Полный текст (7 489 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
التوبة
стр. 842
ما حكم البسملة في أول سورة التوبة ولماذا لم تكتب فيها أفيدونا مأجورين ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: البسملة في أول سورة التوبة غير مشروعة لأن الصحابة ﵃ حين كتبوا المصحف لم يكتبوها وهذا يدل على أنها لم تنزل أعني البسملة بين سورة الأنفال وسورة براءة ولهذا عدل الصحابة ﵃ عنها ولم يكتبوها.
***
стр. 843
صالح حمزة من السودان يقول في رسالته لماذا لم تفتتح سورة التوبة بالبسملة مثل جميع السور في القرآن الكريم وما تفسير قوله تعالى (بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لم تفتتح هذه السورة بالبسملة لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ ولو ورد عن النبي ﷺ لكان محفوظاً وباقياً وقد ورد عن الصحابة ﵃ أنه أشكل عليهم هل سورة براءة بقية سورة الأنفال أو أنها سورة مستقلة وذلك لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ورود البسملة بينها وبين الأنفال فلهذا جعلوا بينهما فاصلاً وسموا كل واحدة منهما باسمها الخاص ولم يجعلوا بينهما بسملة وكان هذا من الحكمة لأنهم لو كتبوا البسملة لكان ذلك واضحاً ولو تيقن الصحابة ﵃ أنهما سورة واحدة لما جعلوا بينهما فاصلاً وكأنهم ﵃ رأوا أن يجعلوا هذا الفاصل دون أن يضعوا بسم الله الرحمن الرحيم وأما قوله ما معنى قوله تعالى (بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) فالمعنى أن هؤلاء الذين جرى بينهم وبين النبي ﷺ عهد معفون من قتالهم مبرؤون منه ولهذا قال (فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) وهذا إذا كان بين المسلمين والمشركين عهد دعت الحاجة إلى عقده فإنه يجب على المسلمين ألا يتعرضوا للكفار في هذا العهد الذي جرى بينهم.
***
стр. 844
أبو بكر حبيب الحاتمي من الصومال بينسور يقول لماذا لم تبتدأ سورة التوبة بالبسملة كغيرها من السور فإننا إذا أردنا قراءتها نقول قبل البدء فيها أعوذ بالله من النار ومن شر الكفار ومن غضب الجبار والعزة لله ولرسوله ثم نبدأ في السورة فهل هذا مشروع أم مخالف ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الدعاء الذي ذكرت عند بداية سورة براءة هذا مبتدع لا أصل له ولا يجوز للإنسان أن يبتدئ به السورة وقد رأيت وأنا صغير هذا مكتوبا على هامش بعض المصاحف والواجب لمن اطلع عليه أن يطمسه وأن يزيله لأن هذا من البدع الذي لم ترد عن النبي ﵊ وأما بالنسبة لشق السؤال الأول وهو أنه لم تبتدأ هذه السورة بالبسملة فلأنها هكذا جاءت وأنه لو كانت البسملة منزلة فيها لكانت محفوظة ولكانت موجودة لأن الله يقول (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وقد أشكل على الصحابة ﵃ فيما يروى عن عثمان هل هي سورة مستقلة أم آخر سورة الأنفال فوضعوا بينهما فاصلاً بدون بسملة ووضع الفاصل هنا حكم بين حكمين لأنه لو ثبت أنه من بقية الأنفال لم يكن هناك فاصل ولا بسملة ولو ثبت أنها مستقلة لكان بالبسملة والفاصل فلما لم يثبت هذا ولا هذا جعلوا فاصلاً وكان هذا من الاجتهادات الموافقة للصواب فإني أعلم علم اليقين أن لو كانت البسملة نازلة أمام هذه السورة لكانت باقية بلا شك لأن الله يقول (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وعلى هذا فلا يشرع للإنسان إذا ابتدأ بسورة براءة أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم.
***
стр. 845
هاشم يوسف مصري يقول هل الأشهر الحرم ما زالت حرماً عند الله تعالى أم تم نسخها وما الدليل على ذلك
فأجاب رحمه الله تعالى: الأشهر الحرم أربعة كما قال الله تعالى (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) وهي ثلاثة متوالية ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد منفرد وهو رجب هذه الأشهر الحرم لها مزيد عناية في تجنب الظلم سواء كان ظلماً فيما بين الإنسان وبين ربه أو ظلماً فيما بينه وبين الخلق ولهذا قال الله تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) واختلف العلماء ﵏ في القتال في هذه الأربعة الحرم هل هو باقٍ تحريمه أم منسوخ فجمهور أهل العلم على أنه منسوخ لأن الله تعالى أمر بقتال المشركين كافة على سبيل العموم وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن التحريم أي تحريم القتال في هذه الأشهر باق وأنه لا يجوز لنا أن نبتدئ الكفار بالقتال فيها لكن يجوز لنا الاستمرار في القتال وإن دخلت الأشهر الحرم وكذلك يجوز لنا قتالهم إذا بدؤونا هم بالقتال في هذه الأشهر فالمسألة إذاً خلافية هل يجوز ابتداء القتال فيها أي في هذه الأشهر الأربعة الحرم أو لا يجوز والأمر في هذا موكول إلى ولاة الأمور الذين يدبرون أمور الحرب والجهاد
***
стр. 846
من الجزائر يقول ما هو النسيء في قوله تعالى (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) النسيء هو أن الأربعة الأشهر الحرم يحرم فيها القتال وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب فكانوا في الجاهلية إذا أرادوا القتال في المحرم وهم يعتقدون أنه حرام قالوا نؤجل تحريم هذا الشهر أعني شهر المحرم إلى صفر فيؤجلونه ويقاتلون في المحرم ويقولون نحن حرمنا بدله صفر وهذا تأخيرٌ للتحريم من شهر محرم إلى شهر صفر وقد قال الله تعالى عنه زيادة في الكفر لأنه تغييرٌ لما حرم الله ونقلٌ للتحريم من زمن إلى زمنٍ آخر ولهذا قال الله تعالى إنه (زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) فيقولون نحن حرمنا القتال في أربعة أشهر من السنة (فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ) يعني يحلوا القتال في المحرم مثلاً.
***
стр. 847
من اليمن توفيق عبد الواسع ما معنى قوله تعالى (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نعم النسيء بمعنى التأخير كانت العرب في جاهليتها لتلاعبها كانت أحيانا تجعل المحرم صفرا وصفرا محرما وشهر المحرم معروف أنه شهر لا يجوز فيه القتال فيكيفون هذا على رغبتهم إن كانت رغبتهم أن يقاتلوا في المحرم قاتلوا وأخروا تحريمه إلى صفر فأخروا التحريم إلى شهر آخر بعده يقول إن هذا زيادة في الكفر (يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) يعني يأتوا بشهر واحد محرم فيحلوا ما حرم الله وفي الآية الكريمة دليل على أن الكفر يزيد وينقص كالإيمان يزيد وينقص فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية والكفر يزيد بالسيئات الزائدة على أصل الكفر ولهذا يعاقب الكافر عليها أي على السيئات الزائدة على الكفر كما قال الله ﵎ (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنْ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) يعني يقولون لهم ما أدخلكم في النار (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصلىنَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) وهذا دليل على أن لتركهم الصلاة وإطعام المسكين أثرا في تعذيبهم في سقر.
***
стр. 848
عويض عميش العتيبي من الطائف يقول ما معنى قول الله تعالى في سورة التوبة (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ) الآية ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: قوله تعالى (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) النسيء معناه التأخير وكانوا في الجاهلية يعتقدون تحريم شهر المحرم لأنه أحد الأشهر الحرم الأربعة التي ذكرها الله تعالى في قوله (إ نَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) وهي ثلاثة متوالية وشهر منفرد فالمتوالية هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم والمنفرد هو شهر رجب فكانوا في الجاهلية يؤخرون شهر المحرم يحلونه ويجعلون التحريم في شهر صفر ويقولون نحن جعلنا أربعة أشهر في السنة محرمة فوافقنا ما حرم الله ولكنهم في الحقيقة أحلوا ما حرم الله تعالى وهو شهر المحرم وتأخيرهم له إلى صفر هذا ضلال منهم وزيادة في الكفر ولهذا قال الله (زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) .
***
стр. 849
سوداني معار بالجمهورية العربية اليمنية يقول في سؤاله الأول أخرجت زكاة مالي البقر وأعطيتها لزوجتي باعتبار أنها زكاة وعلى حسب ظني أنها تدخل في نطاق العاملين عليها بمعنى أنها تعينني في رعاية تلك الأبقار وتعد الطعام للعمال الذين يقومون برعاية وسقي تلك الأبقار فهل يصح ذلك وإذا كان غير صحيح فهل علي أن أخرج تلك الزكاة التي مر عليها أربع سنوات مرة أخرى وما معنى قوله تعالى (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إن معنى قوله تعالى (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) أي على الزكاة والمراد بذلك الطائفة الذين تقيمهم الدولة لقبض الزكاة ممن تجب عليهم وصرفها في مستحقيها هؤلاء هم العاملون عليها وليس المراد بالعاملين عليها العاملين على المال الزكوي كما ظنه هذا السائل وعلى هذا فإخراج زكاته إلى زوجته بهذه النية لا يجزئه والواجب عليه أن يعيد ما أخرجه بمعنى أن يزكي ماله عن السنة التي أخرج الزكاة فيها إلى زوجته بهذه النية فإذا كان قد أعطاها بقرة أو بقرتين فإنه يخرج الآن بقرة أو بقرتين المهم أنه يضمن الزكاة أو يضمن ما دفعه لامرأته فيخرجه الآن وإني أنصح هذا الرجل وغيره وأقول إن الواجب على المسلم أن يعلم أحكام الله تعالى في عبادته قبل أن يفعلها ليعبد الله تعالى على بصيرة أما كونه يتعبد لله تعالى بالجهل فإن هذا نقص عظيم وربما يفعل شيئاً يحبط العمل وهو لا يدري وربما يترك شيئاً لا بد من وجوده في العمل وهو لا يدري فالواجب على المرء أن يتعلم من أحكام دينه ما تدعو الحاجة إليه والله المستعان.
***
стр. 850
يقول السائل مامعنى قوله تعالى (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ) وقوله تعالى (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) من هم الثلاثة الذين خلفوا وما سبب نزول هذه الآية ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أما الآية الأولى وهي قوله تعالى (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) فإن هذه الآية يعد الله فيها أنه سيري هؤلاء المكذبين لرسول الله ﷺ سيريهم آياته أي العلامات الدالة على صدق نبيه ﷺ وصحة رسالته والسين هنا للتنفيس والتحقيق وهو وقوع الشيء عن قرب وقوله (فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) الآفاق جمع أفق وهي النواحي سيريهم الله الآيات الدالة على صدق النبي ﷺ في الآفاق في فتحه للبلاد وإسلام أهلها وربما تكون الآفاق هنا أوسع من الفتوحات فيكون كل ما يظهر من الأمور الأفقية شاهداً لما جاء به القرآن فإنه يكون دليلاً على صدق رسالة النبي الله ﷺ وصحة نبوته وقوله (وَفِي أَنْفُسِهِمْ) أي في أنفس هؤلاء المكذبين حيث تكون الدولة عليهم فيغلبون وتكون الغلبة لرسول الله ﷺ وقوله: (حتى يتبين لهم أنه الحق) أي حتى يظهر ويبين أن ما جاء به النبي ﷺ هو الحق ثم قال تعالى (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) يعني أو لم تكف شهادة الله تعالى على كل شيء عن كل آية فإن شهادة الله على الشيء أعظم من شهادة غيره وكفى بالله شهيدا وشهادة الله تعالى لرسوله بالحق نوعان شهادة قولية وشهادة فعلية.
أما الشهادة القولية فإن الله تعالى قال في القرآن الكريم (لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً) فهذه شهادة قولية بما أنزل الله على رسوله ﷺ .
وأما الشهادة الفعلية فهي تمكين الله تعالى لرسوله محمد ﷺ في الأرض ونصره إياه وإدالته على أعدائه فإنه إن كان ﷺ غير صادق فيما جاء به من الرسالة والنبوة ما مكن الله له لأن الله تعالى لا يمكن أن يمكن لظالم في أرضه كما قال الله تعالى (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ) وقال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً) ولهذا كل من ادعى النبوة بعد رسول الله ﷺ فإن الله تعالى لا يمكن له ولا ينصره بل يخذله ويبين كذبه حتى يظهر للناس أمره وذلك لأن النبي ﷺ خاتم النبيين فلا نبي بعده ﷺ وأما الآية الثانية وهي قول السائل من هؤلاء الثلاثة الذين خلفوا الثلاثة هم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع هؤلاء الثلاثة تخلفوا عن غزوة تبوك التي قادها النبي ﵊ وكانت في وقت حار والثمار قد طابت والظل محبوب للنفوس ولهذا بين النبي ﵊ في هذه الغزوة أنه سيذهب إلى كذا وكذا فبين للناس جهة قصده مع أنه كان من عادته إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها ﵊ لكن لما كانت هذه الغزوة بعيدة المسافة وكان الذين يقابلون المسلمين بها جمع كثير من الروم بيَّن النبي ﷺ وجهة قصده حتى يكون الناس على بينة من أمرهم، تخلف هؤلاء الثلاثة ﵃ عن هذه الغزوة بدون عذر فأنزل الله تعالى فيهم (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) وكان من قصتهم أن النبي ﷺ لما قدم المدينة راجعاً من تبوك جاء إليه المنافقون يعتذرون وكان النبي ﷺ يقبل ظواهرهم ويكل سرائرهم إلى الله فيستغفر لهم حين يقولون إن لنا عذراً بكذا وبكذا وبكذا فيستغفر لهم أما كعب بن مالك وصاحباه ﵃ فقد صدقوا النبي ﷺ وأخبروه بالخبر الصحيح بأنهم تخلفوا بلا عذر فأرجأ النبي ﷺ أمرهم حتى يحكم الله فيهم وأمر الناس بهجرهم وعدم إيوائهم وعدم الكلام معهم حتى إن كعب بن مالك ﵁ جاء إلى أبي قتادة وكان ابن عمه فتسور عليه حائطه وسلم عليه ولكنه لم يرد ﵇ لأن النبي ﷺ أمر بهجرهم وكان هو أي كعب يأتي إلى النبي ﷺ فيسلم عليه يقول فلا أدري أحرك شفتيه برد السلام أم لا مع كمال حسن خلق النبي ﷺ ولما بقوا أربعين ليلة أمر النبي ﷺ أن يعتزلوا نساءهم كل هذا مبالغة في هجرهم وتعزيراً عن تخلفهم حتى يقول الله تعالى في أمرهم ما يريد وكان في هذه القصة التي بلغت منهم هذا المبلغ العظيم ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أي أيقنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه حتى إن كعب بن مالك يقول تنكرت لي الأرض فلم تكن الأرض التي أنا أعرفها وتنكر له الناس لا يؤوونه ولا يسلمون عليه ولكن بعد أن مضى خمسون ليلة أنزل الله تعالى الفرج بتوبته عليهم فلما صلى النبي ﵊ الصبح أخبر الناس أن الله قد أنزل توبتهم فزال هذا الغم الشديد والكرب العظيم الذي أصابهم في هذه المحنة وكانت هذه المحنة محنة عظيمة في عاقبتها حيث صبروا على ما قضى به النبي صلى لله عليه وسلم من هجرهم وصبروا على هذه النكبة العظيمة مع أن كعب بن مالك ﵁ أتاه كتاب من ملك غسان يقول فيه إنه قد بلغنا أن صاحبك قد هجرك أو قد قلاك يعني النبي ﷺ فالحق بنا نواسك يعني ائت إلينا نواسك ونجعلك مثلنا ولكنه ﵁ لقوة إيمانه لما أتاه هذا الكتاب عمد إلى التنور فسجره به وأحرقه وصبر وإلا فإن الفرصة مواتية له لو كان يريد الدنيا لكنه يريد الآخرة فكانت النتيجة هذه النتيجة العظيمة التي تعتبر من أعظم المفاخر أنزل الله فيهم كتاباً يتلى إلى يوم القيامة (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) ومعنى قوله (الَّذِينَ خُلِّفُوا) يعني خلفهم النبي ﷺ وأرجأ أمرهم فلم يقض فيهم بشيء سوى أن أمر بهجرهم وليس معنى (الَّذِينَ خُلِّفُوا) يعني تخلفوا عن الغزوة ولو كان هذا هو المراد لقال الله وعلى الثلاثة الذين تخلفوا لكنه قال (الَّذِينَ خُلِّفُوا) أي خلف النبي ﵊ أمرهم وأرجأه حتى يقضي الله فيه ما أراد وفي قوله (أَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) دليل على كثرة توبة الله على عباده لأن التواب صيغة مبالغة تعني الكثرة وعلى أنه يحب التوبة على عباده وهذا ظاهر في النصوص من الكتاب والسنة كما قال الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) وقال النبي ﵊ (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم براحلته) وذكر ﷺ (أن هذا الرجل أضاع راحلته في أرض فلاة وعليها طعامه وشرابه فطلبها فلم يجدها فاضطجع في ظل شجرة ينتظر الموت لأنه أيس من الحياة فاستيقظ وإذا بخطام ناقته متعلقاً بالشجرة فأخذ بخطامها وقال اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح) فإذا كان الله يحب التوبة من عبده فهو كذلك يحب التوبة على عبده والعبد يتوب إلى الله والله يتوب على العبد نسأل الله تعالى أن يتوب علينا وعلى إخواننا المسلمين.
***
стр. 851
سورة يونس
стр. 852
من العراق صفوان خليل سعيد محافظة نينوى ما معنى قوله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: في هذه الآية يخبر الله أن الناس كانوا أمة واحدة أي على دين واحد وهو دين الفطرة ولكن اختلفوا حين طال بهم الزمن فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه فانقسم الناس في قبول هؤلاء الرسل قسمين منهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله لقضى بينهم في الدنيا فأهلك الكافرين وأبقى المؤمنين وصارت الدولة لهم وحينئذ تبقى الأمة واحدة على الإيمان فتفوت الحكمة العظيمة من اختلاف الأمة وانقسامها إلى مؤمن وكافر وهذه هي الكلمة التي سبقت من الله أن يبقى الناس على قسمين مؤمن وكافر حتى يكون للنار أهلها وللجنة أهلها.
***
стр. 853
يقول السائل ما معنى قوله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الآية جزء من آية كريمة ذكرها الله في سورة يونس في قوله (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ففي هذه الآية الكريمة يضرب الله مثل الدنيا وما فيها من الزخارف والزهوة والزينة وغيرها يضربه الله بماء أنزله من السماء إلى أرض يابسة هامدة فاختلط به نبات الأرض أي أنبتت هذه الأرض من كل زوج بهيج ومن كل صنف واختلط النبات بعضه ببعض لوفرته ونموه مما يأكل الناس والأنعام أي من طعام الآدميين وطعام البهائم والثمار التي يأكلها الآدميون والزروع هكذا حتى أصبحت بهجة للناظرين ولما أخذت الأرض زخرفها وازينت وطابت ثمارها ونضجت وظن أهلها أنهم قادرون عليها وأنهم سوف يجنونها عن قرب وبكل سهولة أتاها أمر الله تعالى إما ليلاً وإما نهاراً رياح عاصفة أو ثلوج أو صواعق أو غير ذلك مما أهلكها ودمرها فكانت حصيدا كأن لم تغن بالأمس أي كأن لم تكن موجودة على ذلك الوجه البهيج الذي يسر الناظر أصبحت حصيداً هامداً هكذا الحياة الدنيا تزهو لصاحبها وتتطور ويصبح صاحبها كأنه لن يموت كأنه سيبقى فيها لما حصل له من الغرور في هذه الدنيا ثم بعد ذلك يفجؤه الموت فإذا هو ذاهب وإذا المال مبعثر في الورثة وكل ما كان كأن لم يكن والله إنما ضرب هذا المثل لئلا نغتر بالدنيا لأجل أن نحترز منها ومن غرورها وألا نقدمها على الآخرة لأنها فانية زائلة لا خير فيها إلا ما كان عوناً على طاعة الله ولهذا أعقب ذلك المثل بقوله (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) أي إلى الجنة التي هي دار السلام السالمة من كل نقص وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وفيها النعيم المقيم التي من دخلها ينعم ولا يبأس ويصح ولا يمرض ويحيا ولا يموت وهم في سرور دائم وفي نعيم مقيم فانظر أيها الإنسان وقارن بين دار السلام السالمة من كل آفة وبين الدنيا التي مهما تطورت وازدهرت وازدانت فإنها عند التمام يكون الفناء واعتبر يا أخي ببقائك في هذه الدنيا فإن عمل الآخرة أقل وأهون وأكثر فائدة من عمل الدنيا وأنا أضرب لك مثلاً واحداً يكفيك عن غيره من الأمثال أنفقت درهماً في سبيل الله درهماً واحداً في سبيل الله ابتغاء مرضاته هذا الدرهم يضاعف إلى عشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة الدرهم يكون عشرة والعشرة تكون إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة لا يحصيها إلا الله وأنت لم تعمل عملاً شاقاً غاية ما هنالك أنك أوصلت هذا الدرهم إلى مستحقيه ابتغاء وجه الله لكن انظر إلى الدنيا تجوب الفيافي وتضرب الأخطار من أجل أن تربح خمسة دراهم إلى العشرة أو أقل من خمسة دراهم في العشرة مع المشقة والعناء وربما لا تربح أيضاً أي العملين أهون وأي العملين أكثر فائدة وأعظم نتيجة وأضمن وأسلم أعتقد أن الجواب هو أن عمل الآخرة أهون وأسهل وأعظم نتيجة وأوثق كذلك تصلى في بيتك يكتب لك أجر وتصلى في المسجد يضاعف لك الأجر فصلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة عمل يسير والربح كثير والناس الآن لو قيل لهم أنكم تربحون الواحد بخمسة لذهب الإنسان إلى بلاد بعيدة من أجل هذا الربح القليل الذي قد يكون مضموناًَ وقد يكون غير مضمون لكنه لا يذهب إلى المسجد إلا من هدى الله مع أن الربح مضمون وكثير وبهذا تتبين مناسبة قوله تعالى (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) بعد ذكر مثل الحياة الدنيا وما تؤول إليه وتأمل قوله تعالى (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) حيث عمم في الدعوة بأن الله تعالى يدعو كل أحد إلى دار السلام ولكنه في الهداية قال (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) فليس كل من سمع دعوة الله أجاب الدعوة ولكن يجيبها من وفقه الله وهداه إلى صراط مستقيم اللهم نسألك أن تهدينا وإخواننا المسلمين صراطك المستقيم.
***
стр. 854
من أثيوبيا أخوكم في الله محمد زين الدين خليل يقول ما معنى قوله تعالى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ) وقوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ) وأيضاً الآية (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الآيات لا تتعارض فإن الله تعالى بعث في كل أمة رسولاً كما قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) وقال الله (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً (١٦٣) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً (١٦٤) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئلاَ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) فلابد لكل أمة من رسول ولكل أمة من نذير ينذرها عذاب الله ويبشرها برحمته لمن أطاع وأما قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ) فالمراد أن الله تعالى لم يرسل إلى العرب نذيراً قبل محمد ﷺ ولهذا ليس من العرب رسول إلا محمد ﷺ وهو دعوة إبراهيم وإسماعيل حيث قال ﵊ أعني إبراهيم (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فلم يبعث الله نذيراً إلى العرب إلا محمداً ﷺ بعثه الله تعالى نذيراً ولكافة الناس كما قال الله تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْييِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)
***
стр. 855
السائل يعقوب بابكر عمر من السودان له سؤال عن آية كريمة يقول في سؤاله يقول الله ﵎ في كتابه العزيز (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) من هم هؤلاء الأولياء وما هي صفاتهم ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هؤلاء الأولياء تكفل الله ببيانهم فقال (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) وهذه أوصافهم من كان مؤمناً تقياً كان لله ولياً وليست الولاية بطول الأكمام ولا بكبر العمامة ولا بطول المسواك الولاية بالإيمان والتقوى فمتى عرفنا أن هذا الرجل من المؤمنين المتقين الذين لم يجرب عليهم معاصٍ لا بترك واجب ولا بفعل محرم مع الاستقامة عرفنا أنهم من أولياء الله ولكن هل أولياء الله ينفعون الإنسان بعد موته -أي- بعد موت الولي الجواب لا. لا ينفعونه ولهذا لا يجوز للإنسان أن يذهب إلى قبر من يقال إنه ولي ويقول يا سيدي أنا فقير فأغنني إن قال هذا كفر وأشرك بالله ولا كما يقال تأتي المرأة وتأخذ تراباً من قبر من يقال إنه ولي ثم تجعله في ماءٍ وتشربه من أجل أن يأتيها الولد كل هذا لا حقيقة له ولا صحة له ولا يجوز والولي لا ينفع إلا نفسه فقط في الحياة ربما يدعو للشخص ويستجاب له أو لا يستجاب أما بعد الموت فلا ينفع أحداً.
***
стр. 856
أبو إبراهيم يقول ما معنى قوله تعالى (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المعنى اجعلوا بيوتكم مكانا تستقبلون فيه الناس لأن في ذلك تأليفا بالناس وفيه أيضا كرم وخير فالمعنى اجعلوها قبلة يعني قبلة للناس يأتمون يأتون إليها ويشهدون ما أنتم عليه من الحق.
***
стр. 857
سورة هود
стр. 858
محمد زين الدين من أثيوبيا ما هو التوفيق بين الآيتين الكريمتين في سورة هود أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ) والآية الأخرى في سورة الإسراء (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ) الآية ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الجمع بين الآيتين هو أن نقول إن آية هود مقيدة بآية الإسراء فقوله تعالى (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا) أي إذا شيءنا وتكون الآية هذه مقيدة بقوله تعالى (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) وحينئذ ليس بين الآيتين تعارض وبالمناسبة أقول إن كل نصين صحيحين لا يمكن التعارض بينهما فالنصان من كتاب الله لا يمكن التعارض بينهما والنصان من كلام الرسول ﷺ الثابتة عنه لا يمكن التعارض بينهما فإذا وقع مايوهم في التعارض فإما أن يكون الرجل الذي ظن التعارض واهماً وإما أن يكون جاهلاً إما أن يكون واهماً حيث ظن حسب فهمه أن بينهما تعارضاً وليس بينهما تعارض أو يكون جاهلاً بحيث يكون بينهما تعارض لكن كان هناك تخصيص أو تقييد لا يفهمه هو أولا يعلمه فيكون بذلك جاهلاً أما أن يقع التعارض حقيقة بين نصين من كتاب الله أو نصين من سنة رسول الله ﷺ الثابت عنه فهذا أمر لا يمكن أبداً لأن كلام الله كله حق وكلام النبي ﷺ الثابت عنه كله حق والحقان لا يمكن أن يتعارضا لأن فرض تعارضهما يستلزم أن يكون أحدهما حقاً والثاني باطلاً وهذا منتفٍ في كلام الله وكلام رسوله ﷺ وحينئذ إذا ظننت التعارض بين نصين فعليك أن تتدبر النصين فإن ظهر لك الجمع فذاك والا فاسأل أهل العلم لقوله تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) فإن لم يتيسر لك ذلك فعليك أن تتوقف وتقول سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم فإن هذا هو شان الراسخين في العلم قال الله تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) .
***
стр. 859
صالح علوش حسن من العراق نينوى يقول هل معنى قوله تعالى (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) أنه أمر لنوح ﵇ أن يحمل معه من كل كائن حي زوجين للمحافظة على بقاء الكائنات الحية على الأرض إذا كان الأمر كذلك فلماذا نرى أن الكثير من الكائنات الحية قد انقرضت والبعض الآخر في طريقه للانقراض ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ظاهر الآية الكريمة كما ذكر السائل أن الله أمره أن يحمل فيها من كل يعني من كل شيء من الأشياء زوجين اثنين وذلك لبقاء هذا النوع ولا يلزم أن يبقى هذا النوع إلى يوم القيامة فإن الله قد يقدر عليه انقراضاً أو قلة أو انقراضاً في بعض الأماكن ووجوداً في بعض الأماكن يعني بقاءً في بعض الأماكن وهذا لا ينافي الآية الكريمة لأن الله تعالى لم يذكر فيها أن هذا المحمول في السفينة سيبقى نوعه إلى يوم القيامة حتى نقول إن هذا يخالف الواقع بل إنه شفق لبقاء هذا النوع المحمول إلى أن يأذن الله تعالى بانقراضه.
***
стр. 860
يقول السائل ما معنى قوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى الآية الكريمة أن الله تعالى قسم الناس في يوم القيامة قسمين قال الله تعالى (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) ومعنى الآية أن هؤلاء الذين شقوا وهم الكفار فإنهم مخلدون في نار جهنم التخليد الأبدي كما قال الله ﵎ في سورة النساء (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) وقوال تعالى في سورة الأحزاب (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً) وقال تعالى في سورة الجن (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) وقوله (إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ) يعني إلا ما شاء ربك مما زاد على دوام السماوات والأرض لأن دوام السماوات والأرض له أجل محدود وليس أبديا وأما أهل النار فإنهم خالدون فيها تخليدا مؤبدا وأما قوله (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) فهو كالجواب عن سؤال يقال فيه لماذا عذَّب الله تعالى أهل النار بالخلود فيها فقال (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) فلا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل.
***
стр. 861
سورة يوسف
стр. 862
من جيزان ق. ن. م. يقول في الآية الكريمة (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) ما هو البرهان في هذه الآية ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: البرهان ما جعله الله في قلبه من إنكار هذا الفعل وكثيراً ما يهم الإنسان بالشيء فإذا لم يبق إلا التنفيذ فتح الله له نورا وتراجع وهذا هو الذي حصل ليوسف ﵊ أن إيمانه الذي في قلبه وهو البرهان من الله منعه أن ينفذ ما أمرت به سيدته وهذا غاية ما يكون من العفة امرأة تكبره مرتبةً في هذا الموضع امرأة جميلة امرأة أوصدت جميع الأبواب وخلت به خلوةً تامة ودعته لنفسها وامتنع هذا غاية ما يكون من العفة وانظر إلى قصة الثلاثة الذين أووا إلى غار فانطبقت عليهم صخرة عجزوا عنها فتوسلوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم أن يفرج عنهم توسل الأول ببر والديه وتوسل الثاني بأمانته وأداء الأمانة توسل الثالث بالعفة لأنه كان له بنت عم وكان يحبها حباً شديداً وكان يراودها عن نفسها فتأبى فألمت بها سنةٌ من السنين واحتاجت وأتت إليه تطلبه المؤونة فأبى إلا أن تمكنه من نفسها ولضرورتها وافقت فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته قالت له اتقِ الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فغلبته التقوى وقام عنها وهي أحب الناس إليه انظر كمال العفة الأمور أمامه متوفرة والإنسان في أشد ما يكون شوقا للفعل لأنه جلس منها مجلس الرجل من امرأته لكن لما ذكرته بالله قام وهي أحب الناس إليه فيوسف ﵊ توفرت له جميع الوسائل لكن ما في قلبه من الإيمان والعفة والعصمة عن سفاسف الأمور أوجب له أن يدعها.
***
стр. 863
من العراق يقول في سورة يوسف يقول الله ﵎ (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) ما معنى البرهان هنا وما المقصود منه ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: يقول الله تعالى (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) وبرهان ربه الذي حال بينه وبين تنفيذ ما حصل فيه الهم هو الإيمان والخشية والخوف من الله فإن الإنسان يحميه إيمانه بالله وخوفه منه وخشيته له يحميه أن يقع في أمر حرمه الله وكل من كان أعلم بالله كان منه أخوف وأشد منه خشية قال الله تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) فهو ﵊ رأى برهان الله وهو النور الذي قذفه الله تعالى من الإيمان والخشية فمنعه ذلك من حصول ما كان فيه الهم وأما القول بأن والده تراءى له في مخيلته يحذره من ذلك فهو قول ضعيف لا تدل عليه الآية وما ذكرناه هو المتعين واللائق في مقام يوسف ﵊.
***
стр. 864
يقول السائل ورد في سورة يوسف اسم العزيز فمن هو العزيز هل هو فرعون ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا العزيز ليس هو فرعون ويوسف ﵊ قبل فرعون بأزمان ولهذا ذكَّر المؤمن من آلِ فرعون آلَ فرعون بمجيء يوسف أو برسالة يوسف حيث قال لهم (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ) ويوسف بينه وبين موسى أزمان كثيرة فليس العزيز هنا فرعون وإنما العزيز ملك من ملوك مصر في ذلك الزمن.
***
стр. 865
سورة الرعد
стр. 866
السؤال التالي للمستمع إبراهيم محمد يونس ملة من العراق نينوى يقول ما معنى قوله تعالى (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) من سورة الرحمن وقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الآية الأولى معناها أن الله يخبر إخباراً يَعِد به من خاف مقام ربه بأن له جنتين وهاتان الجنتان بين الله تعالى ما فيهما من النعيم المقيم من المأكول والمشروب والمنكوح ترغيباً لخوف الإنسان مقام ربه أي لخوفه من المقام الذي يقف فيه بين يدي الله هذا الخوف الذي يوجب له الاستقامة على دين الله وعبادة الله تعالى حق عبادته لأن من خاف الله راقبه وحذر من معاصيه والتزم بطاعته وثواب من أطاع الله وأتقاه ثوابه الجنة كما قال الله ﵎ (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) إلى آخر ما ذكر الله من أوصافهم وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) فمعناها أن الإنسان إذا استقام على طاعة الله فإن الله تعالى ينعم عليه ويزيده من نعمه لقوله تعالى (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) فأما إذا انحرف عن طاعة الله فإن الله تعالى يقول (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) ويقول (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) فمادام الإنسان على طاعة الله قائماً بأمره مجتنبا لنهيه فليبشر بالخير وبكثرة النعم وبتحقيق قول الله تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) فأما إذا غير ما بنفسه من الإنابة إلى الله والإقبال عليه وبارز الله تعالى بالعصيان بفعل المحظورات وترك المأمورات فإن الله تعالى يغير عليه هذه النعمة.
***
стр. 867
سورة إبراهيم
стр. 868
من اليمن يقول في قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) ما المقصود بالكلمة الطيبة والشجرة الطيبة .
فأجاب رحمه الله تعالى: أما المقصود بالكلمة الطيبة فهي كلمة الإخلاص لا إله إلا الله وأما المقصود بالشجرة الطيبة فهي النخلة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها كذلك كلمة الإخلاص تؤتي ثمرتها بالعمل الصالح المقرب إلى الله فهي أصل وفروعها الأعمال الصالحة ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث عتبان بن مالك (إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) لأن من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله فلابد أن يأتي بالأعمال الصالحة التي تتم بها هذه الكلمة ولهذا قال أهل العلم في تفسير كون كلمة الإخلاص مفتاح الجنة إن المفتاح لا يكون إلا بأسنان فلو أدخلت المفتاح وهو خشبة لتفتح به الباب لم يفتح إلا بأسنان وأسنانها الأعمال الصالحة ولهذا كان القول الراجح المؤيد بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والنظر الصحيح أن تارك الصلاة تركاً مطلقاً كافر كفراً أكبر مخرجاً عن الملة ولو اعتقد وجوبها وفرضيتها وقد بينا في غير هذه الحلقة الأدلة من القرآن والسنة وأقوال الصحابة والنظر الصحيح على كفر تارك الصلاة كفراً أكبر مخرجاً عن الملة وأنه يترتب على ذلك أحكام دنيوية وأحكام أخروية فليحذر المسلم أن يرتد كافراً بعد إسلامه بتركه الصلاة تهاوناً فماذا بقي معه من الإسلام إذا ترك الصلاة لا يمكن لإنسان أن يحافظ على ترك الصلاة وفي قلبه إيمان أبداً وهو يعرف مقدار الصلاة في الإسلام وأهميتها عند الله وأن الله فرضها على رسوله في السماوات العلا وفرضها خمسين صلاة ثم جعلها خمس صلوات بالفعل لكنها خمسون في الميزان وما ورد فيها من الفضائل والثواب حتى إن الله تعالى يبتدئ الأعمال الصالحة بها ويختمها بها كما في سورة المؤمنون (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) إلى قوله (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) وفي سورة المعارج (إِلاَّ الْمُصلىنَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ ?) إلى قوله (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) فتبدأ الأعمال بها وتختم بها وفضائلها كثيرة لا يتسع المقام لذكرها فكيف يقال إن أحداً يعلم بهذا أو بعضه ثم يحافظ على تركها ولا يصلى أبداً كيف يقال إنه مسلم.
***
стр. 869
سورة الإسراء
стр. 870
أسعد ع. م. من جمهورية مصر العربية يقول ما معنى قوله تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) الآية وكيف كانت صفة الإسراء بالنبي ﷺ من مكة إلى بيت المقدس ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معنى هذه الآية الكريمة أن الله تعالى يسبح نفسه عن كل نقص وعيب فإن سبحان اسم مصدر من سبح يسبح والتسبيح هو التنزيه والله منزه عن كل نقص وعيب منزه عن مماثلة المخلوقين منزه عن الأنداد قال الله تعالى (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) وقال تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) وقد أسرى الله تعالى بعبده محمد ﷺ من المسجد الحرام مسجد الكعبة الذي بمكة المكرمة ليلاً إلى المسجد الأقصى الذي في فلسطين في القدس وكيفية الإسراء أن جبريل ﵊ أتى إلى النبي ﷺ بدابة يقال لها البراق دون البغل وفوق الحمار يضع خطوه في منتهى بصره بمعنى أن خطوته بعيدة جداً تكون بقدر منتهى بصره فوصل النبي ﵊ إلى بيت المقدس ثم عرج به من هناك إلى السماء الدنيا بصحبة جبريل ولما بلغ السماء استفتح جبريل فقيل له من هذا فقال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحباً به فنعم المجيء جاء ثم ما زال جبريل يعرج به سماء بعد سماء حتى وصل إلى السماء السابعة فوجد فيها إبراهيم الخليل ﵊ وهناك رفعه الله أي رفع الله نبيه محمداً ﷺ حتى بلغ سدرة المنتهى وفرض الله عليه الصلوات خمسين صلاة كل يوم وليلة فقبل واستسلم ﵊ حتى نزل راجعاً فمر بموسى فأخبره بما فرض الله عليه وعلى أمته من الصلوات فقال إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك واسأله التخفيف فما زال النبي ﵊ يراجع الله ويسأله التخفيف حتى صارت الصلوات الخمسون خمس صلوات بالفعل لكنها في الميزان خمسون صلاة ثم رجع النبي ﷺ من ليلته إلى مكة واختلفت الروايات هل صلى الفجر في مكة أو صلى في بيت المقدس وأصبح النبي ﷺ يحدث الناس به فاتخذت قريش من ذلك فرصة لإظهار كذب النبي ﷺ وقالوا كيف يمكن ذلك ولكن النبي ﷺ ألقمهم حجراً حين قالوا إن كنت صادقاً فصف لنا بيت المقدس فرفع جبريل له بيت المقدس حتى كأن النبي ﷺ يشاهده فيصفه لقريش فألقموا حجراً بتكذيبهم النبي ﷺ وتبين بذلك صدق النبي ﷺ وأما قوله (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) فهذا بيان للحكمة من الإسراء برسول الله ﷺ أن الله يريه من آياته العظيمة الدالة على قدرته وحكمته وتمام سلطانه وقد رأى من آيات ربه الكبرى ما يكون عبرة للمعتبرين وقوله (إنه هو السميع البصير) يعني إن الله تعالى هو السميع البصير الذي وسع سمعه كل صوت قالت عائشة ﵂ حين أنزل الله تعالى (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) قالت ﵂ تبارك الذي وسع سمعه الأصوات والله إني لفي طرف الحجرة وإنه ليخفي علي بعض حديثها والرب على عرشه فوق سبع سماوات يسمع كلام هذه المرأة التي تجادل النبي ﷺ في زوجها وتشتكي إلى الله فهو يسمع كل صوت وإن كان خفياً قال الله تعالى (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) وإذا آمن الإنسان بهذه الصفة العظيمة صفة السمع فإن إيمانه بذلك يقتضي أن لا يُسمع الله تعالى ما يكون سبباًَ لغضبه على عبده وأما قوله البصير فالبصير معناه الذي أدرك بصره كل شيء وهو قد جمع بين هاتين الصفتين السمع والبصر وهما من كمال صفاته جل وعلا فما من شيء إلا والله يراه وإن دق وخفي.
***
стр. 871
يقول السائل مامعنى قوله تعالى (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الطائر هنا بمعنى العمل يعني كل إنسان ألزمه الله عمله (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه) وفي يوم القيامة يخرج الله له كتاباً يلقاه منشورا أي مفتوحاً يقرؤه ويسهل عليه قراءته هذا الكتاب قد كتبت فيه أعماله كما قال تعالى (كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَاماً كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) وقال تعالى (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) فهذا المكتوب يخرج يوم القيامة في كتاب يقرؤه الإنسان ويقال له اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا قال بعض السلف والله لقد أنصفك من جعلك حسيباً على نفسك يعني أنه قال للإنسان هذا الكتاب كتب عليك حاسب نفسك أنت هل عملت خيراً فتجازى به أو عملت شراً فتجازى به إذن المراد بالطائر هو العمل.
***
стр. 872
يقول السائل مامعنى الآية الكريمة (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: معناها أن الله نهى الإنسان أن يجعل يده مغلولة إلى عنقه وهذا يعني لا تقبض اليد وتغلها إلى عنقك فتمنع من البذل الواجب أو المستحب فتكون بخيلا ولا تبسطها كل البسط فتمدها وتبذل المال في غير وجهه وذلك أن الناس في الإنفاق ينقسمون إلى ثلاثة أقسام
قسم مقتر.
وقسم مبذر.
وقسم متوسط.
والثالث منهم هو الذي على الحق وعلى الهدى ولهذا امتدحهم الله في قوله (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) .
***
стр. 873
ما معنى الآية الكريمة (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ينهى الله عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق والنفس التي حرم الله قتلها أربعة أصناف المسلم والذمي والمعاهد والمستأمن هؤلاء أربعةٌ من الناس نفوسهم معصومة لا يجوز لأحدٍ أن يعتدي عليهم قال الله تعالى (إِلاَّ بِالْحَقِّ) يعني إذا قتلتم النفس التي حرم الله بالحق كالقصاص مثلاً فإن ذلك جائز قال الله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) ... الخ وقوله تعالى (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً) يعني أن الإنسان إذا قتل ظلماً فلوليه أي ولي المقتول أن يقتل القاتل والسلطان هنا يشمل السلطان الكوني والقدري الشرعي أما الشرعي فهو ما أباحه الله تعالى من القصاص وأما القدري فإن الغالب أن القاتل لا بد أن يقتل لا بد أن يعثر عليه ويقتل ومن أمثال العامة السائرة قولهم القاتل مقتول يعني لا بد أن الله تعالى يسلط عليه حتى يعثر عليه ويقتل وقوله (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) أي فلا يسرف ولي المقتول في القتل أي في قتل القاتل بل يقتله كما قتل هو المقتول الأول وبه نعرف أنه يقتص من القاتل بمثل ما قتل فمثلاً إذا قتله بالذبح ذبحناه وإذا قتله بالرصاص رميناه بالرصاص وإذا قتله برض رأسه بين حجرين رضضنا رأسه بين حجرين وهكذا وليعلم أن القصاص لا يستوفى إلا بحضرة السلطان ولي الأمر أو من ينيبه لئلا يعتدي أولياء المقتول في القصاص.
***
стр. 874
م. ن. أ. من العراق يقول ما معنى قوله تعالى (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً) وما المراد بالعمى في الآية ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: المراد بالعمى في الآية عمى البصيرة يعني فمن كان في هذه الدنيا أعمى عن الحق لا يبصره ولا يلتفت إليه ولا يقبل عليه فإنه في الآخرة يكون أشد عمىً وأضل سبيلاً فلا يهتدي إلى طريق أهل الجنة وإنما يكون مصيره النار والعياذ بالله.
***
стр. 875
في سورة الإسراء أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) كم عدد ركعات التهجد والنفل ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: التهجد هو قيام الليل (وكان رسول الله ﷺ لا يزيد في قيام الليل على إحدى عشرة ركعة لا في رمضان ولا في غيره وربما صلى ثلاث عشرة ركعة) هذا هو العدد الذي ينبغي للإنسان أن يقتصر عليه ولكن مع تطويل القراءة والركوع والسجود فقد كان رسول الله ﷺ يطيل القراءة في صلاة الليل كما جاء ذلك في حديث حذيفة وحديث عبد الله بن مسعود ﵄ (فقد روى حذيفة ﵁ أنه صلى مع النبي ﵌ ذات ليلة فقرأ بسورة البقرة ثم بسورة النساء ثم بسورة آل عمران) (وكذلك صلى معه ابن مسعود ﵁ ذات ليلة فقام طويلاً حتى قال عبد الله بن مسعود لقد هممت بأمر سوء قالوا بم هممت يا أبا عبد الرحمن قال هممت أن أجلس وأدعه) فهذا يدل على أن النبي ﷺ يطيل في صلاة الليل وهذا هو الأفضل وهو السنة فإن كان يشق عليه أي على الإنسان أن يطيل فليصل ما استطاع وأما النفل فإن التهجد من النفل لأن النفل في الأصل هو الزيادة وكل تطوع في العبادة من صلاة أو صيام أو صدقة أو حج فهو نافلة لأنه زائد على ما أوجب الله على العبد وليعلم أن التطوع تكمل به الفرائض يوم القيامة فالتطوع في الصلاة تكمل به فريضة الصلاة والتطوع في الصدقة تكمل به الزكاة والتطوع في الصيام تكمل به صيام رمضان والتطوع في الحج تكمل به الحج لأن الإنسان لا يخلو من نقص في أداء ما أوجب الله عليه من العبادات فشرع الله تعالى له هذه النوافل رحمة به وإحساناً إليه والله ذو الفضل العظيم.
***
стр. 876
عامر جودي حربي من العراق بغداد يقول من خلال قراءتي للقرآن الكريم وتكراره تبين لي أنه قد ورد ذكر النفس بكثرة في عدة سورٍ من القرآن بينما ذكر الروح لم يكن بتلك الكثرة والروح التي يراد بها روح الإنسان لم ترد إلا مرةً واحدة في قوله تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) فهل هناك فرق بين الروح والنفس وما هو ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الروح في الغالب تطلق على ما به حياة سواءٌ كان ذلك حساً أو معنى فالقرآن يسمى روحاً لقوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا) لأن به حياة القلوب بالعلم والإيمان والروح التي يحيا بها البدن تسمى روحاً كما في الآية التي ذكرها السائل (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) أما النفس فتطلق على ما تطلق عليه الروح كثيراً كما في قوله تعالى (اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) وقد تطلق النفس على الإنسان نفسه فيقال مثلاً هذا جاء فلان نفسه وكلمني نفس فلان وما أشبه ذلك فتكون بمعنى الذات فهما يفترقان أحياناً ويتفقان أحياناً بحسب السياق وينبغي من هذا أن يعلم أن الكلمات إنما يتحدد معناها بسياقها فقد تكون الكلمة الواحدة لها معنىً في سياق ومعنىً آخر في سياق فالقرية مثلاً تطلق أحياناً على نفس المساكن وتطلق أحياناً على الساكن نفسه ففي قوله تعالى عن الملائكة الذين جاؤوا إبراهيم (إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ) المراد بالقرية هنا المساكن وفي قوله تعالى (وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً) المراد بها الساكن وفي قوله تعالى (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) المراد بها المساكن وفي قوله (وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا) المراد بها الساكن فالمهم أن الكلمات إنما يتحدد معناها بسياقها وبحسب ما تضاف إليه وبهذه القاعدة المهمة المفيدة يتبين لنا رجحان ما ذهب إليه كثيرٌ من أهل العلم من أن القرآن الكريم ليس فيه مجاز وأن جميع الكلمات التي في القرآن كلها حقيقة لأن الحقيقة هي التي يدل عليها سياق الكلام بأي صيغةٍ كان فإذا كان الأمر كذلك تبين لنا بطلان قول من يقول إن في القرآن مجازاً وقد كتب في هذا أهل العلم وبينوه ومن أبين ما يجعل هذا القول صواباً أن من علامات المجاز صحة نفيه بمعنى أن تنفيه وتقول هذا ليس هذا وهذا لا يمكن أن يكون في القرآن فلا يمكن لأحدٍ أن ينفي شيئاً مما ذكره الله تعالى في القرآن.
***
стр. 877
من الأحساء وردتنا هذه الرسالة، مرسلها عبد الرحمن بن يوسف الواصلى يقول: أنا شاب مسلم ولكن في بعض الأحيان أفكر تفكيراً أخشى منه، فقد عرفت أن القرآن يزيد المؤمن إيماناً ويزيد الكافر كفراً وعصياناً، ثم أجلس وأقول أليس القرآن واحداً والإنسان أصله واحد، فكيف يحصل هذا التناقض أرجو إقناعي مع ضرب الأمثلة للتقريب، وفقكم الله ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: ما ذكره السائل من كون القرآن يزيد المؤمن إيماناً ولا يزيد الظالمين إلا خساراً، هذا صحيح دل عليه الأمر الواقع كما نطق به القرآن، أما الأمر الواقع فوجه ذلك أن المؤمن إذا قرأ القرآن واعتبر بما فيه من مواعظ وقصص وصدق الأخبار واعتبر بالقصص وامتثل للأحكام ازداد بذلك إيمانه بلا شك، والكافر أو المتمرد إذا قرأ القرآن فإنه يكذب بالخبر، أو يشك فيه، ولا يعتبر بالقصص ويرى أنها أساطير الأولين، وكذلك في الأحكام لا يمتثل لأمر، ولا ينزجر عن النهي وكل هذا من موجبات نقص الإيمان، فينقص إيمانه ويزداد خساراً لأن القرآن كما قال النبي ﷺ (حجة لك أو عليك) هذا مثال يوضح كيف يزيد إيمان المؤمن بالقرآن وكيف يزيد الظالمين خساراً
أما الأمثلة على ذلك من الأمور الحسية فإننا نرى صاحب الجسم السليم يأكل هذا النوع من الطعام فينتفع به جسمه وينمو ويزداد ويأكله صاحب العلة الذي في جسده مرض فيزيد علته وربما يهلكه ويقتله، مع أن الطعام واحد ومع ذلك اختلف تأثيره بحسب المحل، وكذلك القرآن واحد ويختلف تأثيره بحسب المحل.
***
стр. 878
ما معنى قوله (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا) ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الآية نزلت في النبي ﵊ وهو في مكة حين كان يقرأ القرآن ويرفع صوته بذلك فلحقه بهذا أذى من قريش فأنزل الله عليه هذه الآية (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً) فأرشده الله إلى ما فيه الخير والسلامة من أذى هؤلاء المشركين وقال لا تجهر بصلاتك الجهر الذي يحصل به أذية عليك ولا تخافت بها المخافتة التي تفوت بها المصلحة بل اجعل هذا وسطاً بين ما تحصل به الأذية وبين ما تحصل به المصلحة فلا تجهر الجهر الذي يؤذي ولا تخافت المخافتة التي يفوت بها أو التي تفوت بها المصلحة.
***
стр. 879
سورة الكهف
стр. 880
يقول السائل ماحكم قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وهل يداوم الإنسان على قراءة هذه السورة أم لا ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: قراءة سورة الكهف يوم الجمعة سنة وفيها أجر والمداومة على ذلك سنة لأنها من الأمور المشروعة في يوم الجمعة فهي كالمداومة على التبكير يوم الجمعة وعلى ما يسن يوم الجمعة.
***
следующие страницы →