← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 229

تحفة المودود بأحكام المولود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (505 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقال لي أحمدُ بنُ حنبل: كان الحَسَنُ يكرهُ أن يختنَ الرجلُ ابنَهُ لسبعةِ أيامٍ، فقلت: من ذكره عن الحَسَن؟ قال: بعضُ البَصْرِيِّينَ. وقال لي أَحْمَد: بلغني أنَّ سُفيانَ الثَوْريَّ، سأل سفيانَ بنَ عُيَيْنَة: في كم يُختَنُ الصبيُّ؟ فقال سفيان: لو قلتُ له: في كم خَتَنَ ابنُ عُمَرَ بَنِيه؟ فقال لي أَحمد: ما كان أَكْيَسَ سفيانَ بنَ عُيَينَة، يعني حين قال: لو قلت له: في كم ختن ابنُ عمرَ بَنِيه؟ أخبرني عصمة بن عصام، حدّثنا حَنْبَل، أن أبا عبد الله قال: وإن ختن يوم السَّابع فلا بأس، وإنما كرهه الحَسَنُ كيلا يتشبَّه باليهود، وليس في هذا شيء (١). أخبرني محمَّد بن علي، حدّثنا صالح أنه قال لأبيه: يُختَنُ الصبيُّ لسبعةِ أيامٍ؟ قال: يُرْوَى عن الحَسَنِ أنه قال: فعل اليهود (٢). قال: وسُئل وَهْبُ بنُ مُنَبِّه عن ذلك؟ فقال: إنما يُستحبُّ ذلك في اليومِ السَّابعِ لخفَّتِه على الصِّبْيَانِ، فإنَّ المولودَ يُولَدُ وهو خَدِرُ الجَسَدِ كلِّه، لا يَجِدُ أَلَمَ ما أصَابَه سبعًا، وإذا لم يختتنْ لذلك، فَدَعُوهُ حتى يَقْوَى. وقال ابن المُنْذِر (٣): «ذكر (٤) وقت الختان»:

стр. 317

«وقد اختَلفُوا في وقتِ الخِتَانِ: فكرهتْ طائفةٌ أن يُخْتَنَ الصبيُّ يومَ سابعِه، كَرِهَ ذلك: الحَسَنُ البَصريُّ، ومالكُ بنُ أنسٍ، خلافًا (١) على اليهود. وقال الثَوْري: هو خطر. قال مالك: والصوابُ في خلاف اليهود. قال: وعامَّة ما رأيت الختان ببلدنا إذا أَثْغَرَ (٢). وقال أَحْمَدُ بنُ حَنْبَل: لم أسمعْ في ذلك شيئًا. وقال الليثُ بنُ سعدٍ: الختانُ للغلامِ ما بينَ السَّبع سنينَ إلى العشرةِ. قال: وقد حُكِيَ عن مَكْحُولٍ أو غيره أنَّ إبراهيمَ خليلَ الرَّحمنِ ختن ابنَه إسْحَاق لسبعة أيام، وختن ابنه إسماعيل لثلاثَ عشرةَ سنة، ورُوِيَ عن أبي جعفر: أنَّ فاطمةَ كانت تختِنُ ولدَها يومَ السَّابعِ» (٣). قال ابن المُنْذِرِ: «وليس في هذا الباب شيءٌ يثبت، وليس لوقت (٤) الختان خبرٌ يُرْجَعُ إليه ولا سنَّةٌ تستعمل، فالأشياء على الإباحة، ولا

стр. 318

يجوز حَظْرُ شيءٍ منها إلا بحجَّةٍ، ولا نَعْلمُ مع مَن مَنَعَ أن يُختنَ الصبيُّ لسبعة أيامٍ حُجَّةٌ» (١). وفي «سنن البيهقيّ» من حديث زهير بن محمَّد، عن محمَّدِ بنِ المُنْكَدِر (٢)، عن جابرٍ قال: عقَّ رسولُ الله ﷺ عن الحَسَنِ والحُسَيْنِ، وختَنهما لسبعةِ أيَّام (٣). وفيها من حديث موسى بن عُلَيّ (٤) بن رَباح، عن أبيه، أنَّ إبراهيمَ خَتَنَ إسْحَاقَ وهو ابنُ سبعةِ أيامٍ (٥). قال شيخنا (٦): ختنَ إبراهيمُ إسْحَاقَ لسبعة أيام، وختن إسماعيلَ عند بلوغه، فصار ختانُ إسْحَاق سُنّةً في بَنيْهِ، وختانُ إسماعيلَ سُنةً في بنيهِ، والله أعلم.

стр. 319

الفصل السَّابع في بيان حِكْمةِ الختان وفوائدهِ الختانُ من مَحاسِنِ الشَّرائعِ التي شَرَعَها اللهُ ـ سبحانه ـ لعِبَادِه، ويجمِّل بها محاسِنَهُم الظَّاهِرَةَ والبَاطِنَةَ، فهو مكمِّلٌ للفطرةِ التي فَطَرَهُمْ عليها، ولهذا كانَ من تمامِ الحنيفيَّة ملةِ إبراهيمَ. وأصلُ مشروعيَّةِ الختانِ لتكميل الحنيفيَّة، فإنَّ الله لما عَاهدَ إبراهيم وَعَدَهُ أن يجعله للناسِ إمامًا، ووَعَدَهُ أن يكونَ أبًا لشعوبٍ كثيرةٍ، وأن يكونَ الأنبياءُ والملُوكُ من صُلْبِهِ، وأن يَكْثُرَ نَسْلُه، وأخبرَهُ أنّه جاعلٌ بَيْنه وبينَ نَسْلِه علامةَ العَهْدِ أنْ يَخْتِنُوا كلَّ مَولُودٍ منهم، ويكون عهدي هذا ميسمًا في أجْسَادِهِمْ، فالختانُ عَلَمٌ للدُّخولِ في ملَّة إبراهيمَ. وهذا موافقٌ لتأويل مَنْ تأوَّلَ قولَه تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة/ ١٣٨] على الختان (١). فالختان للحنفاء بمنزلة الصبغ والتعميد لعُبَّاد الصَّليب، فهم يطهِّرونَ

стр. 320

أَوْلادَهم ـ بزعمهم ـ حين يَصْبُغُونَهُم (١) في المعموديَّة (٢)، ويقولون: الآنَ صارَ نَصْرَانِيًّا، فشرع الله سبحانه للحنفاء صبغة الحنيفية، وجَعلَ مِيْسَمَهَا الختانَ فقال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة/ ١٣٨] (٣). وقد جعل الله سبحانه السِّماتِ علامةً لمن يضافُ منها إليه المُعْلَمُ بها، ولهذا الناس يَسِمُون دوابَّهم ومواشِيَهُمْ بأنواع السِّماتِ، حتى يكون ما يضافُ منها إلى كلِّ إنسانٍ معروفًا بِسِمَتِهِ، ثم قد تكونُ هذه السمةُ مُتَوارَثةً في أمَّةٍ بعد أمَّةٍ. فجعل الله سبحانه الختان عَلَمًا لمن يُضَافُ إليه وإلى دِيْنِه ومِلَّتِهِ، ويُنْسَبُ إليه بنسبةِ العُبُودِيَّةِ والحَنيفيَّةِ، حتى إذا جُهِلَتْ حالُ إنسانٍ في دِيْنِه عُرِف بِسِمَةِ الختانِ ورَنْكهِ (٤)، وكانت العرب تُدْعَى بأُمَّة الختانِ،

стр. 321

ولهذا جاء في حديثِ هِرَقْل: إني أجد ملك الختان قد ظهَرَ، فقال له أصحابه: لا يهمنَّك هذا، فإنما تختتن اليهود فاقتُلْهُم، فبينما هم على ذلك، وإذا برسولِ رسولِ الله ﷺ قد جاء بكتابِه، فأَمرَ به أن يُكْشَف ويُنْظَرَ هل هو مختون؟ فوُجِدَ مختونًا. فلما أخبره أن العرب تختتن، قال: هذا مَلِكُ هذه الأمَّة (١). ولما كانت وقعة أَجْنَادِينَ بين المُسْلِمين والرُّوم، جعل هشامُ بنُ العَاصِ يقول: يا معشر المُسْلِمين إنَّ هؤلاء القُّلْفَ لا صَبْرَ لهم على السَّيف. فذكَّرَهُمْ بِشِعَارِ عُبَّادِ الصَّلِيْبِ ورَنْكِهِمْ، وجَعَلَه مما يُوجِبُ إقدامَ الحُنَفَاءِ عليهم وتَطْهيرَ الأرضِ منهم. والمقصود أنَّ صبغة الله هي الحنيفية التي صبغتِ القلوبَ بمعرفتِه ومحبَّتهِ، والإخلاصِ له، وعبادتِهِ وحدَه لا شريكَ لهُ، وصَبغتِ الأبدانَ بِخِصَالِ الفِطْرةِ من الختانِ، والاسْتِحْدَادِ، وقَصِّ الشَّاربِ، وتقليمِ الأظفارِ، ونَتْفِ الإبْطِ، والمضْمَضَةِ، والاسْتِنْشَاقِ، والسِّواكِ، والاستنجاءِ، فظهرتْ فطرةُ الله على قلوبِ الحُنَفَاءِ وأَبْدَانِهم. قال محمَّدُ بنُ جَرِيرٍ (٢) في قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾: يعني

стр. 322

بالصبغةِ صبغةَ الإسلامِ، وذلك أنَّ النَّصارى إذا أرادتْ أن تُنَصِّرَ أَطْفَالهَا (١) جعلتْهم في ماءٍ لهم (٢)، تَزْعُمُ أنَّ ذلك لها تقديسٌ (٣) بمنزلة الختانة (٤) لأهل الإسلام، وأنّه صبغةٌ لهم في النَّصرانية (٥)، فقال الله جل ثناؤه لنبيه ﷺ ـ لما قال اليهود والنصارى: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة/١٣٥ ـ ١٣٨]. قال قَتَادَةُ: إنَّ اليهود تصبغ أبناءَها يهودًا، والنَّصارَى تصبغُ أبناءَها نَصارَى، وإنَّ صبغةَ اللهِ الإسلامُ، فلا صبغةَ أحسن من الإسلام ولا أَطْهَر. وقال مجاهد: صبغة الله: فطرة الله (٦).

стр. 323

وقال غيره: دين الله (١). هذا معَ ما في الختانِ من الطَّهارةِ والنَّظافةِ والتَّزْيِينِ، وتَحْسِيْنِ الخِلْقَةِ، وتَعْدِيلِ الشَّهْوَةِ التي إذا أَفْرَطَتْ أَلْحقَتِ الإنسَانَ بالحيوانَاتِ، وإنْ عَدِمَتْ بالكليَّة أَلْحَقَتْهُ بالجمَاداتِ، فالختانُ يعدلها، ولهذا تجدُ الأقْلَفَ من الرِّجال، والقَلْفَاءَ من النساءِ، لا يشبعُ من الجِماعِ. ولهذا يُذَمُّ الرجلُ ويُشْتَم ويُعَيَّرُ بأنه ابنُ القَلْفَاءِ ـ إشارة إلى غُلْمَتِهَا ـ وأيُّ زينةٍ أحسن من أخْذِ ما طَالَ وجَاوَزَ الحدَّ من جلدةِ القُلْفَة، وشعرِ العَانَة، وشعر الإبط، وشعر الشَّارب، وما طال من الظفر. فإنَّ الشيطان يختبئ تحت ذلك كلِّه ويألفُه ويقطنُ فيه، حتى إنه ينفخ في إحْلِيْل الأقْلفِ وفَرْجِ القَلْفَاءِ ما لا يَنْفخُ في المختونِ، ويختبئُ في شَعر العَانَةِ، وتحت الأظفارِ. فالغُرْلَةُ أقبحُ في موضعها من الظُّفر الطويل والشاربِ الطويل والعانةِ الفاحشةِ الطُّولِ. ولا يخفى على ذي الحسِّ السليمِ قُبْحُ الغُرْلَةِ، وما في إزالتِهَا من التحسينِ والتنظيفِ والتزيين، ولهذا لمَّا ابتلى اللهُ خليلَه إبراهيمَ بإزالة هذه الأمورِ فأتمَّهنَّ، جعله إمامًا للناسِ. هذا مع ما فيه من بَهاءِ الوَجهِ وضِيائِه، وفي تَرْكِهِ من الكَسْفَةِ التي تُرَى عليهِ. وقد ذكر حَرْبٌ في «مسائله»: عن ميمونة زوج النبيّ ﷺ أنها قالت للخاتنة: إذا خفضت فأشمِّي ولا تَنْهِكي، فإنَّه أسْرَى للوجهِ، وأَحْظَى لها

стр. 324

عند زوجها (١). وروى أبو داود عن أمِّ عطيَّةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ أمر خَتَّانةً تَختِنُ فقال: «إذا ختنتِ فلا تَنْهَكِي، فإنَّ ذلك أَحْظَى للمرأةِ وأحبُّ للبَعْلِ» (٢). ومعنى هذا أن الخافضةَ إذا استَأصلتْ جِلْدةَ الختانِ ضَعُفَتْ شهوةُ المرأةِ، فقلَّت حظْوَتُها عند زوجها، كما أنها إذا تركتْها كما هي لم تأخذْ

стр. 325

منها شيئًا ازدادتْ غُلْمَتُهَا، فإذا أخذتْ منها وأبقتْ، كان في ذلك تعديلًا للخِلقة والشَّهوة. هذا مع أنَّه لا يُنْكَر أن يكونَ قَطْعُ هذه الجلدةِ عَلمًا على العبوديَّة، فإنك تجد قطْعَ طرفِ الأُذُنِ وكيَّ الجبهةِ ونحو ذلك في كثيرٍ من الرَّقيق علامةً لرِقِّهِم وعبودِيَّتِهِم، حتى إذا أبَقَ رُدَّ إلى مالكه بتلك العلامة، فما يُنكر أن يكونَ قطْع هذا الطرف عَلَمًا على عبوديةِ صاحبِه لله ـ سبحانه ـ حتى يَعرفَ الناسُ أنَّ من كان كذلك فهو من عبيدِ الله الحنفاءِ، فيكون الختانُ عَلَمًا لهذه السنَّة التي لا أشرفَ منها، مع ما فيه من الطهارة والنظافة والزينة وتعديل الشهوة! وقد ذُكِرَ في حكمةِ خَفْضِ النِّساء: أنَّ سارةَ لما وهبتْ هاجَرَ لإبراهيمَ أصابَها، فحملتْ منه، فغارتْ سارةُ، فحلفت لتقطعنَّ منها ثلاثةَ أعضاء، فخاف إبراهيمُ أنْ تَجْدَعَ أنْفَهَا وتقطعَ أُذُنَيْهَا، فأمرَها بِثَقْبِ أذنيها وختانها، وصار ذلك سُنَّة في النساء بَعْدُ (١). ولا يُنكر هذا، كما كان مبدأُ السَّعي، سعيَ هاجرَ بينَ جَبَلَيْنِ، تَبْتَغِي لابنها القُوتَ، وكما كان مبدأُ رَمْي الجِمَارِ حَصْبَ إسماعيلَ للشيطانِ لمَّا ذهب مع أبيه، فَشَرعَ اللهُ ـ سبحانه ـ لعبادِه تذكرةً وإحياءً لسنَّة خليله، وإقامةً لذِكْرِه، وإعظامًا لعُبوديَّته، والله أعلم.

стр. 326

الفصل الثامن في بيانِ القَدْرِ الَّذِي يُؤخَذُ في الخِتانِ قال أبو البركات في كتابه «الغاية» (١): ويُؤخذُ في ختانِ الرَّجلِ جلدةُ الحَشَفَةِ، وإن اقتصر على أخْذِ أكثرِها جازَ، ويُستحبُّ لخافِضَةِ الجَارِيَة أن لا تَحِيْفَ. نَصَّ عليه. وحُكِيَ عن عُمرَ أنه قال للخَاتِنةِ: أبْقِي منه شيئًا إذا خَفَضْتِ. وقال الخَلّال في «جامعه»: «ذكر ما يقطع في الختان»: أخبرني محمَّد بن الحُسَين، أنَّ الفضل بنَ زياد حدَّثهم، قال سُئل أَحْمَدُ: كم يقطعُ في الخِتَانةِ؟ قال: حتى تَبْدُوَ الحَشَفَةُ. وأخبرني عبد الملك الميموني قال: قلت: يا أبا عبد الله! مسألة سُئِلتُ عنها: ختَّان ختنَ صبيًا فلم يستقصِ؟ فقال: إذا كان الختانُ قد جازَ نصفَ الحشفة إلى فوق فلا يعتدُّ به؛ لأنَّ الحشفةَ تغلظُ، وكلما غلظتْ هي ارتفعتِ الختانةُ.

стр. 327

ثم قال لي: إذا كانتْ دون النّصفِ أخافُ. قلت له: فإنَّ الإعادةَ عليه شديدةٌ جدًّا، ولعلَّه قد يخافُ عليه الإعادةَ. قال لي: إيشٍ يخافُ عليه (١)، ورأيت سهولةَ الإعادةِ إذا كانت الختانةُ في أقلَّ من نصفِ الحَشَفَةِ إلى أسْفل. وسمعته يقول: هذا شيءٌ لا بدَّ أن تتيسَّر فيه الختانةُ. وقال ابنُ الصبَّاغ في «الشَّامل» (٢): الواجبُ على الرَّجُلِ أن يَقْطَعَ الجِلْدةَ التي على الحَشَفَةِ حتى تنكشفَ جميعُها، وأمَّا المرأةُ فلها عُذْرَتَانِ: إحداهُما: بَكَارَتُها. والأخرى: هي التي يجبُ قطْعُهَا، وهي كعُرْفِ الدِّيكِ في أعْلى الفَرْجِ بين الشُفْرَيْنِ، وإذا قُطعتْ يبقى أصلُها كالنَّواة (٣). وقال الجُوَينِيُّ في «نهايته» (٤): «المستَحَقُّ في الرِّجالِ قَطْعُ القُلْفَةِ، وهي الجلدةُ التي تغشى الحَشَفَةَ، والغَرَضُ أن تَبْرزَ، ولو فرض مقدارٌ

стр. 328

منه على الكَمَرَةِ لا ينبسطُ على سطحِ الحَشَفَةِ، فيجب قَطْعُهُ حتى لا تبقَى الجلدةُ متدلِّيةً» (١). وقال ابنُ كَجّ: «عندي يكفي قَطْعُ شيءٍ من القُلْفَةِ وإنْ قلَّ، بِشَرْطِ أنْ يَسْتَوعبَ القطعُ تدويرَ رأسِهَا» (٢). وقال الجُوينيُّ (٣): «المقدار المُسْتَحَقُّ في النساء ما ينطلقُ عليه الاسمُ». قال: «وفي الحديث ما يدلُّ على الأمر بالإقْلالِ، قال ﷺ لخاتنة: «أشمِّي ولا تَنْهَكِي» أي اتْرُكِي الموضعَ أشمَّ. والأشمُّ: المرتفع». وقال الماوَرْدِيُّ: والسنَّةُ أن يستوعبَ القُلْفةَ التي تَغْشَى الحَشَفَةَ بالقَطْعِ مِن أصْلِهَا، وأقلُّ ما يجزئُ فيه أن لا يَتَغَشَّى بها شيءٌ من الحشَفَةِ، وأما خفضُ المرأةِ: فهو قطْعُ جلدةٍ في الفَرْجِ فوق مدخلِ الذَّكَرِ ومَخْرَجِ البَوْلِ على أصلٍ كالنَّواةِ، ويُؤخذ منه الجلدةُ المستعلِيةُ دونَ أصْلِهَا (٤). وقد بان بهذا أنَّ القطعَ في الخِتَانِ ثلاثةُ أقسامٍ: سنةٌ، وواجبٌ، وغيرُ مجزئٍ ـ على ما تقدم ـ والله أعلم.

стр. 329

الفصل التاسع في أنَّ حُكمه يَعُمُّ الذَّكر والأنثى قال صالحُ بنُ أَحمدَ: إذا جامع الرجلُ امرأتهُ ولم يُنزِل، قال: إذا التقَى الخِتَانانِ وجب الغُسْلُ. قال أَحْمَد: وفي هذا أنَّ النساء كُنَّ يَخْتَتِنَّ. وسُئِلَ عن الرَّجُل تُدْخَلُ عليه امرأتُهُ فلم يَجِدْهَا مختونةً أيجبُ عليها الختانُ؟ قال: الختانُ سنَّةٌ (١). قال الخَلّالُ: وأخْبرَني أبو بكر المروذيُّ، وعبدُ الكريمِ بن الهيثَم، ويوسفُ بنُ موسى ــ دخل كلامُ بعضِهم في بعضٍ ــ أنَّ أبا عبدِ الله سُئل عن المرأة تُدخَلُ على زوجها ولم تختتنْ: أيجبُ عليها الختانُ؟ فسكتَ والتفتَ إلى أبي حفْصٍ فقال: تعرفُ في هذا شيئًا؟ قال: لا. فقيل له: إنَّها أتَى عليها ثلاثونَ أو أربعونَ سنةً، فسكتَ. فقيل له: فإنْ قَدرتْ على أن تختتنَ؟ قال: يَحْسُنُ (٢). قال: وأخبرني محمَّد بنُ يحيى الكحَّالُ، قال: سألتُ أبا عبدِ الله عن المرأة تختتن؟ فقال: قد خرَّجتُ فيه أشياءَ. ثم قال: فنظرتُ فإذا خبرُ

стр. 330

النبيِّ ﷺ حين يَلتَقِي الخِتَانَانِ، ولا يكونُ واحدًا إنما هو اثْنَانِ، قلتُ لأبي عبدِ الله: فلا بدَّ منه؟ قال: الرجل أشدُّ، وذلك أنَّ الرجل إذا لم يختَتِنْ، فتلك الجلدةُ مُدلَّاة على الكَمَرَةِ، فلا يَنْقَى ما ثَمَّ، والنِّسَاءُ أهْوَنُ (١). قلت: لا خلافَ في استحبابِه للأُنثَى، واخْتُلِفَ في وُجُوبِه (٢)، وعن أَحْمَدَ في ذلك روايتان، إحداهما: يجبُ على الرِّجالِ والنساءِ، والثانية: يختصُّ وجوبُه بالذُّكورِ. وحجَّةُ هذه الرواية حديثُ شدَّادِ بنِ أَوْسٍ: «الختانُ سنَّةٌ للرِّجال، مَكْرُمَةٌ للنِّساءِ» ففرَّقَ فيه بين الذُّكورِ والإناثِ. ويحتجُّ لهذا القول بأنَّ الأمرَ به إنَّما جاء للرِّجال، كما أمرَ اللهُ ــ سبحانه ــ به خَلِيْلَهُ ــ ﵇ ــ، ففَعلَهُ امتثالًا لأمْرِهِ. وأما ختانُ المرأةِ، فكان سبَبُه يمين سارةَ كما تقدم. قال الإمام أَحمد: لا تحيفُ خافضةُ المرأةِ، لأنَّ عُمر قال لختَّانةٍ: أبْقِي منه شيئًا إذا خفضتِ (٣). وذكر الإمامُ أَحمد عن أمِّ عطيّةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ أمَرَ ختَّانةً تختِنُ

стр. 331

فقال: «إذا ختنتِ فلا تنهِكي، فإنَّ ذلك أحظى للمرأة، وأحبُّ للبَعْلِ» (١). والحكمةُ التي ذَكَرْنَاهَا في الخِتَانِ، تَعُمُّ الذَّكَرَ والأُنْثَى، وإنْ كانتْ في الذَّكَرِ أَبْيَنَ، واللهُ أعْلَمُ.

стр. 332

الفصل العاشر في حُكم جنايةِ الخاتِن وسِرَايةِ الختان قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة/ ٩١]. وفي «السُّنَنِ» من حديث عَمْرو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ أنه قال (١): «مَنْ تطبَّبَ ولم يُعْلَمْ منه طِبٌّ فهو ضَامِنٌ» (٢). أمَّا جنايةُ يَدِ الخاتنِ، فمضمونةٌ عليه، أو على عاقِلَته كجنايةِ غيره، فإنْ زادتْ على ثلُثِ الدِّيةِ كانت على العَاقِلة، وإن نقصتْ عن الثُّلُث فهي في مالِهِ (٣).

стр. 333

وأمَّا ما تلف بالسِّرَايَةِ، فإنْ لم يكنْ مِن أهلِ العِلْمِ بِصِناعَتِه، ولم يُعْرفْ بالحِذْقِ فيها، فإنَّه يضمنُها، لأنها سِرَايةُ جرحٍ لم يجزْ له الإقدامُ عليه، فهي كسرايةِ الجِنَايةِ. وقد اتَّفقَ النّاسُ على أنَّ سِرَايَةَ الجنايةِ مَضْمُونةٌ. واختلفوا فيما عَداها؛ فقال أَحمد ومالكٌ: لا يضمنُ سرايةَ مأذونٍ فيه، حَدًّا كان أو تأديبًا، مقدّرًا كان أو غير مقدَّر؛ لأنها سرايةُ مأذونٍ فيه فلم يَضْمَنْ كسراية استيفاء منفعة النكاح، وإزالة البكارة، وسراية الفَصْدِ والحجامة، والختان، وبَطِّ الدّمَّل، وقطع السِّلْعَة المأذون فيه لحاذق لم يتعدَّ (١). وقال الشّافعيّ: لا يضمنُ سرايةَ المقدَّر (٢) حدًّا كانَ أو قِصَاصًا،

стр. 334

ويضمنُ سرايةَ غير المقدَّر كالتَّعْزيرِ والتَّأدِيبِ، لأنَّ التَّلَفَ بهِ دليلٌ على التَّجَاوُزِ والعُدوانِ (١). وقال أبوحنيفةَ: لا يَضْمَنُ سِرَايَةَ الواجبِ خاصّةً، ويضمنُ سِرايةَ المقَدَّرِ (٢)، لأنَّه إنما أُبِيحَ لَهُ الاسْتِيفَاءُ بشرط السلامة (٣). والسنَّةُ الصحيحةُ تخالف هذا القول. وإن كان الخاتنُ عارفًا بالصِّناعَةِ، وختَنَ المولودَ في الزَّمنِ الذي يختتنُ في مِثْلِهِ، وأعْطَى الصِّناعَةَ حقَّهَا، لم يَضْمَنْ سِرَايَةَ الجَرْحِ اتفاقًا، كما لو مَرِضَ المختونُ من ذلك وماتَ، فإنْ أذِنَ له أن يختِنَهُ في زَمَنِ حرٍّ مُفْرِط أو بَرْدٍ مُفْرِطٍ، أو حالِ ضعفٍ يُخَاف عليه منه، فإنْ كان بالغًا عاقلًا لم يضمَنْه، لأنه أَسقطَ حقَّه بالإذْنِ فيه، وإنْ كانَ صغيرًا ضَمِنَه، لأنه لا يُعْتبرُ إذنُهُ شرعًا، وإن أَذِن فيه وليُّه، فهو موضعُ نظرٍ، هل يجب الضمانُ على الوليِّ أو على الخاتنِ؟

стр. 335

ولا رَيْبَ أنَّ الوليَّ مُتَسَبِّبٌ (١)، والخاتنَ مباشِرٌ، فالقاعدةُ تقتضِي تضمينَ المباشِرِ (٢)؛ لأنَّه يمكنُ الإحالةُ عليه، بِخلافِ ما إذا تعذَّر تَضْمِينُه. فهذا تفصيلُ القولِ في جناية الخاتن وسراية خِتَانهِ، والله أعلم.

стр. 336

الفصل الحادي عشر في أَحكامِ الأقْلَفِ في طهارتهِ، وصلاتهِ، وذبِيحتهِ، وشَهادتهِ، وغير ذلك قال الخَلّال: أخبرني محمَّدُ بنُ إسماعيلَ، حدّثنا وَكِيعٌ، عن سَالمٍ أبي العَلاءِ المُرَاديّ، عن عَمْرو بنِ هَرم، عن جابرِ بنِ زيد، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: الأقْلَفُ لا تُقْبَل له صلاةٌ، ولا تُؤكَلُ ذبيحتُهُ (١). قال وَكِيْعٌ: الأقْلَف إذا بلغَ فلم يختتِنْ لم تُقبلْ شهادتُه. أخبرني عِصْمَةُ بنُ عِصَامٍ، حدّثنا حَنْبَل، قال حدّثني أبو عبدِ الله، حدّثنا محمَّد بنُ عُبَيد، عن سالم المرادي (٢)، عن عَمْرو بن هرم، عن جابرِ بنِ زيد، عن ابن عبَّاس: لا تُؤكَلُ ذبيحةُ الأقْلفِ (٣). قال حَنْبَل: سمعتُ أبا عبدِ الله قال: لا يُعْجِبُنِي أن يَذبحَ الأقْلَفُ. وقال حنبلٌ في موضعٍ آخرَ: حدّثنا أبُو عمرو الحوضي، حدّثنا هَمَّام، عن قَتَادَة، عن عِكْرِمَة، قال: لا تُؤكَلُ ذَبِيْحةُ الأقْلَفِ. قال: وكان الحَسَنُ لا يرى ما قاله عِكْرِمَةُ. قال: قيل لعِكْرِمَة: ألَهُ

стр. 337

حجٌّ؟ قال: لا. قال أبو عبد الله: لا تُؤكل ذبيحتُهُ، ولا صلاةَ له، ولا حجَّ لَهُ، حتى يتطهَّرَ، هو مِن تمامِ الإسلامِ (١). وقال حَنْبَل في موضع آخر: قال أبو عبد الله: الأقْلفُ لا يَذبحُ، ولا تُؤكلُ ذبيحتُه، ولا صلاةَ له (٢). وقال عبد الله بن أَحْمَد: حدّثني أبي، حدّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، حدّثنا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَة، عن جابرِ بنِ زيد، عن ابنِ عبَّاس قال: الأقْلَفُ لا تحلُّ له صلاةٌ، ولا تُؤكلُ ذبيحتُه، ولا تجوزُ له شهادةٌ. قال قَتَادَة: وكان الحَسَنُ لا يرى ذلك (٣). وقال إسْحَاق بن منصور: قلت لأبي عبد الله: ذَبِيْحَةُ الأقْلَفِ؟ قال: لا بأسَ بها (٤). وقال أبو طالب: سألتُ أبا عبدِ الله عن ذبيحةِ الأقلف؟ (٥) فقال: ابن عبَّاس يشدّد في ذبيحتِه جدًّا (٦).

стр. 338

وقال الفضل بن زياد: سألتُ أبا عبد الله عن ذبيحةِ الأقْلَفِ؟ فقال: يُرْوَى عن إبراهيمَ والحَسَنِ وغيرهما: أنهم كانوا لا يرون بها بأسًا، إلا شيئًا يُروى عن جابرِ بنِ زيدٍ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه كَرِهَهُ. قال أبو عبد الله: وهذا يشتدُّ على النَّاس، فلو أنَّ رجلًا أسلمَ وهو كبيرٌ فَخَافُوا عَليهِ الختانَ، أفلا تُؤكل ذبيحتُه (١)؟ وذكر الخَلّال، عن أبي السَّمْح أَحْمَدَ بنِ عبد الله بنِ ثابتٍ، قال سمعت أَحْمَدَ بنَ حَنْبَل ــ وسئل عن ذبيحة الأقْلَفِ، وذكر له حديث ابن عبَّاس «لا تؤكل ذبيحته» ــ فقال أَحْمَد: ذاك عندي إذا كانَ الرَّجلُ يُولَد بين أبَوَيْن مُسْلِمَيْنِ؛ فيَكْبَر فلا يختتن (٢)؛ فأمَّا الكبيرُ إذا أسْلمَ وخافَ على نَفْسِه الختانَ؛ فله عندي رخصةٌ. ثم ذكر قصةَ الحَسَنِ مع أمير البَصرةِ الذي ختنَ الرجالَ في الشتاء، فماتَ بعضُهم. قال: فكان أَحْمَد يقول: إذا أسلم الكبيرُ وخاف على نفسِه فله عندي عذرٌ (٣).

стр. 339

الفصل الثاني عشر في المُسْقِطَاتِ لوجُوبهِ وهي أمورٌ: (أحدها): أن يُولَدَ الرجلُ ولا قُلْفةَ له؛ فهذا مستغنٍ عن الختانِ؛ إذ لم يُخلَق له ما يجبُ ختانُه. وهذا متَّفقٌ عليه (١). لكنْ قال بعضُ المتأخِّرينَ: يستحبُّ إمرارُ الموسى على مَوْضِعِ الختانِ، لأنَّه ما يقدرُ عليه من المأمور به (٢)؛ وقد قالَ النبيُّ ﷺ : «إذا أمرتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٣). وقد كان الواجبُ أمرين: مباشرةُ الحديدة، والقطعُ؛ فإذا سقط القطع؛ فلا أقلَّ من استحباب مباشرة الحديدة (٤).

стр. 340

والصَّوابُ: أنَّ هذا مكروهٌ (١)، لا يُتقرَّبُ إلى الله به؛ ولا يُتَعَبَّدُ بمثله؛ وتُنَزَّه عنه الشريعةُ، فإنَّه عبثٌ لا فائدةَ فيه، وإمرارُ الموسَى غيرُ مقصودٍ، بل هو وسيلةٌ إلى فِعْلِ المقصودِ، فإذا سقط المقصودُ لم يَبْقَ للوسيلةِ معنًى. ونظير هذا: ما قاله بعضُهم: إن الذي لم يُخلق على رأسه شعرٌ يستحبُّ له في النُّسُك أن يُمِرَّ الموسَى على رأسِهِ (٢). ونظيرُه قولُ بعضِ (٣) المتأخِّرينَ مِنْ أصْحَابِ أَحْمَدَ وغيرِهم: إنَّ الذي لا يُحْسِنُ القِراءةَ بالكليَّة ولا الذِّكْرَ، أو الأخْرَسَ: يحرِّكُ لسانَهُ حَرَكةً مجرّدةً (٤).

стр. 341

قال شيخنا (١): ولو قيل: إنّ الصَّلاة تَبْطُلُ بذلك كان أقربَ، لأنّه عبثٌ يُنَافِي الخُشُوعَ، وزيادةُ عملٍ غير مشروعٍ. والمقصود: أنَّ هذا الذي وُلِدَ ولا قُلفةَ له، كانت العرب تَزْعُمُ أنَّه إذا وُلِد في القمر تقلّصت قُلْفَتُه وتجمَّعت، ولهذا يقولون: خَتنَهُ القمر. وهذا غير مطّردٍ، ولا هو أمرٌ مستمرٌّ، فلم يزلِ النَّاسُ يُولَدونَ في القمر، والذي يُولد بلا قُلْفةٍ نادرٌ جدًا، ومع هذا فلا يكونُ زوالُ القُلْفَة تامًا، بل يظهرُ رأسُ الحَشَفَةِ، بحيثُ يَبِيْنُ مَخْرَجُ البَوْلِ، ولهذا لا بدَّ من خِتَانِه لتَظْهَرَ تمامُ الحَشَفَةِ. وأمَّا الذي يُسْقِطُ ختانَهُ، فأنْ تكونَ الحشفةُ كلُّها ظاهرةً. وأخبرني صاحبنا محمَّدُ بنُ عثمانَ الخليليُّ المحدِّث ببيت المقدسِ: أنه ممَّن وُلِدَ كذلك، والله أعلم. فصل (الثاني) من مسقطاته: ضَعْفُ المولُودِ عن احْتِمَالِه، بحيث يُخافُ عليه من التَّلفِ، ويستمرُّ به الضَّعفُ كذلك، فهذا يُعذَرُ في تَرْكِهِ، إذْ غايتُه

стр. 342

أنَّه واجبٌ، فيَسْقطُ بالعَجْزِ عنه كَسَائرِ الوَاجِبَاتِ (١). فصل (الثالث): أن يُسْلِمَ الرجلُ كبيرًا، ويخافُ على نَفْسِه منه، فهذا يسقطُ عنهُ عند الجمهور (٢). ونصَّ عليه الإمام أَحْمَدُ في رواية جماعةٍ من أصحابِه، وذكر قول الحَسَنِ أنه قد أسلمَ في زمنِ رسولِ الله ﷺ : الروميُّ والحبَشِيُّ والفَارِسِيُّ، فما فتَّش أحدًا منهم (٣). وخالف سُحْنُونُ بنُ سَعِيدٍ الجمهورَ، فلم يُسْقِطْه عن الكبيرِ الخائفِ على نَفْسِه (٤). وهو قولٌ في مذهب أَحْمَدَ حكاه ابنُ تميمٍ وغيرُه (٥).

стр. 343

فصل وظاهرُ كَلامِ أصْحَابِنَا أنَّه يَسْقطُ وجوبُه فقط عند خوفِ التَّلَفِ، والذي ينبغي أنْ يمنعَ من فِعْلِهِ، ولا يجوزُ له، وصرَّح به في «شرح الهداية» فقال: يُمْنَعُ منهُ (١). ولهذا نظائرُ كثيرةٌ: منها الاغتسالُ بالماءِ البارد في حالِ قوَّة البَرْدِ والمرضِ، وصومُ المريضِ الذي يُخْشَى تَلَفُه بِصَوْمِهِ، وإقامةُ الحدِّ على المريضِ والحاملِ وغير ذلك، فإنَّ هذه الأعذارَ كلّها تمنعُ إباحةَ الفعلِ، كما تُسقِط وجوبَهُ. والله أعلمُ. فصل (الرابع): الموتُ؛ فلا يجبُ خِتَانُ الميِّتِ باتفاقِ الأُمَّة، وهل يستحبُّ؟ فجمهورُ أهلِ العلمِ، على أنَّه لا يُستحبُّ. وهو قولُ الأئمةِ الأربعة (٢). وذكر بعضُ المتأخِّرينَ: أنه مستحبٌّ، وقَاسَهُ على أَخْذِ شَارِبِهِ،

стр. 344

وحَلْقِ عَانَتِهِ، ونَتْفِ إبْطِهِ. وهذا مخالفٌ لما عليه عمل الأُمَّة، وهو قياسٌ فاسدٌ، فإنَّ أخْذَ الشَّاربِ، وتَقْلِيْمَ الظُّفُرِ، وحَلْقَ العَانةِ، من تمامِ طَهَارتِه وإزَالَةِ وَسَخِهِ ودَرَنِهِ. وأمَّا الختانُ: فهو قَطْعُ عُضْوٍ من أعضائِه، والمعنى الذي لأجْلِهِ شُرِع في الحياةِ، قد زالَ بِالمَوْتِ فلا مَصْلَحَةَ في خِتَانِه، وقد أَخْبَر النبيُّ ﷺ : أنه يُبعَث يومَ القيامة بِغُرْلَتِه غيرَ مختونٍ (١)، فما الفائدةُ أن يُقْطَعَ منه عند الموتِ عضوٌ يُبْعَثُ به يَوْمَ القيامةِ، وهو مِن تمامِ خَلْقِه في النَّشْأَةِ الأُخْرَى. فصل ولا يَمنعُ الإحرامُ من الختان، نصَّ عليه الإمام أَحْمَد ـ وقد سئل عن المُحْرِم ـ: يختتن؟ فقال: نعم. ولم يجعلْه من باب إزالة الشعر وتقليم الظفر، لا في الحياة ولا بعد الموت.

стр. 345

الفصل الثالث عشر في خِتَانِ النبيِّ ﷺ وقَدِ اخْتُلِفَ فيه على أقوالٍ (١): (أحدها): أنَّه وُلِد مختونًا. و (الثاني): أنَّ جِبْرِيْلَ خَتَنَهُ حينَ شقَّ صَدْرَهُ. (الثالث): أنَّ جدَّه عبد المطَّلب ختَنَهُ، على عادةِ العربِ في ختانِ أوْلَادِهِمْ. ونحن نذكر قائلي هذه الأقوال وحُجَجَهُمْ. فأمَّا من قال: ولد مختونًا، فاحتجُّوا بأحاديث: أحدها: ما رواه أبُو عُمَرَ بنُ عبدِ البَرِّ، فقال: «وقد روي أن النبيّ ﷺ وُلِدَ مختونًا، من حديث عبد الله بن عبَّاس، عن أبيه العبَّاس بن عبدالمطلب، قال: وُلِدَ رسولُ الله ﷺ مختونًا مسرورًا ـ يعني: مقطوع السُّرَّة ـ فأعجبَ ذلكَ جدَّهُ عبدَ المطَّلبِ وقال: لَيَكُونَنَّ لابْنِي هذا شأنٌ عظيمٌ» (٢).

стр. 346

ثم قال ابنُ عبدِ البَرِّ (١): «ليس إسنادُ حديثِ العبَّاسِ هذا بالقَائِمِ. قال: وقد رُوِيَ موقوفًا على ابنِ عُمَرَ، وَلَا يَثْبُتُ أيضًا». قلت: حديثُ ابنِ عمرَ رويناه من طريق أبي نُعَيْمٍ، حدّثنا أبو الحَسَن محمَّدُ بنُ أَحْمَد بنِ خالد الخطيب، حدّثنا محمَّد بنُ محمَّد بنِ سليمان، حدّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ أيُّوب الحِمْصِيُّ، حدّثنا موسى بنُ أبي موسى المقْدِسِيّ، حدّثنا خالد (٢) بنُ سلَمَةَ، عن نافعٍ عن ابنِ عُمَرَ، قال: وُلِدَ النبيُّ ﷺ مَسْرورًا مَخْتُونًا (٣). ولكن محمَّد بنَ سُليمانَ هذا، هو البَاغَنْدِيُّ، وقد ضعَّفوه، وقال الدَّارقُطْنِيُّ: كان كثيرَ التَّدْلِيْسِ، يحدِّث بما لم يسمعْ، وربَّما سرقَ الحديثَ (٤).

стр. 347

ومنها: ما رواه الخطيب بإسناده، من حديث سفيان بن محمَّد المصِّيصيّ، حدّثنا هُشَيْم، عن يُونسَ بنِ عُبيد، عن الحَسَنِ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال قالَ رسولُ الله ﷺ : «مِنْ كَرامَتي على الله أنّي وُلِدْتُ مختونًا ولم يرَ سَوْأتِي أحدٌ» (١). قال الخطيب: «لم يروه فيما يقال غير يونس، عن هُشَيْم، وتفرَّد به سفيانُ بنُ محمَّد المصِّيصيّ، وهو منكر الحديث» (٢). قال الخطيب: أخبرني الأزهري، قال: سُئِل الدَّارَقُطْنِيُّ عن سفيان ابنِ محمَّد المصِّيصيِّ، وأخبرني أبو الطيِّب الطبريُّ، قال: قال لنا الدارقطني: شيخٌ لأهل المصِّيْصَة يقال له: سُفيانُ بنُ محمَّد الفَزَارِيّ، كان ضعيفًا سيِّء الحال في الحديث (٣). قال صالح بنُ محمَّدٍ الحافظُ: سفيانُ بنُ محمَّدٍ المصيصيُّ لا شيءَ (٤).

стр. 348

وقد رواه أبو القَاسم ابنُ عَسَاكِرٍ، من طريق الحَسَنِ بن عَرَفَةَ، حدّثنا هُشَيْم، عن يُونس، عن الحَسَنِ، عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كرامتي على ربي أنّي وُلِدْتُ مختونًا لم يرَ أحدٌ سَوْأَتِي» (١). وفي إسناده إلى الحَسَنِ بنِ عرفةَ عِدَّةُ مجَاهِيْل. قال أبو القاسم ابنُ عَسَاكِر: وقد سرقه ابنُ الجَارُودِ، وهو كذَّابٌ، فَرَواهُ عنِ الحَسَنِ بنِ عَرَفَةَ (٢). ومما احتجَّ به أرباب هذا القول: ما ذكره محمَّدُ بنُ عليٍّ التّرْمِذِيُّ (٣) في معجزات النبيّ ﷺ ، فقال: ومنها: أن صفيَّةَ بنتَ عبدِ المطَّلب قالت: أردتُ أن أعْرِفَ أذكرٌ هو أم أُنثى، فرأيتُه مختونًا. وهذا الحديث لا يثبت، وليس له إسنادٌ يُعرَفُ به.

стр. 349

وقد قال أبو القاسم عُمَرُ بنُ أبي الحَسَن بنِ هبةِ الله بنِ أبي جرادة (١) في كتابٍ صنَّفهُ في ختانِ الرَّسول ﷺ ، يردُّ به على محمَّدِ بنِ طَلْحَةَ (٢) في مُصنَّفٍ صنَّفهُ، وقرَّر فيه أنَّ رسولَ الله ﷺ وُلِد مختونًا: «وهذا محمَّد التّرْمِذِيّ الحكيمُ، لم يكنْ من أهلِ الحديثِ، ولا عِلْمَ له بطُرُقِهِ وصِنَاعَتِه، وإنَّما كان فيه الكلامُ على إشاراتِ الصُّوفية والطرائق، ودَعْوَى الكَشْفِ على الأمور الغامضةِ والحقائقِ، حتى خرج في الكلام على ذلك عن قاعدةِ الفقهاءِ، واستحقَّ الطعن عليه بذلك والإزراء، وطعنَ عليه أئمةُ الفقهاء والصوفيِّة (٣)، وأخرجوه بذلك عن السيرة المَرْضِيَّة، وقالوا: إنه أدخل في علم الشريعة ما فارق به الجماعة، فاستوجب بذلك القَدْحَ والشَّناعةَ، وملأ كتبَه بالأحاديث الموضوعة، وحشَاها بالأخبار التي ليست بمرويَّةٍ ولا مَسْمُوعة، وعلَّل فيها خفيَّ

стр. 350

الأمورِ الشرعيَّة التي لا يُعْقَلُ معناها بعِلَلٍ ما أَضْعَفَها ومَا أَوْهَاهَا. وممَّا ذكره في كتاب له وَسَمَهُ بـ «الاحتياط»: أن يسجد عَقِبَ كلِّ صلاةٍ يصلِّيها سجدتَي السَّهو وإن لم يكن سَهَا فيها (١). وهذا ممَّا لا يجوزُ فِعْلُه بالإجماعِ، وفاعلُه منسوبٌ إلى الغلوِّ والابتداعِ. وما حكاه عن صفيَّة بقولها: «فرأيته مختونًا»، يناقضُ الأحاديثَ الأُخَرَ، وهو قوله: «لم يَرَ سَوْأتي أحدٌ»، فكلُّ حديثٍ في هذا الباب يناقضُ الآخرَ، ولا يَثبتُ واحدٌ منها، ولو وُلِدَ مختونًا فليس هذا من خصائصِه ﷺ ، فإنَّ كثيرًا من الناس يولَد غيرَ محتاجٍ إلى الختانِ. قال: وذكر أبو القاسم النسَّابة الزّيديّ، أنَّ أباه القاضي أبا محمَّدٍ الحَسَنَ بنَ محمَّدِ بنِ الحَسَنِ الزيديّ ولد غير محتاج إلى الختان. قال: ولهذا لقب بـ «المطهَّر»، قال: وقال فيما قرأته بخطه: خُلِق أبو محمَّد الحَسَن مطهَّرًا لم يختن، وتوفي كما خُلِقَ. وقد ذكر الفقهاء في كتبهم أن من ولد كذلك لا يختن، واستحسن بعضهم أن يمرَّ الموسى على موضع الختان من غير قطع، والعوامُّ يسمُّون هذا ختان القمر. يشيرون في ذلك إلى أنَّ النموَّ في خِلْقَة الإنسان يحصلُ في زيادةِ القمر (٢)، ويحصل

стр. 351

النقصانُ في الخِلْقَة عند نقصانِه، كما يوجد ذلك في الجَزْرِ والمَدِّ، فينسبونَ النقصانَ الذي حصلَ في القُلْفَة إلى نقصانِ القمرِ. قال: وقد وَردَ في حديثٍ رواه سيف بنُ محمَّد ابنُ أختِ سفيانَ الثَّوريّ، عن هشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ عن النبيِّ ﷺ قال: «ابنُ صيَّاد وُلِد مسرورًا مختونًا» (١). وسيفٌ مطعونٌ في حَديثهِ. وقيل: إنَّ قَيْصَرَ مَلِكَ الرُّومِ الذي وَرَدَ عليه امْرُؤ القَيس وُلِدَ كذلك، ودخل عليه امْرُؤ القَيس الحمّامَ فرآه كذلك، فقال يهجوه: إنِّي حَلَفْتُ يَمِيْنًا غَيْرَ كَاذِبَةٍ ... لَأَنْتَ أَغْلَفُ إلّا مَا جَنَى الْقَمَرُ (٢) يعيِّره أنه لم يختتنْ، وجعل ولادته كذلك نقصًا. وقيل إنَّ هذا البيتَ أحدُ الأسبابِ الباعثةِ لِقَيْصَرَ على أنْ سَمَّ امرأ القَيْس فمات. وأنشد ابنُ الأعْرَابيّ فيمن وُلدَ بلا قُلْفَةٍ (٣): فَذَاكَ نِكْسٌ لا يَبِضُّ حَجَرُهْ ... مُخَرَّقُ العِرْضِ حَدِيدٌ مَنْظَرُهْ فِي لَيْلِ كَانُون شَدِيدٍ خَصَرُهْ ... عَضَّ بِأَطْرَافِ الزُّبَانَى قَمَرُهْ

стр. 352

يقول: هو أقْلَف، ليس بمختونٍ إلا ما قلَّصَ منه القمرُ، وشبَّه قُلْفتَه بالزُّبانى: وهي قَرْنَا العقرب، وكانت العرب لا تعتدُّ بصورة الختان من غير ختان، وترى الفضيلةَ في الختانِ نفسِه، وتَفْخَرُ بهِ. قال: وقد بعثَ اللهُ نبيَّنا ﷺ مِن صَمِيْمِ العَربِ، وخصَّه بصفاتِ الكمالِ من الخَلْق والنَّسبِ، فكيف يجوز أن يكونَ ما ذَكَرَهُ من كَوْنِه مختونًا مما يتميَّز به النبيُّ ﷺ ويخصَّصُ. وقيل: إنَّ الختانَ من الكلماتِ التي ابتلى اللهُ بها خلِيْلَه ﷺ فأتمهنَّ وأكملهنَّ (١)، وأشدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثلُ فالأمثل. وقد عدَّ النبيّ ﷺ الختان من الفطرة، ومن المعلوم أن الابتلاء به مع الصبر مما يُضاعَف ثوابُ المبتلَى به وأجْرُهُ، والأَلْيَقُ بحال النبيِّ ﷺ أن لا يُسْلَب هذه الفضيلةَ، وأن يُكرمَه الله بها كما أكرمَ خليلَهُ، فإنَّ خصائصَه أعظمُ من خصائصِ غيرِه من النبيّينَ وأعْلَى. وخَتْن الملَك إيَّاه ـ كما رُوِّيناه ـ أجْدَرُ مِن أن يكونَ من خصائصِه وأوْلَى». هذا كلُّه كلامُ ابنِ العَدِيْمِ. ويريد بختن الملك، ما رواه من طريق الخطيب، عن أبي بكرة، أن جبريل ختن النبيّ ﷺ حين طهَّر قلبه (٢).

стр. 353

وهو مع كونه موقوفًا على أبي بكرة، لا يصح إسناده، فإنَّ الخطيبَ قال فيه: أنبأنا أبو القاسم عبد الواحد بن عثمان بن محمَّد البَجَلِيّ، أنبأنا جعفر بن محمَّد بن نصير، حدّثنا محمَّد بن عبد الله بن سليمان، حدّثنا عبد الرَّحمن بن عُيَيْنَة البصري، حدّثنا عليُّ بنُ محمَّدٍ المدائنيُّ، حدّثنا مَسْلمةُ بنُ مُحارِب بن سليم بن زيادٍ، عن أبيه، عن أبي بَكْرَةَ. وليس هذا الإسنادُ مما يُحتجُّ به. وحديثُ شَقِّ الملَكِ قلْبَهُ ﷺ ، قد رُوِي من وجوهٍ متعدِّدةٍ مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ ، وليس في شيء منها أنَّ جبريل ختنه، إلا في هذا الحديث، فهو شاذٌّ غريبٌ. قال ابنُ العَدِيْمِ: «وقد جاء في بعض الرِّوايَاتِ: أن جدَّه عبدَ المطَّلب خَتَنَهُ في اليومِ السَّابع» (١). قال: «وهو ـ على ما فيه ـ أشبه بالصواب، وأقرب إلى الواقع».

стр. 354

ثم ساق من طريق ابنِ عبد البَرِّ (١): «حدّثنا أبُو عَمرو أَحْمَد بن محمَّد بن أَحْمَد قراءة مني عليه، أن محمَّد بن عيسى حدَّثه قال: حدّثنا يحيى بن أيوب بن زياد العلاف، حدّثنا محمَّد بن أبي السري العسقلاني، حدّثنا الوليد بن مُسْلِم، عن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة، عن عطاء الخُرَاسَانيّ، عن عِكْرِمَة (٢) عن ابن عبَّاس: أنَّ عبدَ المطَّلبِ ختنَ النبيَّ ﷺ يومَ سابعِه، وجعل له مَأْدُبَةً، وسمَّاه محمَّدًا. قال يحيى بنُ أيُّوب: ما وجدنا هذا الحديثَ عند أحدٍ إلا عند ابنِ أبي السّريّ، وهو محمَّد بن المتوكِّل بن أبي السّري». والله أعلم.

стр. 355

الفصل الرابع عشر في الحِكمة التي لأجْلِها يُعادُ بَنو آدمَ غُرْلًا لما وعد اللهُ سبحانه ـ وهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده ـ أنَّه يُعيدُ الخَلْقَ كما بَدَأَهُمْ أوَّلَ مرة، كان مِن صِدْق وَعْدِه أن يُعيدَه على الحالةِ التي بدأه عليها من تمام أعضائِه وكمالِها. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ (١) كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء/ ١٠٤]. وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف/ ٢٩]. وأيضًا: فإنَّ الختانَ إنما شُرِع في الدنيا لتكميلِ الطهارةِ والتنزُّهِ من البول، وأهلُ الجنَّة لا يبولون ولا يتغوَّطُونَ، فليس هناك نجاسةٌ تصيب الغُرْلةَ فيحتاج إلى التحرُّز منها، والقُلْفَةُ لا تمنع لَذَّة الجماع ولا تعوقُه. هذا إن قُدِّر استمرارُهم على تلك الحالة (التي بُعِثُوا عليها) (٢)، وإلَّا فلا يلزمُ من كَوْنِهمْ يُبعثون كذلك أن يستمرُّوا على تلك الحالةِ، فإنهم يُبعَثُونَ حُفَاةً عُراةً بُهْمًا، ثم يُكْسَوْنَ، ويُمَدُّ خَلْقُهم، ويُزَاد فيه بعد ذلك،
следующие страницы →