← Акыда

Акыда · id 23001

شرح العقيدة الطحاوية - البراك - ط المؤسسة

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (512 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

إلى عهد محمد ﷺ ، ولا يؤمن به إلا المنتسبون إلى دين الرسل، كاليهود والنصارى؛ لكن اعتقادهم للبعث فيه خلل؛ لكن بعث الناس من قبورهم هذا قدر مشترك، يؤمن به جميع المسلمين، ولا ينكره إلا الخارجون عن أديان الرسل، ولهذا المكذبون للرسل مكذبون باليوم الآخر، قال تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ [ق]، ثم جاء الرد عليهم في نفس السورة فالسورة من أولها إلى آخرها في شأن القيامة، وهذا المعنى ثُنِّي في القرآن كثيرًا، وأمر الله نبيه ﷺ أن يُقسِم على البعث في ثلاثة مواضع: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]، ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس]، فحكى الله إنكار الكفار للبعث والنشور ومعاد الأجساد، وأنكر عليهم ذلك وأبطل دعواهم، وذكر الأدلة العقلية على إمكان البعث ووقوعه في آيات كثيرة. وأظهر طرق القرآن في تقرير إمكان البعث أربعة: ١ - الاستدلال بخلق السماوات والأرض. ٢ - الاستدلال بإحياء الأرض بعد موتها. ٣ - الاستدلال بالنشأة الأولى. ٤ - الاستدلال بما وقع من إحياء الموتى فيما سبق.

стр. 282

تجد هذه الأربعة تثنى في القرآن في آيات كثيرة، فمثلًا في سورة «ق»، لما ذكر الله عن المكذبين إنكار البعث، ذكر الأدلة الدالة على بطلان قولهم، وبيان صحة وإمكان البعث، فقال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق]. هذا الدليل الأول. ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ [ق]. هذا الدليل الثاني. أي: الخروج من القبور كإخراج هذا النبات من الأرض. الدليل الثالث بعد ذلك: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾ [ق]. فتارة يذكر الله هذه الأدلة في سياق واحد، أوفي سورة واحدة، وتارة يذكر الله منها اثنين، وأحيانًا يذكر واحدًا، فمثلًا في سورة «الحج»: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥] الآية، هذا استدلال بالنشأة الأولى، ثم قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ ٥ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ

стр. 283

الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٦ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ٧﴾ [الحج] وهذا استدلال بإحياء الأرض بعد موتها. وهذا المعنى تجده - أيضًا - في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فصلت]. وهذا المعنى هو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الروم]. وجاءت هذه المعاني في سورة «يس»: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ [يس]، ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ (٣٧)﴾ [يس]، ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ [يس]، كلها فيها الدلائل على القدرة؛ لكن في آخر السورة ذِكْرٌ خاص لهذه القضية: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ [يس]، جاء الرد في نفس الآية قبل التصريح بمقالة الكافر: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨]، فذكر الحجة على إبطال الدعوى قبل ذكرها، ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس]، وهذا استدلال بذكر النشأة الأولى، إلى قوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ [يس]، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]،

стр. 284

وهو استدلال بخلق السماوات والأرض، وأن من أبدعها أقدر على خلق الناس وإعادتهم. وأما الاستدلال بما كان من إحياء الموتى فذكر الله في سورة البقرة خمس وقائع: الأولى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة]. الثانية: قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَائتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ [البقرة]. الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. الرابعة: قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ [البقرة]. الخامسة: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى

стр. 285

كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٦٠﴾ [البقرة]. فهذا بعض ما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر. * * *

стр. 286

الإيمان بالقدر خيره وشره وقوله: «والقدر خيره وشره، وحلوه ومره من الله تعالى». هذا الأصل السادس من أصول الإيمان: وهو الإيمان بالقدر، قال النبي ﷺ : «وتؤمن بالقدر خيره وشره» (١). والطحاوي هنا ﵀ قال: «والقدر خيره» ولم يقل: وبالقدر؛ بل عَطَف، والجملة كأنها مستأنَفة، وتكون: «والقدرُ خيرُه وشرُّه وحلوُه ومرُّه من الله تعالى». ولفظ القدر يطلق بمعنى التقدير، كما إذا قلنا: القدر السابق، والقدر العام، والقدر الخاص، كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ : «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات، والأرض بخمسين ألف سنة» (٢)، أي: تقدير الله لمقادير الأشياء. ويطلق القَدَر على الشيء المقدَّر، وهذا كثير في اللغة العربية؛ فالمصدر تارةً يطلَق ويراد به الفعل، ويطلَق ويراد به المفعول، مثل كلمة الخَلْقِ: فالخلقُ يطلق ويراد به فعل الرب تعالى، فإن الله تعالى من صفته ومن فعله الخلق، فهو يخلق، وهو الخلاق، وهو الخالق.

стр. 287

ويُطلَق على نفس المفعول، فتقول: هذا خلق الله، كما قال تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]، أي: هذا هو المخلوق لله. كذلك القدر يطلق ويراد به المقدر، فإذا حدث الآن حادث للإنسان يقول: هذا قدر، أي: هذا مُقَدَّرٌ قد قَدَّره الله، قال النبي ﷺ : «وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل» (١). ومثلُ القدرِ القضاءُ؛ فإنه يطلق ويراد به الحُكم، وهو فعل الرب تعالى، ويطلق ويراد به المقضي، وهو ما قضاه الله وشاءه من المخلوقات، ولهذا يقول المسلمون فيما يحدث: هذا قضاء وقدر، أي: هذا أمر مقضي مقدر، أي: هذا أمر حكم الله به، وقدره . وقوله: «والقدر خيره وشره». لا شك أن المقدرات المخلوقات فيها خير وشر وحلو ومر، فيها النعم والمصائب، فيها طيب وخبيث، وحسن وقبيح، هذه المخلوقات فيها هذا التنويع. فإذا أريد بالقدر: المقدر فهذا أمر ظاهر، نؤمن بأن كل الأشياء مُقدرة مخلوقة لله، واقعة بقدرة الله ومشيئته، لا يخرج شيء منها عن ملك الله، فكل ما يجري في الوجود من خير وشر؛ فهو بمشيئة الله وخلق لله، ومقدر بتقدير الله، وهو مقضي بحكم الله وقضائه.

стр. 288

وقوله: «وحلوُه ومرُّه»، كأن هذا التعبير من تنويع الكلام؛ لأن الأمور المقدرة منها ما هو حلو في حس وذوق الناس؛ كالنعم والأشياء المستطابة، والمر الأشياء الكريهة كالمصائب؛ لأن لها مرارة في النفوس. ويفسر الخير باللذات وأسبابها، والشر بالآلام وأسبابها، لكن هناك لذات في نفسها لكنها أسباب لآلام طويلة، فتكون في ذاتها خيرًا، لكنها شر باعتبار ما تفضي إليه، فالمعاصي شر وإن استلذتها النفوس؛ لأنها تفضي إلى أعظم الآلام. والطاعات خير في ذاتها ومآلها، وإن اشتملت على بعض المشاق والكُلَف، لكنها خير؛ لأنها نفسها مصالح ومنافع عظيمة، وفي الصحيح عن النبي ﷺ : «حُفَّت الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات» (١)، والله تعالى اقتضت حكمته تنويعَ الخلْقِ، وخلْقَ الأضداد في هذا الوجود، فخلَقَ الخير والشر، والنافع والضار، والحسن والقبيح في الذوات والصفات والأفعال، فخلق النور والظلمات، وخلق الملائكة والشياطين، وخلق الصحة والمرض والحياة والموت: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. إذًا؛ الأشياء المخلوقة فيها خير وشر والله خالق الخير والشر، أما فعل الرب سبحانه: حكمه وقضاؤه وتقديره؛ فكله خير، ليس فيه شر، والشر لا يضاف إلى الله اسمًا، ولا صفةً ولا فعلًا، فالشر لا يكون في أسمائه فكلها حسنى، ولا في صفاته فكلها صفات كمال وحمد، ولا في أفعاله فكلها أفعال عدل وحكمة، وإنما يكون في مفعولاته، أي: مخلوقاته.

стр. 289

وهذا ما فُسر به قول النبي ﷺ : «والشر ليس إليك» (١)، أنه تعالى لا يخلق شرًّا محضًا؛ بل كل الشر الذي في المخلوقات شر نسبي ليس شرًّا محضًا، وهذا يرجع إلى الإيمان بحكمته ، وأنه حكيم، ما خلق شيئًا عبثًا، لم يخلق شيئًا إلا لمصالحَ وحكمٍ يعلمها سبحانه، وليس من شرط ذلك أن تكون عائدة للعبد، بل قد يكون فيها شر لبعض الناس، وهو شر جزئي إضافي، فأما شر كلي، أو شر مطلق؛ فالله تعالى منزه عنه. وكل ما خلقه الله إما أن يكون خيرًا محضًا، أو أن وجوده خير من عدمه باعتبار الحكمة العامة، فالله خلق هذه الأضداد لحكم بالغة، ومن حِكمه تعالى في خلقه: الابتلاء، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [الملك: ٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف]، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]. والشر الذي في المخلوقات لا يضاف إلى الله مفردًا أبدًا؛ بل إما يدخل في عموم المخلوقات كقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، وكقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، يعني: الخير والشر. وإما بصيغة البناء للمفعول، كقوله تعالى عن الجن: ﴿٩ وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي﴾ [الجن: ١٠]، وإما أن يضاف إلى خلقه سبحانه، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ (٢).

стр. 290

هذه الوجوه التي يُعبَّر بها في إضافة الشر المخلوق. وعلى هذا فلا ينبغي أن تقول: الله خالق الشر، لكن قل: الله خالق كل شيء، وهذا معنى التعبير بالعموم، وقل: فلان أريد به السوء، ولا تقل: أراد الله به. وكذلك إذا أردت أن تخبر عن خلق الله للمخلوقات، قل: الله خالق كل شيء، الله خالق السماوات والأرض ومن فيهن، ولا تقل: الله خالق الحشرات وخالق الكلاب، أو: الله رب الكلاب، هذا منكر؛ بل قل: رب السماوات والأرض، رب كل شيء، هذا الذي فيه التعظيم، كما تَمَدَّح بذلك ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾ [المؤمنون]. وهكذا في النفع والضر فلا تقل: الله هو الضار؛ بل قل: الله هو النافع الضار، وهذا من جنس الأول في التعبير بالعموم. ومن هذا ما ذكر الله من قول إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء]، ولم يقل: وإذا أمرضني شفاني، وهذا من الأدب في الإخبار عن الله . ومما يتعلق بهذا الجمعُ بين آيتي سورة النساء، وهي قوله : ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، وقوله تعالى في الآية التي تليها: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، فظاهر الآية الأولى أن الحسنة والسيئة كلها من عند الله، ومعنى أن الحسنة والسيئة من عند الله أنهما بمشيئته وتقديره وتدبيره، وليس في تقديره شر ؛ بل حكمة وعدل.

стр. 291

وأما قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، فالمعنى: بسبب نفسك، والحسنة والسيئة تطلق في القرآن إطلاقين: ١ - حسناتُ وسيئات الجزاء، وهي: النعم والمصائب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]. ٢ - حسناتُ وسيئات الأعمال، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وأما الحسنة والسيئة في الآيتين: ففي الآية الأولى: النعمة والمصيبة. وفي الثانية كذلك على الصحيح، وفسرت الحسنة بالنصر والخصب، والسيئة بالهزيمة أو بالمصيبة وبالجدب وما أشبه ذلك، فتكون الآية: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] من جنس ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية (١) وابن القيم (٢) هذا المعنى تقريرًا حسنًا، ونقل بعضه الشارح ابن أبي العز في شرحه (٣) فجزاهم الله خيرًا.

стр. 292

وقوله: «من الله تعالى»، أي: كله بخلق الله، وبقدرة الله، وبمشيئة الله، لا خروج لشيء عن ذلك. وقوله: «ونحن مؤمنون بذلك كله لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به». أي: بكل ما تقدم من مسائل الاعتقاد التي ذكرها مما يتعلق بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر. «لا نفرق بين أحد من رسله» بل نؤمن بهم جميعًا، كما وصف الله المؤمنين بذلك: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فالكفار هم الذين فرقوا بينهم، وكفرهم الله بذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء]. «ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به»، فكما نؤمن بجميع الرسل، نؤمن بكل ما جاءوا به، فمن آمن ببعض الرسل وكفر ببعض؛ فهو كافر لا ينفعه إيمانه، ومن كذَّب رسولًا واحدًا؛ فهو كالمكذِّبِ لجميعهم، وكذلك من آمن بالرسول الواحد ولكنه كفر ببعض ما جاء به؛ فهو كافر لا ينفعه إيمانه، فلو آمن أحد بكل ما جاء به الرسول ﷺ إلا مسألة واحدة مع ثبوتها وقطعيتها، ولا يحمله على ذلك التوقف في ثبوتها؛ فإنه كافر، فلو قال: أنا أؤمن بالقرآن كله إلا هذه الآية؛ فهو كافر، أنا أؤمن بكل أحكام الإسلام إلا تحريم الخمر؛ فإنه كافر. * * *

стр. 293

حكم أهل الكبائر في الآخرة وقوله: «وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يُخلَّدون». أصحاب الكبائر من المسلمين وهم الذين ارتكبوا بعض الذنوب الكبيرة، والذنوب فيها: كبائر وصغائر، على الصحيح، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، قال : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]، وقال : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]، واللمم هي: الصغائر، كالنظرة المحرمة، كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه» (١). ومن قال: إن الذنوب كلها كبائر باعتبار أنه لا يستهان بشيء منها؛ إن أراد هذا المعنى فهو حق، ولو كانت مما يعد من الصغائر، أما إن أراد أن الذنوب كلها كبائر فليس بصحيح. وقد اختلف الناس في حد الكبيرة اختلافًا كثيرًا، وذكر ابن القيم في كتاب «الداء والدواء» (٢)، وفي «مدارج السالكين» (٣)، أكثر أو جميع أقوال الناس في ضابط الكبيرة، وضعف كثيرًا منها (٤).

стр. 294

والذين عرفوا الكبيرة منهم من عرفها بالحد، ومنهم من عرفها بالعد، فقالوا: الكبائر سبع، أو تسع، أو سبعون. وأحسنُ حدٍّ للكبيرة أنها: «كل ذنب رُتِّب عليه حد في الدنيا، أو تُوُعِّد فاعله بلعن أو غضب أو نار، أو نُفي الإيمان عن صاحبه، أو تبرأ منه النبي ﷺ ». ومثال ما رتب عليه الحد في الدنيا: السرقة، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. ومثال ما لعن فاعله: قذف المحصنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور]. ومثال ما تُوُعِّد فاعله بالغضب: التولي يوم الزحف، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦]. ومثال ما تُوُعِّد فاعله بالنار: أكل مال اليتيم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء]. ومثال ما نُفي عن صاحبه الإيمان: الزنا، كقول النبي ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (١).

стр. 295

ومثال ما تبرأ منه النبي ﷺ : قوله ﷺ : «مَنْ غشَّ فليس مني» (١)، وقوله ﷺ : «ليس منا من ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية» (٢). والكبائر نفسها متفاوتة، ليست على حد سواء، بل بعضها أكبر من بعض، حتى تنتهي الذنوب إلى أكبر الكبائر، وهو الشرك، ومن الأدلة على هذا: حديث أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ - ثلاثًا -: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور»، وكان رسول الله ﷺ متكئًا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت (٣). وبهذا يتبين أن النهي المجرد يدل على التحريم؛ فإن ورد فيه تغليظ فهو كبيرة. فأما الذنوب الصغيرة فمثل ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ السابق (٤)، ومثل سرقة الشيء الحقير الذي لا قطع فيه، ومثل كذبة الأم على طفلها إذا قالت: تعال أعطيك كذا، ثم لا تعطيه. فهذه الصغائر جاء في النصوص أنها تُكفَّر بالأعمال الصالحة وباجتناب الكبائر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء]،

стр. 296

وقول النبي ﷺ : «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر» (١). وقوله ﷺ : «إذا اجتنبت الكبائر»، قيل: إن هذا شرط في تكفير الصغائر، فلا تكفر الصغائر إلا بشرط اجتناب الكبائر، ومنهم من قال: إنها تكفر ما بينها إلا الكبائر (٢). أما الكبائر فإنها لا تُغفَر إلا بالتوبة النصوح، أو بالحدود المقدرة؛ فإن الحدود كفارات لأهلها، أو برجحان الحسنات، فقد يكون للعبد حسنات عظيمة ترجح بما عليه من سيئات. هذا ما يتعلق بالكبائر. أما مرتكب الكبيرة فله حُكم في الدنيا وحُكم في الآخرة، فحُكمه في الدنيا تقدمت الإشارة إليه (٣)، وأن مرتكب الذنوب التي دون الشرك لا يكفر بذلك خلافًا للخوارج؛ بل ولا يخرج من الإيمان خلافًا للمعتزلة؛ بل هو مؤمن ناقص الإيمان. أما حُكمه في الآخرة فأهل السنة والجماعة يقولون: إنه تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له ولم يدخله النار، وإن شاء عذبه ثم أخرجه من النار برحمته وبشفاعة الشافعين من أهل الطاعات.

стр. 297

وقوله: «وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ » (١). هذا القيد قد يكون له مفهوم، وأن حُكم أهل الكبائر مختص بأمة محمد ﷺ ؛ وأهل الكبائر من الأمم الماضية ليس عندنا في حكمهم دليل، إنما النصوص الصريحة جاءت في شأن أمة محمد ﷺ ، ففي الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة - إن شاء الله - من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا» (٢)، وكذلك أحاديث الشفاعة المُصرِّحة بأنه ﷺ يشفع أربع مرات وفي كل مرة: يسجد ﷺ لربه ويدعو ويستشفع فيقال له: «ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، ثم أشفع: فيَحُدُّ لي حدًا فأخرجهم من النار» (٣)، وهذا ما عناه الطحاوي بقوله: «وأهل الكبائر … في النار لا يخلدون»، «في النار» متعلق ب «يخلدون» أي: وأهل الكبائر لا يخلدون في النار إذا دخلوها، وليس مقصوده أنهم لا بد لهم من دخول النار ولكنهم لا يخلدون فيها. وقوله: «إذا ماتوا وهم موحدون، وإن كانوا غيرَ تائبين». هذا قيد لا بد منه، وهذا هو محل الخلاف بين طوائف المسلمين، أما التائب فقد اتفقوا أن من تاب تاب الله عليه، لكن الخلاف في من مات مصرًّا على ذنبه لم يتب منه، فهذا هو المُعَرَّضُ للوعيد؛ أما من

стр. 298

تاب توبة نصوحًا مستوفية للشروط إقلاعًا وندمًا وعزمًا؛ فإنه مغفور له، وليس هو من أهل الوعيد. والطحاوي هنا بيَّن مذهب أهل السنة والجماعة في حُكم أهل الكبائر في الآخرة: أنهم مستحقون للوعيد؛ ولكنهم تحت مشيئة الله، إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم، ومن عذبه منهم فلا بد أن يخرجه من النار؛ لأنه لا يخلد أحد من أهل التوحيد، إذ «من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال خردلة، أو شعيرة، أو بُرَّة أو ذرة من إيمان» لا بد أن يخرج من النار، كما تقدم في أحاديث الشفاعة (١). أما الخوارج والمعتزلة فقد اتفقوا على حكم مرتكب الكبيرة في الآخرة، وهو: أنه لا بد من دخول النار، وعندهم أن من دخل النار؛ فإنه لا يخرج منها. وقوله: «بعد أن لقوا الله عارفين». أي: مؤمنين بربهم الإيمان الصحيح، وعلق الشارح ابن أبي العز على قوله: «عارفين» بأنه: «لو قال: «مؤمنين» لكن أولى؛ لأن من عرف الله ولم يؤمن به فهو كافر، ثم قال: وكأنه يريد المعرفة التامة المستلزمة للاهتداء التي يشير إليها أهل الطريقة، وحاشا أولئك أن يكونوا من أهل الكبائر؛ بل هم سادة الناس وخاصتهم» (٢). لأن أهل الكبائر ليسوا من أهل العلم التام بالله ، وإنما يريد مطلق المعرفة، إذا ماتوا بعد أن لقوا الله عارفين موحدين.

стр. 299

قوله: «وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته». أي: في الآخرة هم في مشيئة الله وحكمه، يحكم فيهم بما شاء، وهو الحكم العدل الجواد المتفضل ، وإذا كانوا تحت مشيئة الله فالأمر محتمَل؛ فإما أن يغفر الله لهم ويدخلهم الجنة بلا عذاب، وإما أن يعذبهم بالنار حسبما تقتضيه حكمته ومشيئته، ثم يخرجهم منها برحمته وبشفاعة الشافعين من أهل الطاعات، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ودلت هذه الآية على أن الذنوب قسمان: قسم لا يُغفر، وهو الشرك الأكبر، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، خص الشرك بأنه لا يغفر. وقسم دون الشرك ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وقيَّد غفرانه بالمشيئة. ويشكل على ظاهر هذه الآية قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فيها الإطلاق والتعميم، فعمَّ حيث قال: ﴿جَمِيعًا﴾، وأطلق حيث لم تقيد هذه المغفرة بالمشيئة. فالتعارض بين الآيتين ظاهر، في آية الزمر عمَّ وأطلق، وفي آية النساء خصَّ وقيَّد.

стр. 300

والجمع بين الآيتين: أن آية النساء في شأن من لم يتب، وآية الزمر في التائب، فمن تاب تاب الله عليه، ومغفرة الذنوب بالتوبة جاءت مطلقة غير مقيدة، فلا نقيدها، ولا نقول: إن من تاب تاب الله عليه إذا شاء، فمن تاب توبة نصوحًا تاب الله عليه، وعدًا لا يخلف، ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [النساء]، فمن لم يتب إن كان ذنبه الشرك؛ فإنه لا يغفر الله له، وإن كانت ذنوبه دون ذلك فإنها تحت المشيئة، هذا من لم يتب، أما من تاب فيتوب الله عليه مهما كانت ذنوبه كِبَرًا وكثرة، كما في قصة الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم كمَّل المائة، ثم تاب توبة نصوحًا؛ فقبل الله منه وغفر له (١). فهذا هو الدليل على هذا التفصيل، وأن من مات من أهل الكبائر من غير توبة؛ فإنه تحت مشيئة الله إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه. والذين يُخرجهم الله سبحانه من النار منهم من يخرجه بشفاعة الشافعين، وأعظم الناس حظًّا من أهل الشفاعة هو نبينا ﷺ ، فالله يُخرج بشفاعته من النار ما لا يخرجه بشفاعة غيره من الملائكة والنبيين والصالحين؛ فإن الملائكة يشفعون، والأنبياء يشفعون، والمؤمنون يشفعون، ويخرج سبحانه من شاء من النار بمحض رحمته لا بسببٍ من جهة بعض العباد، ومرد الأمر كله إلى الله، فالله هو الذي يأذن للشافع بالشفاعة، وهو الذي يقبلها منه، فمرد الأمر كله إليه (٢).

стр. 301

وقوله: «ثم يبعثهم إلى جنته». بعدما يخرجهم من النار يبعثهم إلى الجنة، كما في الحديث: «وأنهم يخرجون من النار وقد صاروا حُمَمًا، فَيُلْقَون في نهر بأفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فَيَنْبُتُون كما تنبت الحِبَّة في حميل السيل … فيدخلون الجنة» (١)، بفضله . وقوله: «وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته». هذا تعليل لقوله - في أهل الكبائر -: «وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله … وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته»، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾ [محمد]، فالله ولي المؤمنين، وكل عبد مؤمن له حظ ونصيب من ولاية الله سبحانه بقدر ما معه من إيمان وعمل صالح، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس]. والمعرفة هنا كالمعرفة في قوله السابق (٢): «عارفين»، أي: مطلق المعرفة ومطلق الإيمان، لا المعرفة التامة التي هي كمال العلم بالله. وقوله: «ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته». الله سبحانه تولى أهل معرفته ولم يجعلهم في الدنيا والآخرة كأهل نكرته، فالفاسق في الدنيا أخ للمؤمنين، فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ

стр. 302

إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، يشملُ جميعَ المؤمنين صالحهم وفاسقهم، وقال تعالى في شأن القاتل: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، فجعل القاتل أخًا للمقتول، فالفاسق لا يجعله كالكفار المنكرين له، أوالمشركين به. وقوله: «الذين خابوا من هدايته». هم الكفار والمشركون، فليس لهم حظ أبدًا من الهداية. وقوله: «ولم ينالوا من ولايته». عبارة المؤلف دقيقة، فلم يقل: «ولم ينالوا ولايته»، فيشعر بالكمال؛ بل قال: «ولم ينالوا من ولايته»، فما نالوا حظًّا، وهذا منطبق على الكفار. وقوله: «اللهم يا ولي الإسلام وأهله، ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به». ختم الكلام في حكم أهل الكبائر في الآخرة، وأنهم تحت مشيئة الله، وأن الله ميزهم فلم يجعلهم كالكفار الذين هم أهل النار، بقوله: «اللهم يا ولي الإسلام وأهله، ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به»، وهذا يتضمن سؤال الله حسن الخاتمة، والثبات على الإسلام، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران]، يعني: استقيموا على الإسلام حتى يأتيكم الموت وأنتم على ذلك، وهكذا ينبغي للمسلم أن يسأل ربه الثبات على الإسلام، والاستقامة عليه حتى الممات؛ فإن الأعمال بالخواتيم، ومن دعاء الأنبياء والصالحين: سؤال

стр. 303

الثبات والوفاة على الإسلام، كما قال يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف]، وقال السحرة بعد التوبة: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾ [الأعراف]، وذكر الشارح ابن أبي العز أن بعضهم: «استدل بهاتين الآيتين على جواز تمني الموت، ولا دليل له فيه؛ فإن الدعاء إنما هو بالموت على الإسلام، لا بمطلق الموت، ولا بالموت الآن» (١)، بل هو من سؤال الله حسن الخاتمة، والوفاة على الإسلام ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف]، أما تمني الموت فلا يجوز لنهي النبي ﷺ عنه بقوله: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» (٢). * * *

стр. 304

مذهب أهل السنة في الصلاة خلف المسلمين، وعلى موتاهم وقوله: «ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم». «ونرى» نحن أهل السنة؛ لأن العقيدة بها تقرير منهج أهل السنة: «الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة» أي: من المسلمين، والبر: الصالح التقي. والفاجر: الفاسق الذي ظهر فسقه وفجوره بما ارتكب من ذنوب. أي: أننا لا نعطل الجمع والجماعات، وصلاة العيدين من أجل فجور أو فسق الإمام؛ فإن هذه شرائع وشعائر ظاهرة، والأصل أن صلاة الفاجر والفاسق صحيحة، ومن الأدلة العامة على هذا حديث أبي هريرة ﵁ في «صحيح البخاري» عن النبي ﷺ أنه قال في الأئمة: «يصلون لكم؛ فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم» (١)؛ لأن فسوق الفاسق وفجور الفاجر عليه ولا يضرك. ومن الدليل على هذا الأصل ما جاء عن الصحابة ﵃ والتابعين، فقد كانوا يصلون خلف الولاة مع جورهم وظلمهم كما صلى ابن عمر ﵄ خلف الحجاج بن يوسف المعروف بظلمه (٢)، وفي الصحيح عن

стр. 305

أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟» قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صَلِّ الصلاة لوقتها؛ فإن أدركتها معهم فَصَلِّ؛ فإنها لك نافلة» (١)، فهذا يدل على صحة الصلاة خلفهم؛ لأنها تصح نافلة. وترك إقامة الجمع والأعياد خلف الإمام لفجوره من منهج المبتدعة، ولهذا نص أهل العلم على هذه المسألة في هذا الباب، وإلا فالأصل أن هذه المسألة عملية من الأحكام الفقهية؛ لكن لما لم يكن الخلاف في هذا بين أهل السنة؛ بل أجمعوا على الصلاة خلف الأئمة أبرارًا كانوا أم فجارًا، نصوا عليه في بيان أصول ومنهج أهل السنة؛ لكن إذا كان هناك إمام عدل وفاسق، فالذي ينبغي الصلاة خلف العدل، وأما الصلاة خلف الفاسق؛ فإنها صحيحة كما قلنا؛ لكن ينبغي هجر وترك الصلاة خلفه إذا أمكن أن يُصلَّى خلف غيره؛ بل ينبغي السعي في عزله إذا أمكن ذلك بدون مفسدة؛ لأنه لا يجوز تولية الفاجر والفاسق في الإمامة، فمن له قدرة على عزله وإبداله بالعدل وجب عليه، وهذا من إنكار المنكر، لكن محل قولنا: «يُصلَّى خلفه» إذا لم تمكن الصلاة خلف غيره، أما إذا أمكنت الصلاة خلف غيره فهي الأولى، وأولى من الصلاة خلف الفاجر الصلاة خلف المخالف في المذهب، فيجوز أن تُصلَّي خلف من يخالفك في بعض أحكام الصلاة، فيجوز أن تصلي خلف من يرى أن أكل لحم الجزور غير ناقض، وأنت تعتقد أن أكل لحم الإبل ناقض، فأنت لو أكلت لحم الجزور لرأيت أن صلاتك لا تصح بدون وضوء،

стр. 306

لكن هذا صاحب المذهب الآخر صلاته صحيحة؛ لأن هذا الذي أداه إليه علمه واجتهاده، فلا تُترك الصلاة للخلاف المذهبي في بعض شروطها؛ لأن في ترك الصلاة لذلك تفريق بين المسلمين، وهذه مفسدة كبرى، وفساد عريض، فلا تَترُكِ الصلاة خلف مخالفك في المذهب، فيجوز للحنبلي أن يصلي خلف الحنفي أو المالكي أو الشافعي، وكذا العكس. وقوله: «من أهل القبلة» أي: من المسلمين. أما من ظهر منه ما يوجب ردته - والعياذ بالله -فلا يصلى خلفه، وإن كان ينتسب للإسلام، ومن هذا النوع: القبوريون الذين يدعون الأموات، كالرافضة فهم قبورية مشركون، يدعون عليًّا والحسين ﵄ وغيرَهما، ويستغيثون بهم في الشدائد. وقوله: «وعلى من مات منهم». أي: ونرى صلاة الجنازة على من مات من المسلمين، فإن الصلاة على الميت فرض كفاية، وهي مستحبة لغير من تحصل بهم الكفاية، وقد رُوي حديثٌ ضعيف عن النبي ﷺ : «صلوا على من قال: لا إله إلا الله، وصلوا خلف من قال: لا إله إلا الله» (١)، لكن معناه صحيح دلت عليه نصوص أخرى. ويُخَص من هذا الشهيد في المعركة على خلاف في ذلك؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ «أمر بدفن قتلى أحد في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصلِّ

стр. 307

عليهم» (١)، كما أنه ينبغي للإمام والعَالِم والرجل الصالح المشهور أن يترك الصلاة على الفجار والفساق زجرًا عن حالهم وأعمالهم، ودليل هذا حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: «أُتي النبي ﷺ برجل قتل نفسه فلم يصلِّ عليه» (٢)، بل كان النبي ﷺ يترك الصلاة على من مات وعليه دين لم يترك له وفاء (٣)، زجرًا عن تحمل الديون من غير أن يكون لها وفاء. * * *

стр. 308

لا يشهد لمعين من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا بحجة وقوله: «ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نارًا، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونَذَرُ سرائرهم إلى الله تعالى». أي: لا نشهد لأحد من أهل القبلة من المسلمين بأنه من أهل الجنة لصلاحه، ولا نشهد على أحد منهم بأنه من أهل النار لمعصية أو بدعة، بل نفوض علمهم إلى الله، فهو تعالى أعلم بمآلهم وبحالهم، ولا نشهد بالجنة إلا لمن شهد له الرسول ﷺ كالعشرة المبشرين بالجنة، والحسن والحسين، وثابت بن قيس بن شمَّاس، ولجميع أهل بيعة الرضوان، وتقدمت الإشارة إلى هذه المسألة وأن فيها ثلاثة مذاهب (١)، والطحاوي يكرر المعنى الواحد في عدة مواضع. وقوله: «ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك»، تقدم هذا المعنى في قوله: «ولا نُكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله»، فلا نحكم على أحد بالكفر إلا أن يظهر منه ما يوجب الردة، فمتى ظهر منه ما يوجب الردة قلنا: إنه كافر، ونحكم عليه تعيينًا إذا توفرت الشروط، وانتفت الموانع، فلو سمعنا إنسانًا يتكلم بكلمة الكفر، فنتثبت أهو صاحٍ أم مجنون، أم سكران، فإن

стр. 309

كان معه عقله؛ فننظر ماذا يريد بهذه الكلمة، فقد تكون محتملة، فإذا تحققنا أنه قالها عالِمًا بمعناها، مختارًا غير مكره، ذاكرًا من غير سبق لسان حكمنا بكفره. «ونذر سرائرهم إلى الله تعالى». فلا ندخل في سرائر الناس، ولا نتهمهم ونقول: هذا مرائي، هذا منافق، فأحكام الدنيا تجري على الظواهر، فالرسول ﷺ أعلم الخلق يقول: «إني لم أُومَرْ أن أُنَقِّبَ عن قلوب الناس، أو أشق بطونهم» (١)، وقال النبي ﷺ : «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (٢). * * *

стр. 310

عصمة دماء المسلمين وقوله: «ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد ﷺ إلا من وجب عليه السيف». لا نرى القتل ولا القتال على أحد من المسلمين إلا أن يكون منه ما يوجب القتال أو القتل، قال ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (١)، فمن زنى بعد إحصان، وثبت عليه ذلك بالبينة، وجب عليه الحد، وهو الرجم، ومن قَتَل معصومًا وتوافرت فيه شروط القصاص وجب عليه القصاص، وكذلك من وجب عليه حد الردة، قال النبي ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» (٢). وكذلك الطائفة الباغية التي أمر الله بقتالها في قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، وكذلك إذا تواطأت جماعة على ترك شعيرة من شعائر الإسلام؛ فإنها تُقاتَل، فلو اجتمع أهل بلد على ترك الأذان؛ فإنهم يقاتلون لتعطيلهم شعيرة من شعائر الإسلام، وقد «كان النبي ﷺ يُغِير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان؛ فإن سمع أذانًا أمسك، وإلا أغار» (٣).

стр. 311

وكذا الطائفة الممتنعة المانعة للزكاة يجب قتالها حتى تؤدي الزكاة، فقد قال عمر ﵁ للصديق ﵁: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه، إلا بحقه وحسابه على الله»؟ فقال أبو بكر ﵁: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، قال عمر ﵁: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق (١). وكذلك أجمع الصحابة على قتال الخوارج بأمر النبي ﷺ (٢)، وترغيبه في ذلك لما اجتمعوا، وأظهروا بدعتهم. * * *

стр. 312

وجوب السمع والطاعة بالمعروف لولاة الأمر، وتحريم الخروج عليهم وقوله: «ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة». «ولا نرى»، أي: نحن أهل السنة والجماعة، «الخروج»، يعني: بالسلاح والقتال، «أئمتنا وولاة أمرنا» أئمة المسلمين. «وإن جاروا»، وإن كان منهم ظلم على الرعية؛ فالواجب الصبر والمدافعة بالتي هي أحسن. وهذا أصل عظيم من أصول أهل السنة، وهو النصح لولاة الأمر، وهو محبة الخير لهم والدعاء لهم بالعافية وصلاح الحال والاستقامة، والتوفيق للقيام بحق الله وحقوق رعاياهم، ومن كمال النصح للأمة عدم الخروج عليهم بالسلاح وقتالهم لما يحصل منهم من ظلم أو معصية بحجة إنكار المنكر، أما من يخرج عليهم للمنازعة على السلطة فهذا لون آخر؛ فالذي نعنيه هنا أن أهل السنة والجماعة لا يرون الخروج على الأئمة بسبب ما يقع منهم من ظلم ومنكرات. والله تعالى قد أمر بطاعة ولاة الأمر في قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وكذلك الرسول ﷺ قال: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن

стр. 313

أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني» (١)، وقال ﷺ : «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٢)، وقال ﷺ في الحديث الصحيح: «إنما الطاعة في المعروف» (٣)، وقال ﷺ : «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية» (٤)، وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ : «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم»، قالوا: يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ فقال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، أَلا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدًا من طاعة» (٥)، وفي حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: «بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» (٦). وفي رواية: «وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم» (٧). والأحاديث في الأمر بطاعة ولاة الأمر بالمعروف، والنهي عن الخروج عليهم كثيرة مستفيضة.

стр. 314

وخالف المعتزلةُ أهلَ السنة في هذا الأصل، فالمعتزلة من أصولهم «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، ويدخلون في مفهومه: الخروج على الولاة الظلمة، ويجعلون الخروج عليهم واجبًا؛ لأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا مخالف لما دلت عليه النصوص الصحيحة الصريحة المستفيضة عن النبي ﷺ ، ومخالف لما عليه أهل السنة والجماعة، وهو مخالف لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه يقوم على قاعدة احتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، فإنكار المنكر المقصود منه هو إزالة المنكر أو تخفيفه، فإذا كان إنكار المنكر يؤدي إلى منكر أعظم لم يجز الإنكار، ولا شك أن الخروج على الأئمة يؤدي إلى إهلاك الحرث والنسل، وفساد دين الناس ودنياهم، فهذا التشريع هو مقتضى الحكمة، فليس تحريم الخروج على الأئمة رضًا بظلمهم وفجورهم؛ بل درءا لما هو أعظم من ذلك، والواقع شاهد بأن ما جاءت به الشريعة هو الغاية في الحكمة وتحقيق المصالح العادلة. وقوله: «ولا ندعو عليهم». الدعاء لهم بالصلاح، هذا موجب النصيحة، قال النبي ﷺ : «الدين النصيحة»، قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١)، والنصيحة أن تدعو لهم بالصلاح، اللهم أصلحهم، اللهم أصلح بطانتهم، اللهم اهدهم صراطك المستقيم، ادعُ لهم لعل الله يصلح حالهم، لكن جرت عادة الناس أنهم لا يلتزمون بهذا المنهج، وقول النبي ﷺ في الحديث: «وشرار أئمتكم الذي تبغضونهم

стр. 315

ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» (١)، ليس إقرارًا، وإنما هو من قبيل الإخبار بالواقع، ولم يُسَق على وجه التسويغ والتجويز له، فأهل العلم والإيمان، والصلاح والتجرد عن الهوى وإيثار الدنيا يحبون الخير لإخوانهم المسلمين، ولا سيما ولاة الأمر سواء أعطوهم من الدنيا أم لم يعطوهم، وفي الحديث الصحيح: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم» - وذكر منهم -: « … ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفى وإن لم يعطه منها لم يفِ» (٢)، فهو دائر مع الدنيا، وهذا واقع، فأكثر الناس إنما ينكرون على الولاة أمر الدنيا لا أمر الدين، فلا ينقمون تقصيرهم في حقوق الله، إنما نقمتهم الأثرة، ويطلبون منافستهم في الدنيا، ولهذا أوصى النبي ﷺ أصحابه الأنصار فقال: «إنكم ستلقون بعدي أثرة؛ فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» (٣). وقوله ﷺ : «أثرة»: استبداد بالولايات وبالمال. وقوله ﷺ : «فاصبروا» أي: لا تنازعوا ولاة الأمر من أجل ذلك. ويكثر الخروج على الولاة من أجل المنازعة على السلطة باسم الإصلاح الدنيوي أيضًا؛ فينتج عنه شر مستطير على الناس، فتسفك الدماء وتنتهك الحرمات، وتذهب الأموال، وينتشر الفساد، خصوصًا إذا لم يكن هناك استقرار في الأمر فتعم الفوضى، ويتمكن كل مجرم من بلوغ مرامه، واقتراف إجرامه.

стр. 316

وقوله: «ولا ننزع يدًا من طاعتهم». لا ننزع يدًا من طاعتهم؛ بل ندين لله بطاعتهم بالمعروف، عملًا بأمر الله تعالى، ورسوله ﷺ . وقوله: «ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة». نرى طاعتهم بالمعروف واجبة؛ لأنها من طاعة الله؛ فَكُلُّ مَنْ أمر الله بطاعته فطاعتهم من طاعته، فالرسول ﷺ تجب طاعته مطلقًا بلا قيد؛ لأن طاعته طاعة لله مطلقة، ومَن سواه ممن أمر الله بطاعته يطاع لكن بقيد، وهو ألا تكون في معصية، قال النبي ﷺ : «إنما الطاعة في المعروف» (١). فإذا أطاع الإنسان ولي الأمر بالمعروف إيمانًا واحتسابًا أثيب على ذلك، أما إذا أطاعهم خوفًا من عقوبتهم، فهذا ليس بمطيع لله؛ لأن هذه ليست طاعة اختيارية تعبدية؛ بل طاعة عَادِيَّة قهرية. * * *

стр. 317

وجوب اتباع الكتاب والسنة وتجنب الشذوذ والفرقة وقوله: «ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفُرقة». من منهج أهل السنة والجماعة اتباع سنة الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف]، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، والآيات التي فيها الأمر بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ واتباعه والتأسي به كثيرة معلومة، وهكذا أوصى النبي ﷺ باتباع سنته فقال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» (١). وكذلك من منهج أهل السنة اتباع جماعة المسلمين، وذلك باتباع السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وسُمِّي أهل السنة والجماعة بأهل السنة والجماعة لاتباعهم سنة الرسول ﷺ وجماعة المسلمين، والله تعالى يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فأثنى على المهاجرين والأنصار وعلى من اتبعهم بإحسان ممن تأخر إسلامهم من الصحابة، وكذلك من جاء بعد الصحابة، وهكذا قوله تعالى بعد ذكر المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا

стр. 318

الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، فنتبع السنة ونلزمها، ونتبع الجماعة، ونلتزم بما أجمع عليه المسلمون، وما درج عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين. وقوله: «ونجتنب الشذوذ … والفُرقة». بمخالفة ما أجمع عليه المسلمون وبمخالفة ما دلت عليه سنة الرسول ﷺ ، ونحذر من أسباب الفرقة، وقد أمر الله بهذا في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال ﷺ : «إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة»، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم، وأصحابي» (١). وفي لفظ: «وهي الجماعة» (٢). لهذا قال الطحاوي ﵀ في بيان منهج أهل السنة: «ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ»، فمن شذ عن جماعة المسلمين شذ عن

стр. 319

الصراط المستقيم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء]. وهذه الآية مما احتج بها الشافعي ﵀ على حجية الإجماع (١). * * *

стр. 320

حب أهل العدل وبغض أهل الجور وقوله: «ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة». ذِكر هذا المعنى بعدما تقدم مناسب جدًّا، وفيه تنبيه على أن وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر وإن جاروا، وكوننا نرى الصلاة خلف الأئمة أبرارًا كانوا أو فجارًا؛ لا يقتضي التسوية بين الأبرار والفجار، وأئمة العدل وأئمة الجور، لا؛ بل نحب أهل العدل من الولاة والأئمة وسائر الناس، قال النبي ﷺ : «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل» (١)، وهذا من الحب في الله، فنحب من يحبه الله من المؤمنين والمقسطين، قال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات]، أي: العادلين، ونحب التوابين، ونحب الصالحين، وننزل كُلًّا منزلته، وهذا هو الواجب على المؤمنين أن يتحابوا في الله، قال النبي ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله» (٢)، ومن شواهد ذلك قوله ﷺ : «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم» (٣)، وفي الحديث عن النبي ﷺ : «أوثق عُرَى الإيمان: الحب في
следующие страницы →