← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 23018

الكتاب لسيبويه

سيبويه

Полный текст (1 982 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقول: مررتُ برجلٍ هَدَّك من رجلٍ، ومررتُ بامرأةٍ هدَّتْك من امرأةٍ؛ فجعله فعلا " مفتوحاً، كأَنه قال: فَعَلَ وفَعَلَتْ "، بمنزلة كَفاك وكَفَتْك. ومن النعت أيضاً: مررتُ برجلٍ مِثْلِك. فمِثْلُك نعتٌ على أنك قلت هو رجل كما أنك رجل، ويكون نعتاً أيضاً على أنه لم يَزِدْ عليك ولم ينقص عنك في شيء من الأمور. ومثلُه: مررتُ برجلٍ مِثْلِك، أى صُورتُه شَبيهةٌ بصورتِك، وكذلك: مررتُ برجلٍ ضَرْبِك وشِبْهِكَ. وكذلك نَحْوِك، يُجْرَيْنَ فى المعنى والإِعرابِ مُجْرًى واحدا، وهنّ مضافاتٌ إلى معرفةٍ صفاتٌ لنكرةٍ. " ويونسُ يقول: هذا مِثلُكَ مُقبِلا، وهذا زيدٌ مِثْلَك، إذا قدَّمه جعله معرفة وإذا أخَّره جعله نكرة. ومن العرب من يوافِقُه على ذلك ". ومنه: مررتُ برجلٍ شَرًّ منك، فهو نعتٌ على أنه نقصَ أَنْ يكون مثَله. ومنه: مررتُ برجلٍ خيرٍ منك، فهو نعتٌ له بأنَّه قد زاد على أن يكون مثلَه. ومنه: مررتُ برجلٍ غَيْرِك، فغيرُك نعتٌ يُفصَل به بين مَنْ نَعَتَّه بغَيْرٍ وبين من أضَفتَها إليه حتَّى لا يكون مثلَه أو يكونَ مَرَّ باثنين. ومنه: مررتُ برجلٍ آخَرَ، " فآخر " نعتٌ على نحو غَيْرِ.

стр. 422

ومنه: مررتُ برجلٍ حَسَنِ الوجهِ، نعتَّ الرجلَ بحسن وجهه ولم تجعل فيه الهاء هى إضمارُ الرجلِ، كما تقول: حَسَنٌ وجههُ، لأنَّه إذا قيل حَسَنُ الوجهِ عُلم أنه لا يَعنى من الوجوه إلاَّ وجهَه. ومثل ذلك: مررت بامرأة حسنة الوجهِ، إنَّما أَدخلتَ الهاءَ فى الحسَنَةِ لأَِنّ الحسَنَة إنَّما وقعتْ نعتاً لها ثم بلغتَ به بعد ما صار نعتاً لها حيث أردتَ، فمن ثم صارتْ فيها الهاءُ. وليست بمنزلة حَسَن وجههُ فى اللفظ وإن كان المعنى واحداً؛ لأنّ الحُسْنَ ههنا للأوَّل ثم تضيفه إلى من تريد، وحَسَن الوجه مضافٌ إلى معرفةٍ صفةٌ للنكرة، فلمَّا كانت صفةً للنكرة أُجريت مُجراها كما جرت مجراها أخواتُها مِثْلٌ وما أِشبهها. وممَّا يكون نعتاً للنكرة وهو مضافٌ إلى معرفةٍ قول الشاعر، امرؤ القيس: بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأَوَابِدِ لاحَهُ ... طِرادُ الهَوادِى كلَّ شأ ومغرب ومنه أيضاً: مررتُ على ناقةٍ عُبْر الهَواجِرِ.

стр. 423

وممّا يكون مضافاً إلى المعرفة ويكون نعتاً للنكرة الأسماءُ التى أُخذت من الفعلِ فأُريدَ بها معنى التنوين. من ذلك: مررتُ برجلٍ ضاربك، فهو نعت على أنه سيَضربه، كأَنك قلت: مررتُ برجلٍ ضارِبٍ زيداً، ولكن حُذف التنوينُ استخفافا. وإن أظهرتَ الاسمَ وأردتَ التخفيف والمعنى معنى التنوين، جرى مجراه حين كان الاسمُ مضمَراً، وذلك قولُك: مررتُ برجلٍ ضاربه رجل؛ فإنْ شئت حملتَه على أنّه سيفَعل، وإن شئتَ على أنَّك مررت به وهو فى حالِ عملٍ، وذلك قوله : " هذا عارض ممطرنا ". فالرفعُ ههنا كالجرّ فى باب الجرّ. واعلم أنَّ كل مضافٍ إلى معرفةٍ وكان للنكرة صفةً فإِنّه إذا كان موصوفاً أو وَصْفا أو خَبَراً أو مبتدأَ، بمنزلة النكرة المُفرَدةِ. ويدلّك على ذلك قول " الشاعر، وهو " جرير: ظَلِلنا بمُسْتَنَ الحَرورِ كأَنّنا ... لَدَى فَرَسٍ مُسْتَقْبِل الريح صائم

стр. 424

كأَنه قال: لدى مستقبل صائمٍ. وقال المَرّار الأَسدىّ: سَلَّ الهُمومَ بكلَّ مُعْطِى رأْسِه ... ناجٍ مُخالِطِ صُهْبةٍ متَعيَّسِ مُغتالِ أَحْبُلِهِ مُبينٍ عُنْقُه ... فى مَنْكِبٍ زَبَنَ المَطَّى عَرَنْدسِ سمعناه ممّن يَرويه من العرب يُنشِدُه هكذا. ومنه أيضاً قول ذى الرُّمّة: سَرَتْ تَخْبِطُ الظلْمَاءَ من جانِبَىْ قَساً ... وحُبّ بها من خابِطِ اللَّيْلِ زائِرِ فكأَنّهم قالوا: بكلَّ مُعْطٍ " رأسَه "، ومن خابط " الليل ". ومثله قول جرير:

стр. 425

يارب غابطِنا لو كان يَعرفُكْم ... لاقَى مُباعدةً منكْم وحِرْمانَا وقال أبو مِحْجَنِ الثَّقَفّى: يا رُبّ مثلك فى النساء غريرة ... بيضاء قد متعتها بطَلاقٍ فرُبّ لا يقع بعدها إلاّ نكرةٌ، فذلك يدلّك على أنّ " غابطنا " " ومثلك " نكرةٌ. ومن ذلك قول العرب: لى عِشْرون مِثْلَه ومائةُ مثلِه، فأَجروا ذلك بمنزلة عشرين درهما ومائة درهمٍ. فالمِثْلُ وأخَواتُه كأَنّه كالذى حُذف منه التنوينُ فى قوله مِثْلٌ زيدا وقَيدٌ الأوابد. وهذا تمثيل، ولكنها كمائة وعشرين، فلزمها شيء واحد وهو الإِضافة. يريد أنَّك أردت معنى التنوين. فمثلُ ذلك قولهم: مائةُ درهمٍ.

стр. 426

وزعم يونس أنه يقول: عشرونَ غَيرَك، على قوله عشرون مثلكَ. وزعم يونس والخليل رحمهما الله، أنّ الدّرهم ليست نكرة؛ لأنّهم يقولون: مائةُ الدرهمِ التى تَعلم، فهى بمنزلة عبد الله. وزعم يونس والخليل أنّ هذه الصفاتِ المضافةَ إلى المعرفة، التى صارت صفةً للنكرة، قد يجوز فيهن كلهن أن يكون معرفةً، وذلك معروفٌ فى كلام العرب. يدلّك على ذلك أَنّه يجوز لك أن تقول: مررتُ بعبد الله ضاربِك، فجعلتَ ضاربك بمنزلة صاحبك. وزعم يونس أنه يقول: مررتُ بزيدٍ مثلك، إذا أرادوا مررت بزيد المعروف بشبهك، فتجعل مثلك معرفة. ويدلك على ذلك قوله: هذا

стр. 427

مثلك قائما، كأنه قال هذا أخوك قائما. إلا حسن الوجه فإنه بمنزلة رجل، لا يكون معرفة. وذاك أنه يجوز لك أن تقول: هذا الحسن الوجه، فيصير معرفة بالألف واللام، كما يصير الرجل معرفة بالألف واللام ولا يكون معرفة إلا بهما. ومن النعت أيضا: مررت برجلٍ إمّا قائمٍ وإمّا قاعدٍ، فقد أَعلمهم أنه ليس بمُضْطَجِعٍ " ولكنه " شكّ فى القيام والقعودِ، وأَعلمهم أنّه على أحدهما. ومن النعت أيضاً: مررتُ برجلٍ لا قائمٍ ولا قاعدٍ، جُرّ لأنّه نعتٌ، كأَنك قلت: مررتُ برجلٍ قائمٍ، وكأَنّك تحدَّثُ مَن فى قلبه أَنَّ ذاك الرجلَ قائمٌ أو قاعدٌ، فقلتَ: لا قائم ولا قاعد، لتُخْرِجَ ذلك من قلبه. ومنه: مررتُ برجلٍ راكبٍ وذاهبٍ، واستحقهما لا لأن الرُّكوب قبل الذَّهاب. ومنه: مررْت برجل راكبٍ فذاهبٍ استحقَّهما إلا أنه بَيَّنَ أَنَّ الذهابَ بعد الركوب وأَنّه لا مُهلة بينهما وجعله متَّصلا به. ومنه: مررتُ برجلٍ راكب ثمّ ذاهبٍ، فبيَّن أنَّ الذهاب بعده، وأنّ بينهما مُهلةً، وجعله غيرَ متّصلِ به فصيَّره على حِدةٍ. ومنه: مررتُ برجلٍ راكعٍ أو ساجد، فإنما هي بمنزلة إما وإما، إلاّ أَنّ إمّا يُجاءُ بها ليُعْلَمَ أنّه يريد أحدَ الأمرينِ، وإذا قال " أو " ساجدٍ فقد يجوز أن يُقتصر عليه.

стр. 428

ومنه: مررتُ برجلٍ راكعٍ لا ساجِدٍ، لإِخراجِ الشكَّ أو لتأكيد العِلم فيهما. ومنه: مررت: برجلٍ راكع بل ساجد، إما غلط فاستدرك، وإما نسىَ فذكر. ومنه: مررتُ برجلٍ حَسَنِ الوجهِ جَميِلة، جُرَّ لأنَّه حَسنُ الخاصَّةِ جَميلُها، والوجهُ ونحوُه خاصٌّ، ولو كان حَسَنَ العامّةِ لقال حَسَنٍ جميل. ومنه: مررتُ برجلٍ ذى مالٍ، أى صاحبِ مالٍ. ومنه: مررتُ برجلٍ رجلِ صِدْقٍ، منسوبٍ إلى الصَّلاح. كأنّك قلت: مررتُ برجلٍ صالحٍ. وكذلك: مررتُ برجلٍ رجلِ سَوءٍ، كأَنّك قلت: مررتُ برجلٍ فاسدٍ؛ لأنَّ الصَّدقَ صلاحٌ والسَّوءَ فَسادٌ. وليس الصدقُ ههنا بصدقِ اللسان، لو كان كذلك لم يجز لك أن تقول هذا ثَوبُ صِدْقٍ وحِمارُ صِدْقٍ، وكذلك السَّوْءُ ليس فى معنى سُؤْتُه. ومن النعت أيضاً: مررتُ برجلينِ مِثْلَيْنِ، فتفسيرُ المثلينِ أنَّ كلّ واحد منهما مِثلُ صاحبه. ومثل ذلك سِيّانِ، وسَواءٌ. ومنه: مررتُ برجلينِ مِثْلِكَ، أى كلُّ واحد منهما مِثلُك، ووجهٌ آخَرُ على أنّهما جميعاً مِثْلُك. وكلُّ ذلك جر.

стр. 429

ومنه: مررتُ برجلينِ غيرِك، فإِنْ شئت حملتَه على أنَّهما غيرُه فى الخِصال وفى الأمور، وإن شئت على قوله: مررتُ برجلينِ آخَرَينِ إذا أردت أنَّه قد ضَمّ معك فى المرور سِواك، فيصيرُ كقولك: برجلٍ آخَرَ، إذا ثَنَّى به. ومنه: مررت برجلين سواء، على أنهما لي يزيدا على رجلين ولي يَنقصَا من رجلِين. وكذلك مررتُ بدرهمٍ سَواءٍ. ومنه أيضاً: مررتُ برجلينِ مُسْلِمٍ وكافرٍ، جمعت الاسمَ وفرّقتَ النعتَ. وإن شئت كان المسلمُ والكافر بدلاً، كأَنّه أجاب من قال: بأَىَّ ضربٍ مررتَ؟ وإن شاءَ رَفَعَ كأَنّه أجاب مَنْ قال: فما هما؟ فالكلامُ على هذا وإن لمَ يلفظ به المخاطَبُ؛ لأنّه إنما يَجرى كلامُه على قدر مسألتك عنده لو سألتَهِ. وكذلك: مررتُ برجلِين رجلٍ صالحٍ ورجلٍ طالح، إن شئت صيَّرته تفسيراً لنعتٍ، وصار إعادتك الرجل توكيداً. وإن شئت جعلتَه بدلاً، كأَنّه جوابٌ لمن قال: بأَىَّ رجل مررتَ. فتركتَ الأوّلَ واستَقبلتَ الرجلَ بالصفة. وإن شئت رفعتَ على قوله فما هما؟ ومما جاء في الشعر قد جمع فيه الاسم وفُرّق النعتُ وصار مجروراً قوله، " وهو رجل من باهِلَة ": بَكَْيتُ وما بُكَا رَجُلٍ حَلِيمٍ ... على رَبْعيِن مسلوبٍ وبالٍ

стр. 430

كذا سمعنا العرب تنشده، والقوافي مجرورة. ومنه أيضاً: مررتُ بثلاثةِ نَفَرٍ: رجلينِ مسلمينِ ورجلٍ كافرٍ، جَمعتَ الاسمَ وفصَّلتَ العدّةَ ثم نعتَّه وفسّرتَه. وإن شئت أَجريتَه مُجْرى الأوّل فى الابتداء فترفعُه، وفى البدلِ فتجرُّه. قال " الرجز، وهو " العجاج: خَوَّى على مُسْتَوِياتٍ خَمسِ ... كِرْكَرِةٍ وثَفِناتٍ مُلْسِ وهذا يكون على وجهينِ: على البدل، وعلى الصفة. ومثال ما يجيء في هذا الباب على الابتداء وعلى الصفة والبدل، قوله : " قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ". ومن الناس من يَجرّ والجَرُّ على وجهين: على الصفة، وعلى البدل. ومنه قول كُثَيَّرِ عَزّةَ:

стр. 431

وكنت كذى رجلين: رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمانُ فشَلَّتِ فأَمّا مررتُ برَجُلٍ راكعٍ وساجدٍ، ومررتُ برجلٍ رجلٍ صالحٍ، فليس الوجهُ فيه إلاّ الصفةَ، وليس هذا بمنزلة مررتُ برجلينِ مُسلمٍ وكافر ولا ما أشبهه، من قبل أنك ثم تُبعَّض، كأنَّك قلت: أحدُهما كذا والآخر كذا، ومنهم كذا " ومنهم كذا ". وإذا قلت: مررتُ برجلٍ قائمٍ، ومررتُ برجلٍ قاعدٍ، فهذا اسمٌ واحدٌ. ولو قلت: مررتُ برجلٍ مسلمٍ وثلاثةِ رِجالٍ مسلمينَ لم يَحسن فيه إلاّ الجرُّ لأنك جعلت الكلامَ اسماً واحداً حتّى صار كأنك قلت: مررتُ بقائمٍ ومررتُ برجالٍ مسلمينَ. وهذا قولُ يونسَ: ولو جاز الرفعُ لقلت: كان عبدُ الله راكعٌ؛ لأنّك إن شبّهتَه بالتبعيض فالتبعيضُ ههنا رفعٌ، إذا قلت: كان أَخواك راكع وساجد.

стр. 432

ومثل ذلك: مرت برجل وامرأة وحمار قيام، فرقت الأسماء وجمعت النعت، فصارجمع النعت ههنا بمنزلة قولك: مررتُ برَجلينِ مسلمَينِ، لأن النعت ههنا ليس مبعَّضا، ولو جاز فى هذا الرفعُ لجاز مررتُ بأخيك وعبدِ الله وزيدٍ قيامٌ، فصار النعتُ ههنا مع الأسماء بمنزلة اسمٍ واحد. وتقول: مررتُ بأََربعة صَريعٌ وجَريحٌ، لأنّ الصَّريع والجريح غيرُ الأربعة، فصار على قولك: منهم صريع ومنهم جريحُ. ومن النعت أيضاً: مررتُ برجلٍ مِثلِ رَجُلَين، وذلك فى الغَناء " والجَزْءِ ". وهذا مثلُ قولك: مررتُ بُبَّر مِلء قَدَحَين، فالذى يضاف إليه المِلْءُ مِقْيَاسٌ ومِكْيَالٌ ومِثقَالٌ ونحوُه، والأوّلُ مَوْزُونٌ ومَقيسٌ ومكِيلٌ. وكذلك: مررتُ برَجلين مِثْلِ رجلٍ في الغناء، كقولك: ببرين ملء قدح. وتقول: مررتُ بَرَجُلٍ مثل رجلٍ، وتقول: مررت برجلٍ أَسَدٍ شِدّةً وجُرأةً، إنّما تريد مِثْلَ الأسِد. وهذا ضعيفٌ قبيح، لأنَّه اسمٌ لم يُجْعَلْ صفةً، وإنَّما قاله النحويُّون، شبَّه بقولهم: مررتُ بزيدٍ أَسداً شِدّةً. وقد يكون خَبَراً ما لا يكون صفةً. " ومثله: مررتُ برَجُلٍ نارٍ حُمْرةً ". ومنه أيضاً: مررت برجل صالح بل طالح، وما مررتُ برجلٍ كَريمٍ بل لئيمٍ، أَبدلتَ الصفةَ الآخِرَةَ من الصفة الأولى وأَشركَتْ بينهما بَلْ فى الإِجراءِ على المنعوت. وكذلك: مررتُ برجل صالح بل طالح، ولكنه يجيء على النَّسيان أو الغَلطِ، فيَتداركُ كلامَه؛ لأنه ابتدأ بواجب.

стр. 433

ومثله: ما مررتُ برجلٍ صالحٍ لكنْ طالحٍ، أَبدلتَ الآخِرَ من الأوّل فجرى مجراه فى بَلْ. فإِن قلتَ: مررتُ برجلٍ صالحٍ ولكنْ طالحٍ، فهو مُحالٌ، لأنّ لكنْ لا يُتدارك بها بعد إيجاب، ولكنّها يُثْبتُ بها بعد النفى. وإن شئت رفعتَ فابتدأتَ على هُوَ فقلتَ: ما مررتُ برجلٍ صالحٍ ولكنْ طالحٌ، وما مررتُ برجلٍ صالحٍ بل طالحٌ، ومررتُ برجلٍ صالح بل طالحٌ؛ لأنَّها من الحروف التى يُبْتَدأُ بها. ومن ذلك قوله : " وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون ". فالرفعُ ههنا بعد النصب كالرفع بعد الجرّ. وإن شئت كان الجرُّ على أن يكون بدلاً على الباء. واعلم أنّ بَلْ، ولا بَلْ، ولكِنْ، يُشرِكْنَ بين النعتينِ فيُجْرَيانِ على المنعوت، كما أشركَتْ بينهما الواوُ والفاءُ، وثمّ وأَوْ، ولا، وإمّا وما أشبه ذلك. وتقول: ما مررتُ برجلٍ مسلمٍ فكيفَ رجلٌ راغبٌ فى الصّدَقة، بمنزلة: فأَينَ راغبٌ في الصدقة. وزعم يونسُ أن الجرّ خطأ؛ لأنّ أَيْنَ ونَحْوَها يبتدأ بهن ولا يضمر بعدهن شيء، " كقولك: فهَّلا دينارا، إلاّ أنَّهما مما يكون بعدهما الفعل ".

стр. 434

ألا ترى أنّك لو قلت: رَأيتُ زيداً فأَيْنَ عمراً، أو فهَلْ بشراً لم يجز. وقد بُيَّن تركُ إضمارِ الفعلِ فيما مضى. ولكنْ وبَلْ لا يُبتدآنِ ولا يكونانِ إلاّ على كلامٍ، فشُبَّهْن بَإِمّا وأَوْ ونحوهما. وممّا جرى نعتاً على غير وجه الكلام: " هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ "، فالوجهُ الرفعُ، وهو كلامُ أكثرِ العربِ وأفصحهِم. وهو القياسُ، لأنّ الخَرِبَ نعتُ الجُحْرِ والجحرُ رفعٌ، ولكنّ بعض العرب يجُرُّه. وليس بنعتٍ للضبّ، ولكنّه نعتٌ للذى أُضيف إلى الضبّ، فجرّوه لأنه نكرةٌ كالضبّ، ولأنَّه فى موضعٍ يقع فيه نعتُ الضبّ، ولأنه صار هو والضب بمنزلة اسم واحدٍ. ألا ترى أنّك تقول: هذا حَبُّ رُمّانٍ. فإِذا كان لك قلت: هذا حَبُّ رُمّانى، فأَضفتَ الرمّانَ إليك، وليس لك الرمّانُ إنَّما لك الحَبُّ. ومثلُ ذلك: هذه ثلاثةُ أَثوابِك. فكذلك يقع على جُحْرِ ضبّ ما يقع على حَبَّ رُمّانٍ، تقول: هذا جُحْرُ ضَبَّى، وليس لك الضبُّ إِنَّما لك جُحْرُ ضبَّ، فلم يَمنعك ذلك من أَنْ قلتَ جحرُ ضبّى، والجحرُ والضبُّ بمنزلة اسم مفرَدٍ، فانجرَّ الخَرِبُ على الضبَّ كما أضفتَ الجحرَ إِليك مع إضافة الضبَّ. ومع هذا أنّهم أَتبعوا الجرَّ كما أَتبعوا الكَسْرَ الكسرَ، نحوَ قولهم: بهم وبدارِهِم، وما أِشبه هذا.

стр. 435

وكِلا التفسيرَيْنِ تفسيرُ الخليل، وكان كلُّ واحد منهما عنده وجهاً من التفسير. وقال الخليل ﵀: لا يقولون إِلاَّ هذانِ جُحْرَا ضَبَّ خَرِبانِ، من قِبَل أنّ الضبّ واحدٌ والجحر جحران، وإنما بغلطون إذا كان الآخِرُ بعدّة الأوّل وكان مذكَّراً مثلَه أو مؤنَّثًا، وقالوا: هذه جِحرَةُ ضِبابٍ خربة، لأن الضباب مؤنثة ولأن الجحرة مؤنثهة، والعدّة واحدة، فغَلِطوا. وهذا قولُ الخليل ﵀، ولا نُرَى هذا والأوَّلَ إلاّ سَواءً، لأنّه إذا قال: هذا جُحْرُ ضبَّ مُتَهَدمٍ، ففيه من البيان أنّه ليس بالضبَّ، مثلُ ما فى التثنية من البيان أنّه ليس بالضب. وقال العجاج: كأن نسج العنكبوت المرمل فالنسج مذكر والعنكبوت أنثى. باب ما أَشْرَكَ بين الاسمْينِ فى الحرف الجارّ فَجَرَيا عليه كما أَشرك بينهما فى النَّعْت فَجَرَيا على المنعوت وذلك قولك: مررتُ برجل وحمار قبل. قالوا وأشركت بينهما فى الباءِ فجريا عليه، ولم تَجعلْ للرَّجل منزلةً بتقديمك إيّاه يكون بها أَوْلَى من الحمار،

стр. 436

كأنك قلت مررتُ بهما. فالنفىُ فى هذا أن تقولَ: ما مررتُ برجلٍ وحمار، أي ما مررت بهما، وليس في هذا دليل على أنه بدأ بشيء قبل شيء، ولا بشيء مع شيء، لأن يجوز أن تقول: مررت بزيد وعمرو والمبدوء به في المرور عمرو، " ويجوز أن يكون زيداً "، ويجوز أن يكون المرورُ وَقَعَ عليهما فى حالةٍ واحدة. فالواوُ تَجمع هذه الأشياءَ على هذه المعانى. فإذا سمعتَ المتكلَّمَ يَتكلّم بهذا أَجبتَه على أيَّها شئتَ؛ لأنها قد جَمعتْ هذه الأشياءَ. وقد تقول: مررت بزيد وعمرو، على أنّك مررت بهما مُرُورَيْن، وليس فى ذلك " دليلٌ " على المرور المبدوء به، كأنّه يقول: ومررت أيضاً بعمرو. فنفْىُ هذا: ما مررتُ بزيد وما مررتُ بعمرو. وسنبَّين النفىَ بحروفه فى موضعه إنْ شاء الله. ومن ذلك " قولك ": مررت بزيد فعمرو، ومررت برجل فامرأة. فالفاء أشركت بينهما فى المرور، وجَعلتِ الأوّلَ مبدوءاً به. ومن ذلك: مررتُ برجلٍ ثُمّ امرأَةٍ، فالمرورُ ههنا مُرورانِ، وجَعلَتْ ثُمّ الأوّلَ مبدوءاً به وأَشركتْ بينهما فى الجرّ. ومن ذلك " قولك ": مررتُ برجلٍ أَوِ امْرأةٍ، فأَوْ أَشْركتْ بينهما فى الجرّ، وأثبتِت المرورَ لأَحَدِهما دون الآخَرِ، وسَوّتْ بينهما فى الدعْوَى. فَجوابُ الفاءِ: ما مررت بزيد فعمرو. وجوابُ ثُمّ: ما مررتُ بزيدٍ

стр. 437

ثمّ عمرو. وجوابُ أَوْ إن نَفيتَ الاسمينِ: ما مررتُ بواحدٍ منهما، وإن أَثْبَتّ أحدَهما قلتَ: ما مررتُ بفلان. ومن ذلك: مررتُ برجل لا امرأََة، أشركَتْ بينهما لاَ فى الباءِ وأحقَّتِ المرورَ للأوّل وفصلَتْ بينهما عند من التَبَساَ عليه فلم يَدْرِ بأيّهما مررتَ. هذا باب المُبْدَل من المُبدَل منه والمبدل يشرك المبدل منه فى الجر وذلك قولك: مررتُ برجلٍ حِمارٍ. فهو على وجهٍ محالٌ، وعلى وجهٍ حَسَنٌ. فأَمَّا المحُالُ فأَن تَعنَى أنَّ الرجلَ حِمارٌ. وأَما الذى يَحسُن فهو أن تقول: مررتُ برجلٍ، ثم تُبْدِلَ الحِمارَ مَكَانَ الرجل فتقولَ: حِمارٍ، إمَّا أن تكونَ غلِطتَ أو نَسِيتَ فاستَدركتَ، وإمّا أن يَبْدُوَ لك أَن تُضربَ عن مرورك بالرجل وتَجعلَ مكانه مرورَك بالحمار بعد ما كنتَ أردتَ غيْرَ ذلك. ومثل ذلك قولك: لا بَلْ حِمارٍ. ومن ذلك قولك مررتُ برجلٍ بَلْ حمار، وهو على تفسير: مررتُ برجلٍ حِمارٍ. ومن ذلك: ما مررتُ برجلٍ بَلْ حِمارٍ، وما مررتُ برجلٍ ولكن حمار، أبدلت الآخر من لأول وجعلتَه مكانَه. وقد يكونُ فيه الرفُع على أن يُذْكَرَ الرجُل فيقال: مِن أمِره ومن أمره، فتقولُ أنت: قد مررت به، فما مررت برجل بل حمار ولكن حِمارٌ، أى بل هو حمارٌ ولكنْ هو حمار.

стр. 438

ولو ابتَدأتَ كلاماً فقلتَ: ما مررتُ برجلٍ ولكنْ حِمارٌ، تريد: ولكنْ هو حمارٌ، كان عربيَّا؛ أو بلْ حمارٌ، أو لا بل حمارٌ، كان كذلك، كأنّه قال: ولكنِ الذى مررتُ به حمارٌ. وإذا كان قبل ذلك منعوتٌ فأَضمرتَه، أو اسم فأضمرتَه أو أَظهرتَه، فهو أَقْوَى؛ لأنك تُضْمرُ ما ذكرتَ وأنت هنا تُضْمرُ ما لم تَذكر. وهو جائزٌ عربي، لأن معناه ما مررت بشيء هو رجل؛ فجاز هذا كما جاز المنعوتُ المذكورُ نحُو قولك: " ما " مررتُ برجلٍ صالحٍ بل طالحٌ. ومثل ذلك قوله : " وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون ". فهذا على أنَّهم قد كانوا ذكروا الملائكةَ قبل ذلك بهذا، وعلى الوجه الآخرِ. والمعرفةُ والنكرة فى لكنْ وبَلْ ولا بلْ سَواءٌ. ومن المبدَلِ أيضاً قولك: قد مررتُ برجلٍ أو امرأَةٍ، إنَّما ابتَدأَ بيقينٍ ثمّ جعل مكانَه شكّا أَبدلَه منه، فصار الأوّلُ والآخِرُ الادَّعاءُ فيهما سَواءٌ، فهذا شبيهٌ بقوله: ما مررت بزيد ولكن عمرو، ابتدأ بنفىٍ ثم أَبدل مكانَه يقينًا. وأمّا قولهم: أَمررتَ برجل أَمِ امرأةٍ؟ إذا أردتَ معنى أيُّهما مررتَ به، فإِنَّ أَمْ تُشْرِك بينهما كما أَشركتْ بينهما أَوْ.

стр. 439

وأمّا: ما مررتُ برجلٍ فكيف امرأةٌ، فزعم يونسُ أنّ الجرَّ خطأ، وقال: هو بمنزلة أَيْنَ. ومَنْ جَرَّ هذا فهو يَنبغى له أن يقول: ما مررتَ بعبد الله فلِمَ أخيه، وما لَقيِتَ زيداً مرّة فكَمْ أبا عمرو؟ تريد: فلِمَ مررتَ بأخيه؟ وفَكَمْ لقيتَ أبا عمرو؟ واعلم أنّ المعرفة والنكرة فى باب الشَّريكِ والبدلِ سواءٌ. واعلم أنّ المنصوب والمرفوع في الشركة والبدل كالمجرور.

стр. 440

الجزء الثاني بسم الله الرحمن الرحيم ؟ هذا باب مجرى نعت المعرفة عليها فالمعرفةُ خمسة أشياء: الأسماء التي هي أعلامٌ خاصة، والمضاف إلى المعرفة، إذا لم ترد معنى التنوين، والألف واللامُ، والأسماء المبهمة، والإضمارُ. فأما العلامة المختصة فنحو زَيدٍ وعَمرٍو، وعبدِ الله، وما أشبه ذلك. وإنما صار معرفة لأنه اسمٌ وقع عليه يُعرف به بعينه دون سائر أمته. وأما المضاف الى معرفة فنحو قولك: هذا أخوك، ومررتُ بأبيك، وما أشبه ذلك. وإنما صار معرفة بالكاف التي أضيف إليها، لأن الكاف يراد بها الشيء بعينه دون سائر أمته. وأما الألف واللام فنحو الرجل والفرس والبعير وما أشبه ذلك. وإنما صار معرفة لأنك أردت بالألف واللام الشيء بعينه دون سائر أمته، لأنك قلت: مررتُ برجلٍ، فإنك إنما زعمت أنك إنما مررت بواحدٍ ممن يقع عليه هذا الاسمُ، لا تريد رجلا بعينه يعرفه المخاطَب. وإذا أدخلتَ الألف واللام فإنما تُذكّره رجلا قد عرَفه، فتقول: الرجل الذي من أمره كذا وكذا؛ ليتوهم الذى كان عهدَه ما تذكر من أمره. وأما الأسماء المبهمة فنحو هذا وهذه، وهذان وهاتان، وهؤلاء، وذلك وتلك، وذانك وتانك، وأولئك، وما أشبه ذلك. وإنما صارت معرفة لأنها صارت أسماء إشارة إلى الشيء دون سائر أمّته.

стр. 441

وأما الإضمار فنحو: هو، وإياه، وأنتَ، وأنا، ونحن، وأنتم، وأنتن، وهن، وهم، وهي، والتاء التي في فعَلتُ وفعلَتْ وفعلْتِ، وما زِيدَ على التاء نحو قولك: فعلتما وفعلتم وفعلتن، والواو التي في فعلُوا، والنون والألف اللتان في فعلْنا في الاثنين والجميع، والنون في فعلْنَ، والإضمار الذي ليست له علامة ظاهرة نحو: قد فعل ذلك، والألف التي في فعَلا، والكاف والهاء في رأيتُكَ ورأيته، وما زيدَ عليهما نحو: رأيتكما ورأيتكم، ورأيتهما، ورأيتهم، ورأيتكن ورأيتهن، والياء في رأيتُني، والألف والنون اللتان في رأيتَنا وغُلامُنا، والكاف والهاء اللتان في بكَ وبه وبها، وما زيد عليهن نحو قولك: بكما وبكم وبكن وبهما وبهم وبهن، والياء في غلامي وبى. وإنما صار الإضمار معرفة لأنك إنما تضمِر اسما بعد ما تعلم أن مَنْ يحدَّث قد عرف مَن تعنى وما تعنى، وأنك تريد شيئا يعلمه. واعلم أن المعرفة لا توصَف إلا بمعرفة، كما أن النكرة لا توصَف إلا بنكرة. واعلم أن العَلَم الخاص من الأسماء يوصَف بثلاثة أشياء: بالمضاف إلى مثله، وبالألف واللام، وبالأسماء المبهمة. فأما المضاف فنحو: مررتُ بزيدٍ أخيك. والألف واللام نحو قولك: مررت بزيد الطويل، وما أشبه هذا من الإضافة والألف واللام. وأما المبهمة فنحو: مررتُ بزيد هذا وبعمرو ذاك.

стр. 442

والمضاف إلى المعرفة يوصف بثلاثة أشياء: بما أضيف كإضافته، وبالألف واللام، والأسماء المبهمة؛ وذلك: مررتُ بصاحبك أخي زيد، ومررتُ بصاحبك الطويل ومررت بصاحبك هذا. فأما الألف واللام فتوصف بالألف واللام، وبما أضيف إلى الألف واللام؛ لأن ما أضيف إلى الألف واللام بمنزلة الألف واللام فصار نعتا، كما صار المضاف إلى غير الألف واللام صفة لما ليس فيه الألف واللام، نحو مررتُ بزيد أخيك، وذلك قولك: مررتُ بالجميل النبيل، ومررتُ بالرجل ذى المال. وإنما منع أخاك أن يكون صفة للطويل أن الأخ إذا أضيف كان أخصَّ، لأنه مضاف إلى الخاص وإلى إضماره، فإنما ينبغي لك أن تبدأ به وإن لم تكتفِ بذلك زدتَ من المعرفة ما تزداد به معرفة. وإنما منع هذا أن يكون صفة للطويل والرجل أن المخبِر أراد أن يقرب به شيئا ويشير إليه لتعرفه بقلبك وبعينك، دون سائر الأشياء. وإذا قال الطويل فإنما يريد أن يعرفك شيئا بقلبك ولا يريد أن يعرفكه بعينك، فلذلك صار هذا يُنعت بالطويل ولا يُنعت الطويل بهذا، لأنه صار أخصَّ من الطويل حين أراد أن يعرفه شيئا بمعرفة العين ومعرفة القلب. وإذا قال الطويل فإنما عرفه شيئا بقلبه دون عينه، فصار ما اجتمع فيه شيئان أخص. واعلم أن المبهمة توصَف بالأسماء التي فيها الألف واللام والصفات التي فيها الألف واللام جميعا. وإنما وُصفتْ بالأسماء التي فيها الألف واللام

стр. 443

لأنها والمبهمة كشيء واحد، والصفات التي فيها الألف واللام هي في هذا الموضع بمنزلة الأسماء وليست بمنزلة الصفات في زيد وعمرو إذا قلتَ مررتُ بزيد الطويل، لأني لا أريد أن أجعل هذا اسما خاصا ولا صفة له يُعرف بها، وكأنك أردت أن تقول مررت بالرجل، ولكنك إنما ذكرت هذا لتقرب به الشيء وتشير إليه. ويدلك على ذلك أنك لا تقول: مررتُ بهذين الطويل والقصير وأنت تريد أن تجعله من الاسم الأول بمنزلة هذا الرجل، ولا تقول: مررتُ بهذا ذى المال كما قلت: مررتُ بزيد ذى المال. واعلم أن صفات المعرفة تجرى من المعرفة مجرى صفات النكرة من النكرة، وذلك قولك: مررتُ بأخوَيْك الطويلَيْن؛ فليس في هذا إلا الجر كما ليس في قولك: مررت برجل طويل، إلا الجر. وتقول: مررت بأخوَيْك الطويل والقصير، ومررتُ بأخوَيك الراكع والساجد، ففي هذا البدل، وفي هذا الصفة، وفيه الابتداء، كما كان ذلك في مررت برجلين صالح وطالح. وإذا قلت: مررت بزيد الراكع ثم الساجد، أو الراكع فالساجد، أو الراكع لا الساجد، أو الراكع أو الساجد، أو إما الراكع وإما الساجد، وما أشبه هذا، لم يكن وجه كلامه إلا الجر كما كان ذلك في النكرة. فإن أدخلتَ بل ولكنْ جاز فيهما ما جاز في النكرة. فعلى هذا فقِس المعرفة. وقد مضى الكلام في النكرة فأغنى عن إعادته في المعرفة، لأن الحكم واحد. واعلم أن كل شيء كان للنكرة صفة فهو للمعرفة خبر، وذلك قولك:

стр. 444

مررت بأخويك قائمَيْن، فالقائمان هنا نصب على حد الصفة في النكرة. وتقول: مررت بأخويك مسلما وكافرا هذا على مَن جر وجعلهما صفة للنكرة، ومن جعلهما بدلا من النكرة جعلهما بدلا من المعرفة كما قال الله : " لَنَسْفَعاً بالناصيةِ. ناصيةٍ كاذبةٍ خاطئة ". وأنشدنا لبعض العرب الموثوق بهم: فإلى ابنِ أمّ أناسٍ ارحلُ ناقتي ... عمرٍو فتُبلغُ حاجتى أو تُزحِفُ ملِكٍ إذا نَزَلَ الوفودُ ببابِهِ ... عرَفوا مواردَ مُزبِدٍ لا يُنزَفُ

стр. 445

ومَن رفع في النكرة رفع في المعرفة. قال الفرزدق: فأصْبَحَ فى حيثُ الْتَقَيْناَ شريدُهمْ ... طليقٌ ومكتوفُ اليدينِ ومُزعِفُ وقال آخر، رجل من بنى قُشير: فلا تَجعلى ضيفَيّ ضيفٌ مُقرَّبٌ ... وآخرُ معزولٌ عن البيتِ جانبُ والنصبُ جيِّد كما قال النابغة الجعدى: وكانتْ قُشَيرٌ شامِتا بصَديقها ... وآخرَ مَرزيّا وآخرَ رازِيا

стр. 446

وقال الآخر، وهو ذو الرمة: تَرى خلقَها نِصفٌ قَناة قَويمةٌ ... ونصفٌ نَقاً يَرتجُّ أو يتمرْمرُ وبعضهم ينصب على البدل. وإن شئت كان بمنزلة رأيتُه قائما، كأنه صار خبرا على حد من جعله صفة للنكرة على الأوجه الثلاثة. واعلم أن المضمر لا يكون موصوفا، من قِبل أنك إنما تضمِر حين ترى أن المحدَّث قد عرف مَن تعنى، ولكن لها أسماء تُعطَف عليها، تعم وتؤكد، وليست صفة؛ لأن الصفة تحلية نحو الطويل، أو قرابة نحو أخيك وصاحبك وما أشبه ذلك، أو نحو الأسماء المبهمة، ولكنها معطوفة على الاسم تجرى مجراه، فلذلك قال النحويون صفة. وذلك قولك: مررت بهم كلهم، أى لم أدعْ منهم أحداً، ويجيء توكيداً كقولك: لم يبق منهم مُخبّر وقال بقي منهم. ومثله أيضا: مررتُ بهم أجمعين أكتعين، ومررتُ بهم جُمَعَ كُتَع، ومررتُ بهم أجمعَ أكتعَ، ومررتُ بهم جميعهم. فهكذا هذا وما أشبه.

стр. 447

ومنه مررتُ به نفسِه، ومعناه مررتُ به بعينه. واعلم أن الخاص من الأسماء لا يكون صفة، لأنه ليس بحليةٍ ولا قرابة ولا مبهم، ولكنه يكون معطوفا على الاسم كعطف أجمعين. وهذا قول الخليل ﵀، وزعم أنه من أجل ذلك قال: يا أيها الرجل زيدٌ أقبلْ. قال: لو لم يكن على الرجل كان غيرَ منوَّن. وإنما صار المبهم بمنزلة المضاف لأن المبهم تقرِّب به شيئا أو تُباعده، وتُشير إليه. ومن الصفة: أنت الرجل كلُّ الرجل، ومررت بالرجل كلِّ الرجل. فإن قلت: هذا عبد الله كلُّ الرجل، أو هذا أخوك كلُّ الرجل، فليس في الحُسن كالألف واللام؛ لأنك إنما أردت بهذا الكلام هذا الرجل المبالغ في الكمال، ولم ترد أن تجعل كل الرجل شيئا تعرف به ما قبله وتبينه للمخاطب، كقولك: هذا زيد. فإذا خفت أن يكون لم يُعرَف قلت: الطويل، ولكنك بنيت هذا الكلام على شيء قد أثبت معرفته، ثم أخبرت أنه مستكمِلٌ للخِصال. ومثل ذلك قولك: هذا العالِم حقُّ العالِم وهذا العالم كلُّ العالم، إنما أراد أنه مستحقٌ للمبالغة في العلم. فإذا قال هذا العالم جِدُّ العالم

стр. 448

فإنما يريد معنى هذا عالِم جدا، أي هذا قد بلغ الغاية في العلم. فجرى هذا الباب في الألف واللام مجراه في النكرة إذا قلت: هذا رجلٌ كلُّ رجل، وهذا عالمٌ حقُّ عالم، وهذا عالمٌ جدُّ عالم. ويدلك على أنه لا يريد أن يثبت بقوله كلُّ الرجل الأول أنه لو قال: هذا كلُّ الرجل، كان مستغنيا به، ولكنه ذكر الرجل توكيدا، كقولك: هذا رجلٌ صالحٌ، ولم يرد أن يبين بقوله كلُّ الرجل ما قبله، كما يبين زيدا إذا خاف أن يلتبس فلم يرد ذلك بالألف واللام، وإنما هذا ثناء يحضُرك عند ذكرك إياه. ومن الصفة قولك: ما يَحسن بالرجل مثلِك أن يفعل ذاك، وما يحسن بالرجل خيرٍ منك أن يفعل ذاك. وزعم الخليل ﵀ أنه إنما جر هذا على نية الألف واللام، ولكنه موضعٌ لا تدخله الألف واللام كما كان الجَمّاء الغفيرَ منصوبا على نية إلقاء الألف واللام، نحو طُرّاً وقاطبة والمصادر التي تشبهها. وزعم ﵀ أنه لا يجوز في: ما يحسن بالرجل شبيهٍ بك، الجر، لأنك تقدر فيه على الألف واللام. وقال: وأما قولهم: مررتُ بغيرك

стр. 449

مثلك، وبغيرك خيرٍ منك، فهو بمنزلة مررتُ برجل غيرك خيرٍ منك، لأن غيرك ومثلك وأخواتها يكن نكرة، ومَن جعلها معرفة قال: مررتُ بمثلك خيرا منك، وإن شاء خيرٍ منك على البدل. وهذا قول يونس والخليل رحمهما الله. واعلم أنه لا يَحسن ما يحسن بعبد الله مثلِك على هذا الحد. ألا ترى أنه لا يجوز: ما يَحسن بزيد خيرٍ منك، لأنه بمنزلة كل الرجل في هذا. فإن قلت: مثلِك وأنت تريد أن تجعله المعروف بشبهه جاز، وصار بمنزلة أخيك. ولا يجوز في خيرٍ منك، لأنه نكرة، فلا تُثبِت به المعرفة. ولم يُرد في قوله: ما يحسن بالرجل خيرٍ منك، أن يُثبِت له شيئا بعينه ثم يعرفه به إذا خاف التباسا. واعلم أن المنصوب والمرفوع يجري معرفتُهما ونكرتُهما في جميع الأشياء كالمجرور. ؟ باب بدل المعرفة من النكرة والمعرفة من المعرفة وقطع المعرفة من المعرفة مبتدأة أما بدل المعرفة من النكرة فقولك: مررتُ برجلٍ عبدِ الله. كأنه قيل له: بمَن مررت؟ أو ظنّ أنه يقال له ذاك، فأبدل مكانه ما هو أعرفُ منه. ومثل ذلك قوله ذكره: " وإنك لَتَهدي إلى صِراطٍ مستقيمٍ صِراطِ الله ".

стр. 450

وإن شئت قلت: مررتُ برجلٍ عبدُ الله، كأنه قيل لك: مَن هو؟ أو ظننت ذلك. ومن البدل أيضا: مررتُ بقوم عبدِ الله وزيد وخالد، والرفعُ جيد. وقال الشاعر، وهو بعض الهُذليين، وهو مالك بن خُويلد الخُناعي: يا مَيّ إنْ تَفقِدي قوماً وَلدتِهمِ ... أو تُخلَسيهم فإِّنْ الدهر خلاسُ عمرٌو وعبدُ مَنافٍ والذى عهدَتْ ... ببَطْنِ عرعرَ آبِى الضَّيْمِ عباسُ

стр. 451

والرفع جائز قوى، لأنه لم ينقض معنى كما فعل ذلك في النكرة. وأما المعرفة التي تكون بدلا من المعرفة، فهو كقولك: مررتُ بعبد الله زيد، إما غلطتَ فتداركتَ، وإما بدا لك أن تُضرِب عن مرورك بالأول وتجعله للآخر. وأما الذي يجيء مبتدأ فقول الشاعر، وهو مُهلهلٌ: ولقد خبَطنَ بيوتَ يَشكُرَ خَبطةً ... أخوالُنا وهُمُ بنو الأعمامِ كأنه حين قال: خبطنَ بيوت يشكرَ قيل له: وما هم؟ فقال: أخوالُنا وهم بنو الأعمام. وقد يكون مررتُ بعبد الله أخوك، كأنه قيل له: مَن هو؟ أو مَن عبدُ الله، فقال: أخوك. وقال الفرزدق: ورثتُ أَبى أخلاقَه عاجِلَ القِرى ... وعَبطَ المَهاري كُومُها وشَبوبُها

стр. 452

كأنه قيل له: أيُّ المهارى؟ فقال: كومُها وشَبوبُها. وتقول: مررتُ برجلٍ الأسدِ شدة، كأنك قلت: مررتُ برجلٍ كامل، لأنك أردت أن ترفع شأنَه. وإن شئت استأنفتَ، كأنه قيل له: ما هو. ولا يكون صفة كقولك: مررتُ برجلٍ أسدٍ شدة، لأن المعرفة لا توصَف بها النكرة، ولا يجوز أن توصَف بنكرة أيضا لما ذكرتُ لك. والابتداء في التبعيض أقوى. وهذا عربي جيد: قوله أخولُنا، وقد جاء في النكرة في صفتها، فهو في ذا أقوى. قال الراجز: وساقيَيْن مثلِ زيدٍ وجُعَل ... سَقْيانٍ مَمشوقان مَكنوزاً العَضَلْ

стр. 453

؟ باب ما يجرى عليه صفةُ ما كان من سببه وصفتُ ما التبس به أو بشيء من سببه كمجرى صفته التي خَلصتْ له هذا ما كان من ذلك عملا. وذلك قولك: مررتُ برجلٍ ضاربٍ أبوه رجلا، ومررتُ برجلٍ ملازمٍ أبوه رجلا. ومن ذلك أيضا: مررت برجل ملازم أباه رجلٌ، ومررت برجل مخالط أبه داءٌ. فالمعنى فيه على وجهين: إن شئت جعلته يلازمه ويخالطه فيما يُستقبل، وإن شئت جعلته عملا كائنا في حال مرورك. وإن ألقيتَ التنوينَ وأنت تريد معناه جرى مثله إذا كان منونا. ويدلك على ذلك أنك تقول: مررتُ برجلٍ ملازمك. فيَحسُن ويكون صفة للنكرة، بمنزلته إذا كان منونا. وحين قلت: مررتُ برجل ملازم أباه رجلٌ، وحين قلت: مررتُ برجل ملازم أبيه رجلٌ، فكأنك قلت في جميع هذا: مررتُ برجل ملازم أباه، ومررتُ برجلٍ ملازم أبيه، لأن هذا يجري مجرى الصفة التي تكون خالصة للأول. وتقول: مررتُ برجلٍ مخالِطِ بَدنه أو جسدِه داءٌ، فإن ألقيتَ

стр. 454

التنوينَ جرى مجرى الأول إذا أردتَ ذلك المعنى، ولكنك تلقى التنوين تخفيفا. فإن قلت: مررتُ برجلٍ مخالطِه داء، وأردتَ معنى التنوين جرى على الأول، كأنك قلت: مررتُ برجل مخالطٍ إياه داء. فهذا تمثيل، وإن كان يقبحُ في الكلام. فإذا كان يجري عليه إذا التبس بغيره فهو إذا التبس به أحرى أن يجري عليه. وإن زعم زاعمٌ أنه يقول مررتُ برجل مخالطِ بدنه داء، ففرق بينه وبين المنوَّن. قيل له: ألستَ تعلم أن الصفة إذا كانت للأول فالتنوين وغير التنوين سواء، إذا أردت بإسقاط التنوين معنى التنوين، نحو قولك: مررتُ برجل ملازمٍ أباك، ومررت برجلٍ ملازمِ أبيك، أو ملازمِك، فإنه لا يجد بُدّاً من أن يقول نعم، وإلا خالف جميعَ العرب والنحويين. فإذا قال ذلك قلتَ: أفلستَ تجعل هذا العمل إذا كان منونا وكان لشيء من سبب الأول أو التبس به، بمنزلته إذا كان للأول؟ فإنه قائل: نعم،

стр. 455

وكأنك قلت مررتُ برجل ملازم. فإذا قال ذلك قلتَ له: ما بالُ التنوين وغير التنوين استويا حيث كانا للأول واختلفا حيث كانا للآخِر، وقد زعمتَ أنه يجري عليه إذا كان للآخِر كمجراه إذا كان للأول. ولو كان كما يزعمون لقلتَ: مررتُ بعبد الله الملازمِه أبوه؛ لأن الصفة المعرفة تجري على المعرفة كمجرى الصفة النكرة على النكرة. ولو أن هذا القياس لم تكن العرب الموثوق بعربيتها تقوله لم يُلتفت إليه، ولكنا سمعناها تنشد هذا البيت جرا، وهو قول ابن ميادة المُرّيّ، من غَطَفان: وارتَشْنَ حين أردنَ أن يَرميننا ... نَبلاً بلا ريشِ ولا بقِداحِ ونظرْنَ من خَلَل الخدور بأعيُنٍ مَرضى مُخالطها السّقامُ صِحاحِ وسمعنا من العرب من يرويه ويروى القصيدة التي فيها هذا البيت، لم يلقنه أحدٌ هكذا. وأنشد غيره من العرب بيتا آخر فأجروه هذا المجرى، وهو قوله:

стр. 456

حَمينَ العَراقيبَ العصا وتركنَه ... به نَفَسٌ عالٍ مُخالطُه بُهْرُ فالعمل الذي لم يقع والعمل الواقع الثابت في هذا الباب سواء، وهو القياس وقولُ العرب. فإن زعموا أن ناسا من العرب ينصبون هذا فهم ينصبون: به داء مخالطَه، وهو صفة للأول. وتقول: هذا غلامٌ لك ذاهباً. ولو قال: مررتُ برجل قائما جاز، فالنصب على هذا. وإنما ذكرنا هذا لان ناسا من النحويين يفرقون بين التنوين وغير التنوين، ويفرقون إذا لم ينونوا بين العمل الثابت الذي ليس فيه علاجٌ يرونه، نحو الآخذ واللازم والمخالط وما أشبهه، وبين ما كان علاجا يرونه، نحو الضارب والكاسر، فيجعلون هذا رفعا على كل حال، ويجعلون اللازم وما أشبهه نصبا إذا كان واقعاً، ويُجرونه على الأقل إذا كان غير واقع. وبعضهم يجعله نصبا إذا كان واقعا ويجعله على كل حال رفعا إذا كان غير واقع. وهذا قول يونس، والأول قول عيسى.

стр. 457

فإذا جعله اسما لم يكن فيه إلا الرّفعُ على كل حال. تقول: مررتُ برجلٍ ملازمُه رجل، أى مررت برجلٍ صاحبُ ملازَمتِه رجلٌ، فصار هذا كقولك: مررتُ برجل أخوه رجل. وتقول على هذا الحد: مررت برجلٍ ملازمُوه بنو فلان. فقولك ملازموه يدلك على أنه اسم، ولو كان عملا لقلت: مررت برجلٍ ملازمه قومُه، كأنك قلت: مررتُ برجلٍ ملازمٍ إياه قومُه، أى قد لزم إياه قومُه. ؟ هذا باب ما جرى من الصفات غير العمل على الاسم الأول إذا كان لشيء من سببه وذلك قولك: مررت برجلٍ حسَنٍ أبوه، ومررتُ برجلٍ كريمٍ أخوه وما أشبه هذا، نحو المسلم والصالح والشيخ والشاب. وإنما أُجريت هذه الصفات على الأول حتى صارت كأنها له لأنك قد تضعها في موضع اسمِه فيكون منصوبا ومجرورا ومرفوعا، والنعتُ لغيره. وذلك قولك: مررت بالكريم أبوه، ولقيتُ موسَّعاً عليه الدنيا، وأتاني الحسنةُ أخلاقُه، فالذي أتاك والذي أتيتَ غيرُ صاحب الصفة، وقد وقع موقعَ اسمه وعمل فيه ما كان عاملا فيه، وكأنك قلت: مررتُ بالكريم، ولقيتُ موسَّعاً عليه، وأتاني الحسنُ، فكما جرى مجرى اسمه كذلك جرى مجرى صفته.

стр. 458

؟ باب الرفع فيه وجه الكلام وهو قول العامة وذلك قولك: مررتُ بسرجٍ خَزٌّ صُفَّتُه، ومررت بصحيفةٍ طينٌ خاتَمُها، ومررت برجلٍ فضّةٌ حِليةٌ سيفه. وإنما كان الرفع في هذا أحسن من قبل أنه ليس بصفة. لو قلت: له خاتمٌ حديدٌ، أو هذا خاتمٌ طينٌ، كان قبيحا، إنما الكلام أن تقول: هذا خاتم حديد وصُفّةُ خز، وخاتمٌ من حديد وصفةٌ من خز. فكذلك هذا وما أشبهه. ويدلك أيضا على أنه ليس بمنزلة حسنٍ وكريمٍ، أنك تقول: مررت بحسَنٍ أبوه وقد مررت بالحسن أبوه، فصار هذا بمنزلة اسمٍ واحد، كأنك قلت: مررتُ بحسَنٍ، إذا جعلتَ الحسن للمرور به. فمن ثم أيضا قالوا: مررتُ برجل حسنٍ أبوه، ومررتُ برجل ملازمِه أبوه؛ كأنهم قالوا:

стр. 459

مررت برجل حسنٍ، وبرجل ملازمٍ. ولا تقول: مررت بخز صُفَّتُه، ولا بطينٍ خاتَمُه، لأن هذا اسم. وقد يكون في الشعر: هذا خاتَم طينٌ وصُفَّةٌ خَزٌّ، مستكرَهاً. فالجر يكون في: مررت بصحيفة طينٍ خاتمُها على هذا الوجه. ومن العرب من يقول: مررت بقاعٍ عرفَجٍ كلُه، يجعلونه كأنه وصفٌ. ؟ باب ما جرى من الأسماء التي تكون صفة مجرى الأسماء التي لا تكون صفة وذلك أفعلُ منه ومثلُك وأخواتُهما، وحسبُك من رجلٍ، وسواءٌ عليه الخيرُ والشر، وأيُّما رجلٍ، وأبو عَشَرةٍ، وأبٌ لك وأخٌ لك وصاحبٌ لك، وكلُ رجل، وأفعلُ شيء نحو خيرُ شيء وأفضلُ شيء، وأفعلُ ما يكون، وأفعلُ منك. وإنما صار هذا بمنزلة الأسماء التي لا تكون صفة من قبَل أنها ليست بفاعلة، وأنها ليست كالصفات غير الفاعلة، نحو حَسَنٍ وطويل وكريم،

стр. 460

من قبل أن هذه تُفرَد وتؤنث بالهاء كما يُؤنّث فاعلٌ، ويدخلها الألف واللام وتضاف إلى ما فيه الألف واللام، وتكون نكرة بمنزلة الاسم الذي يكون فاعلا حين تقول هذا رجلٌ ملازمُ الرجل. وذلك قولك: هذا حسنُ الوجه. ومع ذلك أنك تدخِل على حسَن الوجه الألف واللام فتقول: الحسنُ الوجه، كما تقول الملازم الرجل. فحسنٌ وما أشبهه يتصرف هذا التصرف. ولا تستطيع أن تُفرد شيئا من هذه الأسماء الأُخَر، لو قلت: هذا رجلٌ خيرٌ، وهذا رجلٌ أفضلُ، وهذا رجلٌ أبٌ، لم يستقم ولم يكن حسنا. وكذلك أيٌّ. لا تقول: هذا رجلٌ أيٌّ. فلما أضفتَهنّ وأوصلتَ إليهن شيئا حَسُنّ وتممنَ به، فصارت الإضافة وهذه اللواحقُ تحسنه. ولا تستطيع أن تدخِل الألف واللام على شيء منها كما أدخلتَ ذلك على الحسن الوجه، ولا تنون ما تنون منه على حد تنوين الفاعل فتكون بالخيار في حذفه وتركه، ولا تؤنث كما تؤنث الفاعل فلم يَقوَ قوة الحَسَن إذا لم يُفرد إفرادَه. فلما جاءت مضارعة للاسم الذي لا يكون صفة البتة إلا مستكرَهاً، كان الوجهُ عندهم فيه الرفعَ إذا كان النعتُ للآخِر، وذلك قولك: مررتُ برجلٍ حسنٌ أبوه. ومع ذلك أيضا أن الابتداء يحسُن فيهن، تقول: خيرٌ منك زيدٌ، وأبو عشرةٍ زيدٍ، وسواءٌ عليه الخيرُ والشر. ولا يحسن الابتداء في قولك: حسنٌ زيد. فلما جاءت مضارعة للأسماء التي لا تكون صفة وقَويت في الابتداء
следующие страницы →