Полный текст (1 982 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وإنَّما اختير الرفعُ لأنّ ما ذكرت فى هذا الباب أسماءٌ والأسماءُ لا تجرى مجرى المصادر. ألا تَرى أنَّك تقولُ: هو الرجلُ عِلْماً وفِقْهاً، ولا تقول: هو الرجلُ خَيْلاً وإبلاً. فلمّا قبح ذلك جعلوا ما بعده خبراً له، كأَنّهم قالوا: أَمّا العبيدُ فأنت فيهم أو أنت منهم ذو عَبيدٍ، أى لك من العبيد نَصيبٌ، كأَنَّك أردتَ أن تقول: أَمّا مِن العبيد أو أَمّا فى العبيد فأنت ذو عَبيدٍ. إلاَّ أنك أَخَّرتَ فى ومن وأضمرتَ فيهما أَسماءَهم.
وأَمَّا قولُه: أَمّا العبدُ فأنت ذو عبدٍ، فكأنه قال: أمّا فى العبدِ فأنت ذو عبدٍ، ولكنه أخَّرَ فِى وأَضمرِ فيهِ اسمَه كما فَعل ذلك فى العبيد، فلما قبح عندهم أ، يكون بمنزلة المصدر ولم يكن ممّا يجوز فيه عندهم ذلك حملوه على هذا، فِراراً من أن يُدْخِلوا فى المصدر ما ليس منه، كما فعلتْ تميمٌ ذلك فى العِلْم حين رفعوه. وكأنك قلت: أَمّا العبيدُ فهم لك، وأَمّا العبدُ فهو لك، لأنّك ذلك المعنى تُريدُ.
وسَمِعْنا من العرب من يقول: أَمّا ابنُ مُزَنيَّةٍ فأنا ابن مُزنيَّةٍ؛ كأَنه قال: أما ابنُ مُزنيّةٍ فأنا ذاك، جعل الآخر هو الأول كماكان قائلاً ذلك فى الألف واللام: أمّا ابنُ المُزنيَّةِ فأنا ابن المُزنيَّةِ. وإن شئت نصبتَه على الحال كما قلت: أَمَّا صَديقا فأنت صديقٌ وأمَّا صاحبا فأنت صاحبٌ.
стр. 387
وزعم يونس أن قوماً من العرب يقولون: أما العبيد فذو عبيد، وأما العبد فذو عبدٍ، يُجرونه مُجرى المصدر سَواءً. وهو قليل خبيث. وذلك أنَّهم شبّهوه بالمصدر كما شبَّهوا الجمَّاءَ الغفيرَ بالمصدر، وشبَّهوا خمستَهم بالمصدر. كأنَّ هؤلاء أجازوا: هو الرجل العبيد والدراهم، أى للعبيد وللدراهم، وهذا لا يُتكلَّم به، وإنما وجهه وصوابه الرفع، وهو قول العرب وأبى عمرو ويونسَ، ولا أعلم الخليلَ خالَفَهُما. وقد حملوه على المصدر، فقال النحويّون: أمّا العِلْمَ والعَبيدَ فذو علم وذو عبيد. وهذا قبيح، لأنَّك لو أفردتَه كان الرفعُ الصوابَ، فخَبُثَ إذْ أُجرى غيرُ المصدر كالمصدر، وشبّهوه بما هو فى الرَّدَاءةِ مثلُه، وهو قولُهم: وَيلٌ لهم وتَبٌّ.
وأمّا قوله: أمَّا البَصْرةُ فلا بَصْرةَ لك، وأمَّا الحارثُ فلا حارثَ لك، وأمّا أبوك فلا أبا لك، فهذا لا يكون فيه أبداً إلاَّ الرفعُ؛ لأنَّه اسمٌ " مَعروفٌ " ومعلومٌ؛ قد عرف المخاطَبُ منه مثلَ ما قد عرفتَ، كأَنَّك قلت: أَمَّا الحارِثُ فلا حارثَ لك بعده أو فلا حارثَ لك سواه، وكأنّه قال: أَمّا البَصْرةُ فليستْ لك، وأما الحارث فليس لك؛ لأن ذلك المعنى تريد.
ولو قال: أَمَّا العبيدُ فأنت ذو عبيد، يريد عبيداً بأَعيانهم قد عرفَهم المخاطَبُ كمعرفتك، كأنّك قلت: أَمَّا العبيدُ الذين تعرف، لم يكنْ إلاّ رفعا. وقولُه ذو عبيدٍ كأنّه قال: أنت فيهم أو منهم ذو عبيدٍ. ولو قال: أَمَّا أبوك
стр. 388
فلك أبٌ، لكان على قوله: فلك به أبٌ أو فيه أبٌ، وإنما يريد بقوله: فيه أبٌ مَجرى الأب على سعة الكلام، وليس إلى النصب ههنا سبيل.
وإنَّما جاز النصبُ فى العبيدِ حين لم يَجعلهم شيئاً معروفا بعينه لأنه يشبّهه بالمصدر، والمصدر قد تَدخله الألفُ واللام ويَنتصب على ما ذكرتُ لك. فإذا أردتَ شيئاً بعينه وكان هو الذي تلزمه الإشارة، جرى مجرى زيد وعمرو وأبيك.
وأمَّا قول الناس للرَّجلِ: أَمّا أن يكون عالما فهو عالمٌ، وأَمَّا أن يَعلم شيئاً فهو عالمٌ، فقد يجوز أن تقول: أَمَّا أَنْ لاَ يكونَ يَعلمُ فهو يَعلم وأنت تريد " أَنْ " يكونَ، كما جاءَتْ: " لئلا يعلم أهل الكتاب " فى معنَى لأَنْ يَعلَم أهلُ الكتاب. فهذا يُشْبِهُ أن يكونَ بمنزلة المصدر، لأنَّ أنْ مع الفعل الذى يكون صلةً بمنزلة المصدر، كأنك قلت: أما علما وأماكينونة علم فأنت عالمٌ. ألا ترى أنَّك تقول: أنت الرجل أن تنازل أو " أن " تخاصم، كأنك قلت نِزالاً وخُصومةٌ، وأنت تريد المصدر الذى فى قوله فَعَلَ ذاك مَخافةَ ذاك. ألا ترى أنك تقول: سكتُّ عنه أَنْ أجْتَرَّ مودته، كما تقول: اجترار مودَّته. ولا تقع أنْ وصِلتُها حالاً يكونُ الأوّلُ فى حالِ وقوعِهِ، لأنَّها إنما تُذْكَرُ لما لم يَقع بعدُ. فمن ثم أُجريَت مُجرى المصدر الأول الذي هو جواب لمه؟
стр. 389
باب ما يَنتصب من الأسماء التى ليست بصفةٍ
ولا مصادرَ لأنَّه حالٌ يَقع فيه الأمر فينتصب لأنه مفعول به
وبعضُ العرب يقول: كلّمتُه فُوهُ إلى فِىَّ، كأنَّه يقول: كلّمتُه وفُوهُ إلى فِىَّ، أى كلّمتُه وهذه حالهُ. فالرفعُ على قوله كلّمتُه وهذه حالهُ، والنصبُ على قوله: كلّمتُه فى هذه الحال، فانتَصب لأنه حال وقع فيه الفعل. وأما بايعته يدا بيد، فليس فيه إلا النصب، لأنه لا يَحسن أن تقول: بايعته ويد بيد، ولم يرد أن يُخبر أنَّه بايَعه ويدُه فى يده، ولكنَّه أراد أن يقولَ: بايعتُه بالتعجيل، ولا يبالِى أقَريباً كان أم بعيدا.
وإذا قال: كلّمتُه فُوهُ إلى فِىَّ، فإنَّما يريد أن يُخبِر عن قُربه منه، وأنَّه شافَهه ولم يكن بينهما أحدٌ.
ومثله من المصادر فى أن تَلزمه الإِضافةُ وما بعدها مما يجوز فيه الابتداءُ ويكونُ حالا، قولُه: رَجَعَ فلانٌ عودة على بَدْئه، وانثنى فلانٌ عَوْدَه على
стр. 390
بَدْئه، كأنه قال: انثنى عَوْداً على بَدْءٍ. ولا يُستعمل فى الكلام رجَعَ عَوْداً على بَدْءٍ، ولكنَّه مُثّل به.
ومَنْ رَفَعَ فوه إلى فىَّ، أجاز الرفع فى قوله: رَجَعَ فلانٌ عَودُه على بَدْئه.
ومما يَنتصب لأنَّه حالٌ وقع فيه الفعلُ قولك: بِعْتُ الشاءَ شاةً ودرهماً، وقامرتُه درهماً فى درهمٍ، وبعتُه دارى ذراعاً بدرهم، وبعت البرقفيز بن بدرهم، وأخذتُ زكاةَ مالِه درهماً لكلّ أربعين درهما، وبيّنتُ له حِسابَه باباً باباً، وتَصدَّقتُ بمالى درهما درهما.
واعلم أنَّ هذه الأشياءَ لا ينفرد منها شيء دون ما بعده، وذلك أنَّه لا يجوز أن تقول: كلّمتُه فاه حتّى تقول إلى فىَّ، لأنَّك إنَّما تريد مشافَهةً، والمُشافهةُ لا تكون إلاّ من اثنين، فإنَّما يَصحّ المعنى إذا قلت إلى فِىَّ، ولا يجوز أن تقول بايعتُه يداً، لأنَّك إنَّما تريد أن تقول: أخَذَ منّى وأعطانى، فإِنَّما يَصحَ المعنى إذا قلت: بيدٍ لأنهما عَمَلانِ. ولا يجوز أن تقول: انثَنى عَوْدَه لأنَّك إنّما تريد أنّه لم يَقطع ذهابَه حتَّى وصلَه برجوع، وإنّما أردتَ أنه رجع فى حافِرِته أى نَقَضَ مجيئَة برجوعٍ، وقد يكون أن يَنقطع مجيئه ثم يَرجع فيقول: رجعتُ عَوْدِى
стр. 391
على بَدئى، أى رجعتُ كما جئتُ.. فالمجئُ موصولٌ به الرجوعُ، وهو بَدءٌ والرجوعُ عَوْدٌ.
ولا يجوز أن تقول: بعتُ دِارى ذراعا، وأنت تريد بدرهم، فيُرَى المخاطَبُ أنَّ الدار كلَّها ذراعٌ. ولا يجوز أن تقول: بعتُ شائى شاةً شاةً، وأنت تريد بدرهم، فيُرَى المخاطَبُ أَنَّك بعتها الأوّلَ فالأولَ على الوِلاءِ. ولا يجوز أن تقول: بيّنتُ له حِسابَه باباً، فيُرَى المخاطَب أنك إنما جعلت له حسابه باباً واحدا غيرَ مفسَّرٍ. ولا يجوز تَصدّقتُ بمالى درهماً، فيُرَى المخاطَبُ أنك تَصدّقت بدرهم واحد. وكذلك هذا وما أشبهه.
وأمّا قول الناس: كان البُرُّ قَفيزَيْنِ، وكان السَّمْنُ مَنَوَينِ، فإنما استغنوا هاهنا عن ذكر الدَّرهم لِما فى صدورهم من عِلمه، ولأنَّ الدرهم هو الذى يسعَّر عليه، فكأنّهم إنّما يَسألون عن ثمن الدرهم فى هذا الموضع، كما يقولون: البربستين، وتركوا ذكر الكُرَّ؛ استغناءً بما فى صدورهم من عِلمه، وبعلم المخاطَب، لأنَّ المخاطب قد علم ما يَعنى، فكأَنّه إنّما يَسأل هنا عن ثمن الكُرّ كما سألَ الأوّلُ عن ثمن الدرهم. وكذلك هذا وما أشبهه فأَجْرِه كما أجرتْه العربُ.
وزعم الخليل أنه يجوز: بعتُ الشاءَ شاةٌ ودرهمٌ، إنَّما يريد شاةً بدرهمٍ، ويَجعل بدرهمٍ خبراً للشاة وصارت الواوُ بمنزلة الباء فِى المعنى، كما كانت فى قولك: كلُّ رَجُلٍ وضيعتُه، فى معنى مع.
стр. 392
وإذا قلت شاةً بدرهم، فإِنّ بدرهمٍ ليس مبنيًّا على اسمٍ قبله ولكنَّه إنّما جاءَ ليبيَّن به السعرُ، كما جاءتْ " لَكَ " فى سَقْيًا، لتبيَّنَ من تَعنى. فالباءُ هاهنا بمنزلة إلَى فى قولك: فاهُ إلى فِىّ، ولم تُبْنَ على ما قبلها.
وكذلك ما انتَصب فى هذا الباب وكان ما بعده ممّا يجوز أن يُبْنَى على ما قبله فى هذا الباب.
وزعم الخليل ﵀ أنه يجوز أن تقول: بعتُ الدَّارَ ذراعٌ بدرهم، كما جاز لك فى الشاء. وزعم أنه يقول: بعتُ دارى الذراعانِ بدرهم، وبعتُ البُرَّ القَفيزانِ بدرهم. ولم يشبَّهْ هذا بقوله: فاه إلى فِىَّ، لأنَّ هذا فى بابه بمنزلة المصار التى تكون حالاً يقع فيها الأمرُ، نحو قولك: لقيتُه كِفاحاً، ونحو قوله: أَرْسَلَها العِراكَ، وفعلتُ ذاك طاقتى.
وليس كلُّ مصدرٍ فى هذا الباب تَدخله الألُف واللام ويكونُ معرفةً بالإِضافة، وليس كلُّ المصادر فى هذا الباب يكون فيها هذا فالأسماءُ أَبْعَدُ.
فلذلك كان الذراعُ رفعاً لأنّه لا يجوز أن " تجعله معرفة وتجعله حالاً يكون فيه الأمر، كما أنه لا يجوز لَك أن " تَدخل الألفُ واللام في قولك لقيته قائماً وقاعداً، أن تقولك لقيتُه القائمَ والقاعدَ، ولا " تقولُ ": ضربتُه القائمَ، فلمّا قبح ذلك فى الذَّراع جُعل بمنزلة قولك: لقيتُه يدُه فوق رأسه. ومثلُ ذلك: بعته ربح الدرهم درهم، لا يكون فيه النَّصبُ على حال.
стр. 393
وزعم الخليل ﵀ أن قولهم: رَبِحَتُ الدرهمَ درهماً، محالٌ، حتَّى تقول: فى الدرهمِ وللدّرهمِ.
وكذلك وجدنا العربَ تقول.
فإِنْ قال قائل: فاحذف حرف الجر وأنوه. قيل له: لا يجوز ذلك كما لا تقول مررتُ أخاك وأنت تريد بأخيك. فإِنْ قال: لا يجوز حذفُ الباِء من هذا قيل له: فهذا لا يقال أيضا.
وقال الخليل ﵀: كَلّمَنِى يدُه فى يدى الرفع لا يكون غيره؛ لأن هذا لايكون من صفة الكلام.
وقال الخليل ﵀: إن شئت جعلت: رجعت عودك في بَدْئك مفعولاً بمنزلة قولك: رجعتَ المالَ علىَّ، أي رددت المال علي، كأنه قال: ثنيت عَوْدى على بَدْئى.
هذا باب
ما يَنتصب فيه الاسمُ لأنه حال يقع فيه السَّعرُ
وإن كنتَ لم تَلفظ بفعلٍ، ولكنّه حال يقع فيه السَّعْرُ، فيَنتصبُ كما انَتصب لو كان حالاً وقع فيه الفعل، لأنه في أنه حال وقع فيه أمرٌ فى الموضعين سَواءٌ.
стр. 394
وذلك قولُك: لك الشّاءُ شاةٌ بدرهم شاةً بدرهم. وإن شئت أَلغيت لَكَ فقلتَ: لك الشاءُ شاةٌ بدرهمٍ شاةٌ بدرهمٍ، كما قلتَ: فيها زيدٌ قائمً، رفعتَ.
وإذا قلت: الشاءُ لك، فإن شئتَ رفعتَ، وإن شئتَ نصبتَ، وصار لك الشاءُ إذا نصبتَ بمنزلة وَجَبَ الشاءُ، كما كان فيها زيدٌ قائماً بمنزلة: استقر زيد قائماً.
بابٌ يختار فيه الرفعُ والنصبُ، لقُبْحِه
أَن يكونَ صفة
وذلك قولك: مررتُ ببُرًّ قبلُ قَفيزٌ بدرهم قَفيزٌ بدرهم. وسمعنا العربَ الموثوقَ بهم يَنصبونه، سمعناهم يقولون: العَجَبُ من بُرًّ مررنا به قبلُ قَفيزاً بدرهم " قفيزا بدرهم "، فحملوه على المعرفة وتركوا النَّكرة، لقبح النكرة أن تكون موصوفةً بما ليس صفةً، وإنّما هو اسمٌ كالدرهم والحديد. ألاَ ترى أنّك تقول: هذا مالُك درهما، وهذا خاتَمُكَ حديدا ولا يَحسن أن تَجعلَه صفةً، فقد يكون الشيء حَسنًا إذا كان خبرا وقبيحاً إذا كان صفةً. وأمَّا الّذين رفعوه فقالوا:
стр. 395
مررتُ ببُرّ قبلُ قَفيزٌ بدرهم، فجعلوا القفيزَ مبتدأ. وقولك بدرهم مبنياً عليه.
باب ما ينتصب من الصفات كانتصاب الأسماء
فى الباب الأوّل وذلك قولك: أبيعكَه الساعةَ ناجِزا بناجِزٍ، وسادُوكَ كابراً عن كابرٍ. فهذا كقولك: بعته رأساً برأس.
باب ما يَنتصب فيه الصفةُ لأنّه حالٌ
وقع فيه الألفُ واللام
شبّهوه بما يشبَّه من الأسماء بالمصادر، نحوَ قولك: فاهُ إلى فىَّ، وليس بالفاعل ولا المفعول. فكما شبّهوا هذا بقولك عَوْدَه على بَدْئه وليس بمصدر، كذلك شبّهوا الصفة بالمصدر، وشذّ هذا كما شذّتِ المصادرُ فى بابها حيث كانت حالاً وهى معرفةٌ، وكما شذّت الأسماءُ التى وُضعت موضعَ المصدر.
وما يشبه بالشيء فى كلامهم وليس مثلَه فى جميع أحواله كثيرٌ، وقد بُيّن فيما مضى وستراه أيضا إن شاء الله.
стр. 396
وهو قولك: دخلوا الأول فالأول، وجرى على قولك واحداً فواحداً ودخلوا رجُلا رَجُلا.
وإن شئت رفعتَ فقلت: دخَلوا الأوّلُ فالأوّلُ، جعله بدلا وحمله على الفعل، كأنه قال: دخل الأوّلُ فالأوّلُ.
وإن شئت قلت: دخلوا رجلٌ فرجلٌ، تجعله بدلاً كما قال : " بالناصية. ناصية كاذبة ".
فإِن قلتَ: ادْخُلوا، فأمرتَ فالنَّصبُ الوجهُ، ولا يكون بدلاً؛ لأنك لو قلت: ادْخُلِ الأوّلُ فالأوّلُ أو رجلٌ رجلٌ، لم يجز، ولا يكون صفةً، لأنه ليس معنى الأوّلِ فالأوّلِ أَنّك تريد أن تعرفه بشيء تحلَّيه به. لو قلت: قومُك الأوّلُ فالأوّلُ أَتَوْنا لم يَستقم، وليس معناه معنى كلَّهم فأُجرىَ مجرى خمستَهم ووحدَه.
ولا يجوز فى غير الأول هذا، كما لا يجوز أن تقول: مررتُ به واحِدَه ولا بهما اثْنَيْهما.
وكان عيسى يقول: ادْخُلوا الأَوّلُ فالأوّلُ؛ لأنّ معناه ليَدخل، فحمله على المعنى، وليس بأَبعدَ من: " ليُبْكَ يَزيدُ ضارِعٌ لخصُومةٍ "
стр. 397
فإِذا قلت: ادْخُلوا الأوّلُ والآخِرُ والصغيرُ والكبيرُ، فالرفع؛ لأن معناه معنى كلهم، كأنه قالك ليَدْخلوا كلُّهم.
وإذا أردتَ بالكلام أن تُجريه على الاسم كما تُجرى النعتَ لم يجز أن تُدْخِلَ الفاءً؛ لأنَّك لو قلت: مررتُ بزيد أخيك وصاحبك، كان حسنا، ولو قلت: مررتُ بزيدٍ أخيك فصاحِبك، والصاحبُ زيدٌ، لم يجز. وكذلك لو قلت: زيد أخزك فصاحبُك ذاهبٌ، لم يجزْ. ولو قلتَها بالواو حَسُنتْ، كما أنشد كثيرٌ من العرب، والبيت لأمّيهَ بن أبى عائذٍ:
ويَأْوِى إلى نِسْوَةٍ عُطَّلٍ ... وشُعْثٍ مَراضِيعَ مِثْلِ السَّعالِى
ولو قلتَ " فشعث " قبح.
стр. 398
" وقال الخليل: ادخلوا الأول فالأول والوسط والآخِرُ. لا يكون فيه غيرُه وقال: يكونُ على جواز كلُّكم، حملَه على البدل ".
هذا باب
ما يَنتصب من الأسماءِ والصفات لأنَّها أَحوالٌ
تقع فيها الأمورُ وذلك قولك: هذا بُسراً أَطْيَبُ منه رُطَباً. فإِنْ شئت جعلتَه حيناً قد مضى، وإن شئتَ جعلتَه حينًا مستقبَلا. وإنَّما قال الناسُ هذا منصوبٌ على إضمارِ إذَا كانَ فيما يُستقبل، وإذْ كانَ فيما مضى، لأن هذا لمّا كان ذا معناه أَشْبَهَ عندهم أن يَنتصب على إذَا كانَ. " ولو كان على إضمارٍ كانَ لقلت: هذا التَّمْرَ أطيبُ منه البُسْرَ؛ لأنّ كانَ قد يَنصب المعرفةَ كما يَنصب النكرةَ، فليس هو على كانَ ولكنَّه حال ".
ومنه: مررتُ برَجُلٍ أَخْبَثَ ما يكونُ أَخْبَثَ منك أَخْبَثَ ما تكونُ، وبرجل خيرَ ما يكون خيرٍ منك خيرَ ما تكونُ، وهو أخْبَثَ ما يكون
стр. 399
أخبث منك أخبث ما تكون. فهذا كلُّه محمولٌ على مثل ما حملت عليه ما قبله.
وإنْ شئت قلتَ: مررتُ برجلٍ خيرُ ما يكون خيرٌ منك، كأَنّه يريد برجلٍ خيرُ أَحوالهِ خيرٌ منك، أى خيرٌ من أَحوالك. وجاز لهُ أن يقول: خيرٌ منك، وهو يريد: " خير " من أَحوالك، كما جاز أن تقول: نهارُك صائمٌٍ وليلُكَ قائم.
وتقول: البُرُّ أَرخصُ ما يكون قَفيزانِ، أى البرُّ أَرخصُ أَحوالِه التى يكون عليها قَفيزانِ، كأَنّك قلت: البرُّ أَرخصُه قَفيزان.
ومن ذلك هذا البيتُ تُنشِده العربُ على أَوْجُهٍ، بعضُهم يقول، وهو قول عمرو بن مَعْدِ يكَرِبَ:
الحَرْبُ أوّل ما تكونْ فتية ... تسعى ببزتها لكل جهول
стр. 400
أي أعرب أوّلُها فتيَّة ولكنّه أنَّث الأوّلَ، كما تقول: ذهبتْ بعضُ أصابعه. وبعضُهم يقول:
" الحربُ أوّلَ ما تكون فُتَيَّةٌ "
أى إذا كانت فى ذلك الحينِ. وبعضهم يقول:
" الحربُ أوّلُ ما تكون فُتَيَّةً "
كأَنّه قال: الحربُ أوّلُ أَحوالِها إذا كانتْ فتَيَّةً، كما تقول: عبدُ الله أحسنُ ما يكون قائما. ومن رَفَعَ الفُتَيَّة ونَصَب الأوّل على الحال قال: البُرُّ أَرْخَصَ ما يكون قَفيزانِ. ومن نَصَبَ الفُتَيَّة ورَفَعَ الأوّل قال: البُرُّ أَرْخَصُ ما يكون قَفيزَيْن.
وأمَّا عبدُ الله أحسنُ ما يكونُ قائماً فلا يكون فيه إلاّ النصبُ؛ لأنه لا يجوز لك أن تَجعل أحسنَ أَحوالِه قائماً على وجهٍ من الوجوه.
وتقول: عبدُ الله أَخْطَبُ ما يكون يومَ الجمعة، والبَداوة أطيبُ ما تكون شهرَىْ ربيع، كأَنّك قلت: أخطبُ ما يكون عبدُ الله فى يوم الجمعة، وأطيبُ ما تكون البَداوةُ فى شهرى ربيع.
стр. 401
ومن العرب من يقول: أخطبُ ما يكون الأميرُ يومُ الجمعة، وأطيبُ ما تكون البَداوةُ شهرَا ربيع، كأنّه قال: أَخطبُ أيّام الأمير يومُ الجمعة، وأطيبُ أَزمنِة البداوة شهرا ربيع. وجاز أخطبُ أيّامه يومُ الجمعة على سعة الكلام، وكأنّه قال: أطيبُ الأزمنة التى تكون فيها البداوةُ شهرا ربيع، وأخطبُ الأيّام التى يكون فيها الأمير خَطيبًا يومُ الجمعة.
وتقول: آتيك يوم الجمعة أبطوه، على معنى ذاك أبطؤه. كأنّه قيل له أىُّ غاية هذه عندك وأىُّ إتيان ذا عندك، أسريع أم بطيء؟ فقال: أبطوه، على معنى: ذاك أَبْطَؤُه.
وتقول: آتيك يومَ الجمعة أَو يومَ السبت أبطؤُه أو يومُ السَّبتِ أبطؤه، وأَعطُيته درهما أو درهمين أكثرَ ما أعيته، " وأعطيتهُ درهما أو درهمان أكثرُ ما أعطيتُه ". وإن شَاء نصب الدرهمين وقال: أكثر ما أعطيته. وإن شاء نصب أكثرَ أيضاً على أنّه حالٌ وقعت فيه العطيةُ. وإن شاء قال: آتيك يومَ الجمعة أبطأه، أي أبطأ الإتيان يوم الجمعة.
باب ما ينتصب من الأماكن والوقت
وذلك لأنها ظروف تقع فيها الأشياءُ، وتكون فيها، فانتَصب لأنّه
стр. 402
موقوعٌ فيها ومَكون فيها، وعَمِلَ فيها ما قبلها، كما أَنَّ العِلْم إذا قلتَ أنت الرَّجُلُ عِلْماً عَمِلَ فيه ما قبله، وكما عَمِلَ فى الدرهمِ عشرون إذا قلت: عشرون درهما. وكذلك يَعمل فيها ما بعدها وما قبلها.
فالمكانُ قولُك هو خَلْفَك، وهو قُدّامَك وأَمامَك، وهو تَحْتَكَ وقُبالَتَك، وما أِشبه ذلك.
ومن ذلك قولك أيضاً: هو ناحيةً من الدار، " وهو ناحيةَ الدارِ، وهو ناحيتَك وهو نَحْوَك "، وهو مكاناً صالحاً، ودارُه ذات اليمين، وشرقِىَّ كذا قال الشاعر، وهو جرير:
هَبَّتْ جنوبا فذكرى ما ذكرتكم ... عند الصفاة التى شَرْقِىَّ حَوْرانَا
وقالوا: منازلهم يميناً " ويَساراً " وشِمالا. قال الشاعر، وهو عمرو ابن كلثوم:
стр. 403
صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأْسُ مَجْراها اليَمينَا
أى على ذاتِ اليمينِ، حدّثنا بذلك يونس عن أبى عمرو، وهو رأيُه. وتقول: هو قَصْدَك، كما قال الشاعر، وسمعنا بعضَ العرب يُنشِده كذا:
سَرَى بعدما غارَ الثُّرَيَّا وبعدما ... كأنّ الثُّريَّا حِلَّةَ الغَوْرِ مُنْخلُ
أى قَصْدَه، يقال هو حِلَّةَ الغور أى قَصْدَه، سمعنا ذلك ممن يوثق به من العرب.
ويقال: هما خَطَّانِ جَنابَتَىْ أنفِها يعنى الخطَّيْن اللّذَيْنِ اكتَنفا جنَبْى أنف الظبية. وقال الشاعر، وهو الأعشى:
стр. 404
نحن الفوارِسُ يومَ الِحنْوِ ضاحِيةً ... جَنبَى فُطَيْمةَ لا مِيلٌ ولا عُزُلُ
فهذا كلُّه انتَصب على ما هو فيه وهو غيرُه، وصار بمنزلة المنوَّن الذى يعمل فيما بعده نحو العشرين، ونحو قوله: " هو " خَيْرٌ منك عَمَلاً، فصار " هو " خَلفَك، وزيدٌ خلفَك بمنزلة ذلك. والعاملُ فى خَلْفٍ الذى هو مَوضعٌ له والذى هو فى موضع خبرِه، كما أنَّك إذا قلت: عبدُ الله أخوك فالآخِرُ قد رَفَعَه الأوّلُ وعَمِلَ فيه، وبه استَغنى الكلامُ، وهو منفصِلٌ منه.
ومن ذلك قول العرب: هو موضعَه، وهو مكانَه، وهذا مكانَ هذا، وهذا رجلٌ مكانك، إذا أردتَ البَدَلَ. كأنَّك قلت: هذا فى مكان ذا، وهذا رجلٌ فى مكانكِ. ويقال للرجل: اذهبْ معك بفلان، فيقول: معي رجل
стр. 405
مكانَ فلان، أى معى رجلٌ يكونُ بدلاً منه ويُغنِى غَناءه، ويكون فى مكانه.
واعلم أنَّ هذه الأشياء كلّها انتصابُها من وجه واحد.
ومثلُ ذلك: هو صَدَدك، وهو سَقَبَكَ، وهو قُرْبَك.
واعلم أنَّ هذه الأشياءَ كلَّها قد تكون أسماءً غيرَ ظروف، بمنزلة زيد وعمرِو. سمعنا من العرب من يقول: دارُك ذاتُ اليمينِ. وقال الشاعر، وهو لبيد:
فَغَدَتْ، كِلاَ الفَرْجَينِ تَحْسَبُِ أنَّه ... مَوْلَى المخَافة خَلْفُها وأَمامُها
ومن ذلك أيضاً: هذا سَواءَك، وهذا رجلٌ سَواءَك فهذا بمنزلة مكانَك إذا جعلتَه في معنى بذلك. ولا يكون اسماً إلاّ فى الشعر. قال بعض العرب، لما اضطُرَّ فى الشَّعر جعله منزلة غيرٍ، قال الشاعرُ وهو رجل من الأنصار:
стр. 406
ولا ينطق الفحشاء من كان منهم ... إذا قعدوا مِنّا ولا من سَوائنَا
وقال الآخَر، وهو الأعشى:
تَجانَفُ عن جَوّ اليَمامةِ ناقتى ... وما قصدت من أهلِها لِسَوائكاَ
ومثل ذلك: أنت كعبْدِ الله، كأَنّه يقول: أنت كعبد الله، أى أنت فى حال كعبد الله، فأُجرى مُجرى بعبدِ الله. إلاّ أنَّ ناسا من العرب إذا اضطُرُّوا فى الشعر جعلوها بمنزلة مِثْلٍ. قال الراجز " وهو حُمَيْدٌ الأَرقطُ ":
فصُيَّرُوا مِثلَ كَعَصْفٍ مَأْكولْ
وقال خِطامٌ المُجاشِعى:
وصالياتٍ كَكَمَا يُؤَثْفَيْنْ
стр. 407
ويدلك على أن سواءك وكزيد يمنزلة الظروف، أنَّك تقول: مررتُ بمن سَواءَك وعلى من سواءك، والذى كزيدٍ، فحَسُنَ هذا كحُسْن مَنْ فيها والذى فيها، ولا تَحسن الأسماءُ ههنا ولا تَكثُر فى الكلام. لو قلتَ: مررتُ بمن فاضِلٌ، أو الذى صالحٌ، كان قبيحا. فهكذا مَجْرَى كزَيْدٍ وسَواءَك.
وتقول: كيفَ أنت إذا أُقبل قُبْلُك ونُحِىَ نَحْوك، كأَنّه قال: كيف أنت إذا أُريدت ناحيتُك وإذا أُريد ما عندك حين قال: إذا نُحِىَ نَحْوك، وأمّا حين قال: أُقبل قُبْلُك فكأَنّه قال: كيف أنت إذا أُقبلَ النَّقْبَ الرَّكابُ، جعلهما اسمَينِ.
وزعم الخليل ﵀ أن النصب جيّدٌ إذا جعله ظرفا، وهو بمنزلة قول العرب: هو قَريبٌ منك، وهو قَريباً منك، أى مكانًا قريبا منك.
حدّثنا يونسُ أنَّ العربَ تقول فى كلامها: هَلْ قريباً منك أحدٌ، كقولهم: هل قُرْبَك أحدٌ.
وأمّا دونَك فإِنه لا يُرْفَعُ أبداً، وإن قلت: هو دونَك فى الشَّرَف؛ لأنَّ هذا إنَّما هو مَثَلٌ كما كانَ هذا مكانَ ذا فى البدل مثلا، ولكنَّه على
стр. 408
السَّعة. وإنما الأصلُ فى الظروف الموضعُ والمستقَرُّ من الأرض ولكنّه جاز هذا كما تقول: إنّه لَصُلبُ القَناةِ، وإنّه لمِنْ شجرةٍ صالحةٍ، ولكنه على السعة. وأمّا قُصِدَ قصدُك فمثُل نُحِىَ نحوُك، وأُقبل قبُلُك، يَرتفع كما يَرتفعان ويَنتصب كما ينتصبان. وإن شئت قلت: هو دونُك، إذا جعلتَ الأوّلَ الآخِرَ ولم تَجعله رجُلا. وقد يقولون: هو دُونٌ، فى غير الإِضافة، أى هو دُونٌ من القوم، وهذا ثَوبٌ دُون، إذا كان رَديئاً.
واعلم أنّه ليس كل موضع و " لا " كلُّ مكان يَحسُن أن يكون ظرفاً فممَّا لا يحسن أن يكون ظرفاً أنّ العربَ لاتقول هو جَوفَ المسجد ولا هو داخِلَ الدار ولا هو خارِجَ الدار، حتى تقول: هو فى جوفها، وفى داخل الدار، ومن خارجها. وإنَّما فُرّق بين خلَف وما أِشبهها وبين هذه الحروف، لأن
стр. 409
خَلفَ وما أِشبهها للأماكن التى تَلى الأسماءَ من أَقطارها. على هذا جرتْ عندهم، والجَوْفُ والخارج عندهم بمنزلة الظهْرِ والبطن والرأٍس واليد، وصارتْ خلف وما أشبهها تَدخل على كلّ اسم فتصير أمكنةً تَلى الاسمَ من نواحيه وأقطاره، ومن أعلاه وأسفلِه، وتكونُ ظروفا كما وصفتُ لك، وتكون أسماءَ كقولك: هو ناحيةُ الدارِ إذا أردتَ الناحيةَ بعينها، وهو فى ناحيةِ الدار، فتصير بمنزلة قولك: هو فى بيتك وفى دارك.
ويدلُّك على أنَّ المجرورَ بمنزلة الاسم غيرِ الظَّرف أنّك تقول: زيدٌ وَسْطَ الدار وضربتُ وَسَطَه، وتقول: فى وَسَطِ الدار، فيصيرُ بمنزلة قولك: ضربتُ وَسَطَه مفتوحا مثلَه.
واعلم أنَّ الظروفَ بعضُها أَشَدُّ تمكّنا من بعضٍ فى الأسماءِ، نحوَ القُبْل والقَصد والنَّاحية. وأمّا الخَلف والأَمام والتَّحْت فهنّ أقلُّ استعمالاً فى الكلام أن تُجْعَل أسماءً. وقد جاءت على ذلك فى الكلام والأشعار.
وهذه حروف تَجرى مَجرى خَلْفك وأَمامك، ولكنَّا عزلناها لنفسَّر معانيَها، لأنَّها غَرائبُ.
فمن ذلك حرفانَ ذكرناهما في الباب الأول ثم لم نفسَّر معناهما، وهما صَدَدَكَ ومعناه القَصْد، وسقَبَكَ ومعناه القُرب، ومنه قول العرب: هو وَزْنَ الجبلِ أى ناحيةً منه، وهم زِنةَ الجبل أى حِذاءَه.
ومن ذلك قول العرب: هم قُرابَتك أى قُرْبَك، يعنى المكانَ.
стр. 410
وهم قُرابَتك فى العلم، أى قَريباً منك فى العلم. وكان هذا بمنزلة قول العرب: هو حِذاءَه وإزاءَه، وحَوالَيْةِ بنو فلانٍ، وقومُك أَقطارَ البلاد.
ومن ذلك قول الشاعر، وهو أبو حَيَّةَ النُّمَيرىّ:
إذا ما نَعَشْناه على الرَّحْلِ يَنْثَنِى ... مُسالَيهِ عنه من وراءٍ ومُقْدَمِ
ومسالاه: عطفاه، فصار بمنزلة " جنبي فطيمة ":
باب ما شُبّه من الأماكن المختصّةِ
بالمكِان غيرِ المختصَّ شُبّهت به إذ كانتْ تَقع على الأماكن وذلك قول العرب، سمعناه منهم: هو مِنَّى منزلةَ الشَّغافِ، وهو منّى منْزلةَ الوَلَدِ.
ويدلك على أنه ظرفٌ قولك: هو منّى بمنزلة الولد فإنما أردتَ أن
стр. 411
تَجعله فى ذلك الموضع، فصار كقولك: مَنزلى مكانَ كذا وكذا وهو منّى مَزْجَرَ الكَلْبِ، وأنتَ منّى مَقعَدَ القابلةِ، وذلك إذا دنا فَلَزِقَ بك من بين يَدَيك. قال الشاعر، وهو أبو ذُؤَيبٍ:
فَورَدْنَ والعَيُّوقُ مَقعَدَ رابِئ ال ... ضرباء خلفَ النَّجْمِ لا يتتلَّعُ
وهو منك مَناطَ الثُّرَيَّا.
وقال الأحوَص:
وإنّ بنى حَربٍ كما قد عَلِمْتُمُ ... مَناطَ الثُّرَيَّا قد تَعَلَّتْ نُجومُهَا
стр. 412
وقال: هو منَّى مَعْقِدَ الإِزَارِ، فأجرىَ هذا مجرى قولك: هو منّى مكانَ السارية، وذلك لأنّها أماكنُ، ومعناها هو منّى فى المكان الذي يقعد فيه الضرباءُ، وفى المكان الذى نيطَ به الثُّريَّا، وبالمكان الذى يَنزل به الولدُ، وأنت منى فى المكان الذى تَقعد فيه القابلةُ، وبالمكان الذى يُعْقَدُ عليه الإِزارُ، فإِنَّما أراد هذا المعنى ولكنه حَذف الكلامَ. وجاز ذلك كما جاز دخلتُ البيتَ وذهبتُ الشأمَ؛ لأنَّها أماكنُ وإن لم تكنْ كالمكان.
وليس يجوز هذا في كل شيء، لو قلت: هو منّى مَجْلِسَكَ أو مُتَّكأََ زيدٍ، أو مَربِطَ الفرسِ، لم يجز. فاستَعملْ من هذا ما استَعملتِ العربُ، وأَجِزْ منه ما أجازوا.
ومن ذلك قول العرب: هو منّى دَرَجَ السَّيْلٍ، أى مكانَ درجِ السيل من السيل. قال الشاعر، وهو ابن هَرْمةَ:
стр. 413
أنصب للمنية تعتريهم ... رجالى أم هم درج السُّيولِ
ويقال رَجَعَ أَدْراجَه، أى رَجع فى الطريق الذى جاء فيه. هذا معناه فأُجرى مجرى ما قبله، كما أَجروا ذلك المجرى دَرَجَ السيول.
وأمّا ما يَرتفع من هذا الباب فقولك: هو منّى فَرْسَخَانَ، وهو منّى عَدْوةُ الفَرسِ، ودَعْوةُ الرجُل، " وغَلْوةُ السهمِ "، وهو منّى يومانٍ، وهو منّى فَوْتُ اليد. فإِنَّما فارَقَ هذا البابَ الأوّلَ لأنَّ معنى هذا أنه يخبر أن بينه وبينه فرسخين ويومين، ودعوة الرجل، وفوتاً. ومعنى فوت اليد أنه يريد أن يقرَّبَ ما بينه وبينه. فهذا على هذا المعنى، وجرى على الكلام الأوّل، كأنَّه هو لسَعة الكلام، كما قالوا: أَخْطَبُ ما يكون الأميرُ يومُ الجمعة.
وأمّا قول العرب: أنت منّى مَرْأَى ومَسْمَعٌ، فإِنما رفعوه لأنّهم جعلوه هو الأوّلَ، حتى صار بمنزلة قولهم: أنت مني قريب.
стр. 414
وزعم يونس أن ناسا من العرب يقولون:
أنصب للمنية تعتريهم ... رجالى أم هم درج السُّيولِ
فجعَلَهُم هم الدّرَجَ، كما تقول: زيدٌ قَصْدُك، إذا جعلتَ القصدَ زيداً، وكما يجوز لك أن تقول: عبدُ الله خَلْفُك، إذا جعلتَه هو الخَلْفَ.
واعلمْ أنّ هذه الحروف بعضُها أشدُّ تمكُّنًا فى أن يكون اسماً من بعض، كالقصد والنجو، والقُبْل والناحية، وأمّا الخَلْفُ والأمام والتّحْت والدُّونُ فتكون أسماءً، وكينونةُ " تلك " أسماءً أكثرُ وأَجرى في كلامهم. وكذلك مرأى ومسمع كينونتهما أسماء أكثرُ، ومع ذلك إنّهم جعلوه اسماً خاصاً، بمنزلة المجلس والمُتَّكأَ وما أِشبه ذلك، فكرهوا أنْ يَجعلوه ظرفا. وقد زعموا أنّ بعض الناس يَنصبه، يَجعله بمنزلة دَرَجَ السُّيول، فينصبُه، وهو قليل، كأَنّهم لمّا قالوا: بمرأى ومسمعٍ فصار غيرَ الاسم الأوَّل فى المعنى واللفظ، شبهوه بقوله: هو مني يمنزلة الولد.
وقد زعم يونسُ أنّ ناسا يقولون: هو منّى مَزْجَرُ الكلب، يجعلونه بمنزلة مَرْأًى ومسمع. وكذلك مَقْعَدٌ ومَناطٌ، يجعلونه هو الأوّلَ فيُجرَى، كقول الشاعر:
стр. 415
وأنتَ مَكانُك من وائِلٍ ... مَكانُ القرادِ مِنِ أستِ الجَمَلْ
وإنما حسن الرفعُ ههنا لأنَّه جَعَل الآخِرَ هو الأوّلَ، كقولك: له رأسٌ رأسُ الحِمار. ولو جَعل الآخِرَ ظرفًا جاز، ولكنّ الشاعر أراد أن يشبَّهَ مكانَه بذلك المكان.
وأمَّا قولهم: دارى خَلْفَ دارك فرسَخاً، فانتَصب لأنَّ خَلْفَ خَبَرٌ للدار، وهو كلامٌ قد عَمِلَ بعضُه فى بعض واستَغنى، فلمَّا قال: دارى خلف دارك أَبْهَمَ، فلم يُدْرَ ما قدرُ ذاك، فقال: فرسَخاً وذِراعا ومِيلا، أراد أن يبيَّنَ. فيَعملُ هذا الكلامُ فى هذه الغايات بالنَّصب كما عَمل: له عِشْرون درهماً في الدرهم، كأن هذا الكلام شيء منَّونٌ يَعمل فيما ليس من اسمه ولا هو هو، كما كان: أفضلُهم رَجُلا، بتلك المنزلة.
وإنْ شئت قلت: دارى خلفَ دارك فرسخانِ، تُلْغِى خلفَ كما تُلغِى فيها إذا قلت: فيها زيدٌ قائمٌ.
وزعم يونسُ أنّ أبا عمرو كان يقول: دارى من خَلْفِ دارك فرسخانِ، فشبَّهه بقولك: دارُك منّى فرسخانِ، لأنَّ خلفَ ههنا اسمٌ، وجَعَل مِنْ فيها بمزلتها فى الاسم. وهذا مذهبٌ قوىٌّ.
وأما العربُ فتَجعلُه بمنزلة قولك: خَلْفَ، فتَنصبُ وتَرفعُ، لأنك تقول: أنت من خَلْفى، ومعناه أنت خَلْفى، ولكنّ الكلام حَذْف. ألاَ ترى أنَّك تقول: دارُك من خلفِ دارى، فيَستغنى الكلامُ.
وتقول: أنت منّى فرسخَينِ، أى أنت منّى ما دُمْنَا نَسيرُ فرسخَينِ، فيكون ظرفاً كما كان ما قبله مما شُبّه بالمكان.
стр. 416
وأما الوَقت والساعاتُ والأيّام والشُّهور والسَّنون، وما أشبه ذلك من الأزمنة والأحيان التى تكون فى الدهر، فهو قولك: " القِتالُ يومَ الجمعة "، إذا جعلت يوم الجمعة ظرفاً، و " الهلال الليلة ". وإنَّما انتَصبا لأنك جعلتهما ظرفًا وجعلتَ القتال في يوم الجمعة، والهلالَ فى الليلة.
وإن قلت: الليلةَ الهلالُ، واليومَ القِتالُ نصبتَ، التقديمُ والتأخيرُ فى ذلك سَواءٌ. وإن شئت رفعتَ فجعلتَ الآخِرَ الأوّلَ.
وكذلك: اليومَ الجمعةُ واليومَ السبتُ، وإن شئت رفعتَ. فأمّا اليومُ الأحَدُ، واليومُ الاثنانِ، فإِنّه لا يكون إلاّ رفعاً، وكذلك إلى الخميس، لأنه ليس يعمل فيه كأَنّك أردت أن تقول: اليومُ الخامسُ والرابعُ. وكذلك: اليومُ خَمسةَ عَشَرَ من الشهر، إنَّما أردت هذا اليومُ تمامُ خَمْسةَ عَشَرَ من الشهر،
стр. 417
ويومان من الشهر رُفع كلُّه، فصار بمنزلة قولك: العامُ عامُها.
ومن العرب من يقول: اليومَ يومْك، فيَجعلُ اليومَ الأوّلَ بمنزلة الآنَ، لأنّ الرجل قد يقول: أنا اليومَ أَفعل ذاك، ولا يريد يومًا بعينه.
وتقول: عَهْدى به قَريبًا وحَديثًا، إذا لم تَجعلِ الآخِرَ هو الأوّلَ. فإِن جعلتْ الآخِر هو الأوّلَ رفعتَ. وإذا نصبتَ جعلتَ الحديثَ والقريبَ من الدهر. وتقول: عَهْدى به قائمًا وعِلْمى به ذا مالٍ، فتَنصبُ على أنَّه حال وليس بالعهد ولا العلم، وليسا هنا ظرفَيْنِ.
وتقول: ضَربى عبدَ الله قائماً، على هذا الذى ذكرتُ لك.
واعلم أنَّ ظروفَ الدهرِ أشدُّ تمكّنا فى الأسماء، لأنها تكون فاعِلةً ومفعولةً. تقول: أَهْلَكَك الليلُ والنهارُ، واستَوفيتَ أيّامَك، فأُجرِىَ الدهرُ هذا المجرى. فأَجْرِ الأشياءَ كما أَجروها.
هذا باب الجَرّ
والجرُّ إنما يكون فى كلّ اسمٍ مضافٍ إليه. واعلم أنّ المضاف إليه ينجر بثلاثة أشياء: بشيء ليس باسم ولا ظرف، وبشيء يكون ظرفا، وباسم لا يكون ظرفا.
فأمّا الذى ليس باسم ولا ظرف فقولك: مررتُ بعبدِ الله، وهذا لعبدِ الله، وما أنت كزيدٍ، ويالَبَكْرٍ، وتَاللهِ لا أفعلُ ذاك ومِنْ وفي
стр. 418
ومُذْ، وعنْ ورُب وما أشبه ذلك، وكذلك أخذتُه عن زيدٍ، وإلى زيدٍ.
وأمّا الحروفُ التى تكون ظرفاً فنحو خَلفَ وأَمامَ، وقدام ووراء، وفوق وتحت، وعند وقبل، ومع وعلى، لأنك تقول: من عليك، كما تقول: من فوقك، وذهب من معه.
وعن أيضاً ظرف بمنزلة ذات اليمين والناحية. ألا ترى أنك تقول: من عن يمينك، كما تقول: من ناحية كذا وكذا.
وقبالة، ومكانك، ودون، وقبل، وبعد، وإزاء، وحذاء، وما أشبه هذا من الأمكنة والأزمنة. وذلك قولك: أنت خلف عبد الله، وأمام زيد، وقُدّام أخيك، وكذلك سائُر هذه الحروف.
وهذه الظروفُ أسماءٌ، ولكنها صارت مواضعَ للأشياءِ.
وأمّا الأسماءُ فنحوُ: مِثلٍ، وغَيرٍ، وكُلَّ، وبَعْضٍ. ومثلُ ذلك أيضاً الأسماءُ المختصَّةُ نحوُ: حِمارٍ، وجِدارٍ، ومالٍ، وأَفعَلَ نحوَ قولك: هذا أَعْمَلُ الناس، وما أشبه هذا من الأسماء كلَّها، وذلك قولك: هذا مِثْلُ عبدِ الله، وهذا كل مالك وبعض، وهذا حمار زيد وجدار أخيك، ومال عمرو. وهذا أَشَدُّ الناسِ.
وأمَّا الباء وما أشبهها فليست بظروف ولا أسماءٍ، ولكنَّها يضاف بها
стр. 419
إلى الاسم ما قبله أو ما بعده. فإِذا قلتَ: يا لَبَكْرٍ فإِنَّما أردت أن تَجعل ما يَعمل فى المُنادَى من الفعل المضمر مُضافا إلى بكرٍ باللام.
وإذا قلتَ: مررتُ بزيدٍ، فإِنَّما أضفتَ المرورَ إلى زيد بالباء، وكذلك هذا لِعبدِ الله. وإذا قلت: أنت كعبدِ الله، فقد أضفتَ إلى عبد الله الشبَهَ بالكاف. وإذا قلت: أخذتُه من عبدِ الله فقد أضفتَ الأَخذَ إلى عبد الله بِمن. وإذا قلت: مُذْ زمانٍ فقد أضفتَ الأمرَ إلى وقتٍ من الزمان " بمُذ ". وإذا قلت: أنت فى الدارِ فقد أضفت كينونتَك فى الدار إلى الدار بِفى. وإذا قلت: فيك خصلة سوء، فقد أضفت إليه الرَّداءَةَ بفِى. وإذا قلت: رب رجل يقول ذاك، فقد أضفت القول إلى الرجل برب. وإذا قلت: بالله والله وتالله فإِنما أضفتَ الحَلْفَ إلى الله سبحانه. كما أضفتَ النداءَ باللام إلى بكرٍ حينَ قلت: يالَبَكْرٍ. وكذلك رَوَيتُه عن زيدٍ، أضفتَ الرواية إلى زيد بعن.
باب مَجرى النعتِ على المنعوتِ ..
والشَّريكِ على الشَّريكِ والبَدَلِ على المُبْدِلَ منه وما أشبه ذلك
فأما النَّعت الذى جرى على المنعوت فقولك: مررتُ برجُلٍ ظَريفٍ قَبْلُ، فصار النعتُ مّجروراً مثلَ المنعوت لأنّهما كالاسم الواحدِ. " وإنما
стр. 420
صارا كالاسم الواحد " من قِبَلِ أنَّك لم تُرِدِ الواحدَ من الرجال الَّذين كل واحدٍ منهم رجُلٌ، ولكنَّك أردت الواحدَ من الرجال الَّذين كلُّ واحد منهم رجُلٌ ظريفٌ، فهو نكرةٌ، وإنَّما كان نكرةً لأنه من أُمّةٍ كلُّها له مثلُ اسمه. وذلك أَنَّ الرجالَ كلُّ واحدٍ منهم رجلٌ، والرَّجالُ الظرفاءُ كلُّ واحد منهم رجلٌ ظريفٌ، فاسمُه يَخِلطه بأُمّته حتَّى لا يُعْرَفَ منها.
فإِنْ أَطلتَ النعتَ فقلتَ: مررتُ برجل عاقِلٍ كَريمٍ مُسْلمٍ، فأَجْرِه على أوّله.
ومن النعت أيضاً: مررتُ برجلٍ أَيَّما رجلٍ، فأَيُّما نعتٌ للرجل فى كماله وبَذَّه غيرَه، كأَنه قال: مررتُ برجلٍ كاملٍ.
ومنه: مررتُ برجُلٍ حَسْبِك من رجُلٍ. فهذا نعت للرجل بإِحسابهِ إيّاك من كلّ رجلٍ. وكذلك: كافيك من رجلٍ، وهَمَّك من رجلٍ، " وناهيك من رجلٍ "، ومررتُ برجلٍ ما شئتَ من رجلٍ، ومررتُ برجلٍ شَرْعِك من رجلٍ، ومررتُ برجلٍ هَدَّك من رجلٍ، " وبامرأةٍ هَدَّك من امرأةٍ ". فهذا كلُّه على معنىً واحدٍ، وما كان منه يَجرى فيه الإِعرابُ فصار نعتاً لأوّله جرى على أوّله.
стр. 421
وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقول: مررتُ برجلٍ هَدَّك من رجلٍ، ومررتُ بامرأةٍ هدَّتْك من امرأةٍ؛ فجعله فعلا " مفتوحاً، كأَنه قال: فَعَلَ وفَعَلَتْ "، بمنزلة كَفاك وكَفَتْك.
ومن النعت أيضاً: مررتُ برجلٍ مِثْلِك. فمِثْلُك نعتٌ على أنك قلت هو رجل كما أنك رجل، ويكون نعتاً أيضاً على أنه لم يَزِدْ عليك ولم ينقص عنك في شيء من الأمور. ومثلُه: مررتُ برجلٍ مِثْلِك، أى صُورتُه شَبيهةٌ بصورتِك، وكذلك: مررتُ برجلٍ ضَرْبِك وشِبْهِكَ. وكذلك نَحْوِك، يُجْرَيْنَ فى المعنى والإِعرابِ مُجْرًى واحدا، وهنّ مضافاتٌ إلى معرفةٍ صفاتٌ لنكرةٍ.
" ويونسُ يقول: هذا مِثلُكَ مُقبِلا، وهذا زيدٌ مِثْلَك، إذا قدَّمه جعله معرفة وإذا أخَّره جعله نكرة. ومن العرب من يوافِقُه على ذلك ".
ومنه: مررتُ برجلٍ شَرًّ منك، فهو نعتٌ على أنه نقصَ أَنْ يكون مثَله.
ومنه: مررتُ برجلٍ خيرٍ منك، فهو نعتٌ له بأنَّه قد زاد على أن يكون مثلَه.
ومنه: مررتُ برجلٍ غَيْرِك، فغيرُك نعتٌ يُفصَل به بين مَنْ نَعَتَّه بغَيْرٍ وبين من أضَفتَها إليه حتَّى لا يكون مثلَه أو يكونَ مَرَّ باثنين.
ومنه: مررتُ برجلٍ آخَرَ، " فآخر " نعتٌ على نحو غَيْرِ.
стр. 422
ومنه: مررتُ برجلٍ حَسَنِ الوجهِ، نعتَّ الرجلَ بحسن وجهه ولم تجعل فيه الهاء هى إضمارُ الرجلِ، كما تقول: حَسَنٌ وجههُ، لأنَّه إذا قيل حَسَنُ الوجهِ عُلم أنه لا يَعنى من الوجوه إلاَّ وجهَه.
ومثل ذلك: مررت بامرأة حسنة الوجهِ، إنَّما أَدخلتَ الهاءَ فى الحسَنَةِ لأَِنّ الحسَنَة إنَّما وقعتْ نعتاً لها ثم بلغتَ به بعد ما صار نعتاً لها حيث أردتَ، فمن ثم صارتْ فيها الهاءُ. وليست بمنزلة حَسَن وجههُ فى اللفظ وإن كان المعنى واحداً؛ لأنّ الحُسْنَ ههنا للأوَّل ثم تضيفه إلى من تريد، وحَسَن الوجه مضافٌ إلى معرفةٍ صفةٌ للنكرة، فلمَّا كانت صفةً للنكرة أُجريت مُجراها كما جرت مجراها أخواتُها مِثْلٌ وما أِشبهها.
وممَّا يكون نعتاً للنكرة وهو مضافٌ إلى معرفةٍ قول الشاعر، امرؤ القيس:
بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأَوَابِدِ لاحَهُ ... طِرادُ الهَوادِى كلَّ شأ ومغرب
ومنه أيضاً: مررتُ على ناقةٍ عُبْر الهَواجِرِ.
стр. 423
وممّا يكون مضافاً إلى المعرفة ويكون نعتاً للنكرة الأسماءُ التى أُخذت من الفعلِ فأُريدَ بها معنى التنوين. من ذلك: مررتُ برجلٍ ضاربك، فهو نعت على أنه سيَضربه، كأَنك قلت: مررتُ برجلٍ ضارِبٍ زيداً، ولكن حُذف التنوينُ استخفافا. وإن أظهرتَ الاسمَ وأردتَ التخفيف والمعنى معنى التنوين، جرى مجراه حين كان الاسمُ مضمَراً، وذلك قولُك: مررتُ برجلٍ ضاربه رجل؛ فإنْ شئت حملتَه على أنّه سيفَعل، وإن شئتَ على أنَّك مررت به وهو فى حالِ عملٍ، وذلك قوله : " هذا عارض ممطرنا ". فالرفعُ ههنا كالجرّ فى باب الجرّ.
واعلم أنَّ كل مضافٍ إلى معرفةٍ وكان للنكرة صفةً فإِنّه إذا كان موصوفاً أو وَصْفا أو خَبَراً أو مبتدأَ، بمنزلة النكرة المُفرَدةِ. ويدلّك على ذلك قول " الشاعر، وهو " جرير:
ظَلِلنا بمُسْتَنَ الحَرورِ كأَنّنا ... لَدَى فَرَسٍ مُسْتَقْبِل الريح صائم
стр. 424
كأَنه قال: لدى مستقبل صائمٍ.
وقال المَرّار الأَسدىّ:
سَلَّ الهُمومَ بكلَّ مُعْطِى رأْسِه ... ناجٍ مُخالِطِ صُهْبةٍ متَعيَّسِ
مُغتالِ أَحْبُلِهِ مُبينٍ عُنْقُه ... فى مَنْكِبٍ زَبَنَ المَطَّى عَرَنْدسِ
سمعناه ممّن يَرويه من العرب يُنشِدُه هكذا. ومنه أيضاً قول ذى الرُّمّة:
سَرَتْ تَخْبِطُ الظلْمَاءَ من جانِبَىْ قَساً ... وحُبّ بها من خابِطِ اللَّيْلِ زائِرِ
فكأَنّهم قالوا: بكلَّ مُعْطٍ " رأسَه "، ومن خابط " الليل ". ومثله قول جرير:
стр. 425
يارب غابطِنا لو كان يَعرفُكْم ... لاقَى مُباعدةً منكْم وحِرْمانَا
وقال أبو مِحْجَنِ الثَّقَفّى:
يا رُبّ مثلك فى النساء غريرة ... بيضاء قد متعتها بطَلاقٍ
فرُبّ لا يقع بعدها إلاّ نكرةٌ، فذلك يدلّك على أنّ " غابطنا " " ومثلك " نكرةٌ.
ومن ذلك قول العرب: لى عِشْرون مِثْلَه ومائةُ مثلِه، فأَجروا ذلك بمنزلة عشرين درهما ومائة درهمٍ. فالمِثْلُ وأخَواتُه كأَنّه كالذى حُذف منه التنوينُ فى قوله مِثْلٌ زيدا وقَيدٌ الأوابد. وهذا تمثيل، ولكنها كمائة وعشرين، فلزمها شيء واحد وهو الإِضافة. يريد أنَّك أردت معنى التنوين. فمثلُ ذلك قولهم: مائةُ درهمٍ.
следующие страницы →