← Акыда

Акыда · id 23001

شرح العقيدة الطحاوية - البراك - ط المؤسسة

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (512 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقد ثبت في النصوص ذكر خلقة من يدخل الجنة ومن يدخل النار، وأن أجسامهم لا تكون على هيئة أجسام الناس في هذه الدنيا؛ بل تختلف اختلافًا كبيرًا (١)، ينشئها الله نشأة أخرى تليق بالحياة الآخرة عذابها ونعيمها، وليس البعث إيجادًا من عدم؛ بل البعث إعادة، وهذا هو الذي أنكره الكفار، فإنهم لا ينكرون أن الله يخلق مثلما خلق، فهم يشاهدون أن الله يخلق الأجيال، إنما ينكرون أن يعيد الله ما استحال من أبدانهم وتفرق من أجسادهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾ [الرعد]، ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء] الآيات، ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾ [ق]، ولهذا أنكر العلماء على جهم بن صفوان ومن وافقه قولهم: إن المعاد هو أن يخلق الله الخلق خلقًا جديدًا ليس بإعادة، يقول ابن القيم - في فصل طويل في «الشافية الكافية» (٢) عن جهم ومقالاته -: وَقَضَى بِأنَّ اللهَ يَجعَلُ خَلقَهُ … عَدَمًا ويقلِبُهُ وُجُودًا ثَاني

стр. 352

العَرشُ والكُرسِيُّ والأرواحُ وال … أملاكُ والأفلاكُ والقَمَرَانِ والأرضُ والبَحرُ المحيطُ وسائِرُ ال … أكوَانِ مِنْ عَرَضٍ وَمِنْ جُثمَانِ كُلٌّ سَيُفنِيهِ الفنَاءَ المَحضَ … لا يَبقَى لَهُ أثَرٌ كَظِلٍّ فَانِ ويُعِيدُ ذَا المَعدُومَ أيضًا ثانيًا … مَحضَ الوجودِ إعَادَةً بِزَمَانِ هذا المعادُ وَذلِكَ المَبدَا لَدَى … جَهمٍ وقد نَسَبُوه للقرآنِ هَذا الذِي قَادَ ابنَ سينَا والأُلَى … قَالُوا مَقَالَتَه إلى الكُفرَانِ لَم تَقبَلِ الأذهانُ ذَا وتَوهَّمُوا … أنَّ الرَّسُولَ عَنَاهُ بِالإِيمانِ هَذا كِتابُ اللهِ أنَّى قَالَ ذَا؟ … أو عَبدُهُ المبعُوث بالبُرهَان؟ ولهذا جعل الله من حجته على المكذبين أن الإعادة في نظر الإنسان وبالنسبة لقدرة الإنسان أهون من الابتداء، ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾ [ق]، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس]، وهذا أحد أدلة البعث التي فيها الرد على المكذبين، وقد تقدم ذكرها (١).

стр. 353

وقوله: «وجزاء الأعمال يوم القيامة». مما يجب الإيمان به الجزاء، والجزاء هو الغاية من البعث والنشور، ليجد كل عامل عمله، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَائُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم]؛ بل هذا من حكمة الله في خلق السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢)﴾ [الجاثية]، وذكر الجزاء في القرآن كثير جدًّا، وجاء بلفظ الدين، قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥)﴾ [الانفطار]، ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)﴾ [المطففين]، ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ [الذاريات]. وهذا الجزاء ذكر الله تعالى تفصيله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام]، ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [الطور]، ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ [يس]، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء]، ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦)﴾ [الزلزلة]، أي: جزاء أعمالهم ثوابًا وعقابًا، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة]. وهذا الجزاء يتضمن الثواب على الأعمال الصالحة، والعقاب على ضدها من الكفر والفسوق والعصيان.

стр. 354

ومن الجزاء الاقتصاص للمظلوم من الظالم، وبهذا تتحقق حكمة الرب وعدله ، فالناس في هذه الدنيا يقع من بعضهم عدوان وظلم على بعض، وكثير من المظلومين يموت وهو لم يستوفِ حقه، أو يموت الظالم ولم يؤخذ منه الحق، فجعل الله للخلق يومًا يجمع فيه الأولين والآخرين. وجزاء الإيمان والحسنات مبنيٌّ على الفضل والزيادة والمضاعفة، وجزاء السيئات مبنيٌّ على العدل، قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ [القصص]، وفي الآية الأخرى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام]، ولا يعذب أحد بذنب غيره، يقول تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، والله تعالى ينبه إلى أن دخول أهل الجنةِ الجنةَ بسبب أعمالهم، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة]، و «الباء» سببية، فالإيمان والعمل الصالح سبب دخول الجنة، والكفر والمعاصي سبب دخول النار ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)﴾ [التوبة]، وتفصيل هذا في القرآن كثير جدًّا. * * *

стр. 355

الإيمان بالعرض والحساب، والصراط والميزان وقوله: «والعرضِ والحسابِ، وقراءةِ الكتابِ، والثوابِ والعقابِ، والصراطِ، والميزانِ». من أحوال يوم القيامة عرض العباد على ربهم، وعرض أعمالهم عليهم، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةِ﴾ [الكهف] وكذلك عرض الأعمال على العاملين، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وفي حديث عدي بن حاتم ﵁: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه؛ فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه؛ فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه؛ فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة» (١)، وقال ﷺ : «ليس أحدٌ يحاسب يوم القيامة إلا هلك»، فقالت أم المؤمنين عائشة ﵂: أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق]؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنما ذلك العرض، وليس أحدٌ يناقش الحساب يوم القيامة إلا عُذِّب» (٢).

стр. 356

وكذلك الحساب، والحساب في اللغة: العد، ويطلق بمعنى المحاسبة، ومن أسماء يوم القيامة: يوم الحساب، قال تعالى: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص]، وهو اليوم الذي يحاسب الله فيه الخلائق، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء]، ومن المحاسبة السؤال عن الأعمال، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر]، وقال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات]، وقال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣)﴾ [الانشقاق]. ومن الحساب ما فيه مناقشة كما قال الرسول ﷺ : «من نوقش الحساب عُذِّب» (١). ومن المحاسبة ما جاء في الحديث عن الرسول ﷺ قال: «يدنو أحدُكم من ربِّه حتى يضع كنَفَه عليه، فيقول: عملتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم، ويقول: عملتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فيقرره، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، فأنا أغفرها لك اليوم» (٢)، حساب يسير وعرض للأعمال، ليس فيه مناقشة.

стр. 357

هذا كله يدخل في إطار الحساب، وهناك سؤال يمكن أن يدخل في الحساب، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِئَايَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ [النمل]، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ [القصص]. فأحوال القيامة وأهوالها عظيمة، فيا له من يوم ما أعظمه! ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥)﴾ [المطففين]، وثقيل، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)﴾ [الإنسان]، وعسير، لكن على الكافرين، أما على أهل الإيمان والتقى فهو عليهم يسير، ولهذا يقول تعالى: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان]. وقوله: «وقراءة الكتاب». قراءة كتاب الأعمال: فآخذٌ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله ومن وراء ظهره، كما في الآيات من سورة الانشقاق، وسورة الحاقة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾ [الحاقة]، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨)﴾ [الحاقة]، وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء]، ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسِ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)﴾ [الإسراء]، وغيرها من الآيات. وكل هذا مما يدخل في الإيمان باليوم الآخر، ويجب الإيمان به.

стр. 358

وقوله: «والثواب والعقاب». تفصيلٌ وبيانٌ لنوعي الجزاء على الأعمال؛ فإذا كانت الأعمال حسنات وسيئات؛ فالحسنات جزاؤها الثواب، وهو: كل خير ونعيم وسرور، وجماع ذلك وأعظمه: رحمة الله وكرامته ورضاه وجنته، ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ [التوبة]. وقوله: «والصراط». الصراط جسر وطريق ومعبر يُنصب على متن جهنم، فيعبر عليه الناس بحسب أعمالهم، وجاء بيان ذلك عن النبي ﷺ بأن منهم من يمر «كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناجٍ مُسَلَّم، ومخدوش مرسل، ومَكْدُوس في نار جهنم» (١). وهذا الصراط والسير عليه حسي، وهو في مقابل الصراط الذي في الدنيا، ففي الدنيا صراط معنوي، وهو دين الله الذي بعث به رسله، فالسير على ذاك الصراط بحسب السير على هذا الصراط، فمن كان على هذا الصراط ثابتًا ومسرعًا وقويًّا كان على ذاك كذلك، ومن كان بطيء السير في هذا الصراط كان سيره على ذاك، ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ [النبأ]، و «الجزاء من جنس العمل».

стр. 359

وقوله: «والميزان». أي: ميزان الأعمال، والآيات في هذا ظاهرة وكثيرة، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف]، إلى غير ذلك من الآيات. فأهل السنة والجماعة يؤمنون بالميزان، وأنه ميزان حقيقي حسي، توزن به الأعمال، كما جاء في الأحاديث، قال النبي ﷺ : «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (١)، وفي الحديث الآخر عن الرسول ﷺ : «والحمد لله تملأ الميزان» (٢). فدل الكتاب والسنة على وزن الأعمالِ، والأعمالُ وإن كانت أعراضًا، والأعراض في حِسِّنا ومداركنا لا تقبل الوزن؛ لكنا نسلم ونؤمن بما أخبر الله به من وزن الأعمال، والله تعالى على كل شيء قدير، وفي حديث صاحب البطاقة الذي يأتي يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعين سِجِلًّا، كل سِجِلٍّ مد البصر، وكلها سيئات، فيُبهت فتُخرج له بطاقة فيها الشهادتان، فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة، قال: «فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة» (٣). دليل على أن صحائف الأعمال توزن،

стр. 360

ويستدل به على فضل التوحيد الخالص، فهذا لِما اقترن بهذه الكلمة من الصدق والإخلاص والصفاء وحسن النية؛ إذ الكلمات والعبادات وإن اشتركت في الصورة الظاهرة؛ فإنها تتفاوت بحسب أحوال القلوب تفاوتًا عظيمًا، لأجل ذلك كفَّرت سيئاته، وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله، ولم يرجح قولهم على سيئاتهم كصاحب البطاقة. هذا ما وجَّه به شيخ الإسلام ابن تيمية، هذا الحديث (١)، وأمثاله (٢). وقد دلت النصوص على أن الأعمال توزن، وصحف الأعمال توزن؛ بل والعامل يوزن كما في الحديث: أنَّ عبد الله بن مسعود ﵁ كان يجتني سواكًا من الأراك - وكان دقيق الساقين - فجعلت الريح تَكْفَؤُهُ، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ : «مم تضحكون؟»، قالوا: يا نبي الله من دقة ساقيه، فقال: «والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد» (٣).

стр. 361

وأنكر بعضُ أهلِ البدعِ الميزانَ (١)، وقالوا: ليس المراد ميزانًا حسيًّا توزن به الأعمال، إنما هو كناية عن عدل الرب ، لكن النصوص ظاهرة بأنه ميزان حسي، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقيل: إن الميزان واحد، توزن به أعمال العباد، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة]، وقيل: إنها موازين، وهو ظاهر القرآن، ومن قال: إنه ميزان واحد، قال: الموازين المراد بها الموزونات، فالتعدد في الموزونات والميزان واحد، والله أعلم. المهم الإيمان بوزن الأعمال (٢). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في باب «فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب» من مسائل حديث أبي سعيد ﵁: «لو أن السماوات السبع والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة» (٣): معرفة أن الميزان له كفتان (٤). لأن الميزان يتضمن المعادلة بين السيئات والحسنات، فمن رجحت حسناته على سيئاته نجا، ومن رجحت سيئاته على حسناته فقد يعذب، والكلام في المسلم الذي له حسنات، أما الكفار فليس لهم حسنات،

стр. 362

ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في «العقيدة الواسطية»: «وأما الكفار؛ فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم وتحصى، فيوقفون عليها، ويقررون بها، ويجزون بها» (١). * * *

стр. 363

خلق الجنة والنار وبقاؤهما وقوله: «والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان». هذه الجملة فيها مسألتان: الأولى: قوله: «والجنة والنار مخلوقتان»، مخلوقتان الآن وموجودتان الآن، خلافًا للمعتزلة، فالمعتزلة يقولون: إن الجنة والنار لم تخلقا؛ لكن يخلقهما الله يوم القيامة. وما حجتهم؟ قالوا: إن خلقهما الآن عبث؛ لأنها تصير معطلة مُددًا متطاولة، ولم يدخلها سُكَّانها! (١) وهذا قول باطل مبني على جهل فاضح، ولهذا كان من مذهبهم إنكار عذاب القبر ونعيمه. والحق الذي لا ريب فيه: أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، والأدلة على هذا من الكتاب والسنة لا تُحصى كثرة، فكل أدلة عذاب القبر ونعيمه هي من أدلة وجود الجنة والنار؛ لأن عذاب القبر هو من النار، ونعيم القبر من الجنة، ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم]، وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر]، وقال تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح: ٢٥].

стр. 364

وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» (١)، وفي حديث البراء ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن المؤمن يُفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من رَوحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، وإن الكافر يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه» (٢). وفي حديث صلاة النبي ﷺ صلاة الكسوف أنَّ الصحابة ﵃ قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك كففت؟ فقال: «إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أرَ كاليوم منظرًا قط» (٣)، وهذا يقتضي أنها موجودة. وفي الحديث عن النبي ﷺ : «لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة، فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فجاءها ونظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، قال: فرجع إليه قال: فوعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بها فحفت بالمكاره، فقال: ارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره، فرجع إليه، فقال: وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد، قال: اذهب إلى النار

стр. 365

فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها فإذا هي يركب بعضها بعضًا، فرجع إليه، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها فحفت بالشهوات، فقال: ارجع إليها، فرجع إليها، فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها» (١)، ومثل حديث النبي ﷺ : «تحاجت النار والجنة، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس، وَسَقَطُهُمْ وَعَجَزُهُمْ؟ فقال الله للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما مِلْؤُهَا» (٢). فهذا هو الحق الذي لا ريب فيه، والقول بأنهما لم تخلقا قول باطل مناقض لنصوص الكتاب والسنة. قال العلامة ابن القيم في النونية: يا سِلْعَةَ الرحمنِ لستِ رخيصةً … بل أنتِ غاليةٌ على الكسلانِ يا سلعة الرحمن ليس ينالُها … في الألف إلا واحدٌ لا اثنان يا سلعة الرحمن مَنْ ذا كفؤُها … إلا أُولُو التقوى مع الإيمان يا سلعة الرحمن سُوقُك كاسِدٌ … بين الأراذلِ سِفْلَةِ الحيَوان

стр. 366

يا سلعة الرحمن أين المشتري؟ … فلقد عُرضتِ بأيسر الأثمان يا سلعة الرحمن هل مِنْ خاطِبٍ؟ … فالمهرُ قبل الموتِ ذو إمكان يا سلعة الرحمن كيف تَصَبَّرَ الْ … خُطَّابُ عَنْكِ وَهُمْ ذَوُو إيمان يا سلعة الرحمن لولا أنَّها … حُجِبَتْ بكلِّ مَكَارِهِ الإنسان ما كان عنها قطُّ مِنْ مُتَخَلِّفٍ … وتعطلتْ دارُ الجزاءِ الثاني لكنها حُجِبَتْ بكلِّ كَرِيهَةٍ … لِيُصَدَّ عنها المُبْطِلُ المُتَوَاني وتَنالَها الِهمَمُ التي تَسْمُو إلى … رُتَبِ العُلَى بمشيئةِ الرحمن (١) والمسألة الثانية: مسألة فناء الجنة والنار، يقول الطحاوي: «لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان»، بل هما باقيتان على الدوام. فالجنة لا تفنى ونعيمها دائم، قال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص]، وقال تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود]، وقال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ [التوبة].

стр. 367

وكذلك النار جاء فيها ما يدل على الدوام، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ [المائدة]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ [الإسراء]، ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ [الحجر]. وذهب الجهم بن صفوان ومن تبعه إلى فناء الجنة والنار، فعندهم أن المخلوقات يمتنع دوامها في الماضي، وكذلك دوامها في المستقبل. وأجمع أهل السنة إجماعًا قطعيًّا وسائر الفرق ما عدا الفرقة الضالة الجهمية على دوام الجنة، وأما النار فجمهور أهل السنة وسائر الطوائف على دوامها كذلك، وفيها قول آخر ذكره ابن القيم، فقد عُني ﵀ بالكلام على هذه المسألة (١) كعادته في البحث، إذا بحث مسألة أبدع فيها، وأتى بكل ما يمكن من الاستدلال والحوار، والجواب والمناقشات في سائر المسائل الخلافية التي يتعرض لها، يذكر كل ما للطائفتين من حجج واستدلالات وتوجيهات، ويقابل بينهما ويناقشهما، فتارة يرجح ترجيحًا ظاهرًا وبقوة، وتارة يعرض ويقف، وإذا عرض لأحد القولين يقول القائل: إنه يختار هذا، فإذا عرض القول الآخر قال: كأنه يختار

стр. 368

الثاني، والذي يظهر أنه هكذا وقع له في هذه المسألة، فلما ذكر حجج القولين يظن الظان إذا قرأ استدلالاته للقول الآخر يظن أنه قائل به (١). وأكثر ما نقوله هنا: إن القول بفناء النار قول مرجوح، ولكن لا يقال: إنه بدعة، ولا يُبدَّع من قال به، ومن الناس من بدَّع من قال به، ومنهم من رمى ابن تيمية بالقول به، وجزم بأنه قال بفناء النار، وقالوا: إنه له اعتقادات فاسدة، وهذا يقوله المتجنون على شيخ الإسلام ابن تيمية من خصومه الذين خالفهم في كثير من مسائل الاعتقاد، وقد ذكر ابن القيم أنه سأل شيخ الإسلام عن مسألة فناء النار، فقال: هذه المسألة عظيمة كبيرة، ثم ذكر فيها القولين (٢)، ولم يذكر عن شيخه أنه ذهب إلى القول بفناء النار، خلافًا لمن ينسب إليه ذلك (٣). وقد أفاض شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير القول بدوام الجنة والنار، والجواب عما استُدِلَّ به للقول بفناء النار، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا

стр. 369

مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ١٠٧﴾ [هود]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ [الأنعام]، ذكر هذه المسألة عند هذه الآية في سورة «الأنعام» من كتابه «دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب» (١). وقد أجيب بأجوبة كثيرة عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وأن المراد بهذا الاستثناء: مكثهم في القبور، أو لبثهم في الدنيا، أو في مواقف القيامة، هذه كلها أقوال ليست بالظاهرة؛ لأن المراد بيان خلودهم بعد ذلك: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]، وأحسن ما قيل: إن المراد بيان أن بقاءهم إنما هو بمشيئة الله، كما أن بقاء أهل الجنة في الجنة إنما هو بمشيئة الله، فبقاء الرب تعالى ودوام وجوده ذاتي، أما بقاء أهل الجنة أبد الآباد فبإبقائه ومشيئته. * * *

стр. 370

سبق القدر فيمن يصير إلى الجنة، ومن يصير إلى النار وقوله: «وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه، وكلٌّ يعمل لما قد فُرِغَ له وصائر إلى ما خُلِق له». هذا دخول في مسائل متعلقة بالقدر، وقد فرَّق الشيخ الكلام في القدر، كما فرق المسائل المتعلقة بأصول الإيمان؛ فيذكر مسائل تتعلق بالإيمان بالله، أو الملائكة، أو الرسل، أو باليوم الآخر، وهذه المسائل الآتية متعلقة بالقدر، وبالمسألة التي تقدمت وهي: خلق الجنة والنار. يقول: «وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق» هذا ظاهر، ولا يريد بالخلق جميع المخلوقات، الظاهر أنه يريد قبل خلق الناس؛ لأن الخلق تارة يطلق على جنس المخلوقات، وتارة يطلق على خصوص المكلفين، ولهذا قال: وخلق لهما أهلًا، أي: خلق الجنة والنار، ثم خلق لهما خلقًا من الجن والإنس، خلق آدم وحواء، ثم خلق ذريتهما إلى آخر من يشاء الله تعالى خلقه من هذا الجنس البشر، ومن الجن. ويحتمل أن يكون مراده من قوله: «وخلق لهما أهلًا»، أي: قدَّر لهما أهلًا، ف «خلق» يأتي بمعنى «أوجد» وبمعنى «قدَّر»، والأول أظهر.

стр. 371

وقوله: «فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه». هذا شروعٌ في تقسيم الخلق، وأن الله جعلهم فريقين: سعداء وأشقياء، فمن العباد من خلقه للجنة، وبعمل أهل الجنة يعمل، ومنهم من خلقه للنار، وبعمل أهل النار يعمل، نعوذ بالله من النار. فمن شاء الله له منهم أن يكون من أهل الجنة كان كذلك فضلًا من الله ، والله يؤتي فضله من يشاء، ومن شاء الله منهم إلى النار عدلًا، فحكمه في عباده دائر بين الفضل والعدل، وهذا المعنى ثناه المؤلف ﵀، فقد تقدم (١) قوله: «يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا». والله تعالى أعلم بعباده، ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤)﴾ [الإسراء]، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات]، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾ [إبراهيم]، هذا كله يرجع إلى الإيمان بالقدر: الإيمان بعلم الله السابق

стр. 372

لكل شيء، والإيمان بكتابته لمقادير الأشياء في أم الكتاب، والإيمان بعموم مشيئة الله، وأنه لا خروج لشيء عن مشيئته، وأنه تعالى خالق كل شيء، فبفضله تعالى اهتدى المهتدون، وبعدله تعالى ضل الضالون: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾، هذا دعاء حقيق بأن نعرف معناه وقدره وضرورتنا إلى مضمونه، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس]. فيجب الإيمان بالقدر، والإيمان بالقدر يشمل الإيمان بأن الله قد علم أهل الجنة من أهل النار، وكتب ذلك، ولهذا لما أخبر الرسول ﷺ بأنه: «ما من نفس إلا وقد علم مكانها من الجنة ومكانها من النار»، قال رجل: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة، فييسرون لعمل أهل الشقاوة» (١)، وسئل النبي ﷺ : أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: «لا؛ بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس]» (٢). والنظر للقدر في أمر الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، من أعظم مداخل الشيطان؛ لأن الشيطان يوسوس ويقول: ما دام الأمر قد مضى

стр. 373

وسبق به القدر؛ فإن كنت من أهل الجنة فستكون من أهل الجنة! لا، لن تكون من أهل الجنة إلا إذا عملت بسبب دخول الجنة، فلن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، فمن سبق علم الله وكتابه بأنه من أهل الجنة، فلا بد أن يقوم به سبب دخولها، وإن لم يقم به سبب دخولها فوالله لا يدخلها، وكل مكلف لا بد أن يقوم بأحد السببين: سبب دخول الجنة أو سبب دخول النار، «والأعمال بالخواتيم». وقوله: «وكلٌّ يعمل لما قد فُرِغَ له، وصائر إلى ما خُلِق له». وكلٌّ من المكلفين يعمل لما قد فُرِغَ له منه، و «كُلٌّ» التنوين فيها عِوضٌ عن «أحد»، «يعمل لما قد فُرِغَ له» منه «وصائر إلى ما خُلِق له»، هذا شرح وتبسيط لما قبله، وهذا معنى قوله ﷺ : «فكلٌّ ميسر لما خلق له». «كلٌّ يعمل لما قد فُرِغَ له» منه «وصائر إلى ما خُلِق له» فمن خُلِق للجنة فصائر إلى الجنة، ومن خُلِق للنار فصائر إلى النار، ولكن بالأسباب التي جعلها الله لذلك، فالنار أعدها الله للكافرين، ولن يخلد فيها إلا الكافرون، والجنة أعدت للمتقين، ولن يدخلها إلا نفس مؤمنة. والأخذ بالأسباب هو فطرة فطر الله عليها العباد؛ لكن هناك أشياء ما ينظر بعض الناس للقدر فيها: طلب الرزق فهو من جنس ما سبق به القدر من أمر السعادة والشقاوة، أفيقول عاقل: أنا أجلس ولا أطلب الرزق؛ لأنه سيأتيني؟! لا؛ بل إذا أصبح الناس نهضوا وانتشروا يطلبون الرزق. نعم! قد يقوله الكسول تبريرًا لكسله وخموله ودَعَتِه.

стр. 374

وكما أنه موجَب العقل والفطرة، فهو أيضًا موجَب الشرع، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِّزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] فكيف يأتي هذا لأخطر الأشياء ويقول: إذا كنت من أهل الجنة فسأترك العمل! لا والله، من ترك الإيمان والطاعة اتكالًا على القدر، علمنا أنه إن مات على ذلك فهو من أهل النار، وكذا من نام عن صلاة الفجر وقال: إن كان كُتب لي أجر فسيجيئني بدون أن أقوم وأصلي! فهل سيكتب له أجر؟! الله سبحانه رتب المسببات على الأسباب، فهناك مسببات لا تكون إلا بأسباب معينة، ولا يمكن تحصيلها إلا بهذا السبب المعين، كالولد، فلا يمكن لأحد أن يُولد له إلا بوطء؟! أما الرزق فله أسباب متعددة، وطرق كسب كثيرة، بخلاف الولد؛ فلا يوجد إلا سبب واحد معين. كذلك الجنة والنار، الجنة لا يمكن دخلوها إلا بالإيمان والعمل الصالح، فمن فقد هذا السبب فإلى الضد والنقيض. نعوذ بالله! فهذه مقامات عظيمة على المسلم أن يلجأ إلى ربه، ويسأله الثبات والتوفيق والهداية، ويُلِحَّ بهذا الدعاء: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، ويسأل الله حسن الخاتمة: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف]. * * *

стр. 375

كل شيء بقدر وقوله: «والخير والشر مقدران على العباد». هذا مضمونه تقدم (١) في قوله: «القدرُ خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى»، قال النبي ﷺ : «وتؤمن بالقدر خيره وشره» (٢). قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، كل ما يجري على العباد من خير ديني أو دنيوي، أو شر ديني أو دنيوي، فهو جار بقدر، ولا خروج لشيء عن القدر، هذا موجب كمالِ مُلك اللهِ وكمالِ قدرته، وعموم مشيئته، فهو الذي يعطي ويمنع، فكل ما لدى العباد من الخير بأنواعه فهو بمنه وبعطائه، وكل ما مُنِعوا فبعدله سبحانه، «لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت» (٣)، وتفصيل ذلك في مثل قوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر]، وقال النبي ﷺ : «من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له» (٤)، وقال ﷺ لابن عباس ﵄: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت

стр. 376

على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك» (١)، لكن كل هذا لا ينافي الأخذ بالأسباب، ولهذا الناس بسبب الجهل، وعدم الاعتصام بهدى الله، اضطربوا؛ فمنهم: من أنكر القدر، ونفى تعلق علم الرب وكتابه ومشيئته بأفعال العباد، وقالوا: إنه لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها. وآخرون أخرجوا أفعال العباد عن مشيئة الله وخلقه وقدرته. وآخرون أثبتوا القدر وأنكروا الأسباب. ومن عُوفي من هذه الضلالات؛ فليحمد الله. فالذين ينكرون الأسباب يقولون: إذا شربت ورويت؛ فالماء لا له أثر في الري، وأكلك لا له أثر في الشبع، ولكن حين شربتَ وأكلتَ خلقَ اللهُ لك الشبع! والنار إذا أشعلتها في الحطب، فليست هي التي أحرقت الحطب؛ لكن لما جاءت النار عند الحطب خلق الله الإحراق فيها! فيكون قولك: «أحرقتِ النارُ الحطبَ» مجازًا لا حقيقة! وإنكار الأسباب قول مشهور عن الأشاعرة (٢). * * *

стр. 377

أنواع الاستطاعة وقوله: «والاستطاعة التي يجب بها الفعل، من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به فهي مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الأدوات فهي قَبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]». الاستطاعة هي: القدرة، تقول: فلان يقدر على كذا أو لا يقدر، وجاءت النصوص فيها ذكر الاستطاعة، قال : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فَأْتُوا منه ما استطعتم» (١)، وقال ﷺ لعمران بن حصين ﵁: «صلِّ قائمًا؛ فإن لم تستطع فقاعدًا؛ فإن لم تستطع فعلى جنب» (٢)، وقال في الكفار: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾ [هود]. والاستطاعة نوعان (٣): - نوع قبل الفعل. - ونوع مع الفعل.

стр. 378

فالاستطاعة التي قبل الفعل هي مناط التكليف، فإذا لم توجد فلا تكليف، إذ لا واجب مع العجز. والقدرة والاستطاعة التي قبل الفعل، مثل: الصحة، وسلامة الآلات، وحصول الأسباب التي لا بد منها في الفعل، فهذه هي مناط التكليف، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، السبيل: الزاد والراحلة، وكذلك القدرة البدنية لا بد منها، فلا يجب المضي للحج إلا على من توفرت له القدرة البدنية والمالية، فهذه الاستطاعة هي مناط التكليف، ويقر بها جميع الطوائف، ويستوي فيها جميع الناس: المطيع والعاصي كلهم مستطيع، فمن أُمر بالصلاة - مثلًا - وهو سليم العقل والحواس وقادر إن صلى أو ترك فهو مستطيع. والنوع الثاني: الاستطاعة التي تكون مع الفعل، ويكون بها الفعل، فهذه ليست مناطًا للتكليف؛ بل يمنحها الله لمن يشاء، وهي التي تحصل بالتوفيق والهداية الخاصة، وهي المنفية عن الكفار في مثل قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾ [هود]، ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾ [الكهف]، وليس المعنى أنهم صم لا يسمعون، فالأصم معذور إذا لم يسمعْ ما يجب سماعه، والأعمى معذور إذا لم يُبصرْ ما يجب إبصاره؛ لأنه غير مستطيع؛ لكن الاستطاعة المنفية عنهم هي الاستطاعة التي تكون مع الفعل، و هي ليست مناطًا للتكليف، فهم مستطيعون لكن صرفهم الهوى والشهوات عن الانقياد.

стр. 379

فمثلًا: بعض الناس، يقال له: اترك شرب الدخان، فيقول: لا أستطيع! لا يستطيع بسبب غلبة شهوته، وهو في الحقيقة مستطيع. أو قيل له: حافظ على صلاة الفجر مع الجماعة، فيقول: لا أستطيع، أهو لا يستطيع؟! لا والله، مستطيع، ولو كان عنده أمر فيه مصلحة تهمه لنهض إليها، وظهرت استطاعته! وغلط في هذا المقام طائفتان: - من لم يثبت إلا الاستطاعة التي قَبل الفعل، وهم المعتزلة. فقد نفوا الاستطاعة الثانية؛ لأن الله عندهم لا يقدر أن يهدي أحدًا ولا يضل أحدًا؛ بل العبد هو الذي يتصرف في نفسه. - والطائفة الثانية: حكى قولهم ابن أبي العز في الشرح فقال: إن طائفة من أهل السنة - ولم يُعيِّنهم (١) - قالوا: «الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل» (٢)، وهذا غلط؛ فإن قولهم هذا يقتضي أن معنى قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، اتقوا الله إذا اتقيتم الله، فلا تجب

стр. 380

التقوى إلا على من اتقى، ولا يجب الحج إلا على من حج، وهذا ظاهر الفساد. وقوله: «من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به». التوفيق هو صفة الله تعالى يوفق ويهدي من يشاء، أما الاستطاعة فهي أثر هذا التوفيق، أما قوله: «الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به فهي مع الفعل»، أي: الاستطاعة هي صفة للمخلوق لكن بمنح الله له، يمنحها من يشاء. * * *

стр. 381

خلق الله لأفعال العباد وقوله: «وأفعال العباد خَلْقُ الله، وكَسْبٌ من العباد، ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، وهو تفسير (لا حول ولا قوة إلا بالله)، نقول: لا حيلة لأحد، ولا حركة لأحد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله». هذا الكلام كله تفصيلٌ لمعانٍ مردُّها كلها إلى الإيمان بالقدر. وقوله: «وأفعال العباد خَلْقُ الله وكَسْبٌ من العباد»، اختلف الناس في أفعال العباد الاختيارية حسب اختلافهم في القدر، فأهل السنة والجماعة يقولون: أفعال العباد هي أفعالهم حقيقة، وهم الموصوفون بها، فالعبد هو المصلي والصائم، والقائم والقاعد، وهو الصادق والكاذب، والمؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، هي أفعاله، والله تعالى خالقُ العبادِ وخالقُ أفعالِهم وقدرتهم وإرادتهم؛ لأنه خالق الأسباب والمسبَّبَات. فهي مفعولة لله، و ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، فلا خروج لشيء عن خلقه وقدرته ومشيئته.

стр. 382

وقالت القدرية نفاة القدر: إن العباد هم الخالقون لأفعالهم، فأفعال العباد مخلوقة لهم، وليست بمشيئة الله ولا بقدرته ولا بخلقه. وقالت الجبرية: إن أفعال العباد مخلوقة لله، والعبد لا فعل له؛ بل أفعاله مجبور عليها كحركة المرتعش، وكالريشة في مهب الريح، وحركة الأشجار. فأثبتوا القدر وعموم خلق الله، لكنهم سلبوا العبد قدرته واختياره وأفعاله، وقالوا: إن نسبة الأفعال إلى العباد مجاز، ومعناه: أنه ليس هو الراكع والساجد؛ لأنه ما فعل هذا بقدرته؛ إذ لا مشيئة له ولا قدرة. فهذان قولان على طرفي نقيض. وقد دل على إبطال المذهبين - مذهبِ القدرية والجبرية - قولُ الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ [التكوير]، فأثبت المشيئة للعباد، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير]، فجعل مشيئة العبد موقوفة على مشيئة رب العالمين . وجاءت الأشاعرة فلفقوا كعادتهم وقالوا: أفعال العباد خلْقٌ لله، وكسب من العباد، لكن مفهوم الكسب عندهم هو: الفعل المقارن للقدرة المحدثة، وهذا بنوه على مذهبهم في نفي الأسباب. فيرون أن العلاقة بين الأسباب والمسبَّبَات، وبين قدرة العبد وأفعاله، مجرد الاقتران، فيقولون: إن الله يفعل عند الأسباب لا بها، فليس عندهم باء سببية؛ بل يرونها للمصاحبة.

стр. 383

فهم يَقْرُبُون في هذا من قول الجبرية؛ لأن قولهم يتضمن: أنه لا أثر لقدرتهم في وجود أفعالهم، كما تقدم ذكر ذلك في الأسباب (١) وقولهم: إن الماء لا أثر له في حصول الرِّي، ولا أثر للطعام في حصول الشِّبع، ولا أثر لقدرة العبد في حصول فعله. هذا قول الأشاعرة، وقد ذُكر كسبُ الأشعري من الأشياء التي لا حقيقة لها (٢). والله أعلم بمراد الطحاوي؛ لأن كلمة الكسب في اللغة والشرع تطلق على الفعل، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾ [الأنعام]، ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ [الأنعام]. وقوله: «ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون»، أي: ما يستطيعون، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، وقال في الدعاء الذي علمه لعباده -: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الله تعالى: «قد فعلت» (٣). وهذا من رحمة الله بعباده، وحكمته في شرعه، وهو من اليسر الذي أراده الله بعباده: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:

стр. 384

١٨٥]، وبهذا اليسر رفع الحرج عن عباده، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، فله الحمد على ذلك كثيرًا. وقوله: «ولا يطيقون إلا ما كلفهم». هذه العبارة فيها نظر، فالعباد يطيقون أكثر مما كلفهم الله؛ إذ لو كانوا لا يطيقون إلا ما كلفهم؛ فمعناه: أنه كلفهم غاية طاقتهم، فلا يقدرون على شيء بعدها؛ بل ما كلفهم الله هو أقل مما يستطيعونه، ولله الحمد، فقد كلفهم صيام شهر في السنة، أليسوا يطيقون أن يصوموا شهرين؟ بل يطيقون أن يصوموا ثلاثة لو كلفهم بذلك. وقوله: «وهو تفسير (لا حول ولا قوة إلا بالله) … ». تفسير (لا حول ولا قوة إلا بالله): لا تحول من حال إلى حال، ولا قوة على أي أمر إلا بالله. والإقرار بذلك واستحضاره وذكره يتضمن التوكل على الله والاستعانة به، ولهذا شُرع لمن يجيب المؤذن أن يقول عند قول المؤذن: «حي على الصلاة، حي على الفلاح»: «لا حول ولا قوة إلا بالله» (١)، استعانة بالله على الإجابة إلى ما دُعي إليه. وهذه الجملة «لا حول ولا قوة إلا بالله» من أنواع الذكر التي دلت السنة على عظم شأنها، كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «ألا أدلك على كَنْزٍ من

стр. 385

كُنوز الجنة؟»، فقلت: بلى يا رسول الله، قال: «قل: لا حول ولا قوة إلا بالله» (١). وذلك لأنها متضمنة لتوحيد الربوبية، ومتضمنة فقر العباد إلى الله، فلا مشيئة لهم ولا قدرة لهم إلا أن يشاء الله، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان]، وقد فسر الطحاوي ﵀ هذه الجملة العظيمة بعبارة حسنة، وذلك في قوله: «نقول: لا حيلة لأحد، ولا حركة لأحد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله». * * *

стр. 386

كل ما يجري في الكون بمشيئة الله وقوله: «وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئتُه المشيئاتِ كلَّها، وغلب قضاؤه الحيلَ كلَّها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا، تقدس عن كل سوء وحَيْن، وتنزه عن كل عيب وشَيْن، قال تعالى: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء]». هذا يتضمن المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر، والإمام الطحاوي ﵀ في هذه العقيدة فرّّق الكلام في القدر وأبدى فيه وأعاد، فقد مضى كلام كثير، ونصوص كثيرة من عباراته تتضمن تقرير الإيمان بالقدر، وما يوجبه هذا الإيمان (١)، ولا شك أن الإيمان بالقدر - وهو الأصل السادس من أصول الإيمان - من الأهمية بمكان، وقد زلت فيه أقدام، وضلت فيه أفهام، وتحير فيه المتحيرون، وهدى الله إلى الحقِّ أهلَ السنة والجماعة أهل الهدى والفلاح، فهم أسعد الناس في كل حق، وهم أسعد الناس بإصابة الصواب في هذا الباب، فهم يؤمنون بأن مشيئة الله عامة، لا خروج لشيء عن مشيئته، فكل شيء من الحوادث والحركات والسكنات العلوية والسفلية، حركة الأفلاك والملائكة والجن والإنس والجمادات، وكل صغير وكبير؛ فهو يجري بمشيئته تعالى وقضائه وتقديره، يجب أن نؤمن بأنه قد سبق به علم الله القديم، وسبق به كتابه الأول، وجرت فيه مشيئته، وهذا تحقيق كمال

стр. 387

ملكه، فله الملك كله، لا خروج لشيء عن ملكه، فله التدبير والتقدير، : ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧]، وتجد هذا المعنى يُثنَّى في القرآن كثيرًا. وقوله: «وعلمه وقضائه وقدره». كل شيء يجري بمشيئته النافذة الشاملة «وعلمه» القديم «وقضائه» النافذ «وقدره» أي: تقديره السابق، قال النبي ﷺ : «قدَّر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» (١). وقوله: «غلبت مشيئتُه المشيئاتِ كلَّها، وغلب قضاؤه الحيلَ كلَّها». مشيئة الله تعالى نافذة وإن خالفتها مشيئات الخلق، فما شاء الله كان وإن لم يشإ الخلق، وما شاءه العباد لا يكون إن لم يشإ الله، كما قال الإمام الشافعي ﵀: ما شئتَ كان وإن لم أشأ … وما شئتُ إنْ لم تشأ لم يكنْ خلقتَ العبادَ على ما علمتَ … ففي العلمِ يجري الفتى والمسنْ على ذا مننتَ وهذا خذلتَ … وهذا أعنتَ وذا لم تُعنْ فمنهم شقيٌّ ومنهم سعيد … ومنهم قبيحٌ ومنهم حسنْ (٢)

стр. 388

وقضاؤه وحكمه نافذ غالب لحيل الخلق، كما في الدعاء عن النبي ﷺ : «ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك» (١)، ومهما فعل الخلق ومهما دبروا؛ فلن يتم لهم شيء إنْ كان قضاء الله مخالفًا له، ولن يمضي ولن يتم إلا حُكم الله وقضاؤه؛ لكن الخلق يقدرون على فعل الأسباب، فالحيل من الأسباب، والإنسان مأمور بفعل الأسباب والحيل التي توصل إلى ما أمر الله به أو أباحه لعباده؛ ولكن هذه الأسباب محكومة بقضاء الله، ولن يتم بأي سبب وبأي حيلة أثر لأي سبب أوحيلة إلا ما قضاه الله سبحانه، وفي وصايا النبي ﷺ لابن عباس ﵄: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (٢). وقوله: «يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا». يفعل سبحانه ما يشاء، فيعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويهدي ويضل، ويحيي ويميت، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: ٣]، ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]، و ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١]، كل ذلك جارٍ على وفق حكمته تعالى، فله الحكمة في كل تدبير، كما تقدم في قول الطحاوي: «يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا» (٣).

стр. 389

فهو يهدي من يشاء بفضله وحكمته، ويضل ويخذل ويبتلي من يشاء بعدله وحكمته، فالحكمة ثابتة في كل تدبير، فهو يضع فضله في مواضعه؛ لأن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، والعدل: وضع الأشياء في مواضعها، فالله تعالى يضع فضله في مواضعه حيث شاء على وفق الحكمة، خلافًا لقول الجهمية ومن تبعهم كالأشاعرة: إن كل ما يجري بمحض المشيئة دون أن تكون له تعالى حكمة في هذا التقدير والتدبير، وقد تقدم نحو هذا المعنى (١). المقصود: أنه يجب الإيمان بأن أفعالَه جاريةٌ على وفق العدل والحكمة، فأفعاله دائرة بين الفضل والعدل، والظلم مما يجب تنزيهه تعالى عنه، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت]، ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾ [ق]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، والآيات في تنزيهه تعالى عن الظلم كثيرة. فلا يُعذِّب أحدًا بغير ذنب، ولا يُعذِّب أحدًا بذنب غيره، وجاء في الحديث عن النبي ﷺ : «لو أن الله تعالى عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم» (٢)، فلن يعذبهم إلا بما يقتضي تعذيبهم، وهو قادر أن يعذب من شاء بغير ذنب، أو يعذب من شاء بذنب غيره؛ لكنه لا يفعل ذلك لكمال عدله سبحانه، وقد حرم الظلم على نفسه كما في الحديث القدسي عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ : قال: قال الله تعالى: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا؛

стр. 390

فلا تظالَموا» (١)، فهو لا يظلم ولا يرضى الظلم من أحد من العباد، ولذا حرَّمه على عباده في شرائعه التي أنزلها على رسله. وإذا عرض للإنسان شيء من الحوادث فعليه أن لا يُحَكَّم عقله الناقص، فكثير من الخلق لقصور علمهم وضعف إيمانهم يعترضون في نفوسهم، أو يتكلمون بألسنتهم على تدبيره تعالى، فتسمع بعضهم يقول - إذا ابتلى الله عبدًا ببلاء -: «فلان والله ما يستاهل»، وهي عبارة مشهورة عند العامة، وهي تعني: أن الله ابتلى هذا العبد، وهو ليس أهلًا لهذا، وهذا اعتراض على تدبير الرب؛ بل يجب الإيمان بحكمة الرب في تدبيره وكمال عدله ، هذا أصل يجب العناية به علمًا وتفكيرًا وتقريرًا، وهو الإيمان بكمال عدل الرب في خلقه وأمره وجزائه، فلا تُعارِض قدرَ الله بقولك: لِمَ جرى كذا؟ ولِمَ كان كذا؟ فأي خاطر يتضمن الاعتراض على تدبير الله فيجب على المؤمن أن يدفعه بإيمانه بأن الله تعالى حكيم، له الحكمة البالغة في كل تدبير وتقدير (٢). وقوله: «تقدس عن كل سُوء وحَيْن، وتنزه عن كل عيب وشَيْن». تقدس وتنزه، عبارتان بمعنى واحد، والشيخ الطحاوي كثيرًا ما ينوع ويتفنن في العبارات، وهذه المادة «تقدس» موجودة في القرآن كثيرًا فاسمه تعالى: ﴿الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وقالت الملائكة: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فالتسبيح والتقديس والتنزيه كلها تدل
следующие страницы →