Полный текст (476 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
- قَولُهُ: «وَأَنْ تَؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ»: الإِيمَانُ بِالقَدَرِ يَتَضَمَّنُ:
١ - الإِيمَانَ بِعِلْمِ اللهِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا (١).
٢ - الإِيمَانَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى كَتَبَ فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيءٍ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ.
قَالَ اللهُ : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [الحَجّ: ٧٠].
٣ - الإِيمَانَ بِأَنَّ كُلَّ مَا حَدَثَ فِي الكَونِ هُوَ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ لَا مَشِيئَةَ لِلعَبْدِ مَعَ مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ : ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾ [التَّكْوِير: ٢٨، ٢٩].
٤ - الإِيمَانُ بِأَنَّ اللهَ خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقَان: ٢].
- قَولُهُ: «خَيرِهِ وَشَرِّهِ»: مَفَادُهُ التَّاكِيدُ عَلَى أَنَّ الخَيرَ وَالشَّرَّ مَخْلُوقَانِ مُقَدَّرَانِ مِنَ اللهِ تَعَالَى.
- قَولُهُ: «فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ»: الإِحْسَانُ مَرْتَبَتَانِ:
١ - مَرْتَبَةُ طَلَبٍ وَشَوقٍ، وَهُوَ مِنْ قَولِهِ: «كَأَنَّكَ تَرَاهُ».
٢ - مَرْتَبَةُ هَرَبٍ وَخَوفٍ، وَهُوَ مِنْ قَولِهِ: «فَإِنَّهُ يَرَاكَ».
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٥٦] حَيثُ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى стр. 37
مَنْ دَعَاهُ خَوفًا وَطَمَعًا؛ مِنَ المُحْسِنِينَ.
وَإِنَّ إِحْسَانَ العَمَلِ يَتَفَاوَتُ فِيهِ النَّاسُ، فَمِنْهُ قَدْرٌ مُجْزِئٌ يَصِحُّ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ العَمَلُ حَسَنًا، وَمِنْهُ قَدْرٌ مُسْتَحَبٌ يَكُونُ العَبْدُ فِيهِ قَائِمًا فِي عَمَلِهِ عَلَى المَرْتَبَتَينِ السَّابِقَتَينِ (١).
- قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ العَابِدَ يَتَخَيَّلُ ذَلِكَ فِي عِبَادَتِهِ؛ لَا أَنَّهُ يَرَاهُ حَقِيقَةً -لَا بِبَصَرِهِ وَلَا بِقَلْبِهِ-!
وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ القُلُوبَ تَصِلُّ فِي الدُّنْيَا إِلَى رُؤْيَةِ اللهِ عَيَانًا كَمَا تَرَاهُ الأَبْصَارُ فِي الآخِرَةِ كَمَا يَزْعُمُ ذَلِكَ مَنْ يَزْعُمُهُ مِنَ الصُّوفِيَّةِ!! فَهُوَ زَعْمٌ بَاطِلٌ، فَإِنَّ هَذَا المَقَامَ هُوَ الَّذِي قَالَ مَنْ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَأَبِي ذَرٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيرِهِمَا وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَيضًا أَنَّهُ حَصَلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَرَّتَينِ (٢)، وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ مَرْفُوعَةٌ أَيضًا، وَكَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ: إِنَّهُ يَرَاهُ بِقَلْبِهِ، مِنْهُم الحَسَنُ وَأَبُو العَالِيَةِ وَمُجَاهِدُ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الحَارِثِ بْنِ نَوفَلٍ وَإِبْرَاهِيمُ التَّيمِيُّ وَغَيرُهُم، فَلَو كَانَ هَؤُلَاءِ لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ رُؤْيَةَ القَلْبِ مُشْتَرِكَةٌ بَينَ الأَنْبِيَاءِ وَغَيرِهِم لَمْ يَكُنْ فِي تَخْصِيصِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ مَزِيَّةٌ لَهُ، لَاسِيَّمَا وَإِنَّمَا قَالُوا: إِنَّهَا حَصَلَتْ لَهُ مَرَّتَينِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الصُّوفِيَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ رُؤْيَةَ القَلْبِ تَصِيرُ حَالًا وَمَقَامًا دَائِمًا أَو غَالِبًا لَهُم! وَمِنْ هُنَا يَنْشَأُ تَفْضِيلُ الأَولِيَاءِ عَلَى الأَنْبِيَاءِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ أَنْوَاعٌ مِنَ الضَّلَالَاتِ стр. 38
وَالمُحَالَاتِ وَالجَهَالَاتِ، وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (١).
- قَولُهُ: «فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ»: السَّاعَةُ: هِيَ يَومُ القِيَامَةِ، وَ (الـ) التَّعْرِيفِ هُنَا هِيَ لِلعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَأُطْلِقَ لَفْظُهَا لِعَظَمَتِهَا وَشُهْرَتِهَا.
- قَولُهُ: «أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا»؛ فِي لَفْظِ ابْنِ مَاجَه: "قَالَ: وَكِيعٌ: يَعْنِي تَلِدُ العَجَمُ العَرَبَ" (٢)، وَالمَعْنَى كَثْرَةُ انْتِشَارِ السَّرَارِي لِمَا يَحْصُلُ مِنَ الفُتُوحَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ وَحُصُولِ الرَّقِيقِ، وَتَسَرِّي كَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ بِالإِمَاءِ مِنَ العَجَمِ.
- قَولُهُ: «وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ»: كِنَايَةٌ عَنْ تَغَيُّرِ الحَالِ بِسُرْعَةٍ، وَالمَقْصُودُ بِالمَذْكُورِينَ هُمُ العَرَبُ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي أَحَدِ أَلْفَاظِهِ (٣).
وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَولُهُ ﷺ : «يُوشِكُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعٍ» (٤).
- إِنَّ ذِكْرَ هَذِهِ العَلَامَاتِ عَلَى اقْتِرَابِ السَّاعَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَدْحِهَا أَو ذَمِّهَا، وَلَكِنْ كُلٌّ بِحَسْبِهِ، فَمَثَلًا: التَّطَاوُلُ فِي البُنْيَانِ بِغَيرِ حَاجَةٍ قَدْ ثَبَتَ ذَمُّهُ شَرْعًا.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ فَرَأَى قُبَّةً مُشْرِفَةً فَقَالَ: «مَا هَذِهِ؟». قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: هَذِهِ لِفُلَانٍ -رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ-. قَالَ: فَسَكَتَ وَحَمَلَهَا فِي نَفْسِهِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَلَيهِ فِي النَّاسِ стр. 39
أَعْرَضَ عَنْهُ -صَنَعَ ذَلِكَ مِرَارًا- حَتَّى عَرَفَ الرَّجُلُ الغَضَبَ فِيهِ وَالإِعْرَاضَ عَنْهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى أَصْحَابِهِ؛ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأُنْكِرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ! قَالُوا: خَرَجَ فَرَأَى قُبَّتَكَ. قَالَ: فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى قُبَّتِهِ فَهَدَمَهَا حَتَّى سَوَّاهَا بِالأَرْضِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ فَلَمْ يَرَهَا، قَالَ: «مَا فَعَلَتِ القُبَّةُ؟». قَالُوا: شَكَا إِلَينَا صَاحِبُهَا إِعْرَاضَكَ عَنْهُ؛ فَأَخْبَرْنَاهُ فَهَدَمَهَا، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّ كُلَّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلَّا مَا لَا؛ إِلَّا مَا لَاَ». يَعْنِي مَا لَا بُدَّ مِنْهُ» (١).
- قَولُهُ: «فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا»: أَمَارَاتُ السَّاعَةِ نَوعَانِ: صُغْرَى كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث، وَكُبْرَى.
قَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ: "الأَشْرَاطُ جَمْعُ شَرَطٍ، وَالشَّرَطُ هُوَ العَلَامَةُ الَّتِي تُفَرِّقُ الشَّيءَ وتُمَيِّزُهُ عَنْ غَيرِهِ.
وَأَشْرَاطُ السَّاعَةِ المَقْصُودُ بِهَا الآيَاتُ وَالعَلَامَاتُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى قُرْبِ قِيَامِ السَّاعَةِ، إِمَّا دُنُوًّا؛ فَتَكُونُ أَشْرَاطًا كُبْرَى، وَإِمَّا دِلَالَةً عَلَى القُرْبِ؛ فَتَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الأَشْرَاطِ الصُّغْرَى.
وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ كَلِمَةِ الأَشْرَاطِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ، قَالَ : ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أنَّ تَاتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [مُحَمَّد: ١٨]، وَأَفَادَتِ الآيَةُ فَائِدَتَينِ:
الفَائِدَة الأُولَى: أَنَّ السَّاعَةَ لَهَا أَشْرَاطٌ وَعَلَامَاتٌ.
الفَائِدَة الثَّانِيَةَ: أَنَّ أَشْرَاطَ السَّاعَةِ قَدْ وَقَعَتْ فِي وَقْتِ تَنَزُّلِ القُرْآنِ عَلَى
مُحَمَّدٍ ﷺ . стр. 40
وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ مِنَ الأَشْرَاطِ مَا يَكُونُ بَعِيدًا عَنْ وُقُوعِ السَّاعَةِ وَمِنْهَا مَا يَكُونُ قَرِيبًا مِنْ وُقُوعِ السَّاعَةِ" (١).
- فِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الإِسْلَامَ غَيرُ الإِيمَانِ، لِأَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ: «أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ»، وَقَالَ: «أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ». وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّغَايُرِ.
وَقَولُ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ هُوَ: إِنْ ذُكِرَ الإِيمَانُ وَحْدَهُ دَخَلَ فِيهِ الإِسْلَامُ، وَإِنْ ذُكِرَ الإِسْلَامُ وَحْدَهُ دَخَلَ فِيهِ الإِيمَانُ، فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المَائِدَة: ٣] يَشْمَلُ الإِيمَانَ، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عِمْرَان: ٢٠] يَشْمَلُ الإِيمَانَ.
كَذَلِكَ الإِيمَانُ إِذَا ذُكِرَ وَحْدَهُ دَخَلَ فِيهِ الإِسْلَامُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرالمُؤْمِنِينَ﴾ [الصَّف: ١٣] بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصَّف: ١١].
أَمَّا إِذَا ذُكِرَا جَمِيعًا فَإِنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ، وَيَكُونُ الإِسْلَامُ هُوَ الأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ مِنْ أَقْوَالِ اللِّسَانِ وَعَمَلِ الجَوَارِحِ، وَالإِيمَانُ هُوَ الأَعْمَالُ البَاطِنَةُ مِنْ اعْتِقَادَاتِ القُلُوبِ وَأَعْمَالِهَا، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى التَّفْرِيقِ هَذَا الحَدِيثُ وَغَيرُهُ؛ كَقَولِ اللهِ : ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾
[الحُجُرَات: ١٤].
قَالَ شيخُ الإِسْلَام ﵀: "قَالَ الجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ: بَلْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وُصِفُوا بِالإِسْلَامِ دُونَ الإِيمَانِ قَدْ لَا يَكُونُونَ كُفَّارًا فِي البَاطِنِ، بَلْ مَعَهُمْ بَعْضُ الإِسْلَامِ المَقْبُولِ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: الإِسْلَامُ أَوسَعُ مِنَ الإِيمَانِ، فَكُلُّ стр. 41
مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ، وَلَيسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا، وَيَقُولُونَ فِي قَولِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يَزْنِي الزَّانِي -حِينَ يَزْنِي- وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (١): إنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الإِيمَانِ إلَى الإِسْلَامِ، وَدَوَّرُوا لِلْإِسْلَامِ دَارَةً، وَدَوَّرُوا لِلْإِيمَانِ دَارَةً أَصْغَرَ مِنْهَا فِي جَوفِهَا، وَقَالُوا: إذَا زَنَى خَرَجَ مِنَ الإِيمَانِ إلَى الإِسْلَامِ؛ وَلَا يُخْرِجُهُ مِنَ الإِسْلَامِ إلَى الكُفْرِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ اللهَ ﵎ قَال: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحُجُرَات: ١٤] " (٢).
وَقَالَ الشَّيخُ ابْنُ دَقِيق العِيد ﵀ فِي شَرْحِهِ عَلَى الأَرْبَعِينَ: "وَقَالَ ﵀
-يَعْنِي: أَبَا عَمْرو بْنَ الصَّلَاحِ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ-: هَذَا بَيَانُ أَصْلِ الإِيمَانِ؛ وَهُوَ التَّصْدِيقُ البَاطِنُ، وَبَيَانُ أَصْلِ الإِسْلَامِ؛ وَهُوَ الاسْتِسْلَامُ وَالانْقِيَادُ الظَّاهِرُ. وَحُكْمُ الإِسْلَامِ فِي الظَّاهِرِ ثَبَتَ فِي الشَّهَادَتَينِ، وَإِنَّمَا أَضَافَ إِلَيهَا الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصَّومَ وَالحَجَّ لِكَونِهَا أَظْهَرَ شَعَائِرِ الإِسْلَامِ وَأَعْظَمَهَا، وَبِقِيَامِهِ بِهَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُ. ثُمَّ إِنَّ اسْمَ الإِيمَانِ يَتَنَاوَلُ مَا فُسِّرَ بِهِ الإِسْلَامُ فِي هَذَا الحَدِيثِ وَسَائِرَ الطَّاعَاتِ لِكَونِهَا ثَمَرَاتِ التَّصْدِيقِ البَاطِنِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الإِيمَانِ، وَلِهَذَا لَا يَقَعُ اسْمُ المُؤْمِنِ المُطْلَقُ عَلَى مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً أَو تَرَكَ فَرِيضَةً، لِأَنَّ اسْمَ الشَيءِ مُطْلَقًا يَقَعُ عَلَى الكَامِلِ مِنْهُ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي النَّاقِصِ ظَاهِرًا إِلَّا بِنِيَّةٍ" (٣). стр. 42
قَالَ البُخَارِيُّ ﵀ في صَحِيحِهِ عِنْدَ هَذَا الحَدِيثِ: "بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ وَالإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ، وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ القَيسِ مِنَ الإِيمَانِ (١)، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عِمْرَان: ٨٥] " (٢).
- فِي الحَدِيثِ ذِكْرُ ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ: مُسْلِمٌ، وَأَعْلَى مِنْهُ المُؤْمِنُ، وَأَعْلَى
مِنْهُ المُحْسِنُ.
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "وقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ المُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فَاطِر: ٣٢ - ٣٥]، فَقَدْ قَسَمَ سُبْحَانَهُ الأُمَّةَ الَّتِي أَورَثَهَا الكِتَابَ وَاصْطَفَاهَا ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: ظَالِمٍ لِنَفْسِهِ، وَمُقْتَصِدٍ، وَسَابِقٍ بِالخَيرَاتِ.
وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ يَنْطَبِقُونَ عَلَى الطَّبَقَاتِ الثَّلَاثِ المَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ: الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ وَالإِحْسَانِ" (٣). стр. 43
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ:
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَتَى يَنْتَفِي اسْمُ الإِيمَانِ أَوِ الإِسْلَامِ عَنْ صَاحِبِهِ؟
الجَوَابُ:
اسْمُ الإِيمَانِ يَنْتَفِي بِتَرْكِ شَيءٍ مِنْ وَاجِبَاتِهِ، وَاسْمُ الإِسْلَامِ يَنْتَفِي بِتَرْكِ أَصْلِهِ (١).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "لَا رَيبَ أَنَّهُ مَتَى ضَعُفَ الإِيمَانُ البَاطِنُ؛ لَزِمَ مِنْهُ ضَعْفُ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ أَيضًا، لَكِنَّ اسْمَ الإِيمَانِ يُنْفَى عَمَّنْ تَرَكَ شَيئًا مِنْ وَاجِبَاتِهِ، كَمَا فِي قَولِهِ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي -حِينَ يَزْنِي- وَهُوَ مُؤْمِنٌ». وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ السُّنَّةِ: هَلْ يُسَمَّى مُؤْمِنًا نَاقِصَ الإِيمَانِ، أَو يُقَالُ: لَيسَ بِمُؤْمِنٍ، لَكِنَّهُ مُسْلِمٌ؟ عَلَى قَولَينِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ. وَأَمَّا اسْمُ الإِسْلَامِ؛ فَلَا يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ بَعْضِ وَاجِبَاتِهِ أَوِ انْتِهَاكِ بَعْضِ مُحَرَّمَاتِهِ، وَإِنَّمَا يُنْفَى بِالإِتْيَانِ بِمَا يُنَافِيهِ بِالكُلِّيَّةِ، وَلَا يُعْرَفُ فِي شَيءٍ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ نَفْيُ الإِسْلَامِ عَمَّنْ تَرَكَ شَيئًا مِنْ وَاجِبَاتِهِ كَمَا يُنْفَى الإِيمَانُ عَمَّنْ تَرَكَ شَيئًا مِنْ وَاجِبَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَ стр. 44
إِطْلَاقُ الكُفْرِ عَلَى فِعْلِ بَعْضِ المُحَرَّمَاتِ، وَإِطْلَاقُ النِّفَاقِ أَيضًا" (١).
وَقَالَ أَيضًا ﵀ -عَنِ الأَعْرَابِ فِي الآيَةِ-: "فَإِنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُمْ رُسُوخُ الإِيمَانِ فِي القَلْبِ، وَتَثْبُتُ لَهُمُ المُشَارَكَةُ فِي أَعْمَالِ الإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ مَعَ نَوعِ إِيمَانٍ يُصَحِّحُ لَهُمُ العَمَلَ، إِذْ لَولَا هَذَا القَدْرُ مِنَ الإِيمَانِ؛ لَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا نُفِيَ عَنْهُمُ الإِيمَانُ لِانْتِفَاءِ ذَوقِ حَقَائِقِهِ، وَنَقْصِ بَعْضِ وَاجِبَاتِهِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّصْدِيقَ القَائِمَ بِالقُلُوبِ مُتَفَاضِلٌ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ" (٢). стр. 45
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا هِيَ مَذَاهِبُ النَّاسِ في الإِيمَانِ:
الجَوَابُ:
١ - ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالأَوزَاعِيُّ وَإِسْحَقُ بْنُ رَاهَويه وَسَائِرُ أَهْلِ الحَدِيثِ وَأَهْلُ المَدِينَةِ ﵏ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّهُ تَصْدِيقٌ بِالجَنَانِ وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ.
وَكَونُ العَمَلِ مِنَ الإِيمَانِ هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيهِ الأَدِلَّةُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً» وَفِي رِوَايَةٍ «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ «فَأَفْضَلُهَا قَولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» (١).
وَكَمَا فِي حَدِيثِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا قَالَ: «حَجٌ مَبْرُورٌ» (٢).
٢ - ذَهَبَ الكَثيرُ مِنْ الحَنَفِيَّةِ إِلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ ﵀: أَنَّهُ الإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَتَصْدِيقٌ بِالجَنَانِ. وَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الإِقْرَارَ بِاللِّسَانِ رُكْنٌ زَائِدٌ
لَيسَ أَصْلِيًّا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو مَنْصُورٍ المَاتُرِيدِيُّ ﵀، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁.
٣ - ذَهَبَتِ الكَرَّامِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِيمَانَ هُوَ الإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ فَقَط! فَالمُنَافِقُونَ -عِنْدَهُم- مُؤْمِنُونَ كَامِلُو الإِيمَانِ! وَلَكِنَّهُم يَقُولُونَ بِأَنَّهُم يَسْتَحِقُّونَ الوَعِيدَ الَّذِي стр. 46
أَوعَدَهُمُ اللهُ بِهِ، وَقَولُهُم ظَاهِرُ الفَسَادِ.
٤ - ذَهَبَ الجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَأَبُو الحَسَنِ الصَّالِحِيُّ -أَحَدُ رُؤُوسِ القَدَرِيَّةِ- إِلَى أَنَّ الإِيمَانَ هُوَ المَعْرِفَةُ بِالقَلْبِ! وَهَذَا القَولُ أَظْهَرُ فَسَادًا مِمَّا قَبْلَهُ! فَإِنَّ لَازِمَهُ أَنَّ فِرْعَونَ وَقَومَهُ كَانُوا مُؤْمِنِينَ! فَإِنَّهُم عَرَفُوا صِدْقَ مُوسَى وَهَارُونَ ﵉؛ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِمَا، وَلِهَذَا قَالَ مُوسَى لِفِرْعَون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإِسْرَاء: ١٠٢]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ [النَّمْل: ١٤]، وَأَهْلُ الكِتَابِ كَانُوا يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ ﷺ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَائَهُم؛ وَلَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ؛ بَلْ كَافِرِينَ بِهِ، مُعَادِينَ لَهُ، وَكَذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ -عِنْدَهُم- يَكُونُ مُؤْمِنًا! فَإِنَّهُ قَالَ: "وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ مِنْ خَيرِ أَدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينًا، لَولَا المَلَامَةُ أَو حِذَارُ مَسَبَّةٍ لَوَجَدْتنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبَيِّنًا" (١). стр. 47
الحَدِيثُ الثَّالِثُ: (بُنِي الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ)
عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵄؛ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «بُنِي الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ (١)؛ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيتِ، وَصَومِ رَمَضَانَ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٢).
- هَذَا الحَدِيث هُوَ الحَدِيثُ الأَوَّلُ مِنْ كِتَابِ (جَامِعُ الأُصُولِ مِنْ أَحَادِيثِ الرَّسُولِ) لِابْنِ الأَثِيرِ ﵀ (٣).
- الحَدِيثُ عِنْدَ البُخَارِيِّ بِتَمَامِهِ "أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَحُجَّ عَامًا وَتَعْتَمِرَ عَامًا؛ وَتَتْرُكَ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ ؛ وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رَغَّبَ اللهُ فِيهِ؟! قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي؛ بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالصَّلَاةِ الخَمْسِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيتِ. قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ [الحُجُرَات: ٩]، ﴿قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأَنْفَالُ: ٣٩]؟! قَالَ: فَعَلْنَا стр. 48
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ -وَكَانَ الإِسْلَامُ قَلِيلًا- فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ؛
إِمَّا قَتَلُوهُ وَإِمَّا يُعَذِّبُونَهُ، حَتَّى كَثُرَ الإِسْلَامُ؛ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ. قَالَ: فَمَا قَولُكَ فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ؟ قَالَ: أَمَّا عُثْمَانُ فَكَأَنَّ اللهَ عَفَا عَنْهُ؛ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَكَرِهْتُمْ أَنْ تَعْفُوا عَنْهُ! وَأَمَّا عَلِيٌّ؛ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَخَتَنُهُ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ- فَقَالَ: هَذَا بَيتُهُ حَيثُ تَرَونَ".
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ "أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلَانِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيرِ؟ فَقَالَا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَنَعُوا مَا تَرَى، وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ -صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ- فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ ".
- لَمْ يَذْكُرِ الحَدِيثُ الإِيمَانَ بِالأَنْبِيَاءِ وَالمَلَائِكَةِ وَغَيرَ ذَلِكَ مِمَّا تَضَمَّنَهُ جَوَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ ﵇؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ المُرَادَ بِالشَّهَادَةِ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ؛ فَيَسْتَلْزِمُ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ مِنَ المُعْتَقَدَاتِ (١).
- قَولُهُ: «وَإِقَامِ الصَّلَاةِ»: إِنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ هِيَ مِنْ مَبَانِي الإِسْلَامِ، وَلَكِنَّهَا تَقَعُ بِاعْتِبَارَينِ (٢):
١ - إِقَامَتِهَا عَلَى القَدْرِ الوَاجِبِ فِي الصَّلَاةِ؛ وَهُوَ أَقَلُّ مَا تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ.
٢ - إِقَامَتِهَا كَامِلَةً، وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ تَكْمِيلُهَا وَتَتْمِيمُهَا بِالإِتْيَانِ بِكُلِّ مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ فِيهَا.
وَلَا رَيبَ أَنَّ إِقَامَتَهَا عَلَى وُفْقِ مَا دَلَّتْ عَلَيهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ هِيَ مِنْ إِقَامَتِهَا الكَامِلَةِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي» (٣). стр. 49
فَلَيسَ مَعْنَى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ مُجَرَّدَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ! بَلْ أَنْ تَكُونَ قَوِيمَةً -أَي: وُفْقَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ- غَيرَ مُعْوَجَّةٍ (١)، وَتَأَمَّلْ كَيفَ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ إِذَا اِطْمَأَنُّوا بَعْدَ الخَوفِ مِنْ عَدُوِّهِم أَنْ يُقِيمُوا الصَّلَاةَ -رُغْمَ أَنَّهُم كَانُوا يُصَلُّونَ صَلَاةَ الخَوفِ-؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ لَيسَتْ هِيَ مُجَرَّدَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ! حَيثُ أَنَّهُم فِي صَلَاةِ الخَوفِ قَدْ قَصُرَتْ صَلَاتُهُم مِنْ جِهَةِ الكَمِّ وَالكَيفِ، وَغَابَ عَنْهَا -فِي الغَالِبِ- حُضُورُ القَلْبِ لِانْشِغَالِهِ بِالعَدُوِّ فِي الخَارِجِ.
قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ -عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى-: ﴿فَإِذَا قَضَيتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَانَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوقُوتًا﴾ [النِّسَاء: ١٠٣]: "أَي: إِذَا أَمِنْتُم مِنَ الخَوفِ وَاطْمَأَنَّتْ قُلُوبُكُم وَأَبْدَانُكُم فَأَتِمُّوا صَلَاتَكُم عَلَى الوَجْهِ الأَكْمَلِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ بِأَرْكَانِهَا وَشُرُوطِهَا وَخُشُوعِهَا وَسَائِرِ مُكَمِّلَاتِهَا" (٢).
وَمِمَّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيضًا حَدِيثُ «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي سِتِّينَ سَنَةً مَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ! لَعَلَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلَا يُتِمُّ السُّجُودَ، وَيُتِمُّ السُّجُودَ وَلَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ» (٣).
- هَذِهِ الأَرْكَانُ الخَمْسَةُ وَرَدَتْ فِي الحَدِيثِ مُرَتَّبَةً حَسْبَ أَهَمِّيَّتِهَا،
وَبَدَأَ فِيهَا بِالشَّهَادَتَينِ اللَّتَينِ هُمَا الأَسَاسُ لِكُلِّ عَمَلٍ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ ، стр. 50
ثُمَّ ذَكَرَ الصَّلَاةَ الَّتِي تَتَكَرَّرُ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ؛ فَهِيَ صِلَةٌ وَثِيقَةٌ بَينَ العَبْدِ وَرَبَّهِ،
ثُمَّ الزَّكَاةَ الَّتِي تَجِبُ فِي المَالِ إِذَا مَضَى عَلَيهِ الحَولُ لِأَنَّ نَفْعَهَا مُتَعَدٍّ،
ثُمَّ الصِّيَامَ الَّذِي يَجِبُ شَهْرًا فِي السَّنَةِ، وُهُوَ عِبَادَةٌ غَيرُ مُتَعَدِّيَةِ النَّفْعِ،
ثُمَّ الحَجَّ الَّذِي لَا يَجِبُ فِي العُمُرِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً -إِنِ اسْتَطَاعَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا-.
стр. 51
- فِي حُكْمُ تَارِكِ الصَّلَاةِ تَكَاسُلًا:
قَالَ العَلَّامَةُ الشَّوكَانِيُّ ﵀: "وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ لَهَا تَكَاسُلًا مَعَ اعْتِقَادِهِ لِوُجُوبِهَا -كَمَا هُوَ حَالُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ-؛ فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ.
فَذَهَبَتِ العِتْرَةُ وَالجَمَاهِيرُ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ -مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ- إلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بَلْ يَفْسُقُ، فَإِنْ تَابَ؛ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ حَدًّا كَالزَّانِي المُحْصَنِ، وَلَكِنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيفِ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إلَى أَنَّهُ يَكْفُرُ (١)، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي стр. 52
طَالِبٍ ﵇، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَينِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (١)، وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيهِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. стр. 53
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ وَالمُزَنِيُّ -صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ- إلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ؛ بَلْ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ" (١).
قُلْتُ: أَمَّا الجَاحِدُ لِوُجُوبِهَا؛ فَهُوَ كَافِرٌ خَارِجٌ مِنَ المِلَّةِ بِالإِجْمَاعِ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀: "وَأَجْمَعُ المُسْلِمُونَ أَنَّ جَاحِدَ الصَّلَاةِ كَافِرٌ حَلَالٌ دَمُهُ كَسَائِرِ الكُفَّارِ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَلَا لَهُ دِينٌ يُقِرُّ عَلَيهِ دَمَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ -وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيهَا، غَيرُ جَاحِدٍ بِفَرْضِهَا-" (٢).
- فِي الحَدِيثِ إِظْهَارُ حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى حَيثُ جَعَلَ لِلإِسْلَامِ مَبَانٍ أُصُولًا عِظَامًا يَظْهَرُ بِهَا إِيمَانُ العَبْدِ؛ وَبِهِ يَكُونُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا أَو كَافِرًا؛ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَسَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَينِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَو سَعِيدَةً». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ؟ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ. قَالَ: «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ؛ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ؛ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ» ثُمَّ قَرَأَ:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [اللَّيل: ٥] الآيَةَ (٣).
- فِي الحَدِيثِ بَيَانُ تَنَوُّعِ أَعْمَالِ الإِسْلَامِ، وَقِيَامُهَا بِالعَبْدِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ، وَهِيَ تَتَضَمَّنُ فِعْلًا وَتَرْكًا، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَعَدِّ النَّفْعِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ لِازِمُ стр. 54
النَّفْعِ لِصَاحِبِهِ فَقَط، وَمِنْهَا مَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ سِرٌّ بَينَ العَبْدِ وَرَبِّهِ، وَمِنْهَا البَدَنِيُّ، وَمِنْهَا المَالِيُّ:
١ - فَالشَّهَادَةُ تَقُومُ بِالقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَهِيَ نُطْقٌ عَنْ عِلْمٍ.
٢ - وَالصَّلَاةُ تَقُومُ بِالقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالجَوَارِحِ.
٣ - وَالصِّيَامُ يَقُومُ بِالقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالجَوَارِحِ، وَلَكِنَّهُ مِنْ جَانِبِ التَرْكِ وَلَيسَ الفِعْلِ، وَهُوَ سِرٌّ بَينَ العَبْدِ وَرَبِّهِ.
٤ - وَالزَّكَاةُ تَتَعَرَّضُ لِلمَالِ دُونَ اللِّسَانِ وَالجَوَارِحِ، فَهِيَ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ وَلَيسَتْ بَدَنِيَّةً كَالسَّابِقَتَينِ، وَهِيَ مُتَعَدِّيَّةُ النَّفْعِ لِلمُسْلِمِينَ.
٥ - وَالحَجُّ عِبَادَةٌ مُشْتَرَكَةٌ: مَالِيَّةٌ وَبَدَنِيَّةٌ.
- قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "قَالَ طَاوُوسُ: مَثَلُ الإِسْلَامِ كَشَجَرَةٍ أَصْلُهَا الشَّهَادَةُ، وَسَاقُهَا كَذَا وَكَذَا، وَوَرَقُهَا كَذَا وَكَذَا، وَثَمَرُهَا: الوَرَعُ. وَلَا خَيرَ فِي إِنْسَانٍ لَا وَرَعَ فِيهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا دَخَلَ فِي مُسَمَّى الشَّجَرَةِ وَالنَّخْلَةِ مِنْ فُرُوعِهَا وَأَغْصَانِهَا وَوَرَقِهَا وَثَمَرِهَا إِذَا ذَهَبَ شَيءٌ مِنْهُ لَمْ يَذْهَبْ عَنِ الشَّجَرَةِ اسْمُهَا! وَلَكِنْ يُقَالُ: هِيَ شَجَرَةٌ نَاقِصَةٌ؛ وَغَيرُهَا أَكْمَلُ مِنْهَا.
فَإِنْ قُطِعَ أَصْلُهَا وَسَقَطَتْ لَمْ تَبْقْ شَجَرَةً، وَإِنَّمَا تَصِيرُ حَطَبًا! فَكَذَلِكَ الإِيمَانُ وَالإِسْلَامُ إِذَا زَالَ مِنْهُ بَعْضُ مَا يَدْخُلُ فِي مُسَمَّاه -مَعَ بَقَاءِ أَرْكَانِ بُنْيَانِهِ- لَا يَزُولُ بِهِ اسْمُ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ بِالكُلِّيَّةِ -وَإِنْ كَانَ قَدْ سُلِبَ الاسْمُ عَنْهُ لِنَقْصِهِ-، بِخِلَافِ مَا انْهَدَمَتْ أَرْكَانُهُ وَبُنْيَانُهُ؛ فَإِنَّهُ يَزُولُ مُسَمَّاهُ بِالكُلِّيَّةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ" (١). стр. 55
- فَائِدَةٌ مِنْ كِتَابِ (فَتْحُ البَارِي) لِلْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ ﵀ -تَعْلِيقًا عَلَى قَولِ البُخَارِيِّ ﵀: وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ (١) -:
"وَأَكْثَرُ العُلَمَاءِ قَالُوا: هُوَ قَولٌ وَعَمَلٌ، وَهَذَا كُلُّهُ إِجْمَاعٌ مِنَ السَّلَفِ وَعُلَمَاءِ أَهْلِ الحَدِيثِ، وَقَد حَكَى الشَّافِعِيُّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَيهِ، وَحَكَى أَبُو ثَور الإِجْمَاعَ عَلَيهِ أَيضًا.
وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: كَانَ مَنْ مَضَى مِمَّن سَلَفَ لَا يُفَرِّقُونَ بَينَ الإِيمَانِ وَالعَمَلِ، وَحَكَاهُ غَيرُ وَاحِدٍ مِنْ سَلَفِ العُلَمَاءِ عَن أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَمِمَّن حَكَى ذَلِكَ عَن أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: الفُضَيلُ بنُ عِياض، وَوَكِيعُ بنُ الجَرَّاحِ.
وَمِمَّن رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الإيمَانَ قَولٌ وَعَمَلٌ: الحَسَنُ، وَسَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ، وَعُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وَعَطَاءُ، وَطَاوسُ، وَمُجَاهِدُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَهُوَ قَولُ الثَّوْرِيُّ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَابنُ المُبَارَكِ، وَمَالِكُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبِي عُبَيدٍ، وَأَبِي ثَورٍ وَغَيرُهُم؛ حَتَّى قَالَ كَثِيرٌ مِنْهُم: إِنَّ الرَّقَبَةَ المُؤْمِنَةَ لَا تُجْزِئُ فِي الكَفَّارَةِ حَتَّى يُؤْخَذَ مِنْهَا الإِقْرَارُ وَهُوَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ، مِنْهُمُ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ" (٢) (٣). стр. 56
- وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ -مُعَلِّقًا عَلَى الشَّطْرِ الثَّانِي مِن عِبَارَةِ البُخَارِيِّ: (وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ) -:
"وَأَمَّا المَقَامُ الثَّانِي؛ فَذَهَبَ السَّلَفُ إِلَى أَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ، وَقَالُوا: مَتَى قَبِلَ ذَلِكَ كَانَ شَكًّا.
قَالَ الشَّيخُ مُحْيِيُ الدِّينِ: وَالأَظْهَرُ المُخْتَارُ أَنَّ التَّصْدِيقَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ بِكَثْرَةِ النَّظَرِ وَوُضُوحِ الأَدِلَّةِ، وَلِهَذَا كَانَ إِيمَانُ الصِّدِّيقِ أَقْوَى مِنْ إِيمَانِ غَيرِهِ؛ بِحَيثُ لَا تَعْتَرِيهِ الشُّبَهُ.
وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ مَا فِي قَلْبِهِ يَتَفَاضَلُ حَتَّى إِنَّهُ يَكُونُ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ الإِيمَانُ أَعْظَمَ يَقِينًا وَإِخْلَاصًا وَتَوَكُّلًا مِنْهُ فِي بَعْضِهَا، وَكَذَلِكَ فِي التَّصْدِيقِ وَالمَعْرِفَةِ بِحَسَبِ ظُهُورِ البَرَاهِينِ وَكَثْرَتِهَا، وَقَدْ نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ (تَعْظِيمُ قَدْرِ الصَّلَاةِ) عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الأَئِمَّةِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَمَا نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ صَرَّحَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي (مُصَنَّفِهِ) عَنْ سُفْيَانَ الثَّورِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالأَوزَاعِيِّ وَابْنِ جُرَيجٍ وَمَعْمَرٍ وَغَيرِهِمْ -وَهَؤُلَاءِ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ فِي عَصْرِهِمْ-، وَكَذَا نَقَلَهُ أَبُو القَاسِمِ اللَّالِكَائِيُّ فِي كِتَابِ (السُّنَّةِ) عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوِيه وَأَبِي عُبَيدٍ وَغَيرِهِمْ مِنَ الأَئِمَّةِ، وَرَوَى بِسَنَدِهِ الصَّحِيحِ عَنِ البُخَارِيِّ قَالَ: لَقِيتُ أَكْثَرَ مِنَ أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ العُلَمَاءِ بِالأَمْصَارِ؛ فَمَا رَأَيتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يَخْتَلِفُ فِي أَنَّ الإِيمَانَ قَولٌ وَعَمَلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ.
وَأَطْنَبَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَاللَّالِكَائِيُّ فِي نَقْلِ ذَلِكَ بِالأَسَانِيدِ عَنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَكُلِّ مَنْ يَدُورُ عَلَيهِ الإِجْمَاعُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَحَكَاهُ فُضَيلُ بْنُ عِيَاضٍ وَوَكِيعٌ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَقَالَ الحَاكِمُ فِي (مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ): حَدَّثَنَا أَبُو العَبَّاسِ الأَصَمُّ؛ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ؛ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: الإِيمَانُ قَولٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيمٍ فِي تَرْجَمَةِ الشَّافِعِيِّ مِنَ (الحِلْيَةِ) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الرَّبِيعِ وَزَادَ (يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالمَعْصِيَةِ ثُمَّ تَلَا ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المُدَّثِّر: ٣١] الآيَةَ) " (١).
- تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ:
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: "فَقَولٌ: لَا إِلَه َإِلَّا اللهُ: قَوْلُ لِسَانٍ، وَإِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ: فِعْلُ الجَوَارِحِ، وَالحَيَاءُ: وَهَذَا عَمَلُ قَلْبٍ؛ مِنَ الإيمَانِ، وَلَا حَاجَةَ أَنْ نَقُولَ مَا يَدُورُ الآنَ بَينَ الشَّبَابِ وَطَلَبَةِ العِلْمِ: هَلِ الأَعْمَالُ مِنْ كَمَالِ الإِيمَانِ أَوْ مِنْ صِحَّةِ الإِيمَانِ؟
فَهَذَا السُّؤَالُ لَا دَاعِيَ لَهُ، أَيُّ إِنْسَانٍ يَسْأَلُكَ وَيَقُولُ: هَلِ الأَعْمَالُ شَرْطٌ لِكَمَالِ الإِيمَانِ أَوْ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الإِيمَانِ؟ نَقُولُ لَهُ: الصَّحَابَةُ ﵃ أَشْرَفُ مِنْكَ وَأَعْلَمُ مِنْكَ وَأَحْرَصُ مِنْكَ عَلَى الخَيرِ؛ وَلَمْ يَسْأَلُوا الرَّسُولَ ﷺ هَذَا السُّؤَالَ! إِذًا يَسَعُكَ مَا يَسَعُهُم.
إِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا العَمَلَ يَخْرُجُ بِهِ الإِنْسَانُ مِنَ الإِسْلَامِ صَارَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الإِيمَانِ، وَإِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ صَارَ شَرْطًا لِكَمَالِ الإِيمَانِ وَانْتَهَى المَوضُوعُ.
أَمَّا أَنْ تُحَاوِلَ الأَخْذَ وَالرَّدَّ وَالنِّزَاعَ؛ ثُمَّ مَنْ خَالَفَكَ قُلْتَ: هَذَا مُرْجِئٌ، وَمَنْ وَافَقَكَ رَضِيتَ عَنْهُ، وَإِنْ زَادَ قُلْتَ: هَذَا مِنَ الخَوَارِجِ!! وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ.
فَلِذَلِكَ مَشُورَتِي لِلْشَّبَابِ وَلِطُلَّابِ العِلْمِ أَنْ يَدَعُوا البَحْثَ فِي هَذَا المَوضُوعِ، وَأَنْ نَقُولَ: مَا جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى وَرَسُولُه شَرْطًا لِصِحَّةِ الإِيمَانِ وَبَقَائِهِ فَهُوَ شَرْطٌ، وَمَا لَا فَلَا وَنَحْسِمُ المُوضُوعَ" (٢). стр. 57
فَائِدَةٌ، ثُمَّ كَلِمَةُ حَقٍّ وَإِنْصَافٍ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الإِمَامِ الأَلْبَانِيِّ ﵀:
قَالَ الإِمَامُ البَرْبَهَارِيُّ (١) ﵀ فِي عَقِيدَتِهِ المَشْهُورَةِ: "وَمَنْ قَالَ: الإِيمَانُ قَولٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ؛ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الإِرْجَاءِ (٢) كُلِّهِ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ" (٣).
سُئِلَ الشَّيخُ العَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ عَن قَولِ البَعْضِ: إِنَّ الشَّيخَ الأَلْبَانِيَّ ﵀ قَولُهُ فِي مَسَائِلِ الإِيمَانِ قَولُ المُرْجِئَةِ! فَمَا قَولُ فَضِيلَتِكُم فِي هَذَا؟
الجَوَابُ: "أَقُولُ كَمَا قَالَ الأَوَّلُ: أَقِلُّوا عَلَيهِ لَا أَبَا لِأَبِيكُم مِنَ اللَّومِ أَو سُدُّوا المَكَانَ الَّذِي سَدُّوا.
الأَلْبَانِيُّ ﵀ عَالِمٌ مُحَدِّثٌ فَقِيهٌ، وَإِنْ كَانَ مُحَدِّثًا أَقْوَى مِنْهُ فَقِيهًا، وَلَا أَعْلَمُ لَه كَلَامًا يَدُلُّ عَلَى الإِرْجَاءِ أَبَدًا، لَكِنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يُكَفِّرُوا النَّاسَ يَقُولُونَ عَنْهُ وَعَنْ أَمْثَالِهِ إِنَّهُم مُرْجِئَةٌّ! فَهُوَ مِن بَابِ التَّلْقِيبِ بِأَلْقَابِ السُّوءِ.
وَأَنَا أَشْهَدُ لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ بِالاسْتِقَامَةِ وَسَلَامَةِ المُعْتَقَدِ وَحُسْنِ المَقْصِدِ، وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ لَا نَقُولُ إِنَّهُ لَا يُخْطِئُ، لِأَنَّهُ لَا أَحَدَ مَعْصُومٌ إِلَّا الرَّسُولُ ﵊" (٤) إِلَى آخِرِ مَا قَالَ ﵀.
وَقَالَ العَلَّامَةُ عَبْدُ المُحْسِنِ العَبَّادُ البَدْرُ حَفِظَهُ اللهُ: "وَإِنَّ مِمَّا يُؤْسَفُ لَهُ أَنْ يُبْتَلَى عَدَدٌ قَلِيلٌ مِنْ طَلَبَةِ العِلْمِ بِالنَّيلِ مِنَ الشَّيخِ العَلَّامَةِ المُحَدِّثِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ وَوَصْفَهُ بِالإِرْجَاءِ! فِي الوَقْتِ الَّذِي سَلِمَ مِنْهُم دُعَاةُ التَّغْرِيبِ؛ قَتَلَةُ الأَخْلَاقِ، الَّذِينَ يَسْعَونَ جَاهِدِينَ لِلْإِفْسَادِ فِي بِلَادِ الحَرَمَينِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا، وَسَلِمَ مِنْهُم أَهْلُ الزَّنْدَقَةِ وَأَهْلُ الزَّيغِ وَالضَّلَالِ! وَكَأَنَّهُ لَيسَ أَمَامَهُم فِي المَيْدَانِ إِلَّا هَذَا الرَّجُلُ ذُو الجُهُودِ العَظِيمَةِ فِي خِدْمَةِ سُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وَبَيَانِ عَقِيدَةِ السَّلَفِ! وَمَا أَحْسَنَ الأَثْرَ الَّذِي نَقَلَهُ ابنُ كَثِيرٍ فِي البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ (١٣/ ١٢١) عَن سُفْيَانَ بنَ حُسَينٍ قَالَ: (ذَكَرْتُ رَجُلًا بِسُوءٍ عِنْدَ إِياسَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَنَظَرَ فِي وَجْهِي، وَقَالَ: أَغَزَوتَ الرُّومَ؟! قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَالسِّنْدُ وَالهِنْدُ وَالتُّرْكُ؟! قُلْتُ: لَا، قَالَ: أَفَتَسْلَمُ مِنْكَ الرُّومُ وَالسِّنْدُ وَالهِنْدُ وَالتُّرْكُ وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْكَ أَخُوكَ المُسْلِمُ؟! قَالَ: فَلَمْ أَعُدْ بَعْدَهَا)، وَهُم بِنَيلِهِم مِنَ الشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ يُهْدُونَ لَهُ بَعْضَ حَسَنَاتِهِم، وَمِنَ الخَيرِ لَهُم أَنْ يُبْقُوا عَلَى تِلْكَ الحَسَنَاتِ وَأَنْ يَسْتَفِيدُوا مِنْ عِلْمِهِ، وَيُوَجِّهُوا سِهَامَهُم إِلَى غَيرِهِ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ تُوَجَّهَ إِلَيهِ، وَقَدْ وَقَفْتُ فِي كَلَامِهِ عَلَى مَا يُوَضِّحُ سَلَامَتَهُ مِنَ الإِرْجَاءِ" (٥). إِلَى آخَرِ مَا قَالَ ﵀. стр. 58
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ:
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلِ الإِيمَانُ مَخْلُوقٌ؟
الجَوَابُ: أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنِ الفَقِيهِ أَبِي اللَّيثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ (١)؛ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ الإِيمانَ إِقْرَارٌ وَهِدَايَةٌ، فَالإِقْرَارُ صُنْعُ العَبْدِ وَهُوَ مَخْلُوقٌ، وَالهِدَايَةُ صُنْعُ الرَّبِّ وَهُوَ غَيرُ مَخْلُوقٍ" (٢).
قُلْتُ: كَمَا تَلْحَظُهُ فَي قَولِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ أَوحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشُّورَى: ٥٣] فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ هَذَا الإِيمَانَ لَيسَ مِنْ فِعْلِ العَبْدِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ هِدَايَةُ الرَّبِّ المُنَزَّلَةُ مِن عِنْدِهِ. стр. 59
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا وَجْهُ عَدَمِ ذِكْرِ الحَدِيثِ لِلجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ ضِمْنَ هَذِهِ المَبَانِي الخَمْسَةِ؛ رُغْمَ عُلُوِّ شَانِهِ؟
الجَوَابُ هُوَ مِنْ أَحَدِ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ بَعْدُ.
٢ - أَنَّ الجِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ، وَلَيسَ بِفَرْضِ عَينٍ؛ بِخِلَافِ هَذِهِ الأَرْكَانِ (١).
٣ - أَنَّ الجِهَادَ لَا يَسْتَمِرُّ فِعْلُهُ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، بَلْ إِذَا نَزَلَ عِيسَى ﵇ وَلَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ مِلَّةٌ إِلَّا مِلَّةَ الإِسْلَامِ فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الحَرْبُ أَوزَارَهَا وَيُسْتَغْنَى عَنِ الجِهَادِ؛ بِخِلَافِ هَذِهِ الأَرْكَانِ فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِلَى أَنْ يَاتِيَ أَمْرُ اللهِ تَعَالَى وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ -نَقْلًا عَنِ ابْنِ بَزِيزَةَ (٢) -: "الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ: تَقْدِيمُ الجِهَادِ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ البَدَنِ؛ لِأَنَّ فِيهِ بَذْلَ النَّفْسِ، إِلَّا أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى المُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَأَدَائِهَا فِي أَوقَاتِهَا وَالمُحَافَظَةِ عَلَى بِرِّ الوَالِدَينِ أَمْرٌ لَازِمٌ مُتَكَرِّرٌ دَائِمٌ لَا يَصْبِرُ عَلَى مُرَاقَبَةِ أَمْرِ اللهِ فِيهِ إِلَّا الصِّدِّيقُونَ. وَاللهُ أَعْلَمُ" (٣). стр. 60
الحَدِيثُ الرَّابِعُ: (إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ … )
عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁؛ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ -وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ-: «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَومًا نُطْفَةً (١)، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيهِ المَلَكُ؛ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ (٢)، وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٍ؛ فَوَ اللهِ الَّذِي لَا إلَهَ غَيرُهُ (٣) إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ -حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ- فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ؛ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ -حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ- فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ؛ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٤). стр. 61
- هَذَا الحَدِيثُ هُوَ الحَدِيثُ الأَوَّلُ مِنْ كِتَابِ القَدَرِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- قَولُهُ: (الصَّادِقُ المَصْدُوقُ): أَي الصَّادِقُ فِي قَولِهِ؛ المَصْدُوقُ فِيمَا يَاتِيهِ مِنَ الوَحْي الكَرِيمِ (١)، وَهَذَا مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ هُوَ تَهْيِئَةٌ لِمَا سَيُذْكَرُ مِنْ أُمُورِ الغَيبِ.
وَفِيهِ الدِّلَالَةُ عَلَى فَضْلِ الصَّحَابَةِ؛ وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ مُؤْمِنٌ بِهِ مِنْ جِهَةِ صِدْقِ نَبِيِّهِ، وَمِنْ جِهَةِ صِدْقِ مَنْ أَخْبَرَهُ (٢).
- العَلَقَةُ: دُودَةٌ مَعْرُوفَةٌ تَعِيشُ فِي المِيَاهِ الرَّاكِدَةِ، وَهُنَا هِيَ الدَّمُّ الجَامِدُ الغَلِيظُ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِلرُّطُوبَةِ الَّتِي فِيهِا، وَلِتَعَلُّقِهَا بِمَا مَرَّتْ بِهِ.
وَالمُضْغَةُ هِيَ قِطْعَةُ اللَّحْمِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا بِقَدْرِ مَا يَمْضَغُ المَاضِغُ.
- كَونُ مَرْحَلَةِ النُّطْفَةِ وَالعَلَقَةِ وَالمُضْغَةِ كُلِّهَا وُفْقَ أَرْبَعِينَ يَومًا؛ لَا يَعْنِي مَثَلًا стр. 62
أَنَّ النُّطْفَةَ تَبْقَى كَمَا هِيَ نُطْفَةً دُونَ تَغَيُّرٍ أَرْبَعِينَ يَومًا! وَإِنَّمَا الحَالُ الغَالِبُ عَلَيهَا هِيَ هَيئَةُ النُّطْفَةِ، وَكَذَا العَلَقَةُ وَالمُضْغَةُ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ لَفْظُ الحَدِيثِ «يُجْمَعُ خَلْقُهُ» فَكُلٌّ مِنْهَا مَرْحَلَةُ جَمْعٍ.
- فِي الحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّفْخَ وَالكِتَابَةَ يَكُونَانِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَلَكِنَّ الكِتَابَةَ حَقِيقَةً تَكُونُ بَعْدَ قُرَابَةِ الأَرْبَعِينَ يَومًا لِلحَدِيثِ الصَّرِيحِ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ حُذَيفَةَ بْنِ أَسِيدٍ (١) مَرْفُوعًا «إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيلَةً بَعَثَ اللهُ إِلَيهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا، وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ؛ وَيَكْتُبُ المَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ
أَجَلُهُ؟ فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ؛ وَيَكْتُبُ المَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ رِزْقُهُ؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ؛ وَيَكْتُبُ المَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ المَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ؛ فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلَا يَنْقُصُ» (٢).
وَعَلَيهِ فَيَكُونُ تَرْتِيبُ الكِتَابَةُ بَعْدَ النَّفْخِ فِي حَدِيث البَابِ (٣) لَيسَ مِنْ بَابِ التَّرْتِيبِ الزَّمَنِيِّ، وَإِنَّمَا مِنْ بَابِ التَّرْتِيبِ الخَبَرِيِّ؛ وَذَلِكَ مِنْ أَجْل أَنْ لَا يَنْقَطِعَ سِيَاقُ أَطْوَارِ تَشَكُّلِ الجَنِينِ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ بِرِوَايَتِهِم بِالمَعْنَى الَّذِي يَفْهَمُونَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ المُرَادُ تَرْتِيبِ الإِخْبَارِ فَقَط لَا стр. 63
تَرْتِيبَ مَا أُخْبِرَ بِهِ" (١).
وَهَذَا لَهُ نَظَائِرُ فِي اللُّغَةِ، وَمِنْهُ قَولُ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السَّجْدَة: ٧ - ٩]، فَهُنَا أَخَّر ذِكْرَ نَفْخِ الرُّوحِ مَعَ أَنَّهُ بَينَهُمَا؛ لِأَجْلِ أَنْ يَتَنَاسَبَ ذِكْرُ الأَطْوَارِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا الإِنْسَانُ فِي تَكْوِينِهِ، وَهِيَ الطَّينُ ثُمَّ المَاءُ.
- أَلْفَاظُ تَكْوِينِ المَخْلُوقِ هِيَ: التَّصْوِيرُ، وَالخَلْقُ، وَالبَرْءُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ﴾ [الحَشْر: ٢٤].
فَالمُصَوِّرُ مَعْنَاهُ: الَّذِي يَجْعَلُ الشَّيءَ عَلَى هَيئَةِ صُورَةٍ مُخَطَّطَةٍ.
وَالخَلْقُ أَي: خَلْقُ الجَنِينِ؛ بِأَنْ يَجْعَلَ لَهُ مَقَادِيرَهُ مِنَ الأَطْرَافِ وَالأَعْضَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالبَرْءُ: أَنْ يَكُونَ تَامًّا، يَعْنِي: أَنْ يَبْرَأَ مَا سَبَقَ، وَهَذَا فِي الجَنِينِ وَاضِحٌ (٢). стр. 64
- قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّهُ بَعْدَ الاثْنَينِ وَالأَرْبَعِينَ
يَخْرُجُ عِلْمُ نَوعِ الجَنِينِ مِنْ كَونِهِ ذَكَرًا أَو أُنْثَى عَنِ اخْتِصَاصِ اللهِ تَعَالَى بِهِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى خَصَّ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ بِعِلْمِ خَمْسَةٍ مِنْ عِلْمِ الغَيبِ (١)؛ مِنْهَا: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لُقْمَان: ٣٤] فَيَخْرُجُ عِنْدَهَا عَنْ كَونِهِ غَيبًا بِتَعْلِيمِهِ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ لِلمَلَكِ.
وَمِثْلُهُ مَعْرِفَةُ الأَطِبَّاءِ بِمَا فِي الرَّحِمِ بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنْ تَكْوِينِهِ؛ فَهَذَا مَبْنِيٌ عَلَى أَنَّ اللهَ مَكَّنَهُم مِنْ ذَلِكَ؛ فَلَا يَسْتَقِلُّونَ بِهِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم! وَنَقَلَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) عَنِ القُرْطُبِيِّ ﵀ قَولَهُ: "أَنَّ هَذِهِ الخَمْسَ لَا سَبِيلَ لِمَخْلُوقٍ عَلَى عِلْمٍ بِهَا قَاطِعٍ، وَأَمَّا الظَّنُّ بِشَيءٍ مِنْهَا بِأَمَارَةٍ قَدْ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ فَلَيسَ ذَلِكَ بِمُمْتَنِعٍ، وَلَا نَفْيُهُ مُرَادٌ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ" (٢).
- الرُّوحُ جِسْمٌ لِأَنَّهَا تُنْفَخُ، وَتُقْبَضُ، وَتُحَنَّطُ وَ … ، وَلَكِنَّنَا لَا نَدْرِي مَاهِيَّتَهَا.
- لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنَ الحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ العَمَلِ وَالاعْتِمَادِ عَلَى القَدَرِ! بَلِ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيهِ هُوَ السَّعْيُ بِالعَمَلِ المُبَاحِ الصَّالِحِ المُوصِلِ لِلجَنَّةِ؛ لِأَنَّ الأَعْمَالَ أَسْبَابٌ لِلْخَوَاتِيمِ وَعَلَامَاتٌ لَهَا. стр. 65
كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁؛ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ». فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: «لَا؛ اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ». ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ إِلَى قَولِهِ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [اللَّيل: ٥ - ٧] (١).
وَفِي صَحِيْحِ ابْنِ حِبَّانَ فِي آخِرِ الحَدِيْثِ "قَالَ سُرَاقَةُ: فَلَا أَكُونُ أَبَدًا أَشَدَّ اجْتِهَادًا فِي العَمَلِ مِنِّي الآنَ" (٢).
وَكَمَا فِي الحَدِيثِ الآخَرِ: «إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ» (٣).
- قَولُهُ: «فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ»: أَي يَسْبِقُ عَلَيهِ عِلْمُ اللهِ تَعَالَى فِيهِ المُخَالِفُ لِظَاهِرِ الحَالِ؛ فَلَا يَقَعُ إِلَّا مَا يَعْلَمُهُ اللهُ تَعَالَى فِيهِ، وَلَا يَعني هَذَا أنَّهُ أُجْبِرَ عَلَى عَمَلِ أَهْلِ النَّارِ! وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ تَحَوُّلِ عَمَلِ الرَّجُلِ نَفْسِهِ؛ وَإِنَّمَا عِلْمُ اللهِ تَعَالَى سَابِقٌ لِعَمَلِ الرَّجُلِ.
قَالَ الشَّيخُ مُلَّا عَلِي القَارِيِّ ﵀: "فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ دُخُولَ النَّارِ لَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ تَعَلُّقِ العِلْمِ الإِلَهِيِّ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِ العَمَلِ المَخْلُوقِيِّ؛ فَلَا يَكُونُ جَبْرًا مَحْضًا وَلَا قَدَرًا بَحْتًا" (٤).
وَتَأَمَّلْ كَيفَ أَنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ أَوِ النَّارِ فِي الحَدِيثِ كَانَ مُعَلَّقًا بِالعَمَلِ وَلَيسَ стр. 66
بِمُجَرَّدِ سَبْقِ الكِتَابِ؛ حَيثُ قَالَ ﷺ : «فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ؛ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ … ».
وَفِي الحَدِيثِ «لَا عَلَيكُمْ أَنْ لَا تَعْجَبُوا بِأَحَدٍ حَتَّى تَنْظُرُوا بِمَ يُخْتَمُ لَهُ؛ فَإِنَّ العَامِلَ يَعْمَلُ زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ أَو بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهِ بِعَمَلٍ صَالِحٍ -لَو مَاتَ عَلَيهِ دَخَلَ الجَنَّةَ- ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا سَيِّئًا، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ البُرْهَةَ مِنْ دَهْرِهِ بِعَمَلٍ سَيّءٍ -لَو مَاتَ عَلَيهِ دَخَلَ النَّارَ- ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيرًا اسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ مَوتِهِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيفَ يَسْتَعْمِلُهُ؟ قَالَ: «يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيهِ» (١).
- لَا يَلْزَمُ مِنْ إِطْلَاقِ أَلْفَاظِ دُخُولِ النَّارِ -فِي كَثِيرٍ مِنْ نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ-؛ أَنَّ مَنْ يَدْخُلُهَا يَخْلُدُ فِيهَا أَبَدًا! كَمَا هُوَ المَعْرُوفُ مِنْ أَحَادِيثِ الشَّفَاعَةِ.
- أَحْوَالُ النَّاسِ بِالنِّسْبَةِ لِلبِدَايَاتِ وَالنِّهَايَاتِ أَرْبَعٌ:
١ - مَنْ بِدَايَتُهُ حَسَنَةٌ، وَنِهَايَتُهُ حَسَنَةٌ.
٢ - مَنْ كَانَتْ بِدَايَتُهُ سَيِّئَةٌ، وَنِهَايَتُهُ سَيِّئَةٌ.
وَهَاتَانِ الحَالَتَانِ هُمَا الأَصْلُ فِي أَعْمَالِ النَّاسِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَو أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النَّحْل: ٩٧].
وَكَمَا سَبَقَ فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ».
٣ - مَنْ بِدَايَتُهُ سَيِّئَةٌ، وَنِهَايَتُهُ حَسَنَةٌ، كَسَحَرَةِ فِرْعَونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى، وَكَاليَهُودِيِّ الَّذِي كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ؛ وَعَادَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِهِ وَعَرَضَ стр. 67
عَلَيهِ الإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» (١)، وَكَمَا فِي حَدِيثِ البَابِ.
٤ - مَنْ كَانَتْ بِدَايَتُهُ حَسَنَةٌ، وَنِهَايَتُهُ سَيِّئَةٌ، كَالذِي نَشَأَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ؛ وَقَبْلَ المَوتِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ وَمَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ، وَكَمَا فِي حَدِيثِ البَابِ.
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ دَقِيق العِيد ﵀: "المُرَادُ: أَنَّ هَذَا قَدْ يَقَعُ فِي نَادِرٍ ِمِنَ النَّاسِ؛ لَا أَنَّهُ غَالِبٌ فِيهِم! وَذَلِكَ مِنْ لُطْفِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَسَعَةِ رَحْمَتِهِ؛ فَإِنَّ انْقِلَابَ النَّاسِ مِنَ الشَّرِّ إِلَى الخَيرِ كَثِيرٌ، وَأَمَّا انْقِلَابُهُم مِنَ الخَيرِ إِلَى الشَّرِّ فَفِي غَايَةِ النُّدُورِ (٢)، وَللهِ الحَمْدُ وَالمِنَّةُ عَلَى ذَلِكَ" (٣). стр. 68
- فِي الحَدِيثِ فَوَائِدُ؛ مِنْهَا:
١ - الإِيمَانُ بِعِلْمِ اللهِ تَعَالَى السَّابِقِ لِكُلِّ شَيءٍ.
٢ - الإِيمَانُ بِنَوعٍ مِنَ الكِتَابَةِ هِيَ الكِتَابَةُ العُمْرِيَّةُ الَّتِي يَكْتُبُهَا المَلَكُ (١).
٣ - الإِيمَانُ بِأَنَّ هُنَاكَ مَلَكًا يَكْتُبُ هَذِهِ الأُمُورَ الأَرْبَعَةَ، وَأَنَّ هُنَاكَ مَلَكًا آخَرَ يَنْفُخُ الرُّوحَ (٢).
٤ - الإِيمَانُ بِأَنَّ نَفْخَ الرُّوحِ يَكُونُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (٣)، وَهُوَ مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ غَسْلِ المَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيهِ كَالكَبِيرِ (٤).
وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الحِكْمَةِ مِنْ كَونِ عِدَّةِ المَرْأَةِ المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
٥ - بَيَانُ قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَى الخَلْقِ، وَتَفْصِيلُ تَكْوِينِهِ سُبْحَانَهُ لِلإِنْسَانِ، وَتَدَرُّجِ الإِنْسَانِ فِي تِلْكَ المَرَاحِلِ، وَدِلَالَةُ ذَلِكَ عَلَى المَعَادِ (٥).
٦ - الحَضُّ عَلَى السَّعْي المُبَاحِ خَلْفَ الرِّزْقِ؛ فَإِنَّ لِكُلِّ عَبْدٍ مَا قُدِّرَ لَهُ، كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ؛ تَسْأَلُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا! فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» (٦). стр. 69
٧ - تَرْكُ التَّعَلُّقِ بِالأَسْبَابِ لِأَنَّ الرِّزْقَ مُقَدَّرٌ عَلَى العَبْدِ، وَعَلَيهِ يَكُونُ التَّعَلُّقُ بِاللهِ وَحْدَهُ خَالِقِ الأَسْبَابِ.
٨ - عَدَمُ الاغْتِرَارِ بِكَثْرَةِ الأَعْمَالِ؛ بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّعْوِيلِ عَلَى رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنْ لَا يَامَنَ المَرْءُ مِنَ الكُفْرِ بَعْدَ الإِيمَانِ.
٩ - عَدَمُ القُنُوطِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى بِسَبَبِ كَثْرَةِ المَعَاصِي؛ بَلْ إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ تَعَالَى وَمَغْفِرَتَهُ أَوسَعُ مِنْ مَعَاصِ العَبْدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزُّمَر: ٥٣].
١٠ - أَنَّ الأَعْمَالَ بِالخَوَاتِيمِ (١)، كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا أَكْثَرَ دُعَائِكَ: يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ؟ قَالَ: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ؛ إِنَّهُ لَيسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَينَ أُصْبُعَينِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ؛ فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ» (٢).
١١ - أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى شَيءٍ؛ حُكِمَ لَهُ بِهِ مِنْ خَيرٍ أَو شَرٍّ، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَ المَعَاصِي تَحْتَ المَشِيئَةِ.
١٢ - أَنَّ التَّوبَةَ تَهْدِمُ مَا قَبْلَهَا (٣).
١٣ - فِي الحَدِيثِ جَوَازُ القَسَمِ عَلَى الخَبَرِ الصَّادِقِ لِتَاكِيدِهِ فِي نَفْسِ السَّامِعِ. стр. 70
مَسَائِلُ عَلَى الحَدِيثِ:
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ مِنْ مَعْنَى الإِيمَانِ بِالقَدَرِ تَرْكُ العَمَلِ، وَالاتِّكَالُ عَلَى مَا كُتِبَ فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ؟ وَهَلْ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ لِلعَاصِي عَلَى مَعْصِيَتِهِ؟
الجَوَابُ: لَا، وَذَلِكَ لِسَبَبَينِ:
١ - دَلِيلٌ أَثَرِيٌ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالعَمَلِ رُغْمَ وُجُودِ الكِتَابَةِ وَفِي نَفْسِ الحَدِيثِ، وَهُوَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁؛ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَأَتَانَا
رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَولَهُ -وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ-، فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، وَمَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَو سَعِيدَةً»، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ؛ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ قَالَ:
«أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ؛ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ؛ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [اللَّيل: ٥ - ٧]. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (١) (٢). стр. 71
٢ - دَلِيلٌ نَظَرِيٌّ: أَنَّهُ يُقَالُ لِهَذَا الرَّجُلِ العَاصِي: مَا الَّذِي أَعْلَمَكَ أَنَّ اللهَ كَتَبَكَ مُسِيئًا؟ هَلْ تَعْلَمُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَعْمَلَ الإِسَاءَةَ؟! فَجَوَابُهُ حَتْمًا هُوَ النَّفْيُ؛ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ هُوَ نَفْسَهُ اخْتَارَ ذَلِكَ.
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَاسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأَنْعَام: ١٤٨، ١٤٩] حَيثُ جَعَلَ تَعَالَى عَدَمَ عِلْمِهِم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ حُجَّةً بِالِغَةً عَلَيهِم.
وَقَالَ تَعَالَى أَيضًا عَنْهُم: ﴿وَقَالُوا لَو شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٠] (١). стр. 72
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: كَيفَ الجَمْعُ بَينَ حَدِيثِ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (١) مَعَ الأَحَادِيثِ الكَثِيرَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي فِيهَا كِتَابَةُ أَجَلِ الإِنْسَانِ عَلَيهِ، وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ المَرْفُوعُ فِي الصَّحِيحَينِ الَّذِي فِيهِ «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَومًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٍ» (٢)؛ وَذَلِكَ فِي كَونِ الأَجَلِ مَكْتُوبًا، وَفِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ بَيَّنَ أَنَّهُ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ (٣)! وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يُونُس: ٤٩]؟
الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ هَذَا أَمْرٌ غَيبِيٌّ لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرِيعَةِ، فَيَجِبُ إِثْبَاتُ كِلَا الأَمْرَينِ، فَنَقُولُ: العُمْرُ مَكْتُوبٌ؛ وَهُوَ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ بِسَبَبِ هَذِهِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
٢ - أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ دَلَّتْ أَصْلًا عَلَى إِمْكَانِيَّةِ حُصُولِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَوِ النُّقْصَانِ فِي الأَعْمَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [فَاطِر: ١١] (٤). стр. 73
٣ - أَنَّ هَذِهِ الكِتَابَةَ لَا تُنَافِي وُجُودَ الزِّيَادَةِ أَصْلًا فِي الأَعْمَارِ تَبَعًا لِهَذَهِ الأَسْبَابِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الكِتَابَةَ مَقْطُوعٌ بِهَا بِاعْتِبَارِ الخَاتِمَةِ وَالنِّهَايَةِ؛ فَلَا يَمْنَعُ أَصْلًا أَنْ تَكُونَ مُعْتَبَرَةً ضِمْنَ هَذِهِ الكِتَابَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [فَاطِر: ١١] (١). стр. 74
وَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾
[الرَّعْد: ٣٩] (١) (٢)
٤ - أَنَّ التَّبْدِيلَ هُوَ حَاصِلٌ بِدِلَالَةِ صَرِيحِ الحَدِيثِ لَكِنَّهُ يَكُونُ فِي صُحُفِ المَلَائِكَةِ؛ بِخِلَافِ مَا هُوَ فِي عِلْمِ اللهِ تَعَالَى أَو فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ فَهُوَ لَا يَتَغَيَّرُ (٣). стр. 75
كَمَا ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ -وَهُوَ يَطُوفُ بِالبَيتِ وَيَبْكِي-: "اللَّهُمَّ! إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ شِقْوَةً أَو ذَنْبًا؛ فَامْحُهُ؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الكِتَابِ؛ فَاجْعَلْهُ سَعَادَةً وَمَغْفِرَةً" (١). следующие страницы →