Полный текст (1 982 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
هَنيئاً لأَربابِ البُيوتِ بُيوتهم ... وللعَزَب المِسْكينِ ما يتلمس
باب ما جرى من المَصادر المضافِة مَجرى
المصادر المُفرَدَةِ المَدْعُوَّ بها
وإنَّما أُضيفت ليكونَ المضافُ فيها بمنزلته فى اللام إذا قلت: سَقْياً لك، لتبيَّن من تَعنى.
وذلك: وَيْلَكَ، ووَيْحَكَ، ووَيْسَكَ، ووَيْبَكَ. ولا يجوز: سَقْيَكَ، إنما تجرىي ذا كما أَجرت العربُ.
ومثلُ ذلك: عَددتُك وكِلْتُك " ووزنُتك "، ولا تقول: وهَبْتُك، لأنَّهم لم يُعَدّوه. ولكنْ: وهبتُ لك.
وهذا حرفٌ لا يُتكلَّم به مفرَدا إلاّ أن يكون على وَيْلَك، وهو قولك: وَيْلَك وعَوْلَك، ولا يجوز: عَوْلَك.
هذا باب
ما يَنتصب على إضمار الفِعل المتروكِ إظهارُه
من المَصادر فى غير الدُّعاء
من ذلك قولك: حَمْداً وشُكْراً لا كُفْراً وعَجَبا، وأَفْعَلُ ذلك وكَرامةً
стр. 317
ومَسَرَّةً ونُعْمَةَ عَيْنٍ، وحُبّاً ونَعامَ عَيْنٍ، ولا أَفْعَلُ ذاك ولا كَيْداً ولا هَمًّا، ولأََفعلنّ ذاك ورَغْماً وهواناً.
فإنّما يَنتصب هذا على إضمار الفعل، كأَنك قلت: أَحْمَدُ الله حمدا وأشك الله شُكْرا، وكأَنَّك قلت: أَعْجَبُ عَجَبا، وأُكْرِمُك كَرامةً، وأَسُرُّك مَسَرّةً، ولا أَكادُ كَيْدا ولا أَهُمُّ هَمّاً، وأُرْغِمُك رَغْماً.
وإنّما اختُزِلَ الفعلُ ههنا لأنَّهم جعلوا هذا بدلاً من اللفظ بالفعل، كما فعلوا ذلك فى باب الدُّعاء. كأَنّ قولك: حَمْداً فى موضع أَحْمَدُ الله، وقولك: عَجَباً منه فى موضع أَعْجَبُ منه، وقولَه: ولا كَيْداً فى موضع ولا أَكادُ ولا أَهُمُّ.
وقد جاء بعضُ هذا رفعاً يُبتدأُ ثمّ يُبنَى عليه. وزعم يونسُ أنّ رؤبة ابن العّجاجِ كان يُنْشِدُ هذا البيتَ رفعاً، وهو لبعض مذحج، " وهو هني ابن أَحمرَ الكِنانى ":
عَجَبٌ لِتلْكَ قَضِيّةً وإقامتى ... فيكمْ على تلك القضِيّة أَعْجَبُ
وسمعنا بعضَ العرب الموثوقَ به، يقال له: كيف أَصبحتَ؟ فيقولُ: حمدُ اللهِ وثناءٌ عليه، كأَنَّه يَحمله على مضمَرٍ فى نيّته هو المظهَرُ، كأَنّه يقول: أمري
стр. 318
" وشأنى " حمدُ الله وثناءٌ عليه. ولو نَصَبَ لكان الذى فى نفسه الفعلَ، ولم يكن مبتدأ لبيني عليه ولا ليكون مبنياً على شيء هو ما أَظْهَرَ.
وهذا مثلُ بيتٍ سمعناه من بعض العرب الموثوق به يَرويه:
فقالت حَنانٌ ما أَتى بك ههنا ... أَذَو نَسَبٍ أَمْ أنتَ بالحىِّ عارِفُ
لم تُرِدْ حِنَّ، ولكنها قالت: أمرنُا حَنانٌ، أو ما يصيبنا حنانٌ. وفى هذا المعنى كلّه معنى النصب.
ومثلُه فى أنَّه على الابتداء وليس علِى فعلٍ قولُه : " قالوا معذرة إلى ربكم ". لم يريدُوا أن يَعتذروا اعتذاراً مستأنَفاً من أمرٍ لِيمُوا عليه، ولكنَّهم قيل لهم: " لِمَ تَعِظُونَ " قَوْماً "؟ قالوا: مَوْعِظتُنا مَعْذِرَةٌ إلَى رَبَّكُم.
ولو قال رجلٌ لرجلٍ: معذرةً إلى الله وإليك من كذا وكذا، يريد اعتذاراً، لنصب.
стр. 319
ومثل ذلك قولُ الشاعر:
يَشْكو إلىَّ جَمَلِى طُولَ السُّرَى ... صَبرٌ جَميل فكِلانا مُبْتَلَى
والنصبُ أكثر وأجود؛ لأنه يأمره. ومَثَلُ الرفع " فصبر جميل والله المستعان "، كأنه يقول: الأمرُ صبرٌ جميلٌ.
والذى يُرْفَعُ عليه حَنانٌ وصبرٌ وما أشبه ذلك لا يُستعمل إظهارُه، وتركُ إظهاره كتركِ إظهارِ ما يُنْصَبُ فيه.
ومثلُه قول بعض العرب: مَنْ أنتَ زيدٌ، أى من أنت كلامُك زيدٌ، فتركوا إظهارَ الرافع كترك إظهار الناصب، ولأنَّ فيه ذلك المعنى وكان بدلاً من اللفظ بالفعل، وسترى مثلَه إن شاء الله.
стр. 320
هذا بابٌ أيضاً من المصادر يَنتصب
بإضمار الفعل المتروك إظهارُه
ولكنَّها مصادرُ وُضعَتْ موضعاً واحدا لا تَتصرَّفُ فى الكلام تصرُّفَ ما ذكرنا من المصادر. وتصرُّفُها أنّها تَقَعُ فى موضع الجرَّ والرفع وتدخلُها الألفُ واللام.
وذلك قولك: سُبْحانَ اللهِ، ومَعاذَ اللهِ ورَيْحانَه، وعَمْرَك الله إلاّ فعلتَ " وقِعدَك الله إلاَّ فعلتَ "، كأَنّه حيث قال: سُبْحانَ اللهِ قال: تسبيحاً، وحيث قال: وريحانَه قال: واستِرْزاقاً؛ لأنَّ معنى الرَّيْحانِ الرَّزْقُ. فَنصَبَ هذا على أُسَبَّحُ الله تسبيحا، وأَستْرزِقُُ الله استرزاقا؛ فهذا بمنزلة سبحانَ اللهِ وريْحانَه، وخُزِلَ الفعلُ ههنا لأنَّه بدلٌ من اللفظ بقوله: سبحك وأَسترزقُك.
وكأَنّه حيث قال: معاذَ اللهِ، قال: عِياذاً باللهِ. وعياذاً انتَصب على أَعوذُ باللهِ عياذا، ولكنهم لم يُظْهرِوُا الفعل ههنا كما لم يُظهر فى الذى قبله.
وكأَنّه حيث قال: عَمْرَك الله وقعِدْك الله. قال: عَمّرتُك الله بمنزلة نَشدتُك الله، فصارت عَمْرَك الله منصوبةً بعمَّرتُك الله، كأَنك قلتَ: عمّرتُك عَمرا، ونشدتك نَشْداً، ولكنَّهم خَزلوا الفعل لأنَّهم جعلوه بدلاً من اللفظ به.
стр. 321
قال الشاعر:
عمرتك الله إذا ما ذَكْرتِ لنا ... هل كنتِ جارتَنا أَيّامَ ذى سَلَمِ
فقِعْدَك الله يَجرى هذا المجرى وإن لم يكن له فِعْل. وكأَنّ قوله: عَمْرَك الله وقِعْدَك الله بمنزلة نَشْدَك الله وإن لم يُتكلَّم بنَشْدَك الله، ولكن زعم الخليل ﵀ أنّ هذا تمثيلٌ يمثَّل به. قال الشاعر، ابن أحمرَ:
عَمَّرتُكَ الله الجَليلَ فإِنّنى ... أَلْوِى عليكَ لَوَ أنّ لُبَّكَ يَهْتَدِى
والمصدرُ النَّشدانُ والنَّشدَةُ.
стр. 322
وهذا ذكرُ معنى " سُبحانَ "، وإنَّما ذُكر ليبيَّن لك وجهُ نصبِه وما أِشبهه.
زعم أبو الخَطّاب أنّ سُبْحانَ اللهِ كقولك: بَرَاءَةَ اللهِ من السُّوءِ، كأَنَّه يقول: " أبرَّئُ " براءةَ الله من السُّوء. وزعم أنَّ مثلَه قولُ الشاعر، وهو الأعشى:
أقول لما جاءَنى فَخْرُه ... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفاخِرِ
أى براءةً منه.
وأمّا تركُ التنوين فى سُبْحانَ فإِنما تُرك صرفُهُ لأنه صار عندهم معرفةً، وانتصابُه كانتصاب الحمدَ لله.
وزعم أبو الخَطّاب أَنّ مثَلَه قولُك للرجل: سَلاماً، تريد تسلُّماً منك، كما قلت: براءَةً منك، تريد: لا ألتبس بشيء من أمرك. وزعم أنّ أبا ربيعةَ كان
стр. 323
يقول: إذا لقيتَ فلانا فُقْل " له " سَلاماً. فزعم أنه سأَله ففَسَّرَه له بمعنى براءةً منك. وزعم أنّ هذه الآية: " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " بمنزلة ذلك، لأنّ الايَةَ فيما زَعم مكّيّةٌ، ولم يؤمَرِ المسلمون يومئذ أن يسلَّموا على المشركين، ولكنّه على قولك: " براءة منكم " وتسلُّما، لا خيرَ بيننا وبينكم ولا شرَّ.
وزعم أنّ قولَ الشاعر، وهو أُميّةُ بن أبى الصَّلْت:
سَلامَك ربَّنا فى كلّ فَجرٍ ... بَرِيئاً ما تَغَنَّثُكَ الذُّمومُ
على قوله: براءتَك ربَّنا من كلّ سوء.
فكلُّ هذا يَنتصب انتصاب حَمداً وشُكْراً، إلاّ أنَّ هذا يَتصرّف وذاك لا يَتصرّف.
ونظير سُبْحانَ الله فى البناء من المصادر والمجرى لا فى المعنى " غُفْرانَ "؛ لأنّ بعض العرب يقول: غُفْرانَك لا كُفْرانَك، يريد استغفاراً لا كُفْراً.
ومثل هذا
стр. 324
قوله جلّ ثناؤه: " ويقولون حجرا محجورا، أى حراماً محرماً، يريدبه البراءةَ من الأمر ويبعَّدُ عن نفسه أمراً، فكانه قال: أُحَرَّمُ ذلك حَراماً محرَّما.
ومثل ذلك أن يقول الرجلُ للرجل: أتَفعل كذا وكذا؟ فيقولُ: حِجراً، أى سِتْرا وبراءةً من هذا. فهذا يَنتصب على إضمار الفعل، ولم يُرِدْ أن يَجعله مبتدأ خبره بعده ولا مبنيًّا على اسم مضمَرٍ.
واعلم أنَّ من العرب من يَرفع سلاما إذا أراد معنى المبارأةِ، كما رفعوا حَنانٌ. سمعنا بعضَ العرب يقول " لرجل ": لا تكونن مني " في شيء " إلاَّ سلامٌ بسَلامٍ، أى أمرى وأمرُك المبارأةُ والمتاركةُ. وتركوا لفظ ما يَرفعُ كما تركوا فيه لفظَ ما يَنصب، لأنَّ فيه ذلك المعنى، ولأنَّه بمنزلة لفظِك بالفعل.
وقد جاء سُبْحانَ منوَّنا مفرَداً فى الشعر، قال الشاعرُ، وهو أمية ابن أبى الصلت:
سُبحانَه ثم سُبْحاناً يَعودُ له ... وقَبْلَنا سَبَّحَ الجُودِىُّ والجُمُدُ
стр. 325
شبّهه بقولهم: حِجْراً وسَلاما.
وأمّا سُبّوُحاً قُدُّوساً رَبَّ الملائكةِ والرُّوحِ، فليس بمنزلة سُبحانَ اللهِ؛ لأنّ السُّبّوحَ والقُدّوسَ اسمٌ، ولكنَّه على قوله: أَذْكرُ سُبُّوحاً قُدّوساً. وذاك أنَّه خَطَرَ على باله أو ذكره ذاكر فقال: سبوحاً، أى ذكرتَ سُبّوحاً، كما تقولُ: أهلَ ذاك، إذا سمعتَ الرجلَ ذَكَرَ الرجلَ بثناءٍ أو يذم، كأَنّه قال: ذكرتَ أهلَ ذاك؛ لأنَّه حيث جرى ذكرُ الرجل " فى منطقة " صار عنده بمنزلة قوله: أَذكُرُ فلانا، أو ذكرتَ فلانا. كما أنَّه حيثُ أَنْشَدَ ثم قال: صادِقاً، صار الإِنشادُ عنده بمنزلة قاَلَ، ثم قال: صادِقاً وأهلَ ذاك، فحملَه على الفعل متابِعاً للقائل والذاكرِ. فكذلك: سُبُّوحاً قُدّوسا، كأَنَّ نفسهَ " صارت " بمنزلة الرجل الذاكر والمنشِدِ حيث خطر على باله الذكرُ، ثم قال: سبُّوحا قُدّوسا، أى ذكرتَ سُبُّوحا، متابِعاً لها فيما ذكَرت وخطَر على بالها.
وخَزَلوا الفعلَ لأنَّ هذا الكلام صار عندهم بدلا من سبَّحت، كما كان مَرْحبا بدلا من رَحُبَت بلادُك وأَهِلَتْ.
ومن العرب من يَرفع فيقولُ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ " رَبَّ الملائكة والرُّوح "، كما قال: أهلُ ذاك وصادقٌ واللهِ. وكلُّ هذا على ما سمعنا العربَ تَتكلَّم به رفعا ونصباً.
ومثلُ ذلك: خَيْرُ ما رُدَّ فى أهلٍ ومالٍ، " وخَيْرَ ما رُدَّ فى أهلٍ ومالٍ " أُجرى مُجرى خيرَ مقدمٍ وخيرُ مقدمٍ.
стр. 326
ومما يَنتصب فيه المصدرُ على إضمار الفعلِ المتروك إظهارُه، ولكنَّه فى معنى التعجُّبِ، قولُك: كَرَماً وصَلَفاً، كأَنَّه قال: أَلْزَمَك اللهُ وأَدامَ لك كَرَماً وأُلْزِمْتَ صَلَفاً، ولكنهم خَزَلُوا الفعلَ ههنا كما خزلوه فى الأوّل، لأنَّه صار بدلا من قولك: أَكرِمْ به وأَصْلِفْ به، كما انتَصب مَرْحَباً. وقلتَ " لَكَ "، كما قلت " بِكَ " بعد مَرْحَباً، لتبيّن من تَعنى، فصار بدلاً فى اللفظ من رَحُبَتْ " بلادُك.
وسمعتُ أَعرابيا وهو أبو مُرْهِبٍ، يقول: كَرَماً وطُولَ أنف، أي أكرم بك وأطول بأنفك ".
بابٌ يُختار فيه أن تكون المصادرُ مبتدأة
مبنياً عليها ما بعدها وما أشبه المصادر من الأسماء والصفات وذلك قولك: الحمدُ لله، والعَجَبُ لك، والوَيلُ لك، والتُّرابُ لك، والخَيْبةُ لك.
وإنّما استحبّوا الرفعَ فيه لأنَّه صار معرفةً وهو خَبَرٌ فقَوىَ فى الابتداء، بمنزلة عبد الله والرجل الذي تَعلم، لأنَّ الابتداءَ إنَّما هو خَبَرٌ، وأَحسنْه إذا اجتمع نكرة ومعرفة أن يبتدئ بالأعرف؛ وهو أصل الكلام.
стр. 327
ولو قلت: رجلٌ ذاهبٌ لم يَحسن حتَّى تعرفه بشيء فتقولَ: راكبٌ من بنى فلان سائرٌ. وتَبيعُ الدارَ فتقولُ: حدٌّ منها كذا وحدٌّ منها كذا، فأصلُ الابتداء للمعرفةِ. فلما أدخلتَ فيه الألف واللام وكان خبراً حَسُنَ الابتداءُ، وضَعُفَ الابتداءُ بالنكرة إلاَّ أن يكون فيه معنى المنصوب.
وليس كلُّ حرف يُصْنَعُ به ذاك، كما أنّه ليس كلُّ حرفٍ يَدخل فيه الألفُ واللام من هذا الباب. لو قلت: السَّقْىُ لك والرَّعْىُ لك، لم يجز.
واعلم أنَّ الحمدُ لله وإن ابتدأتَه ففيه معنى المنصوب، وهو بدل من اللفظ بقولك: أَحمَدُ الله.
وأما قوله: شيء ما جاءَ بك، فإِنه يَحسُن وإن لم يكن على فعل مضمَرٍ، لأنّ فِيهِ معنى ما جاء بك إلا شيء. ومثلُه مَثَلٌ للعرب: " شرٌّ أهَرَّ ذا ناب ".
وقد ابتُدئَ فى الكلام على غير ذا المعنى وعلى غير ما فيه معنى المنصوبِ وليس بالأصل، قالوا فى مَثَلٍ: " أَمْتٌ فى الحجر لا فيكَ ".
ومن العرب من يَنصب بالألف واللام، من ذلك قولك: الحمدَ لله، فينصبها عامَّةُ بنى تميم وناسٌ من العرب كثير.
стр. 328
وسمعِنا العرب الموثوقَ بهم يقولون: التُّرابَ لك والعَجَب لك. فتفسيرُ نصبِ هذا كتفسيره حيث كان نكرةً، كأَنّك قلت: حمداً وعجباً، ثم جئت بلَكَ لتبيَّن مَنْ تَعنى، ولم تَجعله مبنيًّا عليه فتبَتدئَهُ.
هذا بابٌ من النكرة
يَجرى مجرى ما فيه الألفُ واللام من المصادر والأسماء
وذلك قولك: سلامٌ عليك ولَبَّيْك، وخيرٌ بين يديك، ووَيْلٌ لك، ووَيْحٌ لك، ووَيْسٌ لك، ووَيلةٌ لك، وعَوْلةٌ لك، وخيْرٌ له، وشرٌّ له، و " لعنة الله على الظالمين ".
فهذه الحروف كلها مبتدأ مبنىٌّ عليها ما بعدها، والمعنى فيهنَّ أنّك ابتدأ شيئاً قد ثَبَتَ عندك، ولَسْتَ فى حال حديثك تعمل في إثباتها وتزجيتها، وفيها ذلك المعنى، كما أنّ حسبُك فيها معنى النهى، وكما أنّ رحمةُ الله عليه فيه معنى ﵀. فهذا المعنى فيها، ولم تجعل بمنزلة الحروف التي إذا ذكرته كنتَ فى حال ذكرك إيّاها تَعملُ فى إثباتها وتزجيتها، كما أنَّهم لم يجعلوا سَقْياً ورعيا بمنزلة هذه الحروف، فإنما تجريها كما أجرت العرب، وتضعها في المواضع التى وُضعن فيها، ولا تُدْخِلَنَّ فيها ما لم يُدخِلوا من الحروف. ألا أترى أنَّك لو قلت: طَعاماً لك وشَراباً لك ومالاً لك، تريد معنى سَقْياً، أو معنى المرفوعِ الذى فيه معنى الدعاءِ لم يجز، لأنَّه لم يُستعمَل هذا الكلامُ كما استُعمل ما قبله. فهذا يدلك ويبصرك أنه ينبغي لك أن تجري هذا الحروفَ كما أجرتِ
стр. 329
العربُ وأَنْ تَعْنِىَ ما عَنَوْا " بها ". فكما لم يجز أن يكون كلُّ حرف بمنزلة المنصوب الذى أنت فى حال ذكرك أياه تَعملُ فى إثباته وتزجيته، ولم يجز لك أن تَجعل المنصوبَ بمنزلة المرفوع. إلاّ أنَّ العرب ربَّما أجرتِ الحروفَ على الوجهينِ.
ومَثَلُ الرفع: " طُوبَى لَهُمْ وَحُسنُ مآبٍ "، يدلُّك على رفعها رفع حسن مآب. وأمَّا قوله تعالى جدُّه: " ويل يومئذ للمكذبين " و " ويل للمطففين "، فإِنّه لا ينبغى أن تقول إنّه دعاءٌ ههنا، لأنّ الكلام بذلك قبيح، واللفظ " به " قبيحٌ، ولكنّ العبادَ إنَّما كُلَّموا بكلامهم، وجاء القرآنُ على لغتهم وعلى ما يَعنون، فكأَنَّه واللهُ أعلمُ قيل لهم: وَيلٌ لِلْمُطَفَّفِينَ، ووَيْلُ " يَوْمَئِذٍ " لِلمُكَذَّبِينَ، أى هؤلاءِ ممن وجب هذا القولُ لهم، لأنَّ هذا الكلامَ إنّما يقال لصاحب الشر والهلكلة، فقيل: هؤلاء ممن دخل فى الشرّ والهلكة ووجَبَ لهم هذا.
ومِثل ذلك " قوله تعالى ": " فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ". فالعلمُ قد أتى من وراء ما يكون، ولكن اذهَبَا أنتما فى رَجائكما وطَمَعِكما ومبلغكما من العلم، وليس لهما أكثرُ من ذا ما لم يَعْلَما.
стр. 330
ومثله: " قاتلهم الله "، فإِنما أُجرى هذا على كلام العباد وبه أُنزل القرآنُ.
وتقول: وَيلٌ له وَيْلٌ طويلٌ، فإِنْ شئت جعلته بدلاً من المبتدإ الأوّل، وإن شئت جعلته صفةً له، وإن شئت قلت: وَيلٌ لك وَيْلاً طويلا، تجعلُ الويلَ الاخِرَ غيرَ مبدول ولا موصوف به، ولكنَّك تَجعله دائماً، أى ثَبَتَ لك الويلُ دائما.
ومن هذا الباب: فِداءٌ لك أبى وأمّى، وحِمى لك أبى، ووِقاءُ لك أمّى.
ولا تقول: عَولةٌ لك إلاَّ أن يكون قبلها وَيْلةٌ لك، ولا تقول: عَوْلٌ لك حتَّى تقول: وَيْلٌ لك؛ لأنّ ذا يتبع ذا، كما أنّ يَنُوءُك يَتْبَعُ يَسُوءُك ولا يكون ينوءُك مبتدأ.
стр. 331
واعلم أن بعض العرب يقول: وَيْلاً له وويلةً له، وعولةً لك، ويجريها مجرى خَيْبَةً. من ذلك قول الشاعر، وهو جرير:
كَسَا اللؤم تيماً خضرة في جولدها ... فَوْيلاً لتيمٍ من سرَابِيلها الخُضْرِ
ويقول الرجل: يا وَيْلاهُ! فيقولُ الآخَر: وَيْلاً كَيْلاً! كأَنّه يقول: لك ما دعوتَ به وَيْلاً كَيْلاً. يدلك على ذلك قولهم إذا قال يا ويلاه: نعم ويلا كيلاً، أي كذلك أمرك، أو لك الويل ويلا كيلا. وهذا مشبَّة بقوله: ويل له وَيْلاً كَيْلاً. وربَّما قالوا: يا ويلاً كيلاً، وإن شاء جعله على قوله: جَدْعاً وعقراً.
стр. 332
بابٌ منه استَكرهه النحويّون، وهو قبيح
فوضعوا الكلامَ فيه على غير ما وضعت العرب وذلك قولك: وَيحٌ له وتَبٌّ، وتبًّا لك ووَيْحاً. فجعلوا التَّبَّ بمنزلة الوَيْحِ، وجعلوا ويحٌ بمنزلة التَّبَّ، فوضعوا كلَّ واحد منهما على غير الموضع الذي وَضَعَتْه العربُ.
ولا بُدَّ لوَيْحٍ مع قبحها من أن تُحْمَلَ على تب، لأنها إذا ابتدأت لم يجزْ حتى يُبْنَى عليها كلامٌ، وإذا حملتها على النصب كنت تبنيها على شيء مع قُبْحِها. فإِذا قلتَ: وَيحٌ له ثم ألحقتَها التبَّ فإِنّ النصبَ فيه أحسنُ؛ لأن تبًّا إذا نصبتَها فهى مستَغنيةٌ عن لَك، فإِنمَّا قَطعتَها من أوّلِ الكلام كأَنك قلتَ: وتبًّا لك، فأجريتَها على ما أجرتْها العربُ.
فأمْا النَّحويّون فيجعلونها بمنزلة وَيْحٍ. ولا تُشبههُا لأنَّ تبًّا تَستغنى عن لَكَ ولا تَستغنى وَيْحٌ عنها، فإِذا قلتَ: تبًّا له ووَيْحٌ له فالرفعُ ليس فيه كلامٌ، ولا يَختلف النحويّون فى نصبِ التبّ إذا قلت: وَيحٌ له وتبّا له. فهذا يدلّك على أنَّ النصبَ فى تبّ فيما ذكرنا أحسنُ، لأنّ " له " لم يَعمْلْ فى التبَّ.
стр. 333
هذا بابُ ما ينتصب فيه المصدرُ
كان فيه الألفُ واللام أو لم يكن فيه على إضمارِ الفعلِ المتروكِ إظهارُه، لأنه يَصيرُ فى الإِخبارِ والاستفهامِ بدلا من اللفظ بالفعل، كما كان الحَذَرَ بدلا من احْذَرْ فى الأمر وذلك قولك: ما أنت إلاّ سَيراً، وإلاَّ سَيراً سَيْراً، وما أنت إلاّ الضَّربَ الضربَ، وما أنت إلاّ قَتْلا قَتْلا، وما أنت ألاّ سَيرَ البَريِد " سيرَ البريِد ". فكأَنه قال فى هذا كلَّه: ما أنت إلاّ تَفْعَلُ فعلاً، وما أنت إلاّ تَفعَلُ الفعلَ، ولكنَّهم حذفوا الفعل لما ذكرتُ لك.
وصار فى الاستفهام والخَبَرِ بمنزلته فى الأمرِ والنهى لأنَّ الفعلَ يقع ههنا كما يقع فيهما، وإن كان الأمرُ والنهىُ أقوى، لأنَّهما لا يكونان بغير فعلٍ، فلم يَمتنع المصدرُ ههنا " أن يَنتصب "، لأنَّ العمل يقع ههنا مع المصدر فى الاستفهام " والخبرِ، كما يقع فى الأمر والنهى، والآخِرُ غيرُ الأوّل كما كان ذلك فى الأمر والنهى، إذا قلت: ضَرْباً فالضربُ غيرُ المأمور ".
وتقول: زيدٌ سيراً سيراً، وإن زيداً سيرا سيرا، وكذلك فى لَيْتَ ولَعَلَّ ولكنّ وكأَنّ وما أشبه ذلك، " وكذلك إن قلت: أنت الدَّهرَ سَيْرا سَيْرا "، وكان عبدُ الله الدَّهرَ سَيْراً سيرا، وأنت مُذُ اليومِ سَيرا سيراً.
стр. 334
واعلم أنَّ السيرَ إذا كنتَ تخبر عنه فى هذا الباب فإنَّما تُخْبِرُ بسَيْرٍ متّصِلٍ بعض ببعضٍ فى أىَّ الأحوال كان. وأمَّا قولك: إنما أنت سيرٌ فإِنما جعلتَه خبراً لأنتَ ولم تضمِرُ فِعْلا. وسنبيَّن لك وجهَه إن شاء الله.
ومن ذلك قولك: ما أنت إلاّ شُرْبَ الإِبل، وما أنت إلاّ ضربَ الناس، وما أنت إلاّ ضرباً الناسَ. وأمّا شربَ الإِبلِ فلا ينوَّنُ لأنك لم تشبّهه بشرب الإِبل، وأنَّ الشربَ ليس بفعلٍ يَقع منك على الإِبل.
ونظيرُ ما انتَصب قولُ الله فى كتابه: " فإما منا بعد وإما فداء "، إنّما انتصب على: فإمّا تَمنّون منًّا وإمّا تُفادون فداءً، ولكنَّهم حذفوا الفعلَ لما ذكرتُ لك.
ومثله قول " الشاعر، وهو " جرير:
أَلَمْ تَعْلَم مُسَرَّحِىَ القَوافِى ... فلا عِيًّا بهنّ ولا اجتلابا
كانّه نَفَى قولَه: فِعيًّا بهنّ واجتلابا، أى فأَنا أَعْيَا بهنّ وأَجتلِبُهن اجتلابًا، ولكنه نَفَى هذا حين قال: " فلا ".
ومثُله قولك: أَلم تَعلم يا فلانُ مَسِيرى فإِتعاباً وطَرداً. فإِنَّما ذَكَرَ مُسرَّحَه وذكر مَسيره، وهما عَمَلانِ، فجعل المسيرَ إتعابا وجعل المسرح لا عي فيه، وجعله فعلاً متَّصِلا إذا سار وإذا سَرَّحَ.
وإِنْ شئتَ رفعت هذا كلَّه فجعلتَ الآخِرَ هو الأوّلَ، فجاز على سعة الكلام. من ذلك قولُ الخنساء:
стр. 335
تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حتَّى إذا ادَّكرتْ ... فإِنَّما هى إقبالٌ وإدبارُ
فجعلها الإِقبالَ والإِدبارَ، فجاز على سعة الكلام، كقولك: نهارُك صائمٌ وليلك قائمٌ.
ومثل ذلك قول الشاعر، وهو متمَّم بن نُويرْة:
لَعَمْرى وما دَهْرِى بتَأْبينِ هالِكٍ ... ولا جَزَعٍ مما أصابَ فأَوْجَعَا
جَعَلَ دهرَه الجَزَعَ. والنصبُ جائزٌ على قوله: فلا عيًّا بهنّ ولا اجتلابَا. وإنّما أراد: وما دهرى دهرُ جزَعٍ، ولكنَّه جاز على سعة الكلام، واستخفوا واختصوا كما فُعل ذلك فيما مضى.
стр. 336
وأمّا ما يَنتصب فى الاستفهام من هذا الباب فقولُك: أَقِياماً يا فلانُ والناسُ قعودٌ، وأََجُلوساً والناسُ يعدُون، لا يريد أن يُخبرِ أنه يَجلس ولا أنَّه قد جلس وانقضى جلوسُه، ولكنه يُخبرِ أنَّه فى تلك الحال فى جُلوسٍ وفى قيامٍ.
وقال الراجز، وهو العّجاج:
أَطَرَباً وأنتَ قِنَّسْرِىُّ
وإنّما أراد: أَتَطْرَبُ، أى أنت فى حال طَرَبٍ؟ ولم يُرِد أن يُخبِر عما مضى ولا عما يُستقبَل.
ومن ذلك قول بعض العرب: " أَغُدّةً كغُدّة البعير ومَوْتاً فى بيتِ سَلُولِيَّةٍ "، كأَنه إنما أراد: أَأَغَدُّ غُدّةً كغُدّة البعير وأَموتُ موتا فى بيتِ سَلوليّةٍ. وهو بمنزلة أَطَرَباً، وتفسيره كتفسيره.
стр. 337
وقال جريرٌ:
أَعَبْداً حَلَّ فى شُعَبَى غَرِيباً ... ألؤماً لا أبا لك واغترابا
يقول: أَتَلؤُم لُؤْمًا وأَتَغترب اغترابا، وحَذَفَ الفعلين فى هذا الباب، لأنَّهم جعلوه بدلاً من اللفظ بالفعل، وهو كثيرٌ فى كلام العرب.
" وأما عبداً فيكون على ضربينِ: إن شئت على النداء، وإن شئت على قوله: أَتَفتخر عبداً، ثم حذف الفعل ".
وكذلك إن أخبرتَ ولم تَستفهم، تقول: سَيْراً سيراً، عنيتَ نفسَك أو غيرَك، وذلك أنَّك رأيت رجلاً فى حال سيرٍ أو كنت في حال سير، أو ذكر رجل يسير أو ذُكرتَ أنت بِسيرٍ، وجَرى كلامٌ يَحسن بناءُ هذا عليه كما حسن فى الاستفهام. لأنَّك إنما تقول: أَطَرَبًا وأَسَيْراً، إذا رأيتَ ذلك من الحال أو ظننتَه فيه.
وعلى هذا يجرى هذا البابُ إذا كان خبراً أو استفهاما، إذا رأيتَ رجلا فى حال سيرٍ أو ظننتَه فيه، فأَثبتَّ ذلك له.
وكذلك " أنت " فى الاستفهام، إّذا قلتَ: أَأَنت سيراً. ومعنى هذا الباب أنَّه فِعْلٌ متّصِلٌ فى حال ذكرِك إيّاه استفهمتَ أو أَخبرتَ، وأَنّك فى حال ذكِرك شيئاً من هذا الباب تَعْمَلُ فى تثبيِته لك أو لغيرك.
стр. 338
ومثل ما تَنصبه فى هذا الباب وأنت تَعنى نفسَك قولُ الشاعرِ:
سَماعَ اللهِ والعُلمَاءِ أَنَّى ... أَعوذ بحَقْوِ خالِكَ يا ابنَ عَمْرِو
وذلك أنه جعل نفسَه فى حالِ مَنْ يُسْمِعُ، فصار بمنزلة من رآه فى حال سيْرٍ فقال: إسَماعا الله، بمنزلة قولك: ما أنت إلاَّ ضربًا الناسَ، وإلاّ ضَربَ الناسِ، إذا حذفتَ التنوينَ تخفيفا.
هذا باب ما ينتصب من الأسماء
التى أُخذت من الأفعالِ انتصابَ الفعل، استفهمتَ أو لم تَستفهم وذلك قولك: أَقائماً وقد قَعَدَ الناسُ، وأَقاعِداً وقد سار الرَّكْبُ. وكذلك إن أردتَ هذا المعنى ولم تَستفهم، تقول: قاعِداً عَلِمَ اللهُ وقد سار الركبُ، وقائماً قد عَلِمَ اللهُ وقد قَعَدَ الناسُ.
وذلك أنّه رأى رجلاً فى حال قيامٍ أو حال قُعودٍ، فأراد أن ينبَّهه، فكأَنّه لَفَظَ بقوله: أتقومُ قائما وأَتَقُعد قاعدا، ولكنَّه حذف استغناءً بما يرى من الحال، وصار
стр. 339
الاسمُ بدلاً من اللفظ بالفعل، فجرى مجرى المصدر فى هذا الموضع.
ومثل ذلك: عائذاً بالله من شرّها، كأَنَّه رأى شيئاً يُتَّقَى فصار عند نفسه فى حال استعاذةٍ، حتَّى صار بمنزلة الذى رآه فى حال قيامٍ وقُعودٍ، لأنه يَرَى نفسَه فى تلك الحال، فقال: عائذاً " بالله "، كأَنّه قال: أعوذ بالله عائذاً بالله، ولكنَّه حذف الفعل لأنَّه بدلٌ من قوله: أَعوذُ بالله، فصار هذا يَجرى ها هنا مجرى عِياذاً بالله. ومنهم من يقول: عائذٌ بالله من شرّ فلان.
وإذا ذكرتَ شيئاً من هذا الباب فالفعل متّصِلٌ فى حال ذكرِك وأنت تَعمل فى تثبيته لك أو لغيرك فى حال ذكرِك إيّاه، كما كنتَ فى باب حمداً وسَقياً وما أشبهه، إذا ذكرتَ شيئاً منه فى حال تزجيةٍ وإثباتٍ، وأَجريتَ عائذا " بالله " فى الإِضمارِ والبدل مجرى المصدر، كما كان هَنيئاً بمنزلة المصدر فيما ذكرتُ لك.
وقال الشاعر، وهو عبد الله بن الحارث السَّهمىُّ، من أصحاب رسول الله ﷺ :
стр. 340
ألحق عذابك بالقوم الذي طَغَوْا ... وعائذَا بك أَنْ يَعْلُوا فيُطْغونِى
فكأَنه قال: وعياذاً بك.
ومثله قوله:
أراك جمعتَ مسألة وحرصاً ... وعند الحق زحاراً أنانا
كأنه قال: " تزحر " زحيراً و " تئن " أَنينا، " ثم وضعه مكان هذا، أى أنت عند الحقّ هكذا ".
стр. 341
هذا باب
ما جرى من الأسماء التى لم تؤخذ من الفعل
مجرى الأسماء التى أُخذت من الفعل
وذلك قولك: أَتمَيميًّا مرّة وقَيْسِيًّا أُخْرَى.
وإنَّما هذا أنَّك رأيتَ رجلاً في حال تلون وتنقل، فقلت: أتميماً مرّةً وقيسيًّا أُخْرَى، كأنك قلت: أتحول تميمياً مرة وقيسياً أخرى. فأنت فى هذه الحال تعمل في تثبين هذا له، وهو عندك فى تلك الحال في تلوم وتنقُّلٍ، وليس يَسأله مسترشِداً عن أمرٍ هو جاهلٌ به ليفهَّمَه إيّاه ويُخبِرَه عنه، ولكنه وبَّخه بذلك.
وحدّثنا بعضُ العرب، أنّ رجلاً من بنى أَسَدٍ قال يومَ جَبَلَةَ واستَقبله بَعِيرٌ أَعْوَرُ فتَطَيَّرَ " منه "، فقال: يا بنى أسد، أَعْوَرَ وذا نابٍ! فلْم يرد أن يَسترشدهم ليُخبِروه عن عَوَرِه وصحّته، ولكنه نَبَّهَهم، كأَنه قال: أَتَستقبلون أَعْوَرَ وذا ناب! فالاستقبالُ فى حال تنبيهه إيّاهم كان واقعاً، كما كان التلوُّنُ والتنقَّلُ عندك ثابتينِ فى الحال الأول، وأراد أن يثبت لهم الأعور ليحذوره.
ومثل ذلك قول الشاعر:
стр. 342
أَفى السَّلْمِ أَعْيَاراً جَفَاءً وغِلْظَةً ... وفى الحَرْبِ أَشباهَ الإِماءِ العَوارِكِ
أى تَنقَّلُون، وتَلوَّنُونَ مّرةً كذا ومرّةً كذا. وقال:
أَفى الوَلائِمِ أَولاداً لواحِدةٍ ... وفى الِعيادةِ أَولاداً لعَلاَّتِ
وأما قول الشاعر:
أَعبْداً حَلَّ فى شُعَبَى غَريباً
стр. 343
فيكون على وجهين: على النداء، على أنَّه رآه في حال افتخار وإجتراءٍ، فقال: أَعبداً، أى أَتَفْخَرُ عبدا، كما قال: أَتميميًّا " مرّةً ".
وإنَ أَخبرتَ فى هذا الباب على هذا الحد نصبت أيضاً كما نصب فى حال الخبر الاسمَ الذى أُخذ من الفعل، وذلك قولك: تمَيميًّا قد عَلِمَ اللهُ مرة وقيسيًا أُخرى. فلم ترد أن تخبر القوم بأمر قد جهلوه، ولكنك أردت أن تشتمه بذلك، فصار بدلاً من اللفظ بقولك: أتتم مرّةً وتَتَقَيَّسُ أخرى، وأَتَمضون وقد استَقبلكم هذا، وتَنَقَّلُون وتَلَوَّنُون، فصار هذا كهذا، كما كان تُرْباً وجَنْدَلاً بدلاً من اللفظ بتَرِبتَ وجَنْدَلْتَ لو تُكُلَّمَ بِهما.
ولو مثَّلت ما نصبتَ عليه الأعيارَ والأعورَ فى البدل من اللفظ لقلت: أتعيرون مرة، وأتعورون إذا أوضحتَ معناه، لأنَّك إنما تُجريه مجرى ما له فِعْلٌ من لفظه، وقد يجرى مجرى الفعل ويَعمل عملَه، ولكنَّه كان أحسنَ أن توضَّحه بما يُتكلّم به إذا كان لا يغيَّر معنى الحديث. وكذلك هذا النحوُ ولكنه يُتْرَكُ استغناءً بما يَحسُن من الفعل الذى لا يَنقض المعنى.
стр. 344
وأما قوله جَلَّ وعزّ: " بلى قادرين "، فهو على الفعل الذى أُظهر، كأَنّه قال: بَلَى نَجمعُها قادرينَ. حدّثنا بذلك يونسُ.
وأما قوله، وهو الفرزدق:
على حَلْفةٍ لا أَشْتِمُ الدَّهْرَ مسلماً ... ولا خارجاً من في وزر كَلامِ
فإِنَّما أراد: ولا يَخرج فيما أَستقبلُ، كأَنّه قال: ولا يَخرج خُروجاً. ألا تراه ذكر " عاهدتُ " فى البيت الذى قبله فقال:
أَلمْ تَرَنِى عاهدتُ ربىَّ وإنَّنى ... لبَيْنَ رِتاجٍ قائماً ومَقامِ
ولو حمله على أنَّه نَفَى شيئاً هو فيه ولم يرد أن يَحمله على عاهدتُ جاز. وإلى هذا الوجه كانَ يَذْهَبُ عيسى فيما نُرَى، لأنَّه لم يكن يَحمله على عاهدتُ.
فإِذا قلتَ: ما أنت إلاّ قائمٌ وقاعدٌ، وأنت تَميمىٌّ مرّةً وقيسىٌّ أخرى، وإنّى عائذ بالله، ارتَفع. ولو قال: هو أَعْوَرُ وذو نابٍ، لَرَفَعَ. هذا كلُّه ليس فيه إلاَّ الرفعُ، لأنّه مبنىّ على الاسم الأوّل، والآخِرُ هو الأوّل فجرى عليه.
стр. 345
وزعم يونس أن من العرب من يقول: عائذ بالله، يريد: أنا عائذ بالله، كأَنه أمرٌ قد وقع، بمنزلة الحمدُ لله وما أِشبهه.
وزعم الخليل ﵀ أنَّ رجلاً لو قال: أَتميمىٌّ، يريد: " أنتَ " ويُضمِرها لأَصاب.
وإنما كان النصبُ ها هنا الوجهَ لأنَّه موضع يكون الاسم فيه عاقباً للّفظِ بالفعل، فاختير فيه كما يختار فيما مضى من المصادر التى فى غير الأسماءِ. والرفُع جيّدٌ لأنَّه المحدَّثُ عنه والمستفهَمُ. ولو قال: أَعوَرُ وذو نابٍ، كان مصيبا.
وزعم يونس أنّهم يقولون: عائذٌ بالله. فإِن أَظهر هذا المضمرَ لم يكن إلاّ الرفعُ، إذ جاز الرفعُ وأنت تُضْمِرُ، وجاز لك أن تحمل عليه المصدَر، وهو غيرُه، فى قوله: أنت سر سَيْرٌ فلم يجز حيث أَظْهَرَ الاسم عندهم إلا الرفع، كما أنّه لو أَظْهَرَ الفعلَ الذى هو بدلٌ منه لم يكن إلاّ نصباً.
стр. 346
فكما لم يجزْ فى الإِضمار أن تُضْمِرَ بعد الرفع ناصباً كذلك لم تضمر بعد الإِظهار، وصار المبتدأُ والفعلُ يَعمل كلُّ واحد منهما على " حِدةٍ فى هذا الباب، لا يدخل واحد على " صاحبه.
باب ما يجيء من المصادر مُثَنًّى منتصِبا
على إضمارِ الفعل المتروكِ إظهارُه وذلك قولك: حَنانَيْكَ، كأَنه قال: تحنُّنًا بعد تحنّنِ، " كأَنّه يَسترحمه ليَرحمه "، ولكنَّهم حذفوا الفعل لأنَّه صار بدلاً منه.
ولا يكونُ هذا مثنًّى إلاّ فى حالِ إضافةٍ، كما لم يَكن سُبْحانَ اللهِ ومَعاذَ اللهِ إلا مضافاً. فحنانيك لا يتصرف، كما لا يَتصرّفْ سُبحانَ الله وما أِشبه ذلك. قال الشاعر، وهو طَرَفة بن العبد:
أَبا مُنْذرٍ أَفْنَيْتَ فأسْتْبَقِ بَعْضَنا ... حَنَانَيْكَ بعضُ الشرَّ أَهْوَنُ من بَعْضِ
وزعم الخليل ﵀ أنّ معنى التثنية أنّه أراد تحنُّنا بعد تحنّنٍ، كأنه قال:
стр. 347
كلّما كنتُ فى رحمةٍ وخيرٍ منك فلا يَنْقَطِعَنَّ وَليَكُنْ موصولا بآخرَ من رحمتك.
ومثلُ ذلك: لَبَّيْك وسَعْدَيْك، وسمعنا من العرب من يقول: سبحانَ اللهِ وحَنانَيْهِ، كأَنّه قال: سبحانَ اللهِ واسترحاماً، كما قال: سبحانَ اللهِ ورَيْحانَه، يريد: واسترزاقَه.
وأمّا قولك: لَبَّيْك وسَعْدَيْك فانتَصب " هذا " كما انتَصب سبحانَ اللهِ، وهو أيضاً بمنزلة قولك إذا أخبرتَ: سَمْعاً وطاعةً. إلاَّ أنّ لَبَّيْك لا يتصرّف، كما أنَّ سبحانَ اللهِ وعَمْرَك الله وقِعْدَك الله لا يتصرّف.
ومن العرب من يقول: سَمْعٌ وطاعةٌ، أى أَمْرى سَمْعٌ وطاعةٌ، بمنزلة:
فقالت حَنانٌ ما أتى بك هاهنا
وكما قال: سَلامٌ.
والذى يَرتفع عليه حَنانٌ وسمع وطاعة غيرُ مستعمَل، كما أنّ الذى يَنتصب عليه لَبَّيْك وسبحانَ اللهِ غير مستعمَل.
وإذا قال: سَمْعاً وطاعةً فهو فى تزجيِة السَّمعِ والطاعةِ، كما قال: حَمْداً وشُكْراً، على هذا التفسير.
ومثل ذلك: حَذارَيْكَ، كأَنَّه قال: لِيكنْ منك حَذَرٌ بعد حَذَرٍ، كما
стр. 348
أنَّه أراد بقوله لَبَّيْك وسَعْدَيْك: إِجابةً بعد إجابةٍ، كأنّه قال: كلَّما أَجبتُك فى أمرٍ فأنا فى " الأمر " الآخَر مجيبٌ، وكأَنّ هذه التثنية أشد توكيداً.
ومثله إذا أنَّه قد يكون حالاً وقع عليه الفعلُ، قول الشاعر، وهو عبدُ بنى الحَسْحاسِ:
إذا شق برد شق بالبرد مثله ... دواليك حتى ليس للبُرْدِ لابِسُ
أى مداوَلَتك، ومداوَلةً " لك ". وإن شاء كان حالاً. ومثله أيضاً:
ضَرْباً هذاذيك وطعناً وخضاً
стр. 349
ومعنى " تثنية " دَوالَيْكَ أَنَّه فِعْلٌ من اثنينِ، لأنّى إذا داولتُ فمن كلَّ واحدٍ منَّا فعل. وكذلك هذاذيك، كأنه يقلو: هذًّا بعد هذٍّ من كلَّ وجهٍ. وإن شاء حَمَلَه على أنّ الفعلَ وَقَعَ هذًّا بعد هذا، " فَنَصَبَه " على الحال.
وزعم يونس أنّ لَبَّيْك اسمٌ واحدٌ ولكنَّه جاء على " هذا " اللفظ فى الإِضافة، كقولك: عَلَيْكَ.
وزعم الخليل أنَّها تثنيةٌ بمنزلة حَوالَيْكَ، لأنَّا سمعناهم يقولون: حَنانٌ. وبعضُ العرب يقول: " لَبَّ " فيُجريه مُجرى أَمْسِ وغاقِ، ولكنّ موضعَه نصبٌ. وحَوالَيْكَ بمنزلة حَناَنَيْكَ.
ولستَ تحتاج فى هذا الباب إلى أن تُفْرِدَ، لأنَّك إذا أَظهرت الاسمَ تَبَيَّن أنه ليس بمنزلة عَلَيْكَ وإِلَيْكَ؛ لأنك " لا " تقول: لَبَّى زيدٍ وسَعْدَى زيدٍ.
وقد قالوا: حَوالَكَ " فأَفردوا "، كما قالوا: حَنانٌ. قال الراجز:
أَهَدَمُوا بيتك لا أبا لكا ... وحسبوا أنك لا أخا لكا
وأنا أمشي الدألى حوالكا
стр. 350
وقال:
دَعَوْتُ لِما نابَنْى مِسْوَراً ... فَلَبَّى فَلبَّىْ يَدَىْ مِسْوَرِ
فلو كان بمنزلة عَلَى لقال: فَلَبَّى يَدَىْ مسور، لأنّك تقول: عَلَى زيدٍ، وإذا أظهرت الاسم.
باب ذكر معنى لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ وما اشتُقّا منه
وإنما ذُكر ليبيَّن لك وجهُ نصبِه، كما ذُكر معنى سُبْحانَ الله.
стр. 351
حدّثنا أبو الخَطّاب أنّه يقال للرجل المداوِمِ على الشيء لا يفارِقه ولا يُقلِعُ عنه: قد أَلَبَّ فلانٌ على كذا وكذا. ويقال: قد أَسْعَدَ فلانٌ فلاناً على أمره وساعَدَه، فالإِلبابُ والمساعَدةُ دنو ومتابعة: إذا ألب على الشيء فهو لا يفارِقُه، وإذا أَسعده فقد تابَعَه. فكأَنّه إذا قال الرجلُ للرجل: يا فلانُ، فقال: لَبَّيك وسَعْدَيْك، فقد قال له: قُرْباً منك ومتابعة لك. فهذا تمثيل وإن كان لا يُستعمل فى الكلام، كما كان بَراءةَ الله تمثيلاً لسبحانَ اللهِ ولم يُستعمل.
وكذلك إذا قال: لَبَّيْك وسَعْدَيْك، يعنى بذلك الله ، فكأَنّه قال: أَىْ رب لا أنأى عنك في شيء تأمُرنى به. فإِذا فعَل ذلك فقد تقَرَّب إلى الله بَهواه.
وأمَّا قوله: وسَعْدَيْك فكأَنّه يقول: أنا متابعٌ أمرَك وأوْلياءَك، غيرُ مُخالِفٍ. فإِذا فعل ذلك فقد تابَعَ وطاوع وأطاع.
وإنّما حملَنا على تفسير لَبَّيْك وسَعْدَيْك لنوضِحَ به وجه نصبِهما؛ لأنَّهما ليسا بمنزلة سَقياً وحَمْداً وما أِشبه هذا. ألا ترى أنك تقول للسائل عن تفسير سَقيًا وحَمْداً: إنَّما هو سَقاك اللهُ سَقْيًا وأَحمدُ الله حَمْداً، وتقول: حَمْداً بدلٌ من أَحمدُ الله، وسَقيًا بدلٌ من سَقاك اللهُ. ولا تقدر أن تقولَ: أُلِبُّك لَبًّا وأُسْعِدك سَعْداً، ولا تقولُ: سَعْداً بدلٌ من أُسعِد، ولا لَبًّا بدلٌ من أُلِبُّ. فلمّا لم يَكُنْ ذاك فيه التمس له شيء من غير لفظه معناه كبراءةَ اللهِ، حين ذكرناها لنبيَّن معنى سُبْحانَ اللهِ. فالتَمستُ " ذلك " لَلبَّيْك وسَعْدَيْك واللفظ الذى أشتُقّا منه، إذ لم يكونا فيه بمنزلة الحَمْدِ والسَّقْى فى فعِلهما، ولا يَتصرَّفان تصرُّفَهما.
стр. 352
فمعناهما القربُ والمتابَعة، فمثّلتُ بهما النصبَ فى لبَّيك وسَعْدَيك، كما مثَّلتُ ببراءةَ النصبَ فى سُبْحانَ الله.
ومثل ذلك تمثيلُك: أُفَّةً وتُفَّةً، إذا سُئِلتَ عنهما، بقولك: أنتنًا لأنّ معناهما وحدَّهما واحد، مثلَ تمثيلك بَهْراً بتَبًّا، ودَفْراً بنتناً.
وأما قولهم: سبح ولبى وأفف، فإنهما أراد أن يُخبِرك أنَّه قد لَفظَ بسُبْحانَ اللهِ وبَلبَّيْك وبأُفَّ، فصار هذا بمنزلة قوله: قد دَعْدَعَ وقد بَأْبَأَ، إّذا سمعتَه يَلفظ بدَعْ وبقوله: بأَبِى. ويدلّك على ذلك قولهم: هَلَّلَ، إذا قال: لا إلهَ إلاّ اللهُ.
وإنَّما ذكرتُ هَلَّلَ وما أِشبهها لتقول قد لُفِظَ بهذا. ولو كان هذا بمنزلة كلّمتُه من الكلام، لكان سُبحانَ " اللهِ " ولَبَّ وسَعْدَ مصادرَ مستعمَلةً متصرَّفةً فى الجر والرَّفع والنصب والألف واللامِ، ولكن سَبَّحْتُ وَلبَّيْتُ، بمنزلة هَلَّلْتُ ودَعْدَعْتُ، إذا قال: دَعْ، ولا إله إلاّ الله.
стр. 353
باب ما يَنتصب فيه المصدرُ المشبَّهُ به
على إضمار الفعل المتروك إظهاره وذلك قولك: مررتُ به فإِذا له صَوْتٌ صَوْتَ حِمار، ومررتُ به فإِذا له صُراخٌ صُراخَ الثَّكْلَى.
" و " قال الشاعر، وهو النابغة الذُّبْيانّى:
مَقْذوفةٍ بدَخيسِ النَّحْضِ بازِلُها ... له صَريفٌ صَريفَ القَعْو بالمَسَدِ
وقال:
لها بَعْدَ إسنْادِ الكَليمِ وهَدْئِه ... ورَنَّةِ مَنْ يبكَى إذا كان باكِيَا
هَديرٌ هَديرَ الثَّورِ يَنفض رأسَه ... يَذُبُّ برَوْقَيه الكِلابَ الضَّواريَا
стр. 354
فإنَّما انتَصب هذا لأنَّك مررتَ به فى حال تصويتٍ، ولم ترد أن تَجعل الآخِرَ صفةً للأوّل ولا بدلاً منه. ولكنَّك لمَّا قلتَ: له صوتٌ، عُلم أنه قد كان ثَمَّ عَمَلٌ، فصار قولُك: له صوتٌ بمنزلة قولك: فإِذا هو يصوَّتُ، فحملتَ الثانَى على المعنى.
وهذا شبيهٌ فى النصب لا فى المعنى بقوله ﵎: " وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا والشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً "، لأنّه حين قال: " جاعلُ الليلِ "، فقد عَلِمَ القارئُ أنّه على معنى جَعَلَ، " فصار كأَنه قال: وَجَعَلَ اللّيلَ سَكَنًا "، وحَمَلَ الثانىَ على المعنى. فكذلك " له " صوتٌ، فكأَنّه قال: فإِذا هو يصوَّتُ، " فَحَمَلَه على المعنى فنَصَبَهُ، كأَنّه توهَّم بعد قوله له صوتٌ: يُصوَّتُ " صوتَ الحمار أو يُبْديه، أو يُخْرِجُه صوتَ حمار، ولكنّه حذف هذا لأنه صار " له صوتٌ " بدلاً منه.
فإِذا قلت: مررتُ به " فإِذا هو " يصوَّتُ صوتَ الحمار فعلى الفعل غير حال. فإِن قلت: صوتَ حمارٍ " فألقيتَ الألفَ واللامَ " فعلى إضمارك فعلاً بعد الفعل المظهَر سوى الفعل المظهر، وتَجعل صوتَ حِمارٍ مثالاً عليه يُخرج الصوتُ أو حالاً، كما أردتَ ذلك حين قلتَ: فإِذا له صوتٌ. وإن شئتَ
стр. 355
أوصلتَ إليه يصوّت، فجعلته العامَل فيه، كقولك: يَذهب ذَهابا.
ومثل ذلك: مررتُ به فإِذا له دَفْعٌ دَفعَك الضعيفَ. ومثل ذلك أيضاً: مررتُ به فإذا له دَقٌ دَقَّك بالمِنحازِ حبَّ الفُلْفُلِ.
ويدّلك " على أنّك " إذا قلت: " فإِذا " له صوتٌ صوتَ حَمارٍ، فقد أَضمرت فعلاً بعد " له صوتٌ "، وصوتَ حمارٍ انتَصب على أنه مثالٌ أو حالٌ يَخرج عليه الفعلُ أنّك إذا أَظهرتَ الفعلَ الذى لا يكون المصدرُ بدلا منه احتجتَ إلى فعلٍ آخَرَ تُضمِره. فمن ذلك قول الشاعر:
إذا رأتني سقط أَبْصَارُهَا ... دَأْبَ بِكارٍ شايَحتْ بِكارُهَا
следующие страницы →