Полный текст (476 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
سَبِيلُ المُهْتَدِين إِلَى شَرْحِ الأَرْبَعِين النَّوَوِيَّةِ
(كُلُّ حَدِيثٍ مِنْهَا قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ)
الإِمَامُ النَّوَوِيُّ
تَأْلِيفُ
أَبِي عَبْدِ اللهِ؛ خُلْدُونِ بنِ مَحْمُودِ بنِ نَغَوِي آل حَقُوي
стр. 2
مُقَدِّمَةُ المُؤَلِّفِ
إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي كُنْتُ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ -وَإِلَى الآنَ- أَتَطَلَّعُ إِلَى خِدْمَةِ دِينِ اللهِ تَعَالَى، وَإِلَى أَنْ يَكُونَ لِي سَبَبٌ إِلَى رِضَاه تَعَالَى فِي حَيَاتِي وَبَعْدَ مَمَاتِي (١)، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ أَكُونَ أَحَدَ جُنُودِ الإِسْلَامِ المُدَافِعِينَ عَنْهُ بِاليَدِ وَاللِّسَانِ.
وَلَمْ أَرَ أَنْفَعَ لِدِينِ الإِسْلَامِ -عِنْدَ أَزْمِنَةِ انْتِشَارِ الجَهْلِ وَالشِّرْكِ وَالبُعْدِ عَنِ السُّنَّةِ وَفُشُوِّ البِدَعِ- مِنْ جِهَادٍ بِاللِّسَانِ وَفَرْيٍ بِالقَلَمِ (٢)، وَذَلِكَ بِنَشْرِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَبَيَانِ أُصُولِ أَهْلِ الإِسْلَامِ وَقَوَاعِدِ الدِّينِ وَمَنْهَجِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي فَهْمِ دِينِ الإِسْلَامِ وَالعَمَلِ بِهِ.
وَقَدْ رَأَيتُ الاعْتِنَاءَ بِكِتَابِ (الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ) خَاصَّةً؛ لِمَا فِيهِ مِنْ
ذِكْرِ أَحَادِيثَ هِيَ قَوَاعِدُ الدِّينِ، وَلِمَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مِنْ كَلَامِ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَإِشَارَتِهِم إِلَى أَهَمِّيَّتِهِ وَجُودَةِ جَمْعِهِ؛ فَقُمْتُ -مُسْتَعِينًا بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، стр. 3
وَمُسْتَنِيرًا بِشُرُوحِ العُلَمَاءِ- بِتَصْنِيفِ شَرْحٍ عَلَيهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ وَجِيزًا فِي عِبَارَتِهِ، وَاسِعًا فِي فَوَائِدِهِ (١)؛ مَعَ الاعْتِنَاءِ الشَّدِيدِ بِتَحْقِيقِ الآثَارِ المَرْفُوعَةِ وَالمَوقُوفَةِ مَوضِعِ الاسْتِدْلَالِ (٢)، وَالعَزْوِ الصَّحِيحِ -مَا أَمْكَنَ- فِي مَوَاطِنِ الاخْتِلَافِ بَينَ العُلَمَاءِ، وَبَيَانِ الرَّاجِحِ مِنْهَا قَدْرَ الإِمْكَانِ.
وَلَا أَدَّعِي لِنَفْسِي التَّفرُّدَ فِي شَرْحِ الكِتَابِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ الاعْتِمَادُ عَلَى شُرُوحِ العُلَمَاءِ الأَفَاضِلِ -قَدِيمًا وَحَدِيثًا- المَعْرُوفِينَ بِسَلَامَةِ المَنْهَجِ، وَرُسُوخِ العِلْمِ، وَبُعْدِ النَّظَرِ.
عَلَى أَنَّنِي اعْتَقِدُ أَنِّي -إِنْ شَاءَ اللهُ- قَدْ وُفِّقْتُ مِنَ اللهِ تَعَالَى فِي اسْتِيعَابِ فَوَائِدَ وَمَسَائِلَ تَمَسُّ الحَاجَةُ إِلَيهَا فِي كُلِّ بَابٍ؛ لَعَلَّهَا لَمْ تُجْمَعْ فِي شَرْحٍ وَاحِدٍ مِنْ شُرُوحِ هَذِهِ الأَرْبَعِينَ.
وَأَخِيرًا أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى إِجَابَتِي دَعْوَةً كَدَعْوَةِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ ﵊: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسَابُ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٤٠، ٤١].
وَكَتَبَهُ
أَبُو عَبْدِ اللهِ؛ خُلْدُونُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ نَغَوِي آل حَقُوِي (٣) стр. 4
تَرْجَمَةُ الإِمَامِ النَّوَوِيِّ:
اسْمُهُ وَنَسَبُهُ:
هُوَ يَحْيَى بْنُ شَرَفِ بْنِ مِرَى بْنِ حَسَنِ بْنِ حِزَامٍ؛ الحِزَامِيُّ النَّوَوِيُّ الحَورَانِيُّ الشَّافِعِيُّ؛ الشَّيخُ الإِمَامُ العَلَّامَةُ؛ شَيخُ الإِسْلَامِ، لَقَبُهُ: مُحْيِي الدِّينِ (١)، وَكُنْيَتُهُ:
أَبُو زَكَرِيَّا.
وُلِدَ سَنَةَ (٦٣١ هـ)، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ (٦٧٦ هـ).
مَنْهَجُهُ العِلْمِيُّ:
قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (تَارِيخُ الإِسْلَامِ وَوَفِيَّاتُ المَشَاهِيرِ وَالأَعْلَامِ) -عِنْدَ تَرْجَمَةِ الإِمَامِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: "قَالَ شَيخُنَا ابْنُ العَطَّارِ: ذَكَرَ لِي شَيخُنَا ﵀ (٢) أَنَّهُ كَانَ لَا يَضِيعُ لَهُ وَقْتٌ فِي لَيلٍ وَلَا نَهَارٍ إِلَّا فِي وَظِيفَةٍ مِنَ الاشْتِغَالِ بِالعِلْمِ، حَافِظًا لِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، عَارِفًا بِأَنْوَاعِهِ مِنْ صَحِيحِهِ وَسَقِيمِهِ وَغَرِيبِ أَلْفَاظِهِ وَاسْتِنْبَاطِ فِقْهِهِ، حَافِظًا لِلمَذْهَبِ وَقَوَاعِدِهِ وَأُصُولِهِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَاخْتِلَافِ العُلمَاءِ وَوِفَاقِهِم، سَالِكًا فِي ذَلِكَ طَرِيقَةَ السَّلَفِ" (٣). стр. 5
قُلْتُ (الذَّهَبِيُّ): "وَلَا يَحْتَمِلُ كِتَابُنَا أَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ سِيرَةِ هَذَا السَّيِّدِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيهِ، وَكَانَ مَذْهَبُهُ فِي الصِّفَاتِ السَّمْعِيَّةِ السُّكُوتُ، وَإِمْرَارُهَا كَمَا جَاءَتْ، وَرُبَّمَا تَأَوَّلَ قَلِيلًا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ؛ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى" (١).
مُصَنَّفَاتُهُ:
لَهُ مِنَ المُصَنَّفَاتِ الكَثِيرُ الطَّيِّبُ ﵀، فَمِنْهَا: (تَهْذِيبُ الأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ)، وَ (مِنْهَاجُ الطَّالِبِينَ)، وَ (المِنْهَاجُ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمِ بْنِ الحَجَّاجِ)، وَ (حِلْيَةُ الأَبْرَارِ) المَعْرُوفُ بِـ (الأَذْكَارِ النَّوَوِيَّةِ) -، وَ (رِيَاضُ الصَّالِحِينَ مِنْ كَلَامِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ)، وَ (الإِيضَاحُ فِي المَنَاسِكِ)، وَ (رَوضَةُ الطَّالِبِينَ)، وَ (التِّبْيَانُ فِي آدَابِ حَمَلَةِ القُرْآنِ)، وَ (مُخْتَصَرُ طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ لِابْنِ الصَّلَاحِ)، وَ (الأَرْبَعُونَ حَدِيثًا النَّوَوِيَّةُ) -وَهِيَ مَا أَقُومُ بِشَرْحِهَا-، وَ (المَجْمُوعُ شَرْحُ المُهَذَّبِ)، وَغَيرُهَا كَثِيرٌ (٢). стр. 6
مُقَدِّمَةٌ عَلَى الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ:
- سَبَبُ تَصْنِيفِ النَّوَوِيِّ ﵀ لِهَذِهِ الأَرْبَعِين (١):
١ - حَدِيثُ «مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا مِنْ أَمْرِ دِينِهَا؛ بَعَثَهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ فِي زُمْرَةِ الفُقَهَاءِ وَالعُلَمَاءِ» (٢)، وَاتَّفَقَ الحُفَّاظُ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَإِنْ كَثُرَتْ طُرُقُهُ.
٢ - اعْتِمَادًا عَلَى قَولِهِ ﷺ فِي الأَحَادِيث الصَّحَيحَةِ: «لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ» (٣)، وَقَولِهِ ﷺ : «نَضَّرَ اللهُ امْرِأً سَمِعَ مَقَالَتِي؛ فَوَعَاهَا؛ فَأدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» (٤).
٣ - اقْتِدَاءً بِتَصْنِيفِ العُلَمَاءِ المُتَقَدِّمِينَ لَهُ؛ حَيثُ جَمَعُوا أَحَادِيثَ فِي الفُرُوعِ وَأُصُولِ الدِّينِ وَالزُّهْدِ وَالجِهَادِ وَ …
قَالَ ﵀: "وَقَدِ اسْتَخَرْتُ اللهَ تَعَالَى فِي جَمْعِ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا -اقْتِدَاءً بَهَؤُلَاءِ الأَئِمَّةِ الأَعْلَامِ وَحُفَّاظِ الإِسْلَامِ-، وَقَدِ اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ العَمَلِ بِالحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ (٥)، وَقَدْ رَأَيتُ جَمْعَ أَرْبَعِينَ أَهَمَّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ стр. 7
وَهِيَ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا مُشْتَمِلَةً عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، وَكُلُّ حَدِيثٍ مِنْهَا قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ؛ قَدْ وَصَفَهُ العُلَمَاءُ بِأَنَّ مَدَارَ الإِسْلَامِ عَلَيهِ، أَو هُوَ نِصْفُ الإِسْلَامِ، أَو ثُلُثُهُ، أَو نَحْو ذَلِكَ" (١).
- قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "أَمْلَى الإِمَامُ الحَافِظُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ مَجْلِسًا سَمَّاهُ (الأَحَادِيثُ الكُلِّيَّةُ) جَمَعَ فِيهِ الأَحَادِيثَ الجَوَامِعَ الَّتِي يُقَالُ: إِنَّ مَدَارَ الدِّينِ عَلَيهَا، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا مِنَ الكَلِمَاتِ الجَامِعَةِ الوَجِيزَةِ (٢)؛ فَاشْتَمَلَ مَجْلِسُهُ هَذَا عَلَى سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا.
ثُمَّ إِنَّ الفَقِيهَ الإِمَامَ الزَّاهِدَ القُدْوَةَ أَبَا زَكَرِيَّا؛ يَحْيَى النَّوَوِيَّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيهِ أَخَذَ هَذِهِ الأَحَادِيثَ الَّتِي أَمْلَاهَا ابْنُ الصَّلَاحِ، وَزَادَ عَلَيهَا تَمَامَ اثْنَينِ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا، وَسَمَّى كِتَابَهُ بِـ (الأَرْبَعِينُ)، وَاشْتَهَرَتْ هَذِهِ الأَرْبَعُونَ الَّتِي جَمَعَهَا، وَكَثُرَ حِفْظُهَا، وَنَفَعَ اللهُ بِهَا بِبَرَكَةِ نِيَّةِ جَامِعِهَا، وَحُسْنِ قَصْدِهِ؛ ﵀" (٣).
- اعْتَنَى بِشَرْحِ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ الكِبَارِ؛ أَبْرَزُهُم:
الحَافِظُ ابْنُ دَقِيقٍ العِيدُ؛ الشَّافِعِيُّ ﵀، (ت ٧٠٢ هـ).
الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀، (ت ٧٩٥ هـ)، وَسَمَّى شَرْحَهُ: جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٤). стр. 8
الحَدِيثُ الأَوَّلُ: (إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)
عن أميرِ المؤمنينَ أبي حَفْصٍ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ تعالَى عليهِ وعلَى آلهِ وسَلَّمَ يقُولُ: «إنَّمَا الأعْمَالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لكُلِّ امْرئٍ ما نَوَى فمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُولِهِ، ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أوِ امْرأةٍ يَنْكِحُهَا فهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليهِ» رواهُ إمَامَا المُحَدِّثِينَ أبو عَبْدِ اللهِ محمدُ بنُ إسماعِيلَ بنِ إبراهيمَ ابنِ المُغِيرةِ بنِ بَرْدِزبَه البُخاريُّ، وأبُو الحُسَيْنِ مُسْلِمُ بنُ الحَجَّاجِ بنِ مُسْلِمٍ القُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُوريُّ في صحيحَيْهِما اللَّذَيْنِ هُما أصَحُّ الكُتُبِ المُصَنَّفَةِ (١).
- أَهَمِّيَّةُ الحَدِيثِ: قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀: "يَدْخُلُ فِي حَدِيثِ «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ثُلُثُ العِلْمِ" (٢)، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ كَسْبَ العَبْدِ يَكُونُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَجَوارِحِهِ، وَالنِّيَّةُ أَحَدُ الأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَيضًا: "يَدْخُلُ هَذَا الحَدِيثُ فِي سَبْعِينَ بَابًا مِنَ الفِقْهِ" (٣).
وَاسْتَحَبَّ العُلَمَاءُ أَنْ تُسْتَفْتَحَ المُصَنَّفَاتُ بِهَذَا الحَدِيثِ، وَمِمَّنِ افْتَتَحَ بِهِ стр. 9
كِتَابَهُ: الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ البُخَارِيُّ (١)، وَالبَغَوِيُّ فِي كِتَابِهِ (شَرْحُ السُّنَّةِ)،
وَعَبْدُ الغَنِيِّ المَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ (عُمْدَةُ الأَحْكَامِ)، وَالسُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ (الجَامِعُ الصَّغِيرُ) ﵏ جَمِيعًا.
وَحَضَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى الابْتِدَاءِ بِهِ فِي المُصَنَّفَاتِ تَنْبِيهًا لِطَالِبِ العِلْمِ عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ إِقْدَامِهِ عَلَى العِلْمِ.
- هَذَا الحَدِيثُ مَيزَانٌ لِلأَعْمَالِ البَاطِنَةِ، وَحَدِيثُ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٢) هُوَ مِيزَانٌ لِلأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ، وَلَا يُقْبَلُ العَمَلُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى إِلَّا بِهِمَا، أَي: الإِخْلَاصُ للهِ، وَالمُوَافَقَةُ لِرَسُولِهِ ﷺ .
- وَرَدَ الحَدِيثُ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ بِأَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةِ؛ مِنْهَا: «إِنَّمَا العَمَلُ بِالنِّيَّةِ»، وَ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ».
- الأَعْمَالُ جَمْعُ عَمَلٍ، وَالمَقْصُودُ بِهَا هُنَا الأَعْمَالُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنِ المُكَلَّفِ، وَتَدْخُلُ فِيهَا الأَقْوَالُ وَالأَفْعَالُ مَعًا.
- النِّيَّةُ هُنَا فِي الحَدِيثِ هِيَ قَصْدُ القَلْبِ وَإِرَادَتُهُ وَمُبْتَغَاهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشُّوْرَى: ٢٠] (٣). стр. 10
- النِّيَّةُ فِي الشَّرِيعَةِ بِعَامَّةٍ يُرَادُ بِهَا أَحَدُ مَعْنَيَينِ:
١ - نِيَّةٌ يُقْصَدُ بِهَا التَّعَبُّدُ، وَهِيَ تَمْيِيزُ العَادَةِ عَنِ العِبَادَةِ، وَتَمْيِيزُ العِبَادَاتِ عَنْ بَعْضِهَا.
وَالتَّلَفُّظُ بِهَا فِي العِبَادَاتِ بِدْعَةٌ، وَفِي العَادَاتِ مَرَضٌ وَجُنُونٌ (١).
٢ - نِيَّةٌ مُتَّجِهَةٌ إِلَى المَعْبُودِ، وَهِيَ الإِخْلَاصُ لَهُ فِي العِبَادَةِ.
وَعَلَى هَذَا المَعْنَى الأَخِيرِ: مَنْ نَوَى غَيرَ وَجْهِ اللهِ تَعَالَى فِي عَمَلِهِ فَهُوَ مُرَاءٍ، وَالرِّيَاءُ الكَامِلُ لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ مُنَافِقٍ، وَلَا يَكَادُ يَصْدُرُ مِنْ مُسْلِمٍ فِي فَرْضِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾
[النِّسَاء: ١٤٢]. стр. 11
- قَولُهُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ»: إِنَّمَا: لِلحَصْرِ، وَالبَاءُ هُنَا سَبَبِيَّةٌ، يَعْنِي: إِنَّمَا الأَعْمَال تُقْبَلُ -أَو تَقَعُ صَحِيحَةً- بِسَبَبِ النِّيَّةِ، يَعْنِي: بِقَصْدِهِ لِلعِبَادَةِ نَفْسِهَا، وَإِخْلَاصِهِ فِيهَا للهِ وَحْدَهُ.
قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانيُّ ﵀: "وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ أَنَّ قَولَ الرَّجُلِ لِغَيرهِ (مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ) يُعَدُّ شِرْكًا فِي الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ مِنْ شِرْكِ الأَلفَاظِ، لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ فِي دَرَجَةِ مَشيئَةِ الرَّبِّ ، وَسَبَبُهُ: القَرْنُ بَينَ المَشيئَتَينِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَولُ بَعْضِ العَامَّةِ وأَشْبَاهِهِم -مِمَّنْ يَدَّعِي العِلْمَ-: (مَالِي غَيرُ اللهِ وَأَنْتَ) وَ (تَوَكَّلْنَا عَلى اللهِ وَعَلَيكَ)، وَمِثْلُهُ قَولُ بَعْضِ المُحَاضِرِينَ: (بَاسْمِ اللهِ وَالوَطَنِ)، أَو (بَاسْمِ اللهِ وَالشَّعْبِ)، وَنَحوِ ذَلِكَ مِنَ الأَلْفَاظِ الشِّرْكِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ الانْتِهَاءُ عَنْهَا، وَالتَّوبَةُ مِنْهَا أَدَبًا مَعَ اللهِ ﵎.
وَلَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذا الأَدَبِ الكَرِيمِ كَثِيرٌ مِنَ العَامَّةِ، وَغَيرُ قَلِيلٍ مِنَ الخَاصَّةِ الَّذِينَ يُسَوِّغُونَ النُّطْقَ بِمِثْلِ هَذهِ الشِّرْكِيَّاتِ! كَمُنَادَاتِهِم غَيرَ اللهِ فِي الشَّدَائِدِ، والاسْتِنْجَادِ بِالأَمْوَاتِ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَالحَلِفِ بِهِم مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، وَالإِقْسَامِ بِهِم عَلَى اللهِ ، فَإِذَا مَا أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيهِم عَالِمٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنهَّمُ -بَدَلَ أَنْ يَكُونُوا عَونًا عَلَى إِنْكَارِ المُنْكَرِ- عَادُوا بِالإِنْكَارِ عَلَيهِ، وَقَالُوا: إِنَّ نِيَّةَ أُولَئِكَ -المُنَادِينَ غَيرَ اللهِ- طَيِّبَةٌ! وَ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»! كَمَا جَاءَ فِي الحِدِيثِ، فَيَجْهَلُونَ أَو يَتَجَاهَلُونَ -إِرْضَاءً لِلعَامَّةِ- أَنَّ النِّيَّةَ الطَّيِّبَةَ -وَإِنْ وُجِدَتْ عِنْدَ المَذْكُورِينَ- فَهيَ لَا تَجْعَلُ العَمَلَ السَيِّئَ صَالِحًا! وَأَنَّ مَعْنَى الحَدِيثِ المَذْكُورِ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ بِالنِّيَّاتِ الخَالِصَةِ، لَا أَنَّ الأَعْمَالَ المُخَالِفَةَ لِلشَّرِيعَةِ تَنْقَلُبُ إِلَى أَعْمَالٍ صَالِحَةٍ مَشْرُوعَةٍ بِسَبَبِ اقْتِرَانِ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ بِهَا!
стр. 12
ذَلِكَ مَا لَا يَقُولُهُ إِلَّا جَاهِلٌ أَو مُغْرِضٌ. أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَو صَلَّى تُجَاهَ القَبْرِ؛ لَكَانَ ذَلكَ مُنْكَرًا مِنَ العَمَلِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلأَحَادِيثِ وَالآثَارِ الوَارِدَةِ فِي النَّهْي عَنِ اسْتِقْبَالِ القَبْرِ بِالصَّلَاةِ، فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ الَّذِي يَعُودُ إِلَى الاسْتِقْبَالِ -بَعْدَ عِلْمِهِ بِنَهي الشَّرْعِ عَنْهُ- إِنَّ نِيَّتَهُ طَيِّبَةٌ وَعَمَلُهُ مَشْرُوعٌ؟! كَلَّا ثُمَّ كَلَّا، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِي يَسْتَغِيثُونَ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَيَنْسَونَهُ تَعَالَى فِي حَالَةٍ هُمْ أَحْوَجُ مَا يَكُونُونَ فِيهَا إِلَى عَونِهِ وَمَدَدِهِ؛ لَا يُعْقَلُ أَنْ تَكُونَ نِيَّاتُهُم طَيِّبَةً؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُم صَالِحًا، وَهُمْ يُصِرُّونَ عَلَى هَذا المُنْكَرِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" (١).
- حُكْمُ العِبَادَةِ إِذَا خَالَطَهَا الرِّيَاءُ هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْكَالٍ (٢):
١ - أَنْ يَكُونَ البَاعِثَ عَلَى العِبَادَةِ مُرَاءَاةُ النَّاسِ مِنَ الأَصْلِ؛ كَمَنْ قَامَ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِ مُرَاءَاةِ النَّاسِ، وَلَمْ يَقْصِدْ وَجْهَ اللهِ تَعَالَى! فَهَذَا شِرْكٌ وَالعِبَادَةُ بَاطِلَةٌ (٣).
٢ - أَنْ يَكُونَ الرِّيَاءُ مُشَارِكًا لِلعِبَادَةِ فِي أَثْنَائِهَا؛ بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الحَامِلَ لَهُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ الإِخْلَاصُ للهِ تَعَالَى ثُمَّ يَطْرَأُ الرِّيَاءُ فِي أَثْنَاءِ العِبَادَةِ؛ فَهُنَا نُمَيِّزُ العِبَادَةَ نَفْسَهَا؛ فَإِنْ كَانَتِ العِبَادَةُ لَا يَنْبَنِي آخِرُهَا عَلَى أوَّلِهَا -كَقِرَاءَةِ القُرْآنِ، وَالصَّدَقَةِ تِلوَ الصَّدَقَةِ- فَأَوَّلُهَا صَحِيحٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَالبَاطِلُ آخِرُهَا. стр. 13
أَمَّا إِذَا كَانَتِ العِبَادَةُ يَنْبَنِي آخِرُهَا عَلَى أَوَّلِهَا -كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ-؛ فَإِذَا دَافَعَ الرِّيَاءَ وَكَرِهَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ، لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَو تَتَكَلَّمْ» (١).
أمَّا إِذَا اسْتَرْسَلَ مَعَهُ ولم يُدَافِعْهُ؛ فَحِينَئِذٍ تَبْطُلُ جَمِيعُ العِبَادَةِ؛ لِأَنَّ آخِرَهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَوَّلِهَا وَمُرْتَبِطٌ بِهَا (٢).
٣ - إِذَا طَرَأَ الرِّيَاءُ - وَهُوَ هُنَا مَحَبَّةُ الثَّنَاءِ وَالفَرَحُ بِهِ- بَعْدَ انْتِهَاءِ العِبَادَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ عَلَيهَا شَيئًا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ عُدْوَانٌ كَالمَنِّ وَالأَذَى بِالصَّدَقَةِ؛ فَإِنَّ هَذَا العُدْوَانَ يَكُونُ إِثْمُهُ مُقَابِلًا لِأَجْرِ الصَّدَقَةِ فَيُبْطِلُهَا؛ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي القَومَ الكَافِرِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٦٤].
- لَيسَ مِنَ الرِّيَاءِ أَنْ يَفْرَحَ الإِنْسَانُ بِعِلْمِ النَّاسِ بِعِبَادَتِهِ، لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا طَرَأَ بَعْدَ الفَرَاغِ مِنَ العِبَادَةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ؛ أَنَّهُ قِيلَ للنَّبِيِّ ﷺ : أرأيتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ مِنَ الخَيرِ؛ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيهِ؟ قَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى المُؤْمِنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣).
- قَولُهُ: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ»: أَي: стр. 14
مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ نِيَّةً وَقَصْدًا؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثَوَابًا وَأَجْرًا وَمُتَابَعَةً (١)، وَالتَّكْرَارُ فِي قَولِهِ: «فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ» أُسْلُوبٌ مِنَ أَسَالِيبِ العَرَبِ فِي بَيَانَ تَحَقُّقِ الشَّيءِ وَوُقُوعِهِ عَلَى وَجْهِهِ.
- قَولُهُ: «وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا (٢) يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إلَيهِ»: لَمْ يُكَرِّرْ ذِكْرَ الدُّنْيَا وَالمَرْأَةِ تَحْقِيرًا لِشَانِهَا وَشَانِ مَنْ جَعَلَهَا مُبْتَغَاهُ؛ فَإنَّ الأَوَّلَ تَاجِرٌ، وَالثَّانِي خَاطِبٌ!
وَفِي هَذَا المَقَامِ اشْتَهَرَتْ قِصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِي هَاجَرَ مِنْ أَجْلِ امْرَأَةٍ؛ فَسُمِّيَ تَبَعًا لَهَا بِمُهَاجِرِ أُمِّ قَيسٍ (٣).
- الهِجْرَةُ مَعْنَاهَا: التَّرْكُ، وَالهِجْرَةُ إِلى: مَعْنَاهَا الانْتِقَالُ إِلى.
وَالهِجْرَةُ إِلَى اللهِ: هِيَ الإِخْلَاصُ وَابْتِغَاءُ مَا عِنْدَهُ تَعَالَى. وَالهِجْرَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ هِيَ اتِّبَاعُهُ، وَالهِجْرَةُ بِمَعْنًى آخَرَ فِي الشَّرْعِ: تَرْكُ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ (٤). стр. 15
- وَقَعَتِ الهِجْرَةُ فِي الإِسْلَامِ عَلَى وَجْهَينِ:
١ - الانْتِقَالُ مِنْ دَارِ الخَوفِ إِلَى دَارِ الأَمْنِ، كَمَا في هِجْرَتَي الحَبَشَةِ، وَابْتِدَاءِ الهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ.
٢ - الهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الكُفْرِ إِلَى دَارِ الإِيمَانِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، وَهَاجَرَ إِلَيهِ مَنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ مِنَ المُسْلِمِينَ.
وَكَانَتِ الهِجْرَةُ إِذْ ذَاكَ تَخْتَصُّ بِالانْتِقَالِ إِلَى المَدِينَةِ إِلَى أَنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ فَانْقَطَعَ الاخْتِصَاصُ وَبَقِيَ عُمُومُ الانْتِقَالِ مِنْ دَارِ الكُفْرِ لِمَنْ قَدِرَ عَلَيهِ بَاقِيًا، كَمَا في الحَدِيثِ «لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (١).
- فَائِدَةٌ:
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَكَمَا أَنَّ الإِيمَانَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ؛ فَفَرْضٌ عَلَيهِ هِجْرَتَانِ فِي كُلِّ وَقْتٍ: هِجْرَةٌ إِلَى اللهِ بِالتَّوحِيدِ وَالإِخْلَاصِ وَالإِنَابَةِ وَالتَّوَكُّلِ وَالخَوفِ وَالرَّجَاءِ وَالمَحَبَّةِ وَالتَّوبَةِ، وَهِجْرَةٌ إِلَى رَسُولِهِ بِالمُتَابَعَةِ وَالانْقِيَادِ لِأَمْرِهِ وَالتَّصْدِيقِ بِخَبَرِهِ وَتَقْدِيمِ أَمْرِهِ وَخَبَرِهِ عَلَى أَمْرِ غَيرِهِ وَخَبَرِهِ" (٢).
- فِي الحَدِيثِ فَوَائِدُ؛ مِنْهَا:
١ - الحَثُّ عَلَى الإِخْلَاصِ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ العَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ صَوَابًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ.
٢ - الحَثُّ عَلَى تَعَلُّمِ النِّيَّاتِ؛ فَفِي العَمَلِ الوَاحِدِ تَتَنَوَّعُ النِّيَّاتُ وَيَزْدَادُ بِهَا стр. 16
الأَجْرُ، كَمَا قَالَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: "تَعَلَّمُوا النِّيَّةَ؛ فَإِنَّهَا أَبْلَغُ مِنَ العَمَلِ" (١).
وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: "عِبَادَاتُ أَهْلِ الغَفْلَةِ عَادَاتٌ، وَعَادَاتُ أَهْلِ اليَقَظَةِ عِبَادَاتٌ"، كَمَثَلِ رَجُلٍ لَبِسَ ثَوبًا جَدِيدًا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَتَرَفَّعَ بِثِيَابِهِ! فَهَذَا لَا يُؤْجَرُ. وَآخَرُ لَبِسَ ثَوبًا جَدِيدًا يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ النَّاسُ قَدْرَ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيهِ مِنْ بَابِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضُّحَى: ١١]؛ فَهَذَا يُؤْجَرُ.
٣ - التَّرْهِيبُ مِنَ الرِّيَاءِ وَمِنْ إِرَادَةِ الإِنْسَانِ بِعَمَلِهِ الدُّنْيَا، كَمَا فِي الحَدِيثِ «مَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ العُلَمَاءَ، أَو لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَو لِيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيهِ؛ فَهُوَ في النَّارِ» (٢).
وَكَمَا فِي الحَدِيثِ «بَشِّرْ هذِهِ الأمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالدِّينِ وَالرِّفْعَةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الأَرْضِ؛ فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ» (٣).
٤ - الإِشَارَةُ إِلَى عَظِيمِ أَجْرِ الهِجْرَةِ، كَمَا في صَحِيحِ مُسْلِمِ عَنْ عَمْرو بْنِ العَاصِ مَرْفُوعًا «وَأَنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَان قَبْلَهَا» (٤). стр. 17
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ:
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: كَيفَ يُجْمَعُ بين مَا فِي لَفْظِ الحَدِيثِ -حَيثُ قَرْنَ الرَسُولُ ﷺ نَفْسَهُ مَعَ اللهِ تَعَالَى بِـ (الوَاوِ) حَيثُ قَالَ: «إلى اللهِ ورَسُولِهِ» ولم يَقُلْ: «ثُمَّ رَسُولِهِ» - مَعَ الحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَقُولُوا: «مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شِئْتَ» عِوَضًا عَنْ قَولِهِم: «مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ» (١)؟
الجَوَابُ: إِنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرِيعَةِ يَصِحُّ أَنْ يُعبَّرَ عَنْهُ بِالوَاوِ، لِأَنَّ مَا صَدَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الشَّرْعِ إِنَّمَا هُوَ بِأَمْرِ رَبِّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النِّسَاء: ٨٠]، وَأَمَّا الأُمُورُ الكَونِيَّةُ -كَالمَشِيئَةِ مَثَلًا- فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْرَنَ مَعَ اللهِ أَحَدٌ بِالوَاوِ أَبَدًا، لِأَنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ مُسْتَقِلَّةٌ عَنْ مَشِيئَةِ اللهِ -رُغْمَ أَنَّهَا لَا تَقَعُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَشَاءَ اللهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التَّكْوِير: ٢٩]-، فَأَثْبَتَتِ الآيَةُ مَشِيئَتَينِ مُسْتَقِلَّتَينِ عَنْ بَعْضِهِمَا. стр. 18
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا حُكْمُ مَنْ خَالَطَتْ نِيَّتَهُ نِيَّةٌ غَيرُ الرِّيَاءِ؟
كَمَنْ جَاهَدَ مِنْ أَجْلِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَأَضَافَ لِذَلِكَ المَغْنَمَ!
وَكَمَنْ حَجَّ لِأَدَاءِ مَا أَوجَبَ اللهُ عَلَيهِ مِنْ فَرِيضَةٍ؛ وَأَضَافَ لِذَلِكَ تِجَارَةً دُنْيَوِيَّةً!
وَكَمَنْ وَصَلَ الرَّحِمَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ؛ وَتَوسِيعًا فِي رِزْقِهِ؛ وَإِطَالَةً لِعُمُرِهِ!
الجَوَابُ: إِنَّ هَذَا جَائِزٌ؛ وَلَا يَبْطُلُ عَمَلُهُ بِذَلِكَ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى رَغَّبَ المُؤْمِنِينَ فِي تَقْوَاهُ بِذِكْرِ مَنَافِعَ لَهُم فِي الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطَّلَاق: ٢]. وَكَمَا فِي الحَجِّ: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٩٨].
وَكَمَا فِي الصَّحِيحَينِ (١) مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَه فِي رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
إِلَّا أَنَّ أَجْرَهُ يَنْقُصُ بِحَسْبِ ذَلِكَ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ
ابْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُصِيبُونَ الغَنِيمَةَ؛ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَي أَجْرِهِمْ مِنَ الأُجْرَةِ، وَيَبْقى لَهُمُ الثُّلْثُ، فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمُ» (٢).
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: "التَّاجِرُ وَالمُسْتَاجَرُ أَجْرُهُم عَلَى قَدْرِ مَا يَخْلُصُ مِنْ نيَّتِهِم فِي غَزَاتِهِم؛ وَلَا يَكُونُ مِثْلَ مَنْ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ لَا يَخْلِطُ بِهِ غَيرَهُ" (٣). стр. 19
- تَنْبِيهٌ:
إِنَّ مَا سَبَقَ لَا يَعْنِي جَوَازَ أَنْ تَكُونَ نيَّتُهُ خَالِصَةً لِأَمْرِ الدُّنْيَا! فَإِنَّ هَذَا مَذْمُومٌ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ١٨، ١٩].
وَكَمَا فِي الحَدِيثِ «مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا عِقَالًا! فَلَهُ مَا نَوَى» (١). стр. 20
الحَدِيثُ الثَّانِي: (حَدِيثُ جِبْرِيلَ فِي الإِسْلامِ وَالإِيمَانِ وَالإِحْسَانِ)
عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَيضًا؛ قَال: بَينَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ؛ إِذْ طَلَعَ عَلَينَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيهِ إِلَى رُكْبَتَيهِ، وَوَضَعَ كَفَّيهِ عَلَى فَخِذَيهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَام، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البيتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِليهِ سَبِيلًا». قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ؛ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ! قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ». قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: «مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ». قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا، قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ». ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثَ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ: «يَا عُمَرُ أتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). стр. 21
- هَذَا الحَدِيثُ هُوَ الحَدِيثُ الأَوَّلُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، كَمَا أَنَّ حَدِيثَ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» هُوَ الأَوَّلُ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ، وَلِأَهَمِّيَّتِهِ قَالَ عَنْهُ الشَّيخُ ابْنُ دَقِيقٍ العِيدُ الشَّافِعِيُّ ﵀: "هُوَ أُمُّ السُّنَّةِ؛ كَمَا أَنَّ الفَاتِحَةَ هِيَ أُمُّ الكِتَابِ" (١).
- فِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ زِيَادَاتٌ؛ مِنْهَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «سَلُونِي» فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ. فَجَاءَ رَجُلٌ، فَجَلَسَ عِنْدَ رُكْبَتَيهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا الإِسْلَامُ؟.
وَقَولُهُ أَيضًا: «وَإِذَا رَأَيتَ الحُفَاةَ العُرَاةَ الصُّمَّ البُكْمَ مُلُوكَ النَّاسِ؛ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا. وَإِذَا رَأَيتَ رِعَاءَ البَهْمِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ؛ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ مِنَ الغَيبِ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لُقْمَان: ٣٤]. قَالَ: ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «رُدُّوهُ عَلَيَّ» فَالْتُمِسَ؛ فَلَمْ يَجِدُوهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَذَا جِبْرِيلُ؛ أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا إِذَ لَمْ تَسْأَلُوا» (٢).
وَفِي لَفْظِ صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ زِيَادَاتٌ أَيضًا؛ مِنْهَا فِي الإِسْلَام، فَقَالَ: «وَتَحُجَّ، وَتَعْتَمِرَ، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الجَنَابَةِ، وَأَنْ تُتِمَ الوُضُوءَ». قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَنَا مُسْلِمٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ». стр. 22
وَقَالَ فِي الإِيمَانِ: «وَتُؤْمِنَ بِالجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالمِيزَانِ»، وَقَالَ فِيهِ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَنَا مُؤْمِنٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ». وَقَالَ فِي آخِرِهِ: «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُم لِيُعَلِّمَكُم أَمْرَ دِينِكُم، خُذُوا عَنْهُ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا اشْتَبَهَ عَلَيَّ مُنْذُ أَتَانِي قَبْلَ مَرَّتِي» (١).
- قَولُهُ: (يَا مُحَمَّدُ): وَلَمْ يَقُلْ: يَا رَسُولَ اللهِ لِيُفْهَمَ أَنَّهُ أَعْرَابِيٌّ، وَالغَايَةُ مِنْهُ وُضُوحُ البَيَانِ لِعُمُومِ النَّاسِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
- قَولُهُ: «أَنْ تَشْهَدَ»: الشَّهَادَةُ مَعْنَاهَا: أُقرُّ بِقَلْبِي نَاطِقًا بِلِسَانِي، فَلَا يَكْفِي اللِّسَانُ وَحْدَهُ! بَلْ لَا بُدَّ مِنَ اللِّسَانِ وَالقَلْبِ، قَالَ اللهُ : ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزُخْرُف: ٨٦].
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: "لَكِن مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ عَلَى بَصِيرَةٍ وَعِلْمٍ؛ فَإِنَّهُ تَنْفَعُ شَفَاعَتُهُ عِنْدَهُ بِإِذْنِهِ لَهُ" (٢).
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيُّ ﵀:
"وَعِبَارَاتُ السَّلَفِ فِي (شَهِدَ) -تَدُورُ عَلَى الحُكْمِ وَالقَضَاءِ وَالإِعْلَامِ وَالبَيَانِ وَالإِخْبَارِ، وَهَذِهِ الأَقْوَالُ كُلُّهَا حَقٌّ لَا تَنَافِيَ بَينَهَا، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَتَضَمَّنُ كَلَامَ الشَّاهِدِ وَخَبَرَهُ، وَتَتَضَمَّنُ إِعْلَامَهُ وَإِخْبَارَهُ وَبَيَانَهُ. فَلَهَا أَرْبَعُ مَرَاتِبَ:
فَأَوَّلُ مَرَاتِبِهَا: عِلْمٌ وَمَعْرِفَةٌ وَاعْتِقَادٌ لِصِحَّةِ المَشْهُودِ بِهِ وَثُبُوتِهِ.
وَثَانِيهَا: تَكَلُّمُهُ بِذَلِكَ -وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْ بِهِ غَيرَهُ- بَلْ يَتَكَلَّمُ بِهَا مَعَ نَفْسِهِ، وَيَتَذَكَّرُهَا، وَيَنْطِقُ بِهَا أَو يَكْتُبُهَا.
وَثَالِثُهَا: أَنْ يُعْلِمَ غَيرَهُ بِمَا يَشْهَدُ بِهِ، وَيُخْبِرَهُ بِهِ، وَيُبَيِّنَهُ لَهُ. стр. 23
وَرَابِعُهَا: أَنْ يُلْزِمَهُ بِمَضْمُونِهَا وَيَأمُرَهُ بِهَا" (١).
- قَولُهُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»: الاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ النَّفْيِّ يُفِيدُ الحَصْرَ، وَتَقْدِيرُ الكَلَامِ: (لَا إِلَهَ حَقٌّ إِلَّا اللهُ)، وَلَمْ نُقَدِّرْهُ: (لَا إِلَهَ مَوجُودٌ إِلَّا اللهُ) لِأَنَّ الآلِهَةَ الَّتِي يَعْبُدُهَا المُشْرِكونَ مَوجُودَةٌ، وَمِنْهَا: الأَنْبِيَاءُ وَالأَولِيَاءُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالهَوَى وَالقُبُورُ الَّتِي تُدْعَى مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى.
وَيَدُلُّ عَلَى تَقْدِيرِنَا لِكَلِمَةِ (حَقٌّ) قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [الحَجّ:٦٢].
- قَولُهُ: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»: يَشْمَلُ أَنْوَاعَ التَّوحِيدِ الثَّلَاثَةَ، وَهِيَ: تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ، وَتَوحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ وَتَوحِيدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
قَالَ الزُّبَيدِيُّ فِي (تَاجُ العَرُوسِ) ﵀: "التَّوحِيدُ تَوحِيدَانِ، تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ وَتَوحِيدُ الأِلَهِيَّةِ.
فَصَاحِبُ تَوحِيدِ الرَّبَّانِيَّةِ يَشْهَدُ قَيُّومِيَّةَ الرَّبِ فَوقَ عَرْشِهِ، يُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِهِ وَحْدَهُ، فَلَا خَالِقَ وَلَا رَازِقَ وَلَا مُعْطِيَ وَلَا مَانِعَ وَلَا مُحْيي وَلَا مُمِيتَ وَلَا مُدَبِّرَ لِأَمْرِ المَمْلَكَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا غَيرُهُ، فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بإِذْنِهِ، وَلَا يَجُوزُ حَادِثٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ، وَلَا تَسْقُطُ وَرَقَةٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا وَقَدْ أَحْصَاهَا عِلْمُهُ وَأَحَاطَتْ بِهَا قُدْرَتُهُ وَنَفَذَتْ فِيهَا مَشِيئَتُهُ وَاقْتَضَتْهَا حِكْمَتُهُ.
وَأَمَّا تَوحِيدُ الإِلَهِيَّةِ فَهُوَ أَنٍ يجْمَعَ هِمَّتَهُ وَقَلْبَهُ وَعَزْمَهُ وَإِرَادَتَهُ وَحَرَكاتِهِ عَلَى стр. 24
أَدَاءِ حَقِّهِ وَالقِيَامِ بِعُبُودِيَّتِهِ" (١).
- قَولُهُ: «وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»: هَذَا يَسْتَلْزِمُ أُمُورًا؛ مِنْهَا:
١ - تَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ -إِذَا ثَبَتَتْ نِسْبَتُهُ إِلَيهِ-.
٢ - امْتِثَالُ أَمْرِهِ دُونَ تَرَدُّدٍ.
وَمِنَ التَّرَدُّدِ المَذْمُومِ التَّوَقُّفُ عَنِ الامْتِثَالِ وَالتَّطْبِيقِ إِلَى أَنْ يُعْلَمَ هَلِ الأَمْرُ لِلوُجُوبِ أَمْ لِلاسْتِحْبَابِ! وَأَيضًا التَّوَقُّفُ عَنِ الامْتِثَالِ حَتَّى يُعْلَمَ مَا مَوقِفُ المَذْهَبِ الفُلَانِيِّ مِنْهُ!
٣ - اجْتِنَابُ نَهْيِهِ دُونَ تَرَدُّدٍ، وَالحَذَرُ مِنْ قَولِ: هَذَا لَيسَ فِي القُرْآنِ!! لِقَولِهِ ﵊: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ؛ يَاتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي
-مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ وَنَهَيتُ عَنْهُ- فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي! وَمَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللهِ اتَّبَعْنَاهُ» (٢).
٤ - أَنْ لَا يُقدِّمَ قَولَ أَحَدٍ مِنَ البَشَرِ عَلَى قَولِهِ ﷺ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: "مِنْ هَهُنَا تَرِدُونَ، نَجِيئُكُمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَجِيئُونَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ!! " (٣). стр. 25
٥ - أَنْ لَا يَبْتَدِعَ فِي شَرْعِهِ ﷺ .
وَقَدْ نَقَلَ الشَّاطِبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الاعْتِصَامُ) عَنْ مَالِكٍ قَولَهُ: "مَنِ ابْتَدَعَ فِي الإِسْلَامِ بِدْعَةً يَرَاهَا حَسَنَةً؛ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا خَانَ الرِّسَالَةَ؛ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المَائِدَة: ٣]، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَومَئِذٍ دِينًا، فَلَا يَكُونُ اليَومَ دِينًا" (١).
٦ - أَنْ لَا يَغْلَوَ فِيهِ ﷺ فَيُعْطِيَهُ مِنْ صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّة شَيءٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُ: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨].
- قَولُهُ: «وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ»: أَي: تَاتِي بِهَا قَائِمَةً تَامَّةً مُعْتَدِلَةً، وَعَلَيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعَلِّمِ صِفَةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي» (٢).
- قَولُهُ: «وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ»: الزَّكَاةُ اسْمٌ لِمَا يُخْرِجُهُ المُسْلِمُ مِنْ حَقِّ اللهِ تَعَالَى إِلَى الفُقَرَاءِ.
وَسُمِّيَتْ زَكَاةً لِمَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ رَجَاءِ البَرَكَةِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَتَنْمِيَتِهَا بِالخَيرَاتِ، فَإِنَّهَا مَاخُوذَةٌ مِنَ الزَّكَاةِ؛ وَهِيَ النَّمَاءُ وَالطَّهَارَةُ وَالبَرَكَةُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التَّوبَة: ١٠٣].
- قَولُهُ: «تَصُومَ»: الصِّيَامُ لُغَةً: الإِمْسَاكُ، وَشَرْعًا: هُوَ الإِمْسَاكُ عَنِ المُفْطِرَاتِ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ تَعَبُّدًا للهِ . стр. 26
- قَولُهُ: «وَتَحُجَّ البيتَ»: الحَجُّ لُغَةً: القَصْدُ، وَشَرْعًا: القَصْدُ إِلَى البَيتِ الحَرَامِ لِأَعْمَالٍ مَخْصُوصَةٍ فِي زَمَنِ مَخْصُوصٍ، وَلَا يَجِبُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي العُمُرِ، وَلَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى القَادِرِ لِقَولِهِ ﷺ فِي الحَدِيثِ: «إِنِ اسْتَطَعتَ إِليهِ سَبِيلًا».
- قَولُهُ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ»: يَتَضَمَّنُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ: إِيمَانٌ بِوُجُودِهِ، وَبِرُبُوبِيَّتِهِ، وَبِأُلُوهِيَّتِهِ، وَبِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
وَالإِيمَانِ باللهِ تَعَالَى يَكُونُ بِإِفْرَادِ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ بِالعِبَادَةِ (١) مِنْ صَلَاةً وَدُعَاءً وَذَبْحٍ وَنَذْرٍ وَتَوَكُّلٍ وَرَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ وَمَحَبَّةٍ وَ .... ، وَمِنْ صَرَفَ شَيئًا مِنْهَا لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى؛ فَهُوَ مُشْرِكٌ بِهِ سُبْحَانَهُ.
وَلَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ بِأَنَّ المُشْرِكِينَ الأَوَائِلَ لَمْ يَكُنْ شِرْكُهُم -غَالِبًا- هُوَ بِاعْتِقَادِ خَالِقٍ أَو رَازِقٍ أَو نَافِعٍ أَو ضَارٍّ مَعَ اللهِ تَعَالَى -كَمَا يَظُنُّ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهُ بِالقُرْآنِ- (٢)! وَإِنَّمَا كَانَ شِرْكُهُم هُوَ بِاتِّخَاذِ الوَسَائِطِ وَالشُّفَعَاءِ بَينَهُم وَبَينَ اللهِ تَعَالَى حَيثُ تَعَلَّقُوا بِهِم فَدَعَوهُم وَاسْتَغَاثُوا بِهِم. стр. 27
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يُونُس: ١٨].
وَأَتَتْهُم شُبْهَةُ صِحَّةِ دُعَائِهِم وَالاسْتِغَاثَةِ بِهِم مِنْ كَونِ هَؤُلَاءِ المَدْعُوِّينَ هُم مِنَ الصَّالِحِينَ؛ وَأَنَّهُم أَقْرَبُ مِنْهُم إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَسَمَّوا دُعَائَهُم إِيَّاهُم اسْتِشْفَاعًا بِهِم (١)، وَلَكِنَّ حَقِيقَةَ هَذَا الفِعْلِ هُوَ الشِّرْكُ مَعَ اللهِ تَعَالَى في الدُّعَاءِ؛ وَالدُّعَاءُ عِبَادَةٌ كَمَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ (٢).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأى كَوكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأَنْعَام:٧٦]
"وَالحَقُّ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵊ كَانَ فِي هَذَا المَقَامِ مُنَاظِرًا لِقَومِهِ مُبَيِّنًا لَهُمْ بُطْلَانَ مَا كَانُوا عَلَيهِ مِنْ عِبَادَة الهَيَاكِلِ وَالأَصْنَامِ.
فَبَيَّنَ فِي المَقَامِ الأَوَّلِ مَعَ أَبِيهِ خَطَأَهُمْ فِي عِبَادَة الأَصْنَامِ الأَرْضِيَّةِ الَّتِي هِيَ عَلَى صُوَرِ المَلَائِكَةِ السَّمَاوِيَّةِ لِيَشْفَعُوا لَهُمْ إِلَى الخَالِقِ العَظِيمِ -الَّذِينَ هُمْ عِنْد أَنْفُسِهِمْ أَحْقَرُ مِنْ أَنْ يَعْبُدُوهُ-؛ وَإِنَّمَا يَتَوَسَّلُونَ إِلَيهِ بِعِبَادَةِ مَلَائِكَتِهِ لِيَشْفَعُوا لَهُمْ عِنْدَه فِي الرِّزْقِ وَالنَّصْرِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيهِ! " (٣). стр. 28
- الإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ: وَالدَّلِيلُ العَامُّ هُوَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفَتْح: ٤].
وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَكُونُ وُفْقَ ثَلَاثِ جِهَاتٍ:
الجِهَةُ الأُولَى: نَفْسُ التَّصْدِيقِ القَلْبِيِّ بِاللهِ وَبِشَرْعِهِ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ (١).
وَيَدُلُّ لَهُ قَولُهُ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِي المَوتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البَقَرَة:٢٦٠] (٢).
وَيَدُلُّ لَهُ أَيضًا حَدِيثُ أَنَسٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيرٍ» وَفِي لَفْظٍ (إِيمَانٍ) بَدَلَ (خَيرٍ). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٣) (٤). стр. 29
وَكَمَا فِي البُخَارِيِّ مُعَلَّقًا عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكَةَ قَالَ: "أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ كُلُّهُم يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُم أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ! " (١).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ المَذْكُورِينَ كَانُوا قَائِلِينَ بِتَفَاوُتِ دَرَجَاتِ المُؤْمِنِينَ فِي الإِيمَانِ خِلَافًا لِلْمُرْجِئَةِ القَائِلِينَ بِأَنَّ إِيمَانَ الصِّدِّيقِينَ وَغَيرِهِمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ! " (٢).
الجِهَةُ الثَّانِيَةُ: زِيَادَةُ الإِيمَانِ بِزِيَادَةِ تَعَلُّمِ شُعَبِ الإِيمَانِ؛ فَيَزْدَادُ مِقْدَارُ مَا يُؤْمِنُ بِهِ العَبْدُ.
وَيَدُلُّ لَهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التَّوبَة:١٢٤]. أَي: فَمِنَ المُنَافِقِينَ مَنْ يَقُولُ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ: أَيُّكُم زَادَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ إِيمَانًا -إِنْكَارًا وَاسْتِهْزَاءً بِالمُؤْمِنِينَ وَاعْتِقَادِهِم زِيَادَةَ الإِيمَانِ بِزِيَادَةِ العِلْمِ الحَاصِلِ بِالوَحْي وَالعَمَلِ بِهِ- (٣)!
الجِهَةُ الثَّالِثَةُ: زِيَادَةُ الإِيمَانِ بِكَثْرَةِ الطَّاعَاتِ الَّتِي هِيَ مِنْ شُعَبِ الإِيمَانِ، وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً» (٤). стр. 30
وَقَدْ بَوَّبَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَلَى الحَدِيثِ فِي كِتَابِ الإِيمَانِ بِـ «بَابُ الإيمَانِ، وَقَولُ النَّبِيِّ ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»، وَهُوَ قَولٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفَتْح:٤] ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكَهْف: ١٣] ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوا هُدًى﴾ [مَرْيَم: ٧٦] ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [مُحَمَّد: ١٧] ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المُدَّثِّر: ٣١]، وَقَولُهُ: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التَّوبَة:١٢٤]، وَقَولُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَاخْشَوهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عِمْرَان: ١٧٣]، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأَحْزَاب: ٢٢]، وَالحُبُّ فِي اللهِ وَالبُغْضُ فِي اللهِ مِنَ الإِيمَانِ.
وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البَقَرَة: ٢٦٠].
وَقَالَ مُعَاذُ: "اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً".
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "اليَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ".
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: "لَا يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ".
وَقَالَ مُجَاهِدُ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ [الشُّورَى: ١٣] أَوصَينَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ سَبِيلًا وَسُنَّةً (١). стр. 31
- قَولُهُ: «وَمَلائِكَتِهِ»: يَتَضَمَّنُ الإِيمَانُ بِهِم أُمُورًا:
١ - أَنْ نُؤْمِنَ بِأَنَّ للهِ تَعَالَى خَلْقًا كَرِيمًا عَلَيهِ، مُطِيعًا لَهُ، لَا يَعْصُونَهُ فِي أَمْرٍ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٦، ٢٧].
٢ - أَنْ نُؤْمِنَ بِأَسْمَاءِ مَنْ عَلِمْنَا مِنْ أَسْمَائِهِم؛ فَنَؤْمِنَ مَثَلًا بِأَنَّ هُنَاكَ مَلَكًا اسْمُهُ جِبْرِيلُ.
٣ - أَنْ نُؤْمِنَ بِمَا لَهُم مِنْ أَعْمَالٍ.
فَمَثَلًا: جِبْرِيلُ: مُوَكَّلٌ بِالوَحْي؛ يَنْزِلُ بِهِ مِنْ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى إِلَى رُسُلِهِ بِالوَحْي.
وَمِيكَائِيلُ: مُوَكَّلٌ بِالمَطَرِ وَالنَّبَاتِ.
وَإِسْرَافِيلُ: مُوَكَّلٌ بِالنَّفْخِ فِي الصُّورِ.
وَمِنَ المَلَائِكَةِ مَنْ هُمْ مُوَكَّلُونَ بِالسِّيَاحَةِ فِي الأَرْضِ يَلْتَمِسُونَ حِلَقَ الذّكْرِ وَالعِلْمِ؛ فَإِذَا وَجَدُوهَا جَلَسُوا.
وَمِنْهُم مَلَائِكَةٌ مُوَكَّلُونَ بِحِفْظِ بَنِي آدَمَ.
وَمِنْهُم مَلَائِكَةٌ مُوَكَّلُونَ بِقَبْضِ رُوحِ بَنِي آدَمَ.
وَمِنْهُم مَلَائِكَةٌ مُوَكَّلُونَ بِسُؤَالِ المَيِّتِ فِي قَبْرِهِ، إِلَى آخِرِ مَا عَلِمْنَا مِنْ ذَلِكَ.
- المَلَائِكَةُ مَخْلُوقَةٌ مِنْ نُورٍ، كَمَا في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ» (١). стр. 32
قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ: "وَفِيه إِشَارَةٌ إِلَى بُطْلَانِ الحَدِيثِ المَشْهُورِ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ نُورُ نَبِيِّكَ يَا جَابِر» وَنَحْوِهِ مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي تَقُولُ بِأَنَّه ﷺ خُلِقَ مِنْ نُورٍ! فَإِنَّ هَذَا الحَدِيثَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ المَلَائِكَةَ فَقَط هُمُ الَّذِينَ خُلِقُوا مِنْ نُورٍ دُونَ آدَمَ وَبَنِيهِ؛ فَتَنَبَّهْ وَلَا تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ" (١).
- وَفِي الحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ المَلَائِكَةَ أَجْسَامٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ [فَاطِر: ١]، وَدَلَّتِ النُّصُوصُ أَيضًا أَنَّ لَهَا قُلُوبًا تَعْقِلُ بِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [سَبَأ: ٢٣]، وَفِي هَذَا أَيضًا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا أَرْوَاحٌ فَقَطْ لَيسَ لَهَا حَقِيقَةٌ أَو فِعْلٌ! أَو أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ قِوَى الخَيرِ فِي النُّفُوسِ!
- فِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى إِمْكَانِيَّةِ تَشَكُّلِ المَلَائِكَةِ بِصُورَةِ البَشَرِ، وَكَمَا فِي مَجِيءِ جِبْرِيلَ إِلَى مَرْيَمَ فِي صُورَةِ بَشَرٍ، وَمَجِيءِ المَلَائِكَةِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَلَوطٍ ﵉ فِي صُورَةِ بَشَرٍ أَيضًا (٢). стр. 33
- قَولُهُ: «وَكُتُبِهِ»: الإِيمَانُ بِالكُتُبِ يَتَضَمَّنُ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ:
١ - أَنْ نُؤْمِنَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى الرُّسُلِ كُتُبًا؛ وَأَنَّهَا مِنْ عِنْدَهِ تَعَالَى، وَلَكِنْ لَا نُؤْمِنُ بِأَنَّ الكُتُبَ المَوجُودَةَ الآنَ فِي أَيدِي هَذِهِ الأُمَمِ هِيَ نَفْسُهَا الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ مِنْ عِنْدَ اللهِ! لِأَنَّ هَذِهِ الكُتُبَ المَوجُودَةَ -الآنَ- مُحَرَّفَةٌ وَمُبَدَّلَةٌ، لَكِنَّ أَصْلَ هَذِهِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلَى الرُّسُلِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِم وَسَلَّمَ صَحِيحَةٌ؛ وَنُؤْمِنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ مِنْ عِنْدَ اللهِ.
٢ - أَنْ نُؤْمِنَ بِصِحَّةِ مَا فِيهَا مِنْ أَخْبَارٍ، كَأَخْبَارِ القُرْآنِ وَأَخْبَارِ مَا لَمْ يُبَدَّلْ أَو يُحَرَّفْ مِنَ الكُتُبِ السَّابِقَةِ.
٣ - أَنْ نُؤْمِنَ بِمَا عَلِمْنَا مِنْ أَسْمَائِهَا، مِثْلَ: القُرْآنِ وَالتَّورَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَصُحُفِ مُوسَى.
٤ - الإِيمَانُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى تَكَلَّمَ بِهَا سُبْحَانَهُ.
- قَولُهُ: «وَرُسُلِهِ»: الإِيمَانُ بِالرُّسُلِ يَتَضَمَّنُ:
١ - الإِيمَانَ بِمَنْ عَلِمْنَا مِنْ أَسْمَائِهِم.
٢ - الإِيمَانَ بِأَنَّهُم صَادِقُونَ نَاصِحُونَ لِأَقْوَامِهِم.
٣ - الإِيمَانَ بِأَنَّهُم مُرْسَلُونَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ﵎.
- قَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ ذِكْرُ عَدَدِ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَمْ وَفَّى عِدَّةُ الأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: «مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُمِئَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ، جَمًّا غَفِيرًا» (١). стр. 34
وَالأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي القُرْآنِ عَدَدُهُم خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ نَبِيًّا.
- الفَرْقُ بَينَ النَّبِيِّ وَالرَّسولِ: النَّبِيَّ هُوَ مَنْ بُعِثَ لِتَقْرِيرِ شَرْعٍ سَابِقٍ، وَالرَّسُولُ مَنْ بعثَهُ اللهُ بِشَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ يَدْعُو النَّاسَ إِلَيهَا؛ سَوَاءً كَانَتْ جَدِيدَةً أَو مُتَقَدِّمَةً. وَاللهُ أَعْلَمُ (١) (٢).
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الإِرْسَالِ فَكُلُّهُم مُرْسَلُونَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحَجّ: ٥٢]، لَكِنَّ النَّبِيَّ لَيسَ رَسُولًا بِالمَعْنَى الأَخَصِّ (٣). стр. 35
- أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ أَخَصُّ مِنْ عَامَّةِ الرُّسُلِ، وَالرُّسُلُ أَخَصُّ مِنْ عَامَّةِ الأَنْبِيَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوحَينَا إِلَيكَ وَمَا وَصَّينَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشُّورَى: ١٣].
- قَولُهُ: «وَاليَومِ الآخِرِ»: الإِيمَانُ بِاليَومِ الآخِرِ يَتَضَمَّنُ:
١ - الإِيمَانَ بِوُقُوعِهِ؛ وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ؛ وَهُوَ إِحْيَاؤُهُم حِينَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَيَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ؛ فَيُثِيبُ فِيهِ المُطِيعَ، وَيُعَذِّبُ فِيهِ العَاصِي، وَكُلٌّ بِحَسْبِ عَمَلِهِ.
٢ - الإِيمَانَ بِكُلِّ مَا ذَكَرَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ عَنْهُ، وَمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا يَكُونُ فِي ذَلِكَ اليَومِ الآخِرِ؛ مِنْ كَونِ النَّاسِ يُحْشَرُونَ يَومَ القِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا -أَي: غَيرَ مَخْتُونِينَ-؛ بُهْمًا -أَي: لَيسَ مَعَهُم مَالٌ- (١)، وَأَيضًا مَا فِيهِ مِنَ الحَوضِ وَالشَّفَاعَةِ وَالصِّرَاطِ وَالجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَأَنَّ الجَنَّةَ دَارُ نَعِيمٍ، وَأَنَّ النَّارَ دَارُ عَذَابٍ شَدِيدٍ.
٣ - الإِيمَانَ بِنَعِيمِ القَبْرِ وَعَذَابِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ بِالقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ (٢) (٣). стр. 36
- قَولُهُ: «وَأَنْ تَؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ»: الإِيمَانُ بِالقَدَرِ يَتَضَمَّنُ:
١ - الإِيمَانَ بِعِلْمِ اللهِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا (١).
٢ - الإِيمَانَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى كَتَبَ فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيءٍ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ.
قَالَ اللهُ : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [الحَجّ: ٧٠].
٣ - الإِيمَانَ بِأَنَّ كُلَّ مَا حَدَثَ فِي الكَونِ هُوَ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ لَا مَشِيئَةَ لِلعَبْدِ مَعَ مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ : ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾ [التَّكْوِير: ٢٨، ٢٩].
٤ - الإِيمَانُ بِأَنَّ اللهَ خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقَان: ٢].
- قَولُهُ: «خَيرِهِ وَشَرِّهِ»: مَفَادُهُ التَّاكِيدُ عَلَى أَنَّ الخَيرَ وَالشَّرَّ مَخْلُوقَانِ مُقَدَّرَانِ مِنَ اللهِ تَعَالَى.
- قَولُهُ: «فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ»: الإِحْسَانُ مَرْتَبَتَانِ:
١ - مَرْتَبَةُ طَلَبٍ وَشَوقٍ، وَهُوَ مِنْ قَولِهِ: «كَأَنَّكَ تَرَاهُ».
٢ - مَرْتَبَةُ هَرَبٍ وَخَوفٍ، وَهُوَ مِنْ قَولِهِ: «فَإِنَّهُ يَرَاكَ».
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٦] حَيثُ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى стр. 37
مَنْ دَعَاهُ خَوفًا وَطَمَعًا؛ مِنَ المُحْسِنِينَ.
وَإِنَّ إِحْسَانَ العَمَلِ يَتَفَاوَتُ فِيهِ النَّاسُ، فَمِنْهُ قَدْرٌ مُجْزِئٌ يَصِحُّ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ العَمَلُ حَسَنًا، وَمِنْهُ قَدْرٌ مُسْتَحَبٌ يَكُونُ العَبْدُ فِيهِ قَائِمًا فِي عَمَلِهِ عَلَى المَرْتَبَتَينِ السَّابِقَتَينِ (١).
- قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ العَابِدَ يَتَخَيَّلُ ذَلِكَ فِي عِبَادَتِهِ؛ لَا أَنَّهُ يَرَاهُ حَقِيقَةً -لَا بِبَصَرِهِ وَلَا بِقَلْبِهِ-!
وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ القُلُوبَ تَصِلُّ فِي الدُّنْيَا إِلَى رُؤْيَةِ اللهِ عَيَانًا كَمَا تَرَاهُ الأَبْصَارُ فِي الآخِرَةِ كَمَا يَزْعُمُ ذَلِكَ مَنْ يَزْعُمُهُ مِنَ الصُّوفِيَّةِ!! فَهُوَ زَعْمٌ بَاطِلٌ، فَإِنَّ هَذَا المَقَامَ هُوَ الَّذِي قَالَ مَنْ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَأَبِي ذَرٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيرِهِمَا وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَيضًا أَنَّهُ حَصَلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَرَّتَينِ (٢)، وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ مَرْفُوعَةٌ أَيضًا، وَكَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ: إِنَّهُ يَرَاهُ بِقَلْبِهِ، مِنْهُم الحَسَنُ وَأَبُو العَالِيَةِ وَمُجَاهِدُ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الحَارِثِ بْنِ نَوفَلٍ وَإِبْرَاهِيمُ التَّيمِيُّ وَغَيرُهُم، فَلَو كَانَ هَؤُلَاءِ لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ رُؤْيَةَ القَلْبِ مُشْتَرِكَةٌ بَينَ الأَنْبِيَاءِ وَغَيرِهِم لَمْ يَكُنْ فِي تَخْصِيصِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ مَزِيَّةٌ لَهُ، لَاسِيَّمَا وَإِنَّمَا قَالُوا: إِنَّهَا حَصَلَتْ لَهُ مَرَّتَينِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الصُّوفِيَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ رُؤْيَةَ القَلْبِ تَصِيرُ حَالًا وَمَقَامًا دَائِمًا أَو غَالِبًا لَهُم! وَمِنْ هُنَا يَنْشَأُ تَفْضِيلُ الأَولِيَاءِ عَلَى الأَنْبِيَاءِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ أَنْوَاعٌ مِنَ الضَّلَالَاتِ стр. 38
وَالمُحَالَاتِ وَالجَهَالَاتِ، وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (١).
- قَولُهُ: «فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ»: السَّاعَةُ: هِيَ يَومُ القِيَامَةِ، وَ (الـ) التَّعْرِيفِ هُنَا هِيَ لِلعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَأُطْلِقَ لَفْظُهَا لِعَظَمَتِهَا وَشُهْرَتِهَا.
- قَولُهُ: «أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا»؛ فِي لَفْظِ ابْنِ مَاجَه: "قَالَ: وَكِيعٌ: يَعْنِي تَلِدُ العَجَمُ العَرَبَ" (٢)، وَالمَعْنَى كَثْرَةُ انْتِشَارِ السَّرَارِي لِمَا يَحْصُلُ مِنَ الفُتُوحَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ وَحُصُولِ الرَّقِيقِ، وَتَسَرِّي كَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ بِالإِمَاءِ مِنَ العَجَمِ.
- قَولُهُ: «وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ»: كِنَايَةٌ عَنْ تَغَيُّرِ الحَالِ بِسُرْعَةٍ، وَالمَقْصُودُ بِالمَذْكُورِينَ هُمُ العَرَبُ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي أَحَدِ أَلْفَاظِهِ (٣).
وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَولُهُ ﷺ : «يُوشِكُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعٍ» (٤).
- إِنَّ ذِكْرَ هَذِهِ العَلَامَاتِ عَلَى اقْتِرَابِ السَّاعَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَدْحِهَا أَو ذَمِّهَا، وَلَكِنْ كُلٌّ بِحَسْبِهِ، فَمَثَلًا: التَّطَاوُلُ فِي البُنْيَانِ بِغَيرِ حَاجَةٍ قَدْ ثَبَتَ ذَمُّهُ شَرْعًا.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ فَرَأَى قُبَّةً مُشْرِفَةً فَقَالَ: «مَا هَذِهِ؟». قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: هَذِهِ لِفُلَانٍ -رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ-. قَالَ: فَسَكَتَ وَحَمَلَهَا فِي نَفْسِهِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَلَيهِ فِي النَّاسِ стр. 39
أَعْرَضَ عَنْهُ -صَنَعَ ذَلِكَ مِرَارًا- حَتَّى عَرَفَ الرَّجُلُ الغَضَبَ فِيهِ وَالإِعْرَاضَ عَنْهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى أَصْحَابِهِ؛ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأُنْكِرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ! قَالُوا: خَرَجَ فَرَأَى قُبَّتَكَ. قَالَ: فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى قُبَّتِهِ فَهَدَمَهَا حَتَّى سَوَّاهَا بِالأَرْضِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ فَلَمْ يَرَهَا، قَالَ: «مَا فَعَلَتِ القُبَّةُ؟». قَالُوا: شَكَا إِلَينَا صَاحِبُهَا إِعْرَاضَكَ عَنْهُ؛ فَأَخْبَرْنَاهُ فَهَدَمَهَا، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّ كُلَّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلَّا مَا لَا؛ إِلَّا مَا لَاَ». يَعْنِي مَا لَا بُدَّ مِنْهُ» (١).
- قَولُهُ: «فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا»: أَمَارَاتُ السَّاعَةِ نَوعَانِ: صُغْرَى كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث، وَكُبْرَى.
قَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ: "الأَشْرَاطُ جَمْعُ شَرَطٍ، وَالشَّرَطُ هُوَ العَلَامَةُ الَّتِي تُفَرِّقُ الشَّيءَ وتُمَيِّزُهُ عَنْ غَيرِهِ.
وَأَشْرَاطُ السَّاعَةِ المَقْصُودُ بِهَا الآيَاتُ وَالعَلَامَاتُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى قُرْبِ قِيَامِ السَّاعَةِ، إِمَّا دُنُوًّا؛ فَتَكُونُ أَشْرَاطًا كُبْرَى، وَإِمَّا دِلَالَةً عَلَى القُرْبِ؛ فَتَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الأَشْرَاطِ الصُّغْرَى.
وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ كَلِمَةِ الأَشْرَاطِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ، قَالَ : ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أنَّ تَاتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [مُحَمَّد: ١٨]، وَأَفَادَتِ الآيَةُ فَائِدَتَينِ:
الفَائِدَة الأُولَى: أَنَّ السَّاعَةَ لَهَا أَشْرَاطٌ وَعَلَامَاتٌ.
الفَائِدَة الثَّانِيَةَ: أَنَّ أَشْرَاطَ السَّاعَةِ قَدْ وَقَعَتْ فِي وَقْتِ تَنَزُّلِ القُرْآنِ عَلَى
مُحَمَّدٍ ﷺ . стр. 40
وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ مِنَ الأَشْرَاطِ مَا يَكُونُ بَعِيدًا عَنْ وُقُوعِ السَّاعَةِ وَمِنْهَا مَا يَكُونُ قَرِيبًا مِنْ وُقُوعِ السَّاعَةِ" (١).
- فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الإِسْلَامَ غَيرُ الإِيمَانِ، لِأَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ: «أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ»، وَقَالَ: «أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ». وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّغَايُرِ.
وَقَولُ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ هُوَ: إِنْ ذُكِرَ الإِيمَانُ وَحْدَهُ دَخَلَ فِيهِ الإِسْلَامُ، وَإِنْ ذُكِرَ الإِسْلَامُ وَحْدَهُ دَخَلَ فِيهِ الإِيمَانُ، فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المَائِدَة: ٣] يَشْمَلُ الإِيمَانَ، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عِمْرَان: ٢٠] يَشْمَلُ الإِيمَانَ.
كَذَلِكَ الإِيمَانُ إِذَا ذُكِرَ وَحْدَهُ دَخَلَ فِيهِ الإِسْلَامُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرالمُؤْمِنِينَ﴾ [الصَّف: ١٣] بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصَّف: ١١].
أَمَّا إِذَا ذُكِرَا جَمِيعًا فَإِنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ، وَيَكُونُ الإِسْلَامُ هُوَ الأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ مِنْ أَقْوَالِ اللِّسَانِ وَعَمَلِ الجَوَارِحِ، وَالإِيمَانُ هُوَ الأَعْمَالُ البَاطِنَةُ مِنْ اعْتِقَادَاتِ القُلُوبِ وَأَعْمَالِهَا، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى التَّفْرِيقِ هَذَا الحَدِيثُ وَغَيرُهُ؛ كَقَولِ اللهِ : ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾
[الحُجُرَات: ١٤].
قَالَ شيخُ الإِسْلَام ﵀: "قَالَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ: بَلْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وُصِفُوا بِالإِسْلَامِ دُونَ الإِيمَانِ قَدْ لَا يَكُونُونَ كُفَّارًا فِي البَاطِنِ، بَلْ مَعَهُمْ بَعْضُ الإِسْلَامِ المَقْبُولِ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: الإِسْلَامُ أَوسَعُ مِنَ الإِيمَانِ، فَكُلُّ следующие страницы →