والحوض في عرصات القيامة، قبل دخول الجنة، يرد عليه المستمسكون بسنته ﷺ ، فمن شرب منه لم يظمأ بعدها أبدًا (١)؛ لأنه يصير إلى الجنة، وعنده أنهارها: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه]، فليس فيها ظمأ ولا جوع؛ لأن كل مطالب النفوس موجودة فيها، ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]، ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد: ١٥]، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، في آيات كثيرة.
ومما جاء في أحاديث الحوض أنه: «يشخب فيه ميزابان من الجنة» (٢)، ميزابان يصبان فيه - الله أعلم بقدرهما وصفتهما - من نهر الكوثر الذي أعطاه الله محمدًا ﷺ وأكرمه به، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر]، والمعتمد في تفسيره: أنه نهر في الجنة أكرمه الله به، ففي حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أتدرون ما الكوثر؟» فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم» (٣).
стр. 177
فيجب الإيمان بما دلت عليه هذه الأخبار، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، ولهذا قال الطحاوي: «والحوض الذي أكرمه الله تعالى به - غِياثًا لأمته - حقٌّ».
وورد في حديث رواه الترمذي أن النبي ﷺ قال: «إن لكل نبي حوضًا» (١)؛ ولكن أعظمها حوض نبينا ﷺ ؛ لأن المؤمنين من أمته ﷺ هم أضعاف أضعاف المؤمنين من سائر الأمم، فكثرة أتباعه ﷺ والمؤمنين به يقتضي أن يكون حوضه أعظم الموارد.
وتكلم بعض العلماء في شأن ترتيب الحوض مع بعض أمور القيامة، هل يكون قبل الميزان أو بعده؟ وهل هو قبل الصراط أو بعده؟
والشارح ابن أبي العز (٢) نقل عن القرطبي (٣): أنه قبل الميزان، وعلل هذا بأن الناس يبعثون من قبورهم عطاشًا، فيقدم قبل الميزان والصراط.
وهذا لا يكفي دليلًا، وما الدليل على أن المؤمنين الذين هم أهل الورود يبعثون عطاشًا؟!
فهذه المسألة يجب الإمساك عن الكلام فيها، فلا نقول: قبل ولا بعد، فالله أعلم، هذه أمور غيبية، ولا يجزم بشيء منها إلا بحجة وبرهان.
стр. 178
وأما كونه قبل الصراط أو بعد الصراط فهذا فيه تأمُّل، و استدل من قال: إنه قبل الصراط: بأنه ثبت أنه يَرِد عليه من يُذاد عنه ممن استوجب العذاب، وهؤلاء لا يجاوزون الصراط.
واختار ابن القيم: بعد أن حكى القولين أنه لا يمتنع أن يكون قبل الصراط وبعده، فإن طوله شهر وعرضه شهر، فإذا كان بهذا الطول والسعة، فما الذي يحيل امتداده إلى ما وراء الصراط، فيردونه قبل وبعد (١).
والأمر محتَمل. والله أعلم.
* * *
стр. 179
إثبات شفاعته ﷺ لأمته، وذكر الشفاعة الخاصة به
وقوله: «والشفاعة التي ادخرها لهم حقٌّ، كما رُوي في الأخبار».
أي: الشفاعة التي ادخرها النبي ﷺ لأمته يوم القيامة، كما صح بذلك الحديث فقد قال ﷺ : «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجَّل كل نبي دعوته، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة - إن شاء الله - من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا» (١)، فهذه الشفاعة في أهل الكبائر، وهي إحدى شفاعات نبينا ﷺ ؛ فإن له ﷺ عدة شفاعات:
أولها وأعظمها: شفاعته في أهل الموقف أن يقضى بينهم، وهي المقام المحمود الذي خصه الله به في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء]، وجاء في الحديث في الدعاء بعد الأذان: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدتَه، حَلَّت له شفاعتي يوم القيامة» (٢).
وقد تواترت الأحاديث (٣) في ذكر استشفاع الناس بآدم وأولي العزم من الرسل أن يشفعوا لهم عند الله أن يريحهم مما هم فيه من الكرب والشدة وأهوال الموقف.
стр. 180
وهذه الشفاعة لا ينكرها أحد من أهل البدع؛ لأنها لا تناقض شيئًا من أصولهم.
والثانية: شفاعته ﷺ في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فبعدما يجوزون الصراط يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار فإذا هُذِّبُوا ونُقُّوا أُذِن لهم بدخول الجنة (١)، ثم إنهم لا يدخلون إلا بشفاعته ﷺ (٢).
وهاتان الشفاعتان خاصتان به ﷺ .
والثالثة: شفاعته ﷺ فيمن دخل النار من عصاة الموحدين أن يخرج منها، وهذا جاء صريحًا في الأحاديث، وأنه ﷺ يشفع أربع مرات، وفي كل مرة: يسجد ﷺ لربه ويدعو ويستشفع فيقال له: «ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. ثم أشفع؛ فيَحُدُّ لي حدًّا فأخرجهم من النار» (٣).
وتواترت الأحاديث (٤) بأنه يخرج من النار بهذه الشفاعات من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال خردلة، أو شعيرة، أو بُرَّة أو ذرة من إيمان، وأنهم يخرجون من النار وقد صاروا حُمَمًا - أي: مثل الفحم - فَيُلْقَون في نهر بأفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فَيَنْبُتُون كما تنبت الحِبَّة في حميل السيل (٥).
стр. 181
وهذه الشفاعة في أهل التوحيد لا تختص بالرسول ﷺ لكن له من ذلك النصيب الأكبر والأعظم، فمن يخرج بشفاعته ﷺ أكثر ممن يخرج بشفاعة غيره، وإلا فإنه «تشفع الملائكة، ويشفع النبيون، ويشفع المؤمنون» كل يشفع حسب ما يُحَدُّ له، فإنه لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه .
وهذه الشفاعة تنكرها الخوارج والمعتزلة (١)؛ لأنها تناقض مذهبهم في تخليد أهل الكبائر في النار، فهم يقولون: إن أهل الكبائر مخلدون في النار، ويستحيل أن يخرجوا منها، واستدلوا بمثل قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر]، ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ [غافر].
والشفاعة في إخراج عصاة الموحدين هي التي أشار إليها المؤلف؛ لأنها هي محل النزاع بين أهل السنة والخوارج والمعتزلة.
والرابعة: شفاعته ﷺ في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب، فقد سأله عمه العباس ﵁ فقال: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: «نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» (٢).
فأبو طالب بشفاعته ﷺ صار من أهون أهل النار عذابًا.
وبهذه يُعلم أن الشفاعة التي تذكر لها الشروط هي الشفاعة في خروج أهل التوحيد من النار، وهي متوقفة على شرطين:
стр. 182
إِذْن الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له، وذلك بأن يكون من أهل التوحيد، قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم]، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء]، فلا يَرِد على ذلك شفاعة النبي ﷺ في أبي طالب؛ فإنها ليست شفاعة في خروجه من النار، بل هي شفاعة في تخفيف العذاب عنه.
* * *
стр. 183
إثبات الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم
وقوله: «والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حقٌّ».
الميثاق: عهدٌ مؤكَّد، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّنَ﴾ [آل عمران: ٨١]، ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ١٢].
الميثاق: العهد الذي أخذه الله على آدم وذريته يوم استخرجهم من ظهره مثل الذر، ثم استنطقهم فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وهذاالميثاقاستُدِللهبقولهتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ [الأعراف] الآيات، واستُدِل له بأحاديث عديدة جاءت في المسند والسنن (١)، وفيها: أن الله تعالى مسح ظهر آدم واستخرج ذريته أمثال الذر، وفي بعضها: أن الله استنطقهم ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾.
стр. 184
والأحاديث التي فيها استخراج ذرية آدم من ظهره كثيرة (١)، وبعضها يشهد لبعض؛ لكن الرواية التي فيها أنه استنطقهم وأشهدهم على أنفسهم فيها مقال لأهل الحديث؛ فمنهم من لا يثبت هذه الرواية كما ذكر الشارح ابن أبي العز (٢)، وأصح ما ورد في شأن الميثاق الحديث الذي في الصحيحين عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ : «إن الله يقول لأهون أهل النار عذابًا: لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي، فأبيت إلا الشرك» (٣).
الشاهد: «قد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي، فأبيت إلا الشرك»، هذا أصح ما استدل به على الميثاق الأول.
ومن الناس من لا يُثبِت هذا الميثاق، ويقول: هذا الميثاق لا يذكره أحد من الناس، وليس فيه حجة على أحد.
والجواب عن هذا: نعم ليس حجة وحده، ولا يستوجب من خالفه بمجرده العذاب، إنما يستوجب العذاب من جاءته الرسل، وبلَغَتْه دعوة الحق.
وأما الآية ففيها نزاع، هل هي في الميثاق الأول الذي أخذه الله على آدم وذريته يوم استخرجهم من ظهره؟
стр. 185
في ذلك رأيان:
أكثر المفسرين على أنها في هذا الشأن.
ومنهم من يرى أنها في معنى آخر، وأن المراد منها ميثاق الفطرة التي فطر الله عليها عباده.
ورجح ذلك ابن القيم بوجوه (١)، منها:
أن الله تعالى قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ ولم يقل: من آدم.
وقال تعالى: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ ولم يقل: من ظهره.
وقال تعالى: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ولم يقل: ذريته.
والمراد استخراجهم جيلًا بعد جيل، من ظهور آبائهم، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ بما نصبه من الأدلة على ربوبيته سبحانه وإلهيته، وفطر عباده على وحدانيته، وقال النبي ﷺ : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة» (٢).
فالآية في ميثاق الفطرة، ومع ذلك هذا الميثاق لم يجعله الله بمجرده هو الحجة على العباد، نعم هو من جملة الحجج؛ لكن الحجة الكبرى هي: إرسال الرسل، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء]، وقال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، فبالرسل قطع الله المعذرة، وقال النبي ﷺ : «لا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل
стр. 186
ذلك بعث المبشرين والمنذرين» (١)، فالحجةُ القاطعةُ لحجةِ العباد على ربهم هي: إرسال الرسل، وما هذه المواثيق، وهذه الآيات إلا من حجج الرسل عليهم، ولهذا يحتج الرسل على أممهم فيما أنكروه بما أقروا به، فيحتجون عليهم بإقرارهم بربوبيته تعالى، وأنه خالقهم وخالق السماوات والأرض، يحتجون عليهم بهذا الإقرار على وجوب عبادته تعالى وحده دون ما سواه، ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩].
ومما تقدم يتبين أن ما ذكر الله هو موجب الدليل، كما في حديث أنس ﵁ في الصحيحين (٢)، وكما دلت عليه الشواهد من الأحاديث الأخرى، فالميثاق الأول حق، ولكن ليس هو الحجة القاطعة للمعذرة على المكلفين، وإنما هو مما يَحْتَجُّ به الرسل على أممهم، وذلك بتذكيرهم إياه وإخبارهم به.
* * *
стр. 187
وجوب الإيمان بالقدر بمراتبه الأربع
وقوله: «وقد عَلِم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يُزاد في ذلك العدد، ولا يُنقَص منه، وكذلك أفعالهم فيما عِلَم منهم أن يفعلوه، وكلٌّ ميسر لما خُلِق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله».
الأصل السادس من أصول الإيمان: الإيمان بالقدر. والإيمان بالقدر يشمل أربعة أصول، وهي التي تسمى مراتب الإيمان بالقدر:
المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله السابق: وهو الإيمان بأن الله علم بعلمه القديم كل ما يكون، فعَلِمَ العباد وأعمالهم وأحوالهم وطاعاتهم ومعاصيهم بعلمه القديم الأزلي الذي لم يحدث بعد أن لم يكن؛ فإنه تعالى لم يزل عالمًا بما سيكون.
المرتبة الثانية: الإيمان بكتابة المقادير: وهو الإيمان بأن الله قدَّر مقادير الخلق، وكتب ذلك على وفق ما عَلِم قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عند مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض» (١)، والآيات الدالة على هاتين المرتبتين
стр. 188
كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١].
المرتبة الثالثة: الإيمان بعموم مشيئة الله: وهو أنه لا خروج لشيء عن مشيئة الله، فكل ما يجري في الوجود فهو بمشيئة الله، فكل حركة وسكون، وكل تغير بوجود أو عدم أو زيادة أو نقص على أي وجه كل ذلك بمشيئة الله، قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ [البروج]، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم]، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩].
والمرتبة الرابعة: الإيمان بعموم خلقه، ومعناه: أن الله خالق كل شيء، فكل موجود فهو مخلوق لله، قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
هذه أربع مراتب لا بد أن تكون مستقرة في ذهن المسلم. والمؤلف ذكر عبارات كثيرة تتعلق بتقرير الإيمان بالقدر في حدود هذه المراتب المذكورة؛ لكنه نوَّع العبارات وذكر جزئيات وتفصيلات، وفرَّق الكلام في القدر، فقد تقدم (١) قوله: «خلق الخلق بعِلمه، وقدر لهم أقدارًا، وضرب لهم آجالًا، ولم يَخْفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعَلِم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم»، وذكر المشيئة (٢) وأن «كل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم»، وهنا ذكر أيضًا
стр. 189
بعض التفصيلات في إطار مراتب القدر المتقدمة، فقال: «وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يُزاد في ذلك العدد ولا يُنقَص منه»؛ لأنه إذا زاد أو نقص لزم منه تغير علم الله، وأن الله لم يعلم ما سيكون، لا، بل قد فُرغ من الأمر، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار» الحديث (١).
وهذا المعنى الذي ذكره مستمد من النصوص، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة]، فوَصْفه تعالى بالعلم التام يقتضي أنه سبحانه يعلم ما سيكون تمامًا من كل الوجوه، يعلم من يدخل الجنة وعددهم ومنازلهم ومراتبهم بعِلم مفصل، وليس عِلمًا إجماليًّا.
وقوله: «فلا يُزاد في ذلك العدد ولا يُنقَص منه».
بل العِدَّة قد انقضت، فعدة البشر قد سبق علم الله وكتابه بها من آدم إلى آخر من يخلقه الله من هذا الجنس البشري.
وقوله: «وكذلك أفعالهم فيما عَلِم منهم أن يفعلوه».
وكذلك علم أفعالهم: طاعاتهم ومعاصيهم وما ليس بطاعة ولا معصية، قد أحصاه، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ [الجن].
وقوله: «وكلٌّ ميسر لما خلق له».
لما أخبر الرسول ﷺ بأنه «ما من نفس إلا وقد علم مكانها من الجنة ومكانها من النار»، قال رجل: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال:
стр. 190
«اعملوا؛ فكلٌّ ميسر، أما أهل السعادة، فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة، فييسرون لعمل أهل الشقاوة» (١)، وسئل النبي ﷺ : أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: «لا؛ بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس] (٢)»، ومعنى ذلك أن الله تعالى يُجري الأمور على وفق ما سبق به علمه وكتابه، فيُيسر للعبد طريقه ويجعله مهيئًا سالكًا وهو يسلكه باختياره ومشيئتِه، ولكنْ مشيئتُه واختياره محكومان بمشيئة الرب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير]، فإذا أطاع العبد ربه فبتوفيقٍ وتيسيرٍ منه تعالى لعبده، وإذا فعل العبد المعصية فبعدم ذلك التوفيق، وعدمُ هذا التوفيق هو تيسيرٌ لذلك العمل.
وهناك سؤال يجري على ألسن بعض الناس يقولون: الإنسان مسير أم مخير؟
وهذا من الألفاظ التي لم ترد في النصوص فلا بد فيها من التفصيل، فمن أراد أنه «مخير» بمعنى أنه له مشيئة واختيار؛ فنعم، وإن أراد أنه مخير أنه يتصرف بمحض مشيئته خارجًا عن مشيئة الله وقدرته فهذا باطل، فلا خروج لأحد عن قدرة الله ومشيئته، وكذلك «مسير»؛ فإن
стр. 191
أراد بمسير أنه في جميع أموره يتحرك بتدبير الله وتقديره ومشيئته فنعم، وإن أراد أنه مسير لا اختيار له ولا مشيئة؛ بل هو مجبور؛ فهذا باطل (١).
وقوله: «والأعمال بالخواتيم».
أي: أن المعتبر في مصير العبد هو ما يختم له به، فقد يعيش الإنسان عمرًا طويلًا وهو في أعمال الكفر والضلال والعصيان، ثم يدركه ما سبق به الكتاب، فيؤمن ويموت، فيُختَم له بالإيمان والعمل الصالح، كحادثة سحرة فرعون أمضوا حياتهم كلها في عبادة فرعون، وعمل السحر، ولما رأوا الآيات أشرق الإيمان في قلوبهم، ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)﴾ [الشعراء]، وقوله تعالى حكاية عن قول فرعون لهم: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه]، تحولوا من الكفر الذي هو من أغلظ الكفر إلى هذه المرتبة من الإيمان، فصاروا إلى كرامة الله، فختم لهم بذلك العمل. وشواهد هذا كثيرة.
وكم من كافر يسلم ثم ينضم إلى صف المسلمين فيقاتِل ويُقتَل ولم يعمل قبلها شيئًا؛ لكنه آمن بالله ورسوله إيمانًا صادقًا، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيُقتَل، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد» (٢)، وفي حديث ابن مسعود ﵁ في الصحيحين: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يُجمع خلقه
стр. 192
في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. قال: فوالله الذي لا إله غيره، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (١)، فالعبرة بالخواتيم، ماذا ينفع من كان دأبه الإحسان إذا تحول وتغير وانقلب من الإحسان إلى العدوان، فبعد أن كان محسنًا مصلحًا صار ظالمًا مفسدًا، فمن كان مؤمنًا مدة طويلة، ثم صار كافرًا، فكفره يحبط ما قبله.
ولهذا من أهم ما يجب أن يهتم به المسلم أمر الخاتمة، فيسأل ربه الثبات أولًا؛ لأن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، ومن دعاء النبي ﷺ : «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (٢)، وهذا يتضمن سؤال حسن الخاتمة، والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران:]، أي: استقيموا على الإسلام حتى يأتيكم الموت وأنتم على ذلك، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر]. ومن دعاء الصالحين: سؤال الوفاة على الإسلام، كما قال السحرة بعد التوبة: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾ [الأعراف]، ويوسف ﵇
стр. 193
يقول: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف]، وهذا كله من سؤال الله حسن الخاتمة.
وقوله: «والسعيد من سَعِد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله».
السعيد هو الذي يفوز بمطلوبه ومحبوبه، وينجو من مرهوبه ومكروهه، وهو من يظفر بالكرامة ويفوز بالنعيم المقيم، والشقي ضده، وهو الذي يفوته المطلوب والمحبوب، ويبوء بالمكروه والمرهوب، هو الذي يصير إلى عذاب الله الأليم المهين قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود].
فالسعادة والشقاوة مقضيان ومُقَدَّران، وفي الحديث الذي تقدم ذكره (١): «أن الملك يؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد»، وهذا لا يعني أن الإنسان يصير شقيًّا بدون أسباب الشقاوة، ويصير سعيدًا بدون أسباب السعادة، لا؛ بل للشقاوة أسباب، وللسعادة أسباب، فالسعادة سببها توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، وطاعته وطاعة رسله، هذه أسس السعادة؛ إيمان وتقوى، وعمل صالح، ولا تكون السعادة بدون ذلك أبدًا، كما قال النبي ﷺ : «إنه لن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة» (٢)،
стр. 194
فالسعادة موقوفة على أسبابها والشقاوة موقوفة على أسبابها، فالشقاوة سببها الكفر والعصيان والشرك والظلم والفسق والعدوان، فلا يدخل النار أحد إلا بالأسباب الموجبة لدخولها، ولا يدخل الجنة أحد إلا بالأسباب المقتضية لدخولها، والكل قد سبق به علم الله وقضاؤه وكتابه، فلا بد من استحضار هذه الحقائق، فالشقاوة لا تكون بلا سبب، فمن سبق قضاء الله في شقاوته فلا بد أن تقوم به أسباب الشقوة، ومن سبق قضاء الله بسعادته؛ فلا بد أن تقوم به أسباب السعادة.
ومقام الكلام في القدر من المقامات العظيمة التي تموج فيها الأفكار والأقوال موجًا؛ ولكن المُعتصَم الذي به النجاة من الزلل في هذه المسالك وهذه المتاهات التي ضل فيها أكثر الخلق، هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإذا أشكل عليك أمر ولم تدركه بعقلك الناقص القاصر؛ فاعتصِمْ بالله وبكتابه، وحسبُك.
وهذا الأصل العظيم مع ما يذكر فيه من تفاصيل بعض المسائل يقوم على المراتب الأربعة المتقدمة، ولا بد مع الإيمان بالقدر من الإيمان بالشرع والإيمان بحكمة الرب، فهذه ثلاثة أصول لا بد من التحقق بها، وتقدم أن المؤلف ذكر الأصلين: الإيمان بالشرع والقدر بعدما ذكر بعض الجوانب في القدر قال: «ولم يخفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته» (١).
* * *
стр. 195
عجز الخلق عن معرفة حِكَمِ وأسرار القدر
وقوله: «وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يَطَّلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل».
قدر الله وقضاؤه الشامل النافذ له حِكَمٌ و أسرار لا سبيل للخلق إلى معرفتها، فإن الخلق لا يحيطون به تعالى علمًا، لا بذاته ولا صفاته ولا أفعاله ولا بحكمته في خلقه وأمره، وما دام أن الله تعالى قد استأثر بذلك؛ فلا تطلب ما لا سبيل إلى معرفته، فالله قد استأثر بعلم كيفية صفاته فلا تطلب معرفة ذلك، ولا تسأل: كيف استوى؟ وكيف يغضب؟ وكيف ينزل؟ كل ذلك غير معقول لنا، ولا يمكن لعقولنا أن تصل إليه، كذلك أمر القدر، فالله قد استأثر بعلم أسرار القدر، وحِكَمه في أقداره على التفصيل.
فالأشياء التي نبهت عليها النصوص قد تُدرَك بالتدبر؛ لكن تأمَّلْ في خلق الله، هذا يجعله غنيًّا وهذا فقيرًا وهذا بين ذلك، وهذا مؤمنًا مهتديًا، وهذا ضالًّا، وهذا عاصيًا، وفي الخلق طويل وقصير، وجميل ودميم، وكل التفاوتات التي تلاحظها، أغنى الله هذا دون ذاك، وأفقر هذا دون ذاك، وجعل هذا طويلًا، وهذا قصيرًا، وجعل هذا عاقلًا، وهذا غير عاقل، وفي الناس: معتوه، وبليد وذكي، ويولد للإنسان العدد من
стр. 196
الأولاد وأمهم واحدة، وتتفاوت خلقتهم وأخلاقهم وعقولهم وحظوظهم، ابحثْ عن أسرار هذه التخصيصات لا تجدُ إلى ذلك سبيلًا.
وقوله: «لم يَطَّلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل».
فكيف بمن دونهم؟ إذا كان الرسل الذين هم صفوة الخلق، والمقربون من الملائكة، لم يطلعوا على سر القدر، فهذا يؤكد أن ذلك مما استأثر الله به واختص بعلمه، فسِرُّ القدر من الغيب المطلق؛ لأن الغيب نوعان: غيب مطلق، وغيب نسبي.
فالغيب النسبي: الذي يعلمه بعض الخلق دون بعض، فهو غيب بالنسبة لمن لم يعلمه، وغيب مطلق لا يعلمه إلا الله كما في الدعاء المعروف: «أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (١)، فالسر القدري من الغيب المطلق الذي اختص الله به، لم يُطْلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا؛ لأنهم لا علم لهم إلا ما علَّمهم الله: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء].
* * *
стр. 197
البحث في أسرار القدر سبب للضلال
وقوله: «والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسُلَّم الحرمان، ودرجة الطغيان».
التعمق: التكلف في البحث. والنظر: التفكر.
فالتعمق والنظر في أسرار القدر والبحث عن ذلك، يقول المؤلف إنه: «ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان»، هذه كلمات متقاربة مقصودها: أن التعمق والنظر سبب الشقاء والهلاك، والمصنف من منهجه في هذه الرسالة أنه يتحرى السجع، وتنويع العبارات.
والخذلان: عدم التوفيق، ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، فالتعمق والنظر في أسرار القدر سبب لخذلان العبد وعدم توفيقه وحرمانه من الاستقامة، وسبب للطغيان فالذي يبحث ويخوض ويتعمق قد طغى وتعدى حدَّه، قِفْ فأنت عبد ضعيف، ومحدود الإدراك، ولا تطلبْ ما ليس لك، ولا تَرُمْ ما لا سبيل لك إليه ولا قدرة لك عليه.
فالتعمق والنظر سبب لكل شر وشقاء وهلاك، فإنه يضرب في متاهة لا ينتهي فيها إلى حدود.
стр. 198
وقوله: «فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسة؛ فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء]».
يؤكد المؤلف ما سبق، فبعدما بين خطورة الخوض في أسرار القدر بالكلمات السابقة قال: فالحذر كل الحذر من التعمق والبحث في أسرار القدر «نظرًا وفكرًا ووسوسة»، والنظر والفكر بمعنى: التفكير.
والوسوسة دون ذلك، فقد تكون بداية التفكر والنظر، «فالحذرَ» منصوب على الإغراء، أي: الزم الحذر والخوف أيها المسلم العاقل الناصح لنفسك.
والوسوسة هي: إلقاء المعاني في القلب، فالشيطان يوسوس فيلقي معاني الشبهات، ومعاني الشهوات في القلب مثل البذر، فوساوس الشيطان هي البذرة الأولى للشرور كلها؛ لكن هذه الوساوس قد تموت في مكانها إذا وُفِّق الإنسان لدفعها، وتعوذ بالله منه فإنها تنتهي، وقد يثمر تفكيرًا وتفكُّرًا، ثم قد يثمر كلامًا وعملًا، فكل الشرور التي تُشاهَد بالعيون وتُسمَع بالآذان كلها نابتة من ذلك الوسواس، والله تعالى قد أنزل سورة ليتحصن بها المسلم من ذلك الوسواس الخناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾، وسبقت الإشارة إلى الحديث الذي ورد في شأن الوسواس: «يأتي الشيطانُ أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من
стр. 199
خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينْتَهِ» (١) فالشيطان يلقي في القلوب أخبث الوساوس؛ لكن المؤمن الموفق يدفعها باعتصامه بربه وبلجوئه إلى مولاه، ويقول: أعوذ بالله من الشيطان، فإن الله هو الذي خلق الشيطان وهو قادر على أن يصرفه عنك.
وقوله: «فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه»، عن خليقته «ونهاهم عن مرامه»: هذا تأكيد لما سبق من قوله: «وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يَطَّلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل»، فالمؤلف ﵀ أراد أن يؤكد هذا الأمر العظيم بهذه المؤكدات: «فإن الله طوى علم القدر عن أنامه»، طوى علمه: اختص به، ولم يطلعهم عليه، «ونهاهم عن مرامه»، أي: طلبه، فعلم أسرار القدر من العلم الذي لا يجوز أن يطلب.
لكن هل يجوز البحث في القدر؟
نعم، فنحن الآن نبحث ونتكلم في القدر، وهذا الذي نتكلم فيه ليس هو الذي نُهينا عنه، نحن الآن نتكلم في معرفة ما يجوز وما لا يجوز من الكلام في القدر، فالإيمان بالقدر أحد أصول الإيمان، والإيمان بالقدر لا يُعارض الإيمان بالشرع، بل لا بد من الجمع بينهما، كما أن الإيمان بالقدر لا يعارض إثبات الأسباب، فالأسباب والمسببات كلها جارية بقدر الله، فلا بد أن تنتبه لهذا.
إذًا؛ الشيء الذي لا يجوز البحث فيه هو البحث في أسرار القدر، لِمَ؟! لِمَ؟! فقد قال تعالى: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾، لا يُسأل تعالى عن ما
стр. 200
يفعل لكمال حكمته، والعباد يُسألون ﴿وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء]، وهذا من النفي غير المحض، وكلُ نفي في صفات الله تعالى فإنه يتضمن ثبوتًا.
وقوله: «فمن سأل: لِمَ فعل؟».
فمن سأل: لِمَ هدى هذا؟ وأضل هذا؟ وأفقر هذا؟ لِمَ خلق الشرور؟ لِمَ خلق الشياطين؟ يسأل على وجه الاعتراض.
فإن السؤال يكون على وجهين:
- سؤال اعتراض ومعارضة بالعقل.
- وسؤال طلب للمعرفة.
فالمنكَر العظيم: السؤال على وجه الاعتراض، أو السؤال عن أمر لا سبيل إلى معرفته.
فالأول: ظاهر الفساد؛ لأنه اعتراض على أحكم الحاكمين.
والثاني: تكلف وبحث عما استأثر الله بعلمه وطوى علمه عن العباد.
وقوله: «فقد ردَّ حُكم الكتاب، ومن ردَّ حُكم الكتاب كان من الكافرين».
حُكم الكتاب هو حكم الله، ومن رد حكم الله كان كافرًا به ، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠]، ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين].
* * *
стр. 201
وجوب التمسك بالكتاب والسنة، وترك الخوض فيما طوي عنا علمه
وقوله: «فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منوَّرٌ قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم؛ لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود».
قد يكون مراده من هذه الإشارة من أول ما ذكر من مسائل في التوحيد والرسالة والقرآن وما بعد ذلك، أو يريد القريب وهو ما يتعلق بالأصل السادس وهو الإيمان بالقدر، وكأن الأرجح رجوع الضمير إلى كل ما تقدم، «فهذا جملة ما يحتاج إليه» أي: ما لا بد منه لمن هو منوَّر القلب، ولا يكون منوَّر القلب إلا بذلك، فنستطيع أن نقول: فهذا جملة اعتقاد من قلبه نَيِّر، والإيمان في القلب نور؛ لأن النور نوعان:
- نور حسيٌّ: يرى بالأبصار.
- ونور معنويٌّ: قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى
стр. 202
نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٣٥﴾ [النور: ٣٥]، الشاهد: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، أي: مثل نور الله في قلب عبده المؤمن.
فالإيمان نور في القلب، والله تعالى سمَّى الوحي المنزل نورًا: ﴿فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨]، والإيمان والعلم في القلوب نور: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، أي: في قلبه.
وهذه معان عظيمة تُنَبِّه إليها هذه النصوص؛ ولكن ما حظك من هذا الأمر العظيم؟ وفي دعاء النبي ﷺ : «اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، واجعل لي نورًا» (١)، المؤمن الكامل الإيمان في قلبه نور، وفي سمعه، وفي بصره، والنور محيط به؛ والنور المعنوي هو: نور العلم والإيمان، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، يخرجهم من ظلمات الكفر والغفلة والمعصية والجهل، إلى نور الإيمان والعلم والبصيرة.
والقلوب لها أحوال كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : «تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض،
стр. 203
والآخر أسود مُرْبَادًّا كالكوز مُجَخِّيًا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشرب من هواه» (١).
وقد دلت النصوص على أن القلوب ثلاثة أقسام (٢):
- قلب حي سليم، وهو قلب المؤمن.
- وقلب ميت، وهو قلب الكافر.
- وقلب مريض، فيه مادة حياة، ومادة موت، أي: فيه صحة ومرض، وهو لما غلب عليه منهما.
واقرأ ما ذكر ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» في مثل النور في قلب المؤمن (٣)، واقرأ كلامه على قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور: ٣٥] في «الوابل الصيب» (٤)؛ فقد أجاد في الكلام عليها وأحسن.
وقوله: «من هو منوَّر قلبه من أولياء الله»، فكل ولي لله فهو منوَّر القلب، وكل منوَّر للقلب فهو ولي لله، وولاية الله تقوم على الإيمان والتقوى، والإيمان والتقوى لا يكونان إلا بالعلم.
إذًا؛ فولي الله هو الذي نور الله قلبه بالعلم والإيمان، وظهر أثر ذلك على جوارحه بالتقوى وبالأعمال الصالحة، ولذا قال المؤلف:
стр. 204
«وهي درجة الراسخين في العلم»، الراسخون في العلم ذكرهم الله في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، فالراسخون في العلم هم المتمكنون في العلم، ليسوا على حَرف في العلم أو في الإيمان أو في العبادة، لا؛ بل هم ثابتون راسخون، وهم يؤمنون بكل ما جاء عن الله، ولا يعارضون ما أخبر الله به، وما أخبرت به رسله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، بخلاف الذين في قلوبهم زيغ فإنهم يتبعون المتشابه؛ ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧] وابتغاء إضلال الناس، ولبس الحق بالباطل.
وقوله: «لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود».
العلم الموجود: مسائل الاعتقاد والشرائع، فهذا العلم الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، وهو موجود في القرآن والسنة ففيهما من الأخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة ما يعلمه من تدبرهما.
«وعلم في الخلق مفقود» وهو علم الغيب الذي طواه الله، مثلما تقدم في القدر: «أن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه» (١)، فسِرُّ القدر هو من العلم المفقود، وكيفية صفات الرب من العلم المفقود، وحقائق الآخرة من العلم المفقود، ولا سبيل إلى معرفة ما استأثر الله بعلمه.
стр. 205
والمؤلف رتب على هذا قوله: «فإنكار العلم الموجود كفر» جحد شيء مما علم بالضرورة من أخبار الرسول ﷺ ، أو الشرائع التي جاء بها كفرٌ.
«وادعاء العلم المفقود كفر»؛ لأنه ادعاء لعلم الغيب، فتكييف صفات الرب كفر؛ لأنه قول على الله بلا علم؛ لكن الذي يسأل عن الكيف، كمن يقول: كيف استوى؟ فهذا مبتدع يجب الإنكار عليه، كما أنكر الأئمة عليه كمالك ﵀ حين رد بتلك الجمل التي صارت قاعدة: «الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ولا أراك إلا رجل سوء، فأمر به فأخرج» (١).
وقوله: «ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود».
لا يثبت الإيمان ولا يستقر ولا يسلم «إلا بقبول العلم الموجود» وهو الإيمان بما بعث الله به رسوله، «وترك طلب العلم المفقود»، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا (٣٦)﴾ [الإسراء]، والله تعالى علَّم نبيه ﷺ فقال: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وفي الآية
الإيمان باللوح والقلم
وقوله: «ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رُقِم، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنًا لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. وما أخطأ العبدَ لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق عِلمُه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرًا محكمًا مبرمًا، ليس فيه ناقض ولا مُعقِّب، ولا مزيل ولا مُغيِّر، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذلك من عَقْد الإيمان، وأصول المعرفة، والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان] وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾ [الأحزاب]، فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيمًا، وأحضر للنظر فيه قلبًا سقيمًا، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرًّا كتيمًا، وعاد بما قال فيه أفاكًا أثيمًا».
كل هذا دائر على موضوع القدر، والمصنف أطنب في الكلام على موضوع القدر وذلك لأهميته، وفرَّق الكلام فيه كما تقدم؛ لأن قوله هناك: «ولا يكون إلا ما يريد» (١)، وقوله أيضًا: «خلق الخلق بعلمه» (٢)، كل هذا مما
стр. 208
يتصل بالقدر، والموضوع لا شك أنه جدير بزيادة التقرير والتأكيد، وبيان ما يقتضيه الإيمان بالقدر، وتقدم (١) أنَّ جِماعَ الأمرِ الإيمانُ بالقدر بمراتبه الأربع، والإيمانُ يتضمن التسليم لحكم الله ولقدره، وترك المعارضة، والإمساك عن الخوض فيما طوى الله علمه عن العباد.
ويقول هنا: «ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رُقِم»، من توابع الإيمان بالقدر الإيمان باللوح، واللوح المحفوظ ذكره الله تعالى بهذا اللفظ في سورة البروج، قال تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظِ (٢٢)﴾ [البروج] واللوح المحفوظ هو: أم الكتاب، ﴿٣٨ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد]، وهو الكتاب المبين المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام]، وهو الكتاب المكنون: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ [الواقعة]، فقد ذكر بأسماء متعددة في القرآن: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج].
فيجب الإيمان باللوح المحفوظ تصديقًا لخبر الله تعالى، وخبر رسوله ﷺ ، وهو الذي كتب الله فيه مقادير كل ما هو كائن إلى يوم القيامة، «والقلم» أي: قلم المقادير الذي ورد فيه حديث عبادة بن الصامت أن الرسول ﷺ قال: «أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة» (٢)؛ فجرى القلم بما
стр. 209
هو كائن إلى يوم القيامة، وهذا القلم هو قلم المقادير الأول، والمقادير أو التقديرات أنواع، وكل قَدَرٍ له قلم يناسبه؛ لأن الكتابة تكون بالقلم.
فالقدر الأول: هو القدر العام لجميع المخلوقات.
والتقدير الثاني: وهو الذي قدر الله فيه أمور آدم وذريته، وهو الذي أُشير إليه في حديث احتجاج آدم وموسى، وأن آدم ﵇ قال لموسى ﵇: «هل وجدت في التوراة: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملتُ عملًا كتبه الله عليَّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله ﷺ : فحج آدم موسى» (١).
والتقدير الثالث: وهو التقدير المختص بكل إنسان، كما في الحديث المتفق على صحته عن النبي ﷺ : أنه قال - في الجنين عندما يبلغ أربعة أشهر -: «فيأتيه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد» (٢).
والتقدير الرابع: وهو التقدير الحولي: وهو ما يكون في ليلة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ [الدخان]، وسميت ليلة القدر؛ لأنه يقدر فيها ما يكون في السنة إلى مثلها.
وهذه التقديرات لا تخالف ولا تناقض التقدير الأول العام.
стр. 210
فنؤمن باللوح والقلم ولا نتكلم في كيفية اللوح، وكيفية القلم، وكيفية تلك الكتابة، فالله أعلم كيف كانت تلك الكتابة، كل ذلك غيب يجب أن نمسك عنه، ولا نخوض فيه، ولا نفكر فيه.
وقوله: «وبجميع»، أي: ونؤمن بجميع «ما فيه قد رُقم»، أي: كُتِب، فنؤمن إيمانًا مجملًا بأن الله كتب فيه مقادير الخلق، لكن هل نعلم ما رُقِم فيه وما كُتِب فيه؟ لا نعلم؛ إلا ما أخبر الله تعالى به ورسوله ﷺ ؛ لكن نعلم أن كل ما يقع في الوجود فهو مكتوب؛ لكن قبل الوقوع لا ندري إلا أن يأتي فيه خبرٌ من معصوم.
وقوله: «لو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن، ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنًا لم يقدروا عليه»، يعني: لو اجتمع الخلق على أن يغيروا ما سبق به عِلم الله وكتابه لم يقدروا، وهذا معلوم بالضرورة أن الخلق لا يقدرون على تغيير قدر الله، ومن أدلة ذلك ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف» (١)، فالأمر قد فُرِغ منه، وهذا يوجب للعبد أن يعلق رجاءه وخوفه بربه لا بالأسباب ولا بالعباد؛
стр. 211
لأن العباد إن نفعوك فالله هو الذي أجرى تلك المنفعةَ على أيديهم، وأقدرهم عليها، وجعلهم يريدونها، وهيأ لهم أسبابها، وإن حصلت لك مضرة على يد أحد؛ فاعلم أن هذا بتقدير الله، فلا تغفلْ عن الله وتُعلِّقْ قلبك بهم فتخافهم، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠].
وقوله: «جف القلم بما هو كائن»، جاء في الحديث عن النبي ﷺ : «جف القلم بما أنت لاقٍ» (١)، جف القلم: هذه كناية عن الفراغ من الأمر الذي سبق به القدر، فكل ما يجري في الوجود فقد سبق به علم الله وكتابه، لكن نؤكد على أن الله قضى بحكمته وعلمه وكتابه، أن هذه الأقدار مرتبط بعضها ببعض، ومن قدر الله ترتيب المسبَّبَات على الأسباب، ما يجيء لك ولد إلا إذا تزوجت، ولا يعقل أن تقول: إنْ كتب الله لي ولدًا فسيأتي ولو لم أتزوج! أو تترك طلب الرزق وتقول: إنْ كتب الله لي رزقًا سيأتيني وأنا نائم! نعم قد يكون؛ لكن ليس هذا موجب العقل والفطرة والشرع؛ بل موجب العقل والفطرة والشرع: أن تسعى في طلب الرزق، ولو توكلت على الله، فلا بد لك من الأخذ بالأسباب، وأعظم من ذلك أمر السعادة، فلا تكون السعادة إلا بأسبابها وهي الإيمان والعمل الصالح، ولا يمكن أن يكون الإنسان سعيدًا إلا بالأسباب، فمن تحققت له أسباب السعادة فنعلم بذلك أنه قد سبق علم الله وكتابه بسعادته.
стр. 212
وقوله: «وما أخطأ العبدَ لم يكن ليصيبَه وما أصابه لم يكن ليخطئه».
هذا تأكيد، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ : «واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك» (١)، فما حصل لك من خير أو شر فقد سبق في علم الله وكتابه أنه يصيبك ويحصل لك، وما أخطأك وما فاتك وما سلمت منه فقد سبق علم الله وكتابه بذلك، ولم يكن في علم الله وكتابه أنه يصيبك ثم يخطئك.
وقوله: «وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمُه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرًا محكمًا مبرمًا، ليس فيه ناقض ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه».
هذه الجملة تؤكد ما سبق، وهي أعم من قوله (٢): «وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يُزاد في ذلك العدد، ولا يُنقص منه»، فهذه الجملة بخصوص عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار، وقد علم الله ذلك كله؛ لكن هنا المؤلف يؤكد ما يتعلق بالمرتبة الأولى من مراتب القدر، فلا بد أن يعلم العبد أنه قد سبق علم الله بكل ما هو كائن، وسبق قضاؤه وحكمه قضاء مبرمًا محكمًا، فلا مُغَيِّر ولا ناقض، ولا زائد ولا ناقص لعلمه
стр. 213
وتقديره تعالى، وهذه الجملة شاملة يدخل فيها - مثلًا -: الملائكة، فقد سبق علم الله وكتابه وتقديره للملائكة بأعدادهم وصفاتهم ومنازلهم وفضائلهم وأعمالهم وأقوالهم، وقد سبق علمه وكتابه بعدد الأشجار وأنواعها وأجناسها وثمارها وأوراقها، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام].
تأملْ ماذا يتساقط من أوراق وحبوب الزروع والأشجار المأكولة وغير المأكولة في القفار وفي الديار؟!
وتأملْ قوله: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾، فإنها تشمل كل شيء من هذه الكائنات.
وقس سائر المخلوقات على هذين المثالين المذكورين.
ولسيد قطب ﵀ في تفسيره كلام وتصوير بديع لدلالة هذه الآية، وما فيها من الشمولية العظيمة، والدلالة على الإعجاز (١).
وقوله: «وذلك من عقد الإيمان، وأصول المعرفة».
العلم بأن الله قد سبق علمه في كل كائن، وقدر ذلك تقديرًا محكمًا، هذا من عقد الإيمان، وباختصار نقول: الإيمان بالقدر بكل مراتبه؛ ولكن المؤلف ركَّز هنا على المرتبة الأولى والثانية: مرتبة الإيمان بالعلم السابق الأزلي، ومرتبة الكتاب فركَّز عليها وأكَّد عليها، بقوله:
стр. 214
«وذلك كله من عقد الإيمان»، الذي يجب عقد القلب عليه، والإيمان اعتقاد يعقد الإنسان قلبه عليه.
وقوله: «والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته».
لاحظْ أن الإيمان بالقدر هو من توحيد الربوبية؛ لأننا نقول في توحيد الربوبية هو: الإيمان بأنه تعالى رب كل شيء ومليكه، وأنه على كل شيء قدير، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كل شيء، هكذا نفسر توحيد الربوبية، وهذا يتضمن الإيمان بالقدر، وهو أن كل شيء جارٍ بقدر الله وبمشيئة الله على وفق علمه وتقديره السابق، ولهذا روي عن ابن عباس ﵄: «الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن وحَّد الله وآمن بالقدر فقد تم توحيده، ومن كذَّب بالقدر نقض تكذيبُه توحيده» (١)، فالمكذب بالقدر لم يحقق توحيدَ الربوبية؛ فإن كان من الغلاة جحد علم الله وتقديره السابق، ونفى عموم المشيئة وعموم الخلق، وإن كان من مقتصدي النفاة القدرية فهو يُخرج أفعال العباد عن مشيئة الله وعن قدرته وخلقه وملكه.
إذًا؛ الإيمان بالقدر من توحيد الربوبية، فمن كذَّب بالقدر نقض تكذيبُه توحيدَه، وهذا يوضح قول المؤلف: «وذلك من عقد الإيمان، وأصول المعرفة».
стр. 215
وقوله: «كما قال تعالى في كتابه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾ [الأحزاب]».
هذان دليلان من الأدلة الدالة على الإيمان بالقدر، وأنه تعالى خلق كل شيء على وفق ما سبق به قدره.
وقوله: «فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيمًا، وأحضر للنظر فيه قلبًا سقيمًا، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سِرًّا كتيمًا، وعاد بما قال فيه أفاكًا أثيمًا».
بعدما ذكر أن هذا هو ما عليه الراسخون في العلم أولياء الله الذين نوَّر الله قلوبهم، وذكر أن هذا كله من عقد الإيمان وأصول المعرفة والتوحيد، أشار إلى من خالف ذلك ولم يعترف به، أو آمن بالقدر إيمانًا ليس على الوجه المشروع، فقال: «فويل لمن صار»، ويل: كلمة للوعيد والتهديد، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ [المطففين]، ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة]، ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ [الطور]، وهذا الوعيد يشمل كل الطوائف: الجبرية المشركية، والمجوسية نفاة القدر، والإبليسية، كلهم يصدق عليهم هذا؛ ولكن دخول الجبرية والإبليسية أظهر؛ لأن الجبرية يحتجون بالقدر في معارضة الشرع، كما قال المشركون: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فهم يعارضون شرعه بقدره، ويحتجون على الشرع بالقدر.