Полный текст (1 982 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وقال " رجل من بنى عامر ":
ويومٍ شَهِدْناه سُلَيْماً وعَامِراً ... قليلٍ سِوىَ الطَّعْنِ النَّهالِ نَوافِلُهْ
" وكما قال: ثَمانِىَ حِجَجٍ حَجَجْتُهنّ بيت اللهِ ".
ومما جاء فى الشعر قد فُصِلَ بينه وبين المجرور قول عمرو بن قَمِيئَةَ.
لمّا رأت ساتسدما اسْتَعْبَرَت ... لله درُّ اليومَ مَنْ لاَمَهَا
وقال أبو حَيَّةَ النُّمَيْرىُّ:
стр. 177
كما خط الكتاب بكف يوماً ... يهودي يقارب أو يُزيلُ
وهذا لا يكون فيه إلاّ هذا، لأنَّه ليس فى معنى فِعلٍ ولا اسمِ الفاعلِ الذى جرى مَجرى الفعل.
وممّا جاء مفصولا بينه وبين المجرور قولُ الأعشى:
ولا نقاتل بالعص ... ي ولا نرامي بالحجاره
إلا علالة أو بدا ... هة قارحٍ نَهْدِ الجُزارَهْ
وقال ذو الرمّة:
كأَنَّ أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج
стр. 178
فهذا قبيحٌ.
ويجوز فى الشعر على هذا: مررتُ بخيرِ وأَفضلِ مَن ثَمَّ.
وقالت دُرْناَ بنت عَبعَبَةَ، من بني قيس بن ثعلبة:
هما أَخَوَا فى الحَرْبِ مَنْ لا أَخاَ له ... إذا خافَ يوماً نَبْوةً فدَعاهما
وقال الفرزدق:
يا من رأى عارضاً أسر به ... بَيْنَ ذِراعَىْ وجَبْهِة الأَسَدِ
وأما قوله : " فبما نقضهم ميثاقهم " فإِنَّما جاء لأنه ليس
стр. 179
ل " مَا " معنىً سِوى ما كان قبل أن تجيء إلا التوكيد، فمن ثم جاء ذلك، إذْ لم تُرِدْ به أكثرَ من هذا، وكانا حرفينِ أحدُهما فى الآخَر عاملٌ. ولو كان اسماً أو ظرفا أو فعلاً لم يجزْ.
وأمّا قوله: أُدْخِلَ فُوهُ الحَجَرَ، فهذا جرى على سَعة الكلام " والجيِّد أُدخل فاه الحجر "، وكما قال: أَدخلتُ فى رأسى القَلَنْسُوَةَ " والجيّد أَدخلتُ فى القَلنسوة رأسى ". وليس مثلَ اليوم والليلة لأنهما ظرفان، فهو مخالف له فى هذا، مُوافِقٌ " له " فى السعة. قال الشاعر:
تَرى الثَّورَ فيها مُدخِلَ الظل رأْسَهُ ... وسائرُه بادٍ إلى الشمس أَجْمَعُ
فوجه الكلام فيه هذا، كراهيةَ الانفصال.
وإذا لم يكن فى الجرَّ فحدُّ الكلام أن يكون الناصبُ مبدوءاً به.
هذا بابٌ صار الفاعِلُ فيه بمنزلة
الّذى فَعَلَ فى المعنى، وما يَعْمَلُ فيه
وذلك قولك: هذا الضاربُ زيداً، فصار فى معنى " هذا " الّذى ضرَبَ
стр. 180
زيداً، وعَمِلَ عَمَله، لأنّ الألفَ واللام مَنَعَتا الإِضافة وصارتا بمنزلة التنوين. وكذلك: هذا الضاربُ الرّجلَ، وهو وجهُ الكلام.
وقد قال قومٌ من العرب تُرضىَ عربيَّتُهم: هذا الضاربُ الرجلِ، شبّهوه بالحَسَنِ الوجهِ، وإن كان ليس مثلَه فى المعنى ولا فى أَحواله إلاّ أنّه اسمٌ، وقد يَجُرُّ كما يجر وَيَنْصِبُ أيضاً كما يَنْصِبُ، وسيبيَّن ذلك فى بابه " إن شاء الله ".
وقد يشبهون الشيء بالشيء وليس مثلَه فى جميع أحواله، وسترى ذلك فى كلامهم كثيراً. وقال المَرّار الأسدىّ:
أَنا ابنُ التارِكِ البَكْرِىَّ بشْرٍ ... عليه الطَّيْرُ تَرْقُبُه وقوعا
سمعناه ممن يرويه عن العبر، وأَجرى بشرا على مجرى المجرور، لأنَّه جعله بمنزلة ما يُكَفُّ منه التنوينُ.
ومثل ذلك فى الإِجراء على ما قبله: هو الضاربُ زيداً والرَّجُلَ، لا يكون فيه إلاّ النصبُ، لأنَّه عَمِلَ فيهما عمل المنَّون، ولا يكون: هو الضاربُ عمروٍ كما لا يكون: هو الحسنُ وجهٍ. ومن قال: هذا الضاربُ الرجلِ، قال: هو الضاربُ الرجلِ وعبدِ الله.
стр. 181
ومن ذلك إِنشادُ بعض العرب قول الأعشى:
الواهب المائه الهجان وعبدها ... عوذا تزجى بينها أطفالها
وإذا ثنيت أو جمعت فأثبت النون قلت: هذان الضاربان زيدا وهؤلاء الضاربون الرجل، لا يكون فيه غير هذا، لأن النون ثابتة.
ومثل ذلك قوله : " والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ". وقال ابن مُقْبِلٍ:
стр. 182
يا عَيْنِ بَكَّى حُنَيفْاً رأَسَ حيِّهِمِ ... الكاسرينَ القَنَا فى عَوْرَةِ الدُّبُرِ
فإِنْ كففتَ النون جررت وصار الاسم داخلاً في الجار، " و " بدلاً من النُّون، لأنَّ النون لا تعاقِبُ الألفَ واللامَ ولم تَدخل على الاسم بعد أن ثبتتْ فيه الألفُ واللام؛ لأنَّهْ لا يكون واحداً معروفا ثم يثنّى؛ فالتنوينُ قبلَ الألف واللام، لأنَّ المعرفة بعد النكرة، فالنّونُ مكفوفةٌ والمعنى معنى ثبات النون، كما كان ذلك فى الاسم الذى جرى مجرى الفعل المضارع، وذلك قولك: هما الضارب زيدٍ، والضاربِوُ عمروٍ.
وقال الفرزدق:
стр. 183
أُسَيَّدُ ذو خُرَيَّطَةٍ نَهاراً ... مِنَ المُتَلَقَّطِى قَرَدِ القمام
وقال رجل من بني ضبة:
الفراجي بابِ الأميرِ المُبْهَمِ
وقال رجل من الأنصار:
стр. 184
الحافِظُو عَوْرَةَ العشيرةِ لا ... يَأتِيهِمُ من وَرائنا نَطَفُ
لم يَحذف النون للإِضافة، ولا ليُعاقِبَ الاسمُ النّونَ، ولكن حذفوها كما حذفوها من الّلذَينِ والّذينَ حيثُ طال الكلامُ وكان الاسمُ الأوّل مُنتهاه الاسمُ الآخِرُ. وقال الأَخطل:
أَبَنِى كُلَيْبٍ إنّ عَمَّىَّ الَّلذَا ... سَلَبَا المُلوكَ وفَكَّكَا الأَغْلاَلاَ
لأن معناه " معنى " الذينَ فعلوا وهو مع المفعول بمنزلة اسم مُفْرَدٍ لم يَعْمَلْ في شيء، كما أنّ الذينَ فعلوا مع صلته بمنزلة اسم.
وقال أَشهَبُ بن رُمَيلةَ:
стр. 185
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القول كلُّ القومِ يا أُمَّ خالِدِ
وإذا قلت: هم الضاربوك وهما الضارباك، فالوجه فيه الجرّ، لأنَّك إذا كففتَ النونَ من هذه الأسماءِ في المظر كان الوجهُ الجرَّ، إلاَّ فى قول من قال: " الحافظو عورةَ العشيرة ".
ولا يكون فى قولهم: هم ضاربوك، أن تكون الكف فى موضع النصب، لأنَّك لو كففتَ النون فى الإِظهار لم يكن إلاَّ جرًّا، ولا يجوز في الإظهار: هم ضاربوا زيداً، لأنَّها ليست فى معنى الذى، " لأنها " ليست فيها الألفُ واللام كما كانت فى الذى.
واعلم أنَّ حذفَ النون والتنوينِ لازمٌ مع علامة المضمرَ غيرِ المنفصل، لأنّه لا يُتكلّم به مفرَداً حتّى يكون متّصِلا بفعلٍ قبله أو باسم فيه ضمير، فصار كأنّه النونُ والتنوينُ فى الاسم، لأنَّهما لا يكونان إلاَّ زَوائَد ولا يكونانِ إلاّ فى أَواخر الحرُوف. والمظهَرُ وإن كان يعاقِبُ النُّونَ والتنوينَ فإِنَّه ليس كعلامة المضمَرِ المتَّصلِ؛ لأنه اسمٌ يَنفصِل ويُبْتَدَأُ، وليس كعلامة الإِضمار لأنها فى اللفظ كالنون
стр. 186
والتنوين، فهى أَقربَ إليها من المظهرَ، اجتَمع فيها هذا والمعاقبةُ.
وقد جاء فى الشَّعر، وزعموا أنّه مصنوع:
هُمُ القائلونَ الخيرَ والآمِرونه ... إذا ما خَشُوا من مُحدثِ الأمْرِ مُعْظَمَا
وقال:
ولم يَرْتِفقْ والناس مُحْتَضِرونُه ... جميعاً وأَيْدِى المعتفين رواهقه
стр. 187
بابٌ من المصادر جَرَى مَجرى الفعل المضارِع
فى عمله ومعناه
وذلك قولك: عَجِبتُ مِن ضَرْبٍ زيدا، " فمعناه أَنّه يَضرب زيدا. وتقول: عجبتُ مِن ضَرْبٍ زيداً " بكرٌ، ومن ضَرْبٍ زيدٌ عمراً، إذا كان هو الفاعل، كأنّه قال: عجبتُ من أنّه يَضرب زيدٌ عمراً، ويَضرب عمراً زيدٌ.
وإنَّما خالَف هذا الاسمَ الذى جرى مَجرى الفعل المضارعِ فى أَنَّ فيه فاعِلاً ومفعولا، لأنّك إذا قلت: هذا ضارِبٌ فقد جئت بالفاعل وذكرتَه، وإذا قلت: عجبتُ من ضربٍ فإِنَّك لم تذكر الفاعلَ، فالمصدرُ ليس بالفاعل وإن كان فيه دليلٌ على الفاعل، " فلذلك احتجتَ فيه إلى فاعل ومفعول ولم تحتج حين قلت: هذا ضاربٌ زيدا إلى فاعل ظاهر، لأنَّ المضمر فى ضارب هو الفاعل ".
فمما جاء من هذا قولُه : " أو إطعام في يوم ذي مسغبة. يتيما ذا مقربة ". وقال:
فلولا رجاء النصر منك ورهبة ... عقابك قد صاروا لنا كالموارد
وقال:
أخذت بسجلهم فنفحت فيه ... محافطة لهن إخا الذمام
стр. 188
وقال:
يضرب بالسيوف رؤوس قَوْمٍ ... أَزَلْنا هامَهنّ عَنِ المَقِيلِ
وإنْ شئت حذفتَ التنوينَ كما حذفت فى الفاعل، وكان المعنى على حاله، إلاَّ أنك تَجرُّ الذى يلى المصدرَ، فاعلا كان أو مفعولاً، لأنَّه اسمٌ قد كففتَ عنه التنوين، كما فعلت ذلك بفاعِلٍ، ويصير المجرورُ بدلاً من التنوين معاقباً له. وذلك قولك: عَجبِتُ من ضَرْبِه زيداً، إن كان فاعلا؛ ومن ضَرْبِه زيدٌ، إن كان المُضَمْرَ مفعولا.
وتقول: عجبت من كِسْوَةٍ زيدٍ أبوه، وعجبت من كِسُوةِ زيدٍ أباه، إذا حذفت التنوين.
وممَّا جاء لا ينَّون قولُ لبيد:
عَهْدِى بها الحَىَّ الجميعَ وفيهِمُ ... قبلَ التفرُّقِ مَيْسِرٌ ونِدامُ
стр. 189
ومنه قولهم: " سَمْعُ أُذُنِى زيداً يقولُ ذاك ". قال رؤبة:
ورَأْى عَيْنَىَّ الفَتَى أَخاكا ... يُعْطِى الجَزِيلَ فعليكَ ذاكا
وتقول: عجبتُ من ضربِ زيدٍ وعمروٍ، إذا أشركتَ بينهما كما فعلت ذلك في الفاعل. ومن قال هذا ضاربُ زيدٍ وعمراً قال: عجبتُ له من ضَرْبِ زيدٍ وعمراً، كأنَّه أَضْمَرَ: ويَضرب عَمراً، " أو وضَرَبَ عمراً ". قال رؤبة:
قد كنتُ دايَنْتُ بها حسَّانَا ... مخافةَ الإِفلاسِ واللَّيَّانَا
стр. 190
يحسِنُ بَيْعَ الأصلِ والِقيانَا
وتقول: عجبتُ من الضَّرْبِ زيداً، كما قلتَ: عجبتُ من الضارِبِ زيدا، يَكون الألفُ واللام بمنزلة التنوين. وقال الشاعر:
ضعيفُ النَّكايَةِ أَعْدَاءَه ... يَخالُ الفِرارَ يُراخِى الأَجلْ
وقال المرّار " الأسدىّ ":
стр. 191
لقد عَلِمَتْ أُولَى المُغِيرَةِ أنّنى ... لحقت فلم أَنْكُِلْ عن الضْربِ مِسْمَعَا
ومن قال: هذا الضاربُ الرَّجُلِ لم يقل: عجبتُ له من الضَّربِ الرجلِ؛ لأنّ الضَّاربَ الرجلِ مشبَّهٌ بالحَسَنِ الوجهِ، لأنه وصفٌ للاسم كما أن الحَسَنَ وَصْفٌ، وليس هو بحدَّ الكلامِ مع ذلك.
وقد ينبغى فى قياس من قال: الضَّاربُ الرَّجلِ أن يقولَ: الضاربُ أََخى الرجلِ، كما يقول: الحَسَنُ الأخِ والحسنُ وجهِ الأخِ. وكان الخليل يَراه.
وإن شئت قلت: هذا ضَرْبُ عبدِ الله، كما تقول: هذا ضارب عبدِ الله، فيما انَقطع من الأفعال.
وتقول: عجبتُ من ضَرْبِ اليومِ زيداً، كما قال:
يا سارق الليل أهل الدار
стр. 192
وليس مثلَ:
لله دَرُّ اليَوْمَ مَنْ لامَها
لأنَّهم لم يجعلوه فعلا أو فَعَلَ شيئاً فى اليوم، إنما هو بمنزلة: لله بِلادُك.
ويجوز: عجبتُ له من ضَرْبِ أخيه، يكون المصدرُ مضافاً فَعَلَ أو لم يَفْعَلْ، ويكونُ منوناً وليس بمنزلة ضارب.
باب الصفة المشبَّهة بالفاعل فيما عَمِلتْ فيه
ولم تقوم أن تَعمل عَمَلَ الفاعل لأنّها ليست فى معنى الفِعل المضارِع، فإِنَّما شُبَّهَتْ بالفاعل فيما عَملتْ فيه. وما تَعْمَلُ فيه معلومٌ، إنَّما تَعمل فيما كان من سببها مُعَرَّفا بالألف واللام أو نكرةً، لا تُجاوِز هذا؛ لأنَّه ليس بفعلٍ ولا اسم هو فى معناه.
والإضافةُ فيه أحسنُ وأكثر، لأنَّه ليس كما جرى مجرى الفعل ولا فى معناه، فكان أحسنَ عندهم أن يَتباعدَ منه فى اللفظ، كما أنَّه ليس مثلَه فى المعنى وفى قوّته فى الأشياء. والتنوينُ عربىٌّ جيّدٌ. ومع هذا إنهم
стр. 193
لو تركوا التنوينَ أو النونَ لم يكن أَبداً إلاّ نكرةً على حاله منوَّنا. فلما كان تركُ التنوين فيه والنون لا يُجاوَزُ به معنى النون والتنوين، كان تركُهما أخفَّ عليهم، فهذا يقوَّى " أَنَّ " الإِضافة " أَحسنُ "، مع التفسير الأوَّلِ.
فالمضافُ قولك: هذا حَسَنُ الوجهِ، وهذه حَسَنَةُ الوجهِ. فالصَّفةُ تَقَعُ على الاسم الأوَّل ثم توصِلُها إلى الوجه وإلى كلّ شيء من سببه على ما ذكرتُ لك، كما تقول: هذا ضاربُ الرجلِ، وهذه ضاربةُ الرجلِ؛ إلاَّ أنَّ الحُسن فى المعنى للوجه والضَّربُ ههنا للأوَّل.
ومن ذلك قولهم: هو أَحْمَرُ بَيْنِ العينينِ، وهو جيَّدُ وجهِ الدار.
وممّا جاء منَّونا قول زُهَيْر:
أَهْوَى لها أَسْفَعُ الخَدَّيْنِ مُطَّرِقٌ ... رِيشَ القَوَادِمِ لم تُنصَبْ له الشبك
стр. 194
وقال العجّاج:
مُحْتَبِكٌ ضَخْمٌ شئوُنَ الرَّأْسِ
وقال أيضاً النابغة:
ونَأْخُذْ بعدَه بِذِنابِ عَيْشٍ ... أَجَبَّ الظَّهْرَ ليس له سَنامُ
وهو فى الشعر كثير.
واعلم أنّ كينونة الألف واللام فى الاسم الآخِرِ أكثرُ وأحسنُ من أن لا تكون فيه الألفُ واللام، لأنَّ الأوَّل فى الألف واللام وفى غيرِهما ههنا على حالةٍ واحدةٍ، وليس كالفاعل، فكان إدخالُهما أَحسنَ وأَكثرَ، كما كان تركُ التنوين أكثرَ، وكان الألفُ واللام أَولَى لأنَّ معناه حَسَنٌ وجهُه. فكما لا يكون
стр. 195
هذا إلاّ معرفةً اختاروا فى ذلك المعرفةَ. والأُخرى عربيّةٌ، كما أنَّ التنوين " والنون " عربىٌّ مطَّرِدٌ.
فمن ذلك قوله: " " هو " حديثُ عَهْدٍ بالوَجَعِ ". وقال عَمرو بن شأسٍ:
أَلِكْنْى إلى قومى السَّلامَ رِسالةً ... بآيَةِ ما كانوا ضِعافاً ولا عزلاً
ولا سيئي زِىًّ إذا ما تَلَبّسوا ... إلى حاجةٍ يوماً مخيسة بُزْلاَ
وقال حُميدٌ الأرقطُ:
لاحِقُ بَطْنِ بِقَراً سمين
стр. 196
ومما جاء منوناً قول أبى زُبَيْدٍ " يَصِفُ الأسدَ ":
كأَنّ أَثوابَ نَقّادٍ قُدِرْنَ له ... يَعْلُو بِخَمْلتِها كَهْبَاءَ هُدَّابَا
وقال أيضاً:
هَيْفاءُ مُقْبِلةً عَجْزاءُ مُدْبِرةً ... مَحْطوطةٌ جُدِلتْ، شَنْباءُ أَنْياباَ
وقال عيد بن زيد:
من حبيب أو أخي ثقة ... أو عَدُوًّ شاحطٍ دارَا
стр. 197
وقد جاء فى الشعر حسنةُ وَجْهِها، شَبّهوه بحسنة الوجه، وذلك رديء " لأنّه بالهاء معرفة كما كان بالألف واللام، وهو من سبب الأوّل كما أنه من سببه بالألف واللام ". قال الشمّاخ:
أَمِنْ دِمْنَتَيْنِ عرس الركب فيهما ... بحقل الرُّخامَى قد عَفا طَللاَهما
أَقامتْ على رَبْعَيهما جارَتَا صَفاً ... كُمَيْتَا الأَعالِى جَوْنَتَا مُصطَلاهما
واعلم أنه ليس فى العربية مضافٌ يَدخل عليه الألفُ واللام غيرُ المضاف
стр. 198
إلى المعرفة فى هذا الباب، وذلك قولك: هذا الحَسَنُ الوجهِ، أدخلوا الألفَ واللام على حسنِ الوجهِ، لأنه مضافٌ إلى معرفة لا يكون بها معرفةً أبداً، فاحتاجَ إلى ذلك حيث مُنعَ ما يكون فى مثله البتَّةَ، ولا يُجاوَزُ به معنى التنوين. فأَمَّا النكرة فلا يكون فيها إلاّ الحَسَنُ وجهاً، تكون الألفُ واللام بدلاً من التنوين، لأنَّك لو قلت: حديثُ عهد، أو كريمُ أبٍ، لم تخلل بالأول في شيء فتُحتَمَل له الألفُ واللام، لأنَّه على ما ينبغى أن يكون عليه. قال رؤبة:
الحَزْنُ باباً والعقورُ كَلْبَا
стр. 199
وزعم أبو الخَطّاب أنه سمع قوما من العرب يُنشدون هذا البيت للحارث ابن ظالم:
فما قومى بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشُّعْرَى رِقابا
فإنَّما أُدخلت الألفُ واللام فى الحسن ثم أعملته، كما قال: الضاربُ زيدا.
وعلى هذا الوجه تقول: هو الحسنُ الوجهَ، وهي عربية جيدة. قال الشاعر:
فما قولي بثعلبةَ بن سعدٍ ... ولا بفَزارةَ الشُّعْرِ الرَّقابا
وقد يجوز فى هذا أن تقول: هو الحَسَنُ الوجهِ، على " قوله ": هو الضَّاربُ الرَّجلِ. فالجرُّ فى هذا الباب من وجهين: " من الباب الذى هو له وهو الإِضافة، ومن إعمال الفعل ثم يُستخَفُّ فيضاف ".
فإِذا ثنَّيتَ أو جمعت فأَثبتَّ النون فليس إلاّ النصبُ، وذلك قولهم: هم الطّيبون الأَخبارَ، وهما الحسنانِ الوجه. ومن ذلك قوله تعالى: " قُلْ هلْ نُنَبَّئُكُمْ بالأخسرين أعمالاً ".
стр. 200
وقالتْ خِرْنِقُ، " من بنى قيس ":
لا يَبْعَدَنْ قومى الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر
النّازِلون بكلّ مُعْتَرَكٍ ... والطّيبونَ مَعاقِدَ الأَزْرِ
فإِنْ كففتَ النونَ جررتَ، كان المعمولُ فيه نكرةً أو فيه ألفٌ ولام، كما قلت: هؤلاء الضارِبُو زيدٍ، وذلك قولهم: هم الطَّيّبو أََخبارٍ. وإن شئتَ نصبتَ على قوله: الحافِظُو عَوْرَةَ العشيرة وتقول فيما لا يقع إلاَّ منوَّنا عملاً فى نكرةٍ " وإنما وقع منونَّا " لأنّه فُصِلَ فيه بين العامل والمعمول فالفصلُ لازمٌ له أبداً مظهَراً أو مضمراَ، وذلك قولك: هو خير منك أباً، و " هو " أحسنُ منك وجهاً. ولا يكون المعمول فيه إلا من
стр. 201
سببه. وإن شئت قلت: هو خيرٌ عَمَلا وأنت تَنْوِى " منك ". وإن شئت أَخّرت الفصَل فى اللفظ وأصلُه التقديم، لأنه لا يَمنعه تأخيره عمله مقدماً، كما قال: ضرب زيد عمروٌ، فعمروٌ مؤخَّر فى اللَّفظ مبدوءٌ به فى المعنى، وهذا مبدوءٌ به فى أنه يُثبِت التنوينَ ثم يُعْمِلُ. ولا يَعْمَلُ إلاَّ فى نكرة، كما أنَّه لا يكون إلاَّ نكرة، ولا يَقوَى قوَّة الصفة المشبَّهة، فأَلزم فيه وفيما يَعْمَلُ فيه وجهاً واحدا. ويعمل فى الجمع كقولهم: هو خيرٌ منك أعمالاً. فإِن أضفتَ فقلت: " هذا " أوّلُ رَجُلٍ، اجتَمع فيه لزومُ النكرة وأَنْ يُلفَظ بواحدٍ " وهو يريد الجمع "؛ وذلك لأنه أراد أن يقول: أوّلُ الرَّجالِ، فحذف استخفافاً واختصارا، كما قالوا: كلُّ رجلٍ، يريدون كلَّ الرجال. فكما استَخفُّوا بحذف الألف واللام استخفّوا بترك بناء الجمِيع واستغنوا عن الألف واللام، وعن قولهم: خيرُ الرجال وأوَّلُ الرجال.
ومثلُ ذلك فى ترك الألف واللام وبناءِ الجميع، قولهم: عِشْرُونَ درهماً، إنما أرادوا عِشرينَ من الدَّراهم، فاختَصروا واستَخفّوا. ولم يَكن دُخولُ الألف واللام يغَّير العشرين عن نكرته، فاستخفوا بتركما لم يُحتَجْ إليه.
ولم تَقْوَ هذه الأحرفُ قوَّةَ الصفة المشبَّهة. ألاَ ترى أنك تؤنَّثها وتذكَّرها وتَجمعها كالفاعل، تقول: مررت برجلٍ حَسَنِ الوجهِ أبوه، " كما تقول: مررت برجلٍ حسنٍ أبوه، وهو " مثل قولك: مررت برجلٍ ضاربٍ
стр. 202
أبوه. فإِن جئت بخيرٍ منك، أو عشرينَ، رفعتَ، لأنّها مُلْحَقَةٌ بالأسماء " لا تَعمل عملَ الفعل "، فلم تقو قوة المشبهة، كما لم تَقْوَ المشبَّهةُ قوَّةَ ما جرى مجرى الفعل.
وتقول: هو خيرُ رَجُلٍ فى النَّاس وأَفْرَهُ عبدٍ فى الناس؛ لأن الفارِهَ هو العبد، ولم تُلْقِ أَفْرَهَ ولا خيراً على غيره ثم تَختصُّ شيئاً، فالمعنى مختلف. وليس هُنا فصلٌ ولم يَلزم إلاَّ تركُ التنوين، كما أنَّ عشرين وخيراً منك لم يَلزم فيه إلاّ التنوينُ. ولم يُدْخِلوا الألفَ واللام، كما لم يُدخِلوه فى الأوّل، وتفسيرُه تفسيرُ الأوّلُ. وإنَّما أرادوا: أَفْرَهَ العَبيدِ وخيرَ الأعمالِ.
وإنَّما أَثبتوا الألفَ واللام فى قولهم: أفضلُ الناس، لأنَّ الأولَ قد يصير به معرفةً، فأثبتوا الألف واللام وبناء الجميع ولم ينَّونْ، وفرَقوا بترك النون والتنوين بين معنيين.
وقد جاء من الفعل ما قد أُنفذ إلى مفعولٍ ولم يَقْوَ قوّةَ غيره مما قد تَعدّى إلى مفعولٍ، وذلك قولك: امتَلأَتُ ماءً وتفقَّأْتُ شَحْماً، ولا تقول: امتلأتُه
стр. 203
ولا تفقَّأتُه. ولا يَعمل فى غيره من المَعارف، ولا يقدَّم المفعولُ فيه فتقولَ: ماءً امتَلأْتُ، كما لا يُقَدَّمُ المفعولُ فيه فى الصفةّ المشبَّهةِ، ولا فى هذه الأسماء، لأنها ليست كالفاعل. وذلك لأنَّه فعلٌ لا يتَعدّى إلى مفعول، وإنَّما هو بمنزلة الانفعال، لا يتعدَّى إلى مفعول، نحو كسرته فانكسر، ودفعته فاندفع. فهذا النحو إنما يكون فى نفسه ولا يقع على شيء، فصار امتلأت من هذا الضرب، كأَنك قلت: ملأنى فامتلأت. ومثله: دحرجته فتدحرج. وإنما أصلُه امتَلأت من الماء، وتفقَّأتُ من الشَّحم، فحُذف هذا استخفافاً، وكان الفعلُ أَجدرَ أن يَتعدّى إنْ كان هذا ينفُذ، وهو - فى أنّهم ضعَفَّوه - مثله.
وتقول: هو أشجعُ الناس رجلاً، وهما خيرٌ الناس إثنينِ. فالمجرورُ هُنا بمنزلة التنوين، وانتَصب الرجلُ والاثنانِ، كما انتَصب الوجهُ فى قولك: هو أحسنُ منه وجهاً. ولا يكون إلاّ نكرةً. والرجلُ هو الاسم المبتدأُ والاثنان كذلك. إنَّما معناه هو خيرُ رجُلٍ فى الناس، وهما خيرُ اثنين
стр. 204
فى الناس. وإن شئت لم تَجعله الأوّلَ. فتقول: هو أكثرُ الناس مالاً.
وممّا أُجْرِىَ هذا المُجرى أسماء العدد: تقول فيما كان لأَدنى العِدّة بالإِضافة إلى ما يُبْنَى لجمع أَدنى العدد، إلى أدنى العُقود، وتُدْخِل فى المضاف إليه الألف واللام، لأنَّه يكون الأوّلُ به معرفةً. وذلك قولك: ثلاثة أبواب وأربعة أنفس وأربعة أثواب. وكذلك تقول: فيما بينك وبين العَشَرَة؛ وإذا أَدخلتَ الألفَ واللام قلت: خمسة الأثواب، وستة الجمال. فلا يكون هذا أبداً إلا غيرَ منوَّن يَلزمه أمرٌ واحدٌ، لما ذكرتُ لك. فإِذا زدتَ على العشَرَة شيئاً من أَسماء أدنى العدد فإِنّه يُجعَل مع الأوّل اسماً واحداً استخفافاً، ويكونُ فى موضع " اسمٍ " منَّونٍ. وذلك قولك: أَحَدَ عَشَرَ درهماً، واثناَ عَشَرَ درهماً، وإحْدَى عشر جاريةً. فعلى هذا يُجرَى من الواحد إلى التسعة. فإِذا ضاعفتَ أَدنى العُقود كان له اسمٌ من لفظه ولا يثنَّى العَقدُ. ويُجْرَى ذلك الاسمُ مُجرى الواحدِ الذى لحقتْه الزيَّادةُ للجمع كما لحقتْه الزيادةُ للتثنية ويكون حرفُ الإِعراب الواوَ والياء وبعدهما النونُ؛ وذلك قولك: عِشْرُونَ درهماً. فإِن أردتَ أنْ تثلَّثَ أدنى العُقود كان له اسمٌ من لفظ الثلاثة يَجرى مجرى الاسم الذى كان للتثنية،
стр. 205
وذلك قولك: ثَلاثونَ عبداً. وكذلك إلى أن تتسَّعَه، وتكونُ النونُ لازمةً له، كما كان تركُ التنوين لازماً للثلاثة إلى العشرة. وإنَّما فعلوا هذا بهذه الأسماءِ وأَلزموها وجهاً واحدا لأنها ليست كالصفة فى معنى الفعل، ولا التى شُبَّهَتْ بها، فلم تقوى تلك القوّةَ، ولم يَجُز حين جاوزتَ أدنى العُقود فيما تُبَيَّنُ به من أىَّ صِنْفٍ العددُ إلاّ أنْ يكون لفظُه واحدا، ولا تكون فيه الألفُ واللام، لما ذكرتُ لك.
وكذلك هو إلى التسعين فيما يَعمْلُ فيه ويبيَّن به من أىَ صِنفٍ العددُ. فإِذا بلغت العدد " الذى يليه " تركتَ التنوينَ والنونَ وأَضفتَ، وجعلت الذى يَعْمَلُ فيه ويبَّين به العددُ من أي صنف هو واحداً، كما فعلت فيما نوَّنت فيه، إلاّ أنَّك تُدْخِلُ فيه الألف واللام، لأن الأوَّل يكون به معرفةً ولا يكونُ المنَّونُ به معرفةً. وذلك قولك: مِائَةُ درهمٍ ومِائَةُ الدرهمِ. وذلك إنْ ضاعفتَه قلتَ: مِائَتا درهمٍ ومائتا الدينارِ.
وكذلك العَقْدُ الذى بعده، واحداً كان أو مثنَّى، وذلك قولك: ألْفُ درهمٍ وأَلْفاَ درهمٍ.
стр. 206
وقد جاء فى الشَّعر بعضُ هذا منوَّنا. قال الربيع بن ضبع الفزاري:
عاشَ الفَتَى مِائَتَيْنِ عاماً ... فقد أَوْدَى المَسَرَّةُ والفناء
وقال:
أَنعَتُ عِيراً من حَمِيرِ خَنْزَرَهْ ... فى كلَّ عِيرٍ مِائتانِ كَمَرَةْ
стр. 207
وأما ثلثُمائةٍ إلى تسعِمائةٍ فكان ينبغى أن تكون في القياس مئين أو مِئاتٍ، ولكنَّهم شبّهوه بعشرينَ وأَحَدَ عَشَرَ، حيث جعلوا ما يبيَّنُ به العددُ واحداً، لأنَّه اسمٌ لعددٍ كما أَنّ عشرينَ اسمٌ لعددٍ. وليس بمستنكَرٍ فى كلامهم أنْ يكون اللفظُ واحداً والمعنى جميعٌ، حتَّى قال بعضُهم في الشعر " من ذلك " مالا يُسْتَعْمَلُ فى الكلام. وقال عَلقَمةُ بن عَبَدةَ:
بها جِيَفُ الحَسْرَى فأمَّا عِظامُها ... فَبيِضٌ وأَما جِلْدُها فصَلِيبُ
وقال:
لا تُنكِرُوا القَتْلَ وقد سُبينا ... فى حَلقِكُمْ عَظْمٌ وقد شَجِينَا
стр. 208
فاختُصّ " التثليث " بهذا الباب إلى تسعمائة.
كما أن لدن فى غُدْوَةً حالٌ ليست فى غيرها تُنْصَبُ بها، كأَنّه أَلحقَ التنوينَ فى لغة من قال: لَدُ. وذلك قولك: " من " لَدُنْ غُدْوَةٌ. وقال بعضهم: لَداً غدوةٌ كأنه أَسكن الدالَ ثم فتحها، كما قال: اضرب زيداً، ففتح الباء لمَّا جاء بالنون الخفيفة. والجرُّ فى غُدْوَةٍ هو الوجهُ والقياس. وتكونُ النون في نفس الحرف بمنزلة نونِ مِنْ وعَنْ؛ فقد يشذ الشيء من كلامهم عن نظائره، ويستخفون الشيء في موضع " و " لا يستخفونه في غيره. وذلك قولهم: ماشعرت به شِعْرَةً، ولَيْتَ شِعْرِى. ويقولون: العَمْرُ والعُمْرُ، لا يقولون فى اليمين إلاّ بالفتح، يقولون كُلُّهم: لَعَمْرُك. وسترى أَشباهَ هذا أيضاً فى كلامهم إنْ شاء الله.
ومما جاء فى الشَّعر على لفظ الواحد يراد به الجميعُ:
كُلُوا فى بَعْضِ بَطنِكُمُ تَعِفُّوا ... فإِنّ زمانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيصُ
ومثل ذلك " فى الكلام " قوله ﵎: " فإن طبن لكم عن شيء مِنْهُ نَفْساً "، وقَرِرْنَا به عَيْناً، وإن شئت قلت: أَعْيُناً وأَنفُساً،
стр. 209
كما قلت: ثلثمائةٍ وثلاثِ مِئينَ ومِئاتٍ، ولم يُدْخِلوا الألفَ واللام، كما لم يُدْخلوا فى امتلأت ماءً.
باب استعمال الفعل فى اللَّفظ لا فى المعنى
لاتَّساعِهم فى الكلام، والإيجاز والاختصار فمن ذلك أَنْ تقولَ على قول السائل: كَمْ صِيدَ عليه؟ وكَمْ غيرُ ظَرْفٍ لما ذكرت لك من الاتّساع والإِيجاز، فتقول: صِيدَ عليه يومانِ. وإنَّما المعنى صِيدَ عليه الوحشُ فى يومينِ، ولكنّه اتَّسع واختَصر. ولذلك أيضاً وَضَعَ السائلُ كَم غيرَ ظرفٍ.
ومن ذلك أن تقول: كم وُلِدَ له؟ فيقول: ستّون عاما. فالمعنى ولد له الأولاد ولد له الوَلَدُ سِتّينَ عاماً، ولكنَّه اتَّسع وأَوْجَزَ.
ومن ذلك أن تقول: كَمْ سِيرَ عليه؛ وكم غَيرُ ظرفٍ، فيقول: يومُ الجُمُعةِ ويومان. فكم هاهنا بمنزلة قوله: ما صِيدَ عليه، وما وُلدَ له من الدَّهر والأَيَّامِ؟ فليس كم ظرفاً كما أنّ " ما " ليس بظرف.
стр. 210
ومن ذلك أن يقول: كم ضرِبَ به؟ فنقول: ضُربَ به ضربتان، وضُرِبَ به ضَرْبٌ كثيرٌ.
ومما جاء على اتّساع الكلام والاختصارِ قوله تعالى جدّه: " واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها " إنّما يريد: أهلَ القرية، فاختصر، وعمل الفعل في القرية كم كان عاملاً في الأهل لو كان هاهنا.
ومثله: " بل مكر الليل والنهار "، وإنّما المعنى: بل مكر كم فى الليل والنهار. وقال : " ولكن البر من آمن بالله "، وإنّما هو: ولكنّ البِرَّ برُّ من آمن بالله واليوم الآخِر.
ومثله فى الاتّساع " قولُه ": " وَمَثَلُ الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً "، وإنَّما شُبّهوا بالمنعوق به. وإنَّما المعنى: مَثَلُكم ومَثَلُ الذين كفروا كمثل الناعِق والمنعوقِ به الذى لاُ يَسمع. ولكنه جاء على سعة الكلام والإِيجاز لعلم المخاطَب بالمعنى.
стр. 211
ومثل ذلك " من كلامهم ": بنو فلانٍ يَطَؤُهم الطريقُ، يريد: يَطَؤُهم أهلُ الطريق. وقالوا: صِدْنَا قَنَوَيْنِ، وإنّما يريد صدنا بقَنَوَيْنِ، أو صِدنا وحَش قنوينِ، وإنَّما قنَوَانِ اسمُ أرضٍ.
ومثُله في السعة: أنت أكرم على من أَضربَك، وأنت أَنكدُ من أَن تَتْرُكَه. إنّما يريد: أنت أَكرمُ علَّى من صاحب الضَّربِ، وأنت أَنكدُ من صاحب تَرْكِه؛ لأنَّ قولك: أَنْ أضربك وأن تتركه، هو الضَّرْبُ والتَّرْكُ، لأنّ أَن اسمٌ، وتتركَه " وأَضربكَ " من صلته، كما تقول: يَسوءُنى أَنْ أَضربك، أى يَسوءُنىٍ ضَرْبُك، وليس يريد: أنت أَكرمُ علَّى من الضرب، ولكن أَكرَمُ علىَّ من صاحب الضربِ.
وقال الجعدىّ:
стр. 212
كأنّ عَذِيرهَم بجُنوبِ سِلَّى ... نَعامٌ قاقَ فى بَلَدٍ قِفارِ
العَذير: الصوت. ومن ذلك قولُ عامرِ بن الطُّفيل:
فَلأَبَغِيَنّكُمُ قَناً وعُوارِضاً ... وَلأُقْبِلنَّ الخيل لابة ضرغد
إنما يريد: عذير نعام. وقَناً وعُوارض، يريد بقَناً وعُوارض، ولكنّه حَذَفَ وأَوصَلَ الفعلَ.
" ومن ذلك قول ساعدة:
لدن بهز الكفيعسل مَتنُه ... فيه كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ
يريد: فى الطريق ".
ومن ذلك قولهم: أكلتُ أرضِ كذا وكذا وأكلتُ بلدةَ كذا وكذا، إنما أراد أصاب من خيرها وأكلَ من ذلك وشرب. وهذا الكلام كثير، منه
стр. 213
ما مضى، وهو أكثر من أحصيَه. ومنه ما ستراه أيضاً فيما يستقبَل إن شاء الله.
ومنه قولُهم: " هذهِ الظُّهْرُ أو العَصرُ أو المغرب "، إنّما يريد صلاةَ هذا الوقت. و " اجتمع القَيْظُ "، يريد: اجتَمع الناسُ فى القيظ. وقال الحُطَيئة:
وشرُّ المَنَايا مَيَّتٌ بين أَهلِه ... كهُلْكِ الفَتَى قد أَسْلَمَ الحَىَّ حاضِرُهْ
يريد: مَنيّةُ مَيَّتٍ.
وقال النابغةُ الجعدىّ:
وكيف تُواصِلُ مَنْ أصبحت ... خلالته كأبي مرحب
стр. 214
يريد: كخلالة أبي مرحب.
باب وُقوع الأسماء ظُروفا
وتصحيح اللفظ على المعنى
فمن ذلك قولك: متى يُسارُ عليه؟ وهو يجعله ظرفاً. فيقولُ: اليومَ أو غداً، أو بعد غدٍ أو يومَ الجمعة. وتقول: متى سِيرَ عليه؟ فيقول: أَمْسِ أَوْ أَوّلَ من أَمسِ، فيكونُ ظرفاً، على أنه كان السير في ساعة دونَ سائر ساعات اليوم، أو حين دون سائر أحيانِ اليوم. ويكونُ أيضاً على أنه يكون السَّيرُ فى اليوم كلَّه، لأنَّك قد تقول: سِيرَ عليه فى اليوم ويُسارُ عليه فى يوم الجمعة، والسَّيرُ كان فيه كلَّه.
وقد تقول: سِيرَ عليه اليومُ، فترفعُ وأنت تعنى فى بعضِه، كما تقول فى سعة الكلام: الليلةُ الهلالُ، وإنَّما الهلالُ فى بعض الليلة، وإنَّما أراد الليلةُ ليلةُ الهلالِ، ولكنه اتَّسع وأَوجز. وكذلك أيضاً هذا كلُّه، " كأنّه قال: سِيرَ عليه سَيْرُ اليوم. والرفعُ فى جميع هذا عربىّ كثير فى جميع لغات العرب، على ما ذكرتُ لك من سعة الكلام والإِيجاز، يكونُ على كَمْ غيرَ ظرف وعلى مَتَى غيرَ ظرف ". كأَنّه قال: أىُّ الأَحيان سيرَ عليه أو يُسارُ عليه.
وممَّا لا يكون العملُ فيه من الظروف إلاَّ متّصِلا فى الظّرف كلَّه، قولك: سير عليه الليلَ والنهارَ، والدَّهرَ، والأَبدَ. وهذا جوابٌ لقوله: كم سير عليه؟ إذا جعلَه ظرفا، لأنه يريد: فى كَمْ سِيرَ عليه. فتقول مجيباً له: الليلَ ولنهار " والدهر " والأبد، علة معنى فى الليل والنهار وفى الأبد.
ويدلُّك على أنه لا يكون أن يجعل العمل فيه فى يومٍ دونَ الأيّام
стр. 215
وفى ساعة دون الساعات، أنَّك لا تقول: لقيتُه الدهرَ " والأبدَ، وأنت تريد يوماً منه، ولا لقيته الليل وأنت تريد لقاءهفي ساعةٍ دون الساعات، وكذلك النَّهارُ، إلاّ أن تريد سير عليه الدهرَ أَجمعَ والليلَ " كلَّه، على التكثير. وإنْ لم تَجعله ظرفاً فهو عربىٌّ كثيرٌ فى كلامهم. وإنَّما جاء هذا على جوابِ كَمْ، لأنَّه جَعَله على عدّة الأيَّام واللَّيالى، فجرى على جواب ما هو للعدد، كأنه قال: سِيرَ عليه عدّةُ الأيّام، أو عدّةُ الليالى.
ومن ذلك، " مما يكون متّصِلا "، قولك: سِيرَ عليه يومَيْنِ، " أو ثلاثةَ أيامٍ، لأنَّه عددٌ. ألا ترى أنَّه لا يجوز أن تجعله ظرفاً وتجعلَ اللقاءَ فى أحدهما دون الآخَر. ولو قلت: سِير عليه المؤمنين "، وأنت تعنى أنّ السيرَ كان فى أحدهما، ولم يجز. هذا على أن تَجعل كَمْ ظرفا وغير ظرف.
وأمّا متى فإِنَّما تريد " بها " أن يوُقِّتَ لك وقتا ولا تريد بها عدداً، فإِنما الجوابُ " فيه ": اليومَ أو يومَ كذا، أو شهرَ كذا أو سنَة كذا، أو الآنَ، أو حينَئذٍ وأَشباهُ هذا.
ومما أُجرِى مجرى " الأبد " والدَّهر واللَّيل والنهار: المحرَّمُ وصَفَرٌ " وجُمادَى "، وسائرُ أََسماء الشُّهور إلى ذى الحجة؛ لأنهم جعلوهن جملة واحدة لعِدّة أيّام، كأنّهم قالوا: سيرَ عليه الثلاثون يوماً. ولو قلت: شهرُ رمضانَ أو شهر ذي الحجة لكان بمنزلة يوم الجمعة والبارحةِ والليلةِ،
следующие страницы →