مقدمة الطبعة السادسة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه؛ أما بعد:
فإن هذا الشرح المبارك قد صدر في منتصف عام ١٤٢٩ هـ، وقد لَقي - بتوفيق الله - قبولًا حسنًا عند أهل العلم، وطُبِع بحمد الله عدة طبعات.
ومن ميزات هذا الشرح:
- مكانة الشارح في علم العقيدة.
- سهولة الشرح ووضوحه.
- شرحه لجميع ما تضمنه المتن.
- التنبيه على مواطن الإشكال في المتن وبيان الصواب فيها.
- ربط ما تفرَّق من مسائل المتن ببعض.
- غزارة المادة العلمية وأصالتها؛ فهو مشحون بأدلة الكتاب والسنة والنقل عن أئمة الهدى.
- تقريره لعقيدة أهل السنة والجماعة والاحتجاج لها، وبيان مخالفات الفرق والرد عليهم بعلم وعدل.
- التوسط؛ فلا هو بالطويل ولا المختزل، وغيرها.
стр. 2
واليوم يصدر هذا الشرح المبارك بحلَّة بهيَّة عن مؤسسة وقف الشيخ عبد الرحمن البراك - حفظه الله -، وقد اعتنت اللجنة العلمية في المؤسسة بصفِّه وتنسيقه ومراجعته وتصحيح ما وُجد من أغلاط يسيرة، وعدَّل الشيخ بعض التعديلات اليسيرة، نسأل الله أن ينفع به، ويجعله مباركًا.
اللجنة العلمية في
مؤسسة وقف الشيخ عبد الرحمن بن نصار البراك
١٦ صفر ١٤٤٣ هـ
للتواصل:
جوال: ٠٥٠٥١١٢٢٤٢
البريد الإلكتروني: m@sh-albarrak.com
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وصلى الله وسلم على محمد عبدِ الله ورسولِه، أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فإن أعظمَ نعمة على العبد بعد الإسلامِ، لزومُ السنة والجماعة، والسلامة من البدع والأهواء؛ فقد وقع في هذه الأمة ما أخبر به النبي ﷺ من التفرق، والابتداع في الدين، - كما وقع في من قبلها - فانحرفت هذه الفرق عن الصراط المستقيم، ولم يستقيموا على سبيل المؤمنين من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى؛ بل اتبعوا أهواءهم، وقدموا عقولهم القاصرة، وجعلوها حَكَمًا على الشريعة في مسائل أصول الدين، وهم في هذا الانحراف متفاوتون؛ فمنهم الغالي، ومنهم دون ذلك، ومنهم المعاند المتعصب لبدعته، ومنهم المجتهد المخطئ، فتصدى أئمة السنة للرد على المبتدعين، وكشف شبهاتهم، مع العدل في أحكامهم؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَاقُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، فكتبوا في ذلك وفي بيان مذهب أهل السنة كتبًا كثيرة، مطولة وقصيرة، وكان من هؤلاء الأعلامِ الإمامُ أبو جعفر الطحاوي ﵀، فقد كتب رسالة في عقيدة أهل السنة والجماعة، صغيرة الحجم، كثيرة المعاني، ذكر فيها جملًا من أصول مذهب أهل السنة، من غير تفصيل ولا تدليل.
стр. 4
وقد تصدى لشرحها جمع من العلماء منهم: العلامة أبو الحسن علي بن علي بن محمد المشهور بابن أبي العز الحنفي المتوفى سنة ٧٩٢ هـ ﵀ (١)، وقد اعتمد في أكثر شرحه على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم رحمهما الله، فجاء شرحًا عظيمًا، حافلًا بالتقريرات النفيسة، والبحوث المتينة، والردود الشافية على أهل البدع.
وكان ممن تولى شرحها للطلاب في هذا العصر: فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك - حفظه الله -، فشرحها في مجالس علمية متعددة، ومن ذلك شرحه لها في جامع الإمام علي بن المديني ﵀ في مدينة الرياض، ضمن الدورات العلمية المكثفة في الصيف في أربعة أعوام من عام ١٤٢٢ إلى عام ١٤٢٥ هـ.
فعرضتُ على الشيخ - حفظه الله - فكرة العناية بهذا الشرح، وتهيئته للطباعة؛ لما يرجى من نفع ذلك، فوافق على طلبي، أجزل الله مثوبته.
فاستعنت بالله على ذلك، وسار العمل في الإخراج على ما يلي:
١ - كتابة ما في الأشرطة من الشرح، ولم أُدخل الأسئلة.
٢ - صحَّحتُ المكتوب وهيأته ونسقته ليناسب الطباعة.
٣ - أثبتُّ نصوص الأحاديث والآثار والنقول على ما جاءت في مصادرها.
_________
(١) انظر ترجمته في: إنباء الغمر ٣/ ٥٠، ووجيز الكلام ١/ ٢٩٥، وشذرات الذهب ٨/ ٥٥٧.
стр. 5
٤ - عزوتُ الآيات إلى مواضعها من كتاب الله، وخرَّجت الأحاديث، والآثار؛ وطريقتي في التخريج ما يلي:
(أ) إذا كان الحديث في الصحيحين، أو أحدهما اقتصرت في العزو عليه، وأكتفي بموضع واحد.
(ب) إذا كان الحديث في غير الصحيحين أُخرِّجه من أشهر المصادر وأهمها من غير استيعاب، وأنقل ما تيسر من كلام أهل العلم عليه تصحيحًا، أو تضعيفًا باختصار، إذ ليس هذا موضع استقصاء، وقد أحيلُ للكتب المتخصصة في التخريج لمن أراد التوسع والزيادة في المواضع التي تحتاج لذلك.
٥ - وثَّقتُ النقول، وأَحَلْتُ في مواضع كثيرة من الشرح إلى كتب الأئمة، خصوصًا شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم؛ زيادة في التوثيق والفائدة لمن أراد التوسع.
٦ - اعتمدت في متن «العقيدة الطحاوية» على طبعة الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عام ١٤٠٤ هـ، مع مراجعة المتن الذي مع شرح ابن أبي العز، وبعض المخطوطات عند الحاجة، والفرق الذي لا يترتب عليه اختلاف في المعنى لن أنبه عليه حفظًا لوقت القارئ، وقد ميَّزتُ المتن بتعريض خطه ووضعه بين أقواس صغيرة كهذه «».
٧ - وضعتُ عناوين في بداية المقاطع المشروحة من المتن في إطار للتوضيح.
стр. 6
٨ - قرأتُ الشرح كاملًا على الشيخ - حفظه الله - فأضاف، وحذف، وعدَّل، وغيَّر ما رآه مناسبًا.
٩ - وضعتُ بين يدي الكتاب ترجمة مختصرة للإمام الطحاوي، وأخرى للشيخ البراك.
١٠ - وضعت فهرسًا للأحاديث، وقائمة بالمراجع التي عزوت لها، وفهرسًا تفصيليًا لمسائل الكتاب، وفهرسا إجماليًا لموضوعات الكتاب.
هذا، وأسأل الله أن يجزي الشيخ عبد الرحمن البراك خير الجزاء، وأن يمد في عمره على طاعته، وأن ينفع به المسلمين، وأن يبارك في هذا الكتاب ويجعله خالصًا لوجهه، إنه تعالى جواد كريم.
كتبه
عبد الرحمن بن صالح بن عبد الله السديس
الرياض
assdais@gmail.com
стр. 7
ترجمة الإمام الطحاوي
اسمه ونسبه:
أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك الأزدي المصري الطحاوي، نسبة لقرية «طحا» في صعيد مصر.
كنيته:
أبو جعفر.
مولده:
اختُلِف في سنة ولادته، فقيل: ٢٣٩ هـ، وقيل: ٢٣٨ هـ، والأكثر على الأول.
شيوخه:
يونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، والربيع بن سليمان المرادي، وخاله إسماعيل المزني، وبكار بن قتيبة، ويزيد بن سنان، وأحمد بن أبي عمران، ويحيى بن محمد بن عمروس، وهو الذي أدَّبه وعلَّمه القرآن، وغيرهم.
стр. 8
رحلته:
رحل إلى الشام سنة ٢٦٨ هـ، ولقي القاضي أبا خازم عبد الحميد بن عبد العزيز، وتفقه عليه، وتنقل بين مدن الشام وسمع من جماعة من المحدثين.
مذهبه الفقهي:
كان الطحاوي في أول أمره شافعيًا، ثم تحول إلى مذهب أبي حنيفة، وسببه:
أنه كان يقرأ على خاله المزني الفقيه الشافعي، فمرت مسألة دقيقة فلم يفهمها أبو جعفر، فبالغ المزني في تقريبها، فلم يتفق ذلك، فغضب المزني، فقال: والله لا جاء منك شيء، فغضب أبو جعفر من ذلك، وانتقل إلى مجلس القاضي الحنفي ابن أبي عمران.
وقال الخليلي: سمعت عبد الله بن محمد الحافظ يقول: سمعت أحمد بن محمد الشروطي يقول: قلت للطحاوي: لم خالفت خالك واخترت مذهب أبي حنيفة؟ قال: لأني كنت أرى خالي يديم النظر في كتب أبي حنيفة، فلذلك انتقلت إليه.
وقال أبو سليمان بن زَبْر: قال لي الطحاوي: أول من كتبت عنه الحديث: المزني، وأخذت بقول الشافعي، فلما كان بعد سنين، قدم أحمد بن أبي عمران قاضيًا على مصر، فصحبته، وأخذت بقوله.
стр. 9
مؤلفاته:
له مؤلفات كثيرة منها: «شرح مشكل الآثار»، و «معاني الآثار»، و «اختلاف العلماء»، و «الشروط»، و «المختصر»، و «أحكام القرآن»، و «الوصايا»، و «شرح الجامع الكبير»، و «شرح الجامع الصغير»، و «الفرائض»، وغيرها.
تلاميذه:
يوسف بن القاسم الميانجي، وأبو القاسم الطبراني، وأبو بكر بن المقرئ، وأحمد بن عبد الوارث الزجاج، وعبد العزيز بن محمد الجوهري قاضي الصعيد، ومحمد بن المظفر الحافظ، وخلق سواهم من الرحالين في الحديث.
ثناء العلماء عليه:
قال ابن يونس: كان ثقة ثبتًا فقيهًا عاقلًا، لم يخلف مثله.
قال مسلمة بن قاسم: كان ثقة جليل القدر، فقيه البدن، عالمًا باختلاف العلماء، بصيرًا بالتصنيف، وكان يذهب مذهب أبي حنيفة، وكان شديد العصبية فيه.
قال الخليلي: للطحاوي كتب مصنفات في الحديث، وكان عالمًا بالحديث.
стр. 10
وقال ابن عبد البر: كان من أعلم الناس بسير القوم - أي: أبي حنيفة وأصحابه - وأخبارهم؛ لأنه كان كوفي المذهب، وكان عالمًا بجميع مذاهب الفقهاء.
وقال السمعاني: وكان ثقة ثبتًا فقيهًا عالمًا لم يخلف مثله.
وقال الذهبي: الإمام العلامة الحافظ الكبير، محدث الديار المصرية وفقيهها، وقال: من نظر في تواليف هذا الإمام عَلِم محله من العلم، وسعة معارفه.
وقال ابن كثير: الفقيه الحنفي صاحب المصنفات المفيدة والفوائد، وهو أحد الثقات الأثبات، والحُفَّاظ الجهابذة.
وفاته:
توفي ﵀ بمصر ليلة الخميس مستهل ذي القعدة سنة ٣٢١ هـ.
مصادر الترجمة:
الإرشاد في معرفة علماء الحديث ١/ ٤٣٢، وجامع بيان العلم ٢/ ٧٨، والأنساب ٤/ ٧٣ و ٩/ ٥٣، وتاريخ دمشق ٥/ ٣٦٩، ووفيات الأعيان ١/ ٧١، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٢٧، والبداية والنهاية ١٥/ ٧٢، والجواهر المضية ١/ ٢٧١، ولسان الميزان ١/ ٤١٥.
* * *
стр. 11
ترجمة الشيخ عبد الرحمن البراك
اسمه ونسبه:
عبد الرحمن بن ناصر بن براك بن إبراهيم البراك، ينحدر نسبه من بطن العرينات من قبيلة سبيع.
ميلاده ونشأته:
ولد الشيخ في بلدة «البكيرية» من منطقة «القصيم» في شهر ذي القعدة سنة ١٣٥٢ هـ.
وتوفي والده وعمره سنة، فنشأ في طفولته في بيت أخواله مع أمه، فتربى خير تربية.
ولما بلغ الخامسة من عمره سافر مع أمه إلى «مكة»، وكان في كفالة زوج أمه محمد بن حمود البراك.
وفي «مكة» التحق الشيخ بالمدرسة «الرحمانية»، وهو في السنة الثانية الابتدائية قدَّر الله أن يصاب بمرض في عينيه تسبب في ذهاب بصره، وهو في العاشرة من عمره.
стр. 12
طلبه للعلم ومشايخه:
عاد من «مكة» إلى «البكيرية» مع أسرته، فشرع في حفظ القرآن على عمه عبد الله بن منصور البراك، ثم على الشيخ عبد الرحمن بن سالم الكريديس ﵏، فحفظ القرآن وعمره عشر سنين تقريبًا.
وفي حدود عام ١٣٦٤ - ١٣٦٥ هـ بدأ في حضور الدروس والقراءة على العلماء، فقرأ على الشيخ عبد العزيز بن عبد الله السبيل ﵀ جملة من كتاب «التوحيد»، و «الآجرومية»، وقرأ على الشيخ محمد بن مقبل ﵀ «الأصول الثلاثة».
ثم سافر إلى «مكة» مرة أخرى في عام ١٣٦٦ هـ تقريبًا، ومكث بها ثلاث سنين، فقرأ في «مكة» على إمام المسجد الحرام الشيخ عبد الله بن محمد الخليفي ﵀ في «الآجرومية».
وهناك التقى بعالم فاضل من كبار تلاميذ العلامة محمد بن إبراهيم ﵀، وهو الشيخ صالح بن حسين العلي العراقي ﵀، وكان من أصدقاء العلامة عبد العزيز ابن باز ﵀، فجالسه واستفاد منه، ولما عُيِّن الشيخ صالح مديرًا للمدرسة «العزيزية» في بلدة «الدلم» أحب الشيخ صالح أن يرافقه الشيخ عبد الرحمن حفاوة به، فصحبه لطلب العلم على الشيخ ابن باز حين كان قاضيًا في بلدة «الدلم»، فرحل معه في ربيع الأول من عام ١٣٦٩ هـ، والتحق بالمدرسة «العزيزية» بالصف الرابع، وكان من أهم ما استفاده في تلك السنة الإلمام بقواعد «التجويد» الأساسية.
стр. 13
وفي نفس السنة سافر مع جمع من الطلاب مع الشيخ ابن باز إلى الحج، وبعد عودته ترك الدراسة في المدرسة «العزيزية»، وآثر حفظ المتون مع طلاب الشيخ ابن باز، ولازم دروسه المتنوعة، فقد كان يُقرأ عليه ﵀ في «الأصول الثلاثة»، و «كتاب التوحيد»، و «عمدة الأحكام»، و «بلوغ المرام»، و «مسند أحمد»، و «تفسير ابن كثير»، و «الرحبية»، و «الآجرومية».
ومكث في «الدلم» في رعاية الشيخ صالح العراقي، فقد كان مقيمًا معه في بيته، ودَرَس عليه علم «العَروض».
وحفظ في «الدلم»: «الأصول الثلاثة»، و «كتاب التوحيد»، و «الآجرومية»، و «قطر الندى»، و «الرحبية»، وقدرًا من «ألفية ابن مالك» في النحو، و «ألفية العراقي» في علوم الحديث.
وبقي في «الدلم» إلى أواخر عام ١٣٧٠ هـ، وكانت إقامته هناك لها أثر كبير في حياته العلمية.
ولما فتح «المعهد العلمي» في الرياض في محرم ١٣٧١ هـ التحق الشيخ به في القسم الثانوي، وكانت مدة الدراسة الثانوية أربع سنوات، فتخرج فيه عام ١٣٧٤ هـ، ثم التحق ب «كلية الشريعة» بالرياض، وتخرج فيها سنة ١٣٧٨ هـ.
ودرس في المعهد، والكلية على مشايخ كثيرين من أبرزهم:
العلامة عبد العزيز ابن باز، والعلامة محمد الأمين الشنقيطي، ودرسهم في «المعهد»: «التفسير»، و «أصول الفقه»، والعلامة عبد الرزاق
стр. 14
عفيفي، ودرسهم «التوحيد»، و «النحو»، و «أصول الفقه»، والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، وعبد العزيز بن ناصر الرشيد، والشيخ عبد الرحمن الأفريقي، والشيخ عبد اللطيف سرحان في النحو، وغيرهم، ﵏ جميعًا.
وكان في تلك المدة يحضر بعض دروس العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ في المسجد.
وأكبر مشايخه عنده، وأعظمهم أثرًا في نفسه العلامة عبد العزيز ابن باز ﵀ فقد أفاد منه أكثر من خمسين عامًا بدءًا من عام ١٣٦٩ هـ إلى وفاته في عام ١٤٢٠ هـ، ثم الشيخ صالح العراقي الذي استفاد منه حب الدليل، ونبذ التقليد، والتدقيق في علوم «اللغة» من «نحو»، و «صرف»، و «عَروض».
الأعمال التي تولاها:
عُيِّن الشيخ مدرسًا في «المعهد العلمي» في مدينة الرياض سنة ١٣٧٩ هـ وبقي فيه ثلاثة أعوام، ثم نُقل إلى «كلية الشريعة» بالرياض، وتولى تدريس العلوم الشرعية، ولما افتتحت «كلية أصول الدين» عام ١٣٩٦ هـ نقل إليها في قسم «العقيدة والمذاهب المعاصرة»، وتولى تدريس العقيدة في الكُليتين إلى أن تقاعد عام ١٤٢٠ هـ، وأشرف خلالها على عدد كبير من الرسائل العلمية.
стр. 15
وبعد التقاعد رغبت «الكلية» التعاقد معه؛ فعمل مدة ثم تركه، كما طلب منه الشيخ ابن باز ﵀ أن يتولى العمل في الإفتاء مرارًا؛ فتمنَّع، ورضي منه شيخه أن ينيبه في «رئاسة الإفتاء» في الرياض في فصل الصيف حين ينتقل المفتون إلى مدينة «الطائف»، فأجاب الشيخ حياءً؛ إذ تولى العمل مرتين، ثم تركه.
وبعد وفاة العلامة ابن باز ﵀ طلب منه المفتي العام الشيخ عبد العزيز آل الشيخ أن يكون عضو إفتاء، وألح عليه في ذلك؛ فامتنع، وآثر التفرغ للدعوة والتعليم.
جهوده في نشر العلم:
جلس الشيخ للتعليم في «مسجد الخليفي» بحي الفاروق مع توليه لإمامته، ومعظم دروسه فيه، وقرئ عليه عشرات الكتب في شتى الفنون؛ كالفقه، وأصوله، والتفسير وأصوله، والحديث والمصطلح، والنحو، والعقيدة، وغيرها، كما أن له دروسًا في بيته مع بعض خاصة طلابه، وله دروس في مساجد أخرى في «مدينة الرياض».
وله كذلك مشاركات متعددة في الدورات العلمية المكثفة التي تقام في الصيف، كما ألقى عدة دروس عبر الهاتف لطلاب العلم في «اليمن»، و «بريطانيا»، و «أوكرانيا»، وغيرها، إضافة لإلقائه كثيرًا من المحاضرات في موضوعات متنوعة، وكذا الكلمات الدعوية في مختلف المناسبات، كما تُعرَض على الشيخ بعض الأسئلة من عدد من المواقع الإسلامية في الشبكة العالمية، ويجيب عليها.
стр. 16
طلابه:
بدأ الشيخ في تعليم العلم قبل نصف قرن تقريبًا، ودرس عليه أمم من طلاب العلم يتعذر على العاد حصرهم، ومنهم أكثر أساتذة جامعاتنا الشرعية، وقضاة المحاكم، والدعاة المعروفين، وبعد أن يسَّر الله جملة من الوسائل الحديثة؛ ك «الشبكة العالمية»، تمكن كثير من طلاب العلم في خارج بلادنا من متابعة دروس الشيخ مباشرة عن طريق الشبكة العنكبوتية.
احتسابه:
للشيخ جهود كبيرة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومناصحة المسؤولين والكتابة لهم، والإصلاح بين الناس، وتحذير الناس من البدع وسائر الانحرافات والمخالفات، وله في ذلك فتاوى ومقالات كثيرة، وله مشاركة مع بعض المشايخ في عدد من البيانات والنصائح الموجهة لعموم المسلمين.
اهتمامه بأمور المسلمين:
للشيخ - حفظه الله - اهتمام بالغ بأمور المسلمين في جميع أنحاء العالم، فيتابع أخبارهم ويحزن ويتألم لما يحدث لهم من نكبات، وفي أوقات الأزمات يبادر بالدعاء لهم، والدعاء على أعدائهم، ويبذل النصح والتوجيه لهم، وللمسلمين فيما يجب نحوهم.
стр. 17
إنتاجه العلمي:
انصرف الشيخ عن التأليف مع توفر آلته، وبذل معظم وقته في تعليم العلم، والإجابة عن الأسئلة، وقد قرئت عليه عشرات الكتب في مختلف الفنون، وقد سُجل بعضها وما لم يسجل أكثر، ودروسه قائمة اليوم كما كانت سابقًا.
وقد صدر للشيخ من المطبوعات: «شرح الرسالة التدمرية»، و «جواب في الإيمان ونواقضه»، و «موقف المسلم من الخلاف»، و «التعليقات على المخالفات العقدية في فتح الباري لابن حجر»، و «توضيح مقاصد العقيدة الواسطية»، و «شرح العقيدة الطحاوية» وهو كتابنا هذا، و «توضيح المقصود بنظم ابن أبي داود»، و «الفوائد المستنبطة من الأربعين النووية»، «والتعليق على القواعد المثلى»، و «شرح القصيدة الدالية»، و «شرح القواعد الأربع، والأصول الثلاثة، ونواقض الإسلام، وكشف الشبهات»، و «إرشاد العباد إلى معاني لمعة الاعتقاد»، و «التوضيحات الجلية في شرح الفتوى الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية»، و «التعليقات على المسائل العقدية في كتاب التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي»، و «التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين: الفاتحة والبقرة»، و «العدة في فوائد أحاديث العمدة»، و «الجامع لفوائد بلوغ المرام»، و «توضيح مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية»، و «شرح كلمة الإخلاص»، و «أحكام وفوائد جزء الذريات»، و «أحكام وفوائد جزء عم»، و «أحكام وفوائد جزء تبارك»، و «أحكام وفوائد جزء قد سمع»، وهناك كتب أخرى في طريقها إلى الطبع إن شاء الله.
стр. 18
وفي حياة الشيخ جوانب كثيرة مشرقة أعلم أنه يكره ذكرها، أسأل الله أن يبارك في عمره، ويمد فيه على طاعته، وينفع بعلمه المسلمين، إنه سميع قريب.
* * *
стр. 19
مقدمة الشرح
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:
فالعقيدة المعروفة ب «الطحاوية» - نسبة إلى مؤلفها الإمام أبي جعفر الطحاوي ﵀ من المؤلفات المختصرة في عقيدة أهل السنة والجماعة، وأهل العلم درجوا على التأليف في أصناف علوم الشريعة على مناهج متنوعة؛ فمنهم من ينهج نهج البسط والتفصيل والتدليل، ومنهم من ينهج طريق الاختصار، ولكل منهج خصائصه ومزاياه.
والمختصرات تتميز بأنها ميسورة الحفظ، ويمكن الإلمام بها في وقت قصير، فَيُلِّمُ الطالب بِجُلِّ المسائل على سبيل الاختصار في وقت وجيز، فنسأل الله أن يمدنا وإياكم بالتوفيق والفتح منه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يهدينا سواء السبيل.
قال الإمام الطحاوي في عقيدته:
«هذا ذِكْرُ بيانِ عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني، رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصول الدين ويَدينون به ربَّ العالمين».
هذه مقدمة مختصرة تناسب المضمون والمؤلَّف المختصر.
стр. 20
قوله: «هذا ذِكْرُ بيانِ عقيدة أهل السنة والجماعة»، أي: ذكر ما يعتقده أهل السنة والجماعة، وأكثر ما يعبر أهل العلم بالاعتقاد، والمراد بالعقيدة والاعتقاد: نفس عقد القلب، وجزمه ويقينه.
وتارة يطلق الاعتقاد على نفس الشيءِ المعتقَد المعلوم.
فتقول في الأول: إن فلانًا اعتقاده قوي، واعتقاده سليم، واعتقاده جازم.
ويقال في الثاني - مثلًا -: اعتقاد أهل السنة والجماعة: هو الإيمان بالله وملائكته … كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «العقيدة الواسطية»: «فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة - أهل السنة والجماعة -: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله … » (١). ففسر الاعتقاد بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله … إلخ.
وكذلك العقيدة أي: الشيء المعتقَد، فعيلة بمعنى مفعولة، فتقول هذا اعتقاد أهل السنة والجماعة، يقول الإمام الطحاوي: «على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني»، لو قال: على مذهب فقهاء الملة منهم: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن كان أولى؛ لأن هؤلاء الأئمة لا شك أنهم من فقهاء الأمة، لكن ليست الإمامة والفقه محصورة فيهم، ولكنه نظَر إلى كونه ينتمي إلى أبي حنيفة، وقد ذُكر في ترجمته (٢) أنه كان شافعيًا، ثم تمذهب على
стр. 21
مذهب أبي حنيفة وتفقه على فقه أبي حنيفة، وهو فقيه محدث، كما يدل على ذلك كتاباه: «معاني الآثار»، و «شرح مشكل الآثار»، فرحمه الله، ورحم أئمة الدين، وجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا.
يقول: «وما يعتقدون في أصول الدين، ويَدِينون به ربَّ العالمين»، هذا هو المقصود: بيان ما يعتقدونه في أصول الدين، ويدينون به لرب العالمين، وغلب على تعبير كثير من أهل العلم إطلاق أصول الدين على مسائل الاعتقاد، والواقع أن أصول الدين لا تختص بأمور الاعتقاد، بل أصول الدين منها: اعتقادية، كأصول الإيمان الستة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر هذه أصول الدين الاعتقادية العلمية.
ومنها: عملية، كأصول الإسلام الخمسة، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج، وهذه أصول الدين العملية؛ لأن مسائل الدين نوعان: مسائل علمية، ومسائل عملية، فكل من القسمين له أصول وله فروع، إذًا؛ لا يختص اسم أصول الدين في مسائل الاعتقاد، ولا يختص اسم الفروع بالمسائل العملية، كما حرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، وأنكر على من يجعل جميع مسائل الاعتقاد من أصول الدين، بل الدين له أصول وله فروع علمية اعتقادية، وعبادات عملية.
* * *
стр. 22
قول أهل السنة في التوحيد
يقول ﵀: «نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يُعجزه، ولا إله غيره».
يقول ﵀: «نقول»، هذا شروع في بيان ما قصد إليه، «نقول» نحن أهل السنة، هو يعبر عن نفسه، وعمن ذكر من الأئمة وغيرهم من أئمة الدين، «نقول» بألسنتنا «معتقدين» بقلوبنا، فجمع بين الإقرار باللسان، والاعتقاد بالجنان، «نقول في توحيد الله»، يعني نقول في موضوع التوحيد، والأصل في معنى التوحيد: جَعْلُ الشيء واحدًا، واعتقاده واحدًا، والمراد بتوحيد الله يعني في شأن وحدانيته تعالى واعتقاد تفرده، فهو تعالى واحد، والتوحيد: هو الإيمان بأنه واحد في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، وتخصيصه وإفراده بالعبادة، هذا هو توحيد الله.
فالتوحيد اعتقاد العبد وفعله.
أما الوحدانية فصفة الرب تعالى، كما يدل على ذلك اسمه الواحد والأحد، فهو واحد في كل شؤونه .
والله تعالى يوحد نفسه بمعنى أنه يثني على نفسه بذلك، ويُعلِّم عباده بأنه واحد، كما قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾
стр. 23
[آل عمران: ١٨]، فهذه شهادة منه تعالى لنفسه بالوحدانية تتضمن علمه بأنه واحد، وذكره لنفسه بتفرده بالإلهية، وأمره عباده بذلك، وقد ذكر ابن أبي العزرحمه الله في الشرح كلامًا مستفيضًا على هذه الآية، وهو منقول من «مدارج السالكين» لابن القيم؛ فليُرجع إليه (١).
يقول: «نقول في توحيد الله معتقدين»، هذا فيه تنبيه على أنه لا بد من الجمع بين اعتقاد القلب وإقرار اللسان، فلا يكفي أحدهما دون الآخر، بل لا بد في التوحيد من اعتقاد القلب، وهو: العلم والتصديق الجازم بأنه تعالى واحد، وإقرار اللسان بذلك.
ثم يقول: «بتوفيق الله:»، هذه لها دلالة عظيمة، وهي: أن إيماننا وقولنا واعتقادنا إنما يتحقق لنا بتوفيقه وهدايته، فنحن نقول ونعتقد ما نعتقده بتوفيقه سبحانه، وهذا يتضمن الإيمان بالشرع والقدر جميعًا.
«إن الله واحد لا شريك له»، هذا هو ما نقوله وما نعتقده في وحدانية الله تعالى، «إن الله واحد لا شريك له»، «واحد» اسم من أسمائه تعالى جاء في القرآن مقرونًا باسمه القهار، ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [الرعد]، ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ [يوسف]، وجاء غير مقرون به، قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة]، ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣].
стр. 24
والوحدة تنافي الشريك، وقد أكدها بقوله: «لا شريك له»، فهو متفرد عن الشركاء، فهو الربُّ ولا ربَّ غيره، فهو ربُّ كلِّ شيء، فهو واحد في ربوبيته في أفعاله، فلا خالق ولا رازق ولا مدبر لهذا الوجود سواه، وهو واحد في إلهيته، فلا إله غيره، ولا شريك له، ولا معبود بحق سواه، وهو واحد في أسمائه وصفاته، فلا شبيه له في شيء من صفاته وأفعاله.
إذًا؛ هذه الجملة: «إن الله واحد لا شريك له» ضمَّنها المؤلف أصل الدين، وهو التوحيد، فالتوحيد بكل معانيه هو أصل دين الرسل من أولهم إلى آخرهم، خصوصًا توحيد العبادة.
وقد أخبر عن الرسل إجمالًا وتفصيلًا بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وأخبر عن أنبيائه: نوح وهود وصالح وشعيب أنهم قالوا لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: ٢٣، والأعراف: ٦٥ و ٧٣ و ٨٥].
فالتوحيد هو أصل دين الرسل، وهو أول واجب على المُكلَّفين مع شهادة أن محمدًا رسول الله، كما قال ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» (١)، لأن الشهادتين متلازمتان لا تصح إحداهما إلا بالأخرى، فلا بد منهما جميعًا، ولهذا
стр. 25
قال النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله … » (١)؛ فَعَدَّ هذه الشهادة واحدًا من المباني الخمسة.
فالكافر الأصلي أو النصراني أو اليهودي أو المشرك إنما يدخل في الإسلام بإقراره بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، مع التزامه بالشرائع الأخرى، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وقال بعض أهل الكلام (٢): إن أول واجب هو النظر، ويريدون بالنظر التفكر في الأدلة الكونية مثلًا، فقالوا: إن أول واجبٍ هو النظر، وبعضهم تنطع وقال: بل أول واجبٍ القصدُ إلى النظر، وأقبح من هذا وذاك قول من قال منهم: إن أول واجب هو الشك! يعني أول واجب أن يشك الإنسان في الحقائق، فيشك في وجود الله وفي إلهيته، ثم بعد ذلك ينظر في الأدلة!
بئس ما قالوا أنْ جعلوا الكفر هو أول واجب؛ لأن الشك بالله كفر.
وهذه الأقوال ظاهرة الفساد والبطلان.
والنظر مشروع، لكن لا يقال: إنه أول واجب، وقد ندب الله العباد إلى النظر، فمن كان عنده توقُّف أو شك مثل حال الكفار فعليه أن ينظر ويتأمل في الأدلة، وينظر في الآيات ويتفكر، ﴿أَوَلَمْ
стр. 26
يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨].
والنظر من الأسباب التي يَقوى بها إيمان المؤمن، ولهذا أثنى الله على أوليائه أولي الألباب، بالتفكر في المخلوقات ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران]، وكان النبي ﷺ إذا قام من الليل يرفع بصره إلى السماء، ويقرأ هذه الآيات ويتفكر (١)، فالتفكر في الآيات الكونية، والتدبر للآيات الشرعية القرآنية هما من روافد الإيمان، ومما يسقي شجرة الإيمان، فالإيمان يزيد بالتفكر في آيات الله.
المقصود: أن النظر مشروع، لكن لا يقال: إنه أول واجب، بل أول واجب هو شهادة أن لا إله إلا الله.
وقول المؤلف: «إن الله واحد لا شريك له»، فيه تنزيه لله عن الشريك، والله تعالى نزه نفسه عن الشركاء في مواضع: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾ [الطور]، وفي الآية الأخرى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ [الأعراف]، وقال : ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١]، أي لا شريك له في ملكه ولا شريك له في تدبيره، ولا شريك له في إلهيته، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ]، وقد قيل في
стр. 27
هذه الآية: «إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب» (١)، فليس لشرك المشركين أيُّ شبهة يمكنهم التعويل عليها فكلها باطلة، فشركاؤهم لا يملكون مثقال ذرة، وليس لهم شرك في ذرة من السماوات والأرض، وليس أحد منهم مُعينًا لله، ولا أحد منهم يملك أن يشفع عند الله إلا بإذنه.
حتى الملائكة لا أحد منهم يشفع عند الله إلا بإذنه، كما قال : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم].
* * *
стр. 28
أقسام التوحيد
في هذا المقام يَحسُن ذكرُ أقسام التوحيد، فأهل السنة والجماعة يقسمون التوحيد ثلاثة أقسام (١)، ومنهم من يجعل التوحيد قسمين، وهما طريقتان متفقتان لا منافاة بينهما، فمنهم من يقول: إن التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد العبادة، وتوحيد الأسماء والصفات.
فأما توحيد الربوبية فمعناه: توحيد الله في شؤون الربوبية؛ كالخلق والرَّزق والتدبير والإحياء والإماتة، ولهذا يعبر عنه بتوحيد الرب بأفعاله، وذلك بالإقرار بأنه لا شريك له في أفعاله.
وتوحيد الإلهية: هو إفراد الله بالعبادة، هو الإقرار بأنه لا معبود بحق سواه، فهو الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه، وتحقيق ذلك بالفعل، وهو: تخصيصه تعالى بالعبادة.
وتوحيد الأسماء والصفات هو الإقرار بتفرده بما له من الأسماء والصفات، وأنه لا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
أما من يجعل التوحيد قسمين - والعبارات تختلف، لكن المؤدى واحد (٢) - فيقول: توحيد في المعرفة والإثبات، وبعبارة أخرى: توحيد في
стр. 29
العلم والقول، أو: التوحيد العلمي الخبري، هذه كلها عبارات عن شيء واحد، هو التوحيد الاعتقادي العلمي المعرفي، وهذا القسم يشمل: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فاندرج قسمان من الثلاثة في هذا القسم، لأن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات كل منهما توحيد يتعلق بالعلم، فهو اعتقادي علمي فقط، والنصوص الدالة عليهما كلها نصوص خبرية، يعني من نوع الخبر؛ لأن الكلام قسمان: خبر وإنشاء.
القسم الثاني على الطريقة الثانية: توحيد الإلهية، أو توحيد العبادة، أو توحيد الإرادة والقصد والعمل، أو التوحيد الطلبي؛ لأن نصوصه طلبية، انظر سورة الإخلاص، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ تجدها جملًا خبرية، كل نصوص الأسماء والصفات خبرية، لكن الآيات الواردة في توحيد العبادة إنشائية، ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا﴾ [النساء: ٣٦]، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١].
فلا منافاة بين الطريقتين، فمن يجعل التوحيد قسمين يُدرج توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات في توحيد المعرفة والإثبات الذي هو التوحيد العلمي الخبري، فلاحظ هذا ولا يشكل عليك تنوع التقسيم.
وهذا التقسيم مستمد من استقراء النصوص، وبعض أهل البدع يشنع على أهل السنة ويقول: إن هذا التقسيم مبتدع، وهذا تشنيع باطل (١)، نعم،
стр. 30
العبارات والتقسيمات هي اصطلاح جديد كما قسم الفقهاء - مثلًا - أفعال الصلاة إلى: أركان وواجبات وسنن، أخذًا من الأدلة؛ لأن أفعال الصلاة ليست على مرتبة واحدة، وكذلك أفعال الحج: أركان وواجبات وسنن، أخذًا من الأدلة، فكذلك مسائل الاعتقاد تقسيمها مستمد من النصوص.
وقد دلت النصوص على وجوب توحيد الله في ربوبيته، وذلك باعتقاد أنه رب كل شيء ومليكه، وأن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، هذا حق.
ودلت النصوص على وجوب اعتقاد أنه الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه، كما قال تعالى في خطابه لموسى ﵇: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣].
وفي باب الأسماء والصفات قال : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾.
إذًا؛ هذا تقسيم مستمد من الكتاب والسنة، دالٌّ على أنه تعالى واحد في هذا كله، وهل لهذا التقسيم ثمرة؟
نعم؛ بهذا عرفنا أن الإقرار بتوحيد الربوبية وحده لا يكفي، فإن المشركين كانوا مقرين بهذا التوحيد قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، لكنهم جعلوا مع الله آلهة أخرى، وعبدوا مع الله آلهة سواه، إذًا؛ الانحراف الذي عندهم هو في توحيد العبادة، ولهذا قال
стр. 31
أهل العلم: «إن توحيد العبادة هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الرسل وأممهم» (١)، كما قال المشركون - لما قال لهم الرسول ﷺ : «قولوا: لا إله إلا الله» -: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص] (٢).
وهؤلاء المبتدعة الطاعنون على أهل السنة في هذا التقسيم يقسمون التوحيد تقسيمًا مبتدعًا مشتملًا على الباطل، كما ذكر شيخ الإسلام عن كثير من أهل الكلام أنهم يقولون: «إن التوحيد اسم لثلاثة: توحيد الذات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال، فيقولون: إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له» (٣)، والكلام على هذا يطول، ولكن خلاصة القول: أنهم أدخلوا في التوحيد على هذا التقسيم ما ليس منه، فأدخلوا في مسمى التوحيد نفي الصفات، وهذا إلحاد، وأخرجوا عن مسمى التوحيد توحيد العبادة فلا ذكر له عندهم، وأحسن ما يذكرون هو توحيد الربوبية، وهو توحيد الرب بأفعاله، فيقولون: هو واحد في أفعاله لا شريك له، وهو أن خالق العالم واحد، وهذا حق (٤).
* * *
стр. 32
نفي المثل عن الله تعالى
وقوله: «ولا شيء مثله».
نلاحظ أن الجمل التالية كأنها تفصيل للجملة الأولى، فالجملة الأولى فيها نوع من الشمول، والجمل التي تلتها تفصيل لها، من ذلك قوله: «ولا شيء مثله»، هذه الجملة قد دلت على نفي المثل عن الله، وأنه لا مثيل له من خلقه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وهذا نص في نفي مشابهة المخلوق للخالق، فلا شيء يماثله سبحانه، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ أي ليس أحد كُفُوًا له، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]؛ لأنه تعالى لا ند له ولا مثل له، والند والكفو والمثل والسمي ألفاظ متقاربة كلها تُفسَّر بالنظير والشبيه ونحو ذلك.
فقوله: «لا شيء مثله» من اعتقاد أنه واحد لا شريك له، فمضمون هذه الجملة في الحقيقة يندرج في الجملة الأولى.
فيجب الإيمان بأنه تعالى موصوف بصفات الكمال، وأن إثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه ليست من التشبيه في شيء خلافًا للمعطلة من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم؛ فإنهم يزعمون أن
стр. 33
إثبات الصفات تشبيه (١)، فينفونها بهذه الشبهة، وبشبهٍ أخرى، لكن هذه من أشهر شبههم، فينفون عن الله ما وصف به نفسه زاعمين أن إثبات هذه الصفات يستلزم التشبيه والله تعالى منزه عن التشبيه. حقًا إنه منزه عن التشبيه، ولكن ليس إثبات الصفات من التشبيه في شيء، وتسميةُ إثبات الصفات تشبيهًا من التلبيس والتمويه، وأصل هذه الشبهة قولهم: المخلوق يوصف بأنه عليم وأنه سميع وأنه بصير وأنه حي وأنه يرضى ويغضب ويحب، فلو أثبتنا هذه الصفات لله كان مماثلًا للمخلوق.
وقد رد عليهم أهل السنة (٢) واحتجوا عليهم بما يفحمهم، ومن ذلك أن يقال: يلزمكم أن تقولوا: إن وصفه تعالى بالوجود تشبيه، فالمخلوق موجود، وهذا ظاهر الفساد والبطلان، فالله تعالى موجود والمخلوق موجود، ولكل منهما وجود يخصه، وليس الموجود كالموجود.
وإن كان بين الوجودين قدر مشترك، وهو مطلق الوجود الذي هو ضد العدم، ونقول مثل ذلك في سائر ما سمى ووصف به نفسه سبحانه، فالله تعالى الحي، والمخلوق الحي، قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩]، ولكن ليس الحي كالحي، فالله تعالى الحي بحياة تخصه، وهي الحياة التامة الواجبة التي لا يعتريها نقص ولا نوم ولا سنة، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقال : ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، والمخلوق يوصف بالحياة التي تناسبه، وهي
стр. 34
الحياة المحدثة بعد موت والمتبوعة بالموت، ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، وهي حياة ناقصة موهوبة للمخلوق، فالله هو الذي يحيي ويميت، وأما حياة الرب فليست كحياة المخلوق، بل حياة لازمة لذاته، وهي أكمل حياة.
وإن اتفق الاسمان عند الإطلاق، بمعنى أن كلًّا من الاسمين يدل على الحياة التي تقابل الموت، فليس الحي كالحي، وقُلْ مثل هذا في بقية الأسماء والصفات.
إذًا؛ إثبات الأسماء والصفات لله لا يقتضي تشبيهًا، والقدر المشترك بين اسم الخالق واسم المخلوق، أو بين صفة الخالق وصفة المخلوق ليست من التشبيه في شيء، فإن القدر المشترك لا يمكن نفيه عن الموجودات، فكل الموجودات تشترك في مطلق الوجود، وكل الأحياء تشترك في مطلق الحياة، وكل المحسوسات تشترك في مطلق الحس، كما بيَّن ذلك أهل العلم وبسطوه.
* * *
стр. 35
نفي العجز عن الله تعالى
وقوله: «ولا شيء يعجزه».
فيه نفي العجز عن الله المنافي لكمال قدرته سبحانه، وقد صرح الله بذلك في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [فاطر]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]، يعني لا يشق عليه، ولا يلحقه كلل ولا تعب ولا إعياء، وهذا لكمال قدرته تعالى.
فالله تعالى يوصف بنفي النقائص؛ كالسِّنَة والنوم واللغوب والعجز والظلم والغفلة والنسيان، لكن كل ما يوصف الله به من النفي فإنه متضمن لإثبات كمال ضده، هذه قاعدة، فالله تعالى لا يوصف بنفي محض لا يدل على ثبوت؛ فإن النفي المحض ليس فيه مدح، وإنما المدح في النفي المتضمن للكمال (١).
فكل ما جاء من النفي في صفات الله فإنه متضمن لإثبات كمال الضد، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾
стр. 36
[البقرة: ٢٥٥]، فنفي السِّنة والنوم متضمن لكمال حياته وقيوميته، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق] متضمن لإثبات كمال قدرته ونهاية قوته، وقوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣] يتضمن كمال العلم، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف] يتضمن كمال العدل، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] يتضمن كمال الحياة، وكذلك نفي العجز يتضمن كمال القدرة.
أما المعطلة فإنهم يصفونه بالنفي المحض؛ لأنهم قد يقولون: إن الله لا يجهل، وقد يقولون: إن الله لا يعجز، فيصفونه بالنفي، لكنهم لا يثبتون الأضداد، فيصفونه بالنفي المحض.
ولهذا جاء في المناظرة التي جرت بين عبد العزيز الكناني (١) ﵀ وبين بشر المَرِيْسِي أنه لما طالبه بوصف الله بالعلم قال: أقول الله لا يجهل (٢)! لأن عنده أن نفي الجهل لا يستلزم إثبات علم، فيقول: الله لا يجهل.
فهذه قاعدة لا بد من ملاحظتها، وهي: أن الله موصوف بالإثبات والنفي، إثبات الكمال ونفي النقائص والعيوب والآفات ومماثلة
стр. 37
المخلوقات، فإثبات الكمالات يتضمن نفي أضدادها، فوصفه بالعلم يتضمن نفي الجهل عنه ونفي النسيان ونفي الغفلة، ووصفه بالسمع والبصر يتضمن نفي الصمم والعمى عن الله، قال النبي ﷺ : «إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا» (١)، فالنصوص اشتملت على وصف الله بالكمالات، وعلى تنزيهه عن النقائص، فالله تعالى موصوف بالإثبات والنفي، فيجب إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وتنزيهه تعالى عن النقائص بنفي ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ .
* * *
стр. 38
كلمة التوحيد وما تتضمنه
قال المؤلف: «ولا إله غيره»
هذه كلمة التوحيد، ولمَّا سبق ذكر الاسم الشريف الذي هو لفظ الجلالة «الله»؛ رد المؤلف الضمائر إلى ذلك الاسم الظاهر، وهذه الكلمة يأتي فيها ذكر الله بالاسم الظاهر، وبضمير المتكلم والمخاطب والغائب، قال تعالى لموسى ﵇: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]، وقال يونس ﵇: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، فإذا خاطب الإنسان ربه قال: لا إله إلا أنت، وإذا كان يخبر يقول: لا إله إلا الله، أو يقول: لا إله إلا هو، أو يقول: لا إله غيره.
أما إذا أراد أن يذكر ربه فيقول: لا إله إلا الله، سبحان الله، والحمد لله، فيأتي بالاسم الظاهر، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ [الصافات].
وأما الذكر باللفظ المفرد أو بالضمير فهو ذكر مبتدع كما يفعل الصوفية (١)، يذكرون الله بالاسم المفرد «الله» ويكررونه، أو «هو» ويكررونه، ويعتبرون هذا ذكرًا!
стр. 39
وهذا ذكر مبتدع باطل لغة وعقلًا وشرعًا، فقول: «هو هو» أو «الله الله» ليس فيه ذكر، ولا إيمان، ولا كفر، فكلمة «الله» وحدها لا تفيد حُكمًا بالنسبة للعبد، فمن سمعناه يقول: «الله» لا نقول: إنه يذكر ربه، ولا نقول: إنه يسبح.
فكلمة «الله» يقولها الموحد إذا جعلها في كلام مركب فيقول: «سبحان الله» أو «لا إله إلا الله» أو «الله أكبر»، ويقولها الكافر إذا قال: الله لا وجود له، فيكون بهذا كافرًا ملحدًا.
إذًا؛ يجب أن يكون الذكر بالجملة التامة: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر.
«لا إله غيره»، إله على وزن فِعال بمعنى مَفعول، مثل كتاب بمعنى مكتوب، فإله بمعنى مألوه، من أَله يَأله بمعنى عَبَد، فمعنى «لا إله إلا الله» أي: لا معبودَ إلا الله، أو لا معبودَ غيرُ الله، لكن يَرِدُ على هذا بأن في الكون معبودات كثيرة مثل آلهة المشركين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ [الكافرون]، وقال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] فلهم معبودات، إذًا؛ هذا التقدير لا يستقيم، والصواب أن يُقدَّر: لا إله حق، أو: لا معبود بحق، أما المعبودات بباطل؛ فهي منتشرة في الأرض، كل طائفة لهم معبود، ويقول الله تعالى لهم يوم القيامة: «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد» (١)، فمنهم من يعبد الشمس، ومنهم
стр. 40
من يعبد القمر، ومنهم من يعبد البقر، ومنهم من يعبد الأصنام المختلفة، ومنهم من يعبد الصليب، لكن لا معبود بحق إلا الله .
إذًا؛ كلمة التوحيد مركبة من النفي والإثبات، نفي الإلهية بحق عن كل أحد إلا الله، فالله تعالى هو الإله الحق، وكل معبود سواه باطل، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج]، فالنفي هو الكفر بالطاغوت، والإثبات هو الإيمان بالله، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦].
ف «لا إله إلا الله» تتضمن الإيمان بالله والكفر بالطاغوت، وتتضمن التولي لله ومحبته وإجلاله، والبراءة من كل معبود سواه، كما قال الخليل لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ [الزخرف]، وفي آية أخرى يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾ [الشعراء]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، فما بعث الله به رسله متضمن لمضمون هذه الكلمات، فقوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ هو معنى «لا إله إلا الله»، ف «اعبدوا الله» مُقتضَى الإثبات، و «اجتنبوا الطاغوت» مُقتضَى النفي، فمعنى هذه الآية: آمنوا بالله وخصوه بالعبادة، واجتنبوا عبادة ما سواه واكفروا به.
* * *