Полный текст (7 489 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
يقول السائل ما معنى قوله تعالى (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المعنى أن هؤلاء استهموا أيهم يكفل مريم واستهموا بالأقلام والكيفية لا أعرفها فهم استهموا على كيفية معينة أيهم غلب تكون عنده مريم.
***
стр. 807
يقول السائل ما معنى قوله تعالى (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذه الآية أن الملأ الذين كفروا بعيسى بن مريم ﵇ من بني إسرائيل أرادوا أن يقتلوه ويصلبوه فحضروا إليه فألقى الله تعالى شبهه على رجل منهم ورفع عيسى إليه إلى السماء فقتلوا هذا الرجل الذي ألقي شبه عيسى عليه وصلبوه وقالوا إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وقد أبطل الله دعواهم تلك في قوله (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) فانظر كيف كان عاقبة مكرهم حين جاؤوا إلى عيسى بن مريم ﵊ ليقتلوه فألقى الله شبهه على رجل منهم فقتلوه وصلبوه وظنوا أنهم أدركوا مرامهم فهذا من مكر الله تعالى بهم والمكر هو الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر وهو أعني المكر صفة مدح إذا كان واقعاً موقعه وفي محله ولهذا يذكره الله واصفاً نفسه به في مقابلة من يمكرون بالله وبرسله فهنا قال (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) فالمكر صفة مدح في محله لأنه يدل على القوة وعلى العظمة وعلى الإحاطة بالخصم وعلى ضعف الخصم وعدم إدراكه ما يريده به خصمه بخلاف الخيانة فإن الخيانة صفة ذم مطلقا ولهذا لم يصف الله بها نفسه حتى في مقابلة من خانوا رسول الله ﷺ أو أرادوا خيانته وانظر إلى قول الله تعالى (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ) ولم يقل فقد خانوا الله فخانهم بل قال (فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ) وعلى هذا فلو قال قائل هل يصح أن يوصف الله بالمكر فالجواب أن وصف الله بالمكر على سبيل الإطلاق لا يجوز وأما وصف الله بالمكر في موضعه في مقابلة أولئك الذين يمكرون به وبرسله فإن هذا جائز لأنه في هذه الحال يكون صفة كمال وبهذا يعلم أن ما يمكن من الصفات بالنسبة إلى الله على ثلاثة أقسام:
قسم لا يجوز أن يوصف الله به مطلقا كصفات النقص والعيب مثل العجز والتعب والجهل والنسيان وما أشبهها فهذا لا يوصف الله به بكل حال
وقسم يوصف الله به بكل حال وهو ما كان صفة كمال مطلقاً ومع ذلك فإنه لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه
والقسم الثالث من الصفات ما يوصف الله به في حال دون حال وهو ما كان كمالاً في حال دون حال فيوصف الله به حين يكون كمالاً ولا يوصف الله به حين يكون نقصاً وذلك مثل المكر والكيد والخداع والاستهزاء وما أشبه ذلك.
***
стр. 808
يقول السائل ما معنى قوله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يقول الله تعالى في هذه الآية الكريمة مبيناً حال رسول الله ﷺ إنه ﵊ رسول قد خلت من قبله الرسل أي مضت من قبله الرسل فبلغوا الرسالة ثم كان مآلهم إلى الفناء لأن كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام قد خلت من قبله الرسل ومضت في إبلاغ دعوتها إلى الله ثم ماتوا كسائر البشر ثم ينكر الله على من تغيرت حاله لو مات النبي ﷺ أو قتل فيقول (أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) أي ارتددتم عن الإسلام إلى الكفر إلى الوراء بعد أن تقدمتم إلى الإسلام ومن ينقلب على عقبيه فيكفر بعد ردته فإنه لن يضر الله شيئاً لأن الله غني عن عباده ولم يأمرهم بعبادته إلا لمصلحتهم لا لمصلحته هو أو لمنفعته فإنهم لن يبلغوا ضره فيضروه ولن يبلغوا نفعه فينفعوه قال الله تعالى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ) فمن ينقلب على عقبيه بعد إسلامه فإنه لن يضر الله شيئاً وإنما يضر نفسه وسيجزي الله الشاكرين أي القائمين بطاعته أي الذين قاموا بحقيقة الشكر لأن حقيقة الشكر القيام بطاعة المنعم حيث ما تعلقت بالقلب أو باللسان أو بالجوارح وهذه الآية نزلت حين صاح الشيطان في المسلمين في غزوة أحد أن النبي ﷺ قتل فضعفت نفوس بعض المسلمين من أجل هذه الشائعة الكاذبة الخاطئة فأنزل الله تعالى هذه الآية إشارة إلى أنه يجب على المسلمين وإن مات نبيهم أو قتل أن يذودوا عن شريعته وعن سنته في حياته وبعد مماته وفي هذه الآية دليل على أن الكفر هو التأخر والرجعية والانقلاب على العقب وأما الإسلام فإنه التقدم والمضي إلى الإمام فيما ينفع الإنسان في دينه ودنياه ويشهد لهذا قوله تعالى (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وبهذا عرف سبب نزول هذه الآية الكريمة وعرف المراد بها وأن الواجب على المسلمين أن يكونوا منتصرين لدينهم سواء كان ذلك في حياة نبيهم أو بعد مماته صلوات الله وسلامه عليه.
***
стр. 809
يقول السائل مامعنى قوله تعالى (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) والسؤال ما الفرق بين القلب والصدر ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الظاهر أنه لا فرق بينهما لكن القرآن الكريم جاء على أوسع ما يكون من البلاغة فيعبر عن المعنى الواحد بألفاظٍ مختلفة حسب ما تقتضيه البلاغة في اللغة العربية لأن القرآن كما قال الله نزل (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) .
***
стр. 810
سورة النساء
стр. 811
السائلة التي رمزت لاسمها بـ م ص هـ من الرياض تقول ما معنى قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) وما علاقة اليتامى بالنساء في هذه الآية وجزاكم الله خيرا ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الآية نزلت حين كان الناس لا يعدلون في النساء اليتامى بل يحبس الرجل اليتيمة إما لابنه إن كانت لا تحل له وإما لنفسه إن كانت تحل له ولا يزوجها من يخطبها من الأكفاء فقال الله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) أي إن خفتم عدم العدل في اليتامى فالنساء سواهن كثير (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) وبهذا عرفنا صلة آخر الآية بأولها.
***
стр. 812
يقول السائل مامعنى هاتين الآيتين الكريمتين (وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) والآية الثانية (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما الآية الأولى فمعناها أن لا تعقدوا النكاح على من عقد عليها النكاح آباؤكم من الأب أب الصلب أو الأجداد الذين فوقه سواء كانوا من قبل الأم أو من قبل الأب فلا يجوز للرجل أن يتزوج من عقد عليها أبوه أو جده سواء كان جده من قبل الأب أو من قبل الأم وقوله تعالى (إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) يعني لكن ما قد سلف في الجاهلية من هذا الفعل فإنه معفو عنه وأما قوله تعالى (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ) فمعناه أن الله حرم أن نجمع بين الأختين من نسب أو رضاع (إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) يعني لكن ما قد سلف لكم في الجاهلية فلا حرج عليكم فيه والجمع بين الأختين محرم فان تزوجهما في عقد واحد بأن قال أبوهما زوجتك ابنتي فكلا العقدين باطل وان سبق أحدهما الآخر فالسابق هو الصحيح فلو زوج ابنته رجلا في أول النهار ثم زَوَّجَهُ أختها في آخر النهار مع بقاء الأولى فنكاح الثانية باطل وكذلك لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها فهؤلاء ثلاث لا يجمع بينهن الأختان والعمة وبنت أخيها والخالة وبنت أختها وما عدا ذلك من الأقارب فإنه يجوز الجمع بينهن فيجوز الجمع بين ابنتي العم وبين ابنتي الخالة لكن لا ينبغي أن يجمع بين القريبات لان ذلك قد يفضي إلى قطيعة الرحم بينهما إذ إن المعروف عادة أن الضرة تغار من ضرتها ويحصل بينهما عداوة وبغضاء.
***
стр. 813
يقول السائل ما معنى قوله تعالى في سورة النساء (وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً) إلى قوله تعالى (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: في هذه الآية الكريمة بين الله المحرمات في النكاح وأسباب التحريم يعود في هاتين الآيتين إلى ثلاثة أشياء النسب والرضاع والمصاهرة فقوله تعالى (وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) يفيد أنه لا يجوز للإنسان أن يتزوج من تزوجها أبوه أو جده وإن علا سواء كان الجد من قبل الأم أو من قبل الأب وسواء دخل بالمرأة أم لم يدخل بها فإذا عقد الرجل على امرأة عقداً صحيحاً حرمت على أبنائه وأبناء أبنائه وأبناء بناته وإن نزلوا
وفي قوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ) بيان ما يحرم بالنسب وهنّ سبع: الأمهات وإن علونّ من الجدات من قبل الأب أو من قبل الأم والبنات وإن نزلن من بنات الابن وبنات البنات وإن نزلن (وَأَخَوَاتُكُمْ) سواء كن شقيقات أم لأب أم لأم (وَعَمَّاتُكُمْ) وهن أخوات الآباء والأجداد وإن علون سواء كن عمات شقيقات أو عمات لأب أو عمات لأم فالعمات الشقيقات أخوات لأبيك من أمه وأبيه والعمات لأب أخواته من أبيه والعمات لأم أخواته من أمه والخالات هن أخوات الأم والجدة وإن علت سواء كن شقيقات أو لأب أو لأم فالخالات الشقيقات أخوات أمك من أمها وأبيها والخالات لأب أخواتها من أبيها والخالات لأم أخواتها من أمها واعلم أن كل خالة لشخص أو كل عمة لشخص فهي عمة له ولمن تفرع منه وخالة له ولمن تفرع منه فعمة أبيك عمة لك وخالة أبيك خالة لك وكذلك عمة أمك عمة لك وخالة أمك خالة لك (وَبَنَاتُ الأَخِ) وإن نزلنّ سواء كان الأخ شقيقاً أو لأب أو لأم فبنت أخيك الشقيق أو لأب أو لأم حرام عليك وبنت بنتها حرام عليك وبنت ابنها حرام عليك وإن نزلن وكذلك نقول في بنات الأخت هؤلاء سبع من النسب (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ) وإن شيءت حصرها فقل يحرم على الإنسان من النساء الأصول وإن علون والفروع وإن نزلن وفروع الأب والأم وإن نزلن وفروع الجد والجدة من صلبهم خاصة
وفي قوله تعالى (وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ) إشارة إلى ما يحرم بالرضاعة وقد قال النبي ﷺ (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) فما يحرم من النسب يحرم نظيره من الرضاع وهنّ الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت فنظير هؤلاء من الرضاع محرم لقول النبي ﷺ (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وقوله تعالى (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) فهؤلاء الثلاث محرمات بالصهر فقوله (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) يعني أنه يحرم على الرجل أم زوجته وجدتها وإن علت سواء من قبل الأب أم من قبل الأم وتحرم عليه بمجرد العقد فإذا عقد الرجل على امرأة حرمت عليه أمها وصار من محارمها وإن لم يدخل بها يعني وإن لم يدخل بالبنت فلو قدر أنها ماتت البنت أو طلقها فإن أمها تكون محرماً له ولو قدر أنه تأخر دخوله بهذه المرأة التي تزوجها فإن أمها تكون محرماً له تكشف له ويسافر بها ويخلو بها ولا حرج عليه لأن أم الزوجة وجداتها يحرمن بمجرد العقد لعموم قوله تعالى (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) وقوله (وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) المراد بذلك بنات الزوجة وبنات أولادها وإن نزلن فمتى تزوج الإنسان امرأة فإن بناتها من غيره حرام عليه ومن محارمه وكذلك بنات أولادها من ذكور وإناث أي إناث الأولاد سواء كان الأولاد ذكوراً أم إناثاً فبنت ابنها وبنت بنتها كبنتها ولكن الله اشترط هنا شرطين قال (وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) فاشترط في تحريم الربيبة أن تكون في حجر الإنسان واشترط شرطاً آخر أن يكون دخل بأمها أي جامعها أما الشرط الأول فهو عند جمهور أهل العلم شرط أغلبي لا مفهوم له ولهذا قالوا إن بنت الزوجة المدخول بها حرام على زوجها الذي دخل بها وإن لم تكن في حجره
وأما الشرط الثاني وهو قوله تعالى (اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) فهو شرط مقصود ولهذا ذكر الله تعالى مفهومه ولم يذكر مفهوم قوله (وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ) فدل هذا على أن قوله (وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ) لا يعتبر مفهومه أما من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فقد اعتبر الله مفهومه فقال (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) وأما قوله (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) فالمراد بذلك زوجة الابن وإن نزل حرام على أبيه بمجرد العقد وزوجة ابن الابن حرام على جده بمجرد العقد ولهذا لو عقد شخص على امرأة عقداً صحيحاً ثم طلقها في الحال كانت محرماً لأبيه وجده وإن علا لعموم قوله تعالى (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) والمرأة تكون حليلة لزوجها بمجرد العقد فهذه ثلاثة أسباب توجب التحريم النسب والرضاع والمصاهرة فالمحرمات بالنسب سبع والمحرمات بالرضاع نظير المحرمات بالنسب لقول النبي ﷺ (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) والمحرمات بالصهر أربع قوله تعالى (وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ) وقوله تعالى (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ) والرابعة قوله (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) وأما قوله تعالى (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ) فهذا التحريم ليس تحريماً مؤبداً لأن التحريم هو الجمع فليست أخت الزوجة محرمة على الزوج ولكن المحرم عليه أن يجمع بينها وبين أختها ولهذا قال (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ) ولم يقل وأخوات نسائكم فإذا فارق الرجل امرأته فرقة بائنة بأن تمت العدة فله أن يتزوج أختها لأن المحرم الجمع وكما يحرم الجمع بين الأختين فإنه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها كما ثبت ذلك في الحديث عن رسول الله ﷺ فاللاتي يحرم الجمع بينهن ثلاث الأختان والمرأة وعمتها والمرأة وخالتها وأما بنات العم وبنات الخال يعني أن تكون امرأة بنت عم لأخرى أو بنت خال لأخرى فإنه يجوز الجمع بينهما.
***
стр. 814
يقول السائل مامعنى قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) الآية ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: في هذه الآية يخاطب الله تعالى المؤمنين بوصف الإيمان فيقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) وخاطبهم بهذا الوصف لحثهم على تلقي ما يأتي إليهم من أوامر أو نواه ولهذا يروى عن ابن مسعود ﵁ أنه قال إذا سمعت الله يقول يا أيها الذين أمنوا فأرع لها سمعك فإما خيراً تؤمر به وإما شراً تنهى عنه، فينادي الله عباده المؤمنين ويقول لهم (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) وهذا قبل تحريم الخمر فقد كان الناس في أول الأمر يشربون الخمر ثم حرمت، وكان الرجل يشرب الخمر ثم يصلى فيأتي يما يأتي به السكران من أقوال لا تحل في الصلاة أو أفعال فنهاهم أن يقربوا الصلاة وهم سكارى، ونهاهم أيضاً أن يقربوا الصلاة وهم جنب إلا عابري سبيل وهذه الآية تنطبق تماماً على المسجد لأنه محل الصلاة فلا يحل للمرء أن يبقى في المسجد ويمكث فيه وهو جنب إلا أن يكون عابر سبيل أي إلا إذا كان ماراً بالمسجد فإن ذلك لا بأس به مثل أن يدخل المسجد وهو على جنابة ليأخذ كتاباً له في المسجد أو ليعبر من باب إلى باب أو ما أشبه ذلك، ورخص كثير من أهل العلم للجنب إذا توضأ أن يمكث في المسجد، وقوله تعالى حتى تغتسلوا أي غسل الجنابة وهو معروف، (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) يعني إذا كان الإنسان مريضاً ولم يتمكن من الغسل، أو كان مسافراً ولم يجد ماءً فإنه يتيمم أي يقصد أرضاً طيبة طاهرة فيضرب يديه عليها ويمسح بهما وجهه وكفيه وبذلك تتم طهارته، ويصلى بهذا التيمم كما يصلى بطهارة الماء تماما، حتى يجد الماء فإذا وجد الماء عاد فتطهر به.
***
стр. 815
يقول السائل ما معنى قوله تعالى في آية القتل الخطأ (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) أرشدونا كيف تصوم المرأة هذه الأيام ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولا ليت هذه المرأة لم تمثل بالقتل لأنه يمكن أن يلزم المرأة صيام شهرين متتابعين في غير القتل ولكن قد يكون من المرأة قتل خطأ فيما لو كان صبيها إلى جنبها في الفراش ثم انقلبت عليه وهي نائمة فقتلته ففي هذه الحال يجب عليها الكفارة لله ويجب على عاقلتها الدية لورثة هذا الطفل لقول الله ﵎ (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا) إلى أن قال (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) والمرأة إذا لزمها صيام شهرين متتابعين وحاضت فإنها تفطر في حال الحيض ثم إذا طهرت تستمر في الصيام ولا يبطل صيامها الأول فمثلا إذا حاضت في الشهر الأول سبعة أيام وفي الشهر الثاني سبعة أيام لزمها أن تضيف إلى الشهرين اللذين تخللهما الحيض أربعة عشر يوما ليتم صوم الشهرين المتتابعين وكذلك يقال في كفارة اليمين لو أن المرأة لزمتها كفارة يمين ولم تجد كفارة الإطعام إطعام عشرة مساكين أو الكسوة أو تحرير الرقبة فإنها يلزمها أن تصوم ثلاثة أيام متتابعة فإذا صامت أول يوم ثم حاضت فإنها تفطر وإذا طهرت صامت يومين فقط بناءً على اليوم الأول وهكذا يقال في من انقطع تتابعه لعذر آخر كمرض أو سفر فإنه إذا زال عذره يبني على ما سبق.
***
стр. 816
يقول السائل يقول الله تعالى (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً) إلى قوله تعالى (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) ويقول الله تعالى في سورة المائدة (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) يقول السائل ما معنى هاتين الآيتين عن النبي عيسى بن مريم وهل توفاه الله تعالى أو ما زال حياً وإذا كان حياً فما معنى قوله تعالى (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) .
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الآيات في عيسى بن مريم يبين الله تعالى فيها كذب دعوى اليهود في قولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله فإن اليهود ادَّعوا ذلك ولكن الله أكذبهم بقوله (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) أي أن الله ألقى شبهه على رجل كان هناك فقتلوا ذلك الرجل وصلبوه وادعوا أنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم وصلبوه ولكن الله تعالى كذبهم ثم قال مؤكداً ذلك (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) فعيسى بن مريم لم يقتل ولم يمت بل رفعه إليه الله حياً على القول الراجح من أقوال أهل العلم أنه رفع حياً أما أن اليهود لم يقتلوه فإنه نص القرآن ومن ادعى أنهم قتلوه فقد كذب القرآن ومن كذب القرآن فهو كافر بالله فإن الله يقول: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً) أي قولاً متيقناً أنهم لم يقتلوا المسيح عيسى بن مريم يبقى النظر في قوله تعالى (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) وقوله (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) وقوله (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً) وما أشبه ذلك فكيف يجمع بين هذه الآيات والجواب أن الجمع بينها هو أن المراد بالوفاة في قوله تعالى (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي) إما القبض، قبض الشيء يسمى توفياً ومنه قولهم توفى حقه أي قبضه وافياً كاملاً وإما أن يراد بالوفاة النوم فإن النوم يسمى وفاة كما قال الله تعالى (اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) وقال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى) ويكون معنى ذلك أن الله تعالى ألقى عليه النوم ثم رفعه من الأرض نائماً وليس المراد بالوفاة وفاة الموت لأن عيسى ﵊ لم يكن قد مات الآن وسينزل في آخر الزمان ينزل إلى الأرض فيحكم بين الناس بشريعة النبي ﷺ ولا يقبل الجزية ولا يقبل إلا الإسلام وبهذا تبين أنه لا منافاة بين قوله (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) وبين قوله (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً) وقوله (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) .
فضيلة الشيخ: يعني نزول النبي ﵇ عيسى إلى الأرض وحكمه بشريعة الإسلام هل من كان غير مؤمن بشريعة الإسلام قبل نزول عيسى ﵇ ثم آمن به بعد نزوله هل يعد هذا مؤمناً حقيقياً؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يعد مؤمناً حقيقة.
فضيلة الشيخ: يعني لا تنتهي التوبة إلى هذا الوقت؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ما تنتهي التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها.
***
стр. 817
يقول السائل في قوله تعالى (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً) هل تفهم الآية على ظاهرها أم أن هناك معنى آخر ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: تفهم هذه الآية وغيرها من الآيات على ظاهرها اللائق بالله فمن هذه الآية نفهم أن الله كلم موسى وقد بين في آية أخرى أنه كلمه بصوت مسموع فقال (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً) والنداء يكون بالصوت العالي من بعيد والمناجاة بالصوت الخفي القريب ومن هنا نعلم أن الله يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء وأن كلامه بحروف وأصوات مسموعة ولكن يجب أن نعلم بأن كلام الله لا يشبه كلام الآدميين بأصواتهم لأن الله يقول في محكم كتابه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ويقول بصيغة الاستفهام المشعر بالتحدي والنفي (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) يعني ليس له شبيه ولا نظير ولا أحد يساويه في جميع صفات الكمال وهذه القاعدة أعني الأخذ بظاهر القرآن هي الواجبة لأن الله تعالى خاطبنا بالقرآن وقال (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) آيتان من كتاب الله بين الله أنه أنزل القرآن وجعله باللسان العربي من أجل أن نفهمه ونعقل معناه وعلى هذا فيجب علينا الإيمان بظاهره حسب ما يقتضيه اللسان العربي إلا أن يكون هناك دليل شرعي يوجب صرفه عن مقتضى اللغة إلى مقتضى الشرع فإنه يجب اتباع ما دل عليه الشرع في ذلك وما حصل الضلال بالتأويلات البعيدة إلا بسبب تحكيم الناس عقولهم فيما يجب لله وما يجب عليه وما يمتنع عليه فحصل بذلك من تأويل نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته ما هو معلوم وما هو متضمن للخروج عما كان عليه السلف الصالح ﵃ في إجراء كلام الله على ظاهره وحقيقته على الوجه الذي يليق به من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف.
***
стр. 818
سورة المائدة
стр. 819
سوداني ومقيم بعرعر ع. ع. يقول أرجو من فضيلة الشيخ تفسير هذه الآية من سورة المائدة في قوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يقول الله (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ) والمحرِّم هو الله وليس التحريم عائداً إلينا ولا التحليل عائداً إلينا ولا الحكم بالكفر عائداً إلينا ولا الحكم بالإيمان عائداً إلينا كل ذلك إلى الله وحده يقول (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ) وإنما بني الفعل لما لم يسمَّ فاعله لأنه معلوم كما في قوله تعالى (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً) ومن المعلوم أن الخالق هو الله فهنا (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ) ومن المعلوم أن المحرم هو الله والميتة كل ما لم يذك ذكاةً شرعية بأن مات حتف أنفه أو ذبح على غير الطريقة الإسلامية فهو ميتة ويستثنى من ذلك الجراد فميتته حلال وكذلك السمك على جميع أنواعه فإنه حلال قال الله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) وقال النبي ﷺ فيما يروى عنه (أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالجراد والحوت وأما الدمان فالكبد والطحال) وقوله الدم يريد بذلك الدم المسفوح كما قيدته الآية الثانية (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) وأما الدم الذي يبقى في العرق بعد التذكية فإنه حلالٌ طاهر حتى لو ظهرت حمرته في الإناء فإنه حلالٌ طاهر لأنه ليس الدم المسفوح (لَحْمَ خِنزِيرٍ) وهو حيوانٌ معروفٌ خبيث معروفٌ بأكل العذرة أي أكل الغائط وفيه أيضاً دودة شريطية مؤثرة الرابع ما أهل لغير الله به أي ما سمي عليه غير اسم الله بأن يقال باسم المسيح باسم موسى باسم محمد باسم جبريل وما أشبه ذلك هذا أيضاً محرم لا يحل أكله (وَالْمُنْخَنِقَةُ) التي انخنقت إما بشد الحبل على رقبتها حتى ماتت أو بإغلاق الحجرة عليها وتسليط الدخان أو ما أشبهه عليها (وَالْمَوْقُوذَةُ) وهي المضروبة بعصا ونحوه حتى تموت (وَالْمُتَرَدِّيَةُ) وهي التي تتردى من جبل من فوق أو من جدار أو ما أشبه ذلك فتموت (وَالنَّطِيحَةُ) وهي التي ناطحت أخرى من البهائم فماتت (وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ) أي ما أكله الذئب أو نحوه (إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ) قوله (إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ) مستثنى من قوله (وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ) فهذه لا شيء إذا أدركتها حية وذكيتها فهي حلال (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) أي ما ذبح على الأصنام أي ذبح لصنم ولو ذكر اسم الله عليه فإنه حرام هذا معنى الآية الكريمة.
***
стр. 820
يقول السائل في الآية الكريمة من سورة المائدة (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ) ما علاقة ذلك بالدم الذي ينقل من شخصٍ إلى آخر وهل هناك إثمٌ في هذا ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم كانوا في الجاهلية يأكلون الدم إذا كان الإنسان مسافراً وجاع جوعاً ليس فيه اضطرار فصد عرق ناقته وشرب منه فبين الله أنه حرم علينا هذا لأنه رجس نجس ولكن هل يشمل ذلك نقل دم من شخصٍ لآخر ظاهر الآية الكريمة العموم وعليه فلا يجوز أن ينقل دم من شخص إلى آخر إلا إذا اضطر المريض إلى الدم فإنه ينقل إليه بشرط أن يكون المنقول منه لا يتضرر بسحب الدم منه فإن كان يتضرر فإنه لا يجوز أن نسحبه منه فنقل الدم من شخصٍ لآخر يجوز بشرطين:
الشرط الأول اضطرار المنقول إليه.
الشرط الثاني انتفاء الضرر عن المنقول عنه.
ونزيد شرطاً ثالثاً وهو أن ينتفع المنقول إليه بهذا الدم أما إذا كان لا ينتفع فلا فائدة من نقله إليه.
***
стр. 821
يقول السائل ما معنى قوله تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى الآية أن ابني آدم لصلبه على رأي أكثر المفسرين قرَّبا قربانا إلى الله فتقبل الله تعالى قربان واحد منهما ولم يتقبل قربان الآخر والذي لم يتقبل منه حسد أخاه كيف يتقبل من أخيه ولم يتقبل منه فهدده بالقتل قال لأقتلنك حسدا وبغيا فقال له أخوه (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ) فكأنه يقول لو اتقيت الله لقبل منك ثم بين له أخوه أنه لن يبسط يده إليه ليقتله قال (مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) وفي النهاية طوعت له نفسه قتل أخيه فقتل أخاه فأصبح من الخاسرين وقلق ماذا يصنع بهذه الجنازة فبعث الله غرابا يبحث في الأرض يحرثها بمنقاره أو بأظفاره من أجل أن يريه كيف يدفن أخاه فقال (يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ) . وأما ما ذكر في الإسرائيليات من أن آدم ﵊ يأتيه بنتان في بطن وابنان في بطن وأن ابن هذا البطن يأخذ بنت البطن الآخر وما أشبه ذلك من الإسرائيليات فهذا لا أصل له يعني في الإسرائيليات يقول أن آدم يأتيه ذكر وأنثى في بطن وذكر وأنثى في بطن فالذكر الذي في البطن الأول يأخذ الأنثى التي في البطن الثاني والذكر الذي في البطن الثاني يأخذ الأنثى التي في البطن الأول هكذا قيل في الإسرائيليات فهذا لا أصل له.
***
стр. 822
يقول السائل مامعنى قوله تعالى (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) وهل إذا تسبب شخص بموت شخص آخر ثم تسبب بإحياء شخص آخر كانت مثل هذه الكفارة لتلك ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى قوله تعالى (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) أي من كان سببا في رفع قتل الظلم عن شخص مظلوم كان كمن أحيا الناس جميعا ومن قتلها بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا هذا ما كتبه الله على بني إسرائيل كما قال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) ومن قتل نفسا بغير حق ثم أحيا نفسا أخرى غير مستحقة للقتل فإن الثانية لا تكون كفارة للأولى من حيث ما يجب في كفارة القتل أما من جهة الثواب فأمره إلى الله .
***
стр. 823
علي المغربي من جمهورية مصر العربية يقول أريد تفسيراً لهذه الآية الكريمة قال تعالى (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يبين الله تعالى في هذه الآية أن الإنسان الذي لا يحكم بما أنزل الله فإنه يكون كافراً وذلك لأنه أعرض عن كتاب الله وعما أنزله على رسله إلى حكم طاغوت مخالف لشريعة الله ولكن هذا حسب النصوص مقيد بما إذا كان الحاكم بغير ما أنزل الله يعتقد أن الحكم أفضل من حكم الله وأنفع للعباد وأولى بهم وأن حكم الله غير صالح بأن يحكم به بين العباد فإذا كان على هذا الوجه صار كافراً كفراً مخرجاً عن الملة أما إذا حكم بغير ما حكم الله اتباعاً لهواه أو قصداً للإضرار بالمحكوم عليه أو محاباةً للمحكوم له ونحو ذلك فإنه فإن كفره يكون كفراً دون كفر ولا يخرج بذلك من الملة لأنه لم يستبدل بحكم الله غيره زهداً في حكم الله ورغبةً عنه واعتقاداً أن غيره أصلح وإنما فعل هذا لأمرٍ في نفسه إما لمحاباة قريب أو لمضارة عدو أو ما أشبه ذلك المهم أن هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل.
***
стр. 824
ما معنى قوله تعالى (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ) ومن هم الذين قالوا ذلك يا فضيلة الشيخ ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الذين قالوا ذلك هم النصارى قالوا إن الله ثالث ثلاثة، الله والمسيح بن مريم وأمه فكفَّرهم الله تعالى بذلك لأنهم جعلوا مع الله شريكاً والله سبحانه تعالى إله واحد كما قال الله تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) .
***
стр. 825
ما معنى قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يعجبني مثل هذا السؤال أعني السؤال عن آيات الله وذلك لأن القرآن الكريم لم ينزل لمجرد التعبد بتلاوته بل نزل للتعبد بتلاوته وتدبر آياته وتفكر معانيه وللعمل به واسمع إلى قول الله (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) فيعجبني ويسرني أن يعتني المسلمون بكتاب الله حفظاً وفهماً وعملاً وأنا أشكر الأخ السائل على هذا وأمثاله فنقول في جوابه قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) هذه الآية نزلت مخاطباً الله بها من كانوا في عهد النبوة الذي هو عهد التحليل والتحريم والإيجاب والحل فإنه ربما يسأل الإنسان في عهد النبوة عن شيء لم يحرم فيحرم لمسألته أو عن شيء ليس بواجب فيوجب من أجل مسألته فلهذا قال الله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) أما بعد وفاة النبي ﷺ فليسأل الإنسان عن كل ما أشكل عليه بشرط أن لا يكون هذا من التعمق في دين الله فإن كان من التعمق والتنطع فإنه منهيٌ عنه لأن التعمق والتنطع لا يزيد الإنسان إلا شدة فلو أراد الإنسان أن يسأل عن تفاصيل ما جاء عن اليوم الآخر من الحساب والعقاب وغير ذلك وقال كيف يعاقب الإنسان هل هو قائم أو قاعد وما أشبه ذلك من الأسئلة التي ليست محمودة فهنا لا يسأل أما شيء مفيد ويريد أن يستفيد منه فليسأل عنه ولا ينهى عن السؤال.
***
стр. 826
يقول السائل مامعنى الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذه الآية الكريمة أن الله أمر المؤمنين بأن يعتنوا بأنفسهم ويقوموا بما أوجب الله عليهم وأنهم إذا فعلوا ذلك فإنه لا يضرهم من ضل ومما يلزمهم أي المؤمنين أن يدعوا إلى الله وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر فإذا دعوا إلى الله أو أمروا بالمعروف أو نهوا عن المنكر ولم يجبهم أحد إلى ذلك فإن ذلك لا يضرهم لأن هؤلاء الذين دعوا أو أمروا أو نهوا إذا ضلوا فإنما يضلون على أنفسهم كما قال الله تعالى (مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) .
***
стр. 827
في القرآن الكريم مراجعة بين الله وعيسى بن مريم عندما سأله جل شأنه (أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) الآية هل هذه المراجعة حدثت في الدنيا قبل رفعه أم ستحدث يوم القيامة ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ظاهر سياق الآيات أن هذه المراجعة يوم القيامة كما ستسمع (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ) الخ فقوله تعالى (هذا يوم يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) يدل على أن هذهالمراجعة التي كانت بين الله وبين عيسى بن مريم كانت في الآخرة.
***
стр. 828
الأنعام
стр. 829
من العراق محافظة نينوى المستمع يوسف جندي إبراهيم يقول ما تفسير الآية الكريمة (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) والآية الأخرى (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب عن الآية الأولى أن الله يخبر عنه نفسه بأنه رب المشرقين ورب المغربين والمراد بهما مشرقا الصيف والشتاء مشرق الصيف حيث تكون الشمس في أقصى مدار لها نحو الشمال ومشرق الشتاء حيث تكون الشمس في أقصى مدار لها نحو الجنوب ونص الله على ذلك لما في اختلافهما من المصالح العظيمة للخلق ولما في اختلافهما من الدلالة الواضحة على تمام قدرة الله وكمال رحمته وحكمته إذ لا أحد يقدر على أن يصرف الشمس من مشرق إلى مشرق ومن مغرب إلى مغرب إلا الله ولهذا قال (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فأشار في تعقيبه هذه الآية السابقة إلى أن هذا من آلاء الله ونعمه العظيمة على عباده إذاً فالمراد بالمشرقين والمغربين مشرقا الشمس في الصيف والشتاء ومغرباها في الصيف والشتاء وقد قال الله تعالى في آية أخرى (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) فجمع المشرق والمغرب وقال تعالى في آية أخرى آية ثالثة (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً) ولا تناقض بين هذه الآيات الكريمة فالمراد بأية التثنية ما أسلفناه والمراد بآية الجمع أن مشارق الشمس ومغاربها باعتبار مشرقها ومغربها كل يوم لأن كل يوم لها مشرق ومغرب غير مشرقها ومغربها بالأمس أو أن المراد بالمشارق والمغارب مشارق النجوم والكواكب والشمس والقمر وأما قوله تعالى (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) فالمراد بها الناحية أي أنه مالك كل شيء ورب كل شيء سواء أكان ذلك الشيء في المشرق أو في المغرب وليعلم أن كتاب الله وما صح من سنة رسوله ﷺ لا يمكن أن يكون فيه تناقض لا فيما بينها من النصوص ولا فيما بينها وبين الواقع فإنْ توهم واهم التناقض أو التعارض فذلك إما لقصور في علمه أو نقص في فهمه أو تقصير في تدبره وتأمله وإلا فإن الحقيقة الواقعة أنه ليس بين نصوص الكتاب والسنة تناقض ولا بينها وبين الواقع أيضاً وأما قوله تعالى (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) وهو الذي سأل عنه السائل أو هو الفقرة الثانية من سؤاله فمعناه أن هذه الشمس العظيمة التي جعلها الله تعالى سراجاً وهاجاًَ عظيم الحرارة عظيم النور هذه الشمس تجري بإذن الله أي تسير لمستقر لها أي لغاية حددها الله بعلمه ولهذا قال (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) فهو لعزته ﵎ وقهره خلق هذه الشمس العظيمة وسخرها تجري بأمره وبمقتضى علمه وحكمته إلى حيث أراد الله والمستقر هو مستقرها تحت العرش حيث أنها تذهب كل يوم إذا غربت وتسجد تحت العرش عرش الرحمن جل وعلا وتستأذن فإن أذن لها وإلا رجعت من حيث جاءت وخرجت من مغربها وهذا هو ما يشير إليه قوله تعالى (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) فإن الناس إذا رأوها خرجت من المغرب آمنوا أجمعون ولكن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا كذلك تجري لمستقر آخر وهو منتهاها يوم القيامة الدال عليه قوله تعالى (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) وفي هذه الآية دلالة واضحة على أن الشمس تدور على الأرض وهو الذي يدل عليه ظاهر القرآن وهو الذي نعتقده وندين الله به حتى يأتينا دليل محسوس ظاهر يسوغ لنا أن نؤول ظاهر الآية أما ما يقال الآن بأن اختلاف الليل والنهار وطلوع الشمس وغروبها إنما هو باختلاف إنما هو بسبب دوران الأرض فإنه لا يحل لأحد أن يعدل عن ظاهر الكتاب والسنة إلا بدليل يكون حجة له أمام الله يوم القيامة يسوغ له أن يصرف ظاهر القرآن والسنة إلى ما يطابق ذلك الشيء المدعى وما دمنا لم نر شيئاً محسوساً تطمئن إليه نفوسنا ونراه مسوغاً لنا جواز صرف القرآن عن ظاهره فإن الواجب علينا معشر المؤمنين أن نؤمن بظاهر القرآن والسنة وأن لا نلتفت إلى قول أحد خالفهما كائناً من كان وإلى الآن لم يتبين لي صحة ما ذهب إليه هؤلاء من أن اختلاف الليل والنهار في الشروق والغروب كان بسبب دوران الأرض وعليه فإن عقيدتي التي أدين الله بها أن الشمس هي التي يحصل بها اختلاف الليل والنهار وهي التي تدور على الأرض والله على كل شيء قدير ألم تر إلى قوله تعالى (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) أو لم تر إلى قوله تعالى (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) أولم تر قوله تعالى (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ) ففي هذه الآيات المتعددة إضافة الطلوع والغروب وإضافة التزاور إلى الشمس وإضافة التواري أيضاً إلى الشمس فما بالنا نصرف هذه الأفعال المسندة إلى الشمس عن ظاهرها إلى قول لم يتبين لنا أنه واقع حساً إن هذا لا يجوز أبداً فيجب علينا أن نعتقد ما دل عليه ظاهر الكتاب والسنة إلا بدليل محسوس يستطيع الإنسان أن يواجه ربه به يوم القيامة ويقول يا رب إني رأيت الأمر المحسوس يخالف ظاهر ما خاطبتنا به وأنت أعلم وأحكم وكتابك منزه عن أن يناقض الواقع المحسوس فإذا تبين بالحس الواضح البين أن اختلاف الليل والنهار بسبب دوران الأرض فإن فهمي يكون خطأ وأما ما دام الأمر هكذا مجرد أقاويل فإني أعتقد أنه لا يجوز لأحد أن يخالف ظاهر الكتاب والسنة في مثل هذه الأمور وخلاصة القول إن معنى قوله تعالى (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) أن الله يخبر بأن الشمس تسير بإذن الله في مستقر لها لغاية تنتهي إليها وهو يوم القيامة ولمستقر لها ولغاية تنتهي إليه يومياً وهو سجودها تحت العرش كما صح ذلك عن النبي ﷺ من حديث أبي ذر الذي رواه البخاري وغيره.
***
стр. 830
عبد العزيز الحاج الخرطوم السودان يقول ما معنى قوله تعالى (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنْ الضَّأْنِ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الآية وما بعدها يبين الله تعالى فيها أصناف الأنعام التي أحلها الله لنا يبين أنها ثمانية أصناف
ذكر وأنثى من الضان، وذكر وأنثى من المعز، وذكر وأنثى من الإبل، وذكر وأنثى من البقر ثم يقول (قُلْ أَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ) ويرد بذلك على المشركين الذين حرموا من هذه الأصناف ما شاءوا وأباحوا ما شاءوا فقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء وتشير الآية الكريمة إلى أنه لا يحل لأحد أن يحلل أو يحرم شيئاً إلابإذن الله فإن التحليل والتحريم والإيجاب والاستحباب كله إلى الله ليس لأحد أن يتقدم فيه بين يدي الله ورسوله (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) وبهذه المناسبة أود أن أذكر المستمع بقاعدتين مهمتين دل عليهما كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأجمع المسلمون عليهما
القاعدة الأولى أن الأصل في العبادات الحظر والمنع حتى يقوم دليل على المشروعية
والقاعدة الثانية أن الأصل فيما سوى ذلك الحل والإباحة حتى يقوم دليل على المنع
دليل القاعدة الأولى قوله تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) وقول النبي ﷺ (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي لفظ (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ودليل الثانية قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) وقوله تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) وقول النبي ﷺ (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدوداً فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة بكم فلا تبحثوا عنها) وقال ﷺ (ما سكت عنه فهو عفو) وعلى هذا فكل من تعبد لله تعالى بشيء من الأقوال أو الأفعال أو العقائد ولم يكن له دليل من كتاب أو سنة فإنه تعبده هذا مردود عليه بل هو آثم به قال النبي ﷺ (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) وكل من حرم شيئاً سوى العبادات فإننا نقول له هات الدليل على ما قلت وإلا فقد قلت ما ليس لك به علم.
***
стр. 831
أحمد سعيد سالمين من مكة المكرمة يقول ما معنى قوله تعالى (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذه الآية أن الله يخبر بأنه حرم على الذين هادوا وهم اليهود حرم عليهم كل ذي ظفر من البهائم وذو الظفر قال أهل العلم هو الذي ليس فيه شق في يديه ولا في رجليه يكون يداه ورجلاه طبقة واحدة بمعنى أنه يكون كخف بعير مثلا غير مشقوق لأن الأرجل في البهائم منها ما هو مشقوق كالماعز والبقر ومنها ما هو غير مشقوق كالإبل فحرم عليهم كل ذي ظفر وحرم عليهم من البقر والغنم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم فإنه حلال لهم وبين الله أن هذا التحريم إنما هو ببغيهم وعدوانهم وأنهم لما بغوا واعتدوا حرم عليهم بعض الطيبات كما قال تعالى في آية أخرى (فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً) وهو نوع من العقاب (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) وهنا الضمير يعود إلى الله وأن ما جاء في الذم للتعظيم وهو أصدق القائلين وأعدل الحاكمين ويؤخذ من هذه الآيات الكريمة أن الإنسان بمعصيته لربه وببغيه قد يحرم بعض الطيبات إما شرعا كما حصل لليهود وإما قدرا فإن الإنسان قد يصاب بآفات تمنعه من تناول بعض الطيبات بسبب عدوانه وبغيه وكذلك أيضا قد يحدث الله تعالى الجدب والقحط وقلة الثمار بسبب المعاصي والذنوب فرزق الله والطيبات التي أحلها للعباد إذا بغوا واعتدوا فقد يحرمونها إما شرعا وإما كونا وقدرا لكن لو أن الناس فعلوا ما أمر به الله ورسوله وقاموا بطاعة ربهم فإن الله يقول (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) نسأل الله تعالى أن يحقق للمسلمين الإيمان والتقوى.
فضيلة الشيخ: هذا التحريم هل هو خاص باليهود فقط؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم خاص باليهود لقوله تعالى (فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا) لم ينسخ هذا إلى يوم القيامة. لكن الشريعة كلها شريعة اليهود وشريعة النصارى وكل الشرائع نسخت بشريعة النبي ﷺ ولكن ما داموا متمسكين بدينهم وهم معتقدون أنهم على دينهم فإن هذا محرم عليهم.
***
стр. 832
عبده حسن من اليمن يقول في الآية الكريمة في سورة الأنعام (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) وفي سورة الإسراء (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ) ماذا يفيد الاختلاف في هذا الترتيب ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الاختلاف في هذا التعبير مبنيٌ على اختلاف الحالين ففي آية الأنعام يقول الله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ) يعين من فقر يعني إذا كنتم فقراء فلا تقتلوا أولادكم ثم قال (نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) فبدأ بالآباء لأنهم فقراء فبدأ بذكر رزقهم قبل ذكر رزق الأولاد المقتولين أما في الآية الأخرى آية الإسراء (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خشية إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهم وَإِيَّاكمْ) فلأن الآباء القاتلين هنا ليسوا فقراء بل هم أغنياء لكن يخشون الفقر فكان الأنسب أن يبدأ بذكر رزق الأولاد قبل ذكر رزق الآباء لأن الآباء رزقهم موجود فقال (نَحْنُ نَرْزُقُهم وَإِيَّاكمْ) .
***
стр. 833
سورة الأعراف
стр. 834
مَن هم هؤلاء القوم الذين أرسل الله عليهم هذا العقاب المذكور في هذه الآية (فأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هؤلاء فرعون وقومه أرسل الله عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم أما الطوفان فهو الماء الذي يغرق زروعهم وأما الجراد فهو معروف يرسله الله تعالى فيأكل الزرع وهو أخضر وأما القمل فإنه دودة تأكل الحب بعد أن يدخر وأما الدم فالصواب فيه أنه نزيف يخرج من أبدانهم وأما الضفادع فإنها ذلك الحيوان المشهور المعروف يفسد عليهم المياه فيكون الله تعالى قد أصابهم بطعامهم وشرابهم بل حتى بمادة حياتهم وهي الدم وهذا والعياذ بالله من العقوبات التي تصيبهم بل التي أصابتهم حتى لجؤُوا إلى موسى ﵊ وطلبوا منه أن يسأل الله تعالى أن يرفع ذلك عنهم.
***
стр. 835
المستمع أ. ع. ب. من العراق محافظة نينوى يقول ما الحكمة من أن الله لم يبين عدد أصحاب الكهف ومن هم أصحاب الكهف ومن هم أصحاب السبت وما قصتهم أفيدونا في ذلك بارك الله فيكم ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: قبل أن أجيب على هذا السؤال أود أن أبين أن من أسماء الله تعالى الحكيم والحكيم معناه الحاكم المحكم فالله حاكم على عباده شرعاً وقدراً وهو ذو الحكمة البالغة التي لا تدركها أو لا تحيط بكنهها العقول وما من شيء يقدره الله أو يشرعه لعباده إلا وله حكمة لكن من الحكم ما نعلم منه ومن الحكم ما لا نعلم منها شيئاً لأن الله تعالى يقول (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) وعلى هذا يجب على كل مؤمن أن يسلم لأمر الله الكوني والشرعي ولحكمه الكوني والشرعي وأن يعلم أنه على وفق الحكمة وأنه لحكمة ولهذا لما سألوا النبي ﷺ عن الروح قال الله تعالى (قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) ولما سئلت عائشة ﵂ عن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة (قالت كان يصيبنا ذلك تعني على عهد النبي ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) تعني أن الشرع هكذا جاء ولا بد أن لذلك حكمة وإذا تقررت هذه القاعدة في نفس المؤمن تم له الاستسلام لله والرضا بأحكامه ثم نعود إلى الجواب عن السؤال وقد تضمن السؤال عن شيئين الأول أصحاب الكهف وقد قال السائل ما الحكمة في أن الله لم يبين عددهم فنقول إن الله تعالى قد أشار إلى بيان عددهم في قوله (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) فهذه الآية تدل على أنهم سبعة وثامنهم كلبهم لأن الله تعالى أبطل القولين الأولين وسكت عن الثالث فدل على صحته (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ) هذا إبطال هذين القولين أما الثالث فقال (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) ولم ينفه الله وأما قوله (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) فلا يعني ذلك أن غير الله لا يعلم به أو لا يعلم بها أي بالعدة وإنما يراد بذلك أن نبينا محمد ﷺ لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله ويكون في ذلك إرشاد للنبي ﷺ أن يفوض العلم إلى الله ولو كان المعنى لا يعلم عدتهم أحد لكان مناقضاً لقوله (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ) فإن الآية تدل على أن قليلاً من الناس يعلمون عدتهم وعلى هذا فعدتهم سبعة وثامنهم كلبهم وهؤلاء السبعة فتية آمنوا بالله إيماناً صادقاً فزادهم الله تعالى هدى لأن الله إذا علم من عبده الإيمان والاهتداء زاده هدى كما قال تعالى (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تقواهم) هؤلاء الفتية كانوا مؤمنين بالله وزادهم الله تعالى هدى علماًَ وتوفيقاً وكانوا في بلد أهلها مشركون فأووا إلى كهف يحتمون به من أولئك المشركين وكان هذا الكهف وجهه إلى الناحية الشرقية الشمالية كما يدل على ذلك قوله تعالى (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) وهذه الوجهة أقرب ما يكون إلى السلامة من حر الشمس وإلى برودة الجو بقوا على ذلك ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً والله يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال في نومهم هذا وقد ألقى الله الرعب على من أتى إليهم كما قال تعالى (لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً) كل ذلك حماية لهم ثم إن هؤلاء القوم بعد هذه المدة الطويلة أيقظهم الله من رقادهم ولم يتغير منهم شيء لا في شعورهم ولا في أظفارهم ولا في أجسامهم بل الظاهر والله أعلم أنه حتى ما في أجوافهم من الطعام قد بقي على ما هو عليه لم يجوعوا ولم يعطشوا لأنهم لما بعثهم الله تساءلوا بينهم (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) وهذا يدل على أنه لم يتغير منهم شيء وأن ما ذكر من أن أظفارهم زادت وشعورهم طالت هو كذب لأنه لو كان الأمر هكذا لعرفوا أنهم قد بقوا مدة طويلة هؤلاء القوم في قصتهم عبرة عظيمة حيث حماهم الله من تسلط أولئك المشركين عليهم وآواهم في ذلك الغار هذه المدة الطويلة من غير أن يتغير منهم شيء وجعل يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال لئلا تتأثر الجنوب التي يكون عليها النوم وحماهم الله بكون من اطلع عليهم يولي فراراً ويملأ منهم رعباً والخلاصة التي تستخلص من هذه القصة هي أن كل من التجأ إلى الله فإن الله تعالى يحميه بأسباب قد يدركها وقد لا يدركها وهو مصداق قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا) فإن مدافعة الله عن المؤمنين قد تكون بأسباب معلومة وقد تكون بأسباب مجهولة لهم فهذا يرشدنا إلى أن نحقق الإيمان بالله والقيام بطاعته.
وأما أصحاب السبت فإن قصتهم أيضاً عجيبة وفيها عبر أصحاب السبت أهل مدينة من اليهود حرم الله عليهم صيد الحيتان يوم السبت وابتلاهم الله حيث كانت الحيتان يوم السبت تأتي شرعاً على ظهر الماء كثيرة وفي غير يوم السبت لا تأتي فضاق عليهم الأمر وقالوا كيف ندع هذه الحيتان لكنهم قالوا إن الله حرم علينا أن نصيدها في يوم السبت فلجؤوا إلى حيلة فوضعوا شباكاً في يوم الجمعة فإذا كان يوم السبت وجاءت الحيتان ودخلت في هذه الشباك انحبست بها فإذا كان يوم الأحد جاؤوا فأخذوها فقالوا إننا لم نأخذ الحيتان يوم السبت وإنما أخذناها يوم الأحد ظنوا أن هذا التحيل على محارم الله ينفعهم ولكنه بالعكس فإن الله تعالى جعلهم قردة خاسئين قال الله تعالى (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) ففي هذه القصة من العبر أن من تحيل على محارم الله فإن حيلته لا تنفعه وأن التحيل على المحارم من خصال اليهود وفيه أيضاًَ من العبر ما تدل عليه القصة في سورة الأعراف (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ*وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ*فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) فقد أنقسم أهل هذه القرية ثلاثة أقسام قسم اعتدوا وفعلوا ما حرم الله عليهم بهذه الحيلة وقسم نهوهم عن هذا الأمر وأنكروا عليهم وقسم سكتوا بل ثبطوا الناهين عن المنكر وقالوا (لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً) وقد بين الله أنه أنجى الذين ينهون عن السوء وأنه أخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون وسكت عن الطائفة الثالثة وفيه دليل على خطورة هذا الأمر أي على خطورة من كان ينهى الناهين عن السوء فيقولون مثلاً إن الناس لن يبالوا بكلامكم ولن يأتمروا بالمعروف ولن ينتهوا عن منكر وما أشبه ذلك من التثبيط عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيه أيضاً دليل على أنه يجب على الإنسان أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر سواء ظن أنه ينفع أم لن ينفع معذرة إلى الله ولعل المنهي يتقي الله .
***
стр. 836
عبده علي يقول ما تفسير قوله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: تفسير هذه الآية الكريمة أن الله أمر نبيه محمدا ﷺ أن يتلو على الناس قصة هذا الرجل الذي آتاه الله آياته أي علمه أحكام شريعته وبينها له ولكنه والعياذ بالله انسلخ منها وتركها فتبعه الشيطان فأغواه قال الله (وَلَوْ شيءنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا) أي ولو شيءنا لرفعناه بآياتنا فجعلناه يعمل بها ويقوم بواجبها فإذا فعل ذلك رفعه الله تعالى بها ولكنه أي هذا الذي أتاه الله الآيات ليس أهلاً لأن يرفعه الله بها لأنه أخلد إلى الأرض ومال إليها وصار أكبر همه أن ينال حظوظه من الدنيا سواء كان يريد الجاه أو المال أو المرتبة أو غير ذلك واتبع هواه فيما أخلد إليه فمثله كمثل الكلب يلهث دائماً سواء حملت عليه أم لم تحمل فمن هذا الرجل الذي له هذا المثل قال الله تعالى (ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) فهذا هو الكافر الذي آتاه الله تعالى العلم وبين له الشرع على أيدي رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام ولكنه أبى إلا أن يتبع هواه ويخلد إلى الأرض فصار هذا مآله نسأل الله العافية.
***
стр. 837
السائل أبو عبد الله يقول في قصة آدم وحواء المذكورة في تفسير آية الأعراف قال بعض العلماء إنها قصة باطلة لكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ذكرها في كتاب التوحيد فما رأيكم في هذا ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: القصة غير صحيحة وقد بينا في كتابنا شرح كتاب التوحيد الأوجه الدالة على أنها غير صحيحة ولا ندري لماذا وضعها الشيخ ﵀ في كتابه.
***
стр. 838
الأنفال
стр. 839
أم فيصل الشمري من الرياض تقول ما تفسير قوله تعالى (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ) الآية ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المراد بهذا الكفار كما قال في آية أخرى (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) وقال الله تعالى عنهم (إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) فهم صم لا يسمعون الحق سماع انتفاع به بكم لا يتكلمون بالحق عمي لا يرون الحق فهؤلاء شر الدواب عند الله وهم الكفار عموما حتى اليهود والنصارى بعد بعثة الرسول ﷺ يدخلون في هذه الآية (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) .
***
стр. 840
الأخت أم عبد الله تقول ما معنى قوله تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذه الآية أن الله يحول بين المرء وقلبه فيريد الإنسان شيئاً ويعزم عليه وإذا به ينتقض عزمه ويتغير اتجاهه فيكون الله تعالى حائلاً بين المرء وقلبه وفي هذا تحذيرٌ للعباد من أن يحول الله تعالى بين العبد وقلبه فيزل ويهلك فعلى المرء أن يراقب قلبه دائماً وينظر ما هو عليه حتى لا يزل ويهلك.
***
стр. 841
التوبة
стр. 842
ما حكم البسملة في أول سورة التوبة ولماذا لم تكتب فيها أفيدونا مأجورين ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: البسملة في أول سورة التوبة غير مشروعة لأن الصحابة ﵃ حين كتبوا المصحف لم يكتبوها وهذا يدل على أنها لم تنزل أعني البسملة بين سورة الأنفال وسورة براءة ولهذا عدل الصحابة ﵃ عنها ولم يكتبوها.
***
стр. 843
صالح حمزة من السودان يقول في رسالته لماذا لم تفتتح سورة التوبة بالبسملة مثل جميع السور في القرآن الكريم وما تفسير قوله تعالى (بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لم تفتتح هذه السورة بالبسملة لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ ولو ورد عن النبي ﷺ لكان محفوظاً وباقياً وقد ورد عن الصحابة ﵃ أنه أشكل عليهم هل سورة براءة بقية سورة الأنفال أو أنها سورة مستقلة وذلك لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ورود البسملة بينها وبين الأنفال فلهذا جعلوا بينهما فاصلاً وسموا كل واحدة منهما باسمها الخاص ولم يجعلوا بينهما بسملة وكان هذا من الحكمة لأنهم لو كتبوا البسملة لكان ذلك واضحاً ولو تيقن الصحابة ﵃ أنهما سورة واحدة لما جعلوا بينهما فاصلاً وكأنهم ﵃ رأوا أن يجعلوا هذا الفاصل دون أن يضعوا بسم الله الرحمن الرحيم وأما قوله ما معنى قوله تعالى (بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) فالمعنى أن هؤلاء الذين جرى بينهم وبين النبي ﷺ عهد معفون من قتالهم مبرؤون منه ولهذا قال (فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) وهذا إذا كان بين المسلمين والمشركين عهد دعت الحاجة إلى عقده فإنه يجب على المسلمين ألا يتعرضوا للكفار في هذا العهد الذي جرى بينهم.
***
стр. 844
أبو بكر حبيب الحاتمي من الصومال بينسور يقول لماذا لم تبتدأ سورة التوبة بالبسملة كغيرها من السور فإننا إذا أردنا قراءتها نقول قبل البدء فيها أعوذ بالله من النار ومن شر الكفار ومن غضب الجبار والعزة لله ولرسوله ثم نبدأ في السورة فهل هذا مشروع أم مخالف ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الدعاء الذي ذكرت عند بداية سورة براءة هذا مبتدع لا أصل له ولا يجوز للإنسان أن يبتدئ به السورة وقد رأيت وأنا صغير هذا مكتوبا على هامش بعض المصاحف والواجب لمن اطلع عليه أن يطمسه وأن يزيله لأن هذا من البدع الذي لم ترد عن النبي ﵊ وأما بالنسبة لشق السؤال الأول وهو أنه لم تبتدأ هذه السورة بالبسملة فلأنها هكذا جاءت وأنه لو كانت البسملة منزلة فيها لكانت محفوظة ولكانت موجودة لأن الله يقول (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وقد أشكل على الصحابة ﵃ فيما يروى عن عثمان هل هي سورة مستقلة أم آخر سورة الأنفال فوضعوا بينهما فاصلاً بدون بسملة ووضع الفاصل هنا حكم بين حكمين لأنه لو ثبت أنه من بقية الأنفال لم يكن هناك فاصل ولا بسملة ولو ثبت أنها مستقلة لكان بالبسملة والفاصل فلما لم يثبت هذا ولا هذا جعلوا فاصلاً وكان هذا من الاجتهادات الموافقة للصواب فإني أعلم علم اليقين أن لو كانت البسملة نازلة أمام هذه السورة لكانت باقية بلا شك لأن الله يقول (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وعلى هذا فلا يشرع للإنسان إذا ابتدأ بسورة براءة أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم.
***
стр. 845
هاشم يوسف مصري يقول هل الأشهر الحرم ما زالت حرماً عند الله تعالى أم تم نسخها وما الدليل على ذلك
فأجاب رحمه الله تعالى: الأشهر الحرم أربعة كما قال الله تعالى (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) وهي ثلاثة متوالية ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد منفرد وهو رجب هذه الأشهر الحرم لها مزيد عناية في تجنب الظلم سواء كان ظلماً فيما بين الإنسان وبين ربه أو ظلماً فيما بينه وبين الخلق ولهذا قال الله تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) واختلف العلماء ﵏ في القتال في هذه الأربعة الحرم هل هو باقٍ تحريمه أم منسوخ فجمهور أهل العلم على أنه منسوخ لأن الله تعالى أمر بقتال المشركين كافة على سبيل العموم وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن التحريم أي تحريم القتال في هذه الأشهر باق وأنه لا يجوز لنا أن نبتدئ الكفار بالقتال فيها لكن يجوز لنا الاستمرار في القتال وإن دخلت الأشهر الحرم وكذلك يجوز لنا قتالهم إذا بدؤونا هم بالقتال في هذه الأشهر فالمسألة إذاً خلافية هل يجوز ابتداء القتال فيها أي في هذه الأشهر الأربعة الحرم أو لا يجوز والأمر في هذا موكول إلى ولاة الأمور الذين يدبرون أمور الحرب والجهاد
***
следующие страницы →