← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 229

تحفة المودود بأحكام المولود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (505 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

واختصَّ حديثُ ابنِ مسعودٍ بأنَّ نَفْخَ الرُّوْحِ فيه بعد الأربعينَ الثالثةِ. واشتركَ الحديثانِ في استئذانِ المَلَكِ ربَّهُ ـ سبحانه ـ في تقدير شأنِ المولودِ في خلالِ ذلكَ، فتصادقتْ كلماتُ رسولِ الله ﷺ ، وصدَّق بعضُهَا بعضًا. وحديثُ ابنِ مسعودٍ فيه أمران: أمْرُ النُّطْفةِ وتنقُّلها، وأَمْرُ كتابةِ الملَك ما يقدِّر اللهُ فيها، والنبيُّ ﷺ أخبر بالأمْرَينِ في الحديثِ. قال الإمامُ أَحْمَد: حدّثنا هُشَيْم، أنبأنا عليّ بنُ زيد، قال سمعت أبا عُتْبَةَ بنَ عبدِ الله يحدِّث قال: قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ ﵁ قال رسولُ الله ﷺ : «إنَّ النُّطفةَ تكونُ في الرَّحِمِ أربعينَ يومًا على حَالهَا لا تتغيَّرُ، فإذا مضتْ له أربعونَ صارتْ عَلَقةً، ثم مُضْغَةً كذلك، ثم عظامًا كذلك، فإذا أرادَ أن يُسَوِّيَ خَلْقَهُ بعثَ اللهُ إليهِ المَلَكَ، فيقولُ الملَكُ الذي يليه: أيْ ربِّ أذكرٌ أم أُنثى؟ أشقيٌّ أم سعيدٌ، أقصيرٌ أم طويلٌ، أناقصٌ أم زائدٌ، قُوْتُهُ وأَجَلُهُ، أصحيحٌ أم سقيمٌ؟» قال: «فيَكْتبُ ذلك كلَّه» (١).

стр. 422

فهذا الحديث فيه الشِّفاءُ. وإنَّ الحادثَ بعد الأربعينَ الثالثةِ: تسويةُ الخلْقِ عند نفخِ الرُّوح فيه. ولا ريب أنَّه عند نفخِ الرُّوح فيه وتَعَلُّقِهَا به يَحدُثُ له في خلْقه أمورٌ زائدة على التخليق الذي كان بعد الأربعينَ الأُولى، فالأوَّلُ كان مبدأَ التخليقِ. وهذا تسويتُه وكمالُ ما قُدِّر له، كما أنَّه ـ سبحانه ـ خلقَ الأرضَ قبل السماء، ثم خلقَ السماءَ، ثم سوَّى الأرضَ بعد ذلك، ومهَّدَها وبَسَطَها، وأكْمَلَ خَلْقَها، فذلك فِعْلُه في السَّكَن، وهذا فِعْلُهُ في السَّاكن. على أن التَّخليقَ والتَّصويرَ ينشأُ في النُّطفة بعد الأربعينَ على التَّدريج شيئًا فشيئًا، كما ينشأ النباتُ، فهذا مشاهَدٌ في الحيوان والنّباتِ، كما إذا تأمَّلتَ حالَ الفرُّوجِ في البَيْضَةِ، فإنَّما يقعُ الإشْكالُ مِن عَدَم فَهْم كلامِ الله تعالى ورسُولِهِ ﷺ ، فالإشكالُ في أفهامنا، لا في بَيَانِ المعصومِ، واللهُ المسْتَعَانُ. وقد أغناك هذا ـ بحمد الله ـ عن تكلُّف الشَّارحينَ، فتأمَّلْهُ ووَازِنْ بينَه وبينَ هذا الجَمْعِ، وبالله التَّوفيقُ. فصل وقد قال بُقْراط في «كتاب الغذاء»: تصوير (١) الجنين يكون في خمسة وثلاثين يومًا، وحركتُه في سبعين صباحًا، وكمالُه في مائة وعشرة

стр. 423

أيام، ويتصوَّر أجنَّة أُخَر في خمسين صباحًا، ويتحركون التحرُّك الأول في مائة صباح، ويكملون في ثلاثمائة، ويتصور أجنة أُخَر في أربعين صباحًا، ويتحركون في ثمانين صباحًا، ويولدون في مائتين وأربعين صباحًا، ويتصور أجنة أخر في خمسة وأربعين صباحًا، ويتحركون في تسعين صباحًا، ويولدون في مائتين وسبعين صباحًا. قال: فأما الولادة فتكون في الشهر السَّابع والثامن والتاسع والعاشر. قلت: الحركة حركتان: حركة طبيعيَّة غير إراديَّة، فهذه قد تكون قبل تعلُّق الروح به، وأما الحركة الإراديَّة فلا تكون إلا بعد نفخ الروح. ولهذا فرَّق بقراط بين التحرُّك الأول والثاني. قلت: الذي دلَّ عليه الوحي الصَّادق عن خالق (١) البشر، أنَّ الخلق ينتقل في كل أربعين يومًا إلى طور آخر، فيكون أولًا نطفة أربعين يومًا ثم عَلَقَة كذلك، ثم مُضْغَةً كذلك، ثم ينفخ فيه الروح بعد مائة وعشرين يومًا. فهذا كأنك تشاهده عِيَانًا، وما خالفه فليس مع المخبِر به عِيان، وغاية ما معه قياس فاسد، أوتشريح لا يحيط علمًا بمبدأ (٢) ما شاهده منه، أو تقليد لواحد غير معصوم (٣)، وكل من جاء به مشى خلفه فيه، فيعتقد المعتقِد أن هذا أمر متفق عليه بين الطبائعيين. وأصله كلُّه

стр. 424

واحد (١)، أخطأ فيه، ثم قلَّده مَن بعده، والقوم لم يشاهدوا ما أخبروا به من ذلك. وغاية ما معهم أنهم شرَّحوا الحاكي أحياء وأمواتًا، فوجدوا الجنين في الرَّحِم على الصفة التي أخبروا بها، ولكن لا علم لهم بما وراء ذلك من مبدأ الحمل وتغير أحوال النطفة. فإن ضيَّق مقلِّدُهم الفرضَ وقال: نفرض أنهم اعتبروا بِكْرًا من حيث وُطِئَت، ثم جعلوا يعدُّون أيامها إلى أن بلغت ما ذكروه. ثم شرَّحوها فوجدوا الأمر على الصفة التي أخبروا بها= فهذا غاية الكذب والبَهْت، فإن القوم لم يدَّعوا ذلك (٢)، وكيف يمكنهم دعواه (٣) وهم يخبرون أنَّ بعد ذلك بكذا وكذا يومًا يصير شأن الحَمْل كذا وكذا! وإنَّما مع القوم كليِّات (٤) وأقيسة، وينبغي أن يكون كذا وكذا، والنظام الطَّبَعِيُّ يقتضي كذا وكذا. وكثيرٌ منهم يأخذ ذلك من حركات القمر وزيادته ونقصانه، ومن حركات الشمس، ومن التثليث والتربيع والتسديس، والمقابلة. وردَّ عليهم آخرون منهم، وأبطلوا ذلك عليهم من وجوه، وأحالوا به

стр. 425

على الأَخْلَق والأَوْلى والأنسب. وأحال به آخرون على حركات الكواكب وتنقلها، وأحال آخرون على (١) أيام البحارين وتغيُّر الطبيعة فيها، وردَّ بعض هؤلاء على بعض، وأبطل قوله بما تركناه مخافة التطويل. وأصحُّ ما بأيديهم: التشريح والاستقراء التام الذي لا يُخْرَم. ونحن لا ننكر ذلك، ولكن ليس فيه ما يخالف الوحيَ عن خلاف (٢) الأجنة أبدًا. ومما يدلُّ على أن القوم لم يخبروا في ذلك عن مشاهدة: قولهم إنَّ الجنين الذي يُولد في الشهر السَّابع يصير ديديًّا (٣) في تسعة أيام، ودمويًّا في ثمانية أيام أُخَر، ولحميًّا في تسعة أيام أخَر، ويقبل الصورة في اثني عشر يومًا أُخَر، فإذا اجتمعت هذه الأيام صارت خمسة وثلاثين يومًا، فجعلوه مضغة في الأربعين الأولى. وهذا كذب ظاهر قطعًا، وإنما يصير لحميًّا بعد الثمانين، ومثل هذا لا يُدرك إلا بوحي أو مشاهدة، وكلاهما مفقود عندهم، وإنما بأيديهم قياس اعتبروا به أحوال الأجنَّة من شهور ولادها، فحكموا على كل جنين ولد في شهر من شهور الولادة، على أنه ينبغي أن يكون ديديًّا، أي: نطفة، كذا وكذا يومًا،

стр. 426

ودمويًّا، أي: علقة، كذا وكذا يومًا، ولحميًّا، أي: مضغة، كذا وكذا يومًا، ثم أضعفوا ذلك العدد، وجعلوه وقت تحرك الجنين، وكذبوا في ذلك على الخلَّاق العليم في خلقه، كما كذبوا عليه في صفاته وأسمائه، فإن القوم لم يكن لهم نصيب من العلم الذي جاءت به الرسل، بل كانوا كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النساء/ ٨٣]. وما غاية ما يناله المنكِرُ (١) المعرِضُ عمَّا جاءت به الرسل، وغاية ما نالوا به علمًا بأمور طبيعيَّة فيها الحقُّ والباطل، وأمور رياضية كثيرة التعب، قليلة الجدوى. وأمورُ الهيئة باطلُها أضعافُ أضعافِ حقِّها، فأين العلم المتلقَّى من الوحي النازل إلى الظن المأخوذ عن الرأي الزائل؟ وأين العلم المأخوذ عن رسول الله ﷺ عن جبريل عن الله ، إلى الظن المأخوذ عن رأي رجل لم يَسْتَنِرْ قلبه بنور الوحي طرفة عين، وإنَّما معه حَدْسُه وتخمينه؟ ونسبةُ ما يدركه العقَلاء قاطبة بعقولهم إلى ما جاءت به الرسل، كنسبةِ سراجٍ ضعيف إلى ضوء الشمس، ولا تجد ولو عُمِّرت عُمْر نوح مسألةً واحدة أصلًا اتَّفَق فيها العقلاء كلُّهم على خلاف ما جاءت به الرسل في أمر من الأمور البتة، فالأنبياء لم تأت بما يخالف صريح العقل البتة، وإنما جاءت بما لا يدركه العقل، ف ما جاءت به الرسل مع العقل ثلاثة أقسام لا رابع لها البتة: قسم شهد به العقل والفطرة، وقسم يشهد

стр. 427

بجملته ولا يهتدي لتفصيله، وقسم ليس في العقل قوة إدراكه، وأما القسم الرابع وهو ما يحيله العقل الصريح ويشهد ببطلانه، فالرسل بريئون منه، وإن ظنَّ كثير من الجهَّال المدَّعين للعلم والمعرفة أنَّ بعض ما جاءت به الرسل يكون من هذا القسم، فهذا إمَّا لجهله بما جاءت به، وإمّا لجهله بحكم العقل، أوْ لهما. فصل في مقدارِ زمانِ الحَمْلِ واختلافِ الأَجِنَّة في ذلك (١) قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف/١٥]. فأخبر تعالى أن مدة الحمل والفطام ثلاثون شهرًا، وأخبر في آية البقرة أنَّ مدة تمام الرَّضاع ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، فعُلِمَ أنَّ الباقي يصلُح مدةً للحَمْلِ، وهو ستة أشهر. فاتفق الفقهاء كلُّهم على أن المرأة لا تَلِدُ لدون ستةِ أشهرٍ إلا أن يكون سِقْطًا، وهذا أمر تلقَّاه الفقهاءُ عن الصَّحابةِ ﵃ (٢). فذكر البَيْهَقِيُّ وغيره، عن حرب بن أبي الأسود الدّيْلِيّ، أنَّ عُمَرَ أُتي

стр. 428

بامرأةٍ قد ولدت لستة أشهر، فهمَّ عمر برَجْمِهَا، فبلغ ذلك عليًّا ﵁، فقال: ليس عليها رجمٌ. فبلغ ذلك عُمَرَ، فأرسلَ إليه فسألَه. فقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة/ ٢٣٣]. وقال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف/ ١٥]. فستةُ أشهرٍ حَمْلُهُ، وحولانِ تمامُ الرَّضاعة، لا حدَّ عليها. قال: فخلَّى عنها (١). وفي «موطأ مالك»: أنّه بلَغَهُ أنَّ عُثمانَ بنَ عفَّانَ ﵁ أُتي بامرأةٍ وقد وَلَدَتْ في ستة أشْهُرٍ، فأَمَرَ بها أنْ تُرْجَمَ، فقال عليٌّ: ليس ذلك عليها، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان/١٤]. فأمَرَ بها عثمانُ أن تُردَّ، فَوَجَدَهَا قدْ رُجِمَتْ (٢). وذكر داود بن أبي هند، عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عبَّاس، أنه كان يقول:

стр. 429

إذا ولدت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرَّضاع أحد وعشرون شهرًا، وإذا وضعت لسبعة أشهر كفاها من الرّضاع ثلاثة وعشرون شهرًا، وإذا وضعت لستة أشهر كفاها من الرّضاع أربعة وعشرون شهرًا، كما قال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. انتهى كلامه (١). وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد/ ٨]. قال ابن عبَّاس: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾: ما تنقص عن تسعة أشهر. ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾: وما تزيد عليها. ووافقه على هذا أصحابه، كمجاهد، وسعيد بن جبير (٢). وقال مجاهد أيضًا: إذا حاضت المرأة على ولدها كان ذلك نقصانًا من الولد، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: إذا زادت على تسعة أشهر كان ذلك تمامًا لما نقص من ولدها. وقال أيضا: «الغَيْضُ»: ما رأت الحامل من الدم في حملها، وهو نقصان من الولد، والزيادة: ما زاد على التسعة أشهر وهو تمام النقصان (٣).

стр. 430

وقال الحَسَنُ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾: ما كان من سِقْط. ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾: المرأة تلد لعشرة أشهر (١). وقال عِكْرِمَةُ: تغيض الأرحام الحيض بعد الحمل، فكل يوم رأت فيه الدم حاملًا ازداد به في الأيام طاهرًا، فما حاضت يومًا إلا ازدادت في الحمل يومًا (٢). وقال قَتَادَة: «الغيض» السِّقْط، «وما تزداد»: فوق التسعة أشهر (٣). وقال سعيد بن جبير: إذا رأت المرأة الدم على الحمل فهو الغيض للولد، فهو نقصان في غذاء الولد، وزيادة في الحمل (٤). «تغيض» و «تزداد» فعلان متعديان مفعولهما محذوف، وهو العائد على «ما» الموصولة، و «الغيض»: النقصان، ومنه: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود/ ٤٤]، وضدُّه الزيادةُ. والتحقيق في معنى الآية: أنَّه يَعْلَم مدَّةَ الحَمْلِ وما يحدث فيها من الزيادة والنقصان، فهو العالِمُ بذلك دونكم، كما هو العالم بما تحمل كلُّ أنثى هل هو ذكر أو أنثى؟

стр. 431

وهذا أحد أنواع الغيب التي لا يعلمها إلا الله، كما في «الصحيح» عنه ﷺ : «مفاتيحُ الغيبِ خمسٌ لا يَعْلمُهُنَّ إلا الله: لا يَعْلمُ متى تجيءُ السَّاعةُ إلا الله، ولا يَعْلمُ ما في غدٍ إلا الله، ولا يَعْلمُ متى يجيء الغيثُ إلا اللهُ، ولا يعْلمُ ما في الأرحامِ إلا الله، ولا تَدْرِي نفسٌ بأي أرضٍ تموتُ إلا اللهُ» (١). فهو ـ سبحانه ـ المتفرِّد بِعِلْمِ ما في الرَّحِم، وعِلْمِ وقتِ إقامتِه فيه، وما يزيدُ من بَدَنِهِ، وما يَنْقُص. وما عدا هذا القول فهو من توابعه ولوازمه، كالسِّقْط التام، ورؤية الدم، وانقطاعه. والمقصود: ذكر مدة إقامة الحمل في البطن وما يتصل بها من زيادة ونقصان. فصل وأما أقصاها فقال ابن المُنْذِر (٢): «اختلف أهل العلم في ذلك، فقالت طائفة: أقصى مدته سنتان. وروي هذا القول عن عَائِشَةَ. وروي عن الضّحَّاك، وهرم بن حبان: أن كلَّ واحدٍ منهما أقامَ في بطن أُمِّه سنتين. وهذا قول سفيان الثَوْري (٣).

стр. 432

وفيه قول ثان: وهو أن مدة الحمل قد تكون ثلاث سنين، رُوِّينا عن الليث بن سعد، أنه قال: حملت مولاة لعمر بن عبد الله ثلاث سنين. وفيه قول ثالث: إن أقصى مدته أربع سنين، هكذا قال الشّافِعِيّ ﵀» (١). قلت: وعن الإمام أَحْمَد ﵀ روايتان: إحداهما: أنه أربع سنين، والثانية: سنتان (٢). قال (٣): «واختلف فيه عن مالك، فالمشهور عنه عند أصحابه مثل ما قال الشّافِعِيّ، وحكى ابن الماجشون عنه ذلك، ثم رجع لمَّا بلغه قصة المرأة التي وضعت لخمس سنين. وفيه قول آخر: أن مدة الحمل قد تكون خمس سنين، حُكِيَ عن عَبَّاد ابن العوَّام أنه قال: ولدت امرأة معنا في الدار لخمس سنين، قال: فولدته وشعره يضرب إلى ها هنا، وأشار إلى العنق، قال: ومرَّ به طير فقال: هش. وقد حُكِي عن ابن عجلان أن امرأته كانت تحمل خمس سنين. وفيه قول خامس قاله الزُّهْرِيّ (٤): إن المرأة تحمل ست سنين،

стр. 433

وسبع سنين، فيكون ولدها محشوشًا (١) في بطنها. قال: وقد أُتي سعيد ابن مالك (٢) بامرأة حملت سبع سنين. وقالت فرقة: لا يجوز في هذا الباب التحديد والتوقيت بالرأي، (لأنَّا وجدنا لأدنى الحمل أصلاً في تأويل الكتاب، وهو الأشهر الستة) (٣)، فنحن نقول بهذا ونتبعه، ولم نجد لآخره وقَتًا. وهذا قول أبي عُبَيْد، ودفعَ بهذا حديثَ عَائِشَةَ، وقال: المرأة التي رَوَتْهُ عنها مجهولةٌ. وأجمع كلُّ من يُحْفَظُ عنه من أهل العلم: أنَّ المرأة إذا جاءت بولدٍ لأقلَّ من ستةِ أشهرٍ من يومِ تَزوَّجَها الرجلُ: أنَّ الولدَ غير لَاحِقٍ به، فإن جاءت به لستة أشهرٍ من يوم نَكَحَهَا: فالولدُ له». وهذا وأمثاله يدل على أن الطبيعة ـ التي هي نص (٤) سير الطبائعيين ـ لها ربٌّ قاهر قادرٌ يتصرَّف فيها بمشيئته، وينوِّع فيها خَلْقَه كما يشاء ليدلَّ مَنْ له عقلٌ على وجودهِ ووحدانيتِه وصفاتِ كمالِه ونُعوتِ جلالِه، وإلا فمِنْ أين في الطبيعة المجرَّدة هذا الاختلاف العظيم والتباين الشديد؟

стр. 434

ومن أين في الطبيعة خَلْقُ هذا النوع الإنساني على أربعة أضرب: (أحدها): لا من ذكر، ولا من أنثى، كآدم ﷺ . (الثاني): من ذكر بلا أنثى، كحواء صلوات الله عليها. (الثالث): من أنثى بلا ذكر كالمسيح ﷺ . (الرابع): من ذكر وأنثى كسائر النوع؟ ومن أين في الطبيعة والقوة هذا التركيب والتقدير والتشكيل، وهذه الأعضاء والرباطات، والقُوى والمنافذ، والعجائب التي رُكِّبت في هذه النطفة المهينة؟ لولا بدائعُ صُنعِ الله ما وُجِدَتْ ... تلكَ العجائبُ في مُسْتَقْذَرِ الماء ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار/ ٦ ـ ٨]. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران/ ٥ ـ ٦]. لقد دلَّ ـ سبحانه ـ على نفسه أوْضَحَ دِلَالةٍ بما أَشْهَدَهُ كلَّ عبدٍ على نَفْسهِ من حَالِه وحُدُوثَه، وإتقانِ صُنْعِه، وعَجَائِبِ خَلْقِه، وآياتِ قُدرتِه، وشَوَاهِدِ حِكْمَتِهِ فيه. ولقد دعا ـ سبحانه ـ الإنسانَ إلى النّظَر في مبدأ خَلْقِه وتَمامِهِ، فقال

стр. 435

تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق/ ٥ ـ ٧]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج/٥]. وقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات/ ٢٠ ـ ٢١]. و هذا في القرآن كثيرٌ لمن تدبَّره وعَقَلَهُ، وهو شاهدٌ منكَ عليكَ، فمن أينَ للطبيعةِ والقوةِ المحصورةِ هذا الخَلْقُ والإتقانُ والإبداعُ، وتفصيلُ تلك العظام، وشدُّ بعضِها ببعضٍ على اختلاف أشكالها ومقاديرِهَا ومنافعِها وصفاتِها، ومَنْ جعل في النطفة تلك العروقَ واللحمَ والعَصَبَ؟ ومَنْ فَتَحَ لها تلك الأبوابَ والمنافذَ؟ ومَنْ شقَّ سَمْعَهَا وبَصَرَهَا، ومن ركَّبَ فيها لسانًا تنطقُ به، وعينينِ تُبْصِرُ بهما، وأُذُنَيْنِ تَسْمعُ بهما، وشَفَتَيْنِ؟ ومَنْ أوْدَعَ فيها الصَّدْرَ وما حوَاهُ من المنَافِعِ والآلاتِ التي لو شاهدتَها لرأيتَ العجائبَ؟

стр. 436

ومَنْ جعل هناك حوضًا وخزانةً يجتمع فيها الطعامُ والشرابُ، وساقَ إليه مَجَارِيَ وطرقًا ينفذ فيها، فيسقي جميعَ أجزاءِ البدنِ، كلُّ جزءٍ يشربُ من مجراه الذي يختصُّ به لا يتعدَّاهُ ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة/ ٦٠]. ومَنْ أخذ منها تلكَ القُوَى التي بها تمَّتْ مَصَالِحُهَا ومَنَافِعُهَا؟ ومَنْ أودع فيها العلومَ الدقيقةَ والصنائعَ العجيبةَ، وعلَّمها ما لم تكنْ تعلمْ، وألْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاهَا، ونَقَلهَا في أطْوَارِ التَّخْليقِ طَوْرًا بعد طَوْرٍ، وطَبَقًا بَعْدَ طَبَقٍ إلى أنْ صارتْ شخصًا حيًّا ناطقًا سميعًا بصيرًا، عالمًا متكلِّمًا آمرًا ناهيًا، مسلَّطًا على طَيْرِ السَّماءِ وحِيْتَانِ الماءِ، ووُحُوشِ الفَلَوَاتِ، عالمًا بما لا يعلمُه غيرُه من المخلوقاتِ؟ ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس/ ١٧ ـ ٢٢]. فصل وقد زَعَمَ طائفةٌ ممَّن تكلَّم في خَلْقِ الإنسانِ أنَّه إنَّما يُعطَى السمعَ والبصرَ بعد وِلَادتِه وخُرُوجِهِ من بَطْنِ أُمِّه، واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل/٧٨]. واحتجَّ بأنَّه في بطن الأمِّ لا يَرَى شيئًا، ولا يسمعُ صوتًا، فلمْ يكنْ

стр. 437

لإعطائِهِ السمعَ والبصرَ هناك فائدةٌ! و ليس ما قاله صحيحًا، ولا حجَّةَ له في الآية، لأنَّ الواو لا ترتيب فيها، بل الآية حجَّةٌ عليه، فإنَّ فؤادَه مخلوقٌ وهو في بطنِ أُمِّه. وقد تقدَّم حديثُ حذيفةَ بنِ أَسيد الصَّحِيحُ: «إذا مرَّ بالنُّطفَةِ ثنتانِ وأربعونَ ليلةً، بعثَ اللهُ إليها مَلَكًا، فصوَّرهَا وخَلَق سْمَعَها وبَصَرَها، وَجِلْدَهَا ولحمَها» (١). وهذا، وإنْ كان المراد به العين والأذن، فالقوَّة السامعةُ والبَاصِرةُ مُوْدَعةٌ فيهما، وأمَّا الإدراكُ بالفعل فهو موقوفٌ على زوال الحجاب المانع منه، فلمَّا زال بالخروج من البطن، عمل المقتضي عملَه، والله أعلم.

стр. 438

فصل في ذِكرِ أَحوالِ الجنِينِ بعد تَحرِيكِه وانقِلابهِ عندَ تَمامِ نِصفِ السَّنَةِ يعرض للجنين في هذا الوقت أن يُهْتَك غشاؤه، والحجُبُ التي عليه، وأن ينتقل عن مكانه نحو فَمِ الرَّحم، فإن كان الجنين قويًّا وكانت أغشيته التي تغشيه (١) وسُرَّتُه أضعف= تمَّ الولاد. وإن كان الجنين ضعيفًا وأغشيته وسُرَّته أقوى= فإما أن يهتكها بعض الهتك ولا يولد، فيبقى مريضًا أربعين يومًا إلى تمام آخر الشهر الثامن، فإن ولد في هذه الأربعين يومًا مات، ولم يمكن تربيته ولا بقاؤه. وإن هو هتك أغشيته كلَّ الهتك حتى لا يمكن تلافي ذلك ولم يولد= مات، فإن لم يسقط= قتل الحامل به، وإن هَتَك أغشيتَه هتكًا يمكن تلافيه بقي ولم يمت، ومكث في موضعه الذي تحرك نحوه، وانقلب إليه عند فم الفرج. وإنما يعرض لهم المرض في هذه الأربعين يومًا، إذا لم يولدوا بعد تحرُّكهم لأنهم ينقلبون عن مكانهم الذي نشأوا فيه، وتتغير مواضعهم وانخلاع السُّرَّة بانتقالهم، ولأن أمهاتهم يعرض لهنَّ أن يَمْرَضْنَ عند ذلك، لتمدُّد الأغشية، وانخلاع السرَّة المتصلة بالرَّحم منهنَّ، ولأنَّ الجنين إذا انحلَّ رباطه ثقل على أمِّه.

стр. 439

فصل في سببِ الشَّبَه للأبوَينِ أو أحدِهما، وسببِ الإذْكارِ والإيناثِ، وهلْ لهما علامَةٌ وقتَ الحَمْلِ (١) أم لا؟ تقدَّم (٢) ذِكْرُ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران/ ٦]. وثبت في «الصحيحين» عن أنس بن مالك ﵁ أنّ أم سُلَيْمٍ سَأَلَتِ النبيَّ ﷺ عن المرأة تَرى في مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجلُ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : «إذا رأتِ المرأةُ ذلك فَلْتَغْتَسِلْ» فقالت أم سُلَيم ــ واسْتَحْيَتْ مِنْ ذَلِكَ ــ وهل يكونُ ذلكَ؟ فقالَ الرسولُ: «نعم، فمِنْ أينَ يكونُ الشَّبَهُ؟ ماءُ الرَّجُلِ غليظٌ أبيضُ، وماءُ المرأةِ رقيقٌ أصفرُ، فَمِنْ أيّهما عَلَا أو سَبَقَ يكونُ منه الشَّبَهُ» (٣). وفي «صحيح مُسْلِم» عن عَائِشَةَ أنَّ امرأةً قالتْ لرسولِ الله ﷺ هل تغتسلُ المرأةُ إذا احْتَلَمَتْ فأبْصَرَتِ الماءَ؟ فقال: «نعم»، فقالت لها

стр. 440

عَائِشَةُ: تَرِبَتْ يَدَاكِ! فقال رسولُ الله ﷺ : «دَعِيهِا، وهَلْ يكونُ الشَّبَهُ إلَّا من قِبَلِ ذلك، إذا عَلا ماؤها ماءَ الرجلِ أشبهَ الولدُ أخوالَه، وإذا عَلا ماءُ الرجلِ ماءَهَا أشبهَ أَعْمامَهُ» (١). وفي «صحيح مُسْلِم»: عن ثَوبَانَ، قال: كنتُ قائمًا عندَ رسُولِ الله ﷺ فجاءَ حَبْرٌ من أحْبَارِ اليهودِ، فقال: السَّلامُ عليكَ يا محمَّدُ، فدفعتُه دفعةً كاد يُصْرَعُ منها، فقال: لِمَ تَدْفَعُنِي؟ فقلتُ: ألَا تَقُولُ: يا رسولَ الله؟ فقالَ اليهوديُّ (٢): إنَّما نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الذي سمَّاه به أهلُه. فقال رسولُ الله ﷺ : «اسْمِي مُحَمَّدٌ. الذي سمَّاني به أَهْلِي» فقالَ اليهوديُّ: جئتُ أسألُكَ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : «أينفعُكَ شيءٌ إن حدَّثْتُكَ؟» فقال: أسمعُ بأُذني. فنكتَ رسولُ الله ﷺ بِعُودٍ مَعَه، فقالَ: «سَلْ» فقالَ اليهوديُّ: أينَ يكونُ النّاسُ حين تُبدَّل الأرضُ غيرَ الأرضِ والسماوات (٣)؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : «هم في الظُّلمَةِ دونَ الجِسْرِ». فقال: فمَنْ أوَّلُ الناس إجازةً يوم القيامة؟ قال: «فقراءُ المهاجرينَ». قال اليهودي: فما تُحْفَتُهُمْ حين يدخُلون الجنة؟ قال: «زيادةُ كبدِ النونِ». قال: فما غذاؤهم على إثره؟ قال: «يُنحر لهم ثَوْر الجنة الذي كان يأكل من أطرافها». قال: فما شرابهم عليه؟ قال: «عينًا فيها تسمى سلسبيلًا». قال: صدقت.

стр. 441

قال: أردتُ أن أسألكَ عن شيءٍ لا يعلمُه أحدٌ من أهلِ الأرضِ إلا نبيٌّ أو رجلٌ أو رجلانِ. قال: «ينفعُك إن حدَّثتُك؟» قال: أسمعُ بأذني، قال: جئتُ أسألك عن الولَدِ؟ قال: «ماءُ الرَّجلِ أبيضُ، وماءُ المرأة أصفرُ، فإذا اجتمعا فَعَلَا مَنِيُّ الرجل مَنِيَّ المرأة أذْكَرَا بإذن الله، وإذا عَلَا منيُّ المرأة منيَّ الرجل آنَثَا بإذن الله تعالى». فقال اليهوديُّ: لقد صدقتَ وإنَّك لنبيٌّ، ثم انصرفَ فذهبَ، فقال رسولُ الله ﷺ : «لقد سَألنِي عنِ الذي سَألنِي عنه، ومَا لي عِلمٌ بشيء منه حتى أَتاني اللهُ به» (١). وفي «مسند الإمام أَحْمَد»: من حديث القاسم بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، عن عبد الله ـ هو ابن مسعود ـ قال: مرَّ يهوديٌّ برسول الله ﷺ وهو يحدِّث أصحابه، فقال رجل من قريش: يا يهودي؟ إن هذا يزعم أنَّه نبي! فقال: لأسألنَّه عن شيء لا يعلمه إلا نبيٌّ، فجاء حتى جلس، ثم قال: يا محمَّد! ممَّ يُخلَق الإنسان؟ قال: «يا يهوديّ! من كلٍّ يُخلق، من نطفةِ الرَّجل ومن نطفةِ المرأةِ، فأمَّا نطفةُ الرجل فنطفةٌ غليظةٌ منها العظم والعَصَبُ، وأمَّا نطفةُ المرأة فنطفةٌ رقيقةٌ منها اللحم والدَّمُ»، فقام اليهودي فقال: هكذا كان يقول مَنْ قبلك (٢).

стр. 442

فتضمنت هذه الأحاديث أمورًا: (أحدها): أنَّ الجنينَ يُخلَق من ماء الرجل وماء المرأة، خلافًا لمن يزعم من الطَّبَائِعِيّينَ أنه إنما يخلق من ماء الرجل وحده، وقد قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق/ ٧٥]. قال الزجَّاج: قال أهل اللغة: التَّرِيبَة مَوْضِعُ القِلَادة مِن الصَّدْرِ، والجمع: تَرَائِب (١). وقال أبو عُبَيْدة: التَّرَائِب: مُعَلَّق الحَلْي على الصَّدْرِ (٢). وهو قول جميع أهل اللغة. وقال عطاءٌ عن ابنِ عبَّاسٍ: يريد صُلْبَ الرَّجُل، وتَرَائِبَ المرأةِ، وهو مَوْضِعُ قِلادَتِهَا. وهذا قولُ الكَلْبيِّ، ومُقَاتِل، وسُفْيَان وجُمْهُورِ أهلِ التفسيرِ (٣). وهو المطابقُ لهذه الأحاديثِ.

стр. 443

وبذلك أجرى اللهُ العادةَ في إيجادِ ما يُوجِدُهُ من بين أَصْلَيْنِ، كالحيوان والنبات وغيرهما من المخلوقات. فالحيوان ينعقد من ماء الذكر وماء الأنثى، كما ينعقد النبات من الماء والتراب والهواء، ولهذا قال الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام/ ١٠١]. فإنَّ الولد لا يتكوَّن إلا من بين الذَّكَرِ وصاحبتِه. ولا ينتقض هذا بآدم وحواء ـ أبَوَيْنَا ـ ولا بالمسيح، فإنَّ الله ـ سبحانه ـ مَزَجَ ترابَ آدم بالماءِ حتى صار طينًا، ثم أرسل عليه الهواء والشَّمسَ حتى صار كالفخَّار، ثم نفخَ فيه الرُّوحَ، وكانت حواء مستلَّةً منه، وجزءًا من أجزائِه، والمسيحُ خُلِقَ من ماءِ مريمَ ونفخةِ الملك، وكانت النفخةُ له كالأبِ لغيرهِ. فصل (الأمر الثاني): أنَّ سَبْقَ أحدِ المائين سببٌ لشَبَهِ السابق ماؤه، وعلوَّ أَحدِهما سببٌ لمجانسة الولد للعالي ماؤه (١). فها هنا أمران: سَبْقٌ وعُلُوٌّ، وقد يتفقان، وقد يفترقان؛ فإن سبقَ ماءُ الرجل ماءَ المرأة وعلاه، كان الولدُ ذكرًا والشَّبَهُ للرجل، وإن سبقَ ماءُ المرأة وعلا ماءَ الرجل كانت أنثى والشَّبَهُ للأم، وإن سبقَ أحدهما وعلا الآخرُ كان الشَّبَهُ للسّابق ماؤه، والإذكارُ والإيناثُ لمَنْ عَلا ماؤه.

стр. 444

ويُشْكِلُ على هذا أمران: (أحدهما) أن الإذكار والإيناث ليس له سبب طبيعي، وإنَّما هو مستندٌ إلى مشيئة الخالق سبحانه، ولهذا قال في الحديث الصحيح: «فيقولُ الملك: يا ربّ أذكر أم أنثى، فما الرزق، فما الأجل، شقي أم سعيد؟ فيقضي الله ما يشاء ويكتب الملك»، فكونُ الولد ذكرًا أو أنثى مستندٌ إلى تقدير الخلاق العليم، كالشقاوة والسعادة، والرزق والأجل، وأما حديث ثوبان، فانفرد به مُسْلِم وحده. والذي في «صحيح البُخَاريّ» إنما هو الشبه، وسببه علوُّ ماء أحدهما أو سبقه، ولهذا قال: «فمِنْ أيّهما عَلا أو سَبقَ يكون الشَّبَه له» (١). (الأمر الثاني): أن القافة مبناها على شبه الواطئ، لا على شبه الأم (٢)، ولهذا قال النبيّ ﷺ في ولد الملاعنة: «انْظُرُوهَا فإنْ جاءتْ به على نَعْتِ كَذَا وَكَذَا، فهوَ لِشَرِيْكِ بنِ السَّحْماءِ ـ يعني الذي رُمِيَتْ به ـ وإنْ جاءتْ بهِ على نَعْتِ كَذا وَكَذَا، فهوَ لِهلَالِ بنِ أميَّةَ» (٣)، فاعتبر شبه الواطئ، ولم يعتبر شبه الأم. ويجاب عن هذين الإشكالين: أما الأول: فإن الله سبحانه قدَّر ما قدره من أمر النطفة من حين

стр. 445

وضعها في الرَّحم إلى آخر أحوالها بأسباب قدَّرها (١)، حتى الشقاوة والسعادة، والرزق والأجل والمصيبة، كل ذلك بأسباب قدَّرها (٢)، ولا ينكر أن يكون للإذكار والإيناث أسباب (٣)، كما للشَّبه أسباب، لكون (٤) السبب غير موجب لمسبَّبه، بل إذا شاء الله جعل فيه اقتضاءه، وإذا شاء سَلَبَه اقتضاءه، وإذا شاء رتَّب عليه ضدَّ ما هو سبب له، وهو سبحانه يفعل هذا تارة، وهذا تارة، فالموجب مشيئة الله وحده، فالسبب متصرَّف فيه لا متصرِّفٌ، محكومٌ عليه لا حاكمٌ، مدبَّر لا مدبَّر، فلا تضادَّ بين قيام سبب الإذكار والإيناث وسؤال الملك ربَّه تعالى أي الأمرين يحدثه في الجنين. ولهذا أخبر سبحانه أن الإذكار والإيناث وجمعهما هبةٌ محضة منه ـ سبحانه ـ راجع إلى مشيئته وعلمه وقدرته. فإن قيل: فقول الملك (٥): يا ربِّ! أ ذكرٌ أم أنثى؟ مثل قوله: ما الرِّزقُ، وما الأجلُ؟ وهذا لا يستند إلى سبب من الواطئ، وإن كان يحصل بأسباب غير ذلك. قيل: نعم، لا يستند الإذكار والإيناث إلى سبب موجب من الوطء،

стр. 446

وغاية ما هناك أن ينعقد جزء من أجزاء السبب، وتمامُ السبب من أمور خارجة عن الزوجين، ويكفي في ذلك أنه إن لم يأذن الله باقتضاء السبب لمسببه لم يترتب عليه، فاستناد الإذكار والإيناث إلى مشيئته سبحانه لا ينافي حصول السبب، وكونهما بسبب لا ينافي استنادهما إلى المشيئة، ولا يوجب الاكتفاء بالسبب وحده. وأما تفرُّد مُسْلِمٍ بحديث ثوبان، فهو كذلك، والحديثُ صحيحٌ لا مَطْعَنَ فيه، ولكن في القلب من ذكر الإيناث والإذكار فيه شيء، هل حُفِظَت هذه اللفظة، أوهي غير محفوظة؟ والمذكور إنَّما هو الشَّبَه، كما ذكر في سائر الأحاديث المتفق على صحتها، فهذا مَوضِعُ نَظَرٍ كما ترى، والله أعلم. فصل وأما (الأمر الثاني) (١): وهو اعتبار القَائِفِ لشَبَهِ الأب دون الأم، فذلك لأن كون الولد من الأم أمرٌ محقَّق لا يعرض فيه اشتباه؛ سواء أشبهها أو لم يشبهها، وإنما يحتاج إلى القافة في دعوى الآباء. ولهذا يلحق بأبوين عند أصحاب رسول الله ﷺ وأكثر فقهاء أهل (٢) الحديث، ولا يلحق بأُمَّين؛ فإذا ادعاه أبوان أُرِيَ القافة فأُلحق بمن كان

стр. 447

الشَّبَه له إذا لم يكن ثَمَّ فراش، فإن كان هناك فراش لم يلتفت إلى مخالفة الشبه له. فالشَّبَهُ دليلٌ عند عدم معارضة ما هو أقوى منه من الفراش والبيِّنة. نعم، لو ادَّعَتْه امرأتان، أُري القافة، فأُلحق بمن كان أشبه بها منهما، فعملنا بالشَّبَهِ في الموضعين. ونصَّ الإمام أَحمدُ على اعتبار القافة في حق المرأتين، فسئل عن يهودية ومُسْلِمة ولدتا، فادَّعت اليهودية ولد المُسْلِمة، فقيل له: يكون في هذه القافة؟ قال: ما أحسنه (١)! وهذا أصحُّ الوجهين للشافعية. وقالوا في الوجه الآخر: لا تعتبر القافة ها هنا؛ لإمكان معرفة الأم يقينًا بخلاف الأب. والصحيح اعتبار القافة في حق المرأتين؛ لأنه اعتبار لشبه الأم. والولد يأخذ الشبه من الأم تارة، ومن الأب تارة، بدليل ما ذكرنا من حديث عائشةَ، وأم سلَمَةَ، وعبد الله بن سلام، وأنس بن مالك، وثوبان ﵃. وإمكان معرفة الأم يقينًا لا يمنع اعتبار القافة عند عدم اليقين، كما نعتبرها بالشبه إلى الرجلين عند عدم الفراش. وقد روى سليمانُ بن حرب، عن حمَّاد، عن هشام بن حسَّان، عن

стр. 448

محمَّد بن سِيرِين قال: حجَّ بنا الوليد ونحن سبعة ولد سِيرِين، فمرَّ بنا إلى المدينة، فلما دخلنا على زيد بن ثابت ﵁، قيل له: هؤلاء بنو سِيرِين، قال: فقال زيد: هذان لأم، وهذان لأم، وهذان لأم، فما أخطأ (١). وقد قال «بقراط» في كتاب «الأجنَّة»: وإذا كان منيُّ الرجل أكثر من منيِّ المرأة أشبه الطفل أباه، وإذا كان منيُّ المرأة أكثر من منيِّ الرجل أشبه الطفل أمه. وقال: المنيُّ ينزل من أعضاء البدن كلها، ويجري من الصحيحة صحيحًا، ومن السقيمة سقيمًا، وقال: إن الصُّلْع يَلِدُون صلعًا، والشُّهْل يَلِدُون شهلًا، والحُول حُولًا. وقال: أما اللَّحم فإنه يربو ويزداد مع اللحم، ويخلق فيه مفاصل، ويكون كل شيء من الجنين شبيهًا بما يخرج منه. وقال: قد يتولد مرارًا كثيرة مِن العميان، ومَنْ به شامةٌ أو أثَر، ومَنْ به علامات أُخَرُ ممَّن به علامةٌ مثلها، وكثيرًا ما يولد أبناءٌ يُشبهون أجدادهم، أو يُشبهون قراباتهم (٢).

стр. 449

وقال: الذكور (١) ـ في الأكثر ـ يشبهون آباءهم، والإناث يشبهن أمهاتهن. فصل و قد يكون قُبْحُ المولود وحُسْنه من أسباب أُخَر: منها: أفكار الوَالِدَين وخاصة الوالدة إذا جالت (٢) عند المباضعة وبعدها إلى وقت تخلُّق (٣) الجنين في الأشخاص التي تُشاهدها وتُعاينها، وتتذكَّرها وتَشتاقها؛ لأنها تحبُّها وتودُّها، فإذا دامت الفكرة فيه والاشتياق إليه، أشبه الجنين وتصوَّر بصورته، فإن الطبيعة نقَّالة، واستعدادها وقبولها أمرٌ يعرفه كلُّ أحد. وحدّثني رئيس الأطباء بالقاهرة، قال: أجلست ابن أخي يكحل الناس، فما مكث إلا يسيرًا حتى جاء وبه رمَدٌ، فلما برأ منه عاد فعاوده الرَّمَد، فعلمت أنه من فتح عينيه في أعين الرُّمْدِ، والطبيعة نقالة. وقد ذكر الأطباء: أن إدْمَانَ الحامل على أكل السَّفَرْجل والتُّفاح مما يحسِّن وجه المولود ويصفِّي لونه. وكرهوا للحامل رؤية الصور الشنيعة، والألوان الكمدة، والبيوت الوحشة الضيقة، وإن ذلك كلَّه يؤثِّر في الجنين.

стр. 450

فصل وقال بُقْرَاط في كتاب «الأجنَّة»: إذا حصل منيُّ الرجل داخل الرَّحِم عند الجماع ولم يسل إلى خارج، ولكنه مكث في فم الرَّحم وانضمَّ فمه علقت المرأة، وإذا انضمَّ فم الرحم اختلط المنيان في جوفه وتم الحبل، فإذا توافق إنزال الرجل وإنزال المرأة في وقت واحد، واختلط الماءان، وثبتا في الرحم، واشتمل عليهما، وانضمَّ، علقت المرأة. وتدبير ذلك يكون في ثلاثة أوقات: قبل المباضعة، ومعها، وبعدها بإعداد الرحم لقبول النطفة، ومعها بإيصال النطفة إلى مستقرِّها في الرحم، واتفاق الإنزالين؛ وبعدها بثبات النطفة في الرحم وإمساكه عليه، وحفظها من الخروج والفساد. قلت: السبب المذكور غير موجب، وإنما الموجب مشيئة الله وحده كما بينَّا، والله أعلم. فصل وإذا تكوَّن الجنين وصوَّره الخالق البارئ المصوِّر، خُلِق ورأسُه إلى فوق، ورجلاه إلى أسفل. فعندما يأذن الله بخروجه ينقلب، ويصير رأسه إلى أسفل، فيتقدم رأسُه سائرَ بدنه، هذا باتفاق من الأطباء والمشرِّحين. وهذا من تمام العناية الإلهيَّة بالجنين وأُمِّه، لأن رأسه إذا خرج أولًا كان خروج سائر بدنه أسهل من غير أن يحتاج شيء منها إلى أن ينثني، فإنَّ

стр. 451

الجنين لو خرجت رجلاه أولًا لم يُؤْمَن أن يَنْشَب في الرحم عند يديه. وإن خرجت رجله الواحدة لم يؤمَن أن يعلق وينشب في الرحم عند إدراكه. وإن خرجت اليدان لم يؤمَن أن يَنْشَب عند رأسه، إما أنه يلتوي إلى خلف، وإما أنَّ السُّرَّة تلتوي إلى عنقه، أو على كتفه، لأن الجنين إذا انحدر فصار إلى موضع فيه السُّرة ممتدة، الْتَوَتْ (١) هناك على عنقه وكتفه، فيعرض من ذلك: إما أن يجاذب السُّرة فتألم الأم غاية الألم، ثم إن الجنين إما أن يموت، وإما أن يصعب خروجه ويخرج وهو عليلٌ متورِّم، فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن ينقلب في البطن، فيخرج رأسه أولًا ثم يتبع الرأس باقي البدن. فصل في السَّببِ الَّذي لأَجلِه لا يعِيشُ الوَلدُ إذا وُلِدَ لِثمانِيةِ أَشْهُرٍ، ويَعيشُ إذا وُلِدَ لسبعةِ أَشْهُرٍ وتِسْعَةٍ وعَشرَةٍ إذا أتمَّ الجنين سبعة أشهر، عرض له حركةٌ قويةٌ يتحرَّكُها بالطبع للانقلاب والخروج؛ فإن كان الجنين قويًّا، من الأطفال الذين لهم بالطبع قوة شديدة في تركيبهم وجِبِلَّتِهم، حتى يقدر بحركته على أن

стр. 452

يهتك ما يحيط به من الأغشية المحيطة به (١)، المتصلة بالرحم، حتى ينفذ ويخرج منها= خرج في الشهر السَّابع وهو قويٌّ صحيح سليم، لم تُؤلمه الحركة، ولم يُمرضه الانقلاب. وإن كان ضعيفًا عن ذلك: فهو إمَّا أن يعطب بسبب ما يناله من الضَّرر والألم بالحركة للانقلاب فيخرج ميتًا، وإمَّا أن يبقى في البطن، فيمرض ويلبث في مرضه (٢) نحوًا من أربعين يومًا حتى يبرأ وينتعش ويقوى. فإذا وُلِد في حدود الشهر الثامن، وُلِد وهو مريض لم يتخلص من ألمه، فيعطب ولا يسلم ولا يتربَّى، وإن لبث في الرحم حتى يجوز هذه الأربعين يومًا إلى الشهر التاسع وقوي وصحَّ وانتعش، وبَعُدَ عهدُه بالمرض؛ كان حريًّا أن يسلم، وأوْلَاهُمْ بأن يسلم أَطْوَلُهمْ بعد الانقلاب لُبْثًا في الرحم، وهم المولودون في الشهر العاشر. وأما من يولد بين التاسع والعاشر، فَحَالُهم في ذلك بحسب القرب والبعد. وقال غيره: العلَّة في أنه لا يمكن أن يعيش المولود لثمانية أشهر: أنه يتوالى عليه ضربان من الضرر: (أحدهما): انقلابه في الشهر السَّابع في جوف الرحم للولادة. و (الثاني): تغيُّر الحال عليه بين مكانه في الرَّحِم وبين مكانه في الهواء، وإن كان قد يعرض ذلك التغيير لجميع الأجنَّة، لكن المولود

стр. 453

لسبعة أشهر ينجو من الرَّحِم قبل أن يناله الضرر الذي مِنْ دَاخِلٍ بعَقِب الانقلاب والأمراض التي تعرض في جوف الرحم، فالمولود لسبعة أشهر وعشرة أشهر يلبث في الرحم حتى يبرأ وينجو من تلك الأمراض، فليس يتوالى عليه الضرران معًا، والمولود لثمانية أشهر يتوالى عليه الضرران معًا، وكذلك لا يمكن أن يعيش؛ وجميع الأجنة في الشهر الثامن يعرض لهم المرض. ويدلُّك على ذلك أنك تجد جميع الحوامل والحبالى في الشهر الثامن أسوأ حالًا، وأثقل منهنَّ في مدة الشهور التي قبل هذا الشهر وبعده، وأحوال الأمهات متصلة بأحوال الأجنَّة. فصل وبكاءُ الطفلِ ساعةَ ولادتِه يدلُّ على صحته وقوته وشدَّته، وإذا وضع الطفل يده أو إبهامه أو إصبعه على عضوٍ من أعضائه، فهو دليلٌ على ألم ذلك العضو، وكل الحيوان بالطبع يشير إلى ما يؤلمه من بدنه، إما بيده أو بفمه أو برأسه أو بذنبه، فلما كان الطفل عادمًا للنطق أشار بأصبعه أو يده إلى موضع ألمه كالحيوان البهيم. فصل في أن الأطفال وهم حمل في الرحم أقوى منهم بعد ولادتهم (١)،

стр. 454

وأصبر وأشدُّ احتمالًا لما يعرض لهم، وكذلك تكون العناية بهم بعد ولادتهم (١) آكَدَ والحذر عليهم أشدَّ، فإن أغصان الشجرة وفروعها ما دامت لاصقة بالشجرة ومتَّصلة بها لا تكاد الرياح العواصف تزعزعها ولا تقتلعها، فإذا فصلت عنها وغُرست في مواضع أُخَرَ نالتْها الآفةُ ووصلت إليها بأدنى ريح تهبُّ حتى تقتلعَها. وكذلك الجنين ما دام في الرَّحم، فهو يقوى ويصبر على ما يعرض له ويناله من سوء التدبير والأذى على ما لا يصبر على اليسير منه بعد ولادته وانفصاله عن الرحم، وكذلك الثمرة على الشجرة أقوى منها وأثبت بعد قطعها منها. ولما كان مفارقة كل معتاد ومألوف بالانتقال عنه شديدًا على من رَامَهُ، ولا سيمَّا إذا كان الانتقال دفعة واحدة، فالجنين عند مفارقته للرحم ينتقل عما قد ألفه واعتاده في جميع أحواله دفعة واحدة، وشدة ذلك الانتقال عليه أكثر من شدة الانتقال بالتدريج. ولذلك قال «بقراط»: قد يُعْلَم بأهون سعي وأيسره، أنَّ التدبير الرديء من المطعم والمشرب إذا كان يجري ـ مع رداءته (٢) ـ على أمر واحد يشبه بعضه بعضًا دائمًا فهو أوثق وأحرز وأبعد عن الخطر في التماس الصحة للأبدان من أن ينقل الرجل تدبيره دفعة واحدة إلى غذاء

стр. 455

أفضل منه، فالجنين ينتقل عما قد أَلِفَه واعتاده في غذائه وتنفُّسِه ومَداخلِه ومخارجه وما يكتنفه دفعة (١) واحدةً (٢). وهذه أول شِدَّة يلقاها في الدُّنيا، ثم تتواتر (٣) عليها الشَّدائد حتى يكون آخرها الشِّدَّة العظمى التي لا شِدَّة فوقها، أو الراحة (٤) العظمى التي لا تعب دونها، ولذلك يبكي عند ورود هذه الشدة عليه مع ما يلقاه من وكز الشيطان وطعنه في خاصرته. فصل والجنين في الرَّحِم كان يغتذي بما يلائمه، وكان يجتذب بالطبع المقدار الذي يلائمه من دم أمه، وبعد خروجه يجتذب من اللبن ما يلائمه أيضًا، لكنه يجتذبه بشهوته وإرادته فيزيد على مقدار ما يحتاج إليه مع كون اللبن يكون رديئًا ومعلولًا كما يكون صحيحًا. وكذلك يعرض له القيء والغثيان، ويجتذب أخلاط بدنه، وتعرض له الآلام والأوجاع والآفات التي لم تكن تعرض له في البطن، وقد كان عليه من الأغشية والحجب ما يمنع وصول الأذى إليه. فلما ولد هيئ له أغشية وحجب أُخَر لم يكن يألفها ويعتادها، وربما صحا للحَرِّ والبَرْد والهواء،

стр. 456

وكان يجتذبه من سُرَّته وهو ألطف شيء معتدل صحيح قد يصحُّ قلب الأم وعروقها الضوارب (١)، فهو شبيه بما يجتذبه من هو داخل الحمام من الهواء اللطيف المعتدل، ثم يخرج منه وهلة واحدة عريانًا إلى الهواء العاصف المؤذي. وبالجملة فقد انتقل عن مألوفه وما اعتاده وهلة واحدة، إلى ما هو أشدُّ عليه منه وأصعب. وهذا من تمام حكمة الخلَّاق العليم، ليمرن عبده على مفارقة عوائده ومألوفاته إلى ما هو أفضل منها وأنفع وأوفق له. وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق/ ١٩]. أي حالًا بعد حال (٢)، فأول أطباقه كونُه نطفةً، ثم عَلَقَةً، ثم مُضْغَةً، ثم جَنِينًا، ثم مولودًا، ثم رضيعًا، ثم فطيمًا، ثم صحيحًا أو مريضًا، غنيًّا أو فقيرًا، معافى أو مبتلى، إلى جميع أحوال الإنسان المختلفة عليه إلى أن يموت، ثم يُبعث، ثم يُوقف بين يدي الله تعالى، ثم يصير إلى الجنة أو النار. فالمعنى: لَتَرْكَبُنَّ حالًا بعد حالٍ، ومنزلًا بعد منزلٍ، وأمرًا بعد أمرٍ. قال سعيد بن جبير وابن زيد: لتكونُنَّ في الآخرة بعد الأولى، ولتصيرُنَّ أغنياء بعد الفقر، وفقراء بعد الغنى.

стр. 457

وقال عطاء: شِدَّة بعد شِدَّة. والطَّبَقُ والطَّبَقَةُ: الحال. ولهذا يقال: كان فلان على طبقات شتى. قال عَمْرو بن العاص: لقد كنت على طبقات ثلاث، أي أحوال ثلاث (١). قال ابن الأعرابي: الطَّبَق: الحال على اختلافها (٢). وقد ذكرنا بعض أطباق الجنين في البطن من حين كونه نطفةً إلى وقت وِلَاده. ثم نذكر أطباقه بعد ولادته إلى آخرها، فنقول: الجنين في الرَّحِم بمنزلة الثمرة على الشجرة في اتِّصالها بمحلِّها اتصالًا قويًّا، فإذا بلغت الغاية لم يبق إلا انفصالها لثقلها وكمالها وانقطاع العروق الممسكة لها، فكذا الجنين تُنتهك عنه تلك الأغشية وتنفصل العروق التي تمسكه بين المَشِيمَةِ والرَّحِم، وتصير تلك الرُّطوبات المزلقة، فتُعِينُه بإزلاقها وثقله وانتهاك الحجب وانفصال العروق على الخروج، فينفتح الرَّحم انفتاحًا عظيمًا جدًّا، ولا بدَّ من انفصال بعض المفاصل العظيمة، ثم تلتئم في أسرع زمان. وقد اعترف بذلك حُذَّاق الأطباء والمشرِّحين، وقالوا: لا يتمُّ ذلك

стр. 458

إلا بعناية إلهيَّة وتدبير تعجز عقول الناس عن إدراك (١) كيفيته ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون/١٤]. فإذا انفصل الجنين، بكى ساعةَ انفصالِه لسببٍ طبيعيٍّ، وهو مفارقة إِلْفِهِ ومكانه الذي كان فيه، وسببٍ منفصلٍ عنه، وهو طعن الشيطان في خاصرته، فإذا انفصل وتمَّ انفصاله مدَّ يده إلى فيه، فإذا تمَّ له أربعون يومًا تجدَّد له أمر آخر على نحو ما كان يتجدَّد له وهو في الرَّحِم، فيضحك عند الأربعين، وذلك أول ما يَعقل نفسه، فإذا تمَّ له شهران رأى المنامات، ثم ينشأ معه التمييز والعقل على التدريج شيئًا فشيئًا إلى سنِّ التمييز، وليس له سنٌّ معين، بل من الناس من يميِّز لخمس، كما قال محمود بن الرَّبِيع: عقلت من النبيّ ﷺ مَجَّةً مجَّها في وَجْهِي من دَلْوٍ في بئرهم وأنا ابن خمس سنين (٢). ولذلك جعلت الخمس سنين حدًّا لصحة (٣) سماع الصبيِّ. وبعضهم يميِّز لأقلَّ منها، ويذكر أمورًا جَرَتْ له وهو دون الخمس سنين، وقد ذكرنا عن إياس بن معاويةَ أنه قال: أذكر يوم ولدتني أُمِّي، فإني خرجت من

стр. 459

ظلمة إلى ضوء، ثم صرت إلى ظلمة، فسُئلت أمُّه عن ذلك. فقالت: صدقَ، لما انفصل منِّي لم يكن عندي ما ألُفُّه به، فوضعت عليه قصعة (١). وهذا من أعجب الأشياء وأندرها! فإذا صار له سبع سنين دخل في سن التمييز، وأُمِرَ بالصلاة، كما في «المسند» و «السُّنن» من حديث عَمْروِ بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : «مُرُوا أبناءَكُمْ بالصَّلاة لسبعِ سِنِيْنَ واضْرِبُوهُم عليها لِعَشْرِ سِنِيْنَ، وفرِّقُوا بينَهُمْ في المَضَاجِعِ» (٢). وقد خيَّر النبيُّ ﷺ ابنةً فطيمًا بين أَبَوَيْهَا، كما روى أبو داود في «سننه» من حديثِ عبدِ الحميدِ بنِ جَعْفَرِ بنِ عبدِ الله بنِ رافعِ بن سِنَانٍ الأنصَارِيّ، قال: أخْبَرَنِي أَبِي عن جَدِّي رافعِ بنِ سِنَانٍ أنَّه أسْلَمَ، وأَبَتْ امرأتُه أن تُسْلِمَ، فأَتَتِ النبيَّ ﷺ فقالتْ: ابْنَتِي وهِيَ فَطِيْمٌ أو شِبْهُهُ، وقالَ رافِعٌ: ابنْتَيِ! فقال رسول الله ﷺ : «اقْعُدْ نَاحِيةً»، وقال لها: «اقعُدِي نَاحِيةً»، فأقعد الصبيَّة بينهما، ثم قال: ادْعُوَاها، فمالَتْ إلى أمِّها، فقالَ النبيُّ ﷺ : «اللهمَّ اهْدِهَا، فَمَالَتْ إلى أَبِيْهَا، فَأَخَذَهَا» (٣).

стр. 460

ولا أحْسَنَ من هذا الحكم ولا أقْرَبَ إلى الفطرةِ والعدل! وعند النَّسائِيّ في رواية عن عبدَ الحميدِ بن جعفر الأنصاريِّ عن أبيه أن جَدَّهُ أسلمَ، وأبتِ امرأتُه أن تُسلم، فجاء بابنٍ له صغيرٍ ولم يَبْلُغ، فأجلسَ النبيُّ ﷺ الأبَ هاهنا، والأمَّ ها هنا، ثم خيَّرهُ (١) وقال: «اللهمَّ اهْدِهِ، فذهبَ إلى أبيهِ» (٢). وفي «المسند» من حديث أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ خيَّر غلامًا بين أبيهِ وأمِّهِ (٣). وأمَّا تقييدُ وقتِ التخيير بسبعٍ، فليس في الأحاديث المرفوعةِ اعتباره، وإنَّما ذُكِرَ فيه أثرٌ عن عليٍّ، وأبي هُرَيْرَةَ. قال عمارة الجَرْمِيّ: خيَّرني عليٌّ بين أُمِّي وعَمِّي، وكنت ابنَ سبعِ سنينَ أو ثمانِ سنين (٤).
следующие страницы →