Полный текст (1 982 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ومثل ذلك " من كلامهم ": بنو فلانٍ يَطَؤُهم الطريقُ، يريد: يَطَؤُهم أهلُ الطريق. وقالوا: صِدْنَا قَنَوَيْنِ، وإنّما يريد صدنا بقَنَوَيْنِ، أو صِدنا وحَش قنوينِ، وإنَّما قنَوَانِ اسمُ أرضٍ.
ومثُله في السعة: أنت أكرم على من أَضربَك، وأنت أَنكدُ من أَن تَتْرُكَه. إنّما يريد: أنت أَكرمُ علَّى من صاحب الضَّربِ، وأنت أَنكدُ من صاحب تَرْكِه؛ لأنَّ قولك: أَنْ أضربك وأن تتركه، هو الضَّرْبُ والتَّرْكُ، لأنّ أَن اسمٌ، وتتركَه " وأَضربكَ " من صلته، كما تقول: يَسوءُنى أَنْ أَضربك، أى يَسوءُنىٍ ضَرْبُك، وليس يريد: أنت أَكرمُ علَّى من الضرب، ولكن أَكرَمُ علىَّ من صاحب الضربِ.
وقال الجعدىّ:
стр. 212
كأنّ عَذِيرهَم بجُنوبِ سِلَّى ... نَعامٌ قاقَ فى بَلَدٍ قِفارِ
العَذير: الصوت. ومن ذلك قولُ عامرِ بن الطُّفيل:
فَلأَبَغِيَنّكُمُ قَناً وعُوارِضاً ... وَلأُقْبِلنَّ الخيل لابة ضرغد
إنما يريد: عذير نعام. وقَناً وعُوارض، يريد بقَناً وعُوارض، ولكنّه حَذَفَ وأَوصَلَ الفعلَ.
" ومن ذلك قول ساعدة:
لدن بهز الكفيعسل مَتنُه ... فيه كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ
يريد: فى الطريق ".
ومن ذلك قولهم: أكلتُ أرضِ كذا وكذا وأكلتُ بلدةَ كذا وكذا، إنما أراد أصاب من خيرها وأكلَ من ذلك وشرب. وهذا الكلام كثير، منه
стр. 213
ما مضى، وهو أكثر من أحصيَه. ومنه ما ستراه أيضاً فيما يستقبَل إن شاء الله.
ومنه قولُهم: " هذهِ الظُّهْرُ أو العَصرُ أو المغرب "، إنّما يريد صلاةَ هذا الوقت. و " اجتمع القَيْظُ "، يريد: اجتَمع الناسُ فى القيظ. وقال الحُطَيئة:
وشرُّ المَنَايا مَيَّتٌ بين أَهلِه ... كهُلْكِ الفَتَى قد أَسْلَمَ الحَىَّ حاضِرُهْ
يريد: مَنيّةُ مَيَّتٍ.
وقال النابغةُ الجعدىّ:
وكيف تُواصِلُ مَنْ أصبحت ... خلالته كأبي مرحب
стр. 214
يريد: كخلالة أبي مرحب.
باب وُقوع الأسماء ظُروفا
وتصحيح اللفظ على المعنى
فمن ذلك قولك: متى يُسارُ عليه؟ وهو يجعله ظرفاً. فيقولُ: اليومَ أو غداً، أو بعد غدٍ أو يومَ الجمعة. وتقول: متى سِيرَ عليه؟ فيقول: أَمْسِ أَوْ أَوّلَ من أَمسِ، فيكونُ ظرفاً، على أنه كان السير في ساعة دونَ سائر ساعات اليوم، أو حين دون سائر أحيانِ اليوم. ويكونُ أيضاً على أنه يكون السَّيرُ فى اليوم كلَّه، لأنَّك قد تقول: سِيرَ عليه فى اليوم ويُسارُ عليه فى يوم الجمعة، والسَّيرُ كان فيه كلَّه.
وقد تقول: سِيرَ عليه اليومُ، فترفعُ وأنت تعنى فى بعضِه، كما تقول فى سعة الكلام: الليلةُ الهلالُ، وإنَّما الهلالُ فى بعض الليلة، وإنَّما أراد الليلةُ ليلةُ الهلالِ، ولكنه اتَّسع وأَوجز. وكذلك أيضاً هذا كلُّه، " كأنّه قال: سِيرَ عليه سَيْرُ اليوم. والرفعُ فى جميع هذا عربىّ كثير فى جميع لغات العرب، على ما ذكرتُ لك من سعة الكلام والإِيجاز، يكونُ على كَمْ غيرَ ظرف وعلى مَتَى غيرَ ظرف ". كأَنّه قال: أىُّ الأَحيان سيرَ عليه أو يُسارُ عليه.
وممَّا لا يكون العملُ فيه من الظروف إلاَّ متّصِلا فى الظّرف كلَّه، قولك: سير عليه الليلَ والنهارَ، والدَّهرَ، والأَبدَ. وهذا جوابٌ لقوله: كم سير عليه؟ إذا جعلَه ظرفا، لأنه يريد: فى كَمْ سِيرَ عليه. فتقول مجيباً له: الليلَ ولنهار " والدهر " والأبد، علة معنى فى الليل والنهار وفى الأبد.
ويدلُّك على أنه لا يكون أن يجعل العمل فيه فى يومٍ دونَ الأيّام
стр. 215
وفى ساعة دون الساعات، أنَّك لا تقول: لقيتُه الدهرَ " والأبدَ، وأنت تريد يوماً منه، ولا لقيته الليل وأنت تريد لقاءهفي ساعةٍ دون الساعات، وكذلك النَّهارُ، إلاّ أن تريد سير عليه الدهرَ أَجمعَ والليلَ " كلَّه، على التكثير. وإنْ لم تَجعله ظرفاً فهو عربىٌّ كثيرٌ فى كلامهم. وإنَّما جاء هذا على جوابِ كَمْ، لأنَّه جَعَله على عدّة الأيَّام واللَّيالى، فجرى على جواب ما هو للعدد، كأنه قال: سِيرَ عليه عدّةُ الأيّام، أو عدّةُ الليالى.
ومن ذلك، " مما يكون متّصِلا "، قولك: سِيرَ عليه يومَيْنِ، " أو ثلاثةَ أيامٍ، لأنَّه عددٌ. ألا ترى أنَّه لا يجوز أن تجعله ظرفاً وتجعلَ اللقاءَ فى أحدهما دون الآخَر. ولو قلت: سِير عليه المؤمنين "، وأنت تعنى أنّ السيرَ كان فى أحدهما، ولم يجز. هذا على أن تَجعل كَمْ ظرفا وغير ظرف.
وأمّا متى فإِنَّما تريد " بها " أن يوُقِّتَ لك وقتا ولا تريد بها عدداً، فإِنما الجوابُ " فيه ": اليومَ أو يومَ كذا، أو شهرَ كذا أو سنَة كذا، أو الآنَ، أو حينَئذٍ وأَشباهُ هذا.
ومما أُجرِى مجرى " الأبد " والدَّهر واللَّيل والنهار: المحرَّمُ وصَفَرٌ " وجُمادَى "، وسائرُ أََسماء الشُّهور إلى ذى الحجة؛ لأنهم جعلوهن جملة واحدة لعِدّة أيّام، كأنّهم قالوا: سيرَ عليه الثلاثون يوماً. ولو قلت: شهرُ رمضانَ أو شهر ذي الحجة لكان بمنزلة يوم الجمعة والبارحةِ والليلةِ،
стр. 216
ولصار جوابَ مَتَى. وجميعُ ما ذكرت لك مما يكون على مَتى، يكون مجرًى على كَمْ ظرفا وغيرَ ظرف.
وبعضُ ما يكون فى كَمْ لا يكون فى مَتَى، نحوُ اللَّيلَ " والنَّهارَ " والدَّهرَ؛ لأنَّ كَمْ " هو " الأوّلُ فجُعلَ الأخِرُ تَبَعاً له. ولا يكون الدَّهرُ واللَّيل والنهار إلا على العِدّة، جوابا لكَمْ.
وتقول: سيرَ عليه الليلُ، تعنى ليلَ ليلتك، وتَجرى على الأصل. كما تقول فى الدهر: سيرَ عليه الدَّهرُ، وإنما تعنى بعضَ الدهر، ولكنَّه يكثَّر. كما يقول الرجلُ: جاءنى أهلُ الدنيا، وعسى أن لا يكونَ جاءه إلا خمسة، فاستَكثرهم.
وكذلك شَهْرَا ربيعٍ، حين ثنّيتَ جاء على العدد عندهم، لا يجوز أن تقول: يَضرب شَهْرَى ربيعٍ، وأنت تريد فى أحدهما، كما لا يجوز لك فى اليومينِ وأَشباهِهما. فليس لك فى هذه الأشياءِ إلاّ أَنْ تُجْرِيَهَا على ما أَجروها، ولا يجوز لك أن تريد بالحرف إلا ما أرادوا.
стр. 217
وتقول: ذهبتُ الشتاءَ ويضربُ الشتاء. وسمعنا العربَ الفصحاءَ يقولون: انطلقتُ الصَّيفَ، أَجروه على جواب مَتَى، لأنَّه أَراد أن يقول فى ذلك الوقتِ، ولم يُرِد العددَ وجوابَ كَم.
وقال ابن الرِّقاع:
فقُصِرْنَ الشتَّاءَ بعدُ عليه ... وَهوَ للذَّوْدِ أَنْ يُقَسَّمْنَ جارُ
فهذا يكون على مَتَى ويكون على كَمْ، ظرفينِ وغيرَ ظرفينِ.
واعلم أنّ الظُّروف من الأَماكنِ مثل الظروف من اللَّيالى والأَيَّام، فى الاختصار وسعة الكلام.
فمن ذلك أن يقول: كَمْ سيرَ عليه من الأرض؟ فتقول: فرسخان أو ميلان أو بريدان، كما قالت: يومانِ. وكذلك لو قال: كَمْ صِيدَ عليه من الأرض؟ يجرى " على " هذا المجرى. وإن شئتَ نَصبت وجعلت كَمْ ظرفا، كما فعلت ذلك فى اليومينِ، " فلا يكون ظرفا وغيرَ ظرف إلاّ على كَمْ، لأنّه عددٌ كما كان ذلك فى اليومينِ ".
ونظيرُ مَتَى من الأَماكن: " أَيْنَ ". ولا يكون أَيْنَ إلاَّ للأَماكن، كما
стр. 218
لا يكون مَتَى إلاّ للأَيام والليالى. فإِن قلت: أَيْنَ سيرَ عليه؟ قال: سِير عليه مكانُ كذا وكذا، وسيرَ عليه المكان الذى تَعلم، فهو بمنزلة قوله: يومُ كذا وكذا، واليومُ الذى تَعلم. فأَجْرِ " كَمْ " فى الأَماكن مُجراها فى الأيّام والليالى، وأَجْر أَيْنَ فى الأَماكن مجرى مَتَى فى الأيّام.
ويقال: أين سير عليه؟ فتقول: خَلْفَ دارك وفوقَ دارك. فإِنْ لم تَجعله ظرفا وجعلتَه على سعة الكلام رفعته على " أَنّ " كَمْ غيرُ ظرف، وعلى " أنّ " أين غيرُ ظرف، كما فعلت ذلك فى مَتَى.
وتقول سير عليه ليلٌ طويلٌ وسير عليه نهارٌ طويل، وإن لم تَذكر الصفةَ وأردتَ هذا المعنى رَفعتَ، إلاّ أنَّ الصفة تبيَّن بها معنى الرفع وتُوَضَّحُه، وإن شئت نصبت على نصبِ اللّيل والنهار ورمضانَ.
وتقول: سير عليه يومٌ فترفُعه على حدّ قولك: يومانِ " وتَنصبهُ عليه ". وإن شئت قلت: سير عليه يوم أتانا فيه فلان، كأنّه قال: متى سير عليه؟ فيقول: يوماً كنتَ فيه عندنا. فهذا يحسن فيه على مَتَى، ويصير بمنزلة يومَ كذا وكذا؛ لأنك قد وقته وعرفته بشيء.
وتقول: سير عليه غُدْوَةُ يا فَتى وبُكْرةُ، فترفع على مثل ما رفعتَ ما ذكرنا. والنصبُ فيه على ذلك، لأنك قد تُجريه وإن لم يتَصرَّف مُجْرَى يومِ الجمعةِ، تقول: مَوْعِدُك غُدْوةُ أو بُكْرةُ فترفع على مثل ما رفعتَ ما ذكرنا، والنصبُ فيه على ذلك.
وتقول: ما لقيتُه مذْ غدوةُ أو بكرُة، وكذلك: غداُة أَمْسِ وصبَاحُ
стр. 219
يوم الجمعة والعشّيةُ وعشيّة يوم الجمعة ومَساءُ ليلة الجمعة. وتقول: سير عليه حِينَئِذٍ ويَوْمَئِذٍ، والنصب على ما ذكرت لك.
وكذلك: نِصفُ النَّهار، لأنك قد تقول فى هذا: بعد نصفِ النهار، وموعدُك نصفُ النهار.
وكذلك، سَواءُ النَّهار، لأنّك تقول: هذا سواءُ النهارِ، إذا أردت وسطه، كما تقول: هذا نصفُ النهار.
وأما سَراةُ اليوم فبمنزلة أوّل اليوم.
وتقول: سير عليه ضَحْوَةٌ من الضَّحَوات، إذا لم تَعْنِ ضَحْوةَ يومِك، لأنَّها بمنزلة قولك: ساعة من الّساعات. وكذلك قولك: سير عليه عَتَمَة من الليل، لأنك تقول: أتانا بعد ما ذهبتْ عَتَمَةٌ من الليل.
وتقول: قد مُضِىَ لذلك ضَحْوَةٌ وضحوةً، والنصب فيه وجهُه على ما مَضَى.
وتقول فى الأماكن: سِيرَ عليه ذاتُ اليَمينِ وذاتُ الشَّمالِ، لأنك تقول: دارهُ ذاتُ اليمين وذاتُ الشمال. والنصب على ما ذكرت لك.
وتقول: سير عليه أَيْمُنٌ وأَشمُلٌ، وسير عليه اليَمينُ والشَّمالُ، لأنه يَتَمكن. تقول: على اليمين وعلى الشمالُ، ودارك اليمين ودارك الشمال. وقال أبو النجم:
يأتي لها من أَيْمُنٍ وأشمل
стр. 220
وإن شئت جعلته ظرفاً كما قال عمرو بن كُلْثُومٍ:
وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَميناَ
ومثل ذاتَ اليمين وذاتَ الشَّمال: شَرْقىُّ الدار وغَرْبىُّ الدارِ، تجعلُه ظرفا وغيرَ ظرف. قال جرير:
هبت جنوبا فذكرى ما ذكرتكم ... عند الصفاة التى شَرْقِىَّ حَوْرَاناَ
وقال بعضُهم: دارهُ شَرقىُّ المسجدِ.
ومثلُ: مجراها اليَميناَ. قوله: البُقولُ يمينَها وشِمالَها.
هذا باب
ما يكون فيه المصدرُ حِيناً لسعة الكلام
والاختصار
وذلك قولك: مَتَى سير عليه؟ فيقول الحاج، وخفوق النجم، وخلافة فلانس، وصَلاةَ العَصْر. فإِنَّما هو: زَمَنَ مَقْدمِ الحاجَّ، وحينَ خُفوقِ النجم، ولكنَّه على سعة الكلام والاختصار.
стр. 221
وإن قال: كَمْ سيرَ عليه، فكذلك.
وإن رفعته أجمع كان عربياً كثيراص. وينتصب على أن تَجعل كَمْ ظَرْفا. وليس هذا فى سعة الكلام والاختصار بأَبعدَ من: صيد عليه يومان، وولد له ستون عاما.
وتقول: سير عليه فرسخانِ يومَيْنِ، لأنَّك شغلت الفعلَ بالفرسخَيْنِ، فصار كقولك: سير عليه بَعيرُك يومَيْنِ. وإن شئت قلت: سير عليه فرسخَيْنِ يومانِ، أيُّهما رفعتَه صار الآخَرُ ظرفا. وإن شئت نصبته على الفعل فى سعة الكلام لا على الظَّرف، كما جاز: يا ضارِبَ اليوم زيدا، أوْ يا سائرَ اليومِ فرسخَينِ.
وتقول: صِيدَ عليه يومَ الجُمُعةِ غُدوةُ يا فتى، وإن شئتَ جعلته ظرفاً؛ لأنّك كأنَّك قلت: السَّيْرُ فى يوم الجُمُعة فى هذه الساعة. وإن شئت قلت: سير عليه الجُمُعَةِ غُدوةَ، كما تقول: سيرَ عليه يومُ الجُمُعة صَباحاً، أى سيرَ عليه يومُ الجمعة فى هذه الساعة. وإنَّما المعنى كان ابتداءُ السَّير فى هذه الساعة.
ومثلُ ذلك: ما لقِيتُه مُذْ يومِ الجمعة صَباحاً، أى فى هذه الساعة، وإنّما معناه أنَّه فى هذه الساعة وقَعَ الَّلقاءُ، كما كان ذلك فى: سِيرَ عليه يومُ الجمعة غدوةَ.
وتقول: سيرَ عليه يومُ الجمعة غدوةُ، تجعل غدوةُ بَدَلا من اليوم، كما تقول: ضُرِبَ القومُ بعضُهم.
стр. 222
وتقول: إذا كان غد فأتى، وإذا كان يومُ الجمعة فالْقَنى؛ فالفعل لغدٍ واليوم، كقولك: إذا غد فأتى. وإن شئت قلت: إذا كان غداً فأتى، وهى لغة بنى تميم، والمعنى أَنّه لقى رجلا فقال له: إذا كان ما نحن عليه من السَّلامة أو كان ما نحن عليه من البلاء في غد فأتى، ولكنَّهم أَضمروا استخفافاً، لكثرةِ كانَ فى كلامهم، لأنَّه الأصلُ لما مَضى وما سَيَقَعُ. وحذفوا كما قالوا: حِينَئِذٍ الآنَ، وإنّما يريد: حينئذٍ واسْمَعْ إلىَّ الآنَ، فحَذَفَ واسمعْ، كما قال: تالله ما رأيت كاليوم زجلاً، أى كرجلٍ أَراه اليومَ رَجُلاً.
وإنَّما أضمرُوا ما كان يقَع مُظهَرا استخفافاً، ولأن المخاطَب يعلم ما يعنى، فجرى بمنزلة المثل، كما تقول: لا عليكَ، وقد عَرَفَ المخاطبُ ما تعنى، أَنّه لا بأْسَ عليك، ولا ضَرَّ عليك، ولكنَّه حُذِف لكثرة هذا فى كلامهم. ولا يكون هذا في غير عليك.
وقد تقول: إذا كان غَداً فأْتِنى، كأنّه ذكر أمراً إمَّا خُصومًة وإمّا صُلحاً، فقال: إذا كان غداً فأْتِنى.
فهذا جائزٌ فى كلّ فِعْلٍ، لأنَّك إنما أَضمرتَ بعد ما ذكرتَ مظهَراً، والأوَّلُ محذوفٌ منه لفظُ المظهَر، وأضمروا استخفافاً.
فإِن قلت: إذا كان الليلَ فأتِنى، لم يَجُزْ ذلك، لأنَّ الليل لا يكون
стр. 223
ظرفاً إلاَّ أَنْ تَعْنِىَ الَّليلَ كلَّه على ما ذكرت لك من التكثير؛ فإِن وجَّهتَه على إضمار شيء قد ذكرتَ على ذلك الحدّ جاز، وكذلك: أخوات الليل.
ومما لا يسن فيه إلاّ النصبُ قولهم: سير عليه سَحَرَ، لا يكون فيه إلاّ أن يكون ظرفاً، لأنَّهم إنما يتكلّمون به فى الرفع والنصب والجرّ، بالألف واللام، يقولون: هذا السَّحَرُ، وبأَعلى السَّحرِ، وإنّ السَّحَرَ خيرٌ لك من أوّل الليل. إلاّ أن تَجعله نكرةً فتقولَ: سير عليه سَحَرٌ من الأسحار، لأنَه يَتمكّن فى الموضع. وكذاتحقيره إذا عنيت سَحَرَ ليلتِكَ، تقول: سيرَ عليه سُحَيْراً. ومثله: سير عليه ضُحىً، إذا عنيتَ ضُحَى يومِك، لأنَّهما لا يَتمكّنان من الجرّ فى هذا المعنى، لا تقول: موعدُك ضُحىً ولا عند ضُحىً ولا موعدُك سُحَيْرٌ، إلاَّ أن تنصبَ.
ومثل ذلك: صِيدَ عليه صَباحا، ومَساءً، وعشيّةً، وعِشاءً، إذا أردت عِشاء يومِك ومَساءَ ليلتك؛ لأنَّهم لم يَستعملوه على هذا المعنى إلاَّ ظرفا. ولو قلت: موعدُك مساءٌ، أو أتانا عند عشاءٍ، لم يحسُن.
ومثل ذلك: سير عليه ذاتَ مرةٍ، نصبٌ، لا يجوز إلاّ هذا. ألاَ ترى أنَّك لا تقول: إنَّ ذاتَ مرّةٍ كان موعدَهم، ولا تقولُ: إنَّما لك ذاتُ مرّةٍ، كما تقول: إنَّما لك يومٌ.
وكذلك: إنَّما يُسارُ عليه بُعَيْداتِ بَيْنٍ، لأنَّه بمنزلة ذاتِ مرّةٍ.
стр. 224
ومثل ذلك: سير عليه بَكَراً. ألا تَرى أنه لايجوز: موعدك بكراً، ولا مُذْ بَكَرٌ. فالبَكَرُ لا يَتمكّن فى يومك، كما لم يتمكن مرّة وبُعَيداتِ بَينٍ.
وكذلك: ضَحْوَةٌ فى يومك الذى أنت فيه، يجرى مجرى عشيّةِ يومِك الذى أنت فيه. وكذلك: سير " عليه " عَتَمةً، إذاأردت عتمةَ ليلتِك، كما تقول: صبَاحا ومساءً وبَكَراً.
وكذلك: سير عليه ذاتَ يومٍ، وسِيرَ عليه ذات ليلةٍ، بمنزلة ذاتَ مرةٍ.
وكذلك: سير عليه ليلاً ونهارا، إذا أردت ليلَ ليلِتك ونهارَ نهارِك، لأنَّه إنما يُجْرَى على قولك: سير عليه بََصراً، وسير عليه ظَلاما، إلاّ أن تريدَ " معنى " سير عليه ليلُ طويلُ ونهارُ طويلُ، فهو على ذلك الحدّ غيرُ متمكنَّ، وفى هذا الحال متمكنُ، كما أنَّ السَّحَرَ بالألف واللام متصرفُ في المواصع التى ذكرتُ، وبغَيْرِ الألف واللام غيرُ متمكَّن فيها.
وذو صباحٍ بمنزلة ذاتَ مرةٍ. تقول: سير عليه ذا صباحٍ، أَخبرَنا بذلك يونسُ عن العرب، إلا أنّه قد جاء فى لغةٍ لخَثْعَم مفارقا لذاتِ مرةٍ وذاتِ ليلةٍ. وأَمّا الجيّدةُ العربيّة فأن تكون بمنزلتها.
وقال رجل من خَثعَمٍ:
стр. 225
عزمت على إقامة ذي صباح ... لشيء مّا يسوَّدُ مَنْ يَسُودُ
فهو على هذه اللغة يجوز فيه الرفعُ.
وجميع ما ذكرنا من غير المتمكَّن إذا ابتدأتَ اسماً لم يجز أن تبنيَه عليه وترفعَ إلاَّ أَن تجعلَه ظرفا، وذلك قولك: موعدُك سُحَيراً، وموعدُك صباحا. ومثل ذلك: إنّه لَيُسارُ عليه صباحَ مَساءَ، إنما معناه صَبَاحاً ومَساءً، وليس يريد بقوله صباحا ومساءً صباحا واحداً ومساءً واحداً، ولكنه يريد صباحَ أَيّامه ومساءَها. فليس يجوز هذه الأسماءُ التى لم تتمكّنْ من المصادر التى وُضِعَتْ للحِين وغيرِها من الأسماء أن تُجْرَى مُجرى يوم الجمعة وخُفوقِ النجم ونحوِهما.
ومما يُختار فيه أن يكون ظرفاً ويقبُحُ أن يكون غيرَ ظرف، صفةُ الأحيان، تقول: سير عليه طويلاً، وسير عليه حديثا، وسير عليه كثيراً، وسير عليه قليلا، وسير عليه قديما. وإنّما نُصِبَ صفةُ الأَحيان على الظرف ولم يجز الرفعُ لأنَّ الصفَّة لا تقع مَواقِعَ الاسم، كما أنَّه لا يكون إلاّ حالا قولُه: أَلاَ ماءَ ولو بارداً، لأنه لو قال: ولو أتانى باردٌ، كان قبيحا. ولو قلت: آتيك بجيدٍ، كان قبيحا حتَّى تقولَ: بدِرْْهَمٍ جيّدٍ، وتقولَ: آتيك به جيّداً. فكما
стр. 226
لا تَقوى الصَّفةُ فى هذا إلاَّ حالاً أو تجري على اسم، كذلك هذه الصفة لا تجوز إلاَّ ظرفا أو تَجرِىَ على اسم. فإِنْ قلت: دهرٌ طويل، أي شيء كثيرٌ أو قليلٌ، حَسُنَ.
وقد يَحْسُنُ أن تقول: سير عليه قَريبٌ؛ لأَنك تقول: لقيتُه مُذْ قَريبٌ. والنصب عربىّ جيّد كثير.
وربَّما جرت الصفةُ فى كلامهم مجرى الاسم، فإِذا كان كذلك حَسُنَ. فمن ذلك: الأَبرقُ والأبطحُ وأَشباهُهما، ومن ذلك ملىٌ من النهار واللَّيل، تقول: سير عليه ملىٌ، والنصبُ فيه كالنصب فى قريبٍ.
ومما يبيَّن لك أنَّ الصفة لا يَقْوَى فيها إلاّ هذا، أنَّ سائلا لو سأَلَك فقال: هل سير عليه؟ لقلت: نَعَمْ سير عليه شديدا، وسير عليه حسناً. فالنصبُ فى هذا على أنَّه حال. وهو وجهُ الكلام، لأنَّه وصفُ السَّيْرِ. ولا يكون فيه الرفعُ لأنَّه لا يقع موقعَ ما كان اسماً. ولم يكن ظرفاً، لأنه ليس بحينٍ يقع فيه الأمرُ. إلاَّ أن تقول: سِيرَ عليه سَيْرٌ حسنٌ، أو سيرَ عليه سَيْرٌ شديدٌ. فإِن قلت: سيرَ عليه طويلٌ من الدهر وشديدٌ من السير، فأطلت الكلام ووصفتَ، كان أَحسنَ وأَقوى وجاز، ولا يَبلغ فى الحُسْن الأسماءَ. وإنَّما جاز حين وصفتَ وأَطلتَ، لأنَّه ضارَعَ الأسماءَ، لأنَّ الموصوفةَ فى الأصل هى الأسماءُ.
هذا باب ما يكون من المَصادر مفعولا
فيرتَفعُ كما يَنتصب إذا شغلت الفعل به، ويَنتصب إذا شغلتَ الفعل بغيره.
стр. 227
وإنما يجيء ذلك على أَن تبيَّنَ أَىَّ فعلٍ فعلتَ أو توكيدا.
فمن ذلك قولك على قول السائلِ: أََىَّ سَير سيرَ عليه؟ فتقول: سِيرَ عليه سَيْرٌ شديدٌ، وضُرِبَ به ضربٌ ضعيفٌ. فأَجريتَه مفعولا، والفعلُ له.
فإِن قلت: ضُرِبَ به ضَرْباً ضعيفاً، فقد شغلتَ الفعلَ بغيره عنه. ومثله: سير عليه سيراً شديداً. وكذلك إن أردتَ هذا المعنى ولم تَذْكر الصفَّة، تقول: سير عليه سيرٌ وضُرِبَ به ضربٌ، كأَنَّك قلت: سير عليه ضربٌ من السير، أو سير عليه شيء من السير.
وكذلك جميع المصادر تَرتفعُ على أفعالها إذا لم تشغَل الفعلَ بغيرها.
وتقول: سيرَ عليه أَيُّما سَيرٍ سَيْراً شديدا، كأَنك قلت: سير عليه بَعيرُك سَيرا شديدا.
وتقول: سيرَ عليه سَيرَتانِ أيَّما سَيرٍ، كأنك قلت: سير عليه بعيرُك أيَّما سيرٍ، فجرى مجرى ضرب زيد أيما ضرب، وضرب عمرو ضرباً شديدا.
وتقول على قول السائل: كَمْ ضَربةً ضرب به، وليس في هذا إضمار شيء سوى كَمْ والمفعولُ كَمْ، فتقول: ضُرِبَ به ضربتانِ، وسير عليه سَيْرتانِ، لأنه أراد أن يبيَّن له العدّةَ، فجرى على سعة الكلام والاختصار، وإنْ كانت الضربتانِ
стр. 228
لا تُضْربَان، وإنما المعنى: كَمْ ضُرِبَ الذى وقع به الضَّربَ من ضربةٍ، فأَجابه على هذا المعنى، ولكنه اتَّسع واختَصر.
وكذلك هذه المصادرُ التى عَمِلتْ فيها أَفعالُها إنما يُسألُ عن هذا المعنى، وكلنه يَتّسِعُ ويَخْزِلُ الذى يقع به الفعلُ اختصاراً واتّساعا. وقد عُلم أنَّ الضرب لا يُضرَبُ.
ومن ذلك: سير عليه خَرْجتانِ، وصِيدَ عليه مرّتانِ. وليس ذلك بأَبعدَ من قولك: وُلِدَ له ستّون عاماً.
وسمعتُ من أَثِقُ به من العرب يقول: بُسِطَ عليه مرّتانِ، وإنَّما يريد: بُسِطَ عليه العذابُ مرتّين.
وتقول: سير عليه طَورانِ: طَوْرٌ كذا وطَوْرٌ كذا، والنصبُ ضعيف جداً إذا ثنّيتَ كقولك: طورٌ كذا وطورٌ كذا. وقد يكون في هذا النصبُ إذا أَضمرتَ.
وقد تقول: سير عليه مرّتينِ، تجعله على الدَّهر، أىْ ظرفا. وتقول: سير عليه طَوْرَيْنِ، وتقول: ضُرِبَ به ضربتَيْنِ، أى قَدْرَ ضربتينِ من الساعات، كما تقول: سير عليه تَرْويحتَيْنِ. فهذا على الأحيان.
ومثل ذلك: انتُظر به نَحْرَ جَزُورَيْنِ، إنَّما جعله على الساعات، كما قال: مَقْدَمَ الحاجّ وخفُوقَ النجم، فكذلك جَعَلَه ظرفا. وقد يجوز فيه الرفع إذا شغلتَ به الفعل.
وإن جعلتَ المرّتينِ، وما أشبههما مثل السّيَر رفعتَ ونصبت إذا أضمرت.
стр. 229
ومما يجيء توكيداً ويُنْصَبُ قوله: سيرَ عليه سَيْراً، وانطُلِقَ به انطلاقا، وضُرِبَ به ضَربْا، فيُنْصَبُ على وجهينِ: أحدهُما على أنّه حال، على حدّ قولك: ذُهِبَ به مَشْياً وقُتِلَ به صَبْراً. وإن وصفتَه على هذا الحدّ كان نصباً، تقول: سيرَ به سيرا عَنيفاً، كما تقول: ذُهِبَ به مَشْياً عَنيفاً.
وإن شئت نصبتَه على إضمار فعلٍ آخرَ، ويكون بدلا من اللفظ بالفعل فتقول: سِير عليه سيراً وضُرب به ضَربا، كأنّك قلت بعد ما قلت: سِير عليه وضُرب به: يَسيرونَ سَيْرا ويَضربون ضَربا، ويَنطلقون انطلاقا، ولكنَّه صار المصدر بدلاً من اللفظ بالفعل، نحو يَضربون ويَنطلقون، وجرى على قوله: إنَّما أنت سَيْراً سَيْراً، وعلى قوله: الحَذَرَ الحذَرَ. وإنْ أنت قلت على هذا المعنى: سير عليه وضُرب به الضَّربَ جاز، على قوله: الحَذَرَ الحَذَرَ، وعلى ما جاء فيه الألفُ واللام نحوُ العِرَاك وكان بدلاً من اللفظ بالفعل، وهو عربىّ جيدَّ حسن.
ومثله: سِير عليه سيرَ البَريِد، وإن وصفتَ على هذه الحال لم يغيره الوصفُ كما لم يغيَّر الوصفُ ما كان حالاً.
ولا يجوز أن تُدْخِلَ الألفَ واللام فى السَّير إذا كان حالاً، كما لم يجز أن تقول: ذُهِبَ به المَشْىَ العَنيفَ وأنت تريد أن تجعله حالاً. قال الرَّاعى:
стр. 230
نَظَّارةً حِينَ تَعْلُو الشَّمسُ راكبَها ... طَرحاً بعَيْنَىْ لياحٍ فيه تَحْديدُ
فأَكّد بقوله طَرْحاً وشَدّد، لأنَّه يَعلم المخاطَبُ حين قال: نَظَّارةً أنها تطَرح.
وإن شئت قلت: سيرَ عليه السَّيرُ، كما قلت: سيرَ عليه سَيرٌ شديدٌ. وإنْ وصفتَه كان أقوى وأَبيَنَ، كما كان ذلك فى قوله: سيرَ عليه ليلٌ طويلٌ ونهارٌ طويلٌ.
وجميعُ ما يكون بدلاً من اللفظ بالفعل لا يكون إلاّ على فِعلٍ قد عَمِل فى الاسم، لأنك لا تَلْفِظُ بالفعل فارِغاً، فمن ثمَّ لم يكن فيه الرفعُ فى كلامهم، لأنَّه إنما يَعمَلُ فيه ما هو بمنزلة اللفظ به إلاَّ أنَّه صار كأَنه فِعْلٌ قد لُفِظَ به، فأَوْلَى ما عَمِلَ فيه ما هو بمنزلة اللفظ به.
ومما يسبق فيه الرفع لأنَّه يراد به أن يكون فى موضع غير المصدر قوله: قد خِيفَ منه خوفٌ، وقد قيل فى ذلك قول. إنَّما يريد: قد
стр. 231
خيف منه أمر أو شيء، وقد قيل فى ذلك خيرٌ أو شرٌ. ومثل هذا فى المعنى كان منه كونٌ، أى كان من ذلك أمرٌ. وإنْ حملتَه عليه السَّيرَ والضربَ فى التوكيد، حالاً وقع فيه الفعلُ، أو بدلاً من اللفظ بالفعل، نصبتَ.
وإن كان المَفْعَلُ مصدراً أُجرى مُجَرى ما ذكرنا من الضَّرب والسيرِ وسائرِ المَصادر التى ذكرنا؛ وذلك قولك: إنّ فى ألفِ درهمٍ لمَضرَبا، أى إن فيها لضرباً؛ فإِذا قلت: ضُرِبَ به ضَرباً، قلت: ضُرِبَ به مَضْربا، وإن رفعتَ رفعتَ.
ومثل ذلك: سُرَّحَ به مُسَرَّحاً، أى تسريحا. فالمُسَرَّحُ والتسريح بمنزلة الضَّرب والمَضرَب. قال جرير:
أَلَمْ تَعْلَم مُسَرَّحِىَ القَوافى ... فلا عِيًّا بهنّ ولا اجتلابَا
أى تسريحى القوافى.
وكذلك تَجرى المَعْصِيَةُ مجرى العِصيانِ، والمَوجِدة بمنزلة المصدر لو كان
стр. 232
الوَجْْدُ يُتكلم به.
قال الشاعر، وهو أبن أَحمرَ:
تَداركْنَ حيًّا من نُمَيْرِ بنِ عامرٍ ... أُسارَى تُسامُ الذُّلَّ قَتْلاً ومَحْرَبَا
فإِنْ قلت: ذُهِبَ به مذهبٌ، أو سُلِكَ به مَسْلَكٌ، رفعتَ لأنَّ المَفْعَلَ ههنا ليس بمنزلة الذَّهابِ والسُّلوكِ، وإنما هو الوجه الذى يُسْلَكُ فيه والمكانُ الذى يُذْهَبُ إليه، وإنَّما هو بمنزلة قولك: ذُهِبَ به السُّوقُ وسُلِكَ به الطريقُ.
وكذلك المَفعَل إذا كان حيناً، نحوُ قولهم: أتت الناقة على مضربها، أى على زمان ضرِابِها. وكذلك مَبعَثُ الجُيوش، تقول: سيرَ عليه مَبعَثُ الجيوش، ومَضْرِبُ الشَّوْلِ. قال حُمَيْدُ بن ثور:
стр. 233
وما هى إلاّ فى إزارٍ وعلقةٍ ... مُغارَ ابنِ هَمّامٍ على حَىَّ خَثْعَماً
فصَيَّرَ مُغاراً وقتاً، وهو ظرفٌ.
هذا باب ما لا يَعْمَلُ فيه ما قبله من الفعل
الذى يتعدى إلى المفعول ولا غيره
لأنه كلامٌ قد عَمِلَ بعضه فى بعض، فلا يكون إلاّ مبتدأَ لا يَعمل فيه شيء قبله، لأنَّ ألف الاستفهام تَمنعُه من ذلك.
стр. 234
وهو قولك: قد علمتُ أَعبْدُ الله ثَمَّ أم زيدٌ، وقد عرفتُ أَبو مَنْ زيدٌ، وقد عرفت أيُّهم أبوه، وأَمَا ترى أَىُّ برقٍ ها هنا. فهذا فى موضع مفعول، كما أنَّك إذا قلت: عبد الله هلرأيته، فهذا الكلامُ فى موضع المبنىّ على المبتدإ الذى يَعمَلُ فيه فيَرفعُه.
ومثل ذلك: لَيْتَ شِعْرِى أَعبدُ الله ثَمَّ أم زيدٌ، وليتَ شِعرى هل رأيتَه، فهذا فى موضع خَبَرِ ليتَ. فإِنَّما أَدخلتَ هذه الأشياءَ على قولك: أَزيدٌ ثَمَّ أم عمرو وأيُّهم أبوك، لِمَا احتَجتَ إليه من المعانى. وسنَذكر ذلك فى باب التسوية.
ومثل ذلك قوله : " لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا "، وقوله تعالى: " فلينظر أيها أزكى طعاما ".
ومن ذلك: قد علمتُ لَعبدُ الله خيرٌ منك. فهذه اللامُ تمنَعُ العملَ، كما تمنعُ ألفُ الاستفهامِ، لأنَّها إنَّما هى لامُ الابتداء، وإنما أَدخلتَ عليه علمتُ لتُؤكَّدَ وتجعلَه يقيناً قد علمتَه، ولا تُحيلَ على علم غيرك. كما أنَّك إذا قلت: قد علمتُ أَزيدٌ ثَمَّ أم عمروٌ، أردتَ أن تُخبِرَ أنّك قد علمت أَيُّهما ثَمَّ، وأردتَ أن تسوَّىَ عِلْمَ المخاطَب فيهما كما استَوى علمُك فى المسألة حين قلت: أزيد ثم
стр. 235
أم عمرو. ومثل ذلك قوله : " وَلَقَدْ عَلِمُوا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاقٍ ".
ولو لم تَستفهم ولم تُدْخِلْ لام الابتداء لأعملت عملت كما تُعْمِل عرفتُ ورأيتُ، وذلك قولك: قد عملت زيداً خيرا منك، كما قال تعالى جدُّه: " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت " وكما قال جلَّ ثناؤه: " لا تعلمونهم الله يعلمهم " كقولك: لا تَعرِفونهم اللهُ يَعرِفُهم. وقال سبحانه: " والله يعلم المفسد من الصالح ".
وتقول: قد عرفتُ زيداً أبُو مَنْ هو، وعلمتُ عمراً أَأَبوك هو أم أبو غيرِك، فأَعملتَ الفعلَ فى الاسم الأوّل لأنَّه ليس بالمُدْخَلِ عليه حرفُ الاستفهام، كما أنّك إذا قلت: عبدُ الله أَأَبوك هو أم أبو غيرِك، أو زيدٌ أبو مَنْ هو، فالعاملُ فى هذا الابتداءُ ثم استفهمتَ بعده.
ومما يُقَوَّى النصبَ قولك: قد عَلمتُه أبو مَنْ هو، وقد عَرفتُك أىُّ رجلٍ أنت. وتقول: قد دَرَيْتُ عبدَ الله أبو من هو، كما قلت ذلك فى علمتُ. ولم يؤخَذْ ذلك إلاّ من العرب. ومن ذلك: قد ظننتُ زيداً أبو من هو.
وإن شئت قلت: قد علمتُ زيدٌ أبو من هو، كما تقول ذاك فيما لا يَتعدّى إلى مفعولٍ، وذلك قولك: اذْهَبْ فانظرْ زيدٌ أبو من هو،
стр. 236
ولا تقول: نظرتُ زيدا. واذْهَبْ فسَلْ زيدٌ أبو من هو، وإنَّما المعنى: اذهبْ فسَلْ عن زيدٍ، ولو قلت: اسأَلْ زيدا، على هذا الحدّ لم يجز.
ومثل ذلك: دَرَيْتُ فى أكثرِ كلامهم؛ لأنَّ أكثرهم يقول: ما دريتُ به، مثلَ: ما شعرتُ به.
ومثل ذلك: ليتَ شِعْرِى زيدٌ أَعندَك هو أم عند عمرو.
ولا بُدّ منْ هُوَ لأنَّ حرف الاستفهام لا يَستغنى بما قبله، إنما يَستغنى بما بعده، فإِنَّما جئت بالفعل قبل مبتدإٍ قد وُضِعَ الاستفهامُ فى موضع المبنىَّ عليه الذى يَرفعُه، فأدخلتَه عليه كما أدخلتَه على قولك: قد عرفتُ لَزَيْدٌ خيرٌ منك.
وإنَّما جاز هذا فيه مع الاستفهام لأنَّه فى المعنى مستفهَم عنه، كما جاز لك أن تقول: إن زيداً فيها وعمرو. ومثله: " أن الله بريء مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ". فابتدأ لأنَّ معنى الحديث حين قال: إن زيداً منطلق: زيد منطلق، ولكنّه أَكَّدَ بإِنّ، كما أَكَّدَ فأَظهرَ زيداً وأَضمره.
والرفعُ قولُ يونُسَ.
فإِن قلت: قد عرفتُ أبو من زيدٌ لم يجز إلاَّ الرفعُ، لأنك بدأتَ بما
стр. 237
لا يكون إلاّ استفهاما وابتدأتَه ثم بنيتَ عليه، فهو بمنزلة قولك: قد علمتُ أَأَبوك زيدٌ أم أبو عمرو.
فإِن قلت: قد عرفتُ أَبَا مَن زيدٌ مَكْنِىٌّ، انتَصب على مَكْنِيّ، كأَنَّك قلت: أَبَا مَنْ زيدٌ مَكنىٌّ، ثم أدخلتَ عَرفتُ عليها. ومثله قولك: قد علمتُ أَأَباَ زيد تُكْنىّ أم أبا عمرو، ثم أدخلت عليه علمت كما أدخلته حين لم يكن ما بعده إلاَّ مبتدأْ، فلا يَنتصب إلاّ بهذا الفعل الآخِر، كما لم يكن فى الأوّل إلاّ مبتدأ.
وإذا قلت: قد عرفتُ زيداً أبو من هو، قلت: قد عرفتُ زيداً أبا من هو مَكنىٌّ. ومَن رفع زيد ثَمَّةَ رَفَعَ زيداً ها هنا. ونَصَبَ الآخِرَ كما نصبَه حين قال: قد عرفتُ أَبا مَنْ أنت مَكنىٌّ، وكأنه قال: زيد أبا من هو مكنى. ثم أَدخل الفعل عليه، وكأنّه قال: زيدٌ أَأَباَ بشرٍ يُكْنَى أم أبا عمرو ثم أَدخل الفعل عليه، وعَمِلَ الفعلُ الآخِرُ حين كان بعد ألف الاستفهام.
وتقول: قد عرفت زيدا أَبُو أَيَّهم يُكْنَى به، وعلمتُ بِشراً أَيُّهم يُكْنَى به، تَرفعه كما تَرفع أَيُّهم ضربتَه.
وتقول: أَرَأَيتَكَ زيداً أبو مَنْ هو، وأَرَأَيْتَكَ عمراً أَعندك هو أم عند فلان، لا يَحسن فيه إلاَّ النصبُ فى زيد. ألاَ ترى أنَّك لو قلت: أرأيتَ أبو من أنت، أو أرأيت أزيدٌ ثَمَّ أم فلانٌ، لم يَحسن، لأنّ فيه معنى أَخْبِرْنى عن زيد، وهو الفعل الذي لا يَسْتَغْنِى السكوتُ على مفعوله الأوّل، فدخولُ هذا المعنى فيه لم
стр. 238
يَجعله بمنزلة أَخبْرنى فى الاستغناء، فعلى هذا أُجْرِىَ وصار الاستفهامُ فى موضع المفعول الثانى.
وتقول: قد عرفتُ أَىَّ يومٍ الجُمَعةُ، فَتنصب على أنَّه ظرفٌ، لا على عرفتُ. وإنْ لم تَجعله ظرفا رفعتَ.
وبعضُ العرب يقول: لقد علمتُ أىَّ حينٍ عُقْبَتى، وبعضهم يقول: لقد عملت أىُّ حين عُقْبَتِى. وأمّا قوله:
حتّى كأَنْ لم يكنْ إلاّ تَذَكُّرُهُ ... والدهرُ أَيَّتَمَا حالٍ دهارير
стр. 239
فإِنَّما هو بمنزلة قولك: والدهرُ دَهاريرُ كلَّ حالٍ وكلَّ مرّة، أى فى كلّ حال وفى كلّ مرَّة، فانتَصب لأنه ظرف، كما تقول: القتالُ كلَّ مرّة، وكلَّ أحوالِ الدَّهر.
باب من الفعل سمى الفعل فيه بأسماء
لم تؤخَذْ من أَمثلة الفعل الحادث
وموضعُها من الكلام الأَمرُ والنَّهْىُ، فمنها ما يَتعدّى المأمور إلى مأمور به، ومنها ما لا يَتعدّى المأمورَ، ومنها ما يَتعدَّى المَنهىَّ إلى منهي عنه، ومنها ما لا يَتعدَّى المَنهىَّ.
أَمّا ما يتَعدّى فقولك: رُوْيْدَ زيداً، فإنما هو اسم لقولك: أَرْوِدْ زيدا. ومنها هَلُمَّ زيدا، إنَّما تريد هاتِ زيدا. ومنها قول العرب: حَيَّهَلَ الثَّريدَ. وزعم أبو الخَطّاب أنَّ بعض العرب يقول: حَيَّهَلَ الصَّلاَة، فهذا اسمُ ائتِ الصلاةَ، أى ائتوا الثريدَ وأْتوا الصَّلاةَ.
ومنه قوله:
تَراكِها من إبلٍ تَراكِها
стр. 240
فهذا اسم لقوله لهُ: اتُركْها. وقال:
مَناعِها من إبلٍ مَناعِها
وهذا اسم لقوله لهُ: امنعها.
وأما ما لا يَتعدّى المأمورَ ولا المَنهىَّ إلى مأمورٍ به ولا إلى منهىٍ عنه، فنحوُ قولك: مَهْ مَه، وصَهْ صه، وآهٍ وإيهٍ، وما أَشبه ذلك.
واعلم أنَّ هذه الحروف التى هى أَسماءٌ للفعل لا تَظهرُ فيها علامةُ المضمر، وذلك أنّها أََسماءٌ، وليست على الأَمثلة التى أُخِذَتْ من الفعل الحادث فيما مضى وفيما يُستقبل وفى يومِك، ولكنَّ المأمور والمنهىّ مضمرانِ في النية. وإنما كان من أصلُ هذا فى الأمر والنهى وكانا أَوْلَى به، لأنهما لا يكونانِ إلاّ بِفعل، فكان الموضعُ الذى لا يكون إلاَّ فعِلاً أَغلبَ عليه.
وهى أَسماءُ الفعل، وأُجريت مُجرى ما فيه الألفُ واللام، نحو: النَّجاءَ، لئلاّ يخالِفَ لفظُ ما بعدها لفظَ ما بعد الأمر والنهى. ولم تَصَرَّف تَصَرُّفَ
стр. 241
المصادر، لأنَّها ليست بمصادرَ، وإنَّما سُمّى بها الأمرُ والنهى، فَعمِلَتْ عملَهما ولم تجاوِزْ، فهى تقوم مقام فِعْلِهما.
هذا باب متصرَّف رُوَيْد
تقول: رُوَيدَ زيدا، وإنَّما تريد أَرْوِدْ زيدا.
قال الهُذَلىّ:
رُوَيْدَ عَلِيَّا جُدَّ ما ثَدْىُ أُمَّهِمْ ... إلينا ولكنْ بُغْضُهُمْ مُتَمايِنُ
وسمعنا من العرب من يقول: واللهِ لو أردتَ الدَّراهمَ لأعطيتُك رُوَيْدَ ما الشّعْرَ. يريد: أَرْوِدِ الشعر، كقول القائل: لو أردتَ الدراهمَ لأَعطيتُك فدَع الشَّعَر.
فقد تَبَيَّنَ لك أنّ رُوَيْدَ فى موضع الفِعْلِ.
ويكونُ رُوَيْدَ أيضاً صفًة، كقولك: سارُوا سَيْراً رُوَيْداً. ويقولون
стр. 242
أيضاً: ساروا رُوَيداً، فَيحذفون السَّيرَ ويجعلونه حالاً به وَصَفَ كلامَه، واجتزأ بما فى صدر حديثه من قول ساروا، عن ذكر السَّير.
ومن ذلك قول العرب: ضَعْهُ رُوَيداً، أى وَضعاً رُوَيْداً. ومن ذلك قولك للرجل تراه يُعالجِ شيئاً: رُوَيْداً، إنَّما تريد: عِلاجاً رُوَيْداً. فهذا على وجه الحال إلاَّ أَنْ يَظْهَرَ الموصوفُ فيكونَ على الحال وعلى غير الحال.
واعلم أن رُوَيْداً تَلحقها الكافُ وهى فى موضع افعل، وذلك كقولك: رويدك زيداً، ورويد كم زيدا. وهذه الكاف التى لحقت رويداً إنّما لحقت لتُبيَّنَ المخاطَبَ المخصوصَ، لأنّ رُوَيْدَ تقع للواحد والجميع، والذَّكر والأُنثى، فإِنَّما أَدخل الكافَ حين خاف الْتباسَ مَنْ يَعنى بمن لا يعنى، وإنَّما حذفَها فى الأوَّل استغناء بعلم المخاطبَ أنّه لا يَعنى غيرَه.
فلَحاقُ الكاف كقولك: يا فلانُ، للرَّجُل حتَّى يُقْبِلَ عليك. وتركُها كقولك للرجل: أنت تَفعلُ، إذا كان مُقْبِلا عليك بوجهه مُنْصِتاً لك. فتركتَ يا فلانُ حين قلت: أنت تَفعَلُ؛ استغناءً بإِقبالِه عليك. وقد تقول أيضاً: رُوَيْدَكَ، لمن لا يُخاف أن يَلتبسَ بسِواه، توكيداً، كما تقول للمقبِلِ عليك المُنْصِت لك: أنتَ تَفعلُ ذاك يا فلانُ، توكيداً. وذا بمنزلة قول العرب: هاءَ وهاءَك وهأْْ وهأْك، وبمنزلة قولك: حَيَّهَلَ وحيهلك، وكقولهم: النجاءك. فهذه الكاف لم تجيء علماً للمأمورين والمنبهين المضمَرينَ، ولو كانت عَلَماً للمضمَرينَ لكانت خطأُ، لأنّ المضمرينَ ها هنا فاعِلون، وعلامة المضمرينَ
стр. 243
الفاعلينَ الواوُ كقولك: افْعَلُوا. وإنَّما جاءت هذه الكافُ توكيداً وتخصيصا، ولو كانت اسماً لكان النَّجاءَك مُحالا، لأنَّه لا يُضاف الاسمُ الذى فيه الألف واللام.
وينبغى لمن زعم أنَّهنّ أسماءٌ أَنْ يزعُمَ أنّ كافَ ذاك اسمٌ، فإِذا قال ذلك لم يكن له بدٌّ من أنْ يزعُمَ أنّها مجرورة أو منصوبة، فإن كانت منصوبةً انبغى له أن يقول: ذاك نفسَك زيدٌ، إذا أراد الكاف، وينبغى له أن يقول: إن كانت مجرورة ذاك نفسِك زيدٌ، وينبغى له أن يقول: إنّ تاءَ أنتَ اسمٌ؛ وإنَّما تاء أنتَ بمنزلة الكاف.
وممّا يدلّك على أنَّه ليس باسمٍ قولُ العرب: أَرَأَيْتَكَ فلاناً ما حالُه، فالتاءُ علامة المضمر المخاطَب المرفوع، ولو لم تُلحِق الكافَ كنتَ مستغنياً كاستغنائك حين كان المخاطَبُ مقبِلاً عليك عن قولك: يا زيدُ، ولحَاقُ الكاف كقولك: يا زيدُ، لمَنْ لو لم تَقُلْ له يا زيدُ استغنيتَ. فإِنَّما جاءت الكاف فى أَرأيتَ والندَّاءُ فى هذا الموضع توكيداً. وما يجيء فى الكلام توكيداً لو طُرِحَ كان مُسْتَغنى عنه، كثير.
وحدّثنا من لا نَتَهِمُ أنه سمع من العرب من يقول: رُوَيْدَ نفسِه، جعَله مصدراً كقوله: " فضرب الرقاب ". وكقوله:
стр. 244
عَذِيرَ الحىَّ
ونظيرُ الكاف فى رُوَيْدَ فى المعنى لا في اللفظ لك التي تجيء بعد هَلُمَّ، فى قولك: هَلُمَّ لك، فالكاف ههنا اسمٌ مجرورٌ باللام، والمعنى فى التوكيد والاختصاص بمنزلة الكاف التى فى رُوَيْدَ وأشباهها كأَنه قال: هَلُمَّ، ثم قال: إرادتى بهذا لك، فهو بمنزلة سَقياً لك. وإنْ شئت قلت: هَلُمَّ لى، بمنزلة هاتِ لى، وهَلُمَّ ذاك لك، بمنزلة أَدْنِ ذاك منك.
وتقول فيما يكون معطوفاً على الاسم المضمَرِ فى النّية وما يكون صفة له فى النّية، كما تقول فى المظَهر.
أَمّا المعطوف فكقولك: رُوَيْدَكُمْ أنتم وعبدُ الله، كأَنّك قلت: افعلوا أنتم وعبدُ الله، لأنَّ المضمر فى النيّة مرفوع، فهو يَجرى مجرى المضمر الذى يبيّن
стр. 245
علامتُه فى الفعل. فإِن قلت: رُوَيْدَكم وعبدُ الله، فهو أيضاً رفعٌ وفيه قُبْحٌ، لأنَّك لو قلت: اذهبْ وعبدُ الله كان فيه قُبحٌ، فإِذا قلت: اذهبْ أنت وعبدُ الله، حسُنَ. ومثل ذلك فى القرآن: " فاَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقٌَاتِلاَ "، و " اسكن أنت وزوجك الجنة ".
وتقول: رُوَيْدَكُمْ أنتم أَنْفُسُكم، فيحسنُ الكلام، كأَنك قلت: افعلوا أنتم أَنفسُكم. فإِن قلت: رويَدَكم أنفسُكم، رفعتَ وفيها قبحٌ، لأنَّ قولك: افعلوا أنفسُكم فيها قبحٌ، فإذا قلت: أنتم أنفسُكم حَسُنَ الكلام.
وتقول: رُوَيْدَكُمْ أجمعون، ورُوَيْدَكُمْ أنتم أَجمعونَ، كلٌّ حَسَنٌ لأنَّه يَحسن فى المضمر الذى له علامةٌ فى الفعل. ألا ترى أنك تقول: قُومُوا أَجمعونَ، وقوموا أنتم أجمعونَ.
стр. 246
وكذلك: رُوَيْدَ إذا لم تُلْحِقْ فيها الكافَ، تجري هذا المجرى. وكذلك الحروف التي هي أسماءٌ للفعل جميعاً، تَجرى هذا المجرى، لحقتها الكافُ أو لم تَلحقها، إلاّ أنَّ هَلُمَّ إذا لحقتْها لك، فإِنْ شئت حملتَ أجمعين ونفسَك على الكاف المجرورة، فتقول: هَلُمَّ لكم أجمعين وهَلُمَّ لكم أنفسِكم. ولا يجوز أن تَعْطِفَ على الكاف المجرورة الاسمَ، لأنَّك لا تَعْطِفُ المُظْهَرَ على المضمر المجرور. ألا ترى أنّه يجوز لك أن تقول: هذا لك نفسِك ولكم أجمعين، ولا يجوز أن تقول: هذا لك وأَخيك. وإن شئت حملت المعطوف والصفة على المضمر المرفوع فى النيّة، فتقولُ: هَلُمَّ لك أنتَ وأَخوك، وهَلُمَّ لكم أجمعونَ. كأَنَّك قلت: تَعالَوْا أنتم أجمعون، وتَعالَ أنت وأخوك. فإِن لم تُلْحِقْ لك جرت مجرى رويد.
هذا باب من
الفِعلِ سُمّى الفعلُ فيه بأَسماءٍ مضافةٍ
ليستْ من أمثلة الفِعل الحادثِ، ولكنها بمنزلة الأسماء المفردة التى كانتْ للفعل، نحو رُوَيْدَ وحَيَّهَلَ، ومجراهنّ واحد وموضعَّهنّ من الكلام الأمرُ والنهىُ إذا كانت للمخاطب المأمور والمنهىّ.
وإنما استوت هي ورويد وما أشبه رويد كما استوى المفرد والمضاف إذا كانا اسمين، نحو عبد الله وزيد، مجراهما في العربية سواء.
ومنها ما يتعدى المأمور إلى مأمور به، ومنها ما يتعدى المنهى إلى المنهى عنه، ومنها ما لا يتعدى المأمور ولا المنهى.
стр. 247
فأما ما يَتعدّى المأمورَ إلى مأمورٍَ به فهو قولُك: عَلَيْكَ زيداً، ودُونَكَ زيداً، وعِنْدَكَ زيداً، تَأْمُرُه به. حدّثنا بذلك أبو الخطّاب.
وأمّا ما تَعدّى المنهىَّ إلى منهىّ عنه فقولك: حَذَرَك زيداً، وحَذارِكَ زيداً، سمعناهما من العرب.
وأما ما لا يَتعدّى المأمورَ ولا المنهىَّ فقولك: مكانَك وبَعدَك، إذا قلت: تأَخَّرْ أو حذَّرتَه شيئاً خَلفَه. كذلك عِنْدَكَ، إذا كنتَ تُحَذَّرُه من بين يديْه شيئاً أو تأمره أن يَتَقدّمَ. وكذلك فَرَطَك إذا كنت تحذره من بين يديه شيئا أو تأمره أن يَتقدّم. ومثلها أَمامك إذا كنت تحذَّره أو تُبصَّرهُ شيئاً. وإليك إذا قلت: تَنَحَّ. ووَراءَك إذا قلت: افطُنْ لما خلفك.
وحدثنا أبو الخطاب أنه سمع من العرب من يقال له: إلَيْكَ،
стр. 248
فيقول: إِلىَّ. كأَنه قيل له: تَنَحَّ. فقال: أَتَنَحَّى. ولا يقال إذا قيل لأحدهم: دونك: دونى ولا علىَّ. هذا النحو إنّما سمعناه فى هذا الحرف وحدَه، وليس لها قوّةُ الفعل فتقاسَ.
واعلم أنَّ هذه الأسماءَ المضافة بمنزلة الأسماء المفرَدة فى العطف والصفاتِ، وفيما قَبُحَ فيها وحَسُنَ، لأنَّ الفاعل المأمور والفاعل المنهىّ فى هذا الباب مضمرانِ فى النيّة.
ولا يجوز أن تقول: رُوَيْدَهُ زيداً ودوُنَهُ عمراً وأنت تريد غيرَ المخاطَب، لأنَّه ليس بفعلٍ ولا يَتصرَّف تصرُّفَه. وحدَّثنى من سمعه أن يعضهم قال: عليه رجلاً لَيْسَنِى. وهذا قليلٌ شبّهوه بالفعل.
وقد يجوز أن تقول: عليكم أَنْفُسِكم، وأجمعينَ، فتحملَه على المضمر المجرور الذى ذكرتَه للمخاطب، كما حملتَه على لك حين ذكرتَها بعد هَلُمَّ، ولم تَحمل على المضمر الفاعلِ فى النيّة، فجاز ذلك.
ويدلّك على أنَّك إذا قلت: عَليْكَ فقد أَضمرت فاعلاً فى النيّة، وإِنَّما الكافُ للمخاطبة، قولُك: عَلَىَّ زيدا، وإنَّما أدخلتَ الياءَ على مِثْل قولك للمأمور: أَوْلِنِى زيداً. فلو قلت: أنت نفسُك لم يكن إلاّ رفعا، ولو قال: أنا نفسى لم يكن إلا جراً. ألا ترى أنَّ الياءَ والكاف إنما جاءتا لتَفصِلا بين المأمور والأمر فى المخاطبة. وإذِا قال: عليك زيداً فكأَنَّه قال له: ائْتِ
стр. 249
زيدا. ألا ترى أنَّ للمأمور اسمينِ: اسماً للمخاطبة مجرورا، واسمَه الفاعلَ المضمر فى النيّة، كما كان له اسمٌ مضمَر فى النيّة حين قلت: علىَّ. فإِذا قلت: عليك فله اسمان: مجرورٌ ومرفوعٌ. ولا يَحسن أن تقول: عليك وأحيك، كما لا يحسن أنْ تقول: هَلُمَّ لك وأخيك.
وكذلك: حَذَرَكَ، يدلّك على أنّ حَذَرَكَ بمنزلة عليك، قولك: تحذيرى زيداً، إذا أردتَ حَذَّرْنى زيدا. فالمصدرُ وغيره فى هذا الباب سواءٌ.
ومن جعل رُوَيْداً مصدراً، قال: رُوَيْدَكَ نفسِك، إذا أراد أن يَحمل نفسَك على الكاف، كما قال: عليك نفسِك حين حَمَلَ الكلامَ على الكاف. وهى مثلُ: حَذَرَكَ سواءٌ، إذا جعلتَه مصدراً؛ لأنّ الحَذَرَ مصدرٌ وهو مضافٌ إلى الكاف. فإِن حملتَ نفسَك على الكاف جررتَ، وإِن حملتَه على المضمر فى النيّة رفعتَ. وكذلك: رُوَيْدَكُمْ، إِذا أردت الكاف تقول: رُوَيْدَكُم أَجمعينَ.
وأَمّا قولُ العرب: رُوَيْدَكَ نفسَك، فإِنَّهم يَجعلون النفسَ بمنزلة عبد الله إذا أمرت به، كأَنَّك قلت: رُوَيْدَكَ عبدَ الله، إذا أردت: أَرْوِدْ عبدَ الله.
وأَمّا حيهلك وهاءَكَ وأخَواتُها، فليس فيها إلاّ ما ذكرنا، لأنهن لم
стр. 250
يُجْعَلْنَ مَصادرَ.
واعلمْ أنَّ ناسا من العرب يَجعلون هَلُم بمنزلة الأمثلة التى أُخِذَتْ من الفعل، يقولون: هلمَّ وهَلُمَّى وهَلُمَّا وهَلُمُّوا.
واعلم أنَّك لا تقول: دُونى، كما قلت: عَلَىَّ، لأنه ليس كل فعل يجيء بمنزلة أَوْلِنى قد تَعدّى إلى مفعولينِ، فإِنَّما عَلَىّ بمنزلة أَوْلِنى، ودُونَكَ بمنزلة خُذْ. لا تقول: آخِذْنِى درهماً ولا خُذْنِى درهماً.
واعلمْ أنَّه لا يجوز لك أن تقول: علَيهِ زيدا، تريد به الأمرَ، كما أردت ذلك فى الفعل حين قلت: لِيَضربْ زيداً، لأنّ علَيهِ ليس من الفعل، وكذلك حَذَرَهُ زيداً قبيحةٌ، لأنَّها ليست من أمثلة الفعل. فإِنَّما جاء تَحذيرى زيداً لأنَّ المصدر يتَصرّف مع الفعل، فيصيرُ حَذَرَك فى موضع احْذَرْ، وتَحذيرى فى موضع حَذَّرنى؛ فالمصدرُ أبداً فى موضعِ فِعْلِه. ودُونَك لم يؤْخَذ من فعلٍ، ولا عندك يُنتَهَى فيها حيث انتهتِ العربُ.
واعلم أنَّه يَقبح: زيداً عَلَيْكَ، وزيداً حَذَرَكَ، لأنّه ليس من أمثلة الفعل، فقَبُحَ أن يَجرى ما ليس من الأمثلة مجراها، إلاّ أنْ تقول: زيداً،
следующие страницы →