Полный текст (1 982 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فَواعِدِيه سَرْحَتَىْ مالِكٍ ... أَوِ الرُّبَا بينهما أَسهَلاَ
وإنَّما نصبتَ خيراً لك وأَوسَعَ لك، لأنَّك حين قلت: " انْتَه " فأنت تريد أن تخْرِجَه من أَمْرٍ وتُدخِلَه فى آخرَ.
وقال الخليل: كأَنَّك تحملُه على ذلك المعنى، كأَنّك قلت: انْتَهِ وادخَّلْ فيما هو خيرٌ لك، فنصبتَه لأنَّك قد عرفتَ أنّك إذا قلت له: انْتَهِ، أنَّك تحمله على أمرٍ آخَرَ، فلذلك انتَصب، وحذَفوا الفعل لكثرة استعمالِهم إيَّاه فى الكلام، ولعلم المخاطَب أَنّه محمولٌ على أمرٍ حين قال له: انتَهِ، فصار بدلاً من
стр. 282
قوله: ائت خيراً " لك "، وادْخُلْ فيما هو خير لك.
ونظير ذلك من الكلام قوله: انْتَهِ يا فلانُ أَمْراً قاصِداً. فإنما قلت: انته وائت أمراً قاصدا، إلاَّ أنَّ هذا يجوز لك فيه إظهارُ الفعل، فإِنَّما ذكرتُ لك ذا لامثَّلَ لك الأوّلَ به، لأنَّه قد كَثُرَ فى كلامهم حتّى صار بمنزلة المَثلِ، فَحُذِفَ كحذفهم: ما أريت كاليومِ رَجُلا.
ومثل ذلك قول القُطامِىّ:
فكَرَّتْ تَبْتَغِيه فوافقتْه ... على دَمِهِ ومَصْرَعِه السَّباعَا
стр. 283
ومثله قوله، " وهو ابن الرقيات ":
لن تراها ولو تأمَّلتَ إلاّ ... ولها فى مَفارقِ الرَّأسِ طِيبَا
وإنَّما نَصَبَ هذا لأنه حين قال وافقتْه " و " قال: لن تراها، فقد عُلِم أنّ الطَّيبَ والسَّباع قد دخلا فى الرُّؤْيِة والموافَقَةِ، وأنَّهما قد اشتَملا على ما بعدَهما فى المعنى.
ومثل ذلك قول ابن قميئة:
تذكر أَرْضاً بها أهلُها ... أَخْوَالَها فيها وأََعْمامَها
стр. 284
لأنّ الأخوال والأَعمامَ قد دخلوا فى التذكُّرِ.
ومثل ذلك فيما زعم الخليل:
إذا تَغَنَّى الحَمامُ الوُرقُ هَيَّجَنى ... ولو تغرَّبتُ عنها أُمَّ عَمّارِ
قال الخليل ﵀: لمّا قال هَيّجنى عُرف أنّه قد كان ثَمَّ تَذَكُّرٌ لتَذكرةِ الحمام وتَهْيِيِجه، فأَلْقَى ذلك الذى قد عُرف منه على أمّ عمّارٍ، كأَنه قال: هيَّجنى فذكَّرنى أمَّ عمّار.
ومثل ذلك أيضاً قول الخليل ﵀، وهو قول أبى عمرو: ألا رَجُلَ إمّا زيداً وإمّا عمرا، لأنّه حين قال: أَلاَ رجلَ، فهو مُتَمَنٍّ شيئاً يَسألُه ويريده، فكأَنه قال: اللهمَّ اجعلْه زيداً أو عمراً، أو وفَّقْ لى زيدا أو عمرا.
وإن شاء أظهر فيه وفى جميع هذا الذى مُثّل به، وإن شاء اكتَفى فلم يذكر الفعلَ؛ لأنه قد عُرِف أنه مُتَمَنٍ سائلٌ شيئاً وطالبُه.
ومثل ذلك قول الشاعر، " وهو عبد بنى عبس ":
стр. 285
قد سالَمَ الحيّاتُ منه القَدَمَا ... الأُفْعُوانَ والشُّجاعَ الشجعما
وذات قرنين ضموزاً ضرزما
فإِنَّما نصب الأُفعُوانَ والشُّجاعَ لأنّه قد عُلم أنَّ القدم ههنا مسالِمةٌ كما أنها مسالَمَة، فَحمَل الكلامَ على أنّها مسالِمة.
ومثلُ هذا البيت إنشادُ بعضِهم، لأَوس بن حَجَر:
تُواهِقُ رجلاها يداها ورَأْسُهُ ... لها قَتَبٌ خَلفَ الحقيبة رادِفُ
стр. 286
وإنشاد بعضهم للحارق بن نهيك:
ليبك يزيد ضارع لخصومةومختبط مما تطيح الطوائح لما قال: ليبك يزيدُ، كان فيه معنى ليَبْكِ يزيدَ، كما كان فى القَدَمِ أنَّها مسالِمة، كأَنه قال: لِيَبْكِهِ ضارعٌ.
ومن ذلك قول عبد العزيز " الكلابىّ ":
وَجَدْنا الصَّالحينَ لهم جزاءٌ ... وجَنّاتٍ وعَيناً سلسيلا
لأنّ الوِجْدانَ مشتمِلٌ فى المعنى على الجزاء، فَحَمَلَ الآخِرَ على المعنى. ولو نَصب الجزاءََ كما نَصب السَّباعَ لجاز. وقال:
стр. 287
أَسْقَى الإِلهُ عُدُواتِ الوادى ... وجَوْفَة كلَّ مُلِثٍّ غادِى
كلُّ أَجَشَّ حالِكِ السَّوادِ
كأَنه قال: سقاها كلُّ أجشَّ، كما حُمل ضارعٌ لخصومة على ليبك يزيد، لأنه فيه معنى سقاها كلُّ أجشَّ.
ولا يجوز أن تقول: يَنتهِى خيراً له، ولا أَأَنتهِى خيراً لي؛ لأنك إذا نهيت فأنت تزيجه إلا أمر، وإذا أَخبرتَ أو استفهمت فأنت لست تريد شيئاً من ذلك، إنما تعلم خبراً أو تَسترشِدُ مُخْبِراً، وليس بمنزلة وافقته على دمِه ومَصرعِه السَّباعا؛ لأنّ السَّباعَ داخل فى معنى وافقته، كأَنه قال: وافقتِ السَّباعَ على مصرعِه، " والخيرُ والشرُّ لا يكون محمولاً على يَنتهى وشبهِه، لا تستطيع أن تقول: انَتهيتُ خيراً، كما تقول: قد أصبتُ خيرا ".
وقد يجوز أن تقول: أَلاَ رَجُلَ إمّا زيدٌ وإمّا عمرو، كأَنه قيل له: من هذا المتمنَّى؟ فقال: زيدٌ أو عمروٌ.
стр. 288
ومثلُ: ليُبْكَ يزيدُ قراءة بعضهِم: " وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم "، رَفَع الشُّركاءَ على " مثل " ما رُفع عليه ضارِعٌ.
هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل
المتروك إظهارُه فى غير الأمر والنَّهى
وذلك قولك: أخذته بدرهم فصاعِداً، وأخذتُه بدرهم فزائدا. حذفوا الفعَل لكثرة استعمالهم إيّاه، ولأنَّهم أمِنوا أن يكونَ على الباء، لو قلتَ: أخذتُه بصاعد كان قبيحا، لأنه صفة ولا تكون في موضع الاسم، كأنه قال: اخذته بدرهم فزاد الثمنُ صاعداً، أو فذهَبَ صاعِداً.
ولا يجوز أن تقول: وصاعدٍ، لأنَّك لا تريد أن تُخْبِرَ أنّ الدرهم مع صاعدٍ ثمنٌ لشيء، كقولك: بدرهمٍ وزيادةٍ، ولكنَّك أخبرت بأَدنى الثمن فجلته
стр. 289
أولاً، ثم قروت شيئاً بعد شيء لأَثمانٍ شتَّى. فالواوُ لم تُرِدْ فيها هذا المعنى، ولم تلزم الواو الشيئين أَنْ يكون أحدُهما بعد الآخَر. ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بزيد وعمرو، لم يكن في هذا دليل أنك مررت بعمرو بعد زيد. وصاعد بدل من زاد ويزيد.
وثم بمنزلة الفاءِ، تقول: ثُمَّ صاعداً، إلاّ أَنَّ الفاءَ أكثرُ فى كلامهم.
ومما يَنتصب فى غير الأمر والنهى على الفعل المتروك إظهارُه قولك: يا عبد الله، والنَّداءُ كلُّه. وأَمّا يا زيدُ فله عِلَّةٌ ستراها فى باب النَّداء إن شاء الله تعالى، حذفوا الفعلَ لكثرة استعمالهم هذا فى الكلام، وصار يَا بدلا من اللَّفظ بالفعل، كأَنه قال: يَا، أُريدُ عبدَ الله، فحذَف أُريدُ وصارت يا بدلاً منها، لأنّك إذا قلت: يا فلانُ، علم أنك تريده.
ومما يدلك على أنّه يَنتصب على الفعل وأنّ يا صارت بدلا من اللفظ بالفعل، قولُ العرب: يا إيّاك، إنما قلتَ: يا إيّاك أَعْنى، ولكنَّهم حذفوا الفعلَ وصار يا وأَيَا وأَىْ بَدَلاً من اللفظ بالفعِل.
وزعم الخليل ﵀ أنّه سمعَ بعضَ العرب يقول: يا أنت. فزعَم أنهم جعلوه موضعَ المفرد. وإن شئت قلت: يا فكان بمنزلة يا زيد، ثم تقول: إياك. أى إيَّاكَ أعنى. هذا قول الخليل ﵀ فى الوجهين.
стр. 290
ومن ذلك قول العرب: مَنْ أنتَ زيداً، فزعم يونسُ أنّه على قوله: مَنْ أنت تَذكُر زيداً، ولكنه كثر فى كلامهم واستُعمل واستغنوا عن إظهارِه، فإِنّه قد عُلم أنَّ زيداً ليس خبراً " ولا مبتدأ "، ولا مبنياًّ على مبتدإ، فلا بدَّ من أنْ يكونَ على الفعل، كأَنه قال: مَنْ أنتَ، معرَّفاً ذا الاسمَ، ولم يحمل زيداً على مَنْ ولا أنت. ولا يكون مَنْ أنتَ زيداً إلاَّ جوابا، كأَنَّه لمّا قال: أنا زيدٌ، قال: فَمَنْ أنتَ ذاكِراً زيداً.
وبعضُهم يَرفع، وذلك قليل، كأَنه قال: مَنْ أنت كلامُك أو ذكرُك زيدٌ. وإنَّما قَلَّ الرفعُ لأن إعمالَهم الفعلَ أحسنُ من أن يكون خبراً لمصدرٍ ليس له، ولكنه يجوز على سعة الكلام، وصار كالمثل الجارى، حتّى إنهم لَيسْألون الرجل عن غيره فيقولون للمسؤول: مَنْ أنتَ زيدا، كأَنّه يكِلّمُ الذى قال: أنا زيدٌ، أى أنت عندى بمنزلة الذى قال: أنا زيدٌ، فقيل له: من أنت زيداً، كما تقول للرجل: " أَطِرَّى إنّكِ ناعلةٌ واجمعى ". أى أنتَ عندى بمنزلة التى يقال لها هذا.
стр. 291
سمعنا رجُلا منهم يَذكر رجلا، فقال لرجل ساكتٍ لم يَذكْر ذلك الرجلَ: مَنْ أنتَ فلاناً.
ومن ذلك قول العرب: أَمّا أنتَ منطلقاً انطلقت معك، وأَمّا زيدٌ ذاهباً ذهبتُ معه.
وقال الشاعر، وهو عباس بن مِرداسٍ:
أَبا خُراشَةَ أَمَّا أنتَ ذا نَفَرِ ... فإِنّ قومِىَ لم تَأْكُلْهُمُ الضَّبُعُ
فإِنَّما هى " أَنْ " ضُمَّت إليها " ما " وهى ما التوكيِد، ولزمتْ كراهيةَ أن يُجحفِوا بها لتكون عوضاً من ذَهابِ الفعل، كما كانت الهاءُ والألفُ عوضا
стр. 292
فى الزَّنادقة واليَمانِى من الياء.
ومثل أَنْ فى لزوم " ما " قولُهم إمَّا لاَ، فألزموها ما عوضاً. وهذا أَحْرَى أن يُلزموا فيه إذْ كانوا يقولون: آثِراً ما، فيُلزِمُون ما، شبّهوها بما يَلزم من النُّونات فى لأفعلنَّ، واللامِ فى إن كان لَيَفعلُ، وإن كان ليس مثلَه، وإنَّما هو شاذٌ كنحوِ ما شُبّه بما ليس مثلَه، فلمّا كان قبيحّا عندهم أن يذكروا الاسمَ بعد أَنْ ويَبتدئوه بعدها كقُبْحِ كَىْ عبدُ الله يقولَ ذاك، حملوه على الفعلِ حتَّى صار كأَنّهم قالوا: إذ صرتَ منطلقا فأنا أَنطلِقُ " معك "، لأنَّها فى معنى إذْ فى هذا الموضع وإذ في معناها أيضاً في هذا الموضع، إلاّ أنّ إذ، لا يُحذَفُ معها الفعل.
و" أما " لا يُذْْكَرُ بعدها الفعلُ المضمَرُ، لأنَّه من المضمَرِ المتروكِ إظهارُه، حتَّى صار ساقطاً بمنزلة تركِهم ذلك فى النداء وفى مَنْ أنت زيداً. فإن أظهرتَ الفعلَ قلت: إمَّا كنتَ منطلقاً انطلقتُ، إنّما تريد: إنْ كنتَ منطلقا انطلقتُ، فحذفُ الفعل لا يجوز ههنا كما لم يجز ثَمَّ إظهارُه؛ لأنَّ أمّا كثرتْ في كلامهم واستعملت حتَّى صارت كالمثل المستعمَل.
وليس كلُّ حرفٍ هكذا، كما أنَّه ليس كلُّ حرف بمنزلة لم أُبَلْ ولم يَكُ، ولكنهم حذفوا هذا لكثرته وللاستخفاف، فكذلك حذفوا الفعل من أَمّا.
ومثل ذلك قولهم: إمّا لاَ، فكأَنَّه يقول: افْعَلْ هذا إنْ كنتَ لا تَفْعَلْ
стр. 293
غيرَه، ولكنهم حذفوا " ذا " لكثرة استعمالهم إيّاه وتصرفُّهم حتى استغَنوا عنه بهذا.
ومن ذلك قولهم: مَرْحَباً، وأَهلاً، وإن تأتِنى فأَهْلَ اللَّيل والنهارِ.
وزعم الخليل ﵀ حين مثّله، إنّه بمنزلة رَجُلٍ رأيتَه قد سدَّد سهمه فقلتَ: القِرطاسَ، أى أَصَبتَ القرطاسَ، أى أنت عندى ممن سيُصِيبُه. وإن أَثْبتَ سهمَه قلت: القرطاسَ، أى قد استَحقَّ وقوعَه بالقرطاس. فإنَّما رأَيتَ رجلاً قاصدا إلى مكانٍ أو طالبا أمرّا فقلتَ: مَرْحَباً وأَهْلاً، أى أدركتَ ذلك وأُصبتَ، فحذفوا الفعلَ لكثرة استعمالهم إيّاه، وكأَنّه صار بدلاً من رَحُبَتْ بلادُك وأَهِلَتْ، كما كان الحَذَرَ بَدَلا من احْذَرْ. ويقول الرادُّ: وبكَ وأَهْلاً وسَهْلاً، وبك أَهْلاً. فإذا قال: وبك وأهلاً، فكأَنّه قد لَفَظَ بمرحباً بك وأهلا. وإذا قال: وبك أهلا فهو يقول: ولك الأَهْلُ إذا كان عندك الرُّحْبُ والسعةُ. فإِذا رددتَ فإِنَّما تقول: أنت عندى ممّن يقال له هذا لو جئَتنى. وإنَّما جئتَ ببك لنبين مَن تَعنى بعد ما قلتَ: مرحبّا، كما قلتَ: لك، بعد سَقْياً. ومنهم من يَرفع فيجَعل ما يُضمِرُهُ هو ما أَظْهَرَ. وقال طفيل الغنوي:
стр. 294
وبالسهب ميمون القبة قولُه ... لمُلتمِسِ المعروفِ: أَهْلٌ ومَرْحَبُ
أى هذا أهلٌ ومرحبٌ. وقال أبو الأسود:
إذا جئتُ واباً له قال: مَرْحَباً ... أَلا مَرْحَبٌ واديكَ غير مَضِيقِ
فاعرفْ فيما ذكرتُ لك أنّ الفِعْلَ يَجرى فى الأسماءِ على ثلاثة مَجارٍ: فِعْلٌ مُظْهَرٌ لا يَحسن إضمارُه، وفِعْلٌ مُضْمَرٌ مستعمَلٌ إظهارُه، وفِعْلٌ مُضمَرٌ متروكٌ إظهارُه.
فأَمّا الفعل الذى لا يَحسن إضمارُه فإنّه أَنْ تَنْتَهِىَ إلى رجل لم يكن فى ذِكْرِ ضَرْبٍ ولم يَخطُرِْ بباله، فتقول: زيدا. فلا بدَّ له من أن تقول له:
стр. 295
اضربْ زيدا، وتقولَ له: قد ضربتَ زيدا. أو يكون موضعاً يقبح أن يعرى من الفعل نحو أَنْ وقَدْ وما أَشبه ذلك.
وأمّا الموضعُ الذى يُضْمَرُ فيه وإظهارُه مستعمَلٌ، فنحوُ قولك: زيداً، لرجلٍ فى ذِكْرِ ضَرْبٍ، تريد: اضرب زيداً.
وأما الموضع الذي لا يستعمَل فيه الفعلُ المتروكُ إظهاره فمِن الباب الذى ذُكِرَ فيه إيّاك إلى الباب الذى آخِرُه ذكرُ مرحباً وأهلاً. وسترى ذلك فيما يستقبل إن شاء الله.
باب ما يَظْهَرُ فيه الفعلُ ويَنتصب فيه الاسمُ
لأنَّه مفعولٌ معه ومفعولٌ به، كما انَتصب نَفْسَه فى قولك: امرأَ ونفسَه. وذلك قولك: ما صَنَعْتَ وأَباك، ولو تُركت النَّاقةُ وفَصِيلَها لَرَضِعَها، إنَّما أردتَ: ما صنعتَ مع أَبيك، ولو تُركت الناقةُ مع فصيِلها. فالفصيلُ مفعولٌ معه، والأَبُ كذلك، والواوُ لم تغيَّر المعنى، ولكنَّها تُعْملُ فى الاسم ما قبلها.
стр. 296
ومثل ذلك: ما زلت وزيداً " حتى فَعلَ "، أى ما زلتُ بزيد حتى فعل، فهو مفعول به. وما زلت أَسِيرُ والنَّيلَ، أى مع النّيِل، واستَوَى الماء والخَشَبَةَ، أى بالخَشَبَةِ. وجاء البَرْدُ والطَّيالِسَةَ، أى مع الطَّيالسةِ. وقال:
فكُُونُوا أنتُمُ وبنى أَبيكم ... مكان الكُلْيَتَيْنِ مِنَ الطَّحالِ
وقال:
وكان وإيّاها كحران لم يفق ... عن الماء إذا لاقاهُ حتّى تقدَّدَا
ويدّلك على أنَّ الاسم ليس على الفعل فى صنعتَ، أنّك لو قلتَ: اقْعُدْ وأخوك كان قبيحاً حتَّى تقول: أنتَ، لأنه قبيحٌ أَنْ تَعطف على المرفوع المُضْمَرِ. فإِذا قلت: ما صنعتَ أنتَ، ولو تُركتْ هى، فأنت بالخيار إن شئت حملتَ الآخِر على ما حملتَ عليه الأوّلَ، وإن شئت حملته على المعنى الأول.
стр. 297
بابٌ معنى الواو فيه كمعناها فى الباب الأوّلِ
إلاّ أنّها تَعْطِفُ الاسمَ هنا على ما لا يكونُ ما بعده إلاَّ رفّعا على كلّ حال.
وذلك قولك: أنت وشأنُك، وكلُّ رجل وضَيْعتُه، وما أنت وعبدُ الله وكيف أنت وقَصْعةٌ من ثَريدٍ، وما شأنُك وشأنُ زيد. وقال " المخبل ":
يا زبرقان أَخا بنى خَلَفٍ ... ما أنتَ وَيْبَ أبيك والفَخْرُ
وقال جَميل:
وأنت امرؤٌ من أهل نَجْدٍ وأهلُنا ... تَهامٍ فما النَّجْدىُّ والمتغوَّرُ
стр. 298
وقال:
وكنتَ هناك أنتَ كريمَ قيسِ ... فما القَيْسىُّ بعدَك والفِخارُ
وإنَّما فُرق بين هذا وبين الباب الأوّل لأنَّه اسمٌ، والأوّلُ فعلٌ فأُعمل، كأَنّك قلت فى الأوّل: ما صنعتَ أخاك، وهذا مُحالٌ، ولكنْ أردتُ أن أمثَّلَ لك.
ولو قلتَ: ما صنعتَ مع أخيك وما زلتُ بعبد الله، لكان مع أخيك وبعبدِ الله فى موضع نصبٍ. ولو قلت: أنتَ وشأنُك كنتَ كأَنّك قلت: أنتَ وشأنُك مَقرونانِ، وكلُّ امرئٍ وضيَعْته مقرونانِ؛ لأنَّ الواو في معنى مع عنا، يَعمل فيما بعدها ما عَمِلَ فيما قبلها من الابتداء والمبتدإ.
ومثله: أنتَ أَعلَمُ ومالُكَ، فإِنَّما أردتَ: أنت أَعلمُ مع مِالك. وأنتَ أعلم وعبد الله، أي أنت علم مع عبد الله. وإن شئت كان على الوجه الآخَر، كأنك قلت: أنت وعبد الله أعلم من غيركما. فإن قلت: أنت أعلم وعبد الله فى الوجه الآخَر فإِنَّها أيضاً تعمل فيما بعدها الابتداء، كما أعملت فى ما صنعتَ وأخاك، " صنعتَ ". فعلى أَىَّ الوجَهْينِ وجَّهتَه صار على المبتدإ،
стр. 299
لأنّ الواو فى المعنيينِ جميعاً يَعمل فيما بعدها ما عَمل فى الاسم الذى تَعطفه عليه.
وكذلك: ما أنتَ وعبدُ الله، وكيف أنتَ وعبدُ الله، كأَنك قلت: ما أنت وما عبدُ الله، وأنت تريد أن تحقَّر أمره أو ترفع أمره.
و" كذلك ": كيف أنت وعبدُ الله، وأنت تريد أن تَسأل عن شأنهما، لأنك إنَّما تَعطف بالواو إذا أردت معنى مَعَ على كَيْفَ، وكيف بمنزلة الابتداء، كأَنك قلت: وكيف عبدُ الله، فعملت كما عَمِلَ الابتداءُ لأنَّها ليستْ بفعِل، ولأنَّ ما بعدها لا يكون إلاَّ رفعا. يدّلك على ذلك قول الشاعر، " وهو زيادٌ الأَعجمُ، ويقال غيرهُ ":
تكلَّفُنِى سَوِيقَ الكَرْمِ جَرمٌ ... وما جَرْمٌ وما ذاك السَّويقُ
стр. 300
ألاَ ترى أنه يريد معنى مَعَ، والاسمُ يَعمل فيه ما.
ومثلُ ذلك قول العرب: إنَّك مَا وخَيْرا، تريد: إنّك مع خَيْرٍ. وقال، وهو لأبى عنترة العبسىّ:
فَمنْ يَكُ سائِلاً عنّى فإِنّى ... وجِرْوَةَ لا تَرودُ ولا تُعارُ
فهذا كلُّه يَنتصب انتصابَ إنّى وزيداً منطلقان، ومعناهن مع، لأن إني ها هنا بمنزلة الابتداءِ ليست بِفعلٍ ولا اسمٍ بمنزلة الفِعل.
وكيف أنت وزيدٌ، وأنت وشأنُك، مثالُهما واحد، لأن الابتداء وكيف وما وأنت، يَعْمَلْنَ فيما كان معناه مَعَ بالرفعَ فيحسن، ويُحْمَلُ على " المبتدإ كما يُحْمَلُ على " الابتداءِ. ألا ترى أنّك تقول: ما أنت وما زيدٌ فيَحسنُ، ولو قلت: ما صنعتَ وما زيدٌ، لم يَحسن ولم يستقِمْ إذا أردتَ معنى ما صنعتَ وزيداً، ولم يكن لِتَعملَ ما أنت وكيف أنت، عَمَلَ صنعتَ، وليستا بفعل، ولم
стр. 301
نَرَهم أعملوا شيئاً من هذا كذا. فإِذا نصبتَ فكأَنّك قلت: ما صنعتَ زيداً مثلَ ضربتَ زيداً ورأيت. ولم نَرَ شيئاً من هذا ليس بِفعل فُعل به هذا فتُجريَهُ مُجرى الفعل.
وزعموا أنَّ ناسا يقولون: كيف أنت وزيداً، وما أنت وزيدا. وهو قليل فى كلام العرب، ولم يحملوا الكلام على ما ولا كيف، ولكنهم حملوه على الفِعل، على شيء لو ظَهَرَ حتَّى يَلفظوا به لم يَنقُضْ ما أرادوا من المعنى حين حملوا الكلام على ما وكيف، كأَنه قال: كيف تكون وقصعةً من ثريد، وما كنتَ وزيداً؛ لأنَّ كنتَ وتكونُ يقعان ها هنا كثيرا ولا يَنقضانِ ما تريد من معنى الحديث. فمَضى صدرُ الكلام وكأَنّه قد تَكلم بها " وإن كان لم يَلفظ بها، لوقوعها ههنا كثيرا ". ومن ثَمَّ أنشد بعضهم:
فما أنا والسَّيرَ فى مَتلَفٍ ... يبَرَّحُ بالذّكَرِ الضّابِطِ
стр. 302
لأنهم يقولون: " ما كنتَ " هنا كثيرا ولا يَنْقُضُ هذا المعنى. وفى " كيف " معنى يكون، فجرى " ما أنَت " مجرى " ما كنتَ "، كما أنّ كيف على معنى يكون.
وإذا قال: أنتَ وشأنُك فإِنما أَجرى كلامَه على ما هو فيه الآن، لا يريد كان ولا يكونُ. وإن كان حَمَلَه على هذا ودعاه إليه شيء قد كان بلغَه فإِنَّما ابتدأَ وحمله على ما هو فيه الآن، وجرى على ما يُبْنَى على المبتدإ. ولذلك لم يستعمِلوا ههنا الفعلَ مِنْ كان ويكونُ، لِما أرادوا من الإِجراءِ على ما ذكرتُ لك.
وزعم أبو الخَطاّب أنَّه سمع بعضَ العرب الموثوقِ بهم يُنْشِدُ " هذا البيت نصبا ":
أَتوعِدُنى بقَوْمِك يا ابن حجل ... أشابات يخالون العبادا
بما جمت من حضن وعمرو ... وما حضن وعمرو والجيادا
стр. 303
وزعموا أنالراعي كان يُنْشِدُ هذا البيت نصباً:
أَزْمانَ قومِى والجماعةَ كالذى ... مَنَعَ الرَّحالةَ أَنْ تَميلَ مَمِيلاَ
كأَنّه قال: أَزْمانَ كان قومى والجماعةَ، فحملوه على كان. أنّها تقعُ فى هذا الموضع كثيراً، ولا تَنقض ما أرادوا من المعنى حين يَحملون الكلام على ما يَرفع، فكأَنّه إذا قال: أزمانَ قومى، كان معناه: أزمانَ كانوا قومى والجماعة كالذى، وما كان حضَن وعمرو والجيادا. ولو لم يقل: أزمان كن قومى لكان معناه إذا قال: أزمان قومى، أزمان كان قومى؛ لأنه أمرٌ قد مضى.
وأَمّا أنت وشأَنُك، وكلُّ امرئٍ وضيعَتُه، وأنت أعلم وربك، وأشبه ذلك، فكلُّه رَفعٌ لا يكون فيه النصبُ، لأنَّك إنّما تريد أن تُخْبِرَ بالحال التى فيها المحدَّثُ عنه فى حال حديثك، فقلتَ: أنت الآنَ كذلك، ولم ترد أن تَجعل ذلك فيما مضى ولا فيما يُستقبل، وليس موضعاً يُستعمل فيه الفعلُ.
стр. 304
وأَمّا الاستفهامُ فإنَّهم أجازوا فيه النَّصب، لأنهم يَستعملون الفعلَ فى ذلك الموضع كثيراً، يقولون: ما كنتَ؟ وكيف تكون؟ إذا أرادوا معنى مَعَ ومن ثَمَّ قالوا: أَزْمانَ قومى والجماعةَ، لأنَّه موضع يَدخل فيه الفعلُ كثيراً، يقولون: أَزْمانَ كان وحينَ كان.
وهذا مشبّه بقول صرمة الأنصاري:
بداء لى أنى لست مدرك ما مضى ... ولا سابقٍ شيئاً إذا كانَ جائيَا
فجعلوا الكلام على شيء يقع هنا كثيرا.
ومثله " قول الأَخْوص ":
مَشائيمُ ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غُرابُها
فحملوه على ليسوا بمُصلحِين، ولستُ بمدركٍ.
ومثلُه لعامرِ بن جُوَيْنٍ الطائىّ:
стр. 305
فلم أَرَ مِثلَها خُبَاسةَ واحدٍ ... ونَهُنَهْتُ نفسى بعدَ ما كِدتُ أَفْعَلَهْ
فحملوه على أَنْ، لأنّ الشعراءَ قد يَستعملون أَنْ ههنا مضطَّرين كثيراً.
بابٌ منه يُضمِرون فيه الفِعْلَ لقبح الكلام
إذا حُمل آخِرُه على أوّله
وذلك قولك: مالك وزيدا، وما شأُنُك وعمراً. فإِنَّما حدُّ الكلام ههنا: ما شأنك وشأن عمرو. فإن حملت الكلام على الكاف المضمرة فهو قبيح، وإن حملتَه على الشأنِ لم يجزْ لأنّ الشأنَ ليس يَلتبس بعبدِ الله، إنّما يَلتبس به الرجُل المضمَرُ فى الشأْنِ. فلما كان ذلك قبيحاً حملوه على الفعل، فقالوا: ما شأْنُك وزيدا، أى ما شأْنُك وتناولُك زيدا. قال المسْكينُ الدارمىُّ:
стр. 306
فما لكَ والتلدُّدَ حَوْلَ نَجْدٍ ... وقد غَصَّتْ تِهامةُ بالرَّجالِ
وقال:
وما لكُم والفَرْطَ لا تقربوه ... وقد خِلْتُه أَدْنَى مَرَدٍّ لعاقِلِ
ويدلّك أيضاً على قبحه إذا حمل على الشأنِ، أنّك إذا قلت: ما شأنُك وما عبدُ الله، لم يكن كحُسْنِ ما جَرْمٌ وما ذاك السَّوِيقً، لأنك تُوهِمُ أنّ الشأنَ هو الذى يَلتبس بزيد، " وإنّما يَلتبس شأنُ الرجل بشأن زيد ". ومن أراد ذلك فهو ملغز تارك لكلام الناس الذي يَسبق إلى أفْئِدتِهم.
стр. 307
فإِذا أَظهر الاسمَ فقال: ما شأنُ عبدِ الله وأخيه يَشْتِمُه فليس إلاّ الجرُّ، لأنه قد حسن أن تَحْمِلَ الكلام على عبد الله، لأنّ المظهَر المجرورَ يُحملُ عليه المجرورُ.
وسمعنا بعد العرب يقول: ما شأن عبد الله والعبر يشتمها. وسمعنا أيضاً من العرب الموثوق بهم مَنْ يقول: ما شأَنُ قيس والبُرَّ تَسْرِقُه. لمّا أظهروا الاسمَ حسُن عندهم أن يَحملوا عليه الكلامَ الآخِرَ.
فإِذا أضمرتَ فكأَنّك قلتَ: ما شأنُك وملابسةٌ زيداً، أو وملابستُك زيدا، فكان أن يكون زيدٌ على فِعْلٍ وتكونَ الملابسةُ على الشأن، لأن الشأن معه ملابسةٌ له، أحسنَ من أن يُجْرُوا المظهَرَ على المضمَرِ.
فإن أظهرتَ " الاسمَ فى الجرّ " عَمِلَ عَمَلَ كَيْفَ فى الرفع.
ومَنْ قال: ما أنت وزيداً، قال: ما شأنُ عبدِ الله وزيدا. كأَنه قال: ما كان شأنُ عبدِ الله وزيدا، وحمله على كانَ لأنّ كان تقع ههنا.
والرفعُ أجودُ وأكثر " فى: ما أنت وزيدٌ "، والجر فى قولك: ما شأنُ عبدِ الله وزيدٍ، أحسنُ وأجودُ، كأَنه قال: ما شأنُ عبدِ الله وشأنُ زيدٍ ومَن
стр. 308
نصب فى: ما أنت وزيداً أيضاً قال: ما لزيدٍ وأخاه، كأَنه قال: ما لزيدٍ وأخاه، كأنّه قال: ما كانَ شأنُ زيدٍ وأخاه؛ لأنه يَقع فى هذا المعنى ههنا، فكأَنّه قد كان تكلَّم به.
ومن ثَمَّ قالوا: حسبُك وزيداً؛ لمّا كان فيه معنى كَفاك، وقبح أن يَحملوه على المضمَر، نَوَوُا الفعل، كأَنّه قال: حسبُك ويُحْسِبُ أخاك درهمٌ.
وكذلك: كَفْيُك، " وقَدكَ، وقَطْكَ ".
وأمّا وَيْلاً له وأخاه، وويْلَه وأباه، فانتَصب على معنى الفعلِ الذى نصبهَ، كأنك قلت: ألزمه الله ويله وأباه، فانتصب على معنى الفعل الذى نصبه، فلمّا كان كذلك - وإن كان لا يَظْهَرُ - حَمَلَه على المعنى.
وإن قلتَ: ويلٌ له وأَباه نصبتَ لأنّ فيه ذلك المعنى، كما أنّ حسبُك يرتفع بالابتداءِ وفيه معنى كفاك. وهو نحو مررتُ به وأبَاه، وإن كان أَقْوَى، لأنَّك ذكرتَ الفعلَ، كأَنك قلت: ولقيتُ أباه.
وأما هذا لك وأباك، فقبيح " أن تنصبالأب "، لأنه لم يذكر فعلاً ولا حرفاً في معنى فعل حتى يصير كأنه قد تكلم بالفعل.
стр. 309
باب ما يُنْصَبُ من المصادر
على إضمارِ الفعل غير المستعمل وإظهاره
وذلك قولك: سَقياً وَرْعياً، ونحو قولك: خَيْبةً، ودَفراً، وجَدْعاً وعَقْراً، وبؤُساً، وأُفَّةً وتُفَّةً، وبُعْداً وسُحْقاً. ومن ذلك قولك: تَعْساً وتَبًّا، وجُوعاً " وجُوساً ". ونحوُ قول ابن مَيّادةَ:
تَفاقَدَ قومى إذ يَبيعون مُهجِتى ... بجارِيةٍَ بَهْراً لهمْ بعدها بَهْرَا
أى تبًّا.
" وقال:
ثمَّ قالوا تُحِبُّها قلتُ بَهْراً ... عَدَدَ النَّجْمِ والحَصَى والتُّرابِ
стр. 310
كأَنه قال: جَهْداً، أى جَهْدى ذلك ".
وإنما يَنتصب هذا وما أشبهه إذا ذُكر مذكورٌ فدعوتَ له أو عليه، على إضمار الفعل، كأَنّك قلت: سَقاك الله سَقياً، ورَعاك " الله " رعياً، وخيبك الله خيبة. فكل هذا وأشباهه على هذا يَنتصب.
وإنَّما اختُزل الفعلُ ها هنا لأنَّهم جعلوه بدلاً من اللفظ بالفعل، كما جُعل الحَذَرَ بدلا من احذرْ. وكذلك هذا كأَنَّه بدلٌ من سَقاك اللهُ ورَعاك " اللهُ "، ومِن خَيَّبَك الله.
وما جاء منه لا يَظهر له فِعلٌ فهو على هذا المثال نصب، كأنك جعلت بهراً بدلاً من بَهَرَك اللهُ، فهذا تمثيلٌ ولا يُتكلَّم به.
وممَّا يدلّك أيضاً على أنَّه على الفعلِ نُصب، أنّك لم تَذكر شيئاً من هذه المصادر لتَبنَى عليه كلاما كما يبنى على عبد الله إذا ابتدأتَه، وأَنّك لم تجعله مبنيَّا على اسمٍ مضمَر فى نِيّتك، ولكنه على دُعائِك له أو عليه.
وأمّا ذكرُهم " لك " بعد سَقْياً فإنّما هو ليبيَّنوا المعنَّى بالدعاءِ. وربَّما تركوه استغناءً، إذا عَرَفَ الدّاعِى أنّه قد عُلم مَنْ يَعنى. وربَّما جاء به على
стр. 311
العلم توكيداً، فهذا بمنزلة قولك: " بِكَ " بعد قولك: مَرْحَباً، يَجريانِ مَجْرًى واحداً فيما وصفتُ لك.
وقد رَفعتِ الشعراءُ بعضَ هذا فجعلوه مبتدأ وجعلوا ما بعده مبنيّا عليه.
قال أبو زُبَيْدٍ:
أَقامَ وأَقْوى ذاتَ يومٍ وخَيْبَةٌ ... لأول من يَلْقَى وشَرٌّ مُيسَّرُ
وهذا شبيهٌ رفعه ببيتٍ سمعناه ممَّن يوثق بعربيته، يَرويه لقومه، قال:
عَذِيُركَ من مَوْلًى إذا نِمْتَ لم يَنَمْ ... يقولُ الخَنَا أو تَعْتَرِيكَ زَنابِرُه
فلم يَحمل الكلام على اذعرين، ولكنّه قال: إنَّما عُذرُك أيّاى من مولّى هذا أمره.
стр. 312
ومثله قول الشاعر:
أَهاجَيْتُمُ حَسّانَ عند ذَكائِه ... فَغَىٌّ لأَولادِ الحِماسِ طَويلُ
وفيه المعنى الذى يكونُ فى المنصوب، كما أنّ قولَك: رحمةُ اللهِ عليه، فيه معنى الدّعاءِ، كأنّه قال: ﵀.
هذا باب
ما جرى من الأسماءِ مجرى المَصادِرِ
التى يُدْعَى بها
وذلك قولك: تُرْباً، وجَنْدَلاً، وما أِشبه هذا. فإِن أدخلت " لك " فقلت: ترباً لك. فإن تفسيراً ههنا كتفسيرها فى الباب الأوّل، كأَنه قال: أَلْزَمك اللهُ وأَطعَمك اللهُ تُرباً وجندلاً، وما أشبه " من الفعل "، واختزل
стр. 313
الفعلُ ها هنا لأنَّهم جعلوه بدلاً من قولك: تَرِبَتْ يداك " وجُنْدِلتَ ".
وقد رَفَعَه بعض العرب فجعله مبتدأَ مبنيًّا عليه ما بعده، قال الشاعر:
لقد أَلَبَ الواشون أَلْباً لبَيْنهِمْ ... فتُرْبٌ لأَفواهِ الوُشاةِ وجَنْدَلُ
وفيه ذلك المعنى الذى فى المنصوب كما كان ذلك فى الأوّل. ومن ذلك قول العرب: فَاهَا لفيكَ، وإنما تريد: فا الدَّاهيِة كأَنه قال: تُرْباً لفيك فصار بدلا من اللفظ بالفعل وأََضمر له كما أَضمر للتُرْب والجندلِ، فصار بدلا من اللفظ بقوله: دهاك اللهُ. وقال أبو سِدْرةَ " الهُجَمى ":
تَحسَّبَ هَوَّاسٌ، وأَقْبَلَ، أَنّنى ... بها مُفْتَدٍ من واحدٍ لا أُغامِرُهْ
стр. 314
فقلتُ له: فاها لفيكَ فإنّها ... قَلوصُ امْرِئٍ قارِيكَ ما أنت حاذِرُه
ويدلُّك على أنه يريد به الداهية قوله، وهو عامر ابن الأحوص:
وداهية من دواهي المنو ... ن تَرْهَبُها الناسُ لا فَالَها
فجعل للداهية فَماً، حدثنا بذلك من يوثق به.
وهذا باب
ما أُجرى مُجرى المَصادر المَدْعُوَّ بها
من الصفات
وذلك قولك: هَنِيئاً مَرِياً " كأَنّك قلت: ثَبَتَ لك هَنيئاً مَريئاً، وهَنأَه
стр. 315
ذلك هَنيئاً ". وإنَّما نصبتَه لأنّه ذَكر " لك " خيراً أًصابه رجلٌ فقلتَ: هنيئاً مريئاً، كأَنّك قلت: ثَبَتَ ذَلك له هنيئاً مريئاً أو هنأه ذلك هنيئاً، فاختُزِلَ الفعلُ، لأنه صار بدلاً من اللفظ بقولك: هَنَأَك.
ويدلُّك على أنَّه على إضمار هنأَك ذلك هنيئاً، قولُ الشاعر، وهو الأخطل:
إلى إمامٍ تُغادِينا فَواضِلُه ... أَظْفَرَهَ اللهُ فَلْيَهْنِئْ له الظَّفَرُ
كأَنّه إذا قال: هنيئاً له الظَّفرُ، فقد قال: ليَهْنِئْ له الظفرُ، وإذا قال: ليهنِئْ له الظَّفرُ، فقد قال: هنيئاً له الظَّفرُ، فكلُّ واحد منهما بدلٌ من صاحبه، فلذلك اختَزَلَوا الفعلَ هنا، كما اختزلوه فى قولهم: الحَذَرَ. فالظفرُ والهنئ عَمِلَ فيهما الفعلُ، والظَّفرُ بمنزلة الاسم فى قوله: هَنأهُ ذلك حين مُثّل. وكذلك قول الشاعر:
стр. 316
هَنيئاً لأَربابِ البُيوتِ بُيوتهم ... وللعَزَب المِسْكينِ ما يتلمس
باب ما جرى من المَصادر المضافِة مَجرى
المصادر المُفرَدَةِ المَدْعُوَّ بها
وإنَّما أُضيفت ليكونَ المضافُ فيها بمنزلته فى اللام إذا قلت: سَقْياً لك، لتبيَّن من تَعنى.
وذلك: وَيْلَكَ، ووَيْحَكَ، ووَيْسَكَ، ووَيْبَكَ. ولا يجوز: سَقْيَكَ، إنما تجرىي ذا كما أَجرت العربُ.
ومثلُ ذلك: عَددتُك وكِلْتُك " ووزنُتك "، ولا تقول: وهَبْتُك، لأنَّهم لم يُعَدّوه. ولكنْ: وهبتُ لك.
وهذا حرفٌ لا يُتكلَّم به مفرَدا إلاّ أن يكون على وَيْلَك، وهو قولك: وَيْلَك وعَوْلَك، ولا يجوز: عَوْلَك.
هذا باب
ما يَنتصب على إضمار الفِعل المتروكِ إظهارُه
من المَصادر فى غير الدُّعاء
من ذلك قولك: حَمْداً وشُكْراً لا كُفْراً وعَجَبا، وأَفْعَلُ ذلك وكَرامةً
стр. 317
ومَسَرَّةً ونُعْمَةَ عَيْنٍ، وحُبّاً ونَعامَ عَيْنٍ، ولا أَفْعَلُ ذاك ولا كَيْداً ولا هَمًّا، ولأََفعلنّ ذاك ورَغْماً وهواناً.
فإنّما يَنتصب هذا على إضمار الفعل، كأَنك قلت: أَحْمَدُ الله حمدا وأشك الله شُكْرا، وكأَنَّك قلت: أَعْجَبُ عَجَبا، وأُكْرِمُك كَرامةً، وأَسُرُّك مَسَرّةً، ولا أَكادُ كَيْدا ولا أَهُمُّ هَمّاً، وأُرْغِمُك رَغْماً.
وإنّما اختُزِلَ الفعلُ ههنا لأنَّهم جعلوا هذا بدلاً من اللفظ بالفعل، كما فعلوا ذلك فى باب الدُّعاء. كأَنّ قولك: حَمْداً فى موضع أَحْمَدُ الله، وقولك: عَجَباً منه فى موضع أَعْجَبُ منه، وقولَه: ولا كَيْداً فى موضع ولا أَكادُ ولا أَهُمُّ.
وقد جاء بعضُ هذا رفعاً يُبتدأُ ثمّ يُبنَى عليه. وزعم يونسُ أنّ رؤبة ابن العّجاجِ كان يُنْشِدُ هذا البيتَ رفعاً، وهو لبعض مذحج، " وهو هني ابن أَحمرَ الكِنانى ":
عَجَبٌ لِتلْكَ قَضِيّةً وإقامتى ... فيكمْ على تلك القضِيّة أَعْجَبُ
وسمعنا بعضَ العرب الموثوقَ به، يقال له: كيف أَصبحتَ؟ فيقولُ: حمدُ اللهِ وثناءٌ عليه، كأَنَّه يَحمله على مضمَرٍ فى نيّته هو المظهَرُ، كأَنّه يقول: أمري
стр. 318
" وشأنى " حمدُ الله وثناءٌ عليه. ولو نَصَبَ لكان الذى فى نفسه الفعلَ، ولم يكن مبتدأ لبيني عليه ولا ليكون مبنياً على شيء هو ما أَظْهَرَ.
وهذا مثلُ بيتٍ سمعناه من بعض العرب الموثوق به يَرويه:
فقالت حَنانٌ ما أَتى بك ههنا ... أَذَو نَسَبٍ أَمْ أنتَ بالحىِّ عارِفُ
لم تُرِدْ حِنَّ، ولكنها قالت: أمرنُا حَنانٌ، أو ما يصيبنا حنانٌ. وفى هذا المعنى كلّه معنى النصب.
ومثلُه فى أنَّه على الابتداء وليس علِى فعلٍ قولُه : " قالوا معذرة إلى ربكم ". لم يريدُوا أن يَعتذروا اعتذاراً مستأنَفاً من أمرٍ لِيمُوا عليه، ولكنَّهم قيل لهم: " لِمَ تَعِظُونَ " قَوْماً "؟ قالوا: مَوْعِظتُنا مَعْذِرَةٌ إلَى رَبَّكُم.
ولو قال رجلٌ لرجلٍ: معذرةً إلى الله وإليك من كذا وكذا، يريد اعتذاراً، لنصب.
стр. 319
ومثل ذلك قولُ الشاعر:
يَشْكو إلىَّ جَمَلِى طُولَ السُّرَى ... صَبرٌ جَميل فكِلانا مُبْتَلَى
والنصبُ أكثر وأجود؛ لأنه يأمره. ومَثَلُ الرفع " فصبر جميل والله المستعان "، كأنه يقول: الأمرُ صبرٌ جميلٌ.
والذى يُرْفَعُ عليه حَنانٌ وصبرٌ وما أشبه ذلك لا يُستعمل إظهارُه، وتركُ إظهاره كتركِ إظهارِ ما يُنْصَبُ فيه.
ومثلُه قول بعض العرب: مَنْ أنتَ زيدٌ، أى من أنت كلامُك زيدٌ، فتركوا إظهارَ الرافع كترك إظهار الناصب، ولأنَّ فيه ذلك المعنى وكان بدلاً من اللفظ بالفعل، وسترى مثلَه إن شاء الله.
стр. 320
هذا بابٌ أيضاً من المصادر يَنتصب
بإضمار الفعل المتروك إظهارُه
ولكنَّها مصادرُ وُضعَتْ موضعاً واحدا لا تَتصرَّفُ فى الكلام تصرُّفَ ما ذكرنا من المصادر. وتصرُّفُها أنّها تَقَعُ فى موضع الجرَّ والرفع وتدخلُها الألفُ واللام.
وذلك قولك: سُبْحانَ اللهِ، ومَعاذَ اللهِ ورَيْحانَه، وعَمْرَك الله إلاّ فعلتَ " وقِعدَك الله إلاَّ فعلتَ "، كأَنّه حيث قال: سُبْحانَ اللهِ قال: تسبيحاً، وحيث قال: وريحانَه قال: واستِرْزاقاً؛ لأنَّ معنى الرَّيْحانِ الرَّزْقُ. فَنصَبَ هذا على أُسَبَّحُ الله تسبيحا، وأَستْرزِقُُ الله استرزاقا؛ فهذا بمنزلة سبحانَ اللهِ وريْحانَه، وخُزِلَ الفعلُ ههنا لأنَّه بدلٌ من اللفظ بقوله: سبحك وأَسترزقُك.
وكأَنّه حيث قال: معاذَ اللهِ، قال: عِياذاً باللهِ. وعياذاً انتَصب على أَعوذُ باللهِ عياذا، ولكنهم لم يُظْهرِوُا الفعل ههنا كما لم يُظهر فى الذى قبله.
وكأَنّه حيث قال: عَمْرَك الله وقعِدْك الله. قال: عَمّرتُك الله بمنزلة نَشدتُك الله، فصارت عَمْرَك الله منصوبةً بعمَّرتُك الله، كأَنك قلتَ: عمّرتُك عَمرا، ونشدتك نَشْداً، ولكنَّهم خَزلوا الفعل لأنَّهم جعلوه بدلاً من اللفظ به.
следующие страницы →