كل ما يجري في الكون بمشيئة الله
وقوله: «وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئتُه المشيئاتِ كلَّها، وغلب قضاؤه الحيلَ كلَّها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا، تقدس عن كل سوء وحَيْن، وتنزه عن كل عيب وشَيْن، قال تعالى: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء]».
هذا يتضمن المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر، والإمام الطحاوي ﵀ في هذه العقيدة فرّّق الكلام في القدر وأبدى فيه وأعاد، فقد مضى كلام كثير، ونصوص كثيرة من عباراته تتضمن تقرير الإيمان بالقدر، وما يوجبه هذا الإيمان (١)، ولا شك أن الإيمان بالقدر - وهو الأصل السادس من أصول الإيمان - من الأهمية بمكان، وقد زلت فيه أقدام، وضلت فيه أفهام، وتحير فيه المتحيرون، وهدى الله إلى الحقِّ أهلَ السنة والجماعة أهل الهدى والفلاح، فهم أسعد الناس في كل حق، وهم أسعد الناس بإصابة الصواب في هذا الباب، فهم يؤمنون بأن مشيئة الله عامة، لا خروج لشيء عن مشيئته، فكل شيء من الحوادث والحركات والسكنات العلوية والسفلية، حركة الأفلاك والملائكة والجن والإنس والجمادات، وكل صغير وكبير؛ فهو يجري بمشيئته تعالى وقضائه وتقديره، يجب أن نؤمن بأنه قد سبق به علم الله القديم، وسبق به كتابه الأول، وجرت فيه مشيئته، وهذا تحقيق كمال
стр. 387
ملكه، فله الملك كله، لا خروج لشيء عن ملكه، فله التدبير والتقدير، : ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧]، وتجد هذا المعنى يُثنَّى في القرآن كثيرًا.
وقوله: «وعلمه وقضائه وقدره».
كل شيء يجري بمشيئته النافذة الشاملة «وعلمه» القديم «وقضائه» النافذ «وقدره» أي: تقديره السابق، قال النبي ﷺ : «قدَّر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» (١).
وقوله: «غلبت مشيئتُه المشيئاتِ كلَّها، وغلب قضاؤه الحيلَ كلَّها».
مشيئة الله تعالى نافذة وإن خالفتها مشيئات الخلق، فما شاء الله كان وإن لم يشإ الخلق، وما شاءه العباد لا يكون إن لم يشإ الله، كما قال الإمام الشافعي ﵀:
ما شئتَ كان وإن لم أشأ … وما شئتُ إنْ لم تشأ لم يكنْ
خلقتَ العبادَ على ما علمتَ … ففي العلمِ يجري الفتى والمسنْ
على ذا مننتَ وهذا خذلتَ … وهذا أعنتَ وذا لم تُعنْ
فمنهم شقيٌّ ومنهم سعيد … ومنهم قبيحٌ ومنهم حسنْ (٢)
стр. 388
وقضاؤه وحكمه نافذ غالب لحيل الخلق، كما في الدعاء عن النبي ﷺ : «ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك» (١)، ومهما فعل الخلق ومهما دبروا؛ فلن يتم لهم شيء إنْ كان قضاء الله مخالفًا له، ولن يمضي ولن يتم إلا حُكم الله وقضاؤه؛ لكن الخلق يقدرون على فعل الأسباب، فالحيل من الأسباب، والإنسان مأمور بفعل الأسباب والحيل التي توصل إلى ما أمر الله به أو أباحه لعباده؛ ولكن هذه الأسباب محكومة بقضاء الله، ولن يتم بأي سبب وبأي حيلة أثر لأي سبب أوحيلة إلا ما قضاه الله سبحانه، وفي وصايا النبي ﷺ لابن عباس ﵄: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (٢).
وقوله: «يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا».
يفعل سبحانه ما يشاء، فيعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويهدي ويضل، ويحيي ويميت، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: ٣]، ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]، و ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١]، كل ذلك جارٍ على وفق حكمته تعالى، فله الحكمة في كل تدبير، كما تقدم في قول الطحاوي: «يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا» (٣).
стр. 389
فهو يهدي من يشاء بفضله وحكمته، ويضل ويخذل ويبتلي من يشاء بعدله وحكمته، فالحكمة ثابتة في كل تدبير، فهو يضع فضله في مواضعه؛ لأن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، والعدل: وضع الأشياء في مواضعها، فالله تعالى يضع فضله في مواضعه حيث شاء على وفق الحكمة، خلافًا لقول الجهمية ومن تبعهم كالأشاعرة: إن كل ما يجري بمحض المشيئة دون أن تكون له تعالى حكمة في هذا التقدير والتدبير، وقد تقدم نحو هذا المعنى (١).
المقصود: أنه يجب الإيمان بأن أفعالَه جاريةٌ على وفق العدل والحكمة، فأفعاله دائرة بين الفضل والعدل، والظلم مما يجب تنزيهه تعالى عنه، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت]، ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾ [ق]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، والآيات في تنزيهه تعالى عن الظلم كثيرة.
فلا يُعذِّب أحدًا بغير ذنب، ولا يُعذِّب أحدًا بذنب غيره، وجاء في الحديث عن النبي ﷺ : «لو أن الله تعالى عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم» (٢)، فلن يعذبهم إلا بما يقتضي تعذيبهم، وهو قادر أن يعذب من شاء بغير ذنب، أو يعذب من شاء بذنب غيره؛ لكنه لا يفعل ذلك لكمال عدله سبحانه، وقد حرم الظلم على نفسه كما في الحديث القدسي عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ : قال: قال الله تعالى: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا؛
стр. 390
فلا تظالَموا» (١)، فهو لا يظلم ولا يرضى الظلم من أحد من العباد، ولذا حرَّمه على عباده في شرائعه التي أنزلها على رسله.
وإذا عرض للإنسان شيء من الحوادث فعليه أن لا يُحَكَّم عقله الناقص، فكثير من الخلق لقصور علمهم وضعف إيمانهم يعترضون في نفوسهم، أو يتكلمون بألسنتهم على تدبيره تعالى، فتسمع بعضهم يقول - إذا ابتلى الله عبدًا ببلاء -: «فلان والله ما يستاهل»، وهي عبارة مشهورة عند العامة، وهي تعني: أن الله ابتلى هذا العبد، وهو ليس أهلًا لهذا، وهذا اعتراض على تدبير الرب؛ بل يجب الإيمان بحكمة الرب في تدبيره وكمال عدله ، هذا أصل يجب العناية به علمًا وتفكيرًا وتقريرًا، وهو الإيمان بكمال عدل الرب في خلقه وأمره وجزائه، فلا تُعارِض قدرَ الله بقولك: لِمَ جرى كذا؟ ولِمَ كان كذا؟ فأي خاطر يتضمن الاعتراض على تدبير الله فيجب على المؤمن أن يدفعه بإيمانه بأن الله تعالى حكيم، له الحكمة البالغة في كل تدبير وتقدير (٢).
وقوله: «تقدس عن كل سُوء وحَيْن، وتنزه عن كل عيب وشَيْن».
تقدس وتنزه، عبارتان بمعنى واحد، والشيخ الطحاوي كثيرًا ما ينوع ويتفنن في العبارات، وهذه المادة «تقدس» موجودة في القرآن كثيرًا فاسمه تعالى: ﴿الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وقالت الملائكة: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فالتسبيح والتقديس والتنزيه كلها تدل
стр. 391
على نفي المعائب، فالقدوس: المنزه عن كل سوء وعيب، ومن عبارات السلف في تفسير القدوس: الطاهر (١).
وقوله: «عن كل سُوء وحَين، وتنزه عن كل عيب وشَين».
السوء والحَين والعيب والشَّين، عبارات كلها معناها: الأمور المذمومة، فهو تعالى منزه عن كل عيب وسوء ووصف قبيح، فهو منزه عن القبيح في أسمائه وصفاته وأفعاله، فله الأسماء الحسنى والصفات العلا، وأفعاله كلها كمال، كما تقدم (٢) في حديث دعاء الاستفتاح: «والشر ليس إليك»، فهو لا يضاف إلى الله اسمًا ولا صفة ولا فعلًا؛ لكن السوء والشر والزين والشين يوجد في مفعولات الله - أي: مخلوقاته -، أما أفعاله تعالى فكلها عدل وحكمة، فخلقه تعالى للأشياء المتضادة من الحسن والقبيح والنافع والضار، والملائكة والشياطين، والصحة والمرض، والموت والحياة، كل ذلك على وفق الحكمة، فله الحكمة البالغة في خلقه للأضداد.
ومن حكمه ما بيَّنه لنا تعالى، ومنها ما يظهر لنا بالتأمل والتدبر والتفكر، وما خفي علينا منها - وهو الأكثر - فعلينا أن نفوضه إلى علمه سبحانه، ونؤمن بأن له الحكمة البالغة، وتفاصيل ذلك لا تحيط به عقول العباد، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه] ، فلا نحيط بحكمته، كما لا نحيط علمًا بمخلوقاته.
стр. 392
وقوله: «قال الله تعالى: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء]».
ختم الشيخ هذه العبارات المتعلقة بالقدر بهذه الآية من القرآن: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء]، هذا مما وصف الله به نفسه، وتقدم (١) أن كل نفي يوصف الله به؛ فلا بد أن يتضمن إثبات كمال، فلا يوصف تعالى بالنفي المحض الذي لا يتضمن ثبوت كمال؛ لأن النفي المحض ليس فيه مدح ولا كمال، فمما وصف الله به نفسه من النفي: أنه لا يُسأل عما يفعل، لا يتوجه إليه السؤال، وذلك لكمال حكمته، وليس هذا لقوته وقدرته وسلطانه، فمن كان معروفًا بكمال الحكمة لا يقال: لِمَ فعلتَ كذا؟ ولِمَ كان منك كذا؟ لأنه حكيم، وأما العباد فإن أقوالهم وأفعالهم عرضة للنقص والخلل والعيب والانحراف فهم يُسألون عن أفعالهم في الدنيا بحكم الشرع، ويُسألون في الآخرة، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر]، وقال النبي ﷺ : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما فَعلَ به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه» (٢).
فالعباد يُسألون، أما الله تعالى فلا يُسأل: لِمَ فعلتَ؟ على وجه الاعتراض، أما السؤال لمزيد المعرفة فلا مانع منه كأن يقول الإنسان:
стр. 393
ما الحكمة في كذا؟ لِمَ شرع الله كذا؟ ليعرف الحكمة لا على وجه الاعتراض على التشريع والتدبير.
والملائكة لم يكن سؤالهم لربهم عندما قال : ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة] على وجه الاعتراض على تدبير الله، إنما تحيروا في معرفة الحكمة في خلق هذا المخلوق الذي يكون منه ما ذُكر من الإفساد وسفك الدماء.
* * *
стр. 394
انتفاع الأموات بعمل الأحياء
وقوله: «وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات».
أي: أن الأموات ينتفعون بدعاء الأحياء لهم بالمغفرة والرحمة ورفع الدرجات وتكفير السيئات، وكذلك ينتفعون بصدقات الأحياء عنهم، فإذا تصدق الولد عن والديه أو عن أحد من أقاربه؛ بل لو تصدق أجنبي عنه انتفع بذلك، وهذا من فضل الله على عباده أن جعل لمن يموت من المسلمين سببًا في وصول الثواب والأجر لهم؛ لأنهم ينتفعون به في زيادة الأجور ورفع الدرجات وفي النجاة من العذاب، وقد شرع الله الدعاء للأموات وجوبًا واستحبابًا، فشرع الدعاء للميت وجوبًا بالصلاة عليه بعد موته، فالصلاة على الميت فرض كفاية، وكذلك شُرع الدعاء للأموات عند زيارة القبور وعند دفن الميت، هذه كلها مواضع شرع الله فيها الدعاء لأموات المسلمين، والدعاء والاستغفار للمؤمنين والمؤمنات مشروع، للأحياء والأموات، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، وفي دعاء الأنبياء: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم] هذا دعاءُ إبراهيم، وقال نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨].
وكذلك الصدقة، فقد ثبت في الصحيح أن سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا
стр. 395
غائب عنها، أينفعها شيء إنْ تصدقت به عنها؟ قال: «نعم»، قال: فإني أشهدك أنَّ حائطي الْمِخْرَافَ صدقةٌ عليها (١).
واتفق أهل السنة على أن الأموات ينتفعون بدعاء الأحياء وبالصدقة عنهم (٢)، سواء كان المال المنفَق عنه صدقة على فقير، أو قضاء دين عن معسر، أو الإنفاق على أعمال الخير؛ كتعليم القرآن.
واقتصر الطحاوي على «دعاء الأحياء وصدقاتهم»؛ لأنه مذهب أبي حنيفة، أو أنه قصد ما اتفق عليه أهل السنة اتفاقًا تامًّا.
وكذلك الحج - أيضًا - عامة علماء أهل السنة على وصول ثوابه إلى الميت وانتفاعه به؛ بل والحج عن الحيِّ المَعْضُوب (٣)، فقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄، قال: جاءت امرأة من خَثْعَمَ عام حجة الوداع، قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركتْ أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: «نعم» (٤). وفي الصحيح عنه - أيضًا ﵁: أنَّ امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنتِ قاضيةً؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء» (٥).
стр. 396
وعنه - أيضًا - أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، قال: «مَنْ شبرمة؟»، قال: أخ لي أو قريب لي، قال: «حججتَ عن نفسك؟»، قال: لا، قال: «حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة» (١).
وقال محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة: إنما يصل للميت ثواب النفقة، أما ثواب الحج فهو للحاج (٢).
وهذا خلاف ظاهر الأدلة؛ لأن قوله ﷺ للخثعمية حين قالت: فهل يقضي عنه أن أحج عنه، قال: «نعم»، وقوله ﷺ للجهنية: «حجي عنها»، وقوله ﷺ : «حج عن شبرمة»، ظاهره الإطلاق، وصحة الحج عنه، وأن الثواب للمحجوج عنه.
ثم بعد ذلك اختلف العلماء في سائر العبادات، كالصلاة والصيام وتلاوة القرآن والذكر، هل يصل ثوابها إلى الميت، إذا عملها الحي عنه؟
أكثر أهل العلم على أن هذه العبادات يصل ثوابها فينتفع بها الميت؛ بل توسع بعض أهل العلم، وقالوا: إن أي قربة يفعلها الإنسان عن الحي أو الميت؛ فإن ذلك يصل إليه، كما في نص «زاد المستقنع»: «وأيُّ قربةٍ فعلها وجعل ثوابها لميتٍ مسلم أو حي نفعه ذلك» (٣). وهذا توسع كبير.
والذي يعنينا في هذا المقام انتفاع الأموات بسعي الأحياء، فأكثر العلماء على أن الأموات ينتفعون بهذه العبادات، فإذا صام أو صلى عن الميت ولو
стр. 397
تطوعًا، أو قرأ قرآنًا، أو سبَّح وهلَّل وكبَّر، يريد أن يكون ذلك عن الميت؛ فإنه ينفعه ذلك، قياسًا لهذه العبادات على ما وردت به النصوص، وهؤلاء لا فرق عندهم بين فرض ونفل أو نذر، فينتفع الميت بها جميعًا.
وفي هذا تفصيل؛ فأما الصيام فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (١).
وهنا اختلف أهل العلم على مذاهب، فمنهم من قال: لا يُصام عن الميت مطلقًا، وإنما يُطعم عنه عملًا بما صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مُدًّا من حنطة» (٢).
وهذه النصوص ربما أجابوا عنها بالنسخ، ولا شك أن هذا الأثر لا يقاوم النصوص الصحيحة الصريحة، والمشهور عن الإمام أحمد: أنه يُصام عن الميت النذر خاصة، أما الفرض؛ كقضاءِ رمضان، والكفاراتِ؛ ككفارة القتل فلا تصام عن الميت، وإنما يُطعم عنه (٣) على ما جاء في أثر ابن عباس ﵄، ولكن الحديث لفظه عام: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه».
وإذا كان سبب الحديث هو السؤال عن صوم النذر؛ ف «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب».
стр. 398
وأما الصلاة وتلاوة القرآن والذكر؛ فلم يرد فيها شيء، إنما عمدة من قال بوصول ثوابها وجواز فعلها عن الميت هو قياسها على ما ورد في النصوص من الحج والصيام.
وأهل السنة في جملة هذه القضية: طرفان ووسط؛ فمنهم من يرى جواز إهداء جميع القُرَبِ.
والذي دلت عليه النصوص ليس إهداء الثواب؛ بل هو فعل العبادات عن الغير، وهذا لا بد فيه من نية فعل العبادة عن الغير عند ابتداء العمل؛ كالحج عن المعضوب والميت، كما نبه على ذلك ابن القيم (١)، فليس الوارد أن الإنسان بعدما يحج يقول: اللهم اجعل ثواب حجتي هذه لفلان، أو بعدما يتصدق يقول: اللهم اجعل ثواب هذه الصدقة لفلان، أو يصوم يومًا ثم يقول: اللهم اجعل ثواب صومي هذا لفلان؛ بل من أصل العمل ينوي فعله عمَّن يريد الإحسان إليه.
ثم إن العامل إذا عمل لا يعلم هل كُتِب له ثواب عند الله أو لا، فكيف يقول: اللهم اجعل ثواب هذا العمل لفلان؟!
لكن الفقهاء لعلهم نظروا إلى أن المقصود من فعل العبادة عن الميت هو نفع الميت بما يترتب على ذلك من ثواب.
ومنهم من قصر ذلك على الدعاء والصدقة والحج على خلاف.
وأظهر هذه المذاهب هو الوقوف عند ما ورد، فنقول: ينتفع الميت بدعاء الحي، وهذا محل إجماع، وكذلك الصدقة والحج، ولاسيما
стр. 399
الحج الواجب والصوم الواجب، هذا لا كلام في وصوله، وكذا إذا نذر الإنسان عبادةً ثم أدركه الموت ولم يوصِ بما نذر؛ فإن الأدلة تدل على فعلها عنه كالدين؛ فالنذر دين والتزام من المكلف، وما سوى ذلك؛ فإن إلحاقه بما وردت فيه النصوص محل نظر واجتهاد.
وفي مقابل مذهب أهل السنة والجماعة الذي قصد المؤلف التنبيه عليه، قول المبتدعة: إن الميت لا ينتفع بشيء من سعي الأحياء، حتى قيل عن بعضهم: لا ينتفع بشيء من سعي الأحياء ولا الدعاء.
ولا شك أن هذا باطل، ومن شبهاتهم استدلالهم بقوله : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم]، وقوله : ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ [يس] ونظائرها في القرآن كثير، ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [الطور] أي: ما تجزون إلا ما كنتم تعملون، ومن أدلتهم قوله ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١).
وأجيب عن استدلالات القائلين بعدم انتفاع الأموات بسعي الأحياء، أما الدعاء فمعلوم بالضرورة من دين الإسلام انتفاع الميت بالصلاة عليه، والمقصود من الصلاة على الميت هو الدعاء له، هذا ركنها الأعظم، وكذلك الدعاء لهم عند زيارة القبور (٢)، وكذلك انتفاعهم بالصدقة كما تقدم (٣)، فقولهم مردود بهذه النصوص.
стр. 400
وأما الآية: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم] فأجيب عنها بأجوبة، قال شارح الطحاوية ابن أبي العز (١): إن أصحها جوابان:
الأول: «أن الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير وتودد إلى الناس، فترحموا عليه، ودعوا له، وأهدوا له ثواب الطاعات، فكان ذلك أثر سعيه، بل دخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه، في حياته وبعد مماته» (٢).
وأظهر من هذا هو الجواب الثاني: وهو أن المنفي في الآية هو ملك الإنسان لسعي غيره، فالإنسان لا يملك إلا عمله، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم]، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فليس للإنسان إلا عمله، وليس له عمل غيره، ونفي استحقاق الإنسان لعمل غيره لا يستلزم نفي انتفاعه بعمل غيره إذا فعله عنه أو أهدى ثوابه له، كما يقال: ليس للإنسان إلا ماله، أما أموال الناس فليست له، ولا يلزم من نفي ملكه لمال غيره نفي الانتفاع به، فيمكن أن يهديه، أو أن يتصدق عليه، أو ينتفع به بوجه من الوجوه، فالانتفاع أعم من الملك، فلا يلزم من نفي الملك نفي الانتفاع، وهذا جواب سديد قريب بيِّن (٣)، كما دلت على ذلك هذه النصوص، الصدقة عن الميت، والصوم الواجب عن الميت، والحج عن الميت، والدعاء؛
стр. 401
بل وقضاء الدين، كما في حديث أبي قتادة ﵁ عندما ضمن الدين عن الميت؛ فبرئت ذمته، وصلى عليه النبي ﷺ (١).
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ [يس] وأشباهها من القرآن فيقال فيها ما قيل في الآية التي قبلها: إن الإنسان لا يُجزى إلا بعمله، هذا الذي يستحقه بوعد الله، وهو لا ينفي أن ينتفع بعمل غيره إذا أهداه إليه، وتصدق به عليه.
وأولى من هذا الجواب بالنسبة لهذه الآية: أن يقال: هذه الآيات إذا تأملنا القرآن نجد أن كل ما ورد فيه بهذا المعنى يختص بالجزاء على السيئات: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ [يس]، ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [الطور]، وهذا المعنى في القرآن كثير، فيكون موافقًا لقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، فالإنسان لا يعاقب إلا بذنبه، لا يعاقب بذنب غيره.
ومسألة انتفاع الأموات بسعي الأحياء ذكرها ابن القيم في كتابه «الروح» (٢) وبسط القول فيها، وذكر أقوال الناس، وما ذكره ابن أبي العز في «شرح الطحاوية» هو ملخص من ذلك الكتاب، وذهب ابن القيم، فيه إلى القول بانتفاع الأموات بسعي الأحياء مطلقًا، وعلى هذا فمن أخذ بهذا عن اجتهاد أو تقليد لمن يذهب إلى ذلك؛ فلا شيء عليه.
* * *
стр. 402
إجابة الله لدعاء عباده
وقوله: «والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات».
قوله: «ويقضي الحاجات» عطف هذا على ما قبله من عطف الخاص على العام، فاستجابة الدعوات أعم من قضاء الحاجات، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقال : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]، وأخبر أنه أجاب دعاء الأنبياء؛ كأيوب ﵇، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء: ٨٤]، وذي النون ﵇، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ [الأنبياء: ٨٨]، وزكريا ﵇، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وهو يقضي الحاجات ؛ لأن الخير كله بيده، فمن كانت له حاجة؛ كشفاء مريض، أو تيسير عسير، أو زوال فقر، أو رد غائب، أو غيرها؛ فلينزلها بربه ولا ينزلها بالخلق، فقد روى أنس ﵁ عن النبي ﷺ : «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شِسْعَ نَعْله إذا انقطع» (١).
стр. 403
فلا تحقر الأمور الصغيرة وتجعل دعاءك فقط في الأمور الكبيرة؛ لكن قل: «اللهم أصلح لي شأني كله»، فينبغي على المسلم أن يدعو ربه بقلبه ولسانه، ويعتمد في قضاء حوائجه عليه، ولا يعتمد على الأسباب؛ بل يعتمد على ربه ويدعوه، فالدعاء أعظم الأسباب؛ لأنه التجاءٌ إلى الله في جلب المنافع ودفع المضار، فهو ينفع في رفع البلاء وفي دفعه، وهذا ديدن الخلق كلهم، حتى الكفار يدعون الله، كما أخبر سبحانه عنهم، لاسيما في الشدة: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، ومتى وقع المخلوق في ضرورة؛ فإنه لا بد أن يلجأ إلى الله، إلا من فسدت فطرته واستحكم فسادها؛ فإنه تنقطع صلته بربه.
وذكر الشارح ابن أبي العز عن ابن عقيل: «أن الله نَدَبَ إلى الدعاء، وفي ذلك معانٍ:
أحدها: الوجود؛ فإن من ليس بموجود لا يدعى.
الثاني: الغنى؛ فإن الفقير لا يدعى.
الثالث: السمع؛ فإن الأصم لا يدعى.
الرابع: الكرم؛ فإن البخيل لا يدعى.
الخامس: الرحمة؛ فإن القاسي لا يدعى.
السادس: القدرة؛ فإن العاجز لا يدعى» (١).
стр. 404
فكلها تدخل في الإيمان بالله، فدعاء العبد لربه يتضمن الإيمان بأنه سميع قدير غني كريم رحيم، فينبغي للداعي أن يستحضر هذا.
والدعاء كغيره من الأسباب لا بد لحصول أثره من توافر الشروط وانتفاء الموانع؛ فإن كل الأسباب الكونية والشرعية يتوقف أثرها على وجود الشروط وانتفاء الموانع.
فلا بد في الدعاء من الإيمان بالله والإخلاص له، والتوكل عليه ، بحيث يدعو الإنسان وهو موقن بالإجابة طامع في فضل الله.
ومن موانع الإجابة ما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل»، قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: «يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك، ويدع الدعاء» (١).، وما جاء في مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه «ذكر الرجلَ يطيل السفر أشْعَثَ أغَبَرَ يمدُ يديه إلى السماء: يا ربُّ يا ربُّ، ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟» (٢). ومن الموانع كذلك الاعتداء، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف]، وفي الحديث: أن عبد الله بن مغفل ﵁ سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: أيْ بُنَيَّ سلِ اللهَ الجنةَ، وتعوذ به من النار؛ فإني سمعت
стр. 405
رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» (١).
وفي الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها»، قالوا: إذًا نُكْثِر، قال: «الله أكثر» (٢).
فإجابة الدعاء أعم من قضاء الحاجة، فلا يلزم من عدم حصول المطلوب أن الله لم يجب دعاءك، فتقول: إن الله لم يستجب لي! وما يدريك؟ لعل الله أعطاك إحدى هذه الثلاث، ومن أجل ذلك قلتُ: إن قوله: «ويقضي الحاجات» أخصُّ من قوله: «والله تعالى يستجيب الدعوات».
ومن المبتدعة من قال: إن الدعاء إنما شُرع تعبدًا فقط، وليس له أثر في حصول المطلوب؛ لأن المطلوب إن كان مقدرًا وسيحصل؛ فلا حاجة إلى الدعاء، وإن كان لم يقدر؛ فلا فائدة في الدعاء؛ لأنه لن يحصل سواءً دعوت أم لم تدعُ!
فيقال لهم: هناك قسم ثالث، وهو: ما قدر الله حصوله بالدعاء، فما قدر الله حصوله بسبب لن يحصل إلا بهذا السبب، وهذه الشبهة
стр. 406
طردُها أن يقال لهم: قولوا مثل هذا في سائر الأسباب، فيقال لمن حرث وأراد الزرع والثمر: حرثك وزرعك هذا لا فائدة منه؛ فإن كان الثمر قد قدره الله فسيحصل لك بدون عملك هذا، وإن لم يقدر لك فلا فائدة في عملك!
وهكذا يقال لمن سعى لطلب الرزق: الرزق الذي تسعى إليه إن كان مكتوبًا لك فسيحصل ولو لم تسعَ، وإن كان غير مقدر؛ فلا فائدة في سعيك، ولا أثر له (١)!
وهذه الشبهة تقتضي تعطيل الأسباب الشرعية والكونية، وهذا معلوم الفساد؛ فإن الله قد فطر العباد على فعل الأسباب وعلى رجاء أثرها، فالمذموم هو الاعتماد على الأسباب، كما قال بعضهم: «الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع» (٢)، فالأسباب خلقها الله وقدرها وشرعها وجعلها مؤثرة في حصول مسبَّباتها، ولكن كل ذلك مرده إلى قدرة الله ومشيئته وتقديره وتدبيره.
والآيات والأحاديث في الترغيب في الدعاء كثيرة معلومة، فالله تعالى ندب عباده إلى الدعاء ورغبهم فيه؛ لأن حوائج العباد كلها لديه، فبيده الملك وبيده الخير، وهو المعطي المانع، فلا مانع لما أعطى ولا
стр. 407
معطي لما منع، وقد ضمن الله الإجابة لكل من دعا، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وعد والله لا يخلف الميعاد.
وقوله: «ويملك كل شيء، ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين؛ فقد كفر وصار من أهل الحين».
هذا معطوف على ما قبله، والله له الملك كله، فله ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وكل العوالم في قبضته: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، فهو المتصرف في هذا الوجود، وهو خالق كل شيء، وهو المدبر لكل شيء، ومن أسمائه الملك، أي: الذي له الملك، فهو ملك الناس، وهو ملك الأملاك، وهذا كله داخل في توحيد الربوبية، فتوحيد الربوبية يتضمن أنه خالق كل شيء ومليكه، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس]، ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ [المؤمنون].
وقوله: «ولا يملكه شيء»، فهو المالك وغيره مملوك، وهو مالك الدنيا والآخرة: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾ [الليل]، وكلهم عبيده، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم]، والعبد المملوك لا يكون مالكًا لسيده، ولا شريكًا له، ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ
стр. 408
تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، لكن يكون مالكًا لما يُمَلِّكُه سيده، والله تعالى يُمَلِّكُ من شاء ما شاء، كما يُمَلِّك العباد ما يعطيهم من الأرزاق يقول : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦].
وقوله: «ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين».
لا غنى لأحد عن الله طرفة عين، فالخلق كلهم فقراء مفتقرون إلى الله افتقارًا ذاتيًّا، فليس لشيء من ذاته إلا العدم، فالافتقار صفة ذاتية للمخلوق، فالخلق فقراء إلى الله في كل لحظة، ولا يستغني أحد عن الله طرفة عين، بل هم دائمًا وأبدًا مفتقرون إلى الله في وجودهم، وفي كل شؤونهم، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر]، ومن تحقيق الإيمانِ بربوبيته الإيمانُ بغناه عن كل ما سواه، وبفقر كل ما سواه إليه، فهو تعالى الغني بذاته عن كل ما سواه وكل شيء فقير إليه، مفتقر إليه، فلا غنى عن الله طرفة عين.
وقوله: «ومَن استغنى عن الله طرفة عين؛ فقد كفر وصار من أهل الحَين».
في الواقع لا يمكن لأحد أن يستغني عن الله طرفة عين، لكن الاستغناء الذي يقع من بعض الخلق هو استغناء شعوري كما يحصل من أهل الكفر، فالكافر والغافل هو الذي يمكن أن يستشعر في ذهنه أنه مستغن عن الله، وهو في الواقع غير مستغن، لكن هذا الاستغناء هو بحسب ما يتخيله، وهذا من طغيان العبد وجهله واغتراره بنفسه،
стр. 409
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق]، إذا رأى نفسه غنيًّا بما أوتي أوجب له ذلك الطغيان والغرور، كما حصل من قارون، ولهذا من يصاب بهذا الداء لا يلجأ إلى الله ولا يتوجه إليه ولا يعترف بربوبيته؛ بل ينظر إلى ما هو عليه، وما أوتي من قوة وأسباب وحيلة.
«ومن استغنى عن الله طرفة عين؛ فقد كفر وصار من أهل الحين»، أي: من أهل الهلاك.
* * *
стр. 410
إثبات الغضب والرضا لله تعالى
وقوله: «والله يغضب ويرضى، لا كأحد من الورى».
يثبت المؤلف ﵀ صفتي الغضب والرضا لله سبحانه كما أخبر تعالى عن نفسه، فقال : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء]، وقال : ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح]،
قال في اليهود: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، وقال ﷺ : «اشتد غضبُ الله على قومٍ فعلوا بنبيه - يشير إلى رَبَاعِيَتِه - اشتد غضبُ الله على رجلٍ يقتُله رسول الله في سبيلِ الله» (١)، وقال ﷺ : «من حلف على يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بها مالَ امرئٍ مسلمٍ هو فيها فاجرٌ لقي الله وهو عليه غضبان» (٢)، وفي حديث الشفاعة في الصحيحين أنَّ آدمَ ونوحًا وإبراهيمَ وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام قال كل واحد منهم: «إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضبْ قبلَه مثلَه، ولنْ يغضبَ بعده مثلَه» (٣).
стр. 411
وكذلك وصف الله تعالى نفسه بالرضا في آيات كثيرة، فقال : ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]، وقال : ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء]، وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد]، وقال: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة]، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: أُحِلُّ عليكم رِضْواني فلا أسْخَطُ عليكم بعده أبدًا» (١).
فدلت هذه النصوص من الكتاب والسنة على أنه تعالى يغضب ويرضى، كيف شاء، ورضاه وغضبه ليس كرضا المخلوق وغضب المخلوق، كما هي القاعدة المطردة في صفاته سبحانه فهو تعالى يحب ويرضى ويسخط ويغضب، والمخلوق يوصف بهذه الصفات وليست صفاته تعالى كصفات المخلوق، ولا صفات المخلوق كصفاته، وهذا معنى قول الطحاوي: «لا كأحد من الورى»، أي: الخلق، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى]، فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ رد للإلحاد والتعطيل، فليس سمعه كسمع المخلوق، ولا بصره كبصر المخلوق، ولا حبه كحبه، ولا سخطه كسخطه، ولا غضبه كغضبه، وأهل السنة والجماعة يثبتون الغضب والرضا لله تعالى، ويقولون: إنهما من صفاته الفعلية التابعة لمشيئته؛ فإنه يغضب إذا شاء على من شاء، ويرضى إذا شاء عمَّن شاء.
стр. 412
وخالف في ذلك المعطلة كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة (١)، فنفوا حقيقة الغضب والرضا عن الله، وقالوا: إن إثبات هذه الصفات لله يستلزم التشبيه؛ لأنهم يفسرون الغضب: بأنه غليان دم القلب طلبًا للانتقام، أو نحوه، ومن أجل ذلك نفوا حقيقة المحبة وحقيقة الرضا، وحقيقة الغضب والسخط والكراهة.
ثم منهم من فسَّر هذه الأمور بأشياء مخلوقة؛ ففسَّر المحبة والرضا بالنعم المخلوقة، وفسر الغضب والسخط والكراهة بالعقوبات التي ينزلها الله بالعصاة.
ومنهم من فسَّرها بالإرادة كالأشاعرة، فقد فسروا المحبة والرضا بإرادة الإنعام، والغضب والسخط والكراهة بإرادة الانتقام؛ لأن الإرادة مما يثبتونه من الصفات السبع.
أما أهل السنة والجماعة؛ فإنهم يثبتون هذه الصفات على حقيقتها لله تعالى على ما يليق به سبحانه، على الوجه الذي لا يماثل فيه صفات المخلوقين.
ومن الطوائف من أثبت الغضب والرضا لله تعالى، لكن قال: إنها صفات ذاتية قديمة لا تتعلق بها المشيئة، كما ذهب إلى ذلك الكلابية، فقالوا: إنه تعالى يغضب ويرضى، لكن غضبه ورضاه لازمانِ لذاته؛ كحياته وعلمه، ولا يتعلقان بمشيئته.
стр. 413
وهذا باطل؛ بل هو تعالى يغضب ويرضى بمشيئته، ولغضبه ورضاه أسباب يحدثها .
وفي الحديثين السابقين: حديث الشفاعة: «إنَّ ربي غَضِب اليوم غضبًا» ردٌّ عليهم؛ فهذا الحديث نص على أن هذا الغضب إنما كان في ذلك اليوم.
وحديث أبي سعيد ﵁، وقول الله تعالى لأهل الجنة: «أُحِلُّ عليكم رِضْواني فلا أسْخَطُ عليكم بعده أبدًا» دليلٌ على أنه تعالى يحل رضوانه في ذلك الوقت، وأنه قد يحل رضوانه ثم يسخط، كما أنه تعالى يسخط ثم يرضى على من شاء من عباده.
وينبغي أن يعلم أنه لا تلازم بين محبته ورضاه، أو غضبه وسخطه تعالى وبين مشيئته، فليس كل ما شاءه الله يكون محبوبًا له كما تزعم الجبرية؛ فعندهم: أن كل ما شاءه فقد أحبه، وكل شيء يجري بمشيئة الله؛ إذًا فكل شيء محبوب له!
وقابلهم القدريةُ نفاةُ القدر فقالوا: إن ما أحبه الله فقد شاءه، وما لا يحبه فلم يَشَأْهُ، فعندهم: أن كل ما أمر الله به من الإيمان والطاعة فقد شاءه، وكل ما نهى عنه وأبغضه من الكفر والمعاصي؛ فإنه لا يشاؤه.
فسوَّت الطائفتان بين المشيئة والمحبة، فالجبرية أثبتوا المشيئة على حقيقتها وجعلوا المحبة لازمة لها، والمعتزلة أثبتوا المحبة، وجعلوها بمعنى المشيئة.
стр. 414
وأما أهل السنة والجماعة فقالوا: لا تلازم بين المحبة والمشيئة؛ فإن الله يشاء ما لا يحب، فما يقع في الوجود من الأمور المسخوطة كالكفر والمعاصي؛ فإنها واقعة بمشيئته وليست محبوبة له، وقد يحب سبحانه ما لا يشاء كالإيمان والطاعة ممن لم يوفقه لذلك ولم يشأْه منه.
فتجتمع المحبة والمشيئة: في إيمان المؤمنِ وطاعة المطيعِ، فإيمانُ المؤمن وطاعةُ المطيع اجتمع فيهما المشيئة والإرادة الشرعية، فهي واقعة بمشيئته ، وهي محبوبة له.
وتنفرد المشيئة في كفر الكافر ومعصية العاصي، فهي واقعة بالمشيئة وليس ذلك محبوبًا له تعالى.
وتنفرد الإرادة الشرعية فيما لم يقع من الإيمان والطاعة، كما تقدم ذلك مفصلًا (١).
* * *
стр. 415
منهج أهل السنة في الصحابة
وقوله: «ونحبُّ أصحابَ رسولِ الله ﷺ ، ولا نُفْرِطُ في حب أحد منهم، ولا نتبرأُ من أحد منهم، ونبغِضُ من يبغِضُهم، وبغيرِ الخيرِ يذكرُهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبُّهم دينٌ وإيمان وإحسان، وبغضُهم كفرٌ ونفاق وطغيان».
نحن أهل السنة نحب أصحاب رسول الله ﷺ ، والصحابي هو: «من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام» (١)، هذا هو أحسن ما ضبط به الصحابي. وعلى هذا فالصحابة متفاوتون في صحبتهم للنبي ﷺ ، وأعظمهم حظًّا من هذه الصحبة هو أبو بكر الصديق ﵁، وهو الذي جاء النص في القرآن على صحبته، ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
وهذا الحب للصحابة هو ثمرة الإيمان بفضلهم، وأنهم خير الناس، وقد جاءت النصوص من الكتاب والسنة في الدلالة على فضلهم، يقول الله تعالى عنهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة]، وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، إلاقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
стр. 416
حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ٧٤﴾ [الأنفال]، ومن ذلك قوله : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح]، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة، ومن السنة ما جاء في الحديث الصحيح عن الرسول ﷺ : «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم» (١)، وفي الحديث الآخر: «خيرُ أمتي القرن الذي بُعِثتُ فيه» (٢)، وهم أصحاب الرسول ﷺ ، وقال ﷺ : «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٣).
ومن ذلك قوله ﷺ : «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٤)، ومن ذلك قوله ﷺ في أهل بيعة الرضوان: «لا يدخلُ النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة» (٥). وجاءت نصوص تدل على فضلِ أعيان منهم؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وبقية العشرة المبشرين بالجنة، والحسن والحسين، وثابت بن قيس بن شمَّاس (٦)، وعكاشة بن محصن (٧)، وغيرهم.
стр. 417
فالأدلة على فضلهم منها ما هو عام في جنس الصحابة، ومنها ما هو أخص من ذلك، ومن الأدلة على فضلهم وتفاضلهم قوله : ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠]، والمراد بالفتح: صلح الحديبية الذي عقده الرسول ﷺ مع المشركين بمكة في السنة السادسة من الهجرة، سماه الله فتحًا؛ لأن هذا الصلح صارت عاقبته خيرًا للإسلام وأهله (١).
وفيها تصريح بنفي التساوي، ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾، ثم تصريح بالتفوق والفضل، ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾، وهم من أسلم بعد صلح الحديبية، والذين أسلموا بعد الصلح وقبل فتح مكة أفضل ممن أسلم يوم فتح مكة، وهم المعروفون بالطلقاء.
وأحسن ما قيل في بيان المراد بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، الذين ذكرهم بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]: أنهم الذين أنفقوا وقاتلوا قبل صلح الحديبية، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم؛ وصلح الحديبية حد فاصل بين مرحلتين، ونوعين من المسلمين (٢).
стр. 418
وقيل: المراد بالسابقين هم من صلى إلى القبلتين (١)، وهذا قول ضعيف؛ لأنه لا دليل على تخصيص من صلى إلى القبلتين، ثم كل من صلى إلى القبلة المشروعة فقد أطاع الله، لكن من قال ذلك لاحظ أنَّ من صلى إلى القبلتين لابد أن يكون متقدم الإسلام.
ولكن هذا يُخرج من مات قبل نسخ القبلة الأولى، وهو من السابقين قطعًا، ويخرج من أسلم بعد نسخ استقبال بيت المقدس، ونسخ الاستقبال كان في السنة الثانية، فإنه قد ثبت أن النبي ﷺ بعدما هاجر «صلى إلى بيتِ المقدسِ ستةَ عشر أو سبعةَ عشر شهرًا» (٢)؛ فهذا لا يصلح ضابطًا للسبق.
وقد اختلف الناس في أصحاب الرسول ﷺ إلى ثلاث طوائف: طرفان ووسط، فغلا فيهم أو في بعضهم قوم، وجفا فيهم آخرون، وتوسط فيهم أهل السنة والجماعة، فأهل السنة وسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج؛ فالخوارج والنواصب مع الروافض على طرفي نقيض، فالروافض يبغضون أصحاب رسول الله ﷺ ، ويسبونهم، ويخصون أبا بكر وعمر بمزيد من السب، ويغلظون فيه، فيبغضون الصحابة عمومًا، ولا يستثنون منهم إلا القليل، وفي المقابل يغلون في أهل البيت، ولاسيما في علي وذريته من فاطمة ﵃، فمن الروافض من يُكفِّر الصحابة، ومنهم من يُفسِّقهم، فجمعوا بين ضلالتين: ضلالة العداوة والبغضاء لجمهور الصحابة، وضلالة التعصب والغلو في آل البيت.
стр. 419
وأما الخوارج فضلالهم في أصحاب الرسول ﷺ حيث كفروا عليًّا وعثمان وأصحاب الجمل وأهل التحكيم، فنصبوا العداوة لأفضل أهلِ بيتِ الرسولِ ﷺ عليِّ ﵁، وكذلك من تبعهم من النواصب الذين يؤذون أهل البيت ويسبونهم بدوافع سياسية.
وأهل السنة والجماعة بين ذلك، يحبون أصحاب الرسول ﷺ ، ويتولونهم جميعًا، وينزلونهم منازلهم، ويعرفون لكل فضله عمومًا وخصوصًا، ويتبرؤون من ضلالة الروافض، والخوارج، والنواصب.
فأهل السنة والجماعة وسط بين الفِرَق في جميع مسائل الدين، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في «العقيدة الواسطية»، فقال: «هم الوسط في فِرَق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم.
فهم وسط في باب صفات الله ، بين أهل التعطيل الجهمية، وبين أهل التمثيل المشبهة.
وهم وسط في باب أفعال الله بين القدرية، والجبرية.
وفي باب وعيد الله بين المرجئة وبين الوعيدية: من القدرية وغيرهم.
وفي باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية.
وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض وبين الخوارج» (١).
стр. 420
والطحاوي ﵀ أتى بالعبارات المتضمنة لمعتقد ومنهج أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله ﷺ ، حيث قال: «ونحبُ أصحاب رسول الله ﷺ »، وحب الصحابة ﵃، هو من الحب في الله، والحب في الله واجب لكل المسلمين؛ فكل من آمن بالله ورسوله تجب محبته على قدر ما يعرف به من الإيمان والتقوى والعمل الصالح، وأحق الناس من ذلك الواجب هم أصحاب الرسول ﷺ ؛ لما خصهم الله به من فضيلة صحبتهم للرسول ﷺ التي لا يشركهم فيها أحد ممن جاء بعدهم.
وقوله: «ولا نُفْرِطُ في حب أحد منهم».
الإفراط: الغلو وتجاوز الحد، والواجبُ الاعتدال والتوسط، بعدم الإفراط والتفريط، فكل انحراف؛ فإنه يعود إلى أحد الأمرين: إما انحراف بإفراط وتجاوز وغلو، أو تفريط وتقصير وجفاء، وكلاهما انحراف عن الصراط، والحق ما وافق الصراط المستقيم.
وقوله: «ولا نتبرأُ من أحد منهم».
ولا نتبرأ من أحد منهم كما تفعل الروافض أو الخوارج؛ بل نواليهم جميعًا، وعند الرافضة مقولة: «لا ولاء إلا ببراء»، فلا يكون الإنسان عندهم مواليًا لأهل بيت الرسول إلا إذا تبرأ من أبي بكر وعمر، فعندهم أن من والى أبا بكر وعمر؛ فقد أبغض عليًّا، ومن أبغض عليًّا فهو ناصبي.
نعم، من أبغض عليًّا فهو ناصبي، هذا صحيح، لكن زعمهم: أن من والى أبا بكر وعمر فقد أبغض عليًّا هذا عين الباطل؛ بل أهل السنة
стр. 421
يوالون الصحابة عمومًا، ويعرفون لهم فضلهم، وينزلونهم منازلهم، فلا يتبرؤون من أحد منهم.
والتبري يتضمن: التخلي عنهم، وكراهتهم ومعاداتهم.
وقوله: «ونبغِضُ من يبغِضُهم».
هذا تأكيد لقوله: «نحب أصحاب رسول الله، ولا نفرط في حب أحد منهم»، فلا نُفْرِط في حب أحد منهم؛ خلافًا للرافضة، ولا نبغض أحدًا منهم؛ خلافًا للخوارج والروافض والنواصب؛ بل لا بد أن نبغض من يبغضهم، فيجب بغض الرافضة والخوارج لضلالاتهم وبدعهم وبغضهم أصحاب الرسول ﷺ .
وقوله: «وبغير الخير يذكرهم».
كما تفعل الرافضة؛ فإنهم يذكرون الصحابةَ بالسبِ والذم واللعن والتنقص وأنواع الطعن، وكما تفعل الخوارج بتكفيرهم.
لكن أشقى الناس في هذا هم الرافضة، فهم شر طوائف الأمة على الإطلاق، فجمعوا إلى أصولهم الكفرية البدعية بعض أصول الطوائف الأخرى، فدخل عليهم مذهب الاعتزال فصاروا رافضة ومعتزلة في آن واحد، وهم الأصل في نشوء الغلو في القبور في هذه الأمة، فهم أصحاب بناء المشاهد والقباب على القبور على معظميهم ممن يعدونهم في أئمتهم أو في عظمائهم، فدينهم يقوم على الشرك، والغلو.
стр. 422
وقوله: «ولا نذكرهم إلا بخير».
فنذكرهم بصحبتهم للرسول ﷺ ، وفضائلهم، وأعمالهم الصالحة، كالهجرة، والنصرة، ويدخل في ذلك الكف عن مساويهم، وما وقع بينهم مما هو من لوازم البشرية، سواء كان اختلافًا جماعيًّا كما حصل في عهد علي ﵁، أو كان خلافًا فرديًّا، كالذي حدث بين خالد بن الوليد ﵁ وعبد الرحمن بن عوف ﵁، فقد كان بينهما شيء؛ فسبَّ خالدٌ عبدَ الرحمن، فقال النبي ﷺ لخالد: «لا تسبوا أصحابي» (١)، يريد النبي ﷺ عبد الرحمن بن عوف، وأمثاله من السابقين الأولين، وخالد بن الوليد ممن أسلم بعد الفتح، أي: صلح الحديبية.
فمن منهج أهل السنة والجماعة الإمساك عما جرى بين الصحابة، فلا يجعلونهم موضع كلام وقيل وقال، فإن هذا يوغر الصدور، ويسبب سوء ظن بالصحابة ﵃، واقرأ العبارات الحكيمة الدقيقة لشيخ الإسلام ابن تيمية في «العقيدة الواسطية» في قوله: «ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم، وألسنتهم لأصحاب محمد ﷺ » - إلى أن قال -: «ويمسكون عمَّا شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها: ما هو كذب، ومنها: ما قد زيد فيه ونقص وغُيِّرَ عن وجهه، والصحيح منه: هم فيه معذورون؛ إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون. وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره؛ بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما
стр. 423
يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يُغفر لهم من السيئات ما لا يُغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ : «إنهم خير القرون»، «وإن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم» (١). ثم إذا كان قد صدر عن أحدهم ذنب، فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غُفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابْتُلي ببلاء في الدنيا كُفِّر به عنه؛ فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين؛ فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا، فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم» (٢). وهذا رصين جدير بالحفظ.
وقوله: «وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان».
هذا تأكيد لما قاله أولًا، فحب الصحابة من الدين، قال النبي ﷺ : «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» (٣)، فإذا كان هذا في الأنصار فالمهاجرون من باب أولى؛ لأنهم في جملتهم أفضل من الأنصار.
فإذا كان الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، ومن أسباب ذوق طعم الإيمان وحلاوته، فمن أفضل وأكمل وأعظم ذلك هو حب الصحابة ﵃.
стр. 424
وقوله: «حب الصحابة دين وإيمان»، يَرِدُ على ما تقدم (١) من تفسيره للإيمان؛ لأن الحب عمل قلبي، فمن قال: الإيمان هو: تصديق القلب وإقرار اللسان، أو قال: هو تصديق القلب، أو قال: هو المعرفة، فموجب قوله: أن أعمال القلوب فضلًا عن أعمال الجوارح لا تدخل في مسمى الإيمان، فهذا الكلام يعارض تعريفه للإيمان؛ إلا أن تكون هذه العبارة على وجه المجاز؛ فإن المرجئة يقولون: إطلاق اسم الإيمان على الأعمال كما في النصوص المصرحة بذلك من باب المجاز، كقوله ﷺ : «الإيمان بضع وستون شعبة» (٢)، وعلى كل حال فما قاله الطحاوي في شأن الصحابة كلام حق عظيم رصين، بيَّن فيه مذهب أهل السنة والجماعة في أصحاب الرسول ﷺ اعتقادًا وعملًا.
* * *
стр. 425
الأحق بالخلافة بعد رسول الله ﷺ
وقوله: «ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولًا: لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون، والأئمة المهتدون».
من فروع ما يجب اعتقاده في أصحاب الرسول ﷺ هذه المسائل التي أردفها المؤلف لما قبلها، فذكر أولًا: ما يجب لعموم الصحابة ﵃ من المحبة والاحترام، وذكر المحاسن والكف عن المساوي إلخ.
ثم قال: «ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولًا: لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁» هذا أيضًا مما يقرره، ويدين لله به أهل السنة: أنَّ الأحق بالخلافة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، فيثبتونها له تفضيلًا له وتقديمًا له على سائر الصحابة؛ فولايته للخلافة بعد رسول الله ﷺ كانت عن أهلية واستحقاق، وليس إثباتهم لها واقعًا فقط، كما تقول الرافضة؛ فالرافضة يقولون: الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر واقعًا، لكن عندهم أن خلافته بغير حق.