← Акыда

Акыда · id 23001

شرح العقيدة الطحاوية - البراك - ط المؤسسة

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (512 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والنقل، ألَّف فيها الإمام العلم شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه العظيم: «العقل والنقل» أو «درء تعارض العقل والنقل» الذي قال فيه ابن القيم: وَاقرَأ كِتَابَ «العَقلِ وَالنَّقلِ» الذِي … مَا فِي الوُجُودِ لَهُ نَظِيرٌ ثَانِ (١) يعني في بابه. * * *

стр. 142

وجوب التسليم لحكم الله تعالى ورسوله ﷺ ، وتقديمه على الآراء وقوله: «فإنه ما سَلِم في دينه إلا من سلَّم لله ولرسوله ﷺ ، وردَّ عِلْمَ ما اشتبه عليه إلى عالِمِه». هذا فيه تقرير وجوب التسليم لله، والانقياد لحكمه. وحكم الله نوعان: - حكم كوني. - وحكم شرعي. ويجب على العبد الرضا عن الله في تدبيره وحكمه الكوني وحكمه الشرعي، فلا يعارض حكم الله برأي ولا ذوق ولا استحسان، هذا بالنسبة للحكم والقضاء الكوني. وأما الأمور المكونة والمقضية فهذه يجب أن يعمل فيها من حيث الاستسلام والدفع والطلب بموجب الشرع، فيُحكِّم شرع الله، فما أمره الله بفِعله فَعَلَهُ، وما أمره بتَرْكه تَرَكَهُ، فيحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله، ويأتي ما أمره الله به، ويذر ما نهاه الله تعالى عنه، ويصبر على ما أوجب الله عليه فيه الصبر، ويدفع ما أوجب الله عليه دفعه من المكروهات.

стр. 143

وهذه الأعمال من طلب أو دفع للمقدرات تجري فيها الأحكام التكليفية: الواجب والمحرم والمكروه والمستحب والمباح. فلا بد من التسليم لحكم الله؛ بالرضا بحكمه وتدبيره، وأنه حكيم عليم، وذلك بعدم الاعتراض عليه في قضائه الكوني وقضائه الشرعي. وجهلة الصوفية وغلاتهم يرون أن من التسليم للقدر الاستسلام لكل ما يجري على الإنسان، بحيث لا يطلب خلاف ما يجري عليه، ولا يدفع شيئًا من المكروه، حتى يقول قائلهم: إن العارف لا حظَّ له! أو إنه يصير كالميت بين يدي الغاسل! قال الإمام ابن تيمية: «فهذا إنما يمدح منه سقوط إرادته التي لم يؤمر بها، وعدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه، وأنه كالميت في طلب ما لم يؤمر بطلبه، وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه» (١). وهذا كلام باطل، ولا يمكن تحقيقه في الواقع أبدًا. فقوله: «ما سلِم في دينه إلا من سلَّم لله ولرسوله ﷺ »، يظهر من السياق أنه يريد التسليم لشرع الله في المسائل العلمية الاعتقادية، وفي المسائل العملية. فإن الدين يتضمن قسمين: اعتقادات، وأعمال. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣]، فالهدى هو: العلم النافع، ودين الحق: العمل الصالح، قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤]، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ

стр. 144

أَحَدًا ٢٦﴾ [الكهف]، قال تعالى في تحكيم الرسول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء]. فلا بد من التسليم لحكم رسول الله ﷺ ، وقبوله بانشراح صدر، وطِيب نفس، فإنه لا يتحقق الإيمان كاملًا إلا بهذه الشروط مع الإيمان به، وأن ما جاء به حق من عند الله، وأن ما حكم به في كل مسائل الدين هو الحق والعدل والصواب، فإنه ﷺ إنما يحكم بشرع الله وحكمه، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقد خرج عن هذا السبيلِ المبتدعةُ على اختلاف بدعهم، فلم يقنعوا بما جاء به الرسول ﷺ ، فالمعطلة يرون أن كل ما في القرآن والسنة من صفات الرب ؛ ليس المراد منها ظاهرها، وأهل التفويض يرون أنها لا معنى لها، وهذا خروج عن تحكيم الرسول ﷺ ، وعن الرضا بحكمه، والتسليم له، فعندهم أن الحق في معرفة الله، وفيما يجوز عليه وما لا يجوز عليه؛ هو ما عرفوه بعقولهم، ومضمون هذا الكلام أن الرسول ﷺ لم يبين للناس ما يجب أن يعتقدوه في ربهم، فترك هذا العلم العظيم الذي هو أهم العلوم وأجل المطالب بلا بيان. وقد فنَّد شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة «العقيدة الحموية» (١) هذا التصور الساقط الباطل، وذكر وجوهًا من دلالات العقل على بطلان هذا القول، فكيف يبين الرسول ﷺ كل صغير وكبير للناس حتى آداب قضاء

стр. 145

الحاجة، ثم لا يبين ما يجب على العباد أن يعتقدوه في ربهم؟! هذا من أبطل الباطل. ومن الوجوه التي ذكر: «إن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب، وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصًّا أو ظاهرًا؛ لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير؛ بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين» (١)؛ لأنهم يقولون: إن نصوص الأسماء والصفات ظاهرها التشبيه، ثم يلجؤون للتخلص من ذلك إما بالتفويض فيقولون: هذه نصوص الله أعلم بمراده منها، فنحن لا نفهمها وليس علينا أن نتدبرها، بل علينا أن نتلوها ألفاظًا، والأكثرون منهم يسلكون طريق التأويل، وهو تفسير النصوص بمعانٍ بعيدة مخالفة لظاهرها، ولما دلت عليه سائر النصوص الأخرى الموضحة لها، فكل الآيات والأحاديث الواردة - مثلًا - في اليدين مؤولة عندهم بخلاف ظاهرها، فيجعلون ذلك كله من قبيل المجاز والتخييل، وهذا كله ضد التسليم للرسول ﷺ ، فحكَّموا عقولهم، ولم يُحكِّموا النبي ﷺ ؛ فضلوا ضلالًا بعيدًا، وهذا ما يتضمنه قول المؤلف: «فإنه ما سَلِم في دينه إلا من سلَّم لله ولرسوله ﷺ ، وردَّ عِلم ما اشتبه عليه إلى عالِمِه»، وهذا هو الواجب، فما خفي على الإنسان فهمه وأشكل عليه؛ فعليه أن يقول: الله أعلم، والله تعالى علَّم نبيه ﷺ وعلمنا ذلك بقوله: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، ﴿قُلِ

стр. 146

اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦]، ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، فالواجب على المكلف فيما لم يعلم أن يفوض علم ذلك إلى الله. وقوله: «وردَّ عِلم ما اشتبه عليه إلى عالِمِه»، فهناك أمور استأثر الله بعلمها، كحقائق ما أخبر الله سبحانه عن نفسه من أسمائه وصفاته، وحقائق اليوم الآخر، فهذا كله مما يخفى على العباد ولا يمكنهم معرفته؛ فالواجب في هذا هو التفويض، ورد علم ذلك إلى الله. أما معاني النصوص؛ فالأصل أنها يمكن فهمها كلها، فما أخبر الله به عن نفسه، وما أخبر به عن اليوم الآخر هذه لا بد أن تكون معلومة لنا من جهة معانيها، لكن قد يخفى بعضها على بعض الناس في بعض الأحوال، فهنا قبل أن يعرف المراد، يرد ما اشتبه عليه؛ فيقول: الله أعلم به، ثم هذا لا يمنع التدبر والبحث لمعرفة المراد، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في القاعدة الخامسة من «العقيدة التدمرية» (١): «إنا نعلم ما أخبرنا به من وجه دون وجه». وقوله: «وردَّ عِلم ما اشتبه عليه إلى عالِمِه»، هذا أدب رفيع، وهو مقتضى علم العبد بربه وعلمه بنفسه، فلا يتجاوز حده فيدعي علم ما لا علم له به، ولا يتكلف في البحث عما لا سبيل إلى معرفته، فما علمه قال به واعتقده وآمن به، وما خفي عليه رد علمه إلى عالمه.

стр. 147

وقوله ﵀: «ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام». هذا تعبير فيه شيء من التشبيه والاستعارة على طريقة أهل البيان، فقوله: «لا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم»، فيصور المؤلفُ الإسلامَ كأن له قدمًا يقوم عليها، والتسليمَ بأنه مركب ثابت إذا اعتمد الإنسان عليه استقر وأمن من السقوط والاضطراب. فلا يستقر إسلام العبد، ولا تحصل له الطمأنينة إلا إذا ثبتت تلك القدم على ظهر التسليم. والاستسلام، والتسليم معناهما متقارب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان: ٢٢]. الإسلام: الاستسلام والانقياد، وهذا يقتضي عدم المنازعة؛ لأن من ينازع لم يَسلَم، وهذا الكلام يؤكد قولَه السابق: «فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ﷺ ». والتسليم أصل مهم، فإذا أصَّلت أصل الدين: الإيمان بالله ورسوله وكتابه، والإيمان بالله يتضمن أنه تعالى هو الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه، وأنه تعالى رب كل شيء ومليكه، وأنه موصوف بالكمال منزه عن النقص، فلا ظلم ولا عبث في خلقه وشرعه وقدره؛ بل هو تعالى حكيم في ذلك كله، إذا حققت هذا؛ فكل ما يرد عليك عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ فلا بد أن يقوم على التسليم؛ لأن المعارضة والمنازعة ما تجيء إلا من ضعف الإيمان بعدل الرب، ومن ضعف الإيمان بحكمة الرب.

стр. 148

وكل ما يعارض الحق فهو باطل؛ لكن تارة تكون المعارضة وقحة صريحة، كما يفعل الكفرة أو الذين قد تزلزل إيمانهم، أو كاد أن يزول، فهؤلاء يتكلمون بالمعارضات في شرع الله وقدره، وأحيانًا لا يتكلم بها لكن تكون في النفس. والمسلم يجب عليه أن يدفع كل المعارضات التي تخطر بباله، أو يسمعها على ألسن الشياطين، أو ألسن الجاهلين، يدفع ذلك بالإيمان بأن الله تعالى حكم عدل، حكيم عليم. وهذا لا يقتضي أن الشرع مخالف للعقل؛ بل العقل الصريح لا يناقض النقل الصحيح؛ لكن العقل مع النقل له طاقة وله حدود، فلا يمكن لعقل الإنسان أن يدرك ويحيط بكل شيء؛ بل له حدود يقف عندها؛ لأن الإنسان ناقص، فلا يمكن أن تجيب على كل سؤال، أو يجاب عليه، فلا بد من أن تقول: الله أعلم، الله حكيم عليم. فإذا سلم الإنسان استراح كثيرًا وأراح، وما يرد عليك من المعارضات: - إما أن تدفعه بالبينات والحجج الكاشفة لزيف تلك الشبهات الواردة. - وإن لم يتهيأ ذلك لقلة العلم فادفعه بهذا الأصل وقل: آمنت بالله ورسوله، فإن الشيطان يلقي الوساوس في النفوس. والرسول ﷺ ما ترك شيئًا يقرب أمته إلى الجنة، ويبعدهم من النار إلا دلهم عليه، ولا ترك أمرًا يحتاجون إليه في دينهم إلا بيَّنه، وقد قال

стр. 149

ﷺ : «يأتي الشيطانُ أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينتَهِ» (١). وفي لفظ آخر: «فليقل: آمنت بالله ورسله» (٢) فهل بعد هذا الوسواس وسواس؟! فإن ورد عليك فادفعه بسرعة بالعلاج النبوي: فقاطع الوسواس، ولا تسترسل معه، واترك التفكير، وقل: أعوذ بالله من الشيطان، آمنت بالله ورسله؛ فإنك إذا تفكرت فيه زاد وطمع الشيطان فيك؛ لأنه وجد عندك قابلية للوسواس. وانظر إلى إيمان الصحابي الذي وجد مثل هذا، فجاء مذعورًا يتذمر، ويقول: يا رسول الله، إني أحدث نفسي بالشيء ما لو أخر من السماء أحب إلي من أن أتكلم به. فقال النبي ﷺ : «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» (٣) وقال في حديث آخر: «ذاك صريح الإيمان» (٤) والمراد كراهة هذا الوسواس، وبغضه، والخوف منه، وهذا نابع من الإيمان، فبقدر إيمان العبد وقوته يكون موقفه من تلك الأفكار والوساوس.

стр. 150

وهذا كله يرجع إلى التسليم، فأي شبهة أو فكر أو خاطر أو قول يعارض الحق فهو باطل، وهذا المبدأ عصمة للمسلم من كثير من الشرور والشبهات والضلالات. فالتسليم لله ولرسوله ﷺ مُعتصَم للمسلم أمام كل باطل وكل مجادل، فلا يُعطِ لعقله الحرية التي تسمى حرية العقل، وليست حرية للعقل؛ بل عبودية للشيطان، وخروج عن عبودية الله، فليكن هذا الأصل على بالك، فكل ما يخالف الحق الذي جاء عن الله تعالى ورسوله ﷺ ؛ فهو باطل من الوهلة الأولى، وليس بلازم أن يكون الإنسان عنده القدرة على تزييف الشبهة، المهم أن الحق عنده ثابت، فما يُدَّعى أن هذا يعارضه فهو مردود مدفوع، فاعتصِمْ بالحق واثبُتْ عليه واطرح كل ما خالفه. وأحببتُ أن أؤكد على هذا؛ فإنه ينفع المسلم ويُريح باله عند ورود الشبهات على قلبه (١)، فقد انفتح على الناس أبواب شر في هذا العصر ممثلة في وسائل الإعلام، وفي الشبكة العنكبوتية، فهي وسائل عظيمة الأثر في الخير والشر؛ ولكن أكثر ما تستعمل في الشر؛ لأن أكثر الناس على غير هدى، فكُن على حذر مما يطرح في هذه الوسائل، فقد أصبح الناس في فتنة مدلهمة، فكلٌّ يستطيع أن يتكلم بما يريد، الملحد والمبتدع والذي ينتسب للسنة، فإن من المنتسبين للسنة من تسربت إليه أفكار وتوجهات فيحملها ويحمل لواءها، فيصير - والعياذ بالله - داعي فتنة، سواء مما يتعلق بالاعتقادات أو بالسلوكيات.

стр. 151

وقوله ﵀: «فمن رام عِلمَ ما حُظِر عنه عِلمُه، ولم يقنع بالتسليم فهمُه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان». هذا بيان لأثر عدم التسليم. «من رام» يعني: طلب، «ما حُظِر عنه عِلمُه» يعني: حُجب عنه ومُنع من عِلمِه، «ولم يقنع بالتسليم» فهو كثير الاعتراض والسؤال، فيقول: - مثلًا - لِمَ خلق الله الحشرات؟ لِمَ خلق الله هذه المؤذيات؟ لِمَ خلق الله الناس هذا دميم، وهذا قصير؟ لِمَ أضل من أضل من الخلق؟ لم أغنى هذا وأفقر هذا؟ في تساؤلات عن حِكَم الله في تقديراته. ففي نفسه اعتراضات! ومن الأشياء التي تجري على بعض الألسن - وهي نابعة من عدم التسليم -: «فلان والله ما يستحق أن يبتلى بهذه الأمراض والأوجاع والمصائب أو يبتلى بالفقر»، هذا اعتراض على تدبير أحكم الحاكمين. وقوله: «فمن رام عِلمَ ما حُظِر عنه عِلمُه، ولم يقنع بالتسليم» فيريد أن يفهم كل شيء، وهذا لا يمكن؛ لأن عقل الإنسان له حد، فلا يمكن أن يعرف أسرار الوجود، وتفاصيل حِكَم الله في أقداره، وإن لم يسلم لله؛ «حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان» هذه هي النتيجة، «حجبه مرامه»، أي: منعه طلبه وتكلُّفه معرفةَ ما هو محجوب عنه، عن خالص التوحيد وصحيح الإيمان، فالتكلف وطلب ما لا سبيل إلى معرفته ينافي تحقيق التوحيد، فتحقيق التوحيد يقتضي التسليم؛ لأن التسليم والاستسلام لله هو موجب التوحيد والإيمان

стр. 152

الصحيح والمعرفة الحقة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا (٣٦)﴾ [الإسراء]، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة]، ومما يأمر به الشيطانُ أن يقول الإنسان على الله ما لا يعلم. * * *

стр. 153

سوء عاقبة من لم يسلم لخبر الله تعالى ورسوله ﷺ وقوله: «فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسًا تائهًا، شاكًّا زائغًا». من «لم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه … » فيبقى متذبذبًا مترددًا، كحال المنافق: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ بينالمؤمنينوالكفار ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣]، فبسبب عدم التسليم والانقياد لما جاء به الرسول ﷺ يبقى مترددًا. وقوله: «فيتذبذب بين الكفر والإيمان»، إما أنه يقع في الكفر الأعظم فِعلًا فيصير مرتدًّا ثم يرجع، وهذا يحصل تارة ظاهرًا، كما قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: ١٣٧]، ويحصل تارة داخل القلب فقط، فلا يتبين أمره. وقد يرجع إلى الإيمان، وقد لا يرجع - والعياذ بالله -، وقد يتردد وتكون عنده حالة من الحرج والضيق فيما جاء وحَكَم به الرسول ﷺ ، ولهذا قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥]. وقوله: «والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار»، هذه الكلمات متقاربة، فالكفر يكون بالتكذيب والإنكار، والإيمان يكون بالتصديق

стр. 154

والإقرار، فهذا تنويع في التعبير، وإن كانت الألفاظ مختلفة المعاني لكنها متلازمة. وقوله: «موسوسًا تائهًا». فيبقى متذبذبًا بين هذه الأضداد «موسوسًا تائهًا»، فالوساوس التي يلقيها الوسواس الخناس تجعله في حيرة، فما يخطر بالبال من شبهات وأفكار تعارض الحق كلها من إلقاء الشيطان، فهو مسلط على الإنسان، والإنسان مبتلى بالشيطان، وهو عدو خفي، والله أقدره على أن يوسوس للإنسان. والقلب بين حالتين: بين لَمَّةِ (١) الملك، ولَمَّةِ الشيطان؛ فلمة الملك لقلب المؤمن المسلم، أما الكافر فقد أحاط الشيطان به، وليس للملك فيه لمة، «فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق» (٢)، فالشيطان يوسوس، فيبقى هذا المتكلِّف الذي لم يوفق للتسليم متذبذبًا موسوسًا، فقلبه مع هذه الوساوس فتجعله في تردد، كما قال سبحانه في المنافقين: ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ [التوبة]، فهو يتقلب، فتارة يكون مؤمنًا، وتارة كافرًا، وتارة حائرًا.

стр. 155

وقوله: «شاكًّا زائغًا»، أي: مترددًا تائهًا، زائغًا منحرفًا، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾ [التوبة]. فهذه آثار عدم التسليم، وعكس ذلك من كان مُسَلِّمًا لله ، ولرسوله ﷺ ، قد قام دينه على التسليم، فأصبح ثابت القلب ليس عنده تردد ولا تذبذب، ولا حيرة ولا قلق، بل يسير على صراط واضح مستقيم، يمشي بنور من الله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]، فالمؤمن الصحيح التوحيد يمشي في هذه الحياة بنور الحق، فيعرف مواقع أقدامه، والطريق الذي يسير عليه، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، لكن هذا المتذبذب لا يدري أين طريق النجاة، فهو متذبذب متردد بين التصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، فهو في حيرة دائمة؛ لأن الشك والحيرة عذاب، أما المؤمن فقلبه في نعيم، وكلامنا هذا في من ينتمي للإسلام، أما الكافر فهو غارق في بحر الضلال والكفر، فليس عنده تفكير، وتردد بين حق وباطل، وإقرار وإنكار، وإيمان وكفر؛ بل عنده كفر خالص وإنكار دائم تام؛ لكن هذا الذي ينتمي للدين، ويدَّعي الإيمان، ولكنه لم يكن مستقيمًا مُسَلِّمًا مستسلمًا، فهذا الذي يحصل له ما يحصل من الاضطراب والقلق، فإما أن يعصمه الله ويُثبِّته ويُوفِّقه؛ فيثبت على الإيمان وينجو من هذه الوساوس والشكوك، وإما أن يقوى في قلبه سلطان الباطل؛ فيصير إلى الكفر دائمًا ولا يكون عنده تردد.

стр. 156

وقوله: «لا مؤمنًا مُصدِّقًا، ولا جاحدًا مُكذبًا. ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم، أو تأوَّلها بفهم، إذ كان تأويل الرؤية - وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية - بترك التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين». هذا كأنه كلام معترض من قوله: «لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه … »، واسترسل في هذه الكلمات في التأكيد والحث على التسليم والاستسلام والتحذير من ضد ذلك، وبيان الآثار المترتبة على عدم التسليم والاستسلام، فكل هذا الكلام معترض في ثنايا كلامه في تقرير رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وبَيَّن أن من أثبت الرؤية على خلاف ظاهر النصوص، أو تخيل كيفيتها بوهم، أو تأولها بفهم، كما صنع المعطلة نفاة الرؤية، فلا يصح إيمانه برؤية المؤمنين لربهم. وقوله: «إذ كان تأويل الرؤية - وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية - بترك التأويل ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين». فالصراط المستقيم والمنهج القويم: بترك التأويل الذي معناه: صرف الكلام عن ظاهره إلى غيره، أو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى احتمال مرجوح. فتأويل الرؤية يعني: تفسيرها، وتفسير كل معنى يضاف إلى الرب من صفاته يكون بترك التفسير، ومثل هذه العبارة تُوهِم - أيضًا - التفويضَ، كقول السلف: «أمروها كما جاءت بلا كيف»، فتفسيرها

стр. 157

بترك تفسيرها، وهذا لا يقصده السلف، فإنه قد علم أن أهل السنة يثبتون حقيقة الرؤية، وأنها رؤية بصرية، ويصرحون بذلك، ويثبتون لله الصفات بالمعاني المعقولة المفهومة من النصوص، فإذا جاءت مثل هذه العبارات فلا بد أن نفهمها على وجهها الصحيح، «أمروها كما جاءت» أي: أجروها على ظاهرها، مثبتين لما دلت على ثبوته، بلا بحث عن الكيفية، ولا تحديد لِكُنْهِ تلك الصفات، وليس المقصود: أمروها ألفاظًا من غير فهم للمعنى! فهذا باطل؛ لأن مقتضاه أنَّا ما أثبتنا شيئًا. فتفسيرها أن نجريها على ظاهرها بعدم صرفها عن ظاهرها، بترك التأويل في اصطلاح المتأخرين، ونجد في كلام بعض الأئمة نحو هذه الكلمة: الواجب في هذه النصوص عدم تأويلها، أو إجراؤها على ظاهرها بترك التأويل. وتركُ التأويل ليس تركَ التفسير مطلقًا، فيكون خبر الله كلامًا لا يُفهَم معناه؛ لأن الكلام الذي لا يفهم معناه لا فائدة منه، تعالى الله عما يقول الجاهلون والظالمون علوًّا كبيرًا. المقصود: أن عبارة الطحاوي من جنس عبارات بعض السلف التي تُوهِم أنه يقرر التفويض وليس كذلك، إذ كيف يقول: «الرؤية حق لأهل الجنة»، إذا كانت الرؤية لا تُفسَّر ولا تُفهَم، فلا معنى لقوله: «حقٌّ». فمن يقول: إن الله خاطب عباده بما لا يفهم منه شيء لا يجوز أن يتكلم في النصوص بأنها تدل على كذا، أو لا تدل على كذا، كما أوضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر القاعدة الخامسة من «الرسالة

стр. 158

التدمرية»، حيث قال: «وهؤلاء» يعني: أهل التفويض «قد يظنون أنا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه أحد، أو بما لا معنى له، أو بما لا يفهم منه شيء، وهذا مع أنه باطل فهو متناقض» إلى آخره (١). * * *

стр. 159

مذهب أهل السنة في إثبات الصفات وسط بين المعطلة والمشبهة وقوله: «ومن لم يتوقَّ النفي والتشبيه زلَّ ولم يُصبِ التنزيه». الناس في باب الأسماء والصفات ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: المعطلة نفاة الأسماء والصفات: الجهمية ورأسهم الجهم بن صفوان ومن تبعه، والمعتزلة ومن وافقهم. والطائفة الثانية: المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه. فهما طائفتان متقابلتان على طرفي نقيض، فالمعطلة يزعمون أنهم بنفيهم للصفات يقصدون تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات، فأظهروا الباطل بصورة من الحق، فأفرطوا في التنزيه، وتجاوزوا الحدود حتى وقعوا في الإلحاد والضلال البعيد. والمشبهة أثبتوا لله الصفات لكنهم شبَّهوه بخلقه، ويقول قائلهم: له سمع كسمعنا وبصر كبصرنا، فأفرطوا في الإثبات حتى شبهوا الله بخلقه. وكلتا الطائفتين زائغتان عن الصراط المستقيم. والطائفة الثالثة: أهل الصراط المستقيم - أهل السنة والجماعة - الذين آمنوا بكل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به عنه رسوله ﷺ ، فهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، فمذهبهم بريء من التحريف

стр. 160

والتعطيل، والتكييف والتمثيل، ولهذا قال نعيم بن حماد ﵀ ذلك الأثر الجليل: «من شبَّه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه» (١)، فليس إثبات الصفات من التشبيه في شيء؛ بل إثبات الصفات هو التوحيد. وقوله: «ومن لم يتوق»، أي: يجتنب ويحذر، «النفي»، أي: نفي الأسماء والصفات، وهو التعطيل، «والتشبيه»، من لم يجتنب ويحذر هذين المذهبين الباطلين؛ «زل» زلت قدمه عن الصراط المستقيم، «ولم يصب التنزيه»؛ فالمعطلة زعموا أنهم يُنزِّهون الله، وما نزَّهوا الله؛ بل تنقَّصوه تعالى أعظم تنقُّص، والمشبهة الذين قالوا: إن الله له سمع كسمعنا، هؤلاء وإن كان مذهبهم باطلًا؛ فإنهم خير من المعطلة النفاة، ولهذا قال بعض أهل العلم: «إن المعطل يعبد عدمًا، والمشبه يعبد صنمًا» (٢)؛ لأن نفي الأسماء والصفات يستلزم نفي الذات، فكلهم مبطلون؛ لكن الذي يعبد موجودًا أعقل من الذي يعبد معدومًا. وقوله: «فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية». المصنف ﵀ يتحرى السجع؛ لأنه يروق للسامع، فهو من جنس الشعر، «فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية»، هذه الكلمات

стр. 161

فيها تنويع في التعبير، وتحسينات لفظية مترادفة تقريبًا، والوحدانية نسبة للواحد بزيادة «نون». وقوله: «منعوت بنعوت الفردانية»، نسبة للفرد، «ليس في معناه أحد من البرية»، ليس له مِثلٌ من خلقه، فالجمل الثلاث مدلولها واحد، وتتضمن أمرين: - إثبات أنه الواحد. - ونفي الشريك والمثيل عنه ؛ فهو الواحد الذي لا نظير له، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾. واسم «الواحد» ثابت لله تعالى في القرآن، كما قال : ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)﴾ [ص]، وهو الأحد، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾. * * *

стр. 162

الواجب في الألفاظ المحدثة في صفاته تعالى وقوله: «وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات». كلمة «تعالى»: تفيد التنزيه، وجاءت في القرآن في مواضع: ﴿ ﴾ [الأنعام: ١٠٠]، ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾ [النمل]، وهي من جنس ﴿سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة: ١١٦] و ﴿تَبَارَكَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، فكلها ألفاظ تفيد التنزيه. «تعالى»: تنزه وتقدس. وهذه الألفاظ التي استعملها الإمام الطحاوي - عفا الله عنا وعنه - لم ترد في كتاب ولا سنة، فليس في شيء من النصوص هذا النوع من النفي، فليته لم يأت بهذه العبارات التي هي من جنس عبارات أهل البدع؛ فإنهم يأتون بألفاظ محدثة ومجملة، والقاعدة في الألفاظ المحدثة المجملة: التوقف عن الحكم على قائلها أو عليها إلا بعد الاستفصال؛ فإن أراد منها حقًّا؛ قبلنا ما أراد، وإن أراد باطلًا؛ رددنا الباطل، وإن أراد حقًّا وباطلًا؛ وقفنا اللفظ، وقبلنا الحق، ورددنا الباطل (١).

стр. 163

وهذا الموقف هو موقف العدل والإنصاف، فإن الموافقة على مثل ذلك تؤدي إلى الوقوع في الباطل وموافقة المبطل، والمبادرة بالرد تؤدي إلى رد الحق؛ لأن المتكلم بذلك قد يريد حقًّا، فكان في التوقف والاستفصال مخرجٌ من التورط برد الحق، أو الموافقة على الباطل، هذه قاعدة مقررة معروفة، وهي منهج من مناهج الجدل والمناظرة. ونأتي لهذه الكلمات: «تعالى عن الحدود»، هذا لفظ مجمل، والحد يطلق ويراد به تحديد الماهية، مثل الحد عند المناطقة، أي: التعريف الذي يتضمن تحديد كنه الشيء وماهيته؛ فإن أريد هذا فهو ممتنع، إذ لا سبيل إلى تحديد الرب تعالى وذكر حقيقته، فتعالى عن أن يحده الحادون، وأن يصلوا إلى معرفة كنهه وحقيقته، قال شيخ الإسلام: «أهل العقول هم أعجز عن أن يحدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها» (١)، فهذا المعنى حق، تعالى الله عن أن يدرك أحد حقيقة ذاته أو حقيقة صفاته. ويأتي لفظ «الحد» ويراد به أنه ليس ساريًا في العالم حالًّا في المخلوقات؛ بل هو فوق سماواته، وهذا المعنى جاء عن الإمام ابن المبارك، لما قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: «بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه. قيل: بحد؟ قال: بحد» (٢).

стр. 164

وقوله: «والغايات»: الغاية تطلق ويراد بها النهاية، وتطلق ويراد بها المقصود من الفعل، أي: الحكمة منه، فإذا أريد أن الله تعالى منزه عن أن تكون له حكم في أفعاله؛ فهذا باطل؛ لأن الله له الحكمة البالغة في خلقه وفي شرعه، يقول شيخ الإسلام ﵀ في «التدمرية» (١): «والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته - وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة - تدل على حكمته البالغة». ومن العلل والحكم ما علمناه بالنص عليه في الكتاب أو السنة، ومنها ما يُهتدى إليه بالتدبُّر والتفكر، ومنها ما طوى الله علمه عن عباده؛ فالعباد لا يحيطون بحكمته تعالى (٢). وكذلك إذا أريد بنفي الغايات: نفي أن يكون الله في السماء فوق العرش؛ وأنه في كل مكان، كقول الجهمية الحلولية. فنفي الغايات من النفي المحدث لمعانٍ أو ألفاظ مجملة. وقوله: «والأركان والأعضاء والأدوات»: لا حول ولا قوة إلا بالله! عفا الله عن المؤلف وغفر الله لنا وله! ماذا يريد بالأركان والأعضاء والأدوات؟! لقد كان في غنى عن هذا الكلام، أين الآية أو الحديث الذي فيه هذه الألفاظ؟

стр. 165

والأركان: الجوانب، والأعضاء التي في الإنسان والحيوان هي أجزاؤه التي يمكن أن تتبعض والمخلوق يتبعض، فالإنسان يتجزأ، وأجزاؤه يقال لها: أعضاء؛ لأنه يمكن انفصالها. فنفي الأعضاء بمعنى: أنه تعالى منزه عن التجزؤ، حقٌّ، فالله منزه عن التجزؤ، فهو تعالى أحد صمد؛ لكن هذا التعبير المحدَث يمكن أن يفهم منه المبطل نفي بعض الصفات؛ لأن قوله: «والأعضاء» يحتمل نفي بعض الصفات الذاتية كالوجه والعينين واليدين، فيقول المبطل: هذه أعضاء، فننفي الأعضاء، وهذا باطل، ونرجو أن المؤلف لم يرد هذا، وإنما أراد نفي ما تحصل به مماثلة المخلوق للخالق، لا سيما أنه قال: «موصوف بصفات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية»، فهو في مقام تنزيه الله عن مماثلة المخلوقات. وقوله: «لا تحويه الجهات الست». الجهات الست: فوق وتحت، وأمام وخلف، ويمين وشمال. والمبدعات: المخلوقات. وهذه - أيضًا - من الألفاظ المجملة؛ فنفي الجهة عن الله لفظ مجمل مبتدع، ليس في كتاب الله تعالى ولا سنته ﷺ ؛ أن الله ليس في جهة؛ بل النصوص مصرحة بأنه تعالى فوق: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، فهو سبحانه في العلو، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه]، والعرش فوق المخلوقات، والله فوق العرش.

стр. 166

قال شيخ الإسلام ﵀: «لفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقًا، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش، أو نفس السماوات. وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم» (١). فإذا أُريد بالجهة ما وراء العالم فالنافي للجهة مبطل، إذ ليس وراء العالم شيء مخلوق؛ بل وليس وراء العالم شيء موجود إلا الله تعالى. وإذا أريد بالجهة شيء مخلوق، مثل أن يراد بالجهة نفس السماء أو العرش، وأن الرب سبحانه حال في ذلك؛ فالنافي لهذا مُحِق والمثبت له مُبطِل. فإذا أريد بكلمة «الجهات» أشياء موجودة مخلوقة؛ فالله منزه من أن يحيط به شيء من المخلوقات؛ بل هو تعالى أعظم وأكبر من أن يحيط به شيء من المخلوقات؛ لأنه تعالى العظيم الذي لا أعظم منه فهو الذي ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وهو الذي ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]، ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، لا يحيط به شيء من الجهات؛ لكنه في العلو فوق جميع المخلوقات، بائن من خلقه، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في المخلوقات شيء من ذاته.

стр. 167

وقد وقف الشارح ابن أبي العز ﵀ في هذا الموضع (١)، وتكلم على هذه الألفاظ كلامًا حسنًا، فجزاه الله خيرًا على ما فعل، وقد أحسن كثيرًا بهذا الشرح، الذي لزم فيه منهج أهل السنة. * * *

стр. 168

مذهب أهل السنة والجماعة في الإسراء والمعراج وقوله: «والمعراج حقٌّ، وقد أُسري بالنبي ﷺ ، وعُرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه الله بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى، ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ [النجم]، فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى». الإمام الطحاوي ﵀ في هذا المؤلَّف المختصر في مسائل الاعتقاد لم يلتزم بالتنسيق بين المسائل، وضم كل نوع إلى ما يناسبه؛ بل نوَّع؛ فتارة يذكر المسائل المتعلقة بالتوحيد وبأسماء الله وصفاته، والمسائل التي تخص الرسول ﷺ ، ومسائل أخرى كثيرة تتصل بالقدر، والملائكة … ، فتجده يتنقَّل؛ فمثلًا: قال هنا: «والمعراج حق، وقد أسري بالنبي ﷺ » فالإسراء والمعراج مما يتصل بخصائص نبينا ﷺ ، فَصَلَه المؤلف عما تقدم من كلامه (١) في رسالة نبينا محمد ﷺ ، وما ذكره من بعض خصائصه. وأصل كلمة «مِعْرَاج» في اللغة: آلة العروج (٢)، والعروج: الصعود، فتقول: عرج إلى السطح وإلى الجبل وإلى السماء، أي: صعد، قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [المعارج: ٤] وفي الحديث: «ثم يعرج

стр. 169

الذين باتوا فيكم» (١)، وليس المراد هو إثبات الآلة أو الوسيلة التي عرج بها النبي ﷺ ؛ بل إثبات عروج النبي ﷺ إلى السماوات، وإلى حيث شاء الله من العلا، فكأن المصنف يقول: وعروج نبينا ﷺ إلى ما شاء الله حق؛ لكن صار لفظ «الِمعراج» عَلَمًا على هذا الأمر. وقد أشار الله إلى العروج بالنبي ﷺ في القرآن في سورة النجم: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾ [النجم]، وقد ثبت في الصحيح: أنه ﷺ حينئذٍ رأى جبريل على صورته التي خُلِق عليها له ستمائة جناح (٢). والمراد بالإسراء هو: الذهاب بالنبي ﷺ ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]. وقد جاء ذِكرُ صفات المِعْراج في أحاديث؛ لكن الغالب أنها ليست من الأحاديث المعتمدة، لكن الإسراء بالنبي ﷺ ، والعروج به إلى السماوات هذا أمر معلوم، ومُجمَع عليه بين أهل السنة، ودلت عليه الأحاديث الصحاح المتواترة (٣). وقد اختلف الناس في حقيقة الإسراء والمعراج - مع الاتفاق على ثبوتهما - على أي وجه وقع؟

стр. 170

والحقُّ أنه قد أُسري بالنبي ﷺ بروحه وبدنه، وعُرج به إلى حيث شاء الله من العلا يقظة لا منامًا، ولهذا نص المؤلف على ذلك بقوله: «وقد أسري بالنبي ﷺ ، وعُرج بشخصه في اليقظة»، وهذا هو الذي يدل عليه ظاهر الأدلة، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] والعبد اسم للروح والبدن. وتصدير هذه الآية بالتسبيح دال على عظم الأمر، والإسراء كان بروحه وبدنه يقظة لا منامًا؛ فإن الذهاب والانتقال في النوم أمر ليس بمستغرب ولا مستنكر، فهو يحدث لسائر الناس. ومما يؤكد هذه الحقيقة ما جاء في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ لما أخبر قريشًا استعظموا ذلك وكذبوه، وسألوه عن أشياء من بيت المقدس، قال النبي ﷺ : «فكُرِبت كربةً ما كُرِبت مثلَه قطُّ، فرفعه الله لي أَنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلَّا أنبأتهم به» (١)، فهذا كله يؤكد أن الإسراء كان بروحه وبدنه يقظة لا منامًا. وكذلك العروج به إلى ما شاء الله من العلا كان بشخصه ﷺ يقظة لا منامًا، فهذا هو الأمر الخارق العظيم أن يقطع هذه المسافات ويعود في ليلة. وفي حديث الإسراء والمعراج أمور كثيرة، منها أن جبريل ﵇ صعد به واستفتح له السماء، ثم فُتح له، فلقي الأنبياء: آدم وعيسى ويحيى ويوسف وإدريس وهارون وموسى وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام،

стр. 171

وعند كل سماء يستفتح، فكل سماء لها أبواب وحُرَّاس من ملائكة الله، وكل ذلك من الغيب، لا نتصوره ولا ندرك حقائقه، فيستفتح جبريل ﵇، فيقول له الملك الموكل بباب السماء: من؟ فيقول: جبريل. فيقول: ومن معك؟ فيقول: محمد ﷺ . فيقول: وهل أرسل إليه؟ فيقول: نعم، فيقول: مرحبًا، ولَنِعم المجيء جاء، عند كل سماء يتجاوزها حتى بلغ سدرة المنتهى، وفرض الله عليه الصلوات الخمس (١). وقال بعضهم: إنه كان منامًا! واحتجوا برواية شريك بن عبد الله ابن أبي نمر: «واستيقظ وهو في المسجد الحرام» (٢) وردَّ ذلك المحققون وقالوا: إن هذا وهم من شريك، وقد وهم في هذا الحديث في مواضع عدة (٣). والقول بأن الإسراء والمعراج كان منامًا قول باطل ليس بشيء، فلو قال الرسول ﷺ لقريش: إني رأيت في المنام، لم يكذبوه؛ لأنه أمر عادي يحصل لآحاد الناس. ونُسب إلى عائشة ومعاوية ﵄ (٤) أن الإسراء والمعراج كان بروحه ﷺ دون جسده. وهو رأي عندي غير مقبول، ويَرِدُ عليه ما يَرِد على القول بأنه كان منامًا، فإذا كان جسده باقيًا عندهم فلا يكون بينه

стр. 172

وبين رؤيا المنام كبير فرق، وما معنى أن يأتيه جبريل بالبراق، ويحمله عليه ويسير به، ويصلي بالأنبياء؟ فهذا القول فيه نظر، وهو خلاف ظاهر الأدلة. ومن اختار هذه الأقوال من العلماء أراد أن يوفق بين الروايات فيقول: إن الإسراء كان مرة يقظة ومرة منامًا، ومرة في مكة ومرة في المدينة! وهذا وهَّنه العلامة ابن القيم، وقال: «هذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات جعلوه مرة أخرى، فكلما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع! والصواب الذي عليه أئمة النقل: أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة، ويا عجبًا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارًا، كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسًا، ثم يقول: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين ثم يحطها عشرًا عشرًا» (١). فالصواب: أن الإسراء والمعراج حدث مرة واحدة والنبي ﷺ في مكة قبل الهجرة، وفُرضت عليه الصلوات الخمس، وقد اتفق أهل العلم: أن

стр. 173

الصلوات الخمس قد فرضت عليه وهو في مكة قبل الهجرة، والمشهور أن ذلك قبل الهجرة بثلاث سنوات، وقيل: بأقل، وقيل: بأكثر (١). وفي قصة الإسراء والمعراج الدلالة على عظم شأن الصلاة حيث فرضت على النبي ﷺ بلا واسطة، وفرضت عليه وهو في أعلى المقامات فوق السماوات. وفي قصة الإسراء والمعراج دلالة على علو الله تعالى على خلقه، فإنه عُرج به إلى ربه، كما قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، فالملائكة والأرواح تعرج إلى الله؛ لأنه في العلو. وفيها إثبات صفة الكلام لله تعالى، وتكليمه لنبينا محمد ﷺ بلا واسطة. وفي ذلك فضيلة لنبينا ﷺ حيث أكرمه الله ورفعه على سائر النبيين والمرسلين، حتى تجاوز كل الأنبياء، حتى إبراهيم ﵇ لقيه في السماء السابعة وتجاوز إلى مكان فوق ذلك يسمع فيه صريف الأقلام (٢). سبحان الله مع هذه الأبعاد العظيمة يتم هذا في ليلة، هذا أمر خارق، ولا تقل: كيف؟ والآن أتَى الله للناس بشيء ما كان يخطر ببالهم، هذا الصوت الآن في أقصى الدنيا، يقول لك: السلام عليكم، فتقول: وعليكم السلام،

стр. 174

فتسمعه وترد عليه، والذين يصعدون في المراكب الفضائية أيضًا مع البعد العظيم الذي تنتهي إليه تلك المراكب، يتكلمون مع من يكلمهم في الأرض، ويصل الصوت في نفس الوقت، فهذا مثال أصغر للحدث العظيم حدث الإسراء والمعراج، سبحان الله! هذه أمثلة وآيات لعلها تدخل في عموم: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]. وأي أمر تستعظمُه مما أخبرت به الرسل فرُدَّه إلى كمال القدرة يَسْهُلْ أمره عليك جدًّا، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [البقرة]، ومتى استبعد الإنسانُ شيئًا من ذلك، فذلك لنقص إيمانه بكمال قدرة الرب تعالى وتقدس، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [فاطر]. * * *

стр. 175

إثبات حوض نبينا محمد ﷺ وقوله: «والحوض الذي أكرمه الله تعالى به - غِياثًا لأمته - حقٌّ». تواترت السنة عن النبي ﷺ في الخبر عن حوضه (١)، وقال النبي ﷺ للأنصار: «إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» (٢)، وأخبر عن ورود أمته عليه وهو على حوضه، وقال ﷺ : «إني فَرَطُكم على الحوض - أي: سابقكم - وإنه سَيَرِدُ عليَّ أقوام من أمتي فيذادون عن حوضي فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؛ فأقول سحقًا سحقًا لمن غَيَّر بعدي» (٣)، فيجب الإيمان بما دلت عليه الأخبار من حوضه ﷺ ، وأن طوله شهر وعرضه شهر (٤)، وآنيته عدد نجوم السماء، وماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل (٥).

стр. 176

والحوض في عرصات القيامة، قبل دخول الجنة، يرد عليه المستمسكون بسنته ﷺ ، فمن شرب منه لم يظمأ بعدها أبدًا (١)؛ لأنه يصير إلى الجنة، وعنده أنهارها: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه]، فليس فيها ظمأ ولا جوع؛ لأن كل مطالب النفوس موجودة فيها، ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]، ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد: ١٥]، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، في آيات كثيرة. ومما جاء في أحاديث الحوض أنه: «يشخب فيه ميزابان من الجنة» (٢)، ميزابان يصبان فيه - الله أعلم بقدرهما وصفتهما - من نهر الكوثر الذي أعطاه الله محمدًا ﷺ وأكرمه به، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر]، والمعتمد في تفسيره: أنه نهر في الجنة أكرمه الله به، ففي حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أتدرون ما الكوثر؟» فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم» (٣).

стр. 177

فيجب الإيمان بما دلت عليه هذه الأخبار، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، ولهذا قال الطحاوي: «والحوض الذي أكرمه الله تعالى به - غِياثًا لأمته - حقٌّ». وورد في حديث رواه الترمذي أن النبي ﷺ قال: «إن لكل نبي حوضًا» (١)؛ ولكن أعظمها حوض نبينا ﷺ ؛ لأن المؤمنين من أمته ﷺ هم أضعاف أضعاف المؤمنين من سائر الأمم، فكثرة أتباعه ﷺ والمؤمنين به يقتضي أن يكون حوضه أعظم الموارد. وتكلم بعض العلماء في شأن ترتيب الحوض مع بعض أمور القيامة، هل يكون قبل الميزان أو بعده؟ وهل هو قبل الصراط أو بعده؟ والشارح ابن أبي العز (٢) نقل عن القرطبي (٣): أنه قبل الميزان، وعلل هذا بأن الناس يبعثون من قبورهم عطاشًا، فيقدم قبل الميزان والصراط. وهذا لا يكفي دليلًا، وما الدليل على أن المؤمنين الذين هم أهل الورود يبعثون عطاشًا؟! فهذه المسألة يجب الإمساك عن الكلام فيها، فلا نقول: قبل ولا بعد، فالله أعلم، هذه أمور غيبية، ولا يجزم بشيء منها إلا بحجة وبرهان.

стр. 178

وأما كونه قبل الصراط أو بعد الصراط فهذا فيه تأمُّل، و استدل من قال: إنه قبل الصراط: بأنه ثبت أنه يَرِد عليه من يُذاد عنه ممن استوجب العذاب، وهؤلاء لا يجاوزون الصراط. واختار ابن القيم: بعد أن حكى القولين أنه لا يمتنع أن يكون قبل الصراط وبعده، فإن طوله شهر وعرضه شهر، فإذا كان بهذا الطول والسعة، فما الذي يحيل امتداده إلى ما وراء الصراط، فيردونه قبل وبعد (١). والأمر محتَمل. والله أعلم. * * *

стр. 179

إثبات شفاعته ﷺ لأمته، وذكر الشفاعة الخاصة به وقوله: «والشفاعة التي ادخرها لهم حقٌّ، كما رُوي في الأخبار». أي: الشفاعة التي ادخرها النبي ﷺ لأمته يوم القيامة، كما صح بذلك الحديث فقد قال ﷺ : «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجَّل كل نبي دعوته، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة - إن شاء الله - من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا» (١)، فهذه الشفاعة في أهل الكبائر، وهي إحدى شفاعات نبينا ﷺ ؛ فإن له ﷺ عدة شفاعات: أولها وأعظمها: شفاعته في أهل الموقف أن يقضى بينهم، وهي المقام المحمود الذي خصه الله به في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء]، وجاء في الحديث في الدعاء بعد الأذان: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدتَه، حَلَّت له شفاعتي يوم القيامة» (٢). وقد تواترت الأحاديث (٣) في ذكر استشفاع الناس بآدم وأولي العزم من الرسل أن يشفعوا لهم عند الله أن يريحهم مما هم فيه من الكرب والشدة وأهوال الموقف.

стр. 180

وهذه الشفاعة لا ينكرها أحد من أهل البدع؛ لأنها لا تناقض شيئًا من أصولهم. والثانية: شفاعته ﷺ في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فبعدما يجوزون الصراط يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار فإذا هُذِّبُوا ونُقُّوا أُذِن لهم بدخول الجنة (١)، ثم إنهم لا يدخلون إلا بشفاعته ﷺ (٢). وهاتان الشفاعتان خاصتان به ﷺ . والثالثة: شفاعته ﷺ فيمن دخل النار من عصاة الموحدين أن يخرج منها، وهذا جاء صريحًا في الأحاديث، وأنه ﷺ يشفع أربع مرات، وفي كل مرة: يسجد ﷺ لربه ويدعو ويستشفع فيقال له: «ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. ثم أشفع؛ فيَحُدُّ لي حدًّا فأخرجهم من النار» (٣). وتواترت الأحاديث (٤) بأنه يخرج من النار بهذه الشفاعات من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال خردلة، أو شعيرة، أو بُرَّة أو ذرة من إيمان، وأنهم يخرجون من النار وقد صاروا حُمَمًا - أي: مثل الفحم - فَيُلْقَون في نهر بأفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فَيَنْبُتُون كما تنبت الحِبَّة في حميل السيل (٥).
следующие страницы →