← Акыда

Акыда · id 23001

شرح العقيدة الطحاوية - البراك - ط المؤسسة

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (512 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

[البقرة: ٢٥٥]، فنفي السِّنة والنوم متضمن لكمال حياته وقيوميته، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق] متضمن لإثبات كمال قدرته ونهاية قوته، وقوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣] يتضمن كمال العلم، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف] يتضمن كمال العدل، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] يتضمن كمال الحياة، وكذلك نفي العجز يتضمن كمال القدرة. أما المعطلة فإنهم يصفونه بالنفي المحض؛ لأنهم قد يقولون: إن الله لا يجهل، وقد يقولون: إن الله لا يعجز، فيصفونه بالنفي، لكنهم لا يثبتون الأضداد، فيصفونه بالنفي المحض. ولهذا جاء في المناظرة التي جرت بين عبد العزيز الكناني (١) ﵀ وبين بشر المَرِيْسِي أنه لما طالبه بوصف الله بالعلم قال: أقول الله لا يجهل (٢)! لأن عنده أن نفي الجهل لا يستلزم إثبات علم، فيقول: الله لا يجهل. فهذه قاعدة لا بد من ملاحظتها، وهي: أن الله موصوف بالإثبات والنفي، إثبات الكمال ونفي النقائص والعيوب والآفات ومماثلة

стр. 37

المخلوقات، فإثبات الكمالات يتضمن نفي أضدادها، فوصفه بالعلم يتضمن نفي الجهل عنه ونفي النسيان ونفي الغفلة، ووصفه بالسمع والبصر يتضمن نفي الصمم والعمى عن الله، قال النبي ﷺ : «إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا» (١)، فالنصوص اشتملت على وصف الله بالكمالات، وعلى تنزيهه عن النقائص، فالله تعالى موصوف بالإثبات والنفي، فيجب إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وتنزيهه تعالى عن النقائص بنفي ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ . * * *

стр. 38

كلمة التوحيد وما تتضمنه قال المؤلف: «ولا إله غيره» هذه كلمة التوحيد، ولمَّا سبق ذكر الاسم الشريف الذي هو لفظ الجلالة «الله»؛ رد المؤلف الضمائر إلى ذلك الاسم الظاهر، وهذه الكلمة يأتي فيها ذكر الله بالاسم الظاهر، وبضمير المتكلم والمخاطب والغائب، قال تعالى لموسى ﵇: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]، وقال يونس ﵇: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، فإذا خاطب الإنسان ربه قال: لا إله إلا أنت، وإذا كان يخبر يقول: لا إله إلا الله، أو يقول: لا إله إلا هو، أو يقول: لا إله غيره. أما إذا أراد أن يذكر ربه فيقول: لا إله إلا الله، سبحان الله، والحمد لله، فيأتي بالاسم الظاهر، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ [الصافات]. وأما الذكر باللفظ المفرد أو بالضمير فهو ذكر مبتدع كما يفعل الصوفية (١)، يذكرون الله بالاسم المفرد «الله» ويكررونه، أو «هو» ويكررونه، ويعتبرون هذا ذكرًا!

стр. 39

وهذا ذكر مبتدع باطل لغة وعقلًا وشرعًا، فقول: «هو هو» أو «الله الله» ليس فيه ذكر، ولا إيمان، ولا كفر، فكلمة «الله» وحدها لا تفيد حُكمًا بالنسبة للعبد، فمن سمعناه يقول: «الله» لا نقول: إنه يذكر ربه، ولا نقول: إنه يسبح. فكلمة «الله» يقولها الموحد إذا جعلها في كلام مركب فيقول: «سبحان الله» أو «لا إله إلا الله» أو «الله أكبر»، ويقولها الكافر إذا قال: الله لا وجود له، فيكون بهذا كافرًا ملحدًا. إذًا؛ يجب أن يكون الذكر بالجملة التامة: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر. «لا إله غيره»، إله على وزن فِعال بمعنى مَفعول، مثل كتاب بمعنى مكتوب، فإله بمعنى مألوه، من أَله يَأله بمعنى عَبَد، فمعنى «لا إله إلا الله» أي: لا معبودَ إلا الله، أو لا معبودَ غيرُ الله، لكن يَرِدُ على هذا بأن في الكون معبودات كثيرة مثل آلهة المشركين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ [الكافرون]، وقال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] فلهم معبودات، إذًا؛ هذا التقدير لا يستقيم، والصواب أن يُقدَّر: لا إله حق، أو: لا معبود بحق، أما المعبودات بباطل؛ فهي منتشرة في الأرض، كل طائفة لهم معبود، ويقول الله تعالى لهم يوم القيامة: «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد» (١)، فمنهم من يعبد الشمس، ومنهم

стр. 40

من يعبد القمر، ومنهم من يعبد البقر، ومنهم من يعبد الأصنام المختلفة، ومنهم من يعبد الصليب، لكن لا معبود بحق إلا الله . إذًا؛ كلمة التوحيد مركبة من النفي والإثبات، نفي الإلهية بحق عن كل أحد إلا الله، فالله تعالى هو الإله الحق، وكل معبود سواه باطل، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج]، فالنفي هو الكفر بالطاغوت، والإثبات هو الإيمان بالله، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]. ف «لا إله إلا الله» تتضمن الإيمان بالله والكفر بالطاغوت، وتتضمن التولي لله ومحبته وإجلاله، والبراءة من كل معبود سواه، كما قال الخليل لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ [الزخرف]، وفي آية أخرى يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾ [الشعراء]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، فما بعث الله به رسله متضمن لمضمون هذه الكلمات، فقوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ هو معنى «لا إله إلا الله»، ف «اعبدوا الله» مُقتضَى الإثبات، و «اجتنبوا الطاغوت» مُقتضَى النفي، فمعنى هذه الآية: آمنوا بالله وخصوه بالعبادة، واجتنبوا عبادة ما سواه واكفروا به. * * *

стр. 41

دوام الرب تعالى أزلًا وأبدًا قوله: «قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد». لما ذكر الإمام الطحاوي بعض ما يجب تنزيه الله تعالى عنه من: الشريك والشبيه والعَجْز، ذكر أنَّ مما يجب إثباته لله القِدم والدوام - أي: دوام الوجود أزلًا وأبدًا -، فهو تعالى دائم أزلًا وأبدًا، فلا ابتداء ولا نهاية لوجوده. والقديم في اللغة ضد الحديث، كما قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ [يس]، وقال عن إبراهيم ﷺ : ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦)﴾ [الشعراء]، وأصل القديم المتقدم على غيره، فيشمل التقدم المطلق، والتقدم النسبي؛ فالتقدم النسبي للمخلوقات، فبعضها متقدم على بعض، وأما التقدم المطلق فهو لله تعالى، فهو سابق في وجوده لكل شيء، ولا بداية لوجوده، ولهذا احتاج المؤلف أن يقول: «بلا ابتداء». ويقال: أزلي، فالأزل: هو الماضي الذي لا حد له، فالأزل والأبد متقابلان، هذا في الماضي، وهذا في المستقبل. وهذان الوصفان حق؛ فالله تعالى دائم البقاء أزلًا وأبدًا، لكن ليس هذان الاسمان من أسمائه الحسنى التي يُثنَى عليه بها، ويُدعَى بها، فلا

стр. 42

يقال: يا قديم، أو سبحان القديم، كما لا يقال: يا موجود، أو سبحان الموجود؛ فإن هذا لا يحصل به التخصيص والتعيين؛ بل يقال: سبحان الله، سبحان ذي الملك والملكوت، والعزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت. فإن القديم والدائم لم يردا في الكتاب والسنة، وإنما الوارد: الأول والآخر، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد]، وفي السنة - في دعاء النبي ﷺ : «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء» (١)، فهذا الحديث يفسر الآية. فهذان اسمان من أسمائه الحسنى التي سمى الله بها نفسه، وسماه بها رسوله ﷺ أعلم الخلق به. وغلب على أهل الكلام إطلاق لفظ «القديم» على الله تعالى فيقولون: هذا يجوز على القديم، وهذا لا يجوز على القديم؛ فجعلوه اسمًا لله تعالى، وهذا من أغلاطهم، والواجب أن يقولوا: هذا يجوز على الله؛ فالله هو اسم رب العالمين. لكن القديم والدائم يصح الإخبار بهما عن الله، مثل أن تقول: الله موجود، والله شيء، والله له ذات، والله قديم، والله دائم، لكن لا تقل: من أسمائه «قديم» بل من أسمائه «الأول»، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ

стр. 43

الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، ففي الدعاء إنما يُدعى الله بما سمى به نفسه، أو سماه به رسوله ﷺ (١). قوله: «لا يفنى ولا يبيد»، هذه تأكيد لقوله: «بلا انتهاء»، ومن أجل تحصيل السجع مع ما بعده، والفناء والبيد معناهما واحد، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ [الرحمن]، وقال الكافر صاحب الجنة: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥)﴾ [الكهف]، فهو «لا يفنى ولا يبيد»، وإنما الذي يفنى الخلق. * * *

стр. 44

إثبات الإرادة لله تعالى قوله: «و لا يكون إلا ما يريد». فإنه تعالى ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود]، وهو يفعل ما يشاء، فهو رب كل شيء، وهو الخالق لكل شيء، فما شاء الله كونه لا بد أن يكون، ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]، وما لم يشأ لا يكون أبدًا. إذًا؛ كل ما يجري في الوجود من: حركات الأفلاك، وجريان النجوم، والشمس والقمر، وتقلب الليل والنهار، وأمواج البحار، بمشيئة الله، وكل ما يقع من العباد، فما تَلفظُ ولا تُحرِّك شفتيك إلا بمشيئة الله، ولا تفتح عينك إلا بمشيئة الله، ولو شاء الله ما فتحت عينك. والإرادة في قوله: «ولا يكون إلا ما يريد» هي الإرادة الكونية الشاملة للوجود. ونقول: الإرادة الكونية؛ لأن الإرادة المضافة لله نوعان: إرادة كونية، وإرادة شرعية (١). فمن شواهد الإرادة الكونية: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وقوله: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود] وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾ [الحج]،

стр. 45

وفي معناه المشيئة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج]، ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]، فالإرادة الكونية بمعنى المشيئة تمامًا. والإرادة الشرعية من شواهدها: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧]. فهذه إرادة شرعية. والفرق بين الإرادتين من وجهين: الأول: أن الإرادة الكونية: عامة لكل ما يكون، لا يخرج عنها شيء، فتشمل ما يحبه الله وما يبغضه الله. فإيمان المؤمنين وطاعة المطيعين، وكفر الكافرين ومعصية العاصين، كل ذلك بإرادته الكونية. وأما الإرادة الشرعية: فإنها تختص بما يحبه الله . إذًا؛ الإرادة الكونية عامة، وهذه خاصة. الإرادة الكونية لا تستلزم المحبة، وأما الإرادة الشرعية فإنها تستلزم المحبة. والفرق الثاني: أن الإرادة الكونية لا يتخلَّف مرادها أبدًا، وأما الإرادة الشرعية: فإنه لا يلزم منها وقوع المراد. وتجتمع الإرادتان في إيمان المؤمن، فهو مرادٌ لله كونًا، ومرادٌ شرعًا، فهو مرادٌ بالإرادتين.

стр. 46

وتنفرد الإرادة الكونية في كفر الكافر ومعصية العاصي، فهو مرادٌ بالإرادة الكونية لا الشرعية، إذ ليس ذلك بمحبوب بل مسخوط ومبغوض لله سبحانه. وتنفرد الإرادة الشرعية في إيمان الكافر الذي لم يقع؛ لأنا نقول: إنه مرادٌ من أبي جهل أن يؤمن بالإرادة الشرعية، لكنه لم يقع. لكن الإرادة الشرعية لا تفسر بالمشيئة، فلا نقول: إن الله شاء الإيمان من أبي جهل، لكن نقول: إن الله أراد منه الإيمان، يعني: الإرادة الشرعية، وأمره بالإيمان الأمر الشرعي. وبهذه المناسبة؛ الصحيح أن المشيئة لا تنقسم، فلا يقال: إن المشيئة نوعان: شرعية وكونية. بل المشيئة كونية فقط، وليس لمن قال: «إن المشيئة نوعان» ما يدل على قوله؛ بل هي عامة «ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن». وتقسيم الإرادة إلى: كونية وشرعية يجري مثله في معانٍ متعددة في القرآن، فمما يضاف إلى الله الإذن، وهو: شرعي وقدري - والقدري هو الكوني - والقضاء، والتحريم، والبعث، والإرسال، وغيرها كلها يجري فيها هذا التقسيم (١). فمثلًا: الإذن منه كوني وشرعي، قال الله تعالى في شأن السحرة ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فالسحرة لا يضرون أحدًا بسحرهم إلا بإذنه الكوني.

стр. 47

وأما الإذن الشرعي فكقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥]. والقضاء: قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤] هذا قضاء كوني، وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] هذا القضاء الشرعي. والتحريم: قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢] هذا تحريم كوني، لكن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] هذا تحريم شرعي. المقصود: أن قول الطحاوي: «ولا يكون إلا ما يريد» فيه تقرير وإثبات للإرادة الكونية، وفي هذا رد على المعتزلة؛ فإنهم ينفون الإرادة الكونية، ومن أصولهم الباطلة ما يسمونه ب «العدل»، ويدرجون فيه نفي القدر، ومن نفيهم للقدر: نفيهم عموم المشيئة، فعندهم أن مشيئة الله ليست عامة، فكل أفعال العباد عندهم ليست بمشيئة الله (١)، فالإنسان يقوم ويقعد، ويذهب ويجيء، ويقاتل، كل ذلك ليس بمشيئة الله! تبًّا لهم، تبًّا لهم، ما أضلهم، فقد أخرجوا عن مُلك الله كثيرًا مما في الوجود، ونسبوا ربَّ العالمين إلى العجز، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا! بل أفعال العباد لا خروج لها عن حُكم سائر الموجودات، وكل الموجودات محكومة بمشيئة الله وقدرته . * * *

стр. 48

تنزيه الله تعالى عن الإحاطة به قوله: «لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام». هذا فيه تنزيه أيضًا، وتقدَّم (١) بعض ما يجب تنزيه الله تعالى عنه لكن المؤلف يُثَنِّي، فيذكر بعض ما يجب تنزيه الله تعالى عنه، وما يجب إثباته له . «لا تبلغه الأوهام»، يعني الظنون والخيالات، فلا تبلغه ظنون الظانين، ولا خيالات المتخيلين، فلا يمكن للعباد أن يدركوا حقيقة ذات الرب أو شيءٍ من صفاته بوهم وتخيل أبدًا. «ولا تدركه الأفهام»، فالعباد يعرفون ربهم بما هداهم به من الوحي، ومن الآيات الكونية، لكنهم لا يحيطون به علمًا؛ لذلك قال: «لا تدركه»، الإدراك فيه من معنى الإحاطة، ولم يقل: لا تعرفه الأفهام أو لا يعرفه العباد! لا، العبادُ يعرفون ربهم على حسب مراتبهم في معرفة ربهم، لكنهم لا يحيطون به علمًا، قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه]، والله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وهذا يتضمن أن تخيل الإنسان وظنونه إنما هو مرتبطٌ بما يعرفه، والله تعالى ليس كمثله شيء.

стр. 49

ويقول بعض المتكلمين: «كل ما خطر ببالك فإن الله تعالى بخلاف ذلك» (١). وهذا كلامٌ مبتدع لم يأتِ في نص من كتاب ولا سنة، فيجب أن يحكم عليه بحكم الألفاظ المبتدعة المجملة. «كل ما خطر ببالك»، إن أراد من الكيفيات فصحيح، والله بخلاف ذلك؛ لأن كل ما يخطر ببالك من الكيفيات فإنه راجعٌ إلى شيء من المخلوقات، والله تعالى بخلاف ذلك، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. فكيفية ذات الرب وكيفية صفاته لا سبيل للعباد إلى معرفتها. أما ما خطر ببالك من أنه فوق السماوات فهذا علم وحق، وليس بخاطر، ويجب الإيمان بأنه فوق السماوات، وما يخطر ببالك أنه ينزل كما أخبر الرسول ﷺ (٢) فهذا حق، فكل ما يخطر ببالك من المعاني الثابتة فهو حق (٣). إذًا؛ هذا التعبير لا يصح على الإطلاق، فهو لفظ مبتدع مجمل، فلا بد فيه من التفصيل، فالخواطر إما أن تكون مما يُعلم بطلانُه، أو مما يُعلم صحتُه، أو مما لا يُعلم صحتُه ولا بطلانُه فيمسك عنه، ولا يقال: إن الله بخلاف ذلك. * * *

стр. 50

تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه قوله: «ولا يشبه الأنام». أي لا يشبه الناس، ولا يشبه شيئًا من المخلوقات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «العقيدة التدمرية» (١) - في تقرير نفي المثل عن الله -: «فيُعلم قطعًا أنه سبحانه ليس من جنس المخلوقات، لا الملائكة ولا السماوات ولا الكواكب، ولا الهواء ولا الماء ولا الأرض، ولا الآدميين ولا أبدانهم ولا أنفسهم، ولا غير ذلك، بل يُعلم أن حقيقته عن مماثلة شيء من الموجودات أبعدُ من سائر الحقائق، وأن مماثلته لشيء منها أبعدُ من مماثلة حقيقة شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق آخر»؛ لأنه تعالى ليس كمثله شيء. «لا يشبه الأنام»، في حاشية شرح ابن أبي العز (٢) أن في بعض النسخ: «ولا يشبهه الأنام»، وكأن الشارح ابن أبي العز رجح هذه النسخة، وعندي أن الصواب بدون الضمير «ولا يشبه الأنام»؛ لأنك إذا قلت: «ولا يشبهه الأنام» لا يكون في العبارة معنىً جديدٌ يختلف عن قوله: «لا شيء مثله»، ف «لا شيء مثله» نفيٌ لتمثيل المخلوق بالخالق. والتمثيل الذي يجب نفيه عن الله نوعان:

стр. 51

تمثيل الخالق بالمخلوق، وتمثيل المخلوق بالخالق، وضابط ذلك: وصف الخالق بخصائص المخلوق، هذا تشبيهٌ للخالق بالمخلوق، ووصف المخلوق بخصائص الخالق تشبيهٌ للمخلوقين بالخالق. إذًا؛ فكل المشركين الذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى قد شبهوا المخلوق بالخالق؛ لأنهم شبهوا ما يعبدونه برب السماوات والأرض، فجعلوا لذلك المخلوق ما هو من خصائص الرب وهو الإلهية. ومن وصف الله بالفقر أو العجز والبخل - كما قالت اليهود - فقد شبه الخالق بالمخلوق؛ لأن الفقر والعجز والبخل من خصائص المخلوق. إذًا؛ فقول المؤلف: «ولا شيء مثله» هذا نفيٌ لتمثيل المخلوق بالخالق، وقوله: «ولا يشبه الأنام» نفيٌ لمماثلة الخالق للمخلوق، فاختلف مدلول الجملتين، وأفادت الجملتان نفي التشبيه أو نفي التمثيل بنوعيه، وهذا هو الظاهر من مراد المؤلف. * * *

стр. 52

إثبات الحياة والقيومية لله تعالى قال ﵀: «حيٌّ لا يموت، قيوم لا ينام». يقول ﵀ في ذكر بعض أسماء الرب وصفاته وتنزيهه عن ما يضادها -: «حيٌّ»، أي: نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله «حيٌّ لا يموت، قيومٌ لا ينام»، «الحي القيوم» اسمان من أسمائه الحسنى التي سمى بها نفسه. فأما «الحي» فقد ورد في مواضع كثيرة في القرآن، وأما «القيوم» فقد ورد في ثلاثة مواضع مقرونًا بالحي: في آية الكرسي، وأول سورة آل عمران، وفي سورة طه ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١]، حتى قيل: إنهما «الاسم الأعظم» (١). وأما «الحي» فقد ورد غير مقرون بهذا الاسم، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر].

стр. 53

فمن أسمائه الحسنى أنه «الحي القيوم»، واسمه «الحي» يدل على إثبات الحياة له، فهو «الحي» والحياة صفته، فله الحياة التامة التي لا تشبه حياة المخلوق، الحياة المتضمنة لكل ما هو كمال للحياة، وهو «القيوم»، وقيل في معناه: إنه القائم بنفسه، فليس مفتقرًا إلى غيره في وجوده، ولا في شيء من صفاته وأفعاله ، وقيل بأنه: القائم بالمخلوقات (١)، فكل المخلوقات لا قيام لها، ولا وجود لها، ولا بقاء لها، ولا صلاح لها أبدًا، إلا به سبحانه، فهو المبدع الخالق لها، وهو المُمِدُّ لها بما تحتاج، وهو المُبقي لما شاء بقاءه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت. قال ابن القيم ﵀: إن هذين الاسمين يتضمنان جميع الصفات، فاسمه الحي يتضمن جميع الصفات الذاتية من: العلم، والسمع، والبصر، والقدرة، والعزة، والحكمة، والرحمة. واسمه «القيوم» يتضمن جميع الصفات الفعلية من: الخلق، والتدبير، والإحياء، والإماتة، والإعزاز والإذلال، والعطاء والمنع، والخفض والرفع. هذا معنى كلامه (٢). والله تعالى لما ذكر هذين الاسمين أكد مضمونهما بقول: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].

стр. 54

فنفي السِّنة والنوم عن الله يتضمن ويؤكد كمال الحياة والقيومية؛ لأن النوم أخو الموت، والسِّنة - التي هي مبادئ النوم - نقصٌ، وأكد ذلك في آية أخرى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، فأثبت لنفسه الحياة، ونفى عنه كل ما يضاد الحياة. يقول المؤلف: «حيٌّ لا يموت، قيوم لا ينام»: وهذا تفريق منه حين ربط نفي الموت بإثبات الحياة، ونفي النوم بإثبات القيومية، وإلا فالله تعالى ربط نفي النوم بالاسمين جميعًا، فقال: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ لأن النوم ينافي كمال الاسمين، والصواب أن نقول: إنه تعالى حيٌّ لا يموت، ولا ينام، ولا تأخذه سِنةٌ ولا نوم، فالموت والسِّنة والنوم كلها تنافي هذين الاسمين. * * *

стр. 55

تنزيه الله تعالى عن الحاجة والخوف والمشقة قوله: «خالقٌ بلا حاجة، رازقٌ بلا مؤونة». خالقٌ للخلق بدون حاجةٍ إليهم، فاللهُ لم يخلق الخلق ليتكثَّر بهم من قلة، أو يتعزَّز بهم من ذلة، أو يستغني بهم من فقر، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات]، فهو الذي يُطعِم ولا يُطعَم، وهو الرزاق ذو القوة المتين، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾ [فاطر]. فالخلق كلهم فقراء إليه في وجودهم، وفي جميع أحوالهم، وشؤونهم، والله تعالى غنيٌّ الغنى التام عن كل ما سواه. «رازقٌ بلا مؤونة»، فالله هو الخالق الرازق، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]، «رازق بلا مؤونة»، أي: بلا كلفة ولا مشقة يرزق كل العباد، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠]، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١]، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ

стр. 56

رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، والله تعالى خير الرازقين، وفي الصحيحين: «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار» (١). قوله: «مميتٌ بلا مخافة، باعثٌ بلا مشقة»، الله تعالى منزهٌ عن الخوف، فلا يخاف من أحد، وهو فعالٌ لما يريد، يميت من يشاء، فلو شاء أن يميت العالم كله؛ فإنه لا يخاف، فليس فوقه أحد؛ بل هو تعالى المالك لكل شيء. ولعل مما يستشهد به في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾ [الشمس]. «باعث بلا مشقة»، سيبعث الأموات في اليوم الموعود، ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين]، ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ [الواقعة]، يبعث الأموات من أولهم إلى آخرهم من غير أن تلحقه مشقة، ولهذا يقول : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)﴾ [العنكبوت]، ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، وهذا في الاحتجاج على المكذبين بالبعث بأن الذي بدأ الخلق هو على الإعادة أقدر إنما أريد به أنه أقدر في معقول الناس «أن الإعادة أهون من البدء»، ولكن بالنسبة إلى الله ليس في الأشياء هَيِّنٌ وأهون، ولا يقال: إن الله على كذا أقدر منه على كذا، بل قدرته على كل شيء واحدة، فقدرته

стр. 57

تعالى على خلق السماوات والأرض، أو خلقه لذرة من المخلوقات واحدة، بمعنى أنه لا يعجزه شيء، فليس شيءٌ أهون عليه من شيء. أما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] فقد قيل: إن «أهون» بمعنى هين، وهو هين عليه، فيكون من أفعل التفضيل الذي على غير بابه. كما يقول النحاة (١). أو إن هذا من خطاب العباد بما يعقلونه وما يدركونه، فالناس مفطورون على أن الإعادة أهون من الابتداء، فخوطبوا على حسب معقولهم، ومفهومهم (٢). ولهذا احتج الله تعالى عليهم في إنكارهم للبعث بالنشأة الأولى، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس]، والآيات في هذا كثيرة. * * *

стр. 58

إثبات الكمال المطلق لله تعالى أزلًا وأبدًا قوله: «ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان في صفاته أزليًّا كذلك لا يزال عليها أبديًّا». «ما زال» و «لا يزال» فعلان يدلان على الاستمرار والدوام، «ما زال» يدل على الدوام في الماضي، و «لا يزال» في المستقبل، فالله تعالى ما زال ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال في الأزل والقدم الذي لا نهاية له، ولا يزال كذلك موصوفًا بصفاته . «قبل خلقه»: قبل وجود الخلق، «لم يزدد بكونهم» يعني لم يزدد بوجودهم. الله تعالى لم يزدد بوجودهم شيئًا من كماله لم يكن قبل خلقهم ووجودهم؛ بل ما زال موصوفًا بصفات الكمال، ولا يتوقف في شيءٍ من صفات الكمال على وجود شيء من المخلوقات. «وكما كان في صفاته أزليًا»، أزلي نسبة للأزل، والأزل: يقابل الأبد، والأبد: المستقبل الدائم الذي لانهاية له، ويقال للموصوف: هذا أزلي، أبدي.

стр. 59

«وكما كان في صفاته أزليًّا كذلك لا يزال عليها أبديًّا». أفاد في هذه الجملة أن الله تعالى موصوف بصفات الكمال أزلًا وأبدًا، لا يتجدد له شيء من الكمال لم يكن، ولا يعدم شيئًا من كماله، فهو الموصوف بصفات الكمال على الدوام أزلًا وأبدًا. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء]، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء]، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ [النساء]، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء]، و «كان» في مثل هذا تفيد الاستمرار، كان ولا يزال؛ لأن حدوث الكمال يستلزم سبق النقص، والله تعالى منزهٌ عن النقص، فحياته لم تُسبق بموت، تعالى الله، وعلمه لم يُسبق بجهل، فلا يقال: إنه تعالى علم بعد أن لم يكن عالمًا، وكان سميعًا بعد أن لم يكن، أو بصيرًا بعد أن لم يكن، تعالى الله، فهذا شأن المخلوق، فهو الذي كان بعد أن لم يكن، وتكلم بعد أن لم يكن متكلمًا، أما الخالق فلم يزل عالمًا، ولم يزل سميعًا بصيرًا، عزيزًا حكيمًا، غفورًا رحيمًا، حيًّا قيومًا، لم يزل فعَّالًا لما يريد، لم يزل على كل شيء قديرًا، لم يزل متكلمًا إذا شاء بما شاء، ولا يزال كذلك. وهذه كلمة عامة من المصنف في كل الصفات «ما زال بصفاته»، لم يخص شيئًا من الصفات. * * *

стр. 60

أنواع الصفات وموقف المعطلة منها وصفات الله نوعان: صفات ذاتية، وهي: اللازمة لذات الرب - التي لا تنفك عن الذات - كالعلم، والسمع، والبصر، والحياة، والقدرة، والعزة، والرحمة، والقيُّوميَّة، فهي صفاتٌ ذاتية. وصفاتٌ فعلية، مثل: الاستواء على العرش، والنزول، والمجيء، والغضب. فكل ما تستطيع أن تقول فيه «ما زال كذا» فهي ذاتية. وضابط الصفات الذاتية والفعلية: «أن الذاتية لا تتعلق بها المشيئة، وأما الفعلية فتتعلق بها المشيئة». فتقول: إن الله تعالى ينزل إذا شاء، واستوى على العرش حين شاء، ويجيء يوم القيامة إذا شاء، فهذه فعلية. ولكن لا يصح أن تقول: إنه يعلم إذا شاء، ويسمع إذا شاء، وهو حيٌّ إذا شاء؛ لأن هذه الصفات من لوازم ذاته . وهناك صفات ذاتية فعلية (١)، مثل: الكلام، والخلق، والرَّزْق.

стр. 61

فيصح أن تقول: إنه ما زال متكلمًا إذا شاء؛ لأن الكلام من جهة القدرة عليه معنى ذاتي، فيقال للمتكلم ما زال متكلمًا، وهو يتكلم بمشيئةٍ، خلافًا لمن قال: إن كلام الله قديم مطلقًا. والمعطلة المبتدعة أنواع (١): الجهمية نفوا كل الصفات - الذاتية والفعلية -، ولم يثبتوا إلا ذاتًا مجردة، وتبعهم المعتزلة في ذلك. وهناك طوائف لفَّقوا واضطربوا، أخذوا من هذا في جانب، ومن هذا في جانب، مثل: الكُلَّابية: الذين ينفون الصفات الفعلية، وهي المتعلقة بالمشيئة، وكذلك الأشاعرة: ينفون كثيرًا من الصفات - الذاتية والفعلية - فيقولون: إنه تعالى لا تقوم به الأفعال الاختيارية. والأفعال الاختيارية: هي المتعلقة بالمشيئة، مثل: النزول «فعل اختياري» يفعله الرب بمشيئته، والاستواء «فعل اختياري» يفعله الرب بمشيئته، والغضب والرضا والحب، فيغضب إذا شاء، ويرضى إذا شاء، ويحب مَنْ شاء إذا شاء. ونُفاة الأفعال الاختيارية بنوا مذهبهم على شبهة باطلة لا أصل لها. قالوا: إنه تعالى منزه عن حلول الحوادث، فيقال لهم: هذا لفظٌ محدث فليس في القرآن ولا في السنة أن الله تعالى منزه عن حلول الحوادث.

стр. 62

وهو أيضًا: لفظٌ مجمل يحتمل حقًّا وباطلًا؛ فمن قال: الله منزه عن حلول الحوادث، نقول له: ما معنى قولك: «منزه عن حلول الحوادث»؟ فإن قال: الله منزه أن يحل فيه شيءٌ من المخلوقات. نقول: نعم هذا حق، اللهُ لا يحل في ذاته شيء من مخلوقاته. وإن قال: إنه منزهٌ - أيضًا - عن أن تقوم به الأفعال الحادثة التي تكون بالمشيئة. نقول: هذا باطل، الله تعالى يفعل ما يشاء، إذا شاء، كيف شاء، فهو تعالى فعَّال لما يريد. وأهل البدع منهم من نفى الأفعال الاختيارية مطلقًا؛ حذرًا مما أصَّلوه، وهو نفي حلول الحوادث. ومنهم من يُثبت الأفعال، لكن يقول: إنها لا تتعلق بها المشيئة، وهم الكُلَّابية، فيقولون: إنه يتكلم ويغضب ويرضى لا بمشيئة؛ بل هذه الصفات قديمة، فهو لم يزل متكلمًا، وغاضبًا على من هو أهل للغضب، وراضيًا عن من هو أهل للرضا. والأشاعرة ينفون، ولا يثبتون إلا الصفات السبع، على ما في إثباتهم من تذبذبٍ واضطراب. والجهمية، والمعتزلة يقولون: إنه صار متكلمًا بعد أن لم يكن - وليس متكلمًا بمعنى أنه يقوم به الكلام -، وإنما يريدون أنه خلق كلامًا؛ لأن الكلام عندهم مخلوق، والقرآن مخلوق، وصار فاعلًا بعد

стр. 63

أن لم يكن، وليس معنى ذلك أنه يقوم به الفعل، وأنه يفعل فعلًا يقوم بذاته، ولهذا يقول ابن القيم في «الشافية الكافية» (١) عن الجهم: وَقَضَى بِأنَّ الله لَيسَ بفاعِلٍ … فِعلًا يَقومُ بِه بِلَا بُرهَانِ فقضى بأن الله ليس بفاعل فعلًا يقوم به؛ بل الفعل عند جَهْمٍ، والمعتزلة، والأشاعرة، هو نفس المفعول. والحق المعقول أن الأمور ثلاثة: «فعل، وفاعل، ومفعول»، فالمفعول يقتضي فاعلًا، وفعلًا يقوم به، هذا هو الشيء البدهي المعقول، ولا يعمى عن هذا إلا من لُبِّس عليه، وغُرست في قلبه الشبهات، وعاش على التقليد والتبعية. وهؤلاء الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم في نفي قيام الأفعال الاختيارية به قالوا: إنه يجب أن تكون لجنس المخلوقات بداية، وقبل هذه البداية يمتنع دوام الحوادث، أو تسلسل المخلوقات، أو دوام المخلوقات، أو حوادث لا أول لها، قالوا: هذا مستحيل، ممتنع لذاته، وإذا كان دوام الحوادث ممتنعًا فالرب تعالى غير قادرٍ على أن يخلق في الأزل! لأن الممتنع لا تتعلق به القدرة. وكفى بهذا تنقصًا لرب العالمين!

стр. 64

ومن يقول: إن دوام الحوادث ممتنع، والرب لم يزل قادرًا عليها؛ فقد جمع بين النقيضين؛ لأن كونه قادرًا يقتضي أن يكون دوام الحوادث ممكنًا، فكأنه يقول: إن دوام الحوادث ممكن ممتنع، وهذا جمعٌ بين النقيضين. وجمهور المتكلمين على امتناع دوام الحوادث في الماضي. لكن ينبغي فهم معنى دوام الحوادث، أو تسلسل الحوادث - أي: المخلوقات -، أو حوادث لا أول لها، فمعناه: هل يمكن أن يكون ما من مخلوق إلا قبله مخلوق، وقبل المخلوق مخلوق، وقبل المخلوق مخلوق إلى ما لا نهاية له، هل هذا ممتنع؟ هذا هو معنى الكلام. وفي تسلسل المخلوقات ثلاثة مذاهب (١): قال جهم بامتناع دوام الحوادث في الماضي والمستقبل، فجنس الحوادث عنده لها بداية، ويمتنع دوامها في المستقبل، ولهذا قال بفناء الجنة والنار. وجمهور المتكلمين قالوا بامتناع دوام الحوادث في الماضي، وجوازه في المستقبل. وإقرارهم بدوام الحوادث في المستقبل حُجَّةٌ عليهم، والصواب هو: جواز دوام الحوادث في الماضي والمستقبل؛ لأنه جائز - أي: ممكن لا

стр. 65

مانع منه -، فإذا كان الرب لم يزل على كل شيءٍ قديراً، فلم يزل الفعل ممكنًا، ومن يقول: إنه لم يخلق في الأزل فعليه الدليل. والأمر الذي نقطع ببطلانه قول من يقول: بامتناع دوام الحوادث في الماضي. أما إذا قيل: إنه ممكن، والله فعالٌ لما يريد، فهذا هو الحق، وأهم شيء أن تعلم أن هذا لا يستلزم محذورًا كما ظنه الظانون والجاهلون؛ لأنه على هذا التقدير - دوام الحوادث - معناه: أن كل مخلوق فإنه مسبوق بعدم نفسه - أي محدث بعد أن لم يكن - والله تعالى متقدم على كل شيء، مهما يُفرض من مخلوقات متسلسلة فالله تعالى سابق لها، فكل مخلوق فالله تعالى خالقه، والمخلوق محدثٌ، والله تعالى لم يزل. وهذه المسألة تُشكِل على كثير من الناس؛ لكن يجب أن تؤمن بأن الله لم يزل على كل شيء قديرًا، ولم يزل فعالًا لما يريد، وإذا آمنت بأن الله لم تحدث له قدرة - أي: لم يصر قادرًا بعد أن لم يكن قادرًا، ولم يصر فعالًا بعد أن لم يكن فعالًا - حصل المطلوب سواء فهمت المسألة أو لم تفهمها. وإذا استقر هذا في نفسك فهمت أنه يقتضي جواز وإمكان دوام الحوادث في الماضي، ما دام أن ربك لم يزل على كل شيء قديرًا، ولم يزل فعالًا لما يريد.

стр. 66

والأصل المهم هو: الإيمان بكمال ودوام قدرة وفاعلية الرب، وأنه تعالى لم يزل فعالًا لما يريد، ولم يزل على كل شيء قديرًا، هذا هو الذي يجب أن تستمسك به. والمسلمون هذه فطرتهم، وهذه عقيدتهم، ولا يتكلمون في مسألة التسلسل، لكن ألجأ إلى الكلام في ذلك أهلُ البدع المعطلة - الجهمية، والمعتزلة، والذين تأثروا بهم - حين تكلموا وقالوا: يمتنع دوام الحوادث! فلزم بيان الحق، وهو أن الله تعالى لم يزل على كل شيء قديرًا، ولم يزل فعالًا لما يريد، ولم يزل خالقًا، ولم يزل قادرًا، وهكذا «ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه». وبعد هذه الجملة العامة المجملة، ذكر الطحاوي جملًا تفصيلية فيقول:

стр. 67

تسمية الله تعالى بالخالق والبارئ قبل خلقه للخلق «ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم «الخالق»، ولا بإحداث البرية استفاد اسم «البارئ» له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق». هو الخالق والخلَّاق ولو لم يخلق، و «الخالق البارئ» اسمان من أسمائه الحسنى التي سمى بها نفسه، ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]. و «الخَلق»: يأتي بمعنى التقدير، وبمعنى الإيجاد. و «البارئ»: هو الذي يحدث الشيء من العدم إلى الوجود. يقول: «له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق» وهذه الجملة من جنس التي قبلها، فهو سبحانه موصوف بالربوبية، والخالقيَّة، ولو لم يكن هناك مخلوق ولا مربوب، فليس مفتقرًا في أسمائه وصفاته إلى خلقه. قوله: «وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم، ذلك بأنه على كل شيءٍ قدير» كما أنه استحق الاسم «محيي الموتى» قبل إحياء الموتى، كذلك استحق اسم «الخالق» قبل إنشائهم.

стр. 68

وفي هذه العبارة: تدليل وتعليل وتفصيل لما تقدم من أنَّ أسماءَه وصفاته لا تتوقف على ما يخلقه أو ما يفعله، فهو تعالى مستحقٌّ لوصفه بإحياء الموتى، وأنه يحيي ويميت قبل إحياء الموتى. وقوله: «ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق»: يحتمل أنه يمنع تسلسل الحوادث في الماضي؛ لأنه حين يقول: «ليس بعد خلق الخلق»، «وله معنى الربوبية ولا مربوب»، كأنه يُفهم منه أن لجنس المخلوقات بداية. لكن هل يقول: إن دوام الحوادث في الأزل ممتنع؟ أو يقول: إنه ممكن لكنه غير واقع؟ فيه احتمال. والمُنكَر هو القول بامتناع تسلسل الحوادث في الماضي، لكن هل هو واقع - أي: أن المخلوقات لم تزل فعلًا - أو هو ممكن لكنه لم يقع؟ الأمر في هذا واسع.

стр. 69

إثبات كمال قدرته وغناه تعالى، وفقر خلقه إليه ثم قال: «ذلك بأنه على كل شيءٍ قدير، وكل شيءٍ إليه فقير، وكل أمرٍ عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء». هذا تعليل لما سبق من أنه لم يزل هو الخالق، البارئ، المصور، المحيي، المميت، ذلك بأنه لم يزل على كل شيءٍ قديرًا، وهذا وصف قد أثنى الله به على نفسه في مواضع كثيرة من القرآن كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [البقرة]، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾ [النحل]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ [الكهف]، ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] الآية. وذِكر هذا الاسم في القرآن كثير جدًا فهو «القادر»، وهو «القدير»، وهو «المقتدر» . والأدلة على كمال قدرته بدلالاتٍ أخرى متنوعة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق]، وقال سبحانه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. فإخباره تعالى بخلق السماوات والأرض، وخلق كل شيء يستلزم إثبات كمال قدرته، فلا خروج لشيء عن قدرته، فكل الموجودات

стр. 70

إنما وجدت بمشيئته وقدرته ، وفي هذا ردٌّ على القدرية؛ كالمعتزلة، الذين يُخرجون أفعال العباد عن قدرة الله وعن مشيئته (١)، فأفعال العباد عندهم لا تتعلق بها مشيئة الله وقدرته وخلقه! فالعباد هم الخالقون لأفعالهم يتصرفون بدون مشيئة الله، والله لا يقدر أن يجعل القائم قاعدًا، والقاعد قائمًا، ولا المؤمن كافرًا، ولا الكافر مؤمنًا، فكل ما يجري في الوجود من أفعال العباد، وأفعال الحيوان، خارج عن مشيئة الله، والله تعالى لا يقدر على أن يمنع شيئًا من هذه الأمور! فالقتال الذي يجري بين الناس لمختلف الأسباب والدوافع ليس بمشيئة الله بزعمهم، والله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ [البقرة]، ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾ [الأنعام]. هذا مضمون هذا المذهب القبيح المنكر. وقوله: «وكل شيءٍ إليه فقير»، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر]، كل شيء إليه فقير وهو الغني بذاته عن كل من سواه. فالغنى المطلق من لوازم ذات الرب تعالى، والفقر من لوازم المخلوق، فالفقر صفة ذاتية للمخلوق، والغنى صفة ذاتية للخالق.

стр. 71

فالمخلوق فقير إلى الله من جميع الوجوه، والله غني عن خلقه من جميع الوجوه، فكل شيءٍ مفتقر إلى الله في وجوده، وفي بقائه، وفي مصالحه، وفي كل شؤونه. وقوله: «وكل شيءٍ عليه يسير». كل شيءٍ عليه هين، وهذا يؤكد أنه على كل شيءٍ قدير، فليس هناك ما يصعب عليه ويعجزه، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٤]، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)﴾ [العنكبوت]. وقوله: «لا يحتاج إلى شيء». هذا يؤكد كمال غناه، فهو الغني بذاته عن كل ما سواه. ولو قال المؤلف: «ذلك بأنه على كل شيءٍ قدير، وكل شيءٍ عليه يسير، وكل شيءٍ إليه فقير لا يحتاج إلى شيء» لكان أكثر تناسبًا؛ لأن الجملة الثالثة مناسبة للجملة الأولى، والجملة الرابعة مناسبة للجملة الثانية. * * *

стр. 72

إثبات صفاته تعالى، ونفي مماثلته للمخلوقات وقوله: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير». هذه بعض آية من القرآن (١)، تتضمن الدلالة على المذهب الحق في باب أسماء الله وصفاته، ورد الباطل؛ فهي تدل على أنه تعالى موصوف بصفات الكمال، منزهٌ عن مماثلة المخلوقات. ومذهب أهل السنة والجماعة يقوم على إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل. فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ردٌّ على أهل التشبيه والتكييف. وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ ردٌّ على أهل التعطيل. فدلت على الحق ورد الباطل، وفيها ركائز المذهب الحق، وهو: «إثبات صفات الكمال لله تعالى، ونفي مماثلته للمخلوقات، ونفي العلم بالكيفية»؛ فإنه إذا كان تعالى لا مثل له؛ فلا يعلم كيف هو إلا هو.

стр. 73

ولأهل التفسير واللغة (١) كلام حول الكاف في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فقيل: إن الكاف صلة - زائدة - للتوكيد، والمعنى: ليس شيءٌ مثلَه، هذا أنسب وأقرب وأسهل ما يقال في معنى هذا التركيب وإعرابه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فتكون هذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾. وهو ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾، اسمان من أسمائه الحسنى دالَّان على صفتين من صفاته العُلا، فهو السميع وهو ذو سمع، وهو البصير وذو بصر، فتدل الآية على إثبات الاسمين، وما تضمناه من صفتي السمع، والبصر. * * *

стр. 74

إثبات علم الله تعالى، وتقديره الأقدار، وضربه الآجال وقوله: «خلق الخلق بعلمه، وقدَّر لهم أقدارًا، وضرب لهم آجالًا، ولم يخفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعَلِم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم». خلق الخلق عالمًا بهم، والخلق يستلزم العلم: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك]، فالله علم أحوال الخلق وأعمالهم بعلمه القديم، والإيمان بذلك هو أحد مراتب الإيمان بالقدر. والأدلة على إثبات العلم لله كثيرة في الكتاب والسنة، وهو من الصفات الثابتة بالعقل والسمع، فالله تعالى اسمه العليم، وأخبر بأنه بكل شيءٍ عليم، يعلم ما كان وما يكون، وما لا يكون لو كان كيف يكون، يعلم الدقيق والجليل، والله تعالى قد فصَّل ذلك في كتابه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)﴾ [آل عمران]، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام]، ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق].

стр. 75

فعلمه تعالى محيطٌ بالأشياء، أحاط علمه بأعمال العباد وأقوالهم وأحوالهم، يعلم الخواطر التي ترد على النفوس، ويعلم ما في قلوب العباد: الملائكة والأنبياء وكل الناس، يعلم ما في قلوبهم من أفكار وخواطر، واللحظة التي يرسلها الإنسان خُفية ما يدري عنها أحد، الله يعلمها، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر]. يعلم دقائق الأشياء: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦]، ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾ [النمل]. والله تعالى من أسمائه: العليم، وعلام الغيوب، وعالم الغيب والشهادة. والعلم من صفاته تعالى، ومن أهل البدع من ينكر هذا! فالجهمية ينفون عن الله أسماءَه وصفاتِه، ويقولون: هذه الأسماء إضافتها إلى الله مجاز، وإلا فهي أسماء لبعض المخلوقات. والمعتزلة ينفون الصفات، ويقولون: اسمه عليم لكنه بلا علم، فليس العلم صفةً قائمة به، وقدير بلا قدرة، وسميع بصير بلا سمع ولا بصر! كذا حكى أهل العلم عنهم (١). وأما الحق الذي دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، ودل عليه العقل، وأجمع عليه سلف الأمة، والذين اتَّبعوهم بإحسان، فهو أنه
следующие страницы →