كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ٣٥﴾ [غافر]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ [غافر].
وقوله: «ونشهد أنه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين، فعلَّمه سيد المرسلين محمدًا صلى عليه وعلى آله أجمعين، وهو كلام الله تعالى، لا يساويه شيء من كلام المخلوقين، ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين».
هذا من شواهد ما تقدم ذكره (١) من أن المصنف لم يرتب الكلام في مسائل الاعتقاد، ويجمع كل صنف ويضمه إلى جنسه، بل فرَّق الكلام في أصول الإيمان.
فهذه الجملة المذكورة تتعلق بالقرآن، وقد تقدم (٢) القول في عقيدة أهل السنة في القرآن، وأن القرآن كلام الله حقيقة منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه كلام الله على الحقيقة وليس ككلام البشر، والناس في القرآن منهم الكفار المكذبون للقرآن الذين قالوا: إنه كلام محمد، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر]، ومنهم من يؤمن بتنزيل القرآن لكنه يتأوله على غير تأويله، ويفسره بما يوافق هواه وأصوله الباطلة، كما فعل القدرية والجهمية والرافضة، فكل طائفة تؤول القرآن على ما يوافق مذهبها وأصولها.
стр. 247
وقوله: «ونشهد أنه كلام رب العالمين».
نشهد ونؤمن ظاهرًا وباطنًا، ونقر بقلوبنا وألسنتنا أن هذا القرآن كلام ربنا، تكلم به سبحانه حقيقةً، وأنه كلام الله حروفه ومعانيه، هو كلام الله تعالى مكتوبًا في المصاحف، أو محفوظًا في الصدور، أو متلوًّا بالألسن، أو مسموعًا بالآذان، فالذي يقرؤه القارئ نقول: هذا كلام الله، أي: المتلو، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، لكن نحن نسمع كلام الله من صوت القارئ، كما سمع الصحابة القرآن بصوت الرسول ﷺ ، وسمعه الرسول من جبريل ﵇، وسمعه جبريل من رب العالمين.
وقوله: «نزل به الروح الأمين»، جبريل ﵇ هو: الروح الأمين، وهو روح القدس.
وقوله: «فعلَّمه سيد المرسلين محمدًا صلى عليه وعلى آله أجمعين».
كما قال : ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم]، فجبريل هو الموكل بالوحي، ولهذا أضاف الله القرآن إلى الرسول من البشر محمد ﷺ ، وأضافه إلى الرسول من الملائكة وهو جبريل ﵇، كما قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾ [الحاقة]، فالمراد بالرسول في هذه الآيات: محمد ﷺ ،
стр. 248
وقال سبحانه في سورة التكوير: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير]، وهذا جبريل ﵇.
وقوله: «وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين».
هذا تأكيد لما سبق أنه كلام الله، ولا يساويه شيء من كلام العالمين، ولهذا تحدى الله به الثقلين: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء].
وقوله: «ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين».
ولا نقول بخلق القرآن كما قالت المعطلة المبتدعة كالجهمية والمعتزلة ومن وافقهم؛ بل نقول: إنه كلام الله حقيقة حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف (١).
وقوله: «ولا نخالف جماعة المسلمين».
جماعة المسلمين في الصدر الأول، وإلا فالمسلمون بعد الصدر الأول قد تفرقوا واضطربوا واختلفوا في القرآن، فنحن لا نخالف جماعة السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
* * *
стр. 249
أهل السنة لا يكفرون بكل ذنب
وقوله: «ولا نُكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله».
عبارة المؤلف تقتضي أن أهل السنة لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بأي ذنب.
والذنوب نوعان: ذنوب من أنواع الردة؛ كالشرك وما في درجته، وهي أعظم الذنوب، وذنوب دون الشرك لا توجب الردة. وإذا أخذت عبارة المؤلف على إطلاقها فظاهرها أن كل من كان مسلمًا فإنه لا يكفر، بأي ذنب ارتكبه حتى ولو كان شركًا، ولا ريب أن الطحاوي لم يقصد هذا، وإنما يقصد الذنوب التي دون الشرك.
ولهذا قال الشارح ابن أبي العز: «امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول: بأنا لا نكفر أحدًا بذنب؛ بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب» (١)، فهذه هي العبارة الدقيقة، وتكون من سلب العموم، لا من عموم السلب؛ كعبارة الطحاوي، ومضمون سلب العموم: أنا لا نُكفِّر أحدًا من أهل القبلة بكل ذنب، إنما نُكفِّره بالشرك وما في حُكمه، ولا نُكفِّر أحدًا من أهل القبلة بما دون ذلك. والله تعالى قد جعل الذنوب قسمين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فنحن أهل
стр. 250
السنة لا نُكفِّر أحدًا من أهل القبلة بشيء من الذنوب التي دون الشرك، خلافًا للخوارج الذين يكفرون بالذنوب، وقد يعدون ما ليس بذنب ذنبًا فيُكفِّرون به، والخوارج هم الذين ظهروا بهذه البدعة في عهد علي ﵁ فقاتلهم، وقد أخبر الرسول ﷺ عنهم وندب إلى قتالهم، وذكر الأجر العظيم لمن قتلهم (١).
إذًا؛ الذنوب فيها مُكفِّر وغير مُكفِّر؛ فكل ما هو من أنواع الردة فهو مُكفِّر، كالشرك، والتكذيب بما جاء به الرسول ﷺ ، والاستهزاء بالرسول ﷺ ، أو بالقرآن، وهناك ذنوب اختلف العلماء في كفر فاعلها؛ كترك الصلاة.
وقوله: «ما لم يستحله»، أي: لا نكفره بهذا الذنب إلا أن يعتقد حله، فإن اعتقد حله كفر؛ كجحد وجوب الصلاة أو الحج أو صيام رمضان، وجحد تحريم المحرمات المعلوم حكمها بالضرورة من دين الإسلام؛ كتحريم الزنا، والخمر؛ لأنه يكون مكذبًا للقرآن والسنة المتواترة، وما أجمع عليه المسلمون، ومن اعتقد حل ما حرمه الله مما تحريمه معلوم من دين الإسلام بالضرورة فهو كافر حتى ولو لم يفعله؛ لأنه ليس من شرط ثبوت الردة بالاستحلال فعل المكلف لما استحله من الحرام.
* * *
стр. 251
تأثير الذنوب على الإيمان
وقوله: «ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله».
وأهل السنة لا يقولون: «لا يضر مع الإيمان ذنب» خلافًا للمرجئة، والطحاوي في هاتين الجملتين يقصد الرد على الخوارج في الأولى، وعلى المرجئة الغلاة في الثانية، والمرجئة والخوارج على طرفي نقيض، فالخوارج يُكفِّرون بالذنوب، فعندهم فاعل الكبيرة كافر مرتد خارج عن ملة الإسلام حلال الدم والمال (١)، أما عند المرجئة ما دام معه أصل الإيمان وهو التصديق أو معرفته للخالق فهو عندهم مؤمن كامل الإيمان، لا يضره ما يفعل من الذنوب (٢)، وبدعتهم هذه أقبح من بدعة الخوارج؛ لأن الخوارج يعظمون أمر الذنوب، ويبالغون في الحذر والتحذير منها، وقد اختلف العلماء في تكفيرهم، فعن أحمد فيهم روايتان (٣)، ونقل شيخ الإسلام أن الصحابة أجمعوا على عدم كفر الخوارج (٤)، لكنهم مبتدعة ضُلاَّل.
стр. 252
أما بدعة المرجئة الغلاة فهي أشنع من بدعة الخوارج؛ لأن مضمونها الجرأة على المحرمات وعدم المبالاة بها، واقتراف السيئات، وهذا فيه رد لنصوص الكتاب والسنة الدالة على تحريم المحرمات، وترتب العقاب عليها؛ كالقتل، والتولي يوم الزحف، وأكل مال اليتيم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء]، فكيف يقال: لا يضر مع الإيمان ذنب؟!
وهذا مذهب جهم، وجهم إمام غلاة المرجئة، أما مرجئة الفقهاء فمذهبهم ليس كذلك، إنما هم يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان، لكن يقولون بوجوب الواجبات وتحريم المحرمات، وترتب العقاب على فعل المحرمات وترك الواجبات، فالذنوب عندهم تضر مرتكبها، و يستحق العقاب الذي توعد الله به في كتابه، أو أخبر به الرسول ﷺ .
وأهل السنة وسط في هذا المقام فلا يُكفِّرون أهل الكبائر، ولا يُؤَمِّنُونَهم من العقاب، و يرون أن مرتكب الكبيرة في الدنيا مؤمن بما معه من الإيمان، فاسق بما ارتكب من الكبيرة، وما ورد في النصوص من إطلاق اسم الكفر على بعض الأعمال، أو بعض العاملين مما هو دون الشرك، فهو محمول على الكفر الأصغر الذي يعبر عنه بكفر
стр. 253
دون كفر، كقول النبي ﷺ : «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (١)، وقوله ﷺ : «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت» (٢)، وما أشبه ذلك، وفي الآخرة هو تحت مشيئة الله، هذا حُكمهم في الآخرة، كما سيأتي تقرير حكم أهل الكبائر في قول الطحاوي: «وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون، وإن كانوا غير تائبين».
* * *
стр. 254
الرجاء للمحسنين، والخوف على المسيئين
وقوله: «ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم، ولا نقنطهم».
نرجو للمحسنين - لا أي أحد - أن يعفو الله عنهم، ويتجاوز عن ذنوبهم؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات، وأن يدخلهم الجنة برحمته ، ولا نأمن عليهم العقاب على ذنوبهم؛ لأن ذلك مردود إلى مشيئته ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهو سبحانه أعلم وأحكم؛ فيجعل فضله وعفوه وإحسانه ورحمته حسبما تقتضيه حكمته البالغة، ويعاقب من يشاء، كما قال : ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، فالأمر مردود إلى مشيئة الله؛ لكن نعلم بدلالة النصوص أن من المذنبين من يعفو الله عنهم، ومنهم من يعاقبه ويدخله النار ثم يخرجه منها، ولا يصح أن نقول: يجوز أن يتجاوز الله عن جميع المذنبين فلا يدخل أحد منهم النار؛ لأن النصوص دلت على أن من أهل الكبائر من يدخل النار ثم يخرج منها (١).
стр. 255
وقوله: «ونرجو للمحسنين».
يريد أهل الإحسان الذين حسن إسلامهم واستقاموا عليه، فهؤلاء أهل الإحسان العظيم، يُرجى لهم من العفو والرحمة والمغفرة ما لا يرجى لغيرهم؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات.
وقوله: «ولا نشهد لهم بالجنة».
لا نشهد لأحد من المحسنين الصالحين بالجنة، فضلًا عمن دونهم، وهذه مسألة سيأتي النص عليها في كلام الطحاوي (١)؛ لأنه يكرر المعنى الواحد أحيانًا في أكثر من موضع، فلا نشهد لأهل القبلة بجنة ولا نار.
والشهادة بالجنة ذكر فيها الشارح ابن أبي العز ثلاثة مذاهب (٢):
قيل: لا يُشهَد إلا للأنبياء.
وقيل: يُشهد بالجنة لكل من جاء فيه النص، وهو قول كثير من العلماء وأهل الحديث.
وقيل: يُشهد بالجنة لهؤلاء، ولمن شهد له المؤمنون.
والقول الثاني هو أصحها، فمن شهد له الرسول ﷺ شهدنا له بالجنة، كالعشرة المبشرين بالجنة (٣)، وثابت بن قيس بن شماس (٤)،
стр. 256
والحسن والحسين (١)، رضوان الله عليهم، ومن شهد له الرسول ﷺ من الجماعات؛ كأهل بيعة الرضوان نشهد بأن جميعهم في الجنة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (١٨)﴾ [الفتح]، وقال النبي ﷺ : «لا يدخلُ النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة» (٢).
أما من شهد له المؤمنون، فيستدل له بحديث أنس ﵁ قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي ﷺ : «وجبت»، ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شرًّا، فقال: «وجبت»، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: «هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض» (٣).
لكن هذا خطاب لجماعة من خيار الصحابة ﵃، فلا يتأتى اعتبار أي جماعة من الناس أن شهادتهم للشخص توجب الشهادة له بالجنة، إذا شهدوا له بالخير والصلاح؛ لكن شهادة المسلمين والصالحين مما يُستبشَر به، ومما يبشر بالخير ويبعث على الرجاء، أما أن يشهد له بالجنة بناء على هذا فلا، وهذا المُثنَى عليه خيرًا لم يعلم أنه في الجنة إلا بقول الرسول ﷺ : «وجبت»، وهذا لا يتأتى لغيره من الناس.
стр. 257
وقوله: «ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم».
نرجو للمحسنين أن يعفو الله عنهم ويدخلهم الجنة، ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر للمسيئين، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، فالله ندب نبيه ﷺ أن يستغفر ربه لذنبه وللمؤمنين، وهذه سنة الأنبياء، فقد ذكر الله عن نوح أنه قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨]، وعن إبراهيم أنه قال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم]، وقد أثنى الله على الذين يستغفرون لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر]، فينبغي أن يكون هذا دأب المسلم فيستغفر ربه لنفسه ولإخوانه المسلمين.
وقوله: «ونخاف عليهم».
قال في المحسنين: «ولا نأمن عليهم» مع إحسانهم، وهنا قال: «ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم»، فنخاف على المسيئين من عقاب الله، ولا نُؤَمِّنُهم كحال المرجئة الذين يقولون: «لا يضر مع الإيمان ذنب»، ولا نُقنِّطهم كحال الخوارج الذين يقولون: «لا يرجى لهم مغفرة ولا رحمة ولا يدخلون الجنة»، وهذا مسلك أهل السنة ﵃، فهم وسط بين هذه الفرق: وسط في باب الأسماء والصفات، وسط في أفعال العباد، وسط في أسماء الإيمان والدين، وسط في أهل الكبائر، وسط في الصحابة، فكل هذه العبارات تتضمن تقرير التوسط في أمر أهل الذنوب، فلا نكفرهم، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله.
стр. 258
مذهب أهل السنة وسط بين الوعيدية والمرجئة
وقوله: «والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة».
الأمن ضد الخوف، والمراد الأمن من عذاب الله ومكره، كما قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف]، والأمن من عذاب الله يتضمن التكذيب بوعيد الله، وهو مقتضى قول غلاة المرجئة: «لا يضر مع الإيمان ذنب»، وهذا إذا كان عن اعتقاد أنه في مأمن من عذاب الله، لا إن كان ناتجًا عن غفلة، كحال كثير من الناس، إذ لو كان يخاف من العذاب ويستحضره لأوجب ذلك خوفه من الله، وإقباله عليه، وقيامه بالواجبات، واجتنابه للمحرمات، فهذا ليس من الأمن الذي جاء في شأنه الوعيد.
وضد الأمن من عذاب الله وبأسه ومكره: اليأس من رحمة الله، والإياس: هو اليأس، وهو ضد الرجاء، وقد قال : ﴿إِنَّهُ لَا يَايْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ [يوسف]، وقريب من معنى اليأس: القنوط، وهو أشد اليأس، كما قال تعالى عن إبراهيم أنه قال: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ [الحجر].
стр. 259
والقنوط واليأس يتضمن إنكار التوبة، وأن الله لا يتوب على من تاب، وفي هذا تكذيب لخبر الله أنه يتوب على التائبين، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠]، ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]، وهذا هو مقتضى مذهب الخوارج، فإن مذهبهم يتضمن أن مرتكب الكبيرة يخرج عن الإسلام، وإن مات على ذلك من غير توبة؛ فهو مخلد في النار كسائر الكفار، وهذا تقنيط للعصاة من رحمة الله، ولهذا قال الطحاوي: «والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام»، ومقتضى هذا أنهما ردة عن الإسلام، ولا شك في كفر من قال: إن الله لا يتوب على من تاب، لمخالفة وتكذيب خبر الله في كتابه، وخبر رسوله ﷺ .
ويلاحظ أن الأمن غلو في الرجاء، والإياس غلو في الخوف، فالغلو في الخوف ينتهي إلى اليأس والتيئيس والتقنيط من رحمة الله، والغلو في الرجاء يفضي إلى الأمن من عذاب الله؛ ولكن إذا كان هذا اليأس عارضًا للإنسان ليس عن اعتقاد؛ بل استعظم ذنبه، وخاف منه، وبلغ به الأمر أنه ظن بجهله أنه لا يغفر له؛ فهذا قد يُعذر بأنه يسيء الظن بنفسه، وأن الله لا يغفر له لسوء عمله؛ مثل الذي أمر أولاده أن يحرقوه إذا مات لشدة خوفه من عذاب الله (١).
«وسبيل الحق بينهما»، الصراط المستقيم بين الأمن واليأس، فالواجب على العبد أن يكون خائفًا راجيًا، فالرجاء من مقامات الدين، ومما أثنى الله به على المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
стр. 260
أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨]، وقال : ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧].
والخوف من مقامات الدين، والله أثنى على أوليائه بأنهم يخافونه ويرجونه: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، وقال : ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبا﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقال : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، فهذا هو الصراط المستقيم في هذا المقام فلا أمن ولا يأس.
والأمور المقتضية للعمل ثلاثة: المحبة، والرجاء، والخوف، فالرسل وأتباعهم يعبدون ربهم حبًّا له تعالى، ورجاء لرحمته وفضله وثوابه، وخوفًا من سخطه وعقابه، فيعبدونه بكل هذه الأحوال والمقامات.
أما أهل الضلال فمنهم من يعبده بالحب فقط؛ كجهلة الصوفية وغلاتِهم، ويستخفون بمقام الرجاء والخوف.
ومنهم من يعبده بالرجاء كالمرجئة، ومنهم من يعبده بالمبالغة في الخوف كالخوارج، ولهذا قال بعض أهل العلم: «من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد» (١)، من كانت عبادته لربه فقط بالحب لا يخاف ولا يرجو،
стр. 261
فهذا ضد طريق الرسل، فالله ذكر أسماءَه وصفاتِه المقتضية للرجاء والخوف، وأثنى على رسله بالرجاء والخوف.
و «حروري»، أي: من الخوارج، «ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد»؛ لأن هذا هو الصراط المستقيم في هذا المقام، لا أمن ولا إياس، بل خوف ورجاء، فالخوف يُعَدِّل الرجاء، والرجاء يُعَدِّل الخوف.
فالواجب على الإنسان أن يسير إلى الله في هذه الحياة بين الخوف والرجاء، فيرجو ويخاف، وفي الأثر: «لا يرجو عبد إلا ربه، ولا يخاف إلا ذنبه» (١).
* * *
стр. 262
ما يخرج به المسلم من الإيمان
وقوله: «ولا يَخرج العبدُ من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه».
أي: لا يصير كافرًا مرتدًا بعد أن صار مسلمًا مؤمنًا إلا بجحود ما أدخله فيه، وهذه الجملة خطيرة جدًّا؛ لأن الإنسان يدخل الإسلام بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فالكافر إذا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ظاهرًا وباطنًا، صار مسلمًا؛ فإن شهد بها بلسانه فقط فهو منافق، وإن شهد بها في باطنه دون ظاهره فهو جاحد، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِئَايَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوّا﴾ [النمل: ١٤]، فلا بد أن يشهد الشهادتين ظاهرًا وباطنًا، عن علم وانقياد وإقرار، بذلك يدخل في الإسلام حقيقة.
فقوله: «إلا بجحود ما أدخله فيه»، معنى ذلك أن ينكر تفرُّد الله بالإلهية، فيصير بها مشركًا، أو ينكر رسالة الرسول ﷺ إلى جميع الناس، فيصير مُكذبًا للرسول ﷺ ، هذا معنى هذه الجملة.
فإذا كان يخرج عن الإسلام بجحود التوحيد أو جحود الرسالة، فلأن يخرج عن الإسلام بالتكذيب أو الشك أولى، وعلى هذا فلا يخرج
стр. 263
عن الإسلام إلا بالتكذيب، أو الشك في الباطن، أو بالجحود سواءً مع تكذيب وشك أو مع تصديق.
ويمكن أن يقال: إن هذه العبارة تقتضي أنه لا يكفر بأي فعل بعد ذلك إذا لم يجحد، وهذا لا يستقيم؛ بل من تكلم بما هو كفر؛ فإنه يكفر ولو لم يجحد؛ كمن يستهزئ بالرسول ﷺ مع إقراره برسالته؛ فهل يقال: إنه جحد الرسالة؟ لا، ومن ذبح لغير الله؛ فإنه يكفر، ولو قال: لا إله إلا الله وأن الله هو الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه، فهذا غير جاحد، فكفره بالفعل، والكفر يكون قولًا وفعلًا واعتقادًا، فهذه العبارة لا تصح على هذا الإطلاق؛ فإنه حصر الحكم بالكفر بالجحود، وهي تساوي قولك: لا يكفر المسلم إلا بالجحود. والله أعلم.
* * *
стр. 264
مذاهب الفِرَقِ في مسمى الإيمان
وقوله: «والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان».
هذا هو تعريف الإيمان عند مرجئة الفقهاء، وهو يقتضي أن أعمال الجوارح كلها ليست من الإيمان؛ بل وأعمال القلوب.
وهو خلاف ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة: أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، أو هو: قول وعمل، قول القلب وهو: اعتقاده، وقول اللسان: وهو إقراره، وعمل: وهو عمل القلب، وعمل الجوارح، فالإيمان يشمل كل هذه الجوانب، وهذا هو الذي دلت عليه النصوص، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال]، وقال الله في الصلاة التي صلاها المسلمون إلى بيت المقدس ومات من مات قبل نسخ القبلة: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، وعقد البخاري ﵀ أبوابًا عديدة في كتاب الإيمان من صحيحه تَرْجم بها لمختلف الأعمال: باب: الجهاد من الإيمان (١)، باب: صوم رمضان احتسابًا من الإيمان، (٢)
стр. 265
باب: اتباع الجنائز من الإيمان (١)، باب: أداء الخمس من الإيمان (٢)، ومن الأحاديث الجامعة قول النبي ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة» (٣). فالصلاة والصيام والحج والجهاد وبر الوالدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الإيمان، وقال النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (٤).
ومسألة مسمى الإيمان مسألة كبيرة، وقد خالف أهل السنة والجماعة طوائف المرجئة، فمنهم مرجئة الفقهاء وهم الذين ذكر الطحاوي مذهبهم: أن الإيمان هو: «تصديق القلب وإقرار اللسان»، وبعضهم يجعل الإيمان هو: «تصديق القلب»، والإقرار شرط فيه، وليس من مسماه، فلا يصح إيمان القلب إلا بإقرار اللسان.
والقول الآخر قول الجهمية ومن تبعهم: «الإيمان هو مجردُ التصديقِ أو مجرد المعرفةِ»، والمعرفةُ والتصديقُ في نظري محصلهما متقارب، فعلى تقريرهم: إذا كان المكلف يعرف ربه فهو مؤمن، والكفر هو جحود الخالق، فأما الإقرار باللسان، وعمل الجوارح، وعمل القلب؛ فالكل ليس من مسمى الإيمان، وهذا يقتضي أن كل طوائف الكفر مؤمنون؛ لأنهم يعرفون الله، حتى كفار قريش، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ
стр. 266
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وأخبر الله عن عادٍ وثمودَ أنهم قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤]، وقوم نوح قالوا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [المؤمنون: ٢٤]، إلى غير ذلك، فهذا أفسد أقوال الناس في مسمى الإيمان.
ومن الأقوال الباطلة قول الكرَّامية: أن الإيمان هو: «الإقرار باللسان»، فالمنافق عندهم مؤمن، لكنه إذا مات فهو مخلد في النار، يقول شيخ الإسلام ﵀ تعليقًا على هذا: «فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم» (١)، فالمنافق عند المسلمين ليس بمؤمن؛ لأنه يبطن التكذيب والشك والإباء، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة]، ويقول شيخ الإسلام عن قولهم: «قول منكر لم يسبقهم إليه أحد» (٢).
فهذه أربعة مذاهب في مسمى الإيمان، وأهمُّ هذه الأقوالِ المخالفةِ قولُ مرجئة الفقهاء: الإيمان هو: «التصديق، وإقرار اللسان»، وأن الأعمال ليست من الإيمان، ولهم على ذلك شبهات كثيرة، وقد أجاب عنها شيخ الإسلام ابن تيمية في «الإيمان الكبير» و «الإيمان الأوسط» وغيرهما.
والمقصود: أنه قول مخالف لما دل عليه القرآن والسنة الصحيحة أن الإيمان اسم لكل أمور الدين: الاعتقادية والعملية والقولية، كما في
стр. 267
الحديث: «الإيمان بضع وستون شعبة» (١)، وإن كان ما في القلب أصلاً لأعمال الجوارح كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلَحت صلَح الجسد كلُه وإذا فسدت فسد الجسد كلُه ألا وهي القلب» (٢).
فالجوارح تابعة للقلب صلاحًا وفسادًا، وهو بالنسبة لها بمثابة الملك مع جنوده.
ومن شبهات المرجئة قولهم: إن الإيمان معناه في اللغة العربية: التصديق.
وقد رد ذلك ابن تيمية (٣) بوجوه كثيرة، منها:
أنه ليس كذلك في اللغة العربية؛ بل الإيمان أخص من مطلق التصديق، وهو الإيمان بالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبِر، فلا تقول لمن قال لك: طلعت الشمس: آمنتُ لك، بل صدقتُك، لكن تقول ذلك لمن أخبرك بأمر لا تدركه ولا تعرفه بحسك، كما قال إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ [يوسف]، فالإيمانُ في اللغة العربية تصديقٌ، لكن ليس كلُّ تصديقٍ يكون إيمانًا.
وهكذا بالنسبة للاستعمال، ف «آمن» يتعدى باللام وبالباء تقول: آمنتُ به، هذا بالنسبة للخبر أو المؤمَن به، وآمنت له بالنسبة للمخبِر، وأما
стр. 268
«صَدَّق» فإنه يتعدى بنفسه، فتقول: صَدَّقه، فهو يختلف عن الإيمان من جهة اللفظ والاستعمال، ومن جهة المعنى والمضمون، وسيأتي لهذا مزيد بحث عند قول المؤلف: «والإيمان واحد وأهله في أصله سواء» (١).
* * *
стр. 269
وجوب الإيمان والعمل بكل ما صح عن النبي ﷺ
وقوله: «وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق».
أي: ما رواه الثقات العدول حسب قواعد أهل الحديث؛ فالروايات عن الرسول ﷺ مروية بالأسانيد، وهي قسمان: متواتر، وآحاد (١).
فالمتواتر: هو الذي يرويه عدد كثير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، عن مثلهم إلى أن يبلغ النبي ﷺ .
والآحاد هو: ما يروى بأسانيد معدودة، وقسمه العلماء إلى مشهور وعزيز وغريب.
لكن القسمة العامة: متواتر وآحاد.
أما المتواتر فكل الطوائف متفقة على ثبوته.
والآحاد تنقسم إلى: صحيح، وحسن، وضعيف.
أما الضعيف فهو مردود لا يعتمد عليه، لكن الشأن في المقبول الذي يشمل الصحيح والحسن، فأهل السنة والجماعة يقبلون ما توافرت فيه شروط القبول، ولو كان واحدًا، في جميع أمور الدين، في الأمور
стр. 270
الاعتقادية؛ كصفات الرب ، وأفعاله، أو ما يتعلق باليوم الآخر، وفي الأمور العملية؛ كأحكام الطهارة والصلاة والزكاة والمعاملات.
وهذه قضية أصولية عقدية، وهي: حجية خبر الواحد، والصواب: أن خبر الواحد حجة في مسائل الدين الاعتقادية والعملية، والأدلة على قبول خبر الآحاد كثيرة في السنة، منها: أن الرسول ﷺ كان يرسل الرسل آحادًا (١).
وعند أهل البدع من المتكلمين: أن خبر الواحد لا يحتج به في العقائد، فيردون كثيرًا من النصوص الواردة في صفات الله تعالى بحجة أنها خبر آحاد.
والتفريق بين مسائل الاعتقاد ومسائل العمل من حيث الإثبات بدعة، فكل مسائل الدين سواء فما تثبت به الأحكام الشرعية الحلال والحرام تثبت به مسائل الاعتقاد، ثم إن أهل البدع ليس مقصودهم فقط الاحتياط في الثبوت، إنما مقصودهم رد النصوص المخالفة لأصولهم، فما استطاعوا رده ردوه بقولهم: إن هذه آحاد لا تثبت بها مسائل الاعتقاد؛ لكن إذا جاء متواترًا ماذا يصنعون؟
يقولون: نعم. هذا قطعي الثبوت؛ لكن نفس النصوص ظنية الدلالة، ويقولون: إن مسائل الاعتقاد لا تثبت بالأدلة اللفظية!
والأدلة السمعية: الآيات والأحاديث كلها أدلة لفظية في مقابل الأدلة العقلية، وعندهم: أن العقائد لا تثبت إلا بالدلائل العقلية، هذا
стр. 271
هو الأصل الفاسد والطاغوت الأكبر الذي أفضى بهم إلى التلاعب بكلام الله تعالى، وكلام رسوله ﷺ ، وإلى رد كثير من كلام الرسول ﷺ وأخباره، فردوا نصوص الصفات، ونفوا الصفات بالشبهات العقلية التي هي بزعمهم حجج، ولهذا يقول شيخ الإسلام فيهم: «ولكنهم من أهل المجهولات المشبهة بالمعقولات، يسفسطون في العقليات، ويقرمطون في السمعيات» (١).
فلما أصَّلوا نفي الصفات وقفوا من النصوص أحد ثلاثة مواقف:
الأول: الرد لما قدروا على رده؛ كأخبار الآحاد قالوا: هذه لا تثبت بها العقائد.
الموقف الثاني: التأويل لما لا يستطيعون رده؛ كالقرآن، فسلكوا فيه طريق التأويل، وهو صرف ألفاظ النصوص عن ظاهرها.
والثالث: مسلك التفويض، وهو إمرار النصوص ألفاظًا من غير تدبر وفهم لمعناها ومراد الله منها.
وأهل السنة والجماعة يؤمنون بكل ما أخبر الله تعالى به، ورسوله ﷺ ، من الشرع والبيان، وهو يشمل: مسائل الاعتقاد، ومسائل الأحكام، فكلها حق من عند الله.
* * *
стр. 272
زيادة الإيمان ونقصانه
وقوله: «والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتُّقَى، ومخالفة الهوى وملازمة الأَوْلى».
الإيمان واحد هو: التصديق بالقلب، ومعناه أنه لا يزيد ولا ينقص، ومسألة الزيادة والنقصان هي من فروع الخلاف بين أهل السنة والمرجئة، فمرجئة الفقهاء عندهم: أن الإيمان واحد لا يزيد ولا ينقص، وعند أهل السنة: أنه يزيد وينقص، فالتصديق نفسه يزيد وينقص، يقوى ويضعف، وهذا أمر معقول، ف «ليس الخبرُ كالمعاينةِ»، وليس ما يستفاد بالخبر المتواتر كالمستفاد بخبر الآحاد من حيث قوة العلم واليقين، فهل وجوب الصلوات الخمس كوجوب الوتر عند من يقول به؟ أو كوجوب بعض واجبات الصلاة؟ فالتصديق نفسه والعلم نفسه يتفاوت قوة وضعفًا، وكذلك أعمال القلوب: الحب والبغض والخوف والرجاء والتوكل هذه الأعمال القلبية تتفاوت قوة وضعفًا، فهناك بغض وبغض شديد، وحب وحب شديد، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، وقال النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده
стр. 273
وولده والناس أجمعين» (١)، فهو أمر محسوس لا يستطيع المنصف العاقل أن ينكره أو أن يتجاهله.
أما أعمال الجوارح فالزيادة فيها والنقص ظاهر للعيان، والآيات الدالة على الزيادة كثيرة؛ كقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ [التوبة].
وقوله: «وأهله في أصله سواء»، إذا كان الإيمان لا يزيد ولا ينقص فلا بد أن يكون أهله فيه سواء؛ لأنه شيء واحد. لكن المؤلف أتى بتعبير فيه عندي عدم وضوح، وهو قوله: «وأهله في أصله» ولم يقل: «وأهله فيه».
والمناسب على مذهبه أن يقول: «وأهله فيه سواء»؛ لأن هذا مقتضى كون الإيمان واحدًا، أن يكون الناس فيه سواء، ولا أدري ماذا يريد بقوله: «في أصله»، إن أراد أن المؤمنين كلهم عندهم إيمان فهم مشتركون في الأصل، وبينهم قدر مشترك، فهذا لا يصح أن يقال: إنهم فيه سواء؛ لأن وجود قدر مشترك لا يصح معه أن يقال: إنهم فيه سواء، وحقيقة القول عند المرجئة: أن أهله فيه سواء، لكن الطحاوي ﵀ كأنه تحاشى أن يقول: وأهله فيه سواء فقال: «وأهله في أصله سواء»، ويؤكد هذا أنه
стр. 274
قال: «والتفاضل بينهم في الخشية والتقى، ومخالفة الهوى وملازمة الأولى»، ولم يقل: يتفاضلون في الإيمان، فعنده أن أعمال القلوب فيها زيادة ونقص؛ لكن الخشية، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى، والتقوى هل هي من الإيمان عند هؤلاء المرجئة؟ لا، ليست من مسمى الإيمان؛ لأن الإيمان عندهم هو التصديق بالقلب، وإقرار اللسان.
فعندهم أن أعمال القلوب وأعمال الجوارح كلها ليست من الإيمان، فالتفاضل في أعمال القلوب والجوارح هي ثمرة وأثر ذلك الإيمان وليست منه.
وعلى قولهم: يكون إيمان أفسق الناس الذي معه الإيمان وإيمان أبي بكر وعمر ﵄ سواء!
وقوله: «والتفاضل بينهم في الخشية والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأَولى».
أي: الخشية من الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاؤُا﴾ [فاطر: ٢٨]، ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠].
و «التقى» أي: التقوى، وهي: أن يجعل العبد بينه وبين غضب الله وعقابه وقاية، بفعل أمره وترك معصيته.
و «مخالفة الهوى» طاعةً لله ورسوله، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات]، ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]، ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:
стр. 275
٢٦]، ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص].
و «ملازمة الأَولى» المحافظة على ما هو الأولى به، هذا هو مجال التفاضل عندهم، أما الإيمان الذي هو التصديق فليس فيه تفاضل ولا زيادة ولا نقص، وبهذا يعلم أن الخلاف بين أهل السنة والمرجئة ليس خلافًا لفظيًّا؛ لأن الخلاف اللفظي يقال عنه: لا خلاف فيه.
كيف يكون الخلاف لفظيًّا وتبذل فيه هذه الجهود من المؤلفات، وتقرير الدلائل، ورد الشبهات، ويشتد الإنكار على من أخرج الأعمال عن مسمى الإيمان؟!
لا، ليس الخلاف لفظيًّا؛ بل هو حقيقي، ترتب عليه: مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، ومسألة الاستثناء في الإيمان.
* * *
стр. 276
ولاية الله، وبم تكون؟
وقوله: «والمؤمنين كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعهم، وأتبعهم للقرآن».
قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس]، والأنبياء هم خير وأفضل الأولياء، وهم أكمل المؤمنين إيمانًا وتقوى، وأتباعهم المؤمنون كلهم أولياء الله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، فهؤلاء أصناف أولياء الله: الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون. وطبقات أولياء الله إجمالًا طبقتان (١):
مقربون، ومقتصدون.
فالمقربون: هم الذين يفعلون الفرائض والنوافل والمستحبات، ويجتنبون المحرمات والمكروهات وفضول المباحات، وهم المسارعون في الخيرات.
والمقتصدون: هم الذين يؤدون الفرائض ويجتنبون المحارم، وليس لهم تميز في النوافل، وليس معنى ذلك أنهم لا يفعلون شيئًا مع النوافل.
стр. 277
فالمؤمنون هم أولياء الله، وهو وليهم، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ [آل عمران]، والكافرون والمنافقون أعداؤه وهو عدوهم، قال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة].
وقوله: «وأكرمهم عند الله أطوعهم»، أكرم أولياء الله عند الله هو: أطوعهم لله تعالى ولرسوله ﷺ ، «أطوعهم» أفعل تفضيل، أي: أكملهم طاعة وامتثالًا للأوامر، واجتنابًا للمنهيات.
وقوله: «وأتبعهم للقرآن»، هذا من التنويع في التعبير؛ لأن من كان أطوع فهو أتبع، ومن كان أتبع فهو أطوع، ولا طاعة إلا باتباع القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فالمؤمنون متفاضلون تفاضلًا لا يعلمه إلا الله، فالأنبياء بعضهم أفضل من بعض، والصديقون متفاضلون، والشهداء متفاضلون.
واتباع القرآن يكون بامتثال ما فيه من الأوامر، واجتناب ما فيه من المناهي، والإيمان بكل ما فيه من الأخبار مما يتعلق بالله وأسمائه وصفاته، أو بما كان وما سيكون، والله تعالى ذكر الاتباع في مواضع: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ [طه]، ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [الأعراف]، فأمر الله باتباع القرآن، واتباع الرسول، ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف]، فلا رأي لأحد مع ما جاء في القرآن، ولا رأي لأحد مع بيان الرسول ﷺ ؛ بل يجب أن يكون العبد تابعًا لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، لا يقدم عليهما هوىً ولا رأيًا.
стр. 278
الإيمان بالأصول الخمسة، وتفصيل الإيمان باليوم الآخر
وقوله: «والإيمان: هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر».
فسَّر الطحاوي الإيمان في هذا الموضع بما فسره به النبي ﷺ ، في حديث جبريل (١)، فهذه الأصول الستة هي: أركان الإيمان، أو أصوله، أو أصول الاعتقاد: الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب، والإيمان بالرسل، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر، وهذا هو الإيمان بالمعنى الخاص، فإن الإيمان يُطلق إطلاقين:
إطلاقًا عامًّا يشمل جميع أمور الدين العلمية والعملية، فهو اعتقاد، وقول، وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح.
ويطلق إطلاقًا خاصًّا ويراد به هذه الأصول الستة.
وهذا هو ما يفسر به الإيمان إذا قرن بالإسلام، كما في حديث جبريل حينما سأله عن الإسلام، ثم سأله عن الإيمان، ففسر الإسلام بمبانيه الخمس، وفسر الإيمان بأصوله الست، وقال الطحاوي فيما تقدم: «الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان» (٢)، وهنا قال:
стр. 279
«الإيمان هو الإيمان بالله … »، فيما تقدم أراد أن يبين مسمى الإيمان، وأنه يكون بتصديق القلب وبالإقرار، وهنا أراد أن يفسر الإيمان ببيان ما يتعلق به، فالتصديق بالجنان والإقرار باللسان، بأي شيء؟ فكأنه يقول: الإيمان هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان بهذه الأمور الستة، وهذه الأصول الستة هي أصول اعتقاد أهل السنة، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مطلع «العقيدة الواسطية»: «فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة - أهل السنة والجماعة -: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره» (١)، فالإيمان بهذه الأصول إجمالًا فرض عين على كل مكلف، أما الإيمان والعلم بهذه الأصول تفصيلًا فهو من فروض الكفاية؛ لكن من عَلِم بشيء من علم التفصيل؛ وجب عليه الإيمان به، وهذا الكلام فيه تكرار؛ لأن الطحاوي ﵀ ذكر الأصول الثلاثة فيما تقدم بقوله: «ونؤمن بالملائكة، والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين» (٢)، وسبق الكلام على هذه الأصول الثلاثة: الملائكة والكتب والرسل هناك، وتقدم ما يتعلق بالإيمان بالله عند قوله: «إن الله واحد لا شريك له» (٣).
وأما الإيمان باليوم الآخر، فهو الأصل الخامس من أصول الإيمان، وقد ذكره الله في كتابه وفصَّل الخبر عنه تفصيلًا عظيمًا، لم يتقدم مثله في كتاب من كتب الله المنزلة، فذكر الله الإيمان باليوم الآخر
стр. 280
على سبيل الإجمال، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّنَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء].
أما التفصيل؛ فكثير جدًّا؛ فسورة الواقعة والحاقة والتكوير والانفطار والانشقاق والزلزلة والقارعة كلها في شأن القيامة وما يجري في ذلك اليوم من التغيرات والتحولات، ولهذا اليوم أسماء متعددة: يوم القيامة، والحاقة، والغاشية، والصاخة، والطامة الكبرى، ويوم الحساب، ويوم النشور، والساعة، ويوم الدين.
ويدخل في الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ بعد الموت، من فتنة القبر وعذاب القبر، والإيمان بالقيامة الكبرى، والمراد بها: قيام الناس من قبورهم وبعثهم ونشرهم، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤)﴾ [ق]، ومن الخبر المفصل عن اليوم الآخر قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِئَايَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم]، وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء].
ومن أهم ما يجب الإيمان به من أمر اليوم الآخر هو الإيمان بالبعث، والجنة والنار؛ لأن البعث هو الذي أنكره الكفار من عهد نوح
стр. 281
إلى عهد محمد ﷺ ، ولا يؤمن به إلا المنتسبون إلى دين الرسل، كاليهود والنصارى؛ لكن اعتقادهم للبعث فيه خلل؛ لكن بعث الناس من قبورهم هذا قدر مشترك، يؤمن به جميع المسلمين، ولا ينكره إلا الخارجون عن أديان الرسل، ولهذا المكذبون للرسل مكذبون باليوم الآخر، قال تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ [ق]، ثم جاء الرد عليهم في نفس السورة فالسورة من أولها إلى آخرها في شأن القيامة، وهذا المعنى ثُنِّي في القرآن كثيرًا، وأمر الله نبيه ﷺ أن يُقسِم على البعث في ثلاثة مواضع: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]، ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس]، فحكى الله إنكار الكفار للبعث والنشور ومعاد الأجساد، وأنكر عليهم ذلك وأبطل دعواهم، وذكر الأدلة العقلية على إمكان البعث ووقوعه في آيات كثيرة.
وأظهر طرق القرآن في تقرير إمكان البعث أربعة:
١ - الاستدلال بخلق السماوات والأرض.
٢ - الاستدلال بإحياء الأرض بعد موتها.
٣ - الاستدلال بالنشأة الأولى.
٤ - الاستدلال بما وقع من إحياء الموتى فيما سبق.
стр. 282
تجد هذه الأربعة تثنى في القرآن في آيات كثيرة، فمثلًا في سورة «ق»، لما ذكر الله عن المكذبين إنكار البعث، ذكر الأدلة الدالة على بطلان قولهم، وبيان صحة وإمكان البعث، فقال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق]. هذا الدليل الأول.
﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ [ق]. هذا الدليل الثاني. أي: الخروج من القبور كإخراج هذا النبات من الأرض.
الدليل الثالث بعد ذلك: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾ [ق].
فتارة يذكر الله هذه الأدلة في سياق واحد، أوفي سورة واحدة، وتارة يذكر الله منها اثنين، وأحيانًا يذكر واحدًا، فمثلًا في سورة «الحج»: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥] الآية، هذا استدلال بالنشأة الأولى، ثم قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ ٥ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ
стр. 283
الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٦ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ٧﴾ [الحج] وهذا استدلال بإحياء الأرض بعد موتها.
وهذا المعنى تجده - أيضًا - في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فصلت].
وهذا المعنى هو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الروم].
وجاءت هذه المعاني في سورة «يس»: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ [يس]، ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ (٣٧)﴾ [يس]، ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ [يس]، كلها فيها الدلائل على القدرة؛ لكن في آخر السورة ذِكْرٌ خاص لهذه القضية: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ [يس]، جاء الرد في نفس الآية قبل التصريح بمقالة الكافر: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨]، فذكر الحجة على إبطال الدعوى قبل ذكرها، ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس]، وهذا استدلال بذكر النشأة الأولى، إلى قوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ [يس]، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]،