← Тараджим

Тараджим · id 22

أعمار الأعيان

ابن الجوزي

Полный текст (191 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

أعمار الأعيان - لابن الجوزى جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد (٥١٠ هـ - ٥٩٧ هـ) تحقيق الدكتور محمود محمد الطناحي

стр. 2

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الأول بلا ابتداء، الآخِر بلا انتهاء. والصلاة والسلام على المصطفى المختار، خاتم الأنبياء وسيّد المرسلين. اللهمّ صلّ وسلّم وبارك عليه وعلى أبويه الكريمين إبراهيم وإسماعيل، ثم على إخوانه المُصْطَفَيْنَ الأخيار، وآله الأطهار، وصحابته الأبرار، وعلى كل من دعى بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدِّين والجزاء. ربَّنا تقَبَّلْ منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم، وارحم اللهمَّ آباءَنا وأمهاتِنا ومشايِخَنا وأستاذينا وأستاذَ أستاذينا، وكلَّ من له حقٌّ علينا. ثم أمَّا بعد: فإن علم التاريخ عند المسلمين من العلوم الضَّخمة، ويُوشك هذا العلم أن يكون نصفَ المكتبة العربية. وانظر علمَ قوائم الكتب (الببليوجرافيا العربية) مثل الفهرست لابن النديم، ومفتاح السعادة لطاش كبري زاده، وكشف الظنون للحاجّ خليفة، وذيله: إيضاح المكنون لإسماعيل البغدادي، وانظر ما يصنعه العلماء لأنفُسهم من المعاجم والفهارس والمشيخات والأثبات والبرامج. ثم انظر من المصنَّفات الحديثة في هذا العلم -علم قوائم الكتب- اكتفاء القنوع بما هو مطبوع، لإدوارد فنديك، ومعجم المطبوعات العربية والمعرَّبة، ليوسف إليان سركيس، وخزائن الكتب العربية في الخافقين للفيكونت فيليب دى طَرَّازي، وتاريخ الأدب العربي للمستشرق الألماني كارل بروكلمان، وتاريخ التراث العربي للدكتور محمد فؤاد سزجين. ثم انظر في فهارس المكتبات العامة الكبرى الموزَّعة على الفنون. بل ادخلْ

стр. 3

مكتبة من المكتبات الخاصّة التي يُعْنَي أصحابها بجَمْع الكُتُب: وسترى في ذلك كلّه غلبةً ظاهرة لعلم التاريخ (١). وتفسير هذا أن علم التاريخ عند المسلمين ليس هو فقط تلك الكُتُب الحَوْلِيّة، مثل تواريخ الطبري وابن الأثير وابن كثير، أو كُتُب الأحداث العامة، مثل مروج الذهب، والتنبيه والإشراف للمسعودي، وإنما يدخل فيه، بل يمثل الجانبَ الأكبَر منه "فن التراجم"، وهو بحرٌ خِضَمٌّ. على أنَّ "فن التراجم" عند المؤرِّخين المسلمين لا يُعْنَى فقط بذِكْر أحوال المترجَم: مولدًا ووفاةً، وشيوخًا وتلاميذَ، وعِلمًا وتصنيفًا، بل إنه غالبًا -وبخاصة في الموسوعات- يمتدّ ليشمل الحوادثَ والأحداث العامّة التي يكون العَلَمُ المترجَم قد شارك فيها، أو عاصَرَها، أو كان منها، أو كانت منه بسَبَب، بل إن بعض مصنِّفي كتب التراجم يعرض للحوادث والأحداث بدواعي الاستطراد ليس غيرُ، والاستطراد سِمةٌ من سِمات التأليف عند كثير من علمائنا ومؤرِّخِينا. وعلى سبيل المثال فإن كتابًا مثل "طبقات الشافعية الكبرى" لتاج الدين ابن السُّبكي يضعه مصنِّفو العلوم في فنّ التراجم والطبقات، إذ كان مؤلفه قد أقامه على تراجم الفقهاء الشافعية منذ إمامهم محمد بن إدريس الشافعي في أوائل القرن الثالث، إلى منتصف القرن الثامن، ولكنّ النظر الصحيح يضعه في المكتبة العربية كلها، إذ كان مؤلّفه قد أداره على علوم كثيرة، بعد أن يفرغ من ترجمة الرجل على رسمها المعروف، ثم كان لأحداث التاريخ عنده النصيبُ الأوفي، فأنت تجد عنده أحاديث ضافية عن كائنة التَّتار، وقصَّة جنكيز خان وحفيده هولاكو، وعن حادثة الصَّليبيين (٢). وقُلْ مثل هذا في كثير من موسوعات كتب التراجم، مثل وفيات الأعيان لابن خلّكان، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ونفح الطيب للمقّري. _________ (١) تأمَّل على سبيل المثال فهارس دار الكُتُب المصرية، وفهارس معهد المخطوطات. (٢) انظر الطبقات ١/ ٣٢٨ - ٣٤٣، ٧/ ٣٤٤ - ٣٦٩، ٨/ ٢٦٨ - ٢٧٧.

стр. 4

ولقد تَفَنَّن المؤرِّخون المسلمون في كُتُب التراجم تَفنُّنًا عجيبًا، وأخذت تصانيفهم في هذا الفنّ طرائق شتي، فبعد كتاباتهم الأولى في السِّيرة النبويّة والمغازي، جاءت تصانيفُهم مُوزَّعةً مفرَّقةً على تراجم الصحابة والتابعين، والقُرَّاء والمفسِّرين، والمحدِّثين والرُّواة، وفقهاء المذاهب الأربعة، والأصوليّين، والشيعة والمعتزلة، والزُّهَّاد والصُّوفية، والوعَّاظ والقُصَّاص والمذكِّرين، والأدباء والشعراء، واللغويّين والنُّحاة، والأطبّاء والحكماء والفلاسفة، والقضاة، والخلفاء والوزراء، والمؤرِّخين والنَّسّابين، وتراجم النساء. ثم يأتيك هذا الفنُّ أيضًا في التراجم على البُلدان، مثل أخبار مكة والمدينة والقدس، ومصر واليمن وبغداد والموصل والشام وجرجان وأصبهان وإربل وواسط، والمغرب والأندلس، والكُتُب في هذين فيضٌ زاخر. وكذلك في التراجم على القُرُون: كالدُّرَر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر العَسْقلاني، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع، لشمس الدين السَّخاوي، وما جاء بعد ذلك إلى القرن الرابع عشر (١). ثم تأتي التراجم العامّة -وهي كتب التاريخ عند بعض الناس ممَّن ليس عندهم كبيرُ عِلم، يظنّون أنها كتُبُ التاريخ، ولا كُتبَ للتاريخ غيرها- وهذه التراجم العامة على قسمين: أ - التراجم المرتَّبة على السِّنين، وذلك في كتب التاريخ المعروفة بالحَوْليّات، كتاريخ الأمم والملوك للطبرى، والكامل لعز الدين بن الأثير، والمختصر في أخبار البشر، لأبي الفداء الملك المؤيّد، صاحب حماة، والعِبَر في خبر من عَبر للذهبيّ، والسُّلُوك للمقريزي، والنجوم الزاهرة لابن تَغْرِي بَرْدي، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي. _________ (١) انظر هذه السِّلسلة من التراجم على القُرون في كتابي: الموجز في مراجع التراجم ص ٧٤، وانظر كتب التاريخ بمناهجها المختلفة في الوافي بالوفيات ١/ ٤٧، وما بعدها.

стр. 5

ب - التراجم المرتبة على الأسماء. ومن أبرزها: وفيات (١) الأعيان لابن خَلّكان، وفوات الوَفَيات لابن شاكر الكتبي، والوافي بالوفيات للصفدي، وسير أعلام النبلاء للذهبي (٢). ثم تأتيك التراجمُ أيضًا في كُتُب أنساب العرب، مثل مختلف القبائل ومؤتلفها لابن حبيب، والاشتقاق لابن دريد، والإيناس بعلم الأنساب للوزير المغربي، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم، وعُجالة المبتدي وفُضالة المنتهى في النسب لأبي بكر الحازمي. وفي كُتُب الأنساب بوَجْهٍ عام (٣): إلى قبيلة، أو بلد، أو صناعة، _________ (١) كتاب ابن خلكان هذا يذكِّرُنا بتلك الكُتُب التي قامت على الوَفَيات بمفهومٍ آخر، وأذكر منها هنا: وفيات المصريِّين في العهد الفاطمي لأبي إسحاق بن الحَبَّال المتوفى سنة ٤٨٢، والوفيات لأبي مسعود الأصبهاني المتوفي سنة ٥٦٦، والتكملة لوَفَيات النّقَلَة للحافظ المنذري المتوفي سنة ٦٥٦، ووفيات ابن قُنْفُذ المتوفى سنة ٨١٠. والفرق بين هذه الكُتُب وبين وفيات ابن خَلّكان أن هذا نَزَّل أسماء الأعيان في "وَفَياته" على منازلهم من الترتيب على حروف المعجم، وكذلك صنع ابن شاكر والصَّفدى اللذان حمل كتابهما نفس عنوان ابن خلّكان. أمَّا الوَفَيات المذكورة فقد قامت أساسًا على الوَفَيات، فتذكر السنةَ وتحتها أسماء من تُوُفُّوا فيها، أو تذكر الأعلام المترجمين بتسلسل سِني وفياتهم. وللمؤرخين المسلمين في هذا اللون من التأليف -الوَفَيات- جهودٌ ضخمة، تراها وترى الكلام على مناهجها في كتاب صديقي الدكتور بشار عواد معروف (المنذري وكتابه التكملة) ص ١٩٩ وما بعدها. (٢) وهذا الحافظ الذهبي مؤرِّخ الإسلام، ركنٌ باذخ من أركان التاريخ الإسلامي، وكتاباته في هذا العلم رحبةٌ واسعة، ويأتي على رأسها كتابان: أولهما تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام. وقد تناول فيه تاريخ الإسلام من بدء الهجرة النبوية حتى سنة ٧٠٠، فجَمَع مادّة ضخمةً في نطاقه الزمانيّ الممتدّ عبر سبعة قرون كاملة، وفي نطاقه المكاني الشامل لجميع الرقعة الواسعة التي امتدّ إليها الإسلام من الأندلس غربًا إلى أقصى المشرق. ويُعَدّ هذا الكتاب من أجمع كُتُب التراجم، إذ تُقَدَّرُ تراجِمُه بأربعين ألف ترجمة. انظر كتاب صديقي الدكتور بشار عواد معروف -أحسن الله إليه- (الذهبي ومنهجه في كتابة التاريخ الإسلامي). والكتاب الثاني: هو سير أعلام النبلاء. وهو مطبوعٌ متداول، في خمسة وعشرين مجلدًا، منها مجلَّدان للفهارس. وهو كتاب تاريخ وعِلْم وحضارة. (٣) انظر وجوه الأنساب في أعلام الحديث للخطابي ص ١٧٥٩، والوافي بالوفيات ١/ ٢٢، ٢٣.

стр. 6

أو مذهب، أو شيخ. ومن هذه الكُتُب: الأنساب لأبي سعد السمعاني، والتراجم في هذا الكتاب غنيَّةٌ جدًّا، واللُّباب في تهذيب الأنساب لعز الدين بن الأثير، ولُبّ اللُّباب في تحرير الأنساب للسّيوطي. وفي كُتُب ضَبْط الأعلام والكُنَى والألقاب والأنساب، مثل المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة لابن جني، والإكمال في رفع الارتياب عن المختلف والمؤتلف من الأسماء والكنى والأنساب للأمير ابن ماكولا، وتكملة الإكمال لابن نقطة البغدادي الحنبلي، والمشتبه في الأسماء والأنساب والكنى والألقاب للذهبي، وتبصير المنتبه بتحرير المشتبه لابن حجر العسقلاني. وفي كُتُب البلدان (الجغرافيا العربية) مثل معجم ما استعجم للبكري، ومعجم البلدان لياقوت الحموي، والروض المعطار في خبر الأقطار للحميري. وتأتيك التراجم أيضًا في علم قوائم الكُتُب (الببليوجرافيا العربية) مثل الفهرست لابن النديم، ومفتاح السعادة ومصباح دار السيادة لطاش كبري زاده، وكشف الظنون للحاج خليفة - وقد أشرت إلى ذلك في صدر هذه التقدمة. ومن هذا الفن فرعٌ مهم جدًّا، وهو ما يعرف بالمعاجم والفهارس والمشيخات والأثبات والبرامج، وهو لون من التأليف يجمع بين الشيوخ والكتب، فقد جرى كثير من العلماء على أن يصنع لنفسه معجمًا أو فهرسًا أو مشيخة أو ثَبتًا أو برنامجًا، يذكر فيه شيوخَه الذين أخذ عنهم العِلم، والكُتُب التي سمعها منهم، مُسْنَدَةً إلى مؤلِّفيها (١). ثم تأتي التراجم أيضًا في ذلك اللون من التأليف الذي يُديرُه المصنِّفون حول عَلَمٍ واحد أو اثنين أو ثلاثة، ثم يستطردون من ذلك إلى تراجم أخرى بالتَّبعيَّة أو المناسبة، كما ترى في: مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن، للذهبي، ومناقب الشافعيّ للبيهقي، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، والانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة الفقهاء: مالك والشافعيّ وأبي _________ (١) انظر تفصيلًا أكثر عن هذه الكُتُب في كتابي: الموجز ص ١٠١ - ١٠٥.

стр. 7

حنيفة، لابن عبد البرّ، وتبيين كذب المفترى فيما نُسِبَ إلى الإمام أبي الحسن الأشعري لابن عساكر، وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم، وسيرة عمر أيضًا لابن الجوزي، والمصباح المضيء في خلافة المستضيء (١) لابن الجوزي، ومحاسن المساعي في مناقب الإمام أبي عمرو الأوزاعي، لأحد رجال القرن التاسع، كما ذكر محقِّقه وناشره الأمير شكيب أرسلان، في آخره. وتأتيك التراجم أيضًا فيما يُسمّى بكتُب الحضارة الإسلامية، مثل المعارف لابن قتيبة، والمحبَّر والمنمَّق، كلاهما لابن حبيب، ومروج الذهب والتنبيه والإشراف، كلاهما للمسعودي، ولطائف المعارف للثعالبي. وهناك باب عظيم أيضًا من باب التراجم، هو ما يُعْرَف بالسُّؤالات، مثل سؤالات أبي عبيد الآجُرِّيّ: أبا داود السِّجستاني، وسؤالات عثمان بن سعيد الدارمي: يحيى بنَ معِين، وسؤالات أبي عبد الرحمن السُّلميّ: الدارقطنيّ، وسؤالات الحافظ السِّلَفيّ: خَمِيسًا الحَوْزيّ، عن جماعةٍ من أهل واسط (٢). وواضحٌ أن هذه السُّؤالات تدور حولَ علم الرجال -وهو علم الجرح والتعديل- لكنها مع ذلك اشتملت على تراجم لغير المحدِّثين، ثم تضمَّنت فوائد جليلة في التاريخ وغيره، كما ترى مثلًا في سؤالات الحافظ السِّلَفيّ المذكورة (٣). * * * ومن وراء ذلك كلّه: فإن التراجم تأتيك في غير مَظانِّها -وهو بابٌ طويلٌ جدًّا- حَسْبى أن أشير إلى شيءٍ منه هنا، رغبةً في إفادة طالب العِلم _________ (١) فهذا وإن كان ظاهره أنه في مناقب الخليفة العباسيّ المستضيء، فإنه ليس خالصًا له، وإنما استطرد ابن الجوزي فيه إلى تراجم كثيرة للصحابة وللخلفاء العباسيين، مع عناية ظاهرة بالوعظ والتذكير، يقدمها ابن الجوزي للسلطان أو للحاكم لكي يستضيء بها في معالجة الأحوال السياسية والاجتماعية، كما ذكرت محققة الكتاب الدكتورة ناجية عبد الله إبراهيم. (٢) انظر شيئًا عن هذه السؤالات في مقدمة تحقيق سؤالات أبي عبيد الآجُرِّيّ ص ٦٠. (٣) انظر مقدمة محقِّقها ص ٢٥، وانظر شيئًا من الفوائد في السؤالات نفسها ص ٢٤.

стр. 8

الشَّادِي المبتديء، أمَّا أهل العلم وخاصَّتُه فهم أقْدرُ مني على ذلك وأبْصَرُ. ثم إني أريد أيضًا أن أؤكد على أن المكتبة العربية كتابٌ واحد، وأن العلوم يحتاج بعضها إلى بعض، وأنه لا يُغْنِي كتابٌ عن كتاب: معلومٌ أن تراجم الصحابة تُلْتَمَس من كُتُبها: الطبقات الكبرى لابن سعد، والاستيعاب لابن عبد البرّ، وأسد الغابة لعز الدين بن الأثير، والإصابة لابن حَجَر. ولكنك إذا أردت ترجمة صحابيٍّ على نحوٍ كاملٍ مُسْتَوْعِب، فلابدّ لك من النظر في كُتُبٍ أخرى، منها دواوين السُّنَّة: صِحاحُها ومسانيدها، فقد أفرد أصحابُ السُّنَن في دواوينهم كُتُبًا وأبوابًا تُسمّى: المناقب أو الفضائل، ويسميها الحاكم النيسابوري في المُسْتَدْرَك: معرفة الصحابة. ولا غنى لك أيضًا عن النظر في كتاب هَدْي السَّاري مقدمة فتح الباري، فقد أفرد فيه ابن حجر مكانًا ضخمًا لتراجم الصحابة والتابعين، ولا تقل إنه سيُكرِّر في كتابه هذا ما ذكره في كتبه الأخرى، مثل الإصابة وتهذيب التهذيب، لا تقل هذا؛ لأنَّ في كلِّ كتاب من الفوائد ما ليس في الآخر (١). ومن باب التماس التراجم من غير مَظَانِّها: ما تراه من تراجم اللغويين والنحاة الأوائل في مقدمة معجم تهذيب اللغة للأزهريّ، وفي كتاب المزهر في علوم اللغة للسُّيوطي، وما نثره العلَّامة عبد القادر بن عمر البغدادي في موسوعاته الكبرى: خزانة الأدب، وشرح أبيات مغني اللبيب، وحاشيته على شرح بانت سعاد لابن هشام، وشرحه على شواهد شرح التحفة الوَرْدية. وباب التراجم عند البغداديّ باب واسع جدًّا، لأن مكتبته كانت ضخمة جدًّا. وقُلْ مثل هذا في كتاب المرتضى الزَّبيدي، الضخم "تاج العروس من جواهر القاموس" ففي هذا الكتاب أنسابٌ وتراجم كثيرة جدًّا، وبخاصة ما يتَّصل _________ (١) انظر على سبيل المثال ترجمة "عكرمة مولى ابن عباس" في تهذيب التهذيب ٧/ ٢٦٣، وفي هدى السَّاري ص ٤٢٥، وتأمّل الفرق بين مساق الترجمة في الكتابين.

стр. 9

بالمتأخرين، وعلى ذِكر اللغويِّين والنحاة، فإن أوسع ترجمة وأشملها لواضع النحو أبي الأسود الدُّؤليّ، تراها في كتاب الأغاني (١). وكذلك تجد أجود ترجمة وأحسن كلام عن أبي سعيد السِّيرافي النحويّ الكبير في كتاب الإمتاع والمؤانسة، لأبي حيَّان التوحيديّ، وكان هذا شديدَ الإعظام لأبي سعيد، والتَّوقير له (٢). وتنتثر التراجم أيضًا في معارف القوم وعلومهم: ففي موسوعات التفسير والحديث والفقه وأصوله وعلم الكلام، وكتب الأدب واللغة وشروح الشعر، وسائر فروع العلم، استطرادات مهمة في تراجم الرجال. وأريد أن أذكِّر بما قلتُه في صدر هذه الكلمة الموجزة، من أن علم التاريخ الإسلامي بمعنى الحوادث والأحداث قد اختلط بعِلم التراجم والطبقات، كما أن هذا العلم اختلط أيضًا بكتب التاريخ القائمة أساسًا على الحوادث والأحداث، دخل كلٌّ منهما في نَسيج الآخر والتحم به، بل إن علومنا كلَّها يجذبُ بعضُها بعضًا، على نحو ما قال سفيان بن عُيَيْنَة: "كلامُ العرب بعضُه يأخذ برقاب بعض" (٣). إن علم التاريخ عند المسلمين ليس كعلم التاريخ عند الأمم الأخرى: أحداثًا وَتَقَلُّباتِ أيامٍ ودُوَلٍ فقط، إن كُتُب التاريخ عندنا هي مَجْلَي حضارتنا وثقافتنا العربية والإسلاميّة كلّها: _________ (١) فقد جاءت الترجمة في ٣٨ صفحة من القطع الكبير، وذلك في الجزء الثاني عشر، من ص ٢٩٧ - ٣٣٤، والعلّةُ في ذلك واضحة، وهي جامعة "التَّشيُّع" التي تجمع بين أبي الأسود وأبي الفرج، ولكنّ أبا الفرج أفادنا فوائد جيّدة في ترجمة أبي الأسود. وأُنَبِّه هنا إلى أن الصَّفَديّ قد اعتبر "كتاب الأغاني" من مصادر كُتُب التاريخ، ووضعه في قائمة "التواريخ الجامعة" كتاريخ الطبري وما إليه، انظر الوافي بالوفيات ١/ ٥٠. (٢) الإمتاع والمؤانسة ١/ ١٠٨، وما بعدها، ثم انظر مواضع أخرى من فهارس الأعلام للكتاب. وانظر أيضًا فهارس الأعلام من كتاب البصائر والذخائر ١٠/ ٤٢، وفهارس الأعلام من الصداقة والصديق ص ٤٧٥، ومن مثالب الوزيرين ص ٣٧٠، ومن المقابسات ص ٣٩٠، ٣٩١. (٣) الأغاني ١٨/ ١٧٠ (أخبار ابن مناذر).

стр. 10

إن علماءَ الحديث يُخَرِّجون أحاديثهم من "تاريخ بغداد" للخطيب البغداديّ، وأهلَ الأدب يجمعون أشعار الشعراء من "تاريخ دمشق" لابن عساكر، وكذلك يجمعون الشِّعر من كُتُب الجغرافيا العربية: معجم ما استعجم للبكري، ومعجم البلدان لياقوت الحموي، والروض المعطار للحميري، كما جمعوا منها التراجم من قبل. بل إن اللغة والشعر يُجمعان من كُتُب النبات وكُتُب الهيئة، كالذي تراه في كتاب النبات لأبي حنيفة الدَّيْنَورِيّ، وكتاب الأزمنة والأمكنة للمرزوقي. والحديث في هذا ونحوه مما يطُولُ جدًّا. * * * وهذا الذي ذكرتُه على سبيل الوَجازة والاختصار -وقد فاتني منه الكثير- يدلُّك، إن شاء الله، على اتِّساع دائرة علم التاريخ عند المسلمين: أحداثًا وتراجمَ، ولعلَّه يُزَهِّدُكَ في تلك الدعوة التي تُثار بين الحِين والآخر: وهي دعوة (إعادة كتابة التاريخ الإسلامي) على ما يرى بعضُهم مِن نَبْذ الكتاب القديم، بعد استخلاص مُجْملِهِ، وتخليصه من الشوائب التي فيه، ثم تقديمه بلغة العصر. وذلك كلُّه مَرْكَبٌ صَعْبٌ وطريقٌ مَخُوف، وهو ما يَخْبِطُ الناسُ فيه خَبْطًا شديدًا، وليس هنا موضع الردّ على هذه القضيّة، لكن لا بأْسَ من التذكير ببعض الأمور: أولًا: إذا ثَبت عندك اتِّسَاعُ دائرة التاريخ الإسلامي، فإن من يُحاول إعادة كتابة ذلك التاريخ لابدَّ أن يكون على معرفة بمراجع التاريخ الإسلاميّ بفَرْعَيْه: الأحداث والتَّراجم، ثم ما يتناثر منه في تضاعيف الفُنون الأخرى، كما حدَّثْتُك قربيًا. ثانيًا: اللغة هي الباب الأول في ثقافة أيّ أمَّةٍ من الأمم، فواجبٌ على من يتصدّى لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي أن يكون متضلِّعًا -أو على الأقلّ

стр. 11

عارفًا- من اللغة: مألوفها وغريبها، ونحوِها وصَرْفِها (١)، ثم التنبُّه للأعراف اللغوية لكل عَصر من العُصور (٢). ثالثًا: إن من يعيد كتابة تاريخ من تواريخ السابقين، أو يحاول اختصار كتابٍ في علمٍ من العلوم، أو تهذيبَه، لابد أن يكون في عِلم صاحب الكتاب الأصلي، أو على درجةٍ مقارِبةٍ له، لأن المُعِيدَ أو المختصِر أو المهذِّب حينئذ يكون سميعًا بصيرًا، يعرف ماذا يأخذُ وماذا يدَع، ولذلك قَبِل أهلُ العِلم "مختصر صحيح مسلم" للحافظ المنذريّ، ومختصر "تفسير الطبريّ"، لأبي يحيى محمد ابن صُمادِح التُّجِيبِي، وتهذيب "أنساب السَّمعاني" وهو المسمَّى اللباب، لعز الدين بن الأثير، و"مختصر الأغاني" و"مختصر تاريخ دمشق" لابن عساكر، كلاهما لابن منظور صاحب "لسان العرب". وفي عصرنا الحديث قَبِلْنا "تهذيب الأغاني" للشيخ محمد الخضري، و"تهذيب سيرة ابن هشام" وتهذيب "الحيوان" للجاحظ، كلاهما لأستاذنا العلَّامة عبد السلام محمد هارون، برَّدَ اللهُ مَضْجَعَه. رابعًا: إن الخدمة الحقيقية لتاريخنا إنما تكون بإعادة تحقيقه ونَشْره وَفْقَ _________ (١) ليس على سبيل الإتقان والإحاطة، فهذا غير وارِدٍ وغير ممكن، ولكن على سبيل المعرفة التي تعصِم من الأخطاء الشَّنيعة البَلْقاء. يقول الحافظ المِزِّيّ في مقدمة كتابه تهذيب الكمال في أسماء الرجال ص ١٥٦: "وينبغي للناظر في كتابنا هذا أن يكون قد حَصَّل طَرَفًا صالحًا من علم العربية: نحوها ولغتِها وتصريفِها، ومِن علم الأصول والفُروع، ومن علم الحديث والتواريخ وأيَّامِ الناس". وانظر شروط المؤرِّخ في الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ص ١١٤، وما بعدها، وطبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٢٣، وما بعدها، والوافي بالوفيات ١/ ٤٦. (٢) تظهر المحنة في هذا الأمر واضحةً جليّة عند من يتصَدَّوْن للتاريخ المملوكيّ، وهو زاخر بالأعراف اللغوية والمصطلحات غير المألوفة إلَّا لمن جمع مراجع ذلك العصر: لغةً وأدبًا وتاريخًا، وعندى من ذلك أمثلة كثيرة، إذ كنت في بداياتي العلميّة أيامَ نَسْخ المخطوطات والعمل مع المستشرقين على صلة بذلك الأمر، وقد أشرت إلى شيء من ذلك في كتاب مدخل إلى التاريخ نشر التراث العربي ص ٢٢٧.

стр. 12

الأصول العلميّة الصحيحة، ثم فهرسته الفهرسة العلمية الفنّيّة، ولست أعنى مجرَّد تلك الفهارس التقليدية المألوفة، مثل فهارس الأعلام والقبائل والمواضع والشواهد، وإنما أريد -إلى جانب ذلك- فهارس العلوم والفنون المختلفة وحوادث الأيام، المبثوثة فى ثنايا الكتاب المحقَّق، بضمّ النَّظير إلى النَّظير، وقَرْن الشَّبيه إلى الشَّبيه، وستكون هذه الفهارس الفَنّيّة الكاشفة عُدَّةً وعَوْنًا للدراسات والبحوث التى لا تقوم إلَّا على النصّ الموثَّق المحرَّر. أما ما يُقال عن غَرْبلة التاريخ الإسلامىّ، وتصفيته من الأخطاء والأوهام، وتخليصه من محاباة الحُكَّام والملوك، وتنقيته من مظاهر الإسراف والمُبالَغات، ثم يُقال لك مِن أنَّ ماضيَنا غارقٌ فى الظُّلمات: فكلُّ أولئك من الكلام الذى يُرْسَلُ إرسالًا، لِتُملأَ به مجالسُ السَّمَر، ويُتَّخَذ سبيلًا لادّعاء العِلم .. ولذلك وأشباهِه حديثٌ آخَر.

стр. 13

هذا الكتاب لونٌ من ألوان تَفنُّن المؤرِّخين فى "فنّ التراجم" فالكتاب يدور حول وَفَيات الأعيان -أى مشاهير الناس في مُختَلِف مواقعهم ومناصبهم- على العُقُود، فيذكر المؤلف عل رأس العَقْد من السنين وفى ثناياه من تُوفّى فيه من هؤلاء الأعيان المشاهير: فهؤلاء تُوفُّوا فى الأربعين من عُمْرهم، وهؤلاء تُوفُّوا فى الخمسين، وفريق ثالث، تُوفّى بين هذين العَقْدَين. . . وهَلُمَّ جرًّا على هذا المنهج: ذكر أعمار الناس عل رءوس العُقُود، ومَا بَيْنها من السِّنين. وقد بدأ الكتاب بمَن تُوفُّوا فى سِنّ العاشرة وما زاد عليها -وهم أولاد العلماء الأعيان- وانتهى بوفَيات المُعَمِّرين من عقد الألف وما زاد. وهذا منهجٌ جديد فى تراجم الناس، لم أجد له شبيهًا قبل ابن الجوزى إلَّا ما ذكره أبو منصور الثعالبى المتوفى سنة ٤٢٩، فى كتابه (لطائف المعارف)، تحت عنوان (اتفاق الأعمار) ولم يأخذ هذا من الكتاب سوى صفحة واحدة (١). ومن هذا المنهج -وإن كان فى نطاقٍ ضَيِّق- كتاب (أعمار الخلفاء) لأبي الحسن المدائنى المتوفى سنة ٢٢٨ (٢). ومنه أيضًا (أعمار الأئمة) وهو رسالة لأحمد بن محمد الفِريابيّ، من علماء القرن الثالث، وهى مخطوطة بمكتبة جلبى عبد الله باستنبول (٣). * * * _________ (١) لطائف المعارف ص ١٣٨. (٢) الوافي بالوفيات ٢٢/ ٤٤، ولا أعرف لكتاب المدائنيّ هذا وجودًا. (٣) تاريخ التراث العربي -المجلد الأول، الجزء الأول- علوم القرآن والحديث ص ٣٢٢.

стр. 14

الكتاب بين مؤلفات ابن الجوزى التاريخيّة يُعدّ ابن الجَوزيّ من المصنِّفين المكثرين، وقد قال عنه الحافظ الذهبىّ: "وما علمتُ أحدًا من العلماء صنَّفَ ما صنَّف هذا الرجل" (١). وقد دارت تصانيف ابن الجوزيّ حول معظم فنون العربيّة: فى التفسير وعلوم القرآن والحديث والفقه واللغة والأدب والوعظ والتصوّف. ويحتلُّ "التاريخ" مكانة بارزة فى مؤلفات ابن الجوزي، ومن أشهر مصنَّفاته التاريخية مما هو مطبوع: المنتظم، وصفة الصفوة، وشذور العقود فى تاريخ العهود، وتلقيح فهوم أهل الأثر، وكتاب القُصّاص والمذكِّرين، والذهب المسبوك فى سير الملوك، وعقلاء المجانين، وأخبار الأذكياء، وأخبار الحمقى والمغفلين، وأخبار الظُّرَّاف والمتماجنين، والمصباح المضئ فى خلافة المستضئ، ومَشْيَختُه (٢). ولمَّا كان ابن الجوزى قد وُلد سنة ٥١٠ تقريبًا، وهذا الكتاب (أعمار الأعيان) قد قرئ عليه سنة ٥٨٥، فيكون قد صنَّفه وهو فى نحو الخامسة والسبعين، وهى سِنُّ مِن مَضَى به العُمْرُ والتصنيف أشواطًا بلغتْ به المدى. فيكون ﵀ قد وظَّف معارفَه التاريخية فى هذا الكتاب، وأقامه على هذا المنهج الذى لم يُسْبَق إليه، كما أشَرْت، فالذى يؤلف كتابًا فى الأعمار، لابدّ أن يكون قد مارس التاريخ طويلًا، ونظر فى تراجم الناس كثيرًا، ووقف عند مواليدهم ووفياتهم، ثم خَصَم وطَرَح، حتى يستقيم له هذا المنهج. * * * _________ (١) تذكرة الحفاظ ص ١٣٤٤. وفد صنَّف الأستاذ عبد الحميد العَلَوْجِيّ كتابًا فى مصنفات ابن الجوزى سمَّاه: مؤلفات ابن الجوزى، وطبع ببغداد سنة ١٣٨٥ هـ = ١٩٦٥ م، واستدركتْ عليه وزادتْ أشياء الدكتورة ناجية عبد الله إيراهيم، في عَمَلٍ سَمَّتْه: قراءة جديدة فى مؤلفات ابن الجوزى، وطبع ببغداد أيضًا سنة ١٩٨٧. (٢) انظر: التاريخ العربى والمؤرِّخون -للدكتور شاكر مصطفى - الجزء الثاني ص ١٠٩ - دار العلم للملايين - بيروت ١٩٨٧ م، وانظر الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ- الفهارس ص ٤٢٣.

стр. 15

فوائد هذا المنهج من التراجم لعلَّ ناظِرًا عَجِلًا فى هذا الكتاب على هذا المنهج، يردُّه إلى الطرائف والنَّوادر والمسامرات؛ لأن ابن الجوزى يذكر فيه مثلًا أن سيدَنا رسولَ الله ﷺ تُوفِّى فى سنّ الثالثة والسِّتِّين، وهى السِّنّ التى توفّى فيها أبو بكر الصديق وعمر ابن الخطاب وعبد الله بن مسعود، رضى الله عنهم أجمعين، وغيرهم من المشاهير (١). ويذكر أن الحليفة هارون الرشيد مات فى السابعة والأربعين، وهى السّنّ التى مات فيها ابنه المأمون (٢). وهؤلاء إخوةٌ ثلاثة وُلِدُوا فى سنة واحدة، وتُوفُّوا فى سنة واحدة، وهم: يزيد وزياد ومدرك، بنو المهلّب بن أبى صُفرة (٣). فهذا كلُّه ممَّا قد يدخل فى باب المسامرة والمذاكرة. ولكنْ ليس الطريقُ هنالك! ففى هذا الكتاب بذلك المنهج فوائد تاريخية، تراها أيها القارئ الفَطِن، إذا أتَيْتَ على الكتاب: قراءةَ بَصَرٍ وتَدَبُّر، ولكنّى أُونِسُكَ بالدَّلالة عل شئٍ منها، ولعلَّك -إن شاء الله- بالغٌ بأناتك مالم أبلُغْه بعَجَلتِى: أولًا: تصحيح التصحيف، وذلك أنه يشيع فى بعض كُتبنا فيما يتّصل بعُقود الأعداد، الخلطُ بين "السبعين" و"التسعين"، ولذلك يُقيّد بعض المؤلِّفين أو الناسخين الضابطين بالعبارة، بقولهم: "السبعين، بتقديم السّين"، و"التّسعين بتقديم التاء"، ويُهمل ذلك بعضُهم فيقع الخَلطُ بالتصحيف. فذِكْرُ العُقود فى كتابنا هذا وسيلةُ أمانٍ من ذلك التصحيف المأثور. وقد صَحَّح ذلك المنهجُ بعضَ ما رأيته من ذلك فى كتب التراجم (٤). _________ (١) انظر ص ٤١ من الكتاب. (٢) ص ٣٢، لكنّى علَّقْتُ هناك بأن هذا لا يستقيم بالنسبة للرشيد، فإنهم ذكروا مولده سنة ١٤٨، أو ١٤٩، أو ١٥٠، وأنه توفى سنة ١٩٣، فيكون قد مات دون السابعة والأربعين التى ذكرها المصنّف. (٣) ص ٣٢، ٣٣. (٤) انظر تراجم (جبر بن عتيك، وعبد الله بن عمرو، وطاوس بن كيسان، وأبي الحسن المدائني، وأبي سعيد الخدرى، وخَوَّات بن جُبير) صفحات ٤٩، ٥٠، ٥١، ٨٩.

стр. 16

ثانيًا: بعضُ الأعلام لم يذكر المترجِمُون لهم إلَّا سنةَ وفاتهم، فبِذكْر مَبلَغِ أعمارهم عند وفاتهم عَرفْنا سنةَ ميلادهم. وهذا فى الكتاب كثير. ثالثًا: بعض الأعلام لم يذكر المترجمون لهم تاريخ مولد أو تاريخ وفاة، فلم يَيْقَ عنهم إلَّا مبلغ عمرهم الذى ذكره المصنّف، ويُترك تحديدُ العصر والزمن لظروف العَلَم المترجَم؛ روايةً وشيوخًا وتلاميذَ (١). وفيما وراءَ تلك الفوائد التى يُتيحها لنا منهج الكتاب، نقف عند فوائد أخرى، منها: أولًا: فى تراجم المُعمِّرين جاءنا ابن الجوزيّ بزيادات لم تأت فى أشهر كتابٍ عن المعمَّرين، وهو كتاب أبي حاتم السِّجستانى (٢)، بل إنه حكى أشياء عن أبي حاتم ليست فى كتابه المعمّرين المطبوع، ممَّا يُرجِح أن فى هذا المطبوع منه نقصًا. ثانيًا: ضَبطت النسخة المخطوطة من الكتاب -وهى مقروءة على ابن الجوزى، كما يأتى بيانُ ذلك إن شاء الله- ضَبطتْ بعضَ الأعلام المشتبهة، ممَّا كان سَنَدًا لبعض علماء المُشْتَبِه فيما بعد (٣). ثالثًا: لابن الجوزيّ (مَشْيخة) ذكَر فيها شُيوخَه مَرْويّاتِه عنهم، وهى مطبوعةٌ مُتداوَلَة، ولكنه ذكر فى كتابنا هذا ثلاثةً من شيوخه لم يذكرهم فى (مشيخته) وهم: أبو الحسين بن الفراء، وزاهر بن طاهر، وأبو الحسن ابن عبد السلام (٤). كما أنه أيضًا صَحَّح شيئًا فى تلك (المشيخة) (٥). _________ (١) انظر ترجمة (نصر بن زياد) ص ٨٧، واجتهدتُ فيه اجتهادات أرجو أن تكون صحيحة. وانظر أيضًا ترجمة (الزبير بن حبيب) ص ٥١ وترجمة (أحمد بن جعفر بن حمدان السَّقطى) ص ٩١. (٢) انظر تراجم (أكثم بن صَيْفى، وأبيه صَيْفى، وأبي وجزة) صفحتى ١٠٦، ١١٢. (٣) انظر ترجمة (ثُوَب بن تُلْدة) ص ١٠٨، و (مِرْداس بن ضَبْثم) ص ١١١. (٤) انظر ص ٥٣، ٧٤، ويبدو أنه اكتفى فى (مشيخته) بالأكابر منهم فقط، فقد قال فى ختامها ص ١٩٨: "هذا آخر المشايخ الأكابر، وقد سمعتُ من جماعةٍ غيرهم، ولى إجازات من خلق بطول ذكرهم". ولكنّ هؤلاء المذكورين من الأكابر أيضًا. (٥) انظر ص ٥٥ تعليق ٧.

стр. 17

رابعًا: معلومٌ أن ابن الجوزيّ كان من كبار الحنابلة، وهذا سبب ما نراه من عناية ظاهرة بأعمار الحنابلة، وهو ما يُفسِّر لنا أيضًا إغفالَه لأعمار بعض العلماء الأعيان ممّن لهم شُهرةٌ ونباهة، فمِعْيار "الأعيان" عنده -فى غالب الأمر- الحَنبليّة أولًا، ثم يأتى بعض المشاهير الآخرين، فى مناصبهم أو فى علومهم، وعلى ذلك لا نستطيع أن نقول إنه استقصى "الأعيان" بالمعايير العامَّة. خامسًا: ابن الجوزيّ بغداديّ المولد والوفاة، وهو مشدودُ النظر إلى بغداد، لا يكاد يُديرُ وجهَه عنها، ولذلك يبدو فى كنابه المنتظم -وهو أشهر مصنَّفاته التاريخية- كما يقول الدكتور شاكر مصطفى: "بغداديًّا عراقيًّا، لا إسلاميًّا عالميًّا؛ لأنه يركز جهودَه على تاريخ بغداد بالذات، ذاكرًا فى ختام حوادث كلِّ سنةٍ وفَيات الرجال فيها، وهم بدَوْرِهم بغداديون فى الأغلب" (١). فلا عجب إذن أن يكون معظم "أعيانه" فى هذا الكتاب من البغداديّين، فكأنَّ "البغداديّة" هى المعيارُ الثانى عندَه بعد "الحنبلية" ولا نَكِرَةَ -إن شاء الله- فإن حبَّ البلد (٢)، والعصبيّة للمذهب مما هو مركوزٌ فى الطِّباع. * * * _________ (١) التاريخ العربيّ والمؤرِّخون ٢/ ١٠٨، ١٠٩. (٢) ممَّا يُسْتأنَسُ به هنا قول بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن النحاس المتوفى سنة ٦٩٨، فى مقدمة كتابه هدى مهاة الكلّتين ص ٧٣، ٧٤: "فإن بعض من يعزّ علىَّ جاءني بقصيدة الأديب العالم الفاضل المتقن شهاب الدين محاسن بن إسماعل بن علي بن أحمد بن الحسين بن إبراهيم الحلبى المعروف بالشَّوّاء، تغمَّده الله برحمته، التى جمع فيها بعض ما يقال بالياء والواو، والتمس منّى أن أنبِّه على ما جمعه منها، فنشطنى لذلك جامعُ البَلَديَّة، وأن أومئ إلى مقدار ما اشتمل عليه أهل بلدى من الفضائل، وما امتازوا به من العلوم التى لم يحرِّر مثلها إلَّا أكابر الأوائل".

стр. 18

مصادر الكتاب لم يُصرِّح ابن الجوزيّ بشيءٍ من موارده ومصادره، إلَّا ما كان من النقل عن أبي حاتم السِّجستانى، فى أعمار المعمِّرين، ثم ما كان من النقل عن ابن أبي الدنيا، فى مرويّاته عند ذِكر رأس العَقْد. ومن النقل عن ابن قُتيبة (١). لكنّى رأيتُه يدور كثيرًا حولَ الخطيب البغداديّ، فى (تاريخ بغداد) وإن لم يصرِّح بذلك، ويظهر هذا عند اختلاف الأعمار فى الكُتُب والمصادر، فهو دائمًا مع الخطيب، آخذًا منه، ومعتمدًا ما فيه. وقد علَّقْتُ على بعضٍ من ذلك، وتركت بعضًا (٢). * * * _________ (١) ص ١١٧. (٢) انظر صفحات ١٨ تعليق (١، ٤)، و ٤٤ تعليق (١٠)، و ٥١ تعليق (٦)، و ١٠١ تعليق (٢). وتأمّلْ عبارة الذهبى حين ذكر الكُتُب التى عوَّل عليها ابن الجوزى فى الحديث: قال: "ولم يرحل في الحديث، لكنَّه عنده "مسند الإمام أحمد" و"الطبقات"، لابن سعد، و"تاريخ الخطيب"، وأشياء عالية، و"الصحيحان"، و"السنن الأربعة" و"الحلية" سير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٦٦.

стр. 19

نُقُول المتأخرين عنه هذا الكتاب مذكورٌ فى ترجمة ابن الجوزى، معدودٌ فى مؤلَّفاته (١)، وممَّن نقل عنه صراحة، شمسُ الدين بن خلّكان، فى ترجمة البحتريّ (٢). وقد رأيتُ مؤرّخ الإسلام الحافظ الذهبيّ وكأنه نظر فى هذا الكتاب (٣)؛ لأنه كثيرًا ما ينُصّ على أن المترجَم توفّى عن كذا عامًا، وترى هذا كثيرًا فى كتابيه العِبَر وسير أعلام النبلاء، ولم أرَ ذلك شائعًا عند غيره من المؤرِّخين. ويكاد الذهبيّ يُصرِّح بالنقل عن هذا الكتاب، عند ترجمة "سلمان الفارسيّ" رضى الله عنه، من سير أعلام النبلاء، حين يقول: "وقد نَقَل طُولَ عمرِه أبو الفرج بن الجوزىِّ وغيرُه" (٤). ثم رأيت الأبْشيهىّ نقل شيئًا عن ابن الجوزيّ، فى أعمار المعمِّرين، يتّفق بعضُه مع ما فى كتابنا هذا (٥). هذا وقد أظْهَرَني الله على نَقْلٍ عزيز عن كتابنا هذا، فى كتاب (التوضيح لكتاب المشتبه (٦) فى الرجال) للحافظ ابن ناصر الدين محمد بن أبي بكر عبد الله بن محمد الدمشقىّ الشافعى المتوفى سنة ٨٤٢، ولولا العلَّامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلّمى اليماني (٧)، ﵀، ما وقفت عل ذلك _________ (١) مؤلفات ابن الجوزى ص ٧٠، ٧١، برقم (٣٣) وقد ذكر الأستاذ عبد الحميد العلوجى الكتب التي ذكرت أعمار الأعيان. (٢) وفيات الأعيان ٦/ ٢٨. (٣) وقد ذكره جريدة مصنفات ابن الجوزى، فى أثناء ترجمته من سير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٦٩. (٤) سير أعلام النبلاء ١/ ٥٥٦، وانظر كتابنا هذا ص ١١١، ١١٢. (٥) المستطرف ٢/ ٧٤. (٦) المشتبه للحافظ الذهبى، كما هو معروف، وهو مطبوعٌ مُتداوَل. (٧) كان ﵀ عالمًا جليلًا، وكان حجّةً في علم الرجال وضبط الأنساب. توفي بمكة المكرمة سنة ١٣٨٦ هـ. وانظر كلمتى الموجزة عنه في مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي ص ٢٠٣ - ٢٠٥.

стр. 20

النقل العزيز: وذلك ما ذكره رضى الله عنه فى حواشى الإكمال لابن ماكولا، فى الكلام على "ثُوَب بن تُلْدة"، المذكور عندنا فى (عقد المائتين) (١). قال الحافظ ابن ناصر الدين، فيما نقله المعلِّمى من كتابه التوضيح: "وهكذا وجدتُه أيضًا مقيَّدًا بالخَطّ فى كتاب أعمار الأعيان لأبي الفرج بن الجوزيّ، فى نُسخةٍ قُرئت عليه وعليها خَطُّه" (٢). قلتُ: وهذه النسخة التى رآها الحافظ ابن ناصر الدين من (أعيان الأعيان) ووصفها بأنها قرئت على ابن الجوزيّ وعليها خطُّه، هى النسخة التى أنشرُ عنها الكتاب، وسيأتيك وصفُها، إلا أن يكون ابن الجوزيّ قد قُرئت عليه نسخةٌ أخرى من الكتاب غير تلك، وهذا بعيدٌ! * * * _________ (١) ص ١٠٨. (٢) الإكمال لابن ماكولا ١/ ٥٦٦.

стр. 21

نسخة الكتاب هى نفيسةٌ من النَّفائس التى يضمُّها قسم المخطوطات بعمادة شئون المكتبات بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض (١). وكانت هذه النسخة فى مِلْك عَلَم الأعلام الأستاذ خير الدين الزركلىّ (٢) ﵀، ثم آلتْ إلى قسم المخطوطات بجامعة الإمام محمد بن سعود، فجزى الله العاملين بها خيرًا. والنسخة بقلم تعليق واضح، وتقع فى عشرين ورقة ونصف، أى فى إحدى وأربعين صفحة. ومسطرتها ١٦ سطرًا، فى كلّ سطر نحو ١٠ كلمات، ومقاسها ١٨ × ١٣ سم. كتبَ النسخةَ محمد بن عمر بن أبي بكر بن عبد الله المقدسى، وفرغ منها يومَ السبت ثالث عشر من رجب سنة ٥٩٢، بمحروسة مزغرا (٣) سَرُوج. وفى صفحة العنوان سماعٌ لصاحب النسخة وكاتبها، علَى ابن الجوزىّ المؤلف، تاريخه ثامن عشر شوال سنة ٥٨٥، وكتب ابن الجوزى بخطه صِحَّةَ ذلك السَّماع. وهذا السَّماع منقول إلى نسختنا المكتوبة سنة ٥٩٢، فالناسخ سمع النسخةَ من مؤلِّفها سنة ٥٨٥، ثم نسخ نسخةً لنفسه هى هذه المنسوخة سنة ٥٩٢، وكتب له ابن الجوزى بصحّة ذلك السماع، وقد أثبتُّ ذلك السَّماع فى صدر المطبوع، ثم ترى صورته الفوتوغرافية إن شاء الله. وفى الجزء الأسفل من صفحة العنوان قراءة تاريخها سنة ٦٣٠. وبآخر النسخة سماع على كاتب النسخة المذكور، تاريخه سنة ٦١٣. _________ (١) انظر حديث هذه النفائس في: الفهرس الوصفى لبعض نوادر المخطوطات بالمكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: إعداد محمود محمد الطناحى: الرياض ١٤١٣ هـ = ١٩٩٣ م. (٢) ويرجع إليها الزركلى كثيرًا فى حواشى الأعلام، وذكرها فى ثبت مصادره ومراجعه ١٠/ ٢٧٠، كما أخذ منها صورة خط ابن الجوزى، وأثبتها فى موضع ترجمته. (٣) انظر تعليقى ص ١٣٠.

стр. 22

وفى حاشية الورقة الأولى التى بها خطبة الكتاب جاءت هذه القراءة: "قرأتُ جميعَ هذا الجزء على الشيخ الإمام العالم العامل الأوحد الصَّدر الكبير فخر الدين أبى الحسن على بن أحمد بن عبد الواحد المَقْدسىّ، بإجازته من ابن الجوزى، فسمعه عبد الرحمن بن أحمد بن سامة. وصَحَّ بكرةَ ثامن عِشْرى شهر رمضان المعظَّم سنة إحدى وثمانين وستمائة، بمنزله بسَفْح جبل قاسيون. وكتبه محمد بن عبد الرحمن بن سامة بن كوكب بن عزّ بن حُميد، عفا اللهُ عنه". قلتُ: والشيخ المقروء عليه هو: فخر الدين بن البخارى، من كبار الفقهاء والمحدِّثين، وصفه الذهبى بمُسْنِد الدنيا، وقال ابن رجب: مُسْند الوقت، وكان حنبلىَّ المذهب، روى عن ابن الجوزىّ وخَلْق كثير، وطال عمرُه، ورحل الطلبةُ إليه من البلاد، وألحق الأسباطَ بالأجداد فى علوِّ الإسناد. ولد سنة ٥٩٥، وتوفى سنة ٦٩٠ (١). أمَّا كاتب القراءة فهو: شمس الدين أبو عبد الله الحنبلىّ، الحافظ المتقن المحدِّث الصالح، الدمشقى الصالحى, نزيل القاهرة، كان فصيحًا سريعَ القراءة حسنَ الخَطّ، ضابطًا متقنًا، كَتَب، الكثير، وفيه كَيْسٌ وتواضعٌ وعفّة ودِينٌ وتلاوة, وُلِد سنة ٦٦٢, وتوفى سنة ٧٠٨ (٢)، فيكون قد حضر قراءة الكتاب وأثبتها وسِنُّه ١٩ سنة. _________ (١) ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٢٥، والعبر ٥/ ٣٦٨. (٢) ذيول العبر ص ٤٣، والوافى بالوفيات ٣/ ٢٣٩، وذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٥٥، والدرر الكامنة ٤/ ١١٧. ولا تَحْملنّ هذه الأوصاف التى تقرأها عن الرجل، على المبالغة والاسترسال، كما يظنّ بعضُ من لا عقول لهم ولا اطلاع؛ فإن هذه الأوصاف -فوق أنها حقُّ صاحبها- تُؤكّد الثقةَ بهذه العلوم والمعارف التى نقلها لنا القومُ روايةً أو كتابةً. وعلى الجانب الآخر فقد كان علماؤنا ومؤرِّخونا ينبِّهون على من ليسوا محل الثّقة من العلماء والمصنِّفين، إرشادًا وتحذيرًا مِن التعويل عليهم والاغترار بهم، وكانوا يشتَدُّون فى ذلك ويَعْنُفُون، ولا يمنعهم من ذلك قرابةٌ أو جِوارٌ. قال جعفر بن محمد القلانسىّ: سمعتُ محمد بن أبى السَّرِىّ يقول: لا تكتبوا عن أخى فإنه كذَّاب -يعنى الحسين بن أبى السَّرِىّ: تهذيب الكمال ٦/ ٤٦٩.

стр. 23

وجاء بحاشية الورقة السابعة سماعٌ على الشيخ فخر الدين بن البخارى المذكور، بإجازته من مؤلفه. وهذا السماع بقراءة المحدِّث المفيد الشيخ أبى الحسن على بن مسعود بن نَفيس الموصلى ثم الحلبى. وكُتب هذا السَّماع يومَ الأحد نصف شوّال سنة ٦٧٨، بالمدرسة الضِّيائية بسَفْح جبل قاسيون، ظاهر دمشق. قلت: وقارئ هذا السَّماع، وهو أبو الحسن على بن مسعود بن نفيس، كان محدِّثًا مفيدًا مشهورًا، سمع وحدَّث وحصَّل أصولًا من الكُتُب، وَقَفها، وكان يجوع ويشترى الأجزاء، ويَقْنَعُ بِكِسْرة، فيسوءُ خُلُقُه مع التقوى والصلاح. لزمه الذهبىُّ وقال فيه: "وكان ديِّنًا خيِّرًا متصوِّفًا متعفِّفًا، قرأ ما لا يوصف كثرة، وحصَّل أصولًا كثيرة، كان يجوع ويبتاعها" (١). وُلد سنة ٦٣٤، وتوفى سنة ٧٠٤. * * * _________ (١) تذكرة الحفاظ ص ١٥٠٠، وذيول العبر ص ٢٦، والوافى بالوفيات ٢٢/ ١٩٤، وذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٥١، والدرر الكامنة ٣/ ٢٠٣.

стр. 24

حواشى النُّسْخة على حواشى هذه النسخة النَّفيسة تعليقات وفوائد جيدة: تضمَّنت إضافة أعمار بعض الأعيان الذين لم يذكرهم المؤلّف، داخل العُقُود، أو الذين جاءوا بعد زمن المؤلّف، كما تضمّنت التنبيه على أوهام المؤلف أو الناسخ. وبهذه الحواشى أيضًا نقلٌ من كتاب (الثبات عند الممات) لابن الجوزى، لم أجده فى المطبوع منه (١). ثم كان لى أنا أيضًا -على ضَعْف مُنَّتِى وقِلَّة حِيلتى- تنبيهات على بعض الأوهام، تراها إذا أتتْ قراءتُك على الكتاب إن شاء الله، وتتصل هذه الأوهام بتكرير بعض التراجم فى عُقود مختلفة، أو الخطأ فى مَبْلَغِ عُمْرِ المُتَرْجَم، أو التصحيف فى بعض الأسماء (٢). هذا؛ وسترى أيها القارئ الكريم -نفعك اللهُ بما تقرأ- تطويلًا فى الحواشى والتعليقات، وقد فعلْتُه كارِهًا له، غيرَ راغب فيه، وما حَملَنِى عليه إلَّا منهجُ الكتاب القائم على الوجازة والاختصار، بذِكر الكُنْية أو النَّسَب أو الشهرة فقط (٣)، وليس كلُّ الناس يَعْلم، وكان لا بدّ أيضًا أن أذكر سنة الوفاة وأحرِّرَها, فقد وقع فى بعضها خِلاف، ثم إن الدَّلالة على موضع الترجمة من المراجع والمصادر مفيدٌ جدًّا لطالب العِلم المبتدئ، على أنى لم أذكر من مراجع الترجمة إلَّا ما كان فى مكتبتى ورأيته رأىَ العين، ثم راجعت عليه الترجمة، فإذا أردتَ استقصاءً فى مراجع الترجمة فانظر مراجعى واطْلُبْها واستفدْ منها؛ فإن عند بعض المحقِّقين من الكُتُب والعِلم ما ليس عندى، وبخاصة سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبى، وتهذيب الكمال لشيخه الحافظ المِزِّى، فإن _________ (١) انظر ص ١٣. (٢) وهذا كثير، لكن انظر مثالين منه فى ص ٢٢ (ترجمة عبد الله بن مظعون) وص ٤٢ (ترجمة أبى جعفر بن المسلمة). وانظر مثالًا على التصحيف فى ص ٩٩ (ترجمة قَرَدَة بن نُفاثة). (٣) وسيأتيك الاسم كاملًا -إن شاء الله- فى فهارس الأعلام, محالًا عليه من الكُنية أو النسبة أو الشهرة.

стр. 25

فى حواشى هذين الكتابين عِلمًا كثيرًا، أحسن اللهُ إلى مَن حقَّقهما، وإلى من نَشَرهما. * * * فهذا ما كان من أمر تلك النسخة المخطوطة الوحيدة، التى أنشر عنها الكتاب، وهى نسخةٌ جليلة، كما رأيتَ. وهناك نسخة من الكتاب، لم أستطع الظَّفَرَ بها، وهى النسخة التى ذكرها الأستاذ عبد الحميد العَلَوْجِىّ، فى مؤلّفات ابن الجوزى (١)، وأشار إلى أنها فى مكتبة الغازى خسرو بك بسراييفو، فى يوغوسلافيا، ضمن مجموع برقم ٣٠٠ - أى أنها فى أتُّون البُوسْنة والهَرْسك، فرَّج الله كربَهما. وزادت الدكتورة ناجية عبد الله إبراهيم، فذكرت تاريخ الفراغ من نَسْخ هذه النسخة، وهو يوم الأحد تاسع عشر شهر صفر سنة ١٠٢٤ هـ (٢). * * * وبعد: فإنى أسأل اللهَ العلىَّ القدير أن أكون قد وُفِّقْتُ فى قراءة هذا الأثر العتيق، وأن أكون قد أحْسنْتُ فى أدائه والتعليق عليه، ومَن وقف على خطأ منّى أو زَلَل فلْيُنَبِّهنى عليه، ولْيَكْتُبْ لى به، مشكورًا مأجورًا إن شاء الله، ورحم _________ (١) مؤلفات ابن الجوزى ص ٧٠، ٧١. (٢) قراءة جديدة فى مؤلّفات ابن الجوزى ص ٣٩، نقلًا عن فهرس المخطوطات العربية فى التركية والفارسية، فى مكتبة الغازى خسرو بك بسرابيفو ص ١٣٣، ١٣٤.

стр. 26

اللهُ امرءًا أهْدَى إلىَّ عيوبى, وابن آدم إلى النَّقْص ما هو! ورَبُّنا المحمودُ فى الأولى والآخرة. * * * وكتب ذلك أبو محمد محمود محمد الطناحى فى يوم الأربعاء ٢٣ من رجب الفرد ١٤١٤ - ٥ من يناير ١٩٩٤ م ٦ شارع بشَّار بن بُرْد - المنطقة السادسة مدينة نصر - القاهرة * * *

стр. 27

كلمة عن ابن الجوزى هو جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علىّ بن محمد، ينتهى نسبه إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه (١). أمَّا "الجوزى" فى نسبته فترجع إلى أحد أجداده الأَعْلَيْن: "جعفر الجوزى". قيل: نِسبة إلى فُرْضة الجَوْز: موضع مشهور، وقيل: إلى مَشْرَعة الجوز، وهى إحدى محالّ بغداد بالجانب الغربىّ. وقيل: نسبة الى جَوْزةٍ فى داره. وُلد ابن الجوزى ببغداد، بدرب حبيب، سنة ثمانٍ أو تِسْع أو عشرٍ وخمسمائة. ومات أبوه وله نحو ثلاث سنين، ولمَّا شب وترعرع حملتْه عمَّتُه -وكانت امرأة صالحة- إلى مجلس خاله الحافظ أبى الفضل محمد بن ناصر السَّلامىّ، فاعتنى به وأسمعه الحديث. وأوّل شئ سمع فى سنة ٥١٦، أى وهو فى نحو الثامنة. قال فى أول مشيخته: "حملنى شيخنا ابن ناصر إلى الأشياخ فى الصغر، وأسمعنى العَوالى، وأثبت سماعاتى كلّها بخطه، وأخذ لى إجازات منهم، فلما فهمت الطلب كنت ألازم من الشيوخ أعلمهم، وأُوثِر من أرباب النقل أفهمهم، فكانت هِمَّتى تجويد العُدَد، لا تكثير العَدَد" (٢). ثم مضت حياة ابن الجوزى بين الجِدّ فى الطلب والتحصيل، وبين الإقراء _________ (١) لا سبيلَ إلى ذكر ترجمة كاشفة مستوعبة لابن الجوزى بعدَ هذا الفيض من الترجمة له قديمًا وحديثًا. لكنْ لا بدّ عن كلمة تكون تذكرةً وعونًا لطالب العلم المبتدئ. ومن أراد المزيد فعليه بسير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٦٥, والمراجع بحاشيتها. ثم مقدمة تحقيق "مشيخة ابن الجوزى" للأستاذ محمد محفوظ. (٢) مشيخة ابن الجوزى ص ٥٣، نقلًا عن ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٤٠١. وانظر فهارس المشيخة ص ٢٦٦، ٢٦٧.

стр. 28

والتصنيف، وقد بلغ فيه شأوًا عظيمًا. وقد سبق قول الحافظ الذهبى عنه: "وما علمت أحدًا من العلماء صنَّف ما صنَّف هذا الرجل" ورُوِى أن ابن الجوزى سُئل عن عدد تصانيفه، فقال: "زيادة عن ثلاثمائة وأربعين مصنَّفًا، منها ما هو عشرون مجلدًا، ومنها ما هو كرّاسٌ واحد". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية فى أجوبته المصرية: "كان الشيخ أبو الفرج مفتيًا كثيرَ التصنيف والتأليف. وله مصنَّفات فى أمور كثيرة، حتى عددتُها فرأيتُها أكثرَ من ألف مصنَّف، ورأيت بعد ذلك ما لم أرَه" (١). يقول الحافظ الذهبىّ فى وصفه: "الشيخ الإمام العلَّامة، الحافظ المفسِّر، شيخ الإسلام مفخر العراق. . . . وكان رأسًا فى التذكير بلا مُدافَعَة، يقول النَّظمَ الرائق، والنَّثْرَ الفائق بَدِيهًا، ويُسْهِب، ويُعْجِب، ويُطْرِب، ويُطْنِب، لم يأت قبلَه ولا بعدَه مثلُه، فهو حامل لواء الوعظ، والقيِّم بفنُونه، مع الشكل الحسَن، والصوتِ الطيّب، والوقع فى النفوس، وحُسنِ السِّيرة، وكان بحرًا فى التفسير، علَّامةً فى السِّير والتاريخ، موصوفًا بحُسْن الحديث، ومعرفة فُنونه، فقيهًا، عليمًا بالإجماع والاختلاف، جيِّدَ المشاركة فى الطبّ، ذا تَفَتُّنٍ وفهمٍ وذكاءٍ وحفظٍ واستحضار، وإكباب على الجمع والتصنيف، مع التصوُّن والتجمُّل، وحُسن الشارة, ورشاقة العبارة، ولُطف الشمائل، والأوصاف الحميدة، والحرمة الوافرة عند الخاصّ والعامّ، ما عرَفْتُ أحدًا صنَّف ما صنَّف" (٢). وقال الموفَّق عبد اللطيف البغدادىّ فى تأليفٍ له: "كان ابن الجوزى لطيفَ الصورة، حلوَ الشمائل، رخيمَ النَّغْمة، موزون الحركات والنغمات، لذيذَ المفاكهة، يحضر مجلسَه مائةُ ألفٍ أو يزيدون، لا يُضيِّع من زمانه شيئًا، يكتبُ فى اليوم أربعَ كراريس، وله فى كلّ عِلم مشارَكة، لكنه كان فى التفسير من _________ (١) الذيل على طبقات الحنابلة ١/ ٤١٣, ٤١٥. (٢) سير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٦٥، ٣٦٧.

стр. 29

الأعيان، وفى الحديث من الحُفَّاظ، وفى التاريخ من المتوسِّعين، ولديه فقهٌ كافٍ" (١). وقد عَلَتْ شهرةُ ابن الجوزى فى الوعظ والتذكير، وقد حضر بعضَ مجالسِه فى الوعظ الرحَّالة ابن جُبَير، المتوفى سنة ٦١٤، وقد وصف مجلسًا من مجالسه فى شهر صفر سنة ٥٨٠، فقال: "ثم شاهدنا صبيحة يوم السبت بعده مجلس الشيخ الفقيه الإمام الأوحد جمال الدين أبى الفضائل بن على الجوزىّ. . . . فشاهَدْنا مجلسَ رجل ليس من عمرٍو ولا زيد، وفى جوف الفراكلُّ الصَّيد، آية الزمان، وقُرَّة عين الإيمان، رئيس الحنبليّة، والمخصوص فى العلوم بالرُّتَب العليّة. . . . ومن أبهر آياته، وأكبر معجزاته، أنه يصعد المنبر، ويبتدئ القُرّاء بالقرآن، وعددُهم نيِّف على العشرين قارئًا، فينتزع الاثنان منهم أو الثلاثة آيةً من القراءة يتلونها على نَسَقٍ بتطريب وتشويق، فإذا فرغوا تلت طائفة أُخرى على عددهم آيةً ثانية، ولا يزالون يتناوبون آياتٍ من سُورٍ مختلفات، إلى أن يتكاملوا قراءة، وقد أتَوْا بآيات مشتبهات، لا يكاد المتّقد الخاطر يحصّلها عددًا، أو يُسمّيها نَسَقًا. فإذا فرغُوا أخذ هذا الإمام الغريب الشأن فى إيراد خُطبته، عَجِلًا مُبتَدِرًا، وأفرغ فى أصداف الأسماع من ألفاظه دُرَرًا، وانتظم أوائل الآيات المقروءات فى أثناء خُطبته فِقَرًا، وأتى بها كل نَسَق القراءة لها، لا مقدِّمًا ولا مؤخّرًا. ثم أكمل الخطبة على قافيةِ آخِرِ آية منها. فلو أنَّ أبْدَعَ مَن فى مجلسِه تكلَّف تسمية ما قرأ القُرّاءُ آيةً على الترتيب لَعَجِزَ عن ذلك، فكيف بمَنْ ينتظمها مُرتَجلًا، ويُورد الخُطبةَ الغَرَّاء بها عَجِلًا! ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٦]- فحدِّثْ ولا حَرَج عن البحر، وهَيْهات، ليس الخَبَر عنه كالخُبْر. _________ (١) سير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٧٧.

стр. 30

ثم إنه أتى بعد أن فرغ من خطبته برَقائقَ من الوعظ، وآياتٍ بيِّنات من الذِّكر، طارتْ لها القلوب اشتياقا، وذابت بها الأنفُس احتراقًا، إلى أن علا الضَّجيج، وتَردَّد بشهقاته النَّشيج، وأعلن التائبون بالصِّياح، وتساقطوا عليه تساقطَ الفَراش على المصباح، كلٌّ يُلقِى ناصيتَه بيده فيجزّها، ويَمْسَح على رأسه داعيًا له، ومنهم مَنْ يُغْشَى عليه فيُرفَع فى الأذرُع إليه، فشاهَدْنا هَوْلًا يملأ النفوسَ إنابةً وندامة، ويذكّرها هولَ يوم القيامة" (١). وبرغم هذه الشهرة العريضة التى استحقّها ابنُ الجوزى بعِلْمِه ووعظِه وكثرةِ تصانيفه، فإن الحياة لم تَصْفُ، له، وابتُلى بمِحْنتَيْن: الأولى: أن بعض الرافضة وشى به إلى الخليفة الناصر، وكان الناصر يميل إلى الشِّيعة، ولم يكن له ميلٌ إلى ابن الجوزى، فلَمَّا وَشَوْا به إليه أرسل من شتمه وأهانه وأخذه قَبْضًا باليد، وخَتَم على داره، وشتَّت عيالَه، ثم حُمِل إلى سفينة ونُفِىَ إلى مدينة واسط، فحُبس بها فى بيتٍ حَرِجٍ ضَيّق، وكان فى أثناء ذلك الحَبْس يخدُم نفسه، ويَغْسِلُ ثوبه، ويطبخ، ويستقى الماء من البئر (٢)، وكانت هذه المحنة من سنة ٥٩٠ إلى سنة ٥٩٥، فكانت غاشيةً من الغواشى أطبقت عليه وهو فى الثمانين من عُمرِه، ولم يَعشْ بعدها سوى عامين. والمحنة الثانية: كانت فى ولدٍ له يُسَمَّى "عليًّا" أخذ مصنَّفاتِ والدِه وباعها بَيْعَ العَبيد، ولمَن يزيد، ولمَّا أُحْدِر والدُه إلى واسط، تحيَّل على الكُتُب بالليل، وأخذ منها ما أراد، وباعَها ولا بثمن المِداد، وكان أبوه قد هجره منذ سنين، فلما امتُحِن صار حَرْبًا عليه (٣). وفى ليلة الجمعة، بينَ العشاءين، الثالث عشر من رمضان سنة ٥٩٧، توفى ابن الجوزى، بعد مَرَضٍ لم يَدُمْ أكثر من خمسة أيام، وكان يوم جنازته _________ (١) رحلة ابن جبير ص ١٩٦ - ١٩٨، وذكر له مجلسًا آخر. (٢) سير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٧٦، والذيل على طبقات الحنابلة ١/ ٤٢٦. (٣) المرجعين السابقين ص ٣٨٤، ٤٣١.

стр. 31

يومًا مشهودًا، غُلِّقت الأسواق، وازدحم الخلق ازدحامًا شديدًا، وكان يومًا قائظًا من أيام تَمُّوز (يوليو) فأفْطر خَلْقٌ، ورَمَوْا أنفُسَهم فى الماء، وحزن الناسُ عليه حُزنًا شديدًا، وَبَكَوْا عليه بكاءً كثيرًا. ﵀ ورضى عنه. * * *

стр. 32

صور مخطوط الكتاب

стр. 33

صورة الورقة الأولى من المخطوطة. وهى مقدمة المؤلف

стр. 34

صورة صفحة العنوان وفيها صورة السَّماع على المؤتلف وخَطّه. وعبارته "هذا صحيح وكتب عبد الرحمن بن على بن محمد بن الجوزى"

стр. 35

صورة آخر المخطوطة. وفيها تاريخ النَّسخ والسَّماع

стр. 36

أعمار الأعيان لابن الجوزى جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد (٥١٠ هـ - ٥٩٧ هـ) تحقيق الدكتور محمود محمد الطناحي

стр. 37

صف وطبع هذا الكتاب بمكتبة ومطبعة الخانجي ص. ب: ١٣٧٥ بالقاهرة الطبعة الأولى: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م رقم الإيداع ٦٥١/ ٩٤ الترقيم الدولى I.S.B.N ٤ - ٠٩٥ - ٥٠٥ - ٩٧٧

стр. 38

كتاب أعمار الأعيان تأليف شيخنا الإمام العالم الأوحد الصَّدر الكبير جمال الدين شرف الإسلام إمام العلماء، وسيد ورثة الأنبياء أبى الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد ابن الجوزىّ مدَّ الله فى عمره. سماعٌ منه لصاحبه محمد بن عمر بن أبى بكر بن عبد الله المقدسىّ، نفعه الله به وبالعلم آمين ربَّ العالمين. سمع جميع كتاب أعمار الأعيان على مؤلّفه جمال الدين أبى الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد بن الجوزى، مدَّ الله فى عمره بقراءة عبد الوهاب ابن معالى بن وشاح، وهذا خَطُّه، صاحبُه الفقيهُ الإمام العالم الأوحد نجم الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن أبى بكر، وأبو الطائف أحمد بن عمر بن محمد ابن قدامة المقدسيّان، والفقيهُ الإمام العالم الصدر الكبير نجم الدين أبو محمد عبد المنعم بن على بن نصر بن منصور بن الصقال الحَرّانى. وذلك فى مجلس واحد، فى ثامن عشر شوّال سنة خمس وثمانين وخمسمائة، بمحروسة بغداد، بدار الشيخ الشاطيّة. وصَحَّ وثَبَت. ونقلتُ هذا السماعَ عن نسختى فى سلخ شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. هذا صحيح وكتب عبد الرحمن بن علىّ بن محمد بن الجوزىّ. * * *

стр. 39

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا بالله العلىِّ العظيم الحمدُ لله خالقِ خَلْقِه بالقُدرة مِن تُراب، ومُقلِّبِهم بالحكمة فى البُطون والأصلاب، وقاسمِ أرزاقهم وآجالهم، فالكلُّ يجرى بحِساب، فمنهم ضيّقُ الرزق مع حِذْقِه بالأسباب، ومنهم مُوَسَّعٌ عليه ولم يُوغِلْ فى اكتساب. ومنهم مُسْتَلَبٌ فى الطُّفولة، ومنهم مأخوذٌ فى الشَّباب. ومنم من يموت كهْلًا حينَ يُقال: قدْ شاب. ومنهم منفردٌ بالتعمير الطَّويل عن الأقران والأتْراب. قِسْمةٌ قضتْ بها الإرادةُ، لا تغيير لها ولا انقِلاب. ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (١). أحْمَدُه حَمْدَ مُوقِنٍ بالأجْر على الحَمْدِ والثَّواب. وأصلّى على رسوله محمدٍ أشرفِ رجلٍ مَشَى راجلًا، أو ثَنَى رِجلًا فى رِكاب. وعلَى جميع أتباعه على شَريعته والأصحاب، صلاةً يَعُمُّ نفعُها فى الدُّنيا ويومَ المآب. * * *

стр. 40

هذا كتابٌ ذكرتُ فيه أعمارَ الأعيان، فإنَّ مَن رأى كبيرَ القَدْر قد مات صغيرَ السِّنّ، أفاده ذلك ثلاثَ فوائدَ: إحداها: شُكْرُ اللهِ تعالى، إذ أنْعَم عليه بالزِّيادة. والثانيةُ: الانتباهُ للتأهُّب والتَّزوُّد خَوْفَ الاستِلاب. والثالثة: التَّسَلِّى عندَ نُزُولِ الموتِ به. ومَن رأى طاعِنًا فى العُمْر استفاد قُوَّةَ أملٍ للَبَقَاء، وبذلك تَقْوَى (١) النَّفْس، فلا تيأسُ مِن بُلُوغ ذلك المَدَى. وربَّما قال قائلٌ: فالممدوحُ قِصَرُ الأَملِ. فالجوابُ: أنَّ الحازِمَ لا يُعَوِّلُ على الأَمل، كيف وقد قال رسولُ الله صلَّى الله عليه (٢): "وَعُدَّ نَفْسَكَ مِن أهلِ القُبُورِ" (٣)، وقال ابن عُمَر: "إذا أصْبَحْتَ فلا تُحدِّثْ نَفْسَكَ بالمساءِ" (٤)
следующие страницы →