمْ عليها لعَشْرٍ، وفرِّقُوا بينَهم في المضَاجِعِ» (٣). ففي هذا الحديث ثلاثة آداب: أمْرُهم بها، وضَرْبُهم عليها لعشر،

стр. 378

والتَّفريقُ بينهم في المضَاجعِ. وقد روى الحاكم (١) عن أبي النَّضر الفقيه، حدّثنا محمَّد بن محمويه (٢)، حدّثنا أبي، حدّثنا النضر بن محمَّد، عن الثَوْري، عن إبراهيم بن مُهاجر، عن عِكْرِمَة، عن ابن عبَّاس، عن النبيّ ﷺ قال: «افْتَحُوا على صِبْيانِكم أوَّلَ كلمةٍ بلا إله إلا الله، ولَقِّنُوهُمْ عند الموت: لا إله إلا الله» (٣). وفي «تاريخ البُخَاريّ» من رواية بِشْر بن يوسفَ، عن عامرِ بنِ أبي عامرٍ، سمع أيُّوبَ بنَ موسى القرشيّ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيّ ﷺ قال: «ما نَحَلَ والدٌ ولدًا أفضلَ من أدَبٍ حَسَنٍ». قال البُخَاريّ: ولم يصحَّ سماعُ جدِّه من النبيِّ ﷺ (٤).

стр. 379

وفي «معجم الطّبَرانيّ» من حديث سماك عن جابر بن سَمُرَة قال: قال رسول الله ﷺ : «لأَنْ يُؤَدِّبَ أحدُكُم وَلَدَهُ خيرٌ له مِنْ أنْ يتصدَّقَ كلَّ يومٍ بنصفِ صاعٍ عَلَى المسَاكِيْنِ» (١). وذكر البَيْهَقِيُّ من حديث محمَّد بن الفضل بن عطيةَ ـ وهو ضعيف ـ عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عبَّاس قال: قالوا: يا رسولَ الله! قد عَلِمْنَا ما

стр. 380

حقُّ الوَالدِ، فما حقُّ الوَلَدِ؟ قال: «أنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ ويُحْسِنَ أَدَبَهُ» (١). قال سفيان الثَوْريُّ: ينبغي للرجل أن يُكرِه ولدَه على طلبِ الحديثِ؛ فإنَّه مسؤولٌ عنه. وقال: إنَّ هذا الحديث عزٌّ، من أرادَ بهِ الدُّنيا وَجَدَها، ومن أرادَ به الآخرةَ وَجَدَهَا (٢). وقال عبد الله بن عمر: أدِّب ابنَك؛ فإنَّك مسؤولٌ عنه، ماذا أدَّبتَهُ؟ وماذا علَّمتَه؟ وهو مسؤولٌ عن بِرِّكَ وطَوَاعِيَتهِ لكَ (٣). وذكر البَيْهَقِيُّ من حديث مُسْلِم بن إبراهيم، حدّثنا شدَّاد (٤) بن سعيد، عن الجريري، عن أبي سعيد وابن عبَّاس، قالا: قال رسول الله ﷺ : «من وُلِدَ له ولدٌ، فَلْيُحْسِنِ اسْمَهُ وأدَبَه، فإذا بلغ فلْيُزَوِّجْهُ، فإذا بلغ ولم يزوِّجْه فأصاب إثمًا، فإنَّما إثْمُهُ على أبيهِ» (٥).

стр. 381

وقال سعيد بن منصور: حدّثنا حزم، قال: سمعت الحَسَنَ ـ وسأله كثير بنُ زياد عن قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان/ ٧٤]. فقال: يا أبا سعيد: ما هذه القرَّةُ الأعْيُن، أفي الدنيا أم في الآخرة؟ قال: لا، بل والله في الدنيا. قال: وما هي؟ قال: والله أن يُرِيَ اللهُ العبدَ من زوجته، من أخيه، من حَمِيْمِهِ طاعةَ الله، لا والله ما شيءٌ أحبّ إلى المرء المُسْلِم من أن يَرى ولدًا، أو والدًا، أو حميمًا، أو أخًا مطيعًا لله (١). وقد روى البُخَاريُّ في «صحيحه» من حديث نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِهِ، فالأميرُ راعٍ على النَّاس فهوَ راعٍ عليهِم، وهو مسؤولٌ عن رعيَّته، والرجلُ راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤولٌ عنهم، وامرأةُ الرَّجُلِ راعيةٌ على بيتِ بَعْلِهَا

стр. 382

وولدِهِ، وهي مسؤولةٌ عنهم، وعَبْدُ الرَّجُل راعٍ على مالِ سيِّدِهِ، وهو مسؤولٌ عنه، ألَا فكلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِهِ» (١).

стр. 383

فصل ومن حقوقِ الأولادِ العدلُ بينهم في العطاءِ والمنعِ ففي «السنن» و «مسند أَحْمَد» و «صحيح ابن حبان»، من حديث النُّعْمَانِ بنِ بَشِير قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : «اعْدِلُوا بينَ أبنائِكُمْ، اعْدِلُوا بين أبنائِكُم، اعْدِلُوا بينَ أبنائِكُمْ» (١). وفي «صحيح مُسْلِم» أن امرأةَ بشيرٍ قالت له: انْحَل ابنِي غلامًا (٢)، وأشهِدْ لي رسولَ اللهِ ﷺ ، فأتى رسولَ الله ﷺ فقال: إنَّ ابنةَ فلانٍ سألتنِي أن أنحلَ ابنَها غلامًا، قالَ: «له إخوةٌ؟» قال: نعم، قال: «أكُلَّهُمْ أعطيتَ مثلَ ما أعطيتَهُ؟» قال: لا. قال: «فليسَ يَصْلُحُ هذا، وإنَّي لا أَشْهَدُ إلا على حَقٍّ» (٣).

стр. 384

ورواه الإمام أَحمد، وقال فيه: «لا تُشْهِدْنِي على جَوْرٍ، إنَّ لِبَنِيْكَ عليكَ من الحقِّ أن تَعْدلَ بينَهُمْ» (١). وفي «الصحيحين»: عن النُّعْمَانِ بنِ بشيرٍ، أنَّ أباهُ أتى به النبيَّ ﷺ فقال: إني نَحَلْتُ ابني هذا غلامًا كان لي. فقال رسولُ ﷺ : «أكلَّ ولدِك نحلتَ مثلَ هذا؟» فقال: لا. فقال: «أرْجِعْهُ» (٢). وفي رواية لمُسْلِم، فقال: «أَفَعَلْتَ هذا بولدك كلِّهم؟» قال: لا، قال: «اتَّقُوا اللهَ واعْدِلُوا في أَوْلادِكم». قال: فرجع أبي في تلك الصدقة (٣). وفي لفظٍ في «الصَّحيح» (٤): «أشْهِدْ على هذا غَيْري». وهذا أمْرُ تهديدٍ لا إباحةٍ، فإنَّ تلك العطيَّةَ كانت جَوْرًا بنصِّ الحديثِ، ورسولُ الله ﷺ لا يأذَنُ لأحدٍ أن يَشْهَدَ على صِحَّةِ الجَوْر، ومَنْ ذَا الذي كانَ يشهدُ على تلك العطيَّة وقد أبَى رسولُ الله ﷺ أن يَشْهَدَ عليها، وأخبر أنها لا تصلح وأنها جور، وأنها خلاف العدل!

стр. 385

ومن العجب أن يُحْمَلَ قولُه: «اعْدِلُوا بين أَوْلَادِكُمْ» على غير الوجوب، وهو أمر مطلَقٌ مؤكَّد ثلاث مرات، وقد أخبر الآمِرُ به أنَّ خلافَه جَوْرٌ، وأنه لا يَصْلُحُ، وأنه ليس بحقٍّ، وما بعدَ الحقِّ إلا الباطلُ! هذا والعدل واجبٌ على كلِّ حالٍ، فلو كان الأَمْرُ بهِ مطلقًا لَوَجَبَ حَمْلُه على الوجوب، فكيف وقد اقْتَرنَ به عشَرةُ أشياءَ تؤكِّدُ وُجُوبَه، فتأمَّلْها في ألفاظ القصَّة (١)! وقد ذكر البَيْهَقِيُّ من حديث أبي أَحْمَد بن عَدِيّ، حدّثنا القاسمُ بنُ مَهْدِيّ، حدّثنا يَعقوب بنُ كاسبٍ، حدّثنا عبد الله بنُ مُعَاذ، عن مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ، عن أنسٍ: أن رجلًا كان جالسًا مع النبيِّ ﷺ فجاء بُنَيٌّ له، فقبَّله، وأجْلَسَهُ في حِجْرِهِ، ثم جاءت بُنَيَّةٌ، فأخَذَهَا، فأَجْلسَهَا إلى جَنْبِه، فقال النبيُّ ﷺ : «فما عَدَلْتَ بينَهُما» (٢). وكان السَّلَفُ يستحبُّون أن يعدلُوا بين الأولاد في القُبْلةِ. وقال بعض أهلِ العِلْمِ: إنَّ الله سبحانه يسألُ الوالدَ عن وَلَدِهِ يومَ القيامةِ قبلَ أنْ يسألَ الولدَ عن وَالِدِهِ، فإنَّه كما أنَّ للأبِ على ابْنِه حقًّا، فللابنِ على أبيهِ حقٌّ؛ فكما قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت/ ٨]. قال تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾

стр. 386

[التحريم/ ٦]. قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ: علِّمُوهُمْ وأدِّبُوهُمْ (١). وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء/ ٣٦]. وقال النبيّ ﷺ : «اعْدِلُوا بين أَوْلَادِكُمْ» (٢)، فوصيَّةُ الله للآباءِ بأَوْلَادِهِمْ سَابِقةٌ على وصيَّة الأولادِ بآبَائِهِمْ. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء/ ٣١]. فمَنْ أهملَ تعليمَ ولدِه ما ينفعُهُ، وتركَه سُدًى، فقد أساءَ إليه غايةَ الإساءةِ. وأكثرُ الأولادِ إنَّما جاء فَسَادُهُمْ مِنْ قِبَلِ الآباءِ وإهمالهِم لهم، وتَرْكِ تَعْليمِهم فرائضَ الدِّين وسُنَنِهُ، فأضاعُوهُمْ صغارًا، فلم يَنْتَفِعُوا بأنْفُسِهِمْ، ولم يَنْفَعُوا آباءَهُمْ كِبَارًا، كما عاتبَ بعضُهُم وَلَدَهُ على العُقُوقِ، فقال: يا أبَتِ إنَّك عَقَقْتَنِي صغيرًا، فعقَقْتُك كبيرًا، وأضَعْتَنِي وليدًا، فأضعتُك شيخًا كبيرًا!

стр. 387

الباب السَّادس عشر في فُصولٍ نافعَةٍ في تربيةِ الأطفالِ تُحْمَدُ عَواقبُها عند الكِبَر فصل يَنْبَغِي أنْ يكونَ رضاعُ المولودِ مِن غير أمِّه بعد وضْعِه يومينِ أو ثلاثةً، وهو الأجْوَدُ، لِما في لَبَنِهَا ذلكَ الوقتِ من الغِلظ والأخْلاطِ، بخلافِ لَبَنِ مَنْ قد استقلَّت (١) على الرّضاع. وكلُّ (٢) العرب تعتني بذلك حتى تَسْتَرضِعَ أولادَها عند نساءِ البَوَادِي، كما اسْتُرْضِعَ النبيُّ ﷺ في بَني سَعْدٍ (٣). فصل وينبغي أن يُمنع مِنْ حَمْلِهِم، والطوافِ بهم حتى يأتيَ (٤) عليهم ثلاثةُ أشهرٍ فصاعدًا؛ لقُرْب عَهْدِهِمْ ببطونِ الأمَّهاتِ، وضَعْفِ أبْدَانِهِمْ.

стр. 388

فصل وينبغي أن يُقتصرَ بهم على اللَّبَنِ وحدَه إلى نباتِ أَسنانِهم؛ لضَعْفِ مَعِدَتِهم وقوَّتِهِمْ الهَاضِمَةِ عن الطعامِ، فإذا نبتتْ أسنانُه قَوِيَت معدته، وتغذَّى بالطعام، فإنَّ اللهَ ـ سبحانه ـ أخَّر إنباتَها إلى وقتِ حاجتِه إلى الطعامِ لحِكْمَتِه ولُطْفهِ، ورحمةً منه بالأُمِّ وحَلَمَةِ ثَدْيِها، فلا يعضُّه الولدُ بأَسْنَانِهِ. فصل وينبغي تَدْرِيْجُهم في الغذاءِ، فأوَّل ما يُطْعِمُونَهُمْ: الغذاء الليِّن، فيطعمونهم الخبزَ المنقوعَ في الماء الحار، واللبن الحليب، ثم بعد ذلك الطبيخ، والأمراق الخالية من اللحم، ثم بعد ذلك ما لَطُف جدًّا من اللحم بعد إحكام مضغه، أو رضّه رضًّا ناعمًا. فصل فإذا قَرُبوا من وقت التكلُّم، وأُريد تسهيل الكلام عليهم، فَلْتُدْلَكْ ألسنتُهم بالعسل والملح الأَنْدَرَانِيّ (١) لما فيهما من الجلاء للرُّطوبات الثقيلة المانعة من الكلام. فإذا كان وقتُ نُطْقِهم فلْيُلَقَّنُوا: «لا إله إلا الله محمَّد رسول الله»، ولْيَكُن أوَّل ما يقرع مسامعهم معرفة الله سبحانه، وتوحيده، وأنه سبحانه فوق عرشه ينظر إليهم، ويسمع كلامهم، وهو معهم أينما كانوا.

стр. 389

وكان بنو إسرائيل كثيرًا ما يسمُّون أولادهم بـ «عمانويل» ومعنى هذه الكلمة: إلهنا معنا (١)، ولهذا كان أحبُّ الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرَّحمن، بحيث إذا وَعَى الطفلُ وعَقَلَ، عَلِم أنه: عبد الله، وأنّ الله هو سيّده ومولاه. فصل فإذا حضر وقت نبات الأسنان، فينبغي أن تُدلَك لِثَاهُمْ (٢) كلَّ يوم بالزُّبْد والسَّمْن، ويُمرَّخَ خَرَزُ العنق تمريخًا كثيرًا، ويُحْذَر عليهم كلَّ الحذر ـ وقت نباتها إلى حين تكاملها وقوَّتها ـ من الأشياء الصُّلبة، ويُمنعون منها كلَّ المنع، لما في التَّمكين منها من تعريض الأسنان لفسادها وتعويجها وخللها. فصل ولا ينبغي أن يَشُقَّ على الأبوين بكاءُ الطفل وصُراخُه، ولاسيَّما لشربه اللبن إذا جاع، فإنه ينتفع بذلك البكاء انتفاعًا عظيمًا، فإنه يروِّض أعضاءه ويوسِّع أمعاءه، ويفسح صدره، ويسخِّن دماغه، ويحمي مزاجه، ويثير حرارته الغريزية، ويحرِّك الطبيعة لدفع ما فيها من الفضول، ويدفع فضلات الدماغ من المخاط وغيره (٣).

стр. 390

فصل وينبغي أن لا يُهمل أمر قِمَاطِه ورباطه، ولو شقَّ عليه، إلى أن (١) يصلب بدنه، وتقوى أعضاؤه، ويجلس على الأرض، فحينئذ يُمَرَّن، ويدرَّب على الحركة والقيام قليلًا قليلًا إلى أن يصير له مَلَكَةٌ وقوَّة يفعل ذلك بنفسه. فصل وينبغي أن يُوقَّى الطفل كلَّ أمر يُفزعه؛ من الأصوات الشديدة الشنيعة، والمناظر الفظيعة، والحركات المزعجة، فإنَّ ذلك ربما أدَّى إلى فساد قوته العاقلة لضعفها، فلا ينتفع بها بعد كِبَرِه، فإذا عرض له عارض من ذلك، فينبغي المبادرة إلى تلافيه بضدِّه، وإيناسه بما ينسيه إيَّاه، وأن يُلقم ثديه في الحال، ويسارع إلى رضاعه ليزول عنه ذلك المزعج له، ولا يرتسم في قوته الحافظة (٢)، فيعسر زواله، ويستعمل تمهيده بالحركة اللطيفة إلى أن ينام، فينسى ذلك، ولا يهمل هذا الأمر، فإن في إهماله إسكان الفزع والروع في قلبه، فينشأ على ذلك، ويعسر زواله ويتعذَّر. فصل ويتغير حال المولود عند نبات أسنانه، ويهيج به القيء (٣)،
следующие страницы →