← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 229

تحفة المودود بأحكام المولود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (505 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ متَى غِنَاه ... ومَا يَدْرِي الغَنِيُّ متَى يَعِيلُ (١) أي: متى يحتاج ويفتقر. وأمَّا كثرةُ العِيَالِ، فليس من هذا ولا من هذا، ولكنَّه من (أَفْعَلَ). يقال: أَعَالَ الرَّجُلُ يُعِيلُ: إذا كثُر عيالُه، مثل: ألْبَنَ وأَتْمَر: إذا صار ذا لَبَنٍ وتَمْرٍ. هذا قول أهل اللغة. قال الوَاحِدِيُّ في "بسيطه": "ومعنى ﴿تَعُولُوا﴾:تجُوروا. عن جميع أهل التفسير واللغة. ورُويَ ذلك مرفوعًا، روت عَائِشَةُ ﵂ عن النبيّ ﷺ في قوله (٢): ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال (٣): "أن لا تجُورُوا" (٤). ورُوِيَ: "أن لا تَمِيلُوا". قال: وهذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ والحَسَنِ وقَتادةَ والرَّبِيعِ والسُّدّيّ

стр. 72

وأبي مالكٍ (١) وعِكْرِمَةَ والفَرَّاءِ والزَّجَّاجِ وابْنِ قُتَيبَةَ وابنِ الأنْبَارِيِّ" (٢). قلت: ويدلُّ على تعيُّنِ هذا المعنى من الآية ـ وإنْ كان ما ذكَرَهُ الشّافِعِيُّ ــ ﵀ ــ لغةً حَكَاهَا الفرَّاءُ عن الكِسَائيِّ، أنه قال: ومِنَ الصَّحابةِ مَنْ يقولُ: عَالَ يَعُولُ: إذا كَثُرَ عِيَالهُ، قال الكِسَائيّ: وهي لغةٌ فصيحةٌ سمعتُها من العرب. لكنْ يتعيَّنُ الأولُ لوجوهٍ: (أحدها): أنَّه المعروفُ في اللغةِ الذي لا يكاد يُعرَفُ سواه، ولا يُعرَف (٣) عَالَ يَعُولُ: إذا كثر عياله؛ إلا في حكاية الكِسَائيّ. وسائرُ أهلِ اللغةِ على خِلافِهِ. (الثاني): أنَّ هذا مَرويٌّ عن النبيِّ ﷺ ، ولو كان من الغَرائِبِ فإنَّه يَصْلُحُ للتَّرجيحِ.

стр. 73

(الثالث): أنَّه مرويٌّ عن عائِشةَ وابنِ عبَّاسٍ، ولم يُعرَف (١) لهما مخالفٌ من المفسِّرينَ. وقد قال الحاكمُ أبو عبد الله: تفسيرُ الصحابيِّ ــ عندنا ــ في حُكْمِ المرفوعِ (٢). (الرابع): أنَّ الأدلَّةَ التي ذكرناها على (٣) استحبابِ تزوُّجِ الوَلُود، وإخبارَ النبيّ ﷺ أنه يُكاثِر بأمته الأُممَ يوم القيامة، يردُّ هذا التفسيرَ. (الخامس): أنَّ سِيَاقَ الآية إنَّما هو في نَقْلِهِمْ ممَّا يخافونَ الظُّلمَ والجَوْرَ فيهِ إلى غيره، فإنَّه قالَ في أوَّلها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي

стр. 74

الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء/٣]. فدلَّهم ــ سبحانه ــ على ما يتخلَّصونَ به من ظُلْمِ اليَتامَى، وهو نكاحُ ما طَابَ لهم من النِّساءِ البَوَالِغِ، وأباحَ لهم منه أربعًا (١). ثم دلَّهم على ما يتخلَّصونَ به من الجَوْر والظُّلْم في عَدَمِ التَّسْوِيةِ بينهنَّ، فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء/ ٣]. ثم أخبر ـ سبحانه ـ أنَّ الواحدةَ ومِلْكَ اليمينِ أدْنَى إلى عَدَمِ المَيْل والجَوْرِ. وهذا صريحٌ في المقصُودِ. (السَّادس): أنه لا يلْتَئِمُ قولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ في الأربعِ، فَانكِحُوا واحدةً أو تسَرَّوا ما شِئْتُم بمِلْكِ اليمينِ، فإنَّ ذلك أقْرَبُ إلى أنْ لا تَكْثُرَ عِيَالُكُمْ، بل هذا أجنبيٌّ مِن الأوَّل، فتَأمَّلْهُ! (السَّابع): أنَّه من الممتنع أنْ يُقَالَ لهم: إنْ خِفْتُم ألَّا تَعْدِلُوا بَيْنَ الأَرْبَعِ، فلَكُمْ أن تَتَسَرَّوا بمائة سُرِّيَةٍ وأكثرَ، فإنَّه أَدْنَى ألَّا تَكْثُرَ عِيالُكُم. (الثامن): أنَّ قولَه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ تعليلٌ لكلِّ واحدٍ من الحُكْمَيْن المتقدِّمَيْن، وهُمَا: نقلُهم من نكاحِ اليتامَى إلى نكاحِ النِّساءِ البَوَالِغِ، ومن نكاحِ الأربعِ إلى نكاحِ الواحدةِ أو مِلْكِ اليمينِ، ولا يليقُ تعليلُ ذلك بِقِلَّةِ العِيَالِ.

стр. 75

(التاسع): أنَّه ـ سبحانه ـ قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، ولم يقلْ: وإنْ خفتُم أن تَفْتَقِرُوا (١) أو تَحتاجُوا. ولو كان المرادُ قلةَ العيالِ، لكان الأنسبُ أنْ يقولَ ذلك. (العاشر): أنَّه إذا ذكَرَ حُكْمًا منهيًّا عنه، وعلَّل النَّهيَ بِعِلَّة، أو أباحَ شيئًا وعلَّلَ عدَمَهُ بِعلَّةٍ، فلا بدَّ أن تكون العِلَّةُ مُضَادّةً لضدِّ الحُكْمِ المعلَّلِ، وقد علَّل ـ سبحانه ـ إباحةَ نكاحِ غير اليتامَى والاقتصارَ على الواحدةِ أو مِلْكِ اليمينِ بأنَّه أقربُ إلى عَدَمِ الجَوْرِ. ومعلومٌ أنَّ كثرةَ العيالِ لا تُضَادُّ عَدَمَ الحُكْمِ المُعَلَّلِ، فلا يحسُنُ التَّعليلُ بهِ. والله أعلم (٢).

стр. 76

الباب الثاني في كَراهةِ تَسخُّطِ البناتِ قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى/ ٤٩ ـ ٥٠]. فقسمَ ـ سبحانَه ـ حالَ الزَّوجينِ إلى أربعةِ أقسامٍ اشتملَ عليها الوُجودُ، وأخبرَ أنَّ ما قدَّرهُ بينهما من الولدِ، فقد وَهَبَهُمَا إيَّاه، وكفَى بِالعبدِ تعرُّضًا لمقْتهِ أنْ يتسخَّطَ ما وَهَبَهُ! وبدأ ـ سبحانه ـ بذِكْرِ الإنَاثِ. فقيل: جبرًا لهنَّ، لأَجْلِ استثقالِ الوالِدَيْنِ لمِكَانِهنَّ (١). وقيل ـ وهو أحسن ـ: إنما قدَّمَهُنَّ، لأنَّ سياقَ الكلامِ أنه فاعلٌ ما يشاءُ لا ما يشاءُ الأبَوانِ، فإنَّ الأبَوَيْنِ لا يريدانِ إلا الذُّكورَ غالبًا، وهو ــ سبحانه ــ قد أخبرَ أنه يخلُق ما يشاءُ، فبدأ بذِكْرِ الصِّنفِ الذي يشاءُ، ولا يُريدُه الأبَوَانِ. وعندي وجهٌ آخرُ: وهو أنه ـ سبحانه ـ قدَّم ما (٢) كانت تؤخِّرُه

стр. 77

الجاهليَّةُ من أمْرِ البناتِ حتى كانُوا يَئِدُونَهُنَّ. أي: هذا النوعُ المؤخَّر الحقيرُ عندَكُم مقدَّمٌ عندي في الذِّكْرِ. وتأمَّل كيف نَكَّر ـ سبحانه ـ الإناثَ، وعرَّف الذكورَ، فجبر نَقْصَ الأُنُوثةِ بالتَّقديمِ، وجَبَرَ نَقْصَ التَّأخيرِ بالتعريفِ، فإنَّ التعريف تنويهٌ، كأنَّه قال: ويَهَبُ لمَنْ يشاءُ الفُرْسَانَ الأعلامَ المذكُورِينَ الذين لا يَخْفَون عليكم! ثم لمَّا ذكَر الصِّنْفَيْنِ معًا قدَّمَ الذُّكُورَ إعطاءً لكلٍّ من الجنسينِ حقَّه من التقديم والتأخير. والله أعلم بما أراد من ذلك. والمقصود: أنَّ التسخُّطَ بالإناثِ (١) من أخلاقِ الجاهليَّة الَّذين ذمَّهم اللهُ تعالى في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل/ ٥٨ ـ ٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف/ ١٧]. ومن هاهنا عبَّر بعضُ المعبِّرينَ لرجلٍ قال له: رأيتُ كأنَّ وجهي أسود! فقال: ألكَ امرأةٌ حاملٌ؟ قال: نعم. قال: تَلِدُ لك أُنثى.

стр. 78

وفي "صحيح مُسْلِمٍ" من حديث أنَسِ بنِ مالكٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ عَالَ جَارِيَتَين حتَّى تَبْلُغَا، جاءَ يومَ القيامةِ أنا وهوَ هكذا" وضمَّ أُصْبُعَيهِ (١). وروى عبدُ الرزَّاقِ: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيّ، عن عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْر، عن عائشةَ قالت: جاءتْ امرأةٌ ومعها ابنتانِ لها تسألُني، فلم تجِدْ عندي شيئًا غيرَ تمرةٍ واحدةٍ، فأعطيتُها إيَّاها، فأخَذَتْها فشقَّتْهَا بين ابنتَيْهَا، ولم تأكلْ منها شيئًا، ثم قامتْ فخرجتْ هي وابْنَتاها، فدخلَ رسولُ الله ﷺ على تَفِيئَةِ (٢) ذلك، فحدَّثْتُهُ حَدِيْثَها، فقال رسولُ الله ﷺ : "من ابتُلِي مِنْ هذه البنات بشيءٍ فأحسنَ إليهنَّ، كُنَّ له سترًا من النَّار" (٣). ورواه ابنُ المبَارَكِ عن مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيّ عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ ابنِ حَزْم، عن عُرْوَةَ، وهو الصَّحيحُ (٤).

стр. 79

والحديثُ في "مسند أَحْمَدَ" (١). وفيه أيضًا من حديث أيُّوب بنِ بشيرٍ الأنْصَاريِّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَكُونُ لأحدٍ ثلاثُ بناتٍ، أو ثلاثُ أخَوَاتٍ (٢)، أو بنتانِ أو أُخْتَانِ، فيتَّقِي اللهَ فيهنَّ ويُحْسِنُ إليهنَّ، إلا دَخلَ الجنّةَ" (٣). وروى (٤) الحُمَيديّ عن سُفْيانَ، عن سُهَيْلِ بنِ أبي صالحٍ (٥)، عن أيُّوب بنِ بشيرٍ، عن سعيدٍ الأعْشَى، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ : "مَنْ كان لَهُ ثَلاثُ بنَاتٍ أو ثلاث أخَواتٍ، أو ابنتانِ أو أُختانِ فأَحْسَنَ صُحْبَتهُنَّ (٦)، وصَبرَ عليهنَّ، واتَّقَى اللهَ فيهنَّ دخلَ الجنَّةَ" (٧).

стр. 80

وقال محمَّد بنُ عبدِ الله الأنصاريُّ: عن ابن جُرَيْجٍ، حدّثني أبو الزُّبَيْر، عن عُمَرَ بنِ نَبْهَانَ، عن أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ كانَ لَه ثلاثُ بناتٍ فَصبرَ على لَأْوَائِهِنَّ وعلى (١) ضَرَّائِهِنَّ دخلَ الجنَّة" (٢). وفي رواية، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله واثنتينِ؟ قال: "واثنتينِ". قال: يا رسولَ الله وواحدة؟ قال: "وواحدةً" (٣). وقال البَيْهَقِيُّ: حدّثنا أَحْمَد بنُ الحَسَنِ (٤)، حدّثنا الأصمُّ، حدّثنا الحَسَنُ بنُ مكرم، حدّثنا عثمانُ بنُ عُمرَ، أنبأنا النَّهَّاسُ، عن شدَّادٍ أبي عمَّار، عن عوفِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِنَّ حتى يَبِنَّ أو يَمُتْنَ كُنَّ لهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ" (٥).

стр. 81

وقال عليُّ بنُ المدِينِيّ: حدّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيعٍ، حدّثنا النَّهّاسُ بنُ قَهْمٍ (١)، حدّثنا شدَّادٌ أبو عمَّارٍ، عن عَوْفِ بنِ مالكٍ الأشْجَعِيِّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ عبدٍ يكونُ له ثلاثُ بناتٍ فينفقُ عليهنَّ حتى يَبِنَّ أو يَمُتْنَ، إلا كنَّ له حِجَابًا مِنَ النَّار". فقالت امرأة: يا رسولَ الله وابنتانِ؟ قال: "وابنتانِ" (٢). قال (٣): وقال أبو عمَّار: عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا وامرأةٌ سَفْعَاءُ الخَدَّيْن كهاتَينِ في الجنَّة". وروى فِطْرُ بنُ خَلِيفةَ عن شُرَحْبِيلِ بنِ سعدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يكونُ لهُ ابنتانِ فيُحْسِنُ إليهما ما صَحِبَهُمَا وصَحِبَتَاهُ إلَّا أدْخَلَتاهُ الجنَّةَ" (٤).

стр. 82

وقال عبد الرزَّاق: أَنْبأَنا مَعْمَر، عن ابن المُنْكَدِرِ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَنْ كان له ثلاثُ بناتٍ أو أخواتٍ، فَكَفَّهُنَّ وآوَاهُنَّ وزوَّجَهُنَّ دخل الجنَّة". قالوا: أو ابنتان قال: "أو ابنتان" حتى ظننَّا أنهم لو قالوا: أو واحدةٌ؟ قالَ: أو واحدةٌ (١). هذا مُرْسَلٌ. وقال عبدُ الله بنُ المبَارَكِ: عن حَرْمَلَةَ بنِ عِمْرانَ قال: سمعت أبا عُشَّانَةَ (٢) قال: سمعت عُقْبَةَ بنَ عَامِرٍ الجُهَنِيّ يقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ كانتْ لهُ ثَلاثُ بَنَاتٍ فَصَبرَ عليهنَّ، فأطْعَمَهُنَّ وسَقَاهُنَّ وكَسَاهُنَّ

стр. 83

من جِدَتِه، كنَّ له حِجَابًا مِنَ النَّارِ". رواه الإمام أَحمدُ في "مسنده" (١). وقد قال الله تعالى في حقِّ النساء: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء/ ١٩]. وهكذا البنات أيضًا: قد يكون للعبد فيهنَّ خيرٌ في الدنيا والآخرة، ويكفي في (٢) قُبْح كَرَاهَتِهنَّ أن يَكْرهَ ما رَضِيَهُ اللهُ وأعطاهُ عَبْدَهُ. وقال صالحُ بنُ أحمدَ: كان أبي إذا وُلِدَ لهُ ابنةٌ يقولُ: الأنْبِيَاءُ كانُوا آباءَ بناتٍ. ويقولُ: قد جاءَ في البناتِ ما قد عَلِمْتَ. وقال يَعقُوبُ بنُ بُخْتَان: وُلِدَ لي سَبْعُ بناتٍ، فكنتُ كلَّما وُلِدَ لي ابنةٌ دخلتُ على أَحْمَدَ بنِ حَنْبَل فيقول لي: يا أبا يوسفَ! الأنبياءُ آباءُ بناتٍ. فكان يُذهِبُ قولُهُ همِّي (٣). وبالله التوفيق (٤).

стр. 84

الباب الثالث في استحبابِ بشارةِ من وُلد له ولدٌ وتهنئتهِ قال الله تعالى في قصة إبراهيم ﵇: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود/ ٦٩ ـ ٧٤]. وقال تعالى في سورة الصافات: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات/١٠١]. وقال في الذاريات: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات/ ٢٨]. وقال في سورة الحجر: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر/٥١ ـ ٥٦].

стр. 85

وقال تعالى: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم/ ٧]. وقال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا﴾ [آل عمران/ ٣٩]. ولما كانت البشارة تَسُرُّ (١) العَبْدَ وتُفْرِحُه، استُحِبَّ للمُسْلِم أن يبادر إلى مَسَرَّة أخيه وإعلامِه بما يُفْرِحُه. ولما وُلِدَ النبيُّ ﷺ بَشَّرتْ به ثُوَيْبَةُ عمَّه أبا لهبٍ ـ وكان مَوْلَاهَا ـ وقالت: قد وُلِدَ الليلةَ لعبدِ اللهِ ابنٌ، فأَعْتَقَها أبو لهبٍ سرورًا به، فلم يضيِّعِ اللهُ ذلك له، وسَقَاهُ بعد موته في النُّقْرَةِ التي في أصْلِ إبْهَامِهِ (٢). فإنْ فاتَتْهُ البشارةُ استُحِبَّ له تهنئتُه. والفرق بينهما: أنَّ البشارة إعلامٌ له بما يَسُرُّه، والتهنئة دعاءٌ له بالخير فيه بعد أن عَلِمَ به.

стр. 86

ولهذا لما أنزل الله توبةَ كعبِ بنِ مالكٍ وصاحِبَيْه ذهب إليه البشير فبشَّره، فلما دخل المسجد جاء الناس فهنَّؤوه (١). وكانت الجاهليَّةِ يَقُولُونَ في تَهْنِئَتِهم بالنكاحِ: بالرِّفَاءِ والبَنِيْنَ (٢). و "الرِّفاء": الالتحام والاتفاق، أي تزوجتَ زواجًا يحصل به الاتِّفاقُ والالْتِحَامُ بينكما. و "البنون": فيهنِّؤون بالبنينَ سلفًا وتعْجِيْلًا. ولا ينبغي للرجل أن يهنِّئَ بالابنِ ولا يهنِّئَ بالبنتِ، بل يهنِّئُ بهما، أو يَتركُ التهنئةَ بهما، ليتخلَّصَ من سُنَّة الجاهليَّة؛ فإنَّ كثيرًا منهم كانوا يهنِّؤون بالابنِ وبوفاةِ البنتِ دون ولادتِها. وقال أبو بكر ابنُ المُنْذِرِ (٣) في "الأوسط": رُوِّينا عن الحَسَنِ البصريِّ أن رجلًا جاء إليه وعنده رجلٌ قد وُلِد له غلامٌ، فقال له: يَهْنِيكَ الفارسُ. فقال له الحَسَنُ: ما يُدريكَ فارسٌ هو أو حمار؟ قال: فكيف

стр. 87

نقول؟ قال: قلْ بُورِكَ لك في الموهُوب، وشكرتَ الواهبَ، وبَلغَ أشُدَّهُ، ورُزِقْتَ بِرَّهُ (١). والله أعلم (٢).

стр. 88

الباب الرابع في استحبابِ التَّأذينِ في أذنه اليمنَى والإقامةِ في أذنهِ (١) اليسرى وفي هذا الباب أحاديث: (أحدها): ما رواه أبو عبدِ اللهِ الحاكمُ (٢)، حدّثنا أبو جعفر محمَّدُ ابنُ دُحَيم، حدّثنا محمد بنُ حازمِ بنِ أبي غرزةَ، حدّثنا عُبيد الله بنُ موسى، أخبرنا سفيانُ بنُ سعيدٍ الثَوريُّ، عن عاصمِ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، أخبرني عُبَيْدُ اللهِ بنُ أبي رَافِعٍ، عن أبي رافعٍ، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ أذَّن في أُذن الحَسَنِ بنِ عليٍّ حين وَلَدَتْهُ فاطمةُ. رواه أبو داود والتّرْمِذِيّ وقال: "حديث صحيح" (٣). (الثاني): ما رواه البَيْهَقِيّ في "الشُّعَبِ" من حديث الحُسَيْنِ بنِ عليّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن وُلِد له مولودٌ فأذَّن في أذُنه اليُمْنَى وأَقَامَ في

стр. 89

أذُنهِ اليُسْرَى، رُفِعَتْ عنه أمُّ الصِّبْيانِ" (١). و (الثالث): ما رواه أيضًا من حديث أبي سعيد، عن ابن عبَّاس، أن النبيَّ ﷺ أذَّن في أذُن الحَسَنِ بنِ عليٍّ يومَ وُلِدَ، وأقامَ في أُذنِه اليُسْرَى (٢). قال: "وفي إسنادهما ضعف". وسرُّ التأذين ـ والله أعلم ـ أن يكون أولَ ما يقرعُ سَمْعَ الإنسانِ كلماتُه المتضمِّنةُ لكبرياء الربِّ وعظمتِهِ، والشهادةُ التي أوَّلُ ما يَدخلُ بها في الإسلامِ، فكان ذلك كالتَّلقينِ لهُ شعارَ الإسلامِ عند دخولِه إلى الدُّنيا، كما يُلَقَّنُ كلمةَ التوحيدِ عند خُرُوجِهِ منها (٣). وغيرُ مُسْتَنْكَرٍ وصُولُ أثر التأذينِ إلى قلبِه وتأثُّرُهُ به وإنْ لم يَشْعُرْ، مع ما في ذلك من فائدة أخرى، وهي: هروبُ الشَّيطانِ من كلماتِ

стр. 90

الأذان، وهو كان يَرْصُدُه حتى يُولدَ، فيقارنه (١) ـ لِلْمِحْنَةِ التي قدَّرها الله وشاءَهَا ـ فيُسْمِعُ شيطانَهُ ما يُضْعِفُهُ ويُغِيظُه أوَّلَ أوقاتِ تعلُّقه به. وفيه معنًى آخر: وهو أن تكونَ (٢) دعوتُه إلى اللهِ وإلى دِيْنِهِ الإسلامِ وإلى عبادتهِ سَابِقَةً على دعوةِ الشَّيطانِ، كما كانت فطرةُ الله التي فُطِر عليها سابقةً على تغيير الشيطانِ لها (٣)، ونَقْلِهِ عنها، ولغيرِ ذلك من الحِكَمِ. والله أعلم.

стр. 91

الباب الخامس في استحبابِ تَحنيكه وفي "الصحيحين" من حديث أَبي بُرْدَةَ، عن أبي مُوسَى، قال: وُلِد لي غلامٌ فأَتيتُ به إلى النبيِّ ﷺ فسمَّاه إبراهيم، وحنَّكه بتمرةٍ. زاد البُخَاريُّ: ودعَا لهُ بالبَرَكةِ ودفعَهُ إليَّ، وكان أكبرَ وُلْدِ أبي مُوسَى (١). وفي "الصحيحين" من حديث أنس بن مالكٍ، قال: كان ابنٌ لأبي طَلْحَةَ يشتكي، فخرج أبو طَلْحَةَ، فقُبِضَ الصبيُّ، فلمَّا رجع أبو طَلْحَةَ قال: ما فعل الصبيُّ؟ قالت أم سُلَيْمٍ: هو أسْكَنُ ممَّا كان (٢). فقرَّبتْ إليه العَشاء، فتعشَّى ثم أصاب منها. فلما فرغ قالت: وَارُوا الصبيَّ. فلما أصبح أبو طَلْحَة أتى رسولَ الله ﷺ فأخبره، فقال: "أعْرَسْتُمُ الليلةَ؟ " قال: نعم؛ قال: "اللهمَّ بارِكْ لهما! " فولدت غلامًا، فقال لي أبو طَلْحَةَ: احْمِلْه، حتى تأتيَ به النبيَّ ﷺ ، وبعثتُ (٣) معه بتمراتٍ، فأخذه النبيّ ﷺ

стр. 92

فقال: "أمَعَهُ شيءٌ؟ " قالوا: نعم تمراتٌ، فأخذها النبيّ ﷺ فمضَغَها، ثم أخذها مِن فيهِ، فجعلها في فمِ الصبيِّ، ثم حنَّكَه وسمَّاه عبدَ اللهِ (١). وروى أبو أُسامةَ، عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أسْماءَ، أنَّها حملتْ بعبدِالله بنِ الزُّبَيْر بمكة. قالت: فخرجتُ، وأنا مُتِمٌّ (٢)، فأتيتُ المدينةَ، فنزلتُ بقُباء، فولدتُه بقباء، ثم أتيتُ رسول الله ﷺ ، فوضعتُه في حِجْرِه، فدعا بتمرةٍ، فمضَغَها، ثم تَفَلَ في فيْهِ، فكان أولَ شيءٍ دخل جوفَه ريقُ رسولِ الله ﷺ ، قالت: ثم حنَّكه بالتمرة، ثم دعَا له وبرَّكَ عليه، وكان أوَّلَ مولودٍ وُلِدَ في الإسلامِ ـ للمهاجرين بالمدينة (٣) ـ قالت: فَفَرِحُوا به فرحًا شديدًا، وذلك أنّهم قيل لهم: إنَّ اليهود قد سَحَرَتْكُمْ؛ فلا يُولدُ لكُمْ (٤). وقال الخَلاّل: أخبرني محمَّد بن عليٍّ، قال سمعتُ أمَّ ولدِ أَحمدَ

стр. 93

ابنِ حَنْبَل تقول: لما أَخذني الطَّلْقُ وكان مَوْلَايَ نائمًا، فقلت له: يا مولاي! هو ذا أموتُ! فقال: يفرِّجُ اللهُ، فما هو إلا أن قال: يفرِّج اللهُ، حتى ولدتُ سعيدًا، فلما ولدتُه قال: هاتُوا ذلك التمرَ ـ لتمرٍ كان عندنا من تمرِ مكةَ ـ فقلتُ لأمِّ عليٍّ: امْضَغِي هذا التمرَ وحنِّكِيهِ، ففعلتْ. والله أعلم.

стр. 94

الباب السَّادس في العَقيقةِ وأحكامِها وفيه اثنان وعشرون فصلًا: الفصل الأول: في بيان مشروعيتها. الفصل الثاني: في ذكر حجَّة من كرهها. الفصل الثالث: في أدلة الاستحباب. الفصل الرابع: في الجواب عما احتجُّوا به. الفصل الخامس: في اشتقاق اسمها ومن أي شيء أُخذ. الفصل السَّادس: هل يكره تسميتها عقيقة أم لا؟ الفصل السَّابع: في ذكر الخلاف في وجوبها، واستحبابها، وحجج الفريقين. الفصل الثامن: في الوقت الذي تستحب فيه العقيقة. الفصل التاسع: في أنها أفضل من الصدقة بثمنها. الفصل العاشر: في تفاضل الذكر والأنثى فيها. الفصل الحادي عشر: في ذكر الغرض من العقيقة، وحكمها، وفوائدها، وإحياء سنة رسول الله ﷺ . الفصل الثاني عشر: في أن طبخ لحمها أفضل من التصدق به نيئًا. الفصل الثالث عشر: في كراهة كسر عظامها. الفصل الرابع عشر: في السن المجزئ فيها.

стр. 95

الفصل الخامس عشر: في أنه لا يجزئ عن الرأس إلا الرأس، ولا يصح اشتراك السبعة فيها في البَدَنَة والبقرة. الفصل السَّادس عشر: هل تجزئ العقيقة بغير الغنم من الإبل والبقر؟ الفصل السَّابع عشر: في بيان مصرفها، وما يتصدق به منها ويهديه، واستحباب الهدية منها للقابلة. الفصل الثامن عشر: في حكم اجتماع العَقِيقَة والأضحية، وهل يجزئ أحدهما عن الآخر أم لا؟ الفصل التاسع عشر: في حكم من لم يَعُقَّ عنه أبواه، هل يَعُقُّ عن نفسه إذا بلغ؟ الفصل العشرون: في حكم جلدها وسواقطها، هل يجوز بيعها أم حُكمه حُكم الأضحية؟ الفصل الحادي والعشرون: فيما يقال عند ذبح العقيقة. الفصل الثاني والعشرون: في حكمة اختصاصها باليوم السَّابع، والرابع عشر، والحادي والعشرين.

стр. 96

الفصل الأول في بيَانِ مَشروعيَّتها قال مالكٌ: هذا الأمرُ الذي لا اختلافَ فيه عندَنَا (١). وقال يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريّ: أدركتُ النَّاس وما يَدَعُونَ العقيقةَ عن الغُلامِ والجاريةِ (٢). وقال ابن المُنْذِر (٣): "وذلك أمرٌ معمولٌ به بالحجاز قديمًا وحديثًا، ويستعملُهُ العلماءُ (٤). وذكر مالكٌ أنه الأمرُ الذي لا اختلافَ فيه عندَهُمْ. قال (٥): وممن كان يرى العَقِيقةَ: عبدُ الله بنُ عبَّاسٍ (٦)، وعبدُ الله بنُ

стр. 97

عُمَرَ، وعائِشةُ أمُّ المؤمنينَ. وروينا ذلك عن فاطمةَ بنتِ رسولِ الله ﷺ ، وعن بُرَيْدَةَ الأسْلَمِىِّ، والقاسمِ بنِ محمَّدٍ، وعُرْوَةَ بنِ الزُّبَير، وعطاءِ بنِ أبي ربَاحٍ، والزُّهْرِيِّ، وأبي الزِّنَادِ. و به قال مالكٌ، وأهلُ المدينةِ، والشّافِعِيُّ، وأصحابهُ، وأَحْمَد، وإسْحَاق، وأبو ثَوْرٍ، وجماعةٌ يكثُرُ عدَدُهُمْ من أهل العلم، متَّبعينَ في ذلك سُنَّةَ رسولِ الله ﷺ ، وإذا ثبتتِ السنَّةُ، وجبَ القولُ بها، ولم يَضُرَّها مَنْ عَدَلَ عنهَا. قال: وأنكر أصحابُ الرَّأي أن تكونَ العَقِيقَةُ سنَّةً، وخَالَفُوا في ذلكَ الأخبارَ الثابتةَ عَن رَسُولِ الله ﷺ ، وعَن أصحابِهِ (١)، وعمَّن رُوِيَ عنه ذلك من التَّابعِين" (٢). انتهى.

стр. 98

الفصل الثاني في ذِكْر حُججِ من كرهها قالوا: روى عَمْرو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيهِ عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عن العَقِيقَةِ، فقال: "لا أُحِبُّ العُقُوقَ" (١). قالوا: ولأنها من فِعْلِ أهلِ الكتابِ كما قال النبيُّ ﷺ : إن اليهود تَعُقُّ عن الغُلامِ ولا تَعُقَّ عن الجَارِيَة. ذكره البَيْهَقِيّ (٢). قالوا: وهي من الذَّبَائِح التي كانت الجاهليَّةُ تفعلُها، فأَبْطَلها الإسلامُ (٣)،

стр. 99

كالعَتِيْرَةِ والفَرَعِ (١). قالوا: وقد روى الإمام أَحمد من حديث أبي رافعٍ أن الحَسنَ بنَ عليٍّ لما وُلِد أرادتْ أمُّه فاطمةُ (٢) أن تَعُقَّ عنه بكبشين، فقال رسول الله ﷺ : "لا تَعُقِّي ولكنِ احلقِي شَعْرَ رأسِهِ (٣) فتصدَّقِي بوَزْنهِ من الوَرِق" (٤). ثم وُلِدَ حُسَينٌ فصنعتْ مِثْلَ ذلك (٥).

стр. 100

الفصل الثالث في أَدلَّةِ الاستحبابِ فأمَّا أهلُ الحديثِ قاطبةً، وفقهاؤهُم، وجمهورُ أهلِ العِلْمِ، فقالوا: هي من سُنَّةِ رسولِ الله ﷺ . واحتجُّوا على ذلك بما رواه البُخَاريّ في "صحيحه" عن سَلْمانَ بنِ عامر الضَّبّيِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مع الغُلامِ عَقِيقَتُهُ، فأهْرِيقُوا عنهُ دَمًا، وأَمِيطُوا عنهُ الأذَى" (١). وعن سَمُرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : "كلُّ غلامٍ رهينةٌ بعَقِيقَتِه، تُذبح عنه يومَ سَابعهِ، ويُسَمَّى فيه، ويُحْلَقُ رأسُهُ" رواه أهلُ السُّنَنِ كلُّهم، وقال التّرْمِذِيّ: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ" (٢).

стр. 101

وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "عنِ الغُلامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتانِ، وعنِ الجَارِية شاةٌ" رواه الإمام أَحمد والتّرْمِذِيُّ وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ" (١). وفي لفظ: أمَرَنا رسولُ الله ﷺ أن نَعُقَّ عن الجَارِيَة شاةً وعن الغُلام شاتين. رواه الإمام أَحْمَد في "مسنده" (٢). وعن أمِّ كُرْزٍ الكَعْبِيَّةِ أنها سألتْ رسولَ الله ﷺ عن العَقيقةِ فقال: "عن الغُلام شَاتَانِ وعن الأنثى واحدةٌ، ولا يَضرُّكم ذُكْرَانًا كُنَّ أو إناثًا". رواه الإمام أَحمد والتّرمذِيّ وقال: "هذا حديث صحيح" (٣). وقال الضّحَّاك بنُ مَخْلَد: أخبرنا أبوحَفْصٍ سالمُ بنُ تميمٍ (٤)، عن

стр. 102

أبيه، عن عبدِ الرَّحمن الأعْرَجِ، عن أبي هُرَيرَة، أن النبيّ ﷺ قال: "إنَّ اليَهودَ تَعُقُّ عن الغُلامِ ولا تَعُقُّ عن الجَارِيَة، فَعقُّوا عن الغُلامِ شاتَيْنِ وعنِ الجَاريَة شاةً". ذكره البيهقِيُّ (١). وعن ابن عبَّاسٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ عقَّ عن الحَسَنِ والحُسَيْنِ كَبْشًا كبشًا. رواه أبو داود والنَّسائيّ. ولفظ النَّسائيّ: "بكبشينِ كبشينِ" (٢). وعن عَمْرو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ رسول الله ﷺ أمَر بتسميةِ المولودِ يومَ سابعِهِ ووضْعِ الأذى عنه والعقِّ (٣). قال التّرْمِذِيّ: "هذا حديث حسن غريب". وعن بُرَيْدَةَ الأسْلَمِىّ: قال كنَّا في الجاهليَّة، إذا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غلامٌ ذَبحَ شاةً ولَطَّخَ رأسَه بِدَمِهَا، فلمَّا جاء الله بالإسلامِ كنَّا نذبحُ شاةً، ونَحْلقُ رأسَهُ، ونلطِّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ. رواه أبو داود (٤). وروى ابن المنذر (٥) من حديث يحيى بن يحيى، أنبأنا هُشَيم، عن

стр. 103

عُيَينةَ بنِ عبد الرَّحمن، عن أبيه، أنَّ أبا بَكْرَةَ وُلِد له ابنهُ عبدُ الرَّحمن، وكان أوَّلَ مولود وُلِدَ بالبصرة، فَنحَرَ عنه جَزُورًا، فأطعمَ أهلَ البصرةِ. وأنكر بعضُهم ذلك، وقال: أمَرَ رسولُ الله ﷺ بشَاتَين عن الغُلام وعن الجَارِيَة بشاة. وعن الحَسَنِ عن سَمُرَة، أن النبيّ ﷺ قال في العَقِيقَة: "كلُّ غلامٍ مُرْتَهَنٌ بعَقيقتهِ، تُذبَحُ عنه يومَ سابعِه، ويُحْلَقُ، ويُدَمَّى". قال أبو داود: فكان قتادة إذا سئل عن (١) الدم كيف يصنع به (٢)؟ قال: إذا ذُبِحَتِ العَقِيقَةُ، أُخذت منها صوفةٌ، واستُقْبِلَتْ بها أوْداجُهَا، ثم تُوضَع على يَافُوخِ الصبيَّ حتى يسيلَ (٣) على رأسه مِثل الخيط، ثم يُغسل رأسُه ويُحلَقُ (٤). قال أبو داود: وهذا وهمٌ من هَمَّام بن يحيى ـ يعني "ويُدَمَّى" ـ ثم

стр. 104

ساقه من طريق أخرى، قال: "كلُّ غلامٍ رهينةٌ بعقيقتِهِ، تُذبَح عنه يومَ سابعِهِ ويحلق رأسه (١) ويُسَمَّى". قال أبو داود: "ويسمَّى" أصحُّ. وأخرجه التّرْمِذِيّ والنَّسائيّ وابنُ ماجه، وقال التّرْمذيّ: "حديث حسن صحيح" (٢). وهذا الحديث قد سَمِعَهُ الحَسَنُ من سَمُرَةَ، فذكر البُخَاريّ في "صحيحه" (٣) عن حبيب بن الشهيد، قال: قال لي ابنُ سيرين: سَلِ الحَسَنَ: ممّن سمع حديث العَقيقةِ؟ فسألته، فقال: من سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ (٤). وقد ذكر البَيهقيّ عن سليمان بن شُرَحْبِيل: حدّثنا يحيى بن حَمْزَة قال: قلت لعطاء الخُرَاسَانيّ: ما "مُرْتَهنٌ بعقيقته؟ " قال: يحرم شفاعة ولده (٥).

стр. 105

وقال إسْحَاق بنُ هَانِئ: سألتُ أبا عبدِ الله عن حديث النبيِّ ﷺ : "الغُلامُ مُرْتَهنٌ بعَقيقتِه" ما مَعْناهُ؟ قال: نعم، سُنَّةُ النبيّ (١) ﷺ أن يُعَقَّ عن الغُلام شَاتانِ وعن الجَارِيَةِ شاةٌ، فإذا لم يُعَقَّ عنه فهو محتَبَسٌ بعقيقتِه، حتى يُعَقَّ عنه (٢). وقال الأَثْرَمُ: قال أبو عبدِ اللهِ: ما في هذه الأحاديثِ أَوْكَدُ من هذا ــ يعني في العَقِيقَة "كلُّ غلامٍ مُرْتَهنٌ بعقيقتِه" ــ. وقال يَعقوب بن بُخْتَان: سُئل أبو عبد الله عن العَقِيقَةِ، فقال: ما أَعْلمُ فيه شيئًا أشدَّ من هذا الحديث: "الغُلامُ مرتهنٌ بعقيقتهِ" (٣). وقال حَنْبَل (٤): قال أبو عبد الله: ولا أحبُّ لمن أمْكَنهُ وقَدَرَ: أنْ لا يَعُقَّ عن ولده، ولا يَدَعَهُ؛ لأن النبيَّ ﷺ قال: "الغُلامُ مُرْتَهنٌ بعَقِيقَتهِ"، وهو أشدُّ ما روي فيه، وإنما كره النبيّ ﷺ من ذلك الاسمَ، وأما الذَّبْحُ، فالنبيُّ ﷺ قد فعلَ ذلك. وقال أَحْمَدُ بنُ القاسمِ: قيل لأبي عبد الله: العَقِيقَةُ واجبةٌ هي؟ فقال: أمَّا واجبةٌ فلا أدري، لا أقولُ: واجبةٌ. ثم قال: أشدُّ شيءٍ فيه أنَّ

стр. 106

الرجلَ مُرتهنٌ بعقيقتهِ. وقد قال أَحْمَد في موضعٍ آخرَ: مرتهنٌ عن الشفاعة لِوَالِدَيْهِ (١). وأمَّا قولُه: "ويُدَمَّى": فقد اختُلِفَ في هذه اللفظة، فرواها هَمَّام بن يحيى عن قَتَادَة، فقال: "ويُدَمَّى"، وفسَّرها قَتَادَة بما تقدم حكايته. وخالفَه في ذلك أكثرُ أهلِ العِلْمِ، وقالوا: هذا من فعل الجاهليَّة (٢).

стр. 107

وكرهه الزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، والشّافِعِيُّ، وأَحمدُ، وإسْحَاق. قال أَحمد: أكره أن يُدَمَّى رأسُ الصبيِّ، هذا من فعل الجاهليَّة (١). وقال عبد الله بن أَحْمَدَ: سألتُ أبي عن العَقِيقَة: تُذْبَحُ (٢) ويُدَمَّى رأسُ الصبيِّ أو الجَارِيَةِ؟ فقال أبى: لا يُدَمَّى (٣). وقال الخَلاّل: أخبرني العبَّاس بن أَحمد: أنَّ أبا عبد الله سُئِلَ عن تلطيخ رأس الصبيِّ بالدم، فقال: لا أحبُّه، إنه من فعل الجاهليَّة. قيل له: فإن هَمَّامًا كان يقول: يدمِّيه، فذكر أبو عبد الله عن رجل قال: كان يقول: يسمِّيه، ولا أحبُّ قول هَمَّام في هذا. وأخبرنا أَحْمَد بن هاشِم (٤) الأنْطَاكِيّ قال: قال أَحْمَد: اختلف هَمَّامٌ وسعيدٌ في العَقِيقَةِ، قال: أحدهما "يُدَمَّى"، وقال الآخر: "يُسَمَّى". وعن أَحْمَد رواية أخرى أن التَّدْمِيَةَ سنَّةٌ. قال الخَلاّل: أخبرني عِصْمَةُ بنُ عصامٍ، قال: حدّثنا حَنْبَل قال:

стр. 108

سمعت أبا عبد الله في الصبيِّ يُدَمَّى رأسه؟ قال: هذه سنَّةٌ (١). ومذهبُهُ الذي رواه عنه كافَّةُ أصحابهِ الكراهةُ (٢). قال الخَلاّل: وأخبرني عصمةُ بنُ عصامٍ في موضعٍ آخر: حدّثنا حَنْبَل، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: يُحلَقُ رأسُ الصبيِّ. وأخبرني محمَّد بن علي: حدّثنا صالح، وأنبأ أَحْمَدُ بنُ محمَّد بن حَازِمٍ، حدّثنا إسْحَاق، كلُّهم يذكر عن أبي عبد الله، قال: الدمُ مكروهٌ، لم يرْوَ إلا في حديثِ سَمُرَةَ (٣). أخبرني محمَّدُ بنُ الحُسَينِ أنَّ الفَضْلَ حدَّثَهُمْ أنَّه قال لأبي عبد الله: يحلق رأسه؟ قال: نعم! قلت: فيُدَمَّى؟ قال: لا، هذا مِنْ فِعْلِ الجاهليَّةِ. قلت: فحديثُ قَتَادَةَ عن الحَسَنِ، كيفَ هوَ "ويُدَمَّى؟ " فقال: أمَّا هَمَّامٌ، فيقول: "ويُدَمَّى"، وأمَّا سعيد، فيقول: "ويُسمَّى". وقال في رواية الأَثرَمِ: قال ابنُ أَبي عَرُوبَة: "يسمَّى"، وقال هَمَّام:

стр. 109

"ويُدَمَّى"، وما أُراه إلا خطأً. وقد قال أبو عبد الله ابن ماجه في "سننه" (١): حدّثنا يَعقوبُ بنُ حُمَيدٍ بنِ كَاسِبٍ، حدّثنا عبدُ الله بنُ وهب، حدّثني عَمْرُو بنُ الحارث، عن أيُّوبِ بنِ موسى، أنه حدَّثه عن يزيدِ بنِ عبدٍ (٢) المُزَنِيّ، أن النبيّ ﷺ قال: "يُعَقُّ عنِ الغُلام ولا يُمَسُّ رأسهُ بدمٍ". وقد تقدم حديث بُرَيدَةَ: كنا في الجاهليَّة إذا وُلِدَ لأحدنا غلامٌ، ذبح شاة، ولطَّخَ رأسه بدمها، فلما جاء الإسلام، كنَّا نذبحُ شاةً، ونحلِقُ رأسَه، ونلطِّخُه بزَعْفَرَان (٣). وقد روى البَيهَقيّ وغيره من حديث ابن جُرَيجٍ عن يحيى بنِ سعيدٍ عن عَمْرَةَ عن عَائِشَةَ قالت: كان أهل الجاهليَّة يجعلون قُطنةً في دم العَقِيقة، ويجعلونَهُ على رأسِ الصبيِّ. فأمَرَ النبيُّ ﷺ أن يُجعلَ مكانَ الدَّمِ خَلُوقًا (٤).

стр. 110

قال ابن المُنْذِر: "ثبتَ أن النبيَّ ﷺ قال: "أهْرِيقُوا عنه دمًا، وأمِيطُوا عنه الأذى". فإذا كان النبيّ ﷺ قد أمَرَنَا بإماطة الأذى عنه، والدَّمُ أذًى ــ وهو من أكبر الأذى ــ فغير جائزٍ أن ينجَّسَ رأسُ الصبيِّ بالدَّمِ" (١).
следующие страницы →